[١٨٦٣] وعنه؛ وسئل عن الفضيخ فقال: مَا كَانَت لَنَا خَمرٌ غَيرَ فَضِيخِكُم، هَذَا الَّذِي تُسَمُّونَهُ الفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسقِيهَا أَبَا طَلحَةَ، وَأَبَا أَيُّوبَ،
ــ
خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر). وهذه الأحاديث على كثرتها تبطل مذهب أبي حنيفة، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب. وما كان من غيره لا يُسمَّى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يُسمى نبيذًا. وهذا مخالف للُّغة، والسُّنَّة.
ألا ترى: أنه لما نزل تحريم الخمر فهمت الصحابة جميعهم من ذلك تحريم كل ما يُسكر نوعه؟ فسَوَّوا في التحريم بين المعتصر من العنب وغيره، ولم يتوقفوا في ذلك، ولا سألوا عنه؛ لأنَّهم لم يشكل عليهم شيء من ذلك، فإنَّ اللِّسان لسانهم، والقرآن نزل بلغتهم. ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ، أو توهُّم، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويسألوا، لا سيما وكان النبيذ عندهم مالًا محترمًا منهيًّا عن إضاعته قبل التحريم، فلما فهموا التحريم نصًّا ترجَّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ. ثم كان هذا من جميعهم من غير خلاف من أحد منهم، فصار القائل بالتَّفريق سالكًا غير سبيلهم. ثم إنَّه قد ثبتت أحاديث نصوصٌ في التسوية بين تلك الأشياء، وأن كلَّ ذلك خمر على ما يأتي بعد هذا.
وقد خطب عمر بن الخطاب ﵁ الناس فقال: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل. والخمر: ما خامر العقل. وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهل اللسان، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وهو الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه.
وإذا ثبت أن كل ذلك يقال عليه (١): خمر؛ فيلزمه تحريم قليله وكثيره، ولا يحل شيء منه تمسُّكًا بتحريم مُسمَّى الخمر، ولا مخصص، ولا مفصل يصحّ في ذلك. بل قد وردت الأحاديث الصحيحة والحسان بالنص على: أنَّ ما حَرُمَ كثيره حَرُمَ قليله. روى الترمذي من حديث جابر بن
стр. 2907
وَرِجَالًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِنَا، إِذ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَل بَلَغَكُم
ــ
عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (١). قال: هذا حديث حسن غريب. وروى أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كلُّ مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَق (٢)، فملء الكفِّ منه حرام) (٣). وإسناده صحيح.
وأمَّا الأحاديث التي تمسك بها المخالف؛ فلا يصح شيء منها على ما قد بيَّن عللها المحدِّثون في كتبهم، وليس في الصحاح شيء منها، ثم العجب من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنَّهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرام ككثيره، وهو مُجمع عليه، فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر، وليس مُذهبًا للعقل؟ فلا بدَّ أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتَّعَبُّد، فحينئذ يقال لهم: كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ. فيحرم أيضًا؛ إذ لا فارق بينهما. إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك. القياس أرفع أنواع القياس؛ لأنَّ الفرع فيه مساو للأصل في جميع أوصافه. وهذا كما نقوله في قياس الأمة على العبد في سراية العتق. ثم العجب من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه، فإنَّهم يتوغلون في القياس، ويرجحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسُّنة، وإجماع صدر الأمَّة.
تفصيل: ذهب جمهور العلماء من السَّلف، وغيرهم: إلى أن كل ما يسكر نوعه حرم شربه، قليلًا كان أو كثيرًا، نَيِّئًا كان أو مطبوخًا، ولا فرق بين المستخرج من العنب، أو غيره كما قررناه. وأن من شرب شيئًا من ذلك حُدَّ. فأمَّا المستخرج من العنب المسكر النِّيء: فهو الذي انعقد الإجماع على تحري كثيره وقليله، ولو
стр. 2908
الخَبَرُ؟ قُلنَا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت، فَقَالَ: يَا أَنَسُ، أَرِق هَذِهِ القِلَالَ، قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنهَا بَعدَ خَبَرِ الرَّجُلِ.
ــ
النُّقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهور على تحريمه على ما ذكرناه.
وخالف الكوفيون في القليل مما عدا ما ذكر. وهو الذي لا يبلغ الإسكار. وفي المطبوخ من المستخرج من العنب: فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزبيب النَّيِّء، وأما المطبوخ منهما والنَّيِّء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قصر التَّحريم على المعتصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل. فيرى: أنَّ سُلافَةَ العنب يحرم قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثُلثاها. وأمَّا نقيع الزبيب والتمر: فيحل مطبوخهما، وإن مسَّته النار مسًّا قليلًا من غير اعتبار بحدٍّ. وأما النَّيِّء منه فحرام، ولكنه مع تحريمه إيَّاه لا يوجب الحدَّ فيه. وهذا كله ما لم يقع الإسكار، فإنَّ وقع الإسكار استوى الجميع. هذه حكاية الإمام أبي عبد الله. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور على ما قررناه، والحمد لله.
وفي حديث أنس هذا أبواب من الفقه. منها: أن الواحد كان معمولًا به عندهم، معلومًا لهم، ألا ترى أنهم لم يتوقفوا عند إخبار المخبر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مباحًا لهم.
ومنها: أن نداء المنادي عن الأمير يتنزل في العمل منزلة سماع قوله.
ومنها: أن المحَّرم الأكل أو الشُّرب لا ينتفع به في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره.
وفيه: كسر أواني الخمر. وعليه تُخَرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لما داخلها من الخمر، ولعسر غسلها، وفي الأخرى: إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها. وعلى هذا: فإذا كانت الأواني مضرَّاة في الخمر لا ينتفع بها لشيء من الأشياء؛ تكسر على كل حال، ولذلك شدَّد مالك في الزقاق، فإنَّ تَعَلَّق الرائحة بها عَسر الانفكاك، بل لا ينفك.
стр. 2909
وفي رواية: فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: يَا أَنَسُ، قُم إِلَى هَذِهِ الجَرار فَاكسِرهَا، فَقُمتُ إِلَى مِهرَاسٍ لَنَا فَضَرَبتُهَا بِأَسفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَت.
رواه مسلم (١٩٨٠) (٤ و ٥).
[١٨٦٤] وعنه: لقد أنزل الله الآية التي حرم الله فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.
رواه مسلم (١٩٨٢).
* * *
ــ
و(المهراس): الحجر الذي يُهرَس، ويدق به.
و(قول أنس: لقد أنزل الله الآية التي حرَّم فيها الخمر) يعني بها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجتَنِبُوهُ﴾ وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها، لا بآحادها. وقد فَهِم منها التحريم قطعًا الصَّحابة، ولذلك قال عمر ﵁ عند سماع: ﴿فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ﴾ انتهينا، انتهينا. وقد سبق: أن الخمر: كل ما يخامر العقل. والميسر: القِمار، وهو لعب يُؤكل به مال الغير بحيث لا يحصل له به لا أجر، ولا شكر. ومنه: النرد، والشطرنج. حكي ذلك عن عثمان ومجاهد. والأنصاب: كل ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى، ويذبح عنده، كما كانت الجاهلية تفعل، والأزلام: قداح يضربون بها عند العزم على الأمر، في بعضها: افعل. وفي بعضها: لا تفعل. وبعضها لا شيء فيه. فإذا خرج هذا؛ أعادوا الضرب. وقيل: كان في أحدهما: أمرني ربي، وفي الأخرى: نهاني ربي. والرجس: النجس، وهو المستخبث شرعًا.
و(قوله: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾؛ أي: يَحمِلُ عليه، ويُزَيِّنُه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتدي به فيها. والعَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ: معروفان.
стр. 2910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾: يصرفكم عنهما، فيُذهب العقل، ويُضيِّع الوقت.
ويُفهم من هذه الآية أيضًا: الحكم بتنجيس الخمر. وهو مذهب كافة علماء السَّلف والخلف إلا شذوذًا. وإليه ذهب ربيعة، وحكي عن الليث، والمزني. ووجه التمسك بها على التَّنجيس: أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس، والرجس: النجس القذر، فتنجس. وأيضًا: فلما غلَّظ تحريمها، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقًا، مبالغة في التحريم، كما فعل في الخنزير، والدم، وغير ذلك من الخبائث المحرمات. ويتحرَّر القياس بأن يقال: مستخبث شرعًا حرم شربه، فيكون نجسًا كالبول.
وفي الآية مباحث كثيرة، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءًا مفردًا.
و(قوله: قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم) هذا القول أصدره عن قائله إما غلبة خوف وشفقة، وإما غفلة عن المعنى. وبيان ذلك: أن الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صحَّ أنهم كانوا يشربونها، والنبي ﷺ يُقرّهم عليها. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُم سُكَارَى﴾ ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمٌّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأنَّ المباح مستوي الطرفين بالنسبة للشرع كما يعرف في الأصول. وعلى هذا: فما ينبغي أن يُتخوَّف ولا يُسأل عن حال من مات والخمر في بطنه وقت إباحتها، فإمَّا أن يكون ذلك القائل غفل عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذة، ومعاقبة لأجل شرب الخمر المتقدِّم، فإنَّ الشفيقَ بسوءِ الظنِّ مولعٌ، فرفع الله ذلك التوهُّم بقوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾؛ أي: فيما شربوا. وهذا مثل قوله تعالى في نَهر طالوت: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛
стр. 2911
(٢) باب الخمر من النخيل والعنب
[١٨٦٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة.
ــ
أي: ومن لم يشربه. وأصل هذا اللفظ في الأكل. يُقال: طَعِمَ الطَّعام، وشَرِب الشراب. لكن قد تجوَّز في ذلك. وأحسن ما قيل في الآية: إن معنى قوله: ﴿طَعِمُوا﴾ شربوا الخمر قبل تحريمها، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوا﴾ شربها بعده، ﴿وَآمَنُوا﴾ بتحريمها، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ التي تَصدُّ عنها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوا﴾ داوموا على اجتنابها، ﴿وَآمَنُوا﴾ بالوعيد عليها، ﴿ثُمَّ اتَّقَوا﴾ سوء التأويل في تحريمها، ﴿وَأَحسَنُوا﴾ في اجتنابها مراقبة الله. وقيل: إنَّ تكرار الاتقاء في مقابلة دواعي النفس، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها، وتشديد الوعيد فيها. و (الجناح): الإثم والمؤاخذة.
(٢ و ٣) ومن باب: الخمر من النخل والعنب والنهي عن اتخاذها خلًا (١)
(قوله ﷺ : الخمر من هاتين الشجرتين: العنبة، والنخلة) حجَّة للجمهور على تسمية ما يُعتصر من غير العنب: بالخمر إذا أسكر، كما قدَّمناه. ولا حجَّة فيه لأبي حنيفة على قوله، حيث قصر الحكم بالتحريم على هاتين الشجرتين؛ لأنَّه قد جاء في أحاديث أخر ما يقتضي تحريم كل مسكر، كقوله: (كل مسكر حرام) (٢)،
стр. 2912
وفي رواية: الكرمة، والنخلة.
رواه أحمد (٢/ ٥٢٦)، ومسلم (١٩٨٥) (١٤ و ١٥)، وأبو داود (٣٦٧٨)، والترمذي (١٨٧٥)، وابن ماجه (٣٣٧٨).
[١٨٦٦] وعن أَنَس بن مَالِكٍ قال: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن يُخلَطَ التَّمرُ وَالزَّهوُ، ثُمَّ يُشرَبَ، وَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَّةَ خُمُورِهِم يَومَ حُرِّمَت الخَمرُ.
رواه أحمد (٣/ ١٤٠)، ومسلم (١٩٨١)، والنسائي (٨/ ٢٩١).
* * *
ــ
و: (كل ما أسكر حرام) (١)، وحديث معاذ حيث سُئل رسول الله ﷺ عن شراب العسل، والذرة، والشعير، فقال: (أنهى عن كل مسكر) (٢). وإنَّما خُصَّ في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر؛ لأن أكثر الخمر منهما، أو أعلى الخمر عند أهلها. والله أعلم. وهذا نحو قولهم: المال الإبل؛ أي: أكثرها وأعمَّها.
و(قوله في رواية: الكَرمَة والنخلة) يشكل مع قوله ﷺ : (لا تقولوا للعنب الكرم، فإنَّ الكرم قلب المؤمن) (٣)، ويزول الإشكال بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم بعد ذلك ورد النهي. أو يقال: إنه ﷺ لم يدخل في هذا الخطاب، فإنَّه قال فيه: (ولا تقولوا، فواجهنا به، والمخاطب غير المخاطب، كما تقرَّر في الأصول.
و(قول أنس: نهى رسول الله ﷺ أن يخلط التمر والزهو، ثم يشرب) ظاهرٌ
стр. 2913
(٣) باب النهي عن اتخاذ الخمر خلا، وعن التداوي بها، وعن خلط شيئين مما يبغي أحدهما على الآخر
[١٨٦٧] عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَن الخَمرِ تُتَّخَذُ خَلًّا فَقَالَ: لَا.
رواه أحمد (٣/ ١١٩)، ومسلم (١٩٨٣)، وأبو داود (٣٦٧٥)، والترمذي (١٢٩٤).
ــ
في تحريم خلطهما وشربه، وهو مذهبُ كافة فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء، ومالك في أحد قوليه، وفي الثاني الكراهة، وهو مشهورُ مذهبه. وقد شذَّ أبو حنيفة، وأبو يوسف فقالا: لا بأس بخلط ذلك وشُربه. وقالا: ما حل مفردًا حلَّ مجموعًا. وهذه مخالفة للنصوص الشرعية، وقياسٌ فاسد الوضع، ثم هو منتقِضٌ بجواز نكاح كلِّ واحدةٍ من الأختين مُنفرِدَةً، والجمع بينهما حرامٌ بالإجماع. وأعجب من ذلك تأويلُ أصحابهما للحديث، إذ قالوا: إن النَّهي عن ذلك إنما هو من باب السَّرف بجمع إدامين. وهذا تغيير وتبديل، لا تأويل. ويشهد ببطلانه نصوص أحاديث هذا الباب كلها. ثم إنهم جعلوا الشرابَ إدامًا، فِعل من ذَهَل عن الشرع والعادة، وتعامى، وكيف ينهى عن الجمع بين إدامين وقد جُمعا على مائدة رسول الله ﷺ بغير مَينٍ (١) على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
واختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه، فالذي يليق بمذهب أهل الظاهر عدمُ التعليل. والجمهورُ يُعَلِّلونه بخوف إسراع الشدَّة المسكرة. وعلى هذا: يقصر النهي عن الخلط على كل شيئين يُؤَثِّر كل واحدٍ منهما في الآخر إسراع
стр. 2914
[١٨٦٨] وعن طَارِق بن سُوَيدٍ الجُعفِيَّ أنه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن
ــ
الشِّدَّة إذا خلطا، وهذا هو الذي يُفهم من الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ فإنها مصرَّحة بالنَّهي عن الخلط للانتباذ والشرب. وقد أبعد بعض أصحابنا فمنع الخلط وإن لم يكن كذلك، حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا إنما يليق بمن لم يعلِّل النهي عن الخليطين بعلَّة، ويلزم عليه أن يجري النهي على خلط العسل واللبن، وشراب الورد والبنفسج، والعسل والخلِّ، وغير ذلك. والصواب ما ذهب إليه مالك والجمهور. والله الموفق.
ونهيه ﷺ عن اتخاذ الخمر خلًا ظاهرٌ في تحريم ذلك. وبه قالت طائفة من أهل العلم، وروي عن عمر، وبه قال الزهري، وكرهه مالك، وقال أبو حنيفة: لا بأس بأن تتخذ الخمر خلًا. وكيف يصحُّ له هذا مع هذا الحديث ومع سببه الذي خرج عليه؟ وهو: أن أنسًا روى أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا: أنجعله خلًا؟ قال: (لا)، فهراقه (١)، فلو كان هذا جائزًا لكان قد ضيَّع على الأيتام ما لهم، ولوجب الضمان على من أراقها عليهم، وهو: أبو طلحة. وكل ذلك لم يلزم، فدلَّ ذلك على فساد ذلك القول.
وهذا الحديث أيضًا يدلّ: على أن الخمر لا تُملك بوجه، وهو مذهب الشافعي. وقال بعض أصحابنا: إنَّها تُملك. وليس بصحيح؛ إذ لا تُقرُّ تحت يد أحد من المسلمين، ولا يجوز له التصرُّف فيها إلا بالإراقة، ولا ينتفع بها. فأي معنى لقول من قال: إنه يملكها؟ ! غير أنه يُطلق لفظ التمليك بالمجاز المحض. والله أعلم.
فرع: لو تخلَّلت الخمر بأمرٍ من الله حلَّت. ولا خلاف في ذلك على ما حكاه القاضي عبد الوهاب. فأمَّا لو خلَّلها آدمي فقد أثم؛ لاقتحامه النهي، ثم إنها تحل وتطهر، على الرواية الظاهرة عن مالك، وعنه رواية أخرى: أنها
стр. 2915
الخَمرِ، فَنَهَاهُ أَو كَرِهَ أَن يَصنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصنَعُهَا لدوَاءِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ.
رواه مسلم (١٩٨٤)، وأبو داود (٣٨٧٣)، والترمذيُّ (٢٠٤٧).
ــ
لا تحل تغليظًا على المقتحم. وقال الشافعي: إنها تحل وهي على النجاسة. وهذا ضعيف لوجهين:
أحدهما: أنه منتقضٌ بما إذا تخلَّلت من نفسها.
والثاني: أن الموجب للتحريم والتنجيس - وهو الشدَّة - قد زال، فيزول الحكم.
فإن قيل: هَبكَ أن الشدة قد زالت، لكن بقيت علَّة أخرى للتَّنجيس وهو مخالطة الوعاء النجس فإنَّه تنجس بالخمر، فلما استحالت عينها للخلِّيِّة بقيت ممازجته الوعاء النجس، فتنجست بما خالطها من نجاسة الوعاء.
فالجواب: أن الوعاء حيث استحالت الخمر خلًا طاهرٌ لطهارة ما تعلق به فيه؛ إذ هو الآن جزء من الخل الذي في الوعاء. فإن قيل: فيلزم على هذا أن يزول حكم النجاسة عن المحل بغير الماء، وليس بأصلكم!
فالجواب: إنا وإن لم يكن ذلك أصلنا، فقد خرج عن ذلك الأصل الكلِّي فروع: كالمخرجين، وذيل المرأة، والخف، والنعل إذا تعلقت بها أرواث الدواب، وكالسَّيف الصقيل، وغير هذا مِمَّا استثني عن ذلك الأصل بحكم الدليل الخاصّ، فيمكن أن تَلحق هذه المسألة بتلك المواضع. والتحقيق في الجواب ما أشرنا إليه: من أن عين ما حكمنا بنجاسته لأجله قد طهر، فالمتعلق به الآن طاهرٌ لا نجس، فالوعاء ليس بنجس. والله الموفق.
و(قوله ﷺ للذي سأله عن الخمر فقال: إنما أصنعها للدواء: إنها ليس بدواء، ولكنها داء) دليل: على أنه لا يجوز التداوي بالخمر، ولا بما حرمه
стр. 2916
[١٨٦٩] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَن يُنبَذَ الزَّبِيبُ والتَّمرُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَن يُنبَذَ الرُّطَبُ وَالبُسرُ جَمِيعًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، والبخاريُّ (٥٦٠١)، ومسلم (١٩٨٦) (١٦ و ١٧)، وأبو داود (٣٧٠٣)، والترمذي (١٨٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٩٠)، وابن ماجه (٣٣٩٥).
[١٨٧٠] وعن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن عَن خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمرِ، وَعَن خَلِيطِ الزَّهوِ وَالرُّطَبِ، وعن خَلِيطِ التَّمرِ وَالبُسرِ، وَقَالَ: انتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ.
وفي رواية: لا تنتبذوا الزهو والرطب جميعا، ولا تنتبذوا الزبيب والتمر جميعا، وانتبذوا كل واحد منهما على حدته.
رواه مسلم (١٩٨٨) (٢٤ و ٢٥)، وأبو داود (٣٧٠٤)، والنسائيُّ (٨/ ٢٨٩).
[١٨٧١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَن يُخلَطَ التَّمرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا، وَأَن يُخلَطَ البُسرُ وَالتَّمرُ جَمِيعًا، وَكَتَبَ إِلَى أَهلِ جُرَشَ يَنهَاهُم عَن خَلطِ التَّمرِ وَالزَّبِيبِ.
رواه مسلم (١٩٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٩٠).
* * *
ــ
الله تعالى من النجاسات والميتات، وغيرهما أكلًا، ولا شربًا. وبه قال كثير من أهل العلم.
стр. 2917
(٤) باب النهي عما ينتبذ فيه
[١٨٧٢] عن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَنتَبِذُوا فِي الدُّبَّاءِ، وَلَا فِي المُزَفَّتِ. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاجتَنِبُوا الحَنَاتِمَ.
وفي رواية: أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَن المُزَفَّتِ وَالحَنتَمِ وَالنَّقِيرِ. قِيلَ لِأَبِي هُرَيرَةَ: مَا الحَنتَمُ؟ قَالَ: الجِرَارُ الخُضرُ.
رواه مسلم (١٩٩٣)(٣٢)، وأبو داود (٣٦٩٣)، والنسائي (٨/ ٢٩٧).
[١٨٧٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الدُّبَّاءِ وَالحَنتَمِ، وَالمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ، وَأَن يُخلَطَ البَلَحُ والزَّهو.
رواه أحمد (١/ ٣٠٤)، والبخاريُّ (٤٣٦٨)، ومسلم (١٧) (٤٠ و ٤١)، وأبو داود (٣٦٩٢)، والنسائي (٨/ ٣٢٣)، والترمذيُّ (٢٦١٤).
[١٨٧٤] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الشُّربِ فِي الحَنتَمَةِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ.
وقد تقدم: أن وفد عبد القيس سألوا رسول الله ﷺ
ــ
(٤ و ٥) ومن باب: النهي عن الانتباذ في المزفت والحنتم وغيرهما ونسخ ذلك (١)
قد تقدَّم تفسير هذه الأوعية المذكورة في هذا الباب في كتاب الإيمان، وقد بقيت ألفاظ. فمنها في الأصل: قوله ﷺ : (أنهاكم عن الدُّباء، والحنتم، والنقير،
стр. 2918
عما ينتبذ فيه، فنهاهم أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم.
رواه مسلم (١٨) في الإيمان، والنسائي (٨/ ٣٠٦)، وحديث قدوم وفد عبد القيس تقدم في التلخيص رقم (١٤).
[١٨٧٥] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عُمَرَ عَن نَبِيذِ الجَرِّ فَقَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ، فَأَتَيتُ ابنَ عَبَّاسٍ فَقُلتُ: أَلَا تَسمَعُ مَا يَقُولُ ابنُ عُمَرَ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ؟ قُلتُ: قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ. فَقَالَ: صَدَقَ ابنُ عُمَرَ، حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَبِيذَ الجَرِّ. فَقُلتُ: وَأَيُّ شَيءٍ نَبِيذُ الجَرِّ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَيءٍ يُصنَعُ مِن المَدَرِ.
رواه مسلم (١٩٩٧)(٤٧)، وأبو داود (٣٦٩١)، والترمذيّ (١٨٦٩)، والنسائيُّ (٨/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
ــ
والمقيَّر، والحنتم: المزادة المجبوبة. كذا رواية الكافة. (والحنتم: المزادة) بغير واو، وكأنه تفسير للحنتم، وليس بشيء؛ لأنَّ الحنتم الجرّ، والمزادة: السِّقاء. وقد رواه الهوزني: (والحنتم والمزادة) بالواو، وكذا وقع في كتاب أبي (١) داود. وقد جوَّده النسائي (٢)، فقال: (الحنتم، وعن المزادة المجبوبة)، والمجبوبة (بالجيم، وبالباء الموحدة من تحتها) أي: مقطوعة العنق. قال الهروي وثابت: هي التي قطع رأسها فصارت كهيئة الدّنِّ، وذلك أنَّها لا توكأ، فيعلم إذا غلى ما فيها. وقال الخطابي: لأنها ليست لها عراقي (٣) فتنفس منها، فقد يتغيَّر شرابها ولا يشعر به. وأصل الجبِّ: القطع. وقد رواه بعضهم: (المخنوثة) بالخاء المعجمة،
стр. 2919
[١٨٧٦] وعن زَاذَان قَالَ: قُلتُ لِابنِ عُمَرَ: حَدِّثنِي بِمَا نَهَى عَنهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن الأَشرِبَةِ بِلُغَتِكَ، وَفَسِّرهُ لِي بِلُغَتِنَا، فَإِنَّ لَكُم لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا. فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الحَنتَمِ وَهِيَ الجَرَّةُ، وَعَن الدُّبَّاءِ وَهِيَ القَرعَةُ، وَعَن المُزَفَّتِ وَهُوَ المُقَيَّرُ، وَعَن النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخلَةُ تُنسَحُ نَسحًا وَتُنقَرُ نَقرًا، وَأَمَرَ أَن يُنتَبَذَ فِي الأَسقِيَةِ.
رواه مسلم (١٩٩٧)(٥٧).
[١٨٧٧] وعن أبي الزبير، عَن جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يُنتَبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ، فَإِذَا لَم يَجِدُوا سِقَاءً نُبِذَ لَهُ فِي تَورٍ مِن حِجَارَةٍ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ لِأَبِي الزُّبَيرِ: مِن بِرَامٍ؟ فقَالَ: مِن بِرَامٍ.
رواه مسلم (١٩٩٩)(٦٢)، وأبو داود (٣٧٠٢)، والنسائي (٨/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وابن ماجه (٣٤٠٠).
* * *
ــ
والنون، والثاء المثلثة. وكأنَّه عنده من الحديث الآخر: نهى عن اختناث الأسقية (١). والصواب الأوَّل.
و(قوله في تفسير النَّقير: هي النخلة تُنسج نَسجًا) بالجيم عند ابن الحذاء. وعند غيره: (تُنسحُ نَسحًا) بالسين والحاء المهملتين. وهو الصواب. ومعناه: يقشر عنها قشرها. والنُّساحة -بضم النون -: ما تساقط من قشر الثمر. و (تُنقر نقرًا) - بالنون فيهما -: رواية الجماعة. والله تعالى أعلم. وعند ابن الحذاء: بالباء بواحدة من تحتها؛ أي: تشق. و (المدر): الطين. يقال: مدرت الحوض، أمدره: إذا أصلحته بالمدر. وهو الطِّين. و (البرام): جمع بُرَّمة. وتجمع أيضًا: بُرُم. وهي قدور من حجارة.
стр. 2920
(٥) باب نسخ ذلك والنهي عن كل مسكر
[١٨٧٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نَهَيتُكُم عَن النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ، فَاشرَبُوا فِي الأَسقِيَةِ كُلِّهَا، وَلَا تَشرَبُوا مُسكِرًا.
وفي رواية: نَهَيتُكُم عَن الظُّرُوفِ، وَإِنَّ الظُّرُوفَ - أَو: ظَرفًا - لَا يُحِلُّ شَيئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ.
رواه مسلم (٩٧٧) في الأشربة (٦٣ و ٦٤)، وأبو داود (٣٦٩٨)، والترمذي (١٨٧٠)، والنسائي (٨/ ٣١١)، وابن ماجه (٣٤٠٥).
[١٨٧٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قَالَ: لَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن النَّبِيذِ فِي الأَوعِيَةِ قَالَوا: لَيسَ كُلُّ النَّاسِ يَجِدُ سقاء، فَأَرخَصَ لَهُم فِي الجَرِّ، غَيرِ المُزَفَّتِ.
رواه البخاري (٥٥٩٣)، ومسلم (٢٠٠٠)، وأبو داود (٣٧٠٠).
* * *
ــ
وحاصل أحاديث النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية: المنع للذي يخاف من سرعة تغيُّر النبيذ وشربه، ولا يشعر الشارب بتغيُّره، وتفسد أيضًا ماليِّته. فهو من باب حماية ذرائع السكر، وإفساد المال، فلما تعذرت ظروف الأدم عليهم لقِلَّتها حين قالوا له: ليس كل الناس يجد سقاء، وبأكل الجرذان لها، كما قال في حديث وفد عبد القيس - وشق ذلك عليهم - رفع ذلك عنهم بأن وسَّع عليهم، وأباح لهم ما كان منعهم منه من تلك الأوعية، ونصَّ على المعنى الذي ينبغي أن يُتحرَّز منه، وهو المسكر، فقال: (نهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ، وإنَّ ظرفًا لا يُحلُّ شيئا ولا يُحرِّمه، وكل مسكر حرام). وفي اللفظ الآخر: (فاشربوا في الأسقية كلَّها،
стр. 2921
(٦) باب كل شراب مسكر خمر وحرام وما جاء في إثم من شربه
[١٨٨٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن البِتعِ؟ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ.
رواه أحمد (٦/ ١٩٠)، والبخاريُّ (٥٥٨٥)، ومسلم (٢٠٠١)(٦٧)، وأبو داود (٣٦٨٢)، والترمذي (١٨٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٩٨)، وابن ماجه (٣٣٨٦).
[١٨٨١] وعن أبي موسى قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ فَقَالَ: ادعُوَا النَّاسَ، وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا، وَلَا تُعَسِّرَا. قَالَ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفتِنَا فِي شَرَابَينِ كُنَّا نَصنَعُهُمَا بِاليَمَنِ: البِتعُ، وَهُوَ مِن العَسَلِ يُنتبَذُ حَتَّى يَشتَدَّ، وَالمِزرُ، وَهُوَ مِن الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنبَذُ حَتَّى يَشتَدَّ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد أُعطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، ..........
ــ
ولا تشربوا مسكرًا) فثبت النسخ، وارتفع التضييق، والحمد لله. ومع وضوح هذا النسخ فقد كره مالك الانتباذ في الدُّباء والمزفت مبالغة في الاتقاء والورع؛ لأنَّ هذين الوعاءين أمكن في المعنى الذي قرَّرناه، ولحديث عبد الله بن عمرو، الذي قال فيه: فأرخص لهم رسول الله ﷺ في الجرِّ غير المزفت (١). والله تعالى أعلم.
(٦) ومن باب: كل مسكر خمرٌ وحرامٌ
(قوله: وكان رسول الله ﷺ قد أُعطي جوامع الكلم وخواتمه) يعني بالجوامع: الكلمات البليغة، الوجيزة الجامعة للمعاني الكثيرة، وقد جاء هذا اللفظ
стр. 2922
فَقَالَ: أَنهَى عَن كُلِّ مُسكِرٍ أَسكَرَ عَن الصَّلَاةِ.
وفي رواية: كُلُّ مَا أَسكَرَ عَن الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ.
رواه أحمد (٤/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٦١٢٤)، ومسلم (١٧٣٣) (٧٠ و ٧١)، وأبو داود (٣٦٨٤)، والنسائي (٨/ ٢٩٩).
[١٨٨٢] وعَن جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِن جَيشَانَ - وَجَيشَانُ مِن اليَمَنِ - فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَن شَرَابٍ يَشرَبُونَهُ بِأَرضِهِم مِن الذُّرَةِ يُقَالَ لَهُ: المِزرُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَوَمُسكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
ــ
ويراد به: القرآن في غير هذا الحديث. ويعني بخواتيم الكلام: أنه يختم كلامه بمقطع وجيز بليغ كما بدأه بمبدأ وجيز بليغ جامع. ويعني بجملة هذا الكلام - والله أعلم -: أن كلامه من مبدئه إلى خاتمته كله بليغ وجيز، ولذلك كانت العرب الفصحاء تقول له: ما رأينا الذي هو أفصح منك. فيقول: (وما يمنعني وقد أنزل القرآن بلساني؛ لسانٍ عربي مبينٍ) (١).
و(قوله: أنهى عن كل مسكرٍ أسكر عن الصلاة) أي: صَدَّ عنها بما فيه من السكر، كما أشار الله تعالى إليه حيث قال: ﴿وَيَصُدَّكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَل أَنتُم مُنتَهُونَ﴾
و(قوله ﷺ : أومُسكرٌ هو؟ ) الرواية التي لا يعرف غيرها هي بفتح الهمزة، وفتح الواو، وعلى جهة الاستفهام عن صفة النبيذ المسؤول عنه، وهو حجَّة على من يعلق التحريم على وجود الإسكار بالشارب من غير اعتبار وصف المشروب. وهم الحنفية. وهذا نص في أن المعتبر شرعًا إنما هو المعنى الذي في الخمر؛ الذي يعبر عنه الفقهاء بالشَّدَّة المطربة والمسكرة.
стр. 2923
كُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهدًا لِمَن شرَبُ المُسكِرَ أَن يَسقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبَالِ. قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهلِ النَّارِ، أَو عُصَارَةُ أَهلِ النَّارِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦١)، ومسلم (٢٠٠٢)، والنسائي (٨/ ٣٢٧).
[١٨٨٣] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ،
ــ
و(قوله: إن على الله عهدًا لمن شرب المسكر) أي: التزم ذلك بقوله ووعيده حسب ما سبق في علمه. وقد فسَّر (طينة الخبال) بأنها عُصَارة أهل النار. وفي حديث آخر: (صديد أهل النار). وسُمِّي ذلك بطينة الخبال؛ لأنها تخبل عقل شاربها، وتفسد حاله. مأخوذ من الخبل في العقل، والله تعالى أعلم.
وهذا الوعيد وإن كان مُعلَّقًا على مطلق الشرب فقد قيده في الحديث الآخر منها فقال: (من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة). وأما من تاب منها: فلم يدخل في هذا الوعيد إذا حسنت توبته.
وفيه ما يدلّ على أن التوبة من الذنب مكفرة له. وهو الذي صرحت به آي الكتاب، والسُّنَّة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَعفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ وكقوله: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ﴾ وغير ذلك من الآي. ولقوله ﷺ : (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (١)، وغير ذلك (٢). وهذا مقطوعٌ به في التوبة من الكفر، وهل هو مقطوعٌ به، أو مظنون في التوبة من غير الكفر؟ اختلف فيه أهل السُّنَّة. والذي أقول به: إن من استقرأ الشريعة قرآنًا وسُنَّة، وتتبع ما فيهما من هذا المعنى علم على القطع واليقين: أن الله يقبل توبةَ الصَّادقين.
стр. 2924
وَكُلُّ مُسكِرٍ حَرَامٌ، وَمَن شَرِبَ الخَمرَ فِي الدُّنيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدمِنُهَا ولَم يَتُب؛ لَم يَشرَبهَا فِي الآخِرَةِ.
وفي رواية: مَن شَرِبَ الخَمرَ فِي الدُّنيَا لَم يَشرَبهَا فِي الآخِرَةِ، إِلَّا أَن يَتُوبَ.
رواه البخاري (٥٥٧٥)، ومسلم (٢٠٠٣) (٧٣ و ٧٤)، والترمذي (١٨٦١)، والنسائي (٨/ ٣١٨).
* * *
ــ
و(قوله: من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة)، أو: (حرمها في الآخرة) ظاهره تأبيد التحريم، وإن دخل الجنة فشرب جميع أشربة الجنة من ماء وعسل ولبن، ولا يشرب الخمر، ومع ذلك: فلا يتألم لعدم شُربها، ولا يتنغص من فقدها، ولا يحسد من يشربها، فإنَّ الجنة محل مطهَّر منزه عن ذلك كلّه. وإنَّما يكون حال هذا مع فقد شُرب الخمر كحاله مع المنازل التي رفع بها غيره عليه مع علمه برفعتها، وبأن صاحبها أعلى منه درجة، وأفضل منه عند الله تعالى. ومع ذلك فلا يحسده، ولا يتألم بفقد شيء من ذلك استغناء بالذي أُعطي، وغبطة به، ولأن الله تعالى قد طهرهم من كل نقص وصفة مذمومة. ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَنَزَعنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِن غِلٍّ إِخوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾؟ وقال بهذا المعنى جماعة من العلماء. وقيل: يُنسى خمر الجنة. وقيل: لا يشتهيها. وكل ذلك محتمل. والأولى: الوجه الأول، والله تعالى أعلم.
وقيل: معنى الحديث: أن حرمانه الخمر إنما هو في الوقت الذي يعذب في النار، ويسقى من طينة الخبال، فإذا خرج من النار بالشفاعة، أو بالرحمة العامة - المعبَّر عنها في الحديث بالقبضة - أدخل الجنة، ولم يُحرم شيئا منها، لا خمرًا، ولا حريرًا، ولا غيره. قال هذا القائل: فإنَّ حرمان شيء من لذات الجنة لمن كان في
стр. 2925
(٧) باب كم المدة التي يشرب إليها النبيذ
[١٨٨٤] عن ابن عَبَّاسٍ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيلِ فَيَشرَبُهُ إِذَا أَصبَحَ يَومَهُ ذَلِكَ، وَاللَّيلَةَ الَّتِي تَجِيءُ، وَالغَدَ وَاللَّيلَةَ الأُخرَى، وَالغَدَ إِلَى العَصرِ، فَإِن بَقِيَ شَيءٌ سَقَاهُ الخَادِمَ؛ أَو أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ.
رواه مسلم (٢٠٠٤) (٧٩ و ٨٠)، وأبو داود (٣٧١٣)، والنسائي (٨/ ٣٣٣).
ــ
الجنة نوع عقوبة، ومؤاخذة فيها، والجنة ليست بدار عقوبة، ولا مؤاخذة فيها بوجه من الوجوه. والله تعالى أعلم. وكذلك القول في قوله ﷺ : (من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة)، ومن شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة (١)، يجري فيهما كل ما ذكرناه.
(٧ و ٨) ومن باب: كم المدة التي يشرب إليها النبيذ (٢)؟
(قوله: كنا ننبذ لرسول الله ﷺ أوَّل الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد، والليلة الأخرى إلى العصر) هذا الحديث وما في معناه يدلّ على جواز الانتباذ وشُربه حلوًا، وعلى أكثر قدر المدَّة التي يشرب إليها، وهي مقدرة في هذا الحديث بيومين وليلتين، غير أنَّه جعل غاية اليومين العصر، ثم سقاه الخادم. وفي الرواية الأخرى: (المساء، ثم أمر به فأريق)، وظاهر هاتين الروايتين: أنهما مرَّتان. أما الأولى: فإنَّه لم يظهر فيه ما يقتضي إراقته، وإتلافه، لكن اتَّقاه
стр. 2926
[١٨٨٥] وعَن النَّخَعِيِّ قَالَ: سَأَلَ قَومٌ ابنَ عَبَّاسٍ عَن بَيعِ الخَمرِ وَشِرَائِهَا وَالتِّجَارَةِ فِيهَا، قَالَ: آمُسلِمُونَ أَنتُم؟ قَالَوا: نَعَم، قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَصلُحُ بَيعُهَا وَلَا شِرَاؤُهَا وَلَا التِّجَارَةُ فِيهَا، قَالَ: فَسَأَلُوهُ عَن النَّبِيذِ فَقَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَد نَبَذَ نَاسٌ مِن أَصحَابِهِ فِي حَنَاتِمَ وَنَقِيرٍ وَدُبَّاءٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُهرِيقَ، ثُمَّ أَمَرَ بِسِقَاءٍ فَجُعِلَ فِيهِ زَبِيبٌ وَمَاءٌ، فَجُعِلَ مِن اللَّيلِ فَأَصبَحَ، فَشَرِبَ مِنهُ يَومَهُ ذَلِكَ، وَلَيلَتَهُ المُستَقبَلَةَ، وَمِن الغَدِ حَتَّى أَمسَى، فَشَرِبَ وَسَقَى، فَلَمَّا أَصبَحَ أَمَرَ بِمَا بَقِيَ فَأُهرِيقَ.
رواه مسلم (٢٠٠٤)(٨٣).
[١٨٨٦] وعن عائشة قالت: كُنَّا نَنبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سِقَاءٍ يُوكَى أَعلَاهُ، وَلَهُ عَزلَاءُ، نَنبِذُهُ غُدوَةً فَيَشرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنبِذُهُ عِشَاءً فَيَشرَبُهُ غُدوَةً.
ــ
في خاصَّة نفسه أخذًا بغاية الورع، وسقاه الخادم؛ لأنَّه حلال جائز، كما قال في أجرة الحجَّام: (اعلفه ناضحك) (١) يعني: رقيقك. وأما في المرة الأخرى: فتبين له فساده فأمر بإراقته، ولا يستبعد أن يفسد النبيذ فيما بين العصر والمغرب في آخر مُدَّته في شدة الحر. وقد ذكر أبو داود من حديث أبي هريرة ما يبيِّن هذا المعنى؛ وذلك: أن أبا هريرة تحيَّن فِطر النبي ﷺ بنبيذ صنعه له، فجاءه به وهو يَنِشُّ، فقال له: (اضرب بهذا الحائط، فإنَّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر) (٢).
و(قول عائشة: إنها كانت تنبذ له غدوة فيشربه عشاءً، وتنبذ له عشاءً فيشربه غدوة) يدل على أقصى زمان يشرب فيه، فإنَّه لا تخرج حلاوة التمر، أو الزبيب في أقل من ليلة، أو يوم.
стр. 2927
رواه مسلم (٢٠٠٥)(٨٥)، وأبو داود (٣٧١١)، والترمذيُّ (١٨٧٢)، والنسائيُّ (٨/ ٣٢٠).
* * *
(٨) باب كيفية النبيذ الذي يجوز شربه
[١٨٨٧] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: دَعَا أَبُو أُسَيدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي عُرسِهِ، فَكَانَت امرَأَتُهُ يَومَئِذٍ خَادِمَهُم وَهِيَ العَرُوسُ، قَالَ سَهلٌ: تَدرُونَ مَا سَقَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ أَنقَعَت لَهُ تَمَرَاتٍ مِن اللَّيلِ فِي تَورٍ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتهُ إِيَّاهُ.
ــ
والحاصل من هذه الأحاديث: أنه يجوز شرب النبيذ ما دام حلوًا؛ غير أنه إذا اشتد الحرِّ أسرع إليه التَّغَيُّر في زمان الحرِّ دون زمان البرد. فليتَّق الشارب هذا، ويختبره قبل شربه إذا أقام يومين أو نحوهما برائحته، أو تغيره، أو ابتداء نَشِيشِه، فإن رابه شيء فعل كما فعل النبي ﷺ .
و(قول ابن عباس للسائلين: أومسلمون أنتم؟ ) استفهام لهم عن دخولهم في الإسلام؛ لأنَّهم سألوا عن بيع الخمر، والتجارة فيها. وذلك الحكم كان معلومًا عند المسلمين، بحيث لا يجهله من دخل في الدين، وامتد مقامه فيه. وكأن هؤلاء السائلين كانوا حديثي عهد بالإسلام، أو كانوا من الأعراب. وفتيا ابن عباس بقوله: لا يصح. إنما معناه: أن ذلك حرام لنصوص السُّنَّة بالتحريم، كقوله ﷺ : (إن الذي حرَّم شربها حرم بيعها) (١)، و (إن الله إذا حرَّم على قومٍ شيئًا حرَّم عليهم
стр. 2928
وفي رواية: فِي تَورٍ مِن حِجَارَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الطَّعَامِ، أَمَاثَتهُ فَسَقَتهُ، تَخُصُّهُ بِذَلِكَ.
رواه أحمد (٣/ ٤٩٨)، والبخاري (٥١٧٦)، ومسلم (٢٠٠٦) (٨٦ و ٨٧)، وابن ماجه (١٩١٧).
* * *
ــ
ثمنه) (١). وهذا كله مفهوم من الأمر بإراقتها وباجتنابها، فإنَّه إذا لم ينتفع بها، فأخذ المال عوضًا عنها أكلٌ للمال بالباطل.
وإراقة النبي ﷺ لما نبذ في الحنتم والنقير كان ذلك - والله أعلم - قبل أن ينسخ ذلك كما تقدَّم.
و(قوله في حديث سهل: فأماثته) هكذا الرواية بالهمز رباعيًّا، والثاء المثلثة، والتاء باثنتين من فوقها. ومعناه: عركته. ويقال ثلاثيًّا. قال الهروي: يقال: مثثتُ الشيء، أَمِيثُه، وأمثتُه أُمِيثُه. والثلاثي حكاه ابن السِّكِّيت. وقد وقع في بعض نسخ مسلم: (أماتته) بتاءين، كل واحدة منهما باثنتين فوق. وهو تصحيف، والله أعلم. و (العزلاء): فم السقاء الأسفل.
و(قوله: تَخُصُّه بها) (٢) كذا لجميع رواة مسلم. وإنما خَصَّته بذلك لقلَّته؛ فإنَّه كان لا يكفي أكثر من واحد. ويحتمل أن تكون بدأته به رجاء بركته على عاداتهم معه. وقد رواه ابن السَّكن في كتاب البخاري: تتحفه به. وهو قريب المعنى من: تخصُّه به، فإنَّه من التُّحفة، وهي الطُّرفة.
* * *
стр. 2929
(٩) باب استدعاء الشراب من الخادم والشرب في القدح
[١٨٨٨] عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ امرَأَةٌ مِن العَرَبِ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيدٍ أَن يُرسِلَ إِلَيهَا، فَأَرسَلَ إِلَيهَا، فَقَدِمَت، فَنَزَلَت فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيهَا، فَإِذَا امرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأسَهَا، فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَت: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ! قَالَ: قَد أَعَذتُكِ مِنِّي. فَقَالَوا لَهَا: أَتَدرِينَ مَن هَذَا؟ فَقَالَت: لَا، قَالَوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَاءَكِ لِيَخطُبَكِ، قَالَت: أَنَا كُنتُ أَشقَى مِن ذَلِكَ، قَالَ سَهلٌ: فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ حَتَّى جَلَسَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ هُوَ وَأَصحَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اسقِنَا يا سَهلٍ، قَالَ: فَأَخرَجتُ لَهُم هَذَا القَدَحَ، فَأَسقَيتُهُم فِيهِ.
ــ
(٩) ومن باب: استدعاء الشراب من الخادم
(قوله: الأُجُم بضم الهمزة: الحِصنُ، وجمعه آجام). قاله أبو عبيد، وكذلك: أُطُم، وآطام.
و(قول هذه المرأة لرسول الله ﷺ : أعوذ بالله منك) يدلّ: على أنها لم تعرفه، ولم تعرف ما يراد منها. ولذلك قالت لما أخبرت بمن هو، وما أريد بها: (أنا كنت أشقى من ذلك).
و(قوله ﷺ : قد أعذتك) جواب لقولها، وموافقة لها على قصدها. وذلك: أنه فهم منها كراهية من قولها، ومن حالها؛ إذا كانت مُعرِضةً عمَّن يُكلِّمُها، ولعلَّها لم تعجبه لا خلقًا، ولا خلقًا.
стр. 2930
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَأَخرَجَ لَنَا سَهلٌ ذَلِكَ القَدَحَ فَشَرِبنَا فِيهِ، قَالَ: ثُمَّ استَوهَبَهُ بَعدَ ذَلِكَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ، فَوَهَبَهُ لَهُ.
وَفِي رِوَايَة: اسقِنَا يَا سَهلُ.
رواه البخاريُّ (٥٦٣٧)، ومسلم (٢٠٠٧).
[١٨٨٩] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَقَد سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: العَسَلَ وَالنَّبِيذَ وَاللَّبَنَ وَالمَاءَ.
رواه أحمد (٣/ ٢٤٧)، والبخاري (٥٦٣٨)، ومسلم (٢٠٠٨).
* * *
ــ
و(قوله ﷺ : اسقنا يا سهل) دليل على التَّبَسُّط مع الصديق، واستدعاء ما عنده من طعام أو شراب، وهذا لا خلاف فيه إذا كان الصديق ملاطفًا، طيب النفس، وعلم من حاله ذلك. وهذا الذي قاله الله تعالى فيهم: ﴿أَو صَدِيقِكُم﴾
و(قول أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشراب كلَّه: العسل، والنبيذ، واللبن، والماء) فيه دليل على استعمال الحلاوة، والأطعمة اللذيذة، وتناولها. ولا يقال: إن ذلك يناقض الزهد، ويباعده، لكن إذا كان ذلك من وجهه، ومن غير سرف، ولا إكثار.
واستيهابُ عمر بن عبد العزيز القدح من سهل؛ إنما كان على جهة التَّبُّرك بآثار النبي ﷺ ، ولم يزل ذلك دأب الصحابة والتابعين وأتباعهم، والفضلاء في كلِّ عصر. فكان أصحابه يتبرَّكون بوضوئه، وشرابه، وبعرقه، ويستشفون بِجُبَّته، ويتبركون بآثاره، ومواطنه، ويدعون، ويصلُّون عندها. وهذا كلُّه عمل بمقتضى الأمر بالتعزير، والتعظيم. ونتيجة الحُبِّ الصحيح. رزقنا الله الحظَّ الأكبر من تعظيمه، ومحبَّته، وحشرنا في زمرته.
стр. 2931
(١٠) باب شرب اللبن، وتناوله من أيدي الرعاء من غير بحث عن كونهم مالكين
[١٨٩٠] عن البراء بن عازب قال: لَمَّا أَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ قال: تبَعَهُ سُراقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَت فَرَسُهُ، فَقَالَ: ادعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ. قَالَ: فَعَطِشَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: فَأَخَذتُ قَدَحًا فَحَلَبتُ فِيهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُثبَةً مِن لَبَنٍ، فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ.
ــ
(١٠) ومن باب: شرب اللبن من أيدي الرُّعاة
(قوله في هذه الرواية: أقبل رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة) هذا كان في وقت هجرته، كما جاء في الرواية الأخرى: (قال أبو بكر: لما هاجرنا من مكة مع رسول الله ﷺ ) وذكر نحو ما تقدَّم. وقد وقع في هذا الحديث في كتاب مسلم زيادة فيها وَهمٌ، وذلك: أن أبا بكر سأل الراعي: لمن الغنم؟ فقال الراعي: إنها لرجل من أهل المدينة. والصواب: من أهل مكة. ورواه البخاري من رواية إسرائيل: إبل لرجل من قريش. وفي رواية أخرى: من أهل مكة أو المدينة - على الشك -.
قلت: وقيل: إنَّه ليس بوهم؛ لأنَّه أطلق على مكة مدينة، وهي كذلك، فإنَّ كل بلدة يصح أن يقال عليها: مدينة، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسعَةُ رَهطٍ﴾ وهي مدينة ثمود، وهي الحجر.
وأمَّا تسمية بلد مهاجر رسول الله ﷺ بالمدينة، فقد صار علمًا لها بحكم: أن النبي ﷺ سَمَّاها بذلك، وغلب ذلك عليها، وكره أن يقال: يثرب، كما تقدَّم في الحجِّ.
و(قوله: فشرب منها رسول الله ﷺ حتى رضيت) أي: حتى رَوي فرضيت
стр. 2932
وفي رواية عن البراء: قال: قَالَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ: لَمَّا خَرَجنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. وذكر نحوه.
رواه أحمد (١/ ٣)، والبخاريُ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩) (٩٠ و ٩١).
ــ
رَيَّه، وكأنَّه شقَّ عليه ما كان فيه من الحاجة إلى اللَّبن، فلمَّا شرب وزال عنه ذلك رضي به. وفي رواية أخرى: فأرضاني. والمعنى واحد. وقد يقال: كيف أقدم أبو بكر على حلب ما لم يؤذن له في حلبه؟ وكيف شرب رسول الله ﷺ ذلك اللَّبن ولم يكن مالكه حاضرًا، ولا أذن في ذلك، مع نهيه ﷺ عن مثل هذا بقوله: (لا يحلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذنه).
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة:
أحدها: إن ذلك اللَّبن كان تافهًا لا قيمة له، لا سيما مع بُعدِه عن العمارة، فكأنه إن لم يَشرَب وإلا تَلِفَ. فيكون هذا من باب قوله في الشَّاة: (هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) (١).
قلت: وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ الحبَّة من مال الغير لا تحل إلا بطيب نفس منه. وتشبيهها باللقطة فاسدٌ، فإنَّ اللَّبن في الضَّرع محفوظ كالطَّعام في المشربة. ثم لم يكن على بعد من العمران بدليل إدراك سراقة لهم حين سمع أخبارهم من مكة، وخرج من فوره، فأدركهم يومه ذلك، على ما تدلُّ عليه قصته في كتب السِّير، والله أعلم.
وثانيها: إن عادة العرب جارية بذلك، فعَمِلا على العادة، وذلك قبل ورود النهي المذكور عن ذلك.
وثالثها: إنه ﷺ كان في حاجة وضرورة إلى ذلك، ولا خلاف في جواز مثل
стр. 2933
[١٨٩١] وعن أَبي هُرَيرَةَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ لَيلَةَ أُسرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِقَدَحَينِ مِن خَمرٍ وَلَبَنٍ، فَنَظَرَ إِلَيهِمَا، فَأَخَذَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبرِيلُ ﵇: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلفِطرَةِ، لَو أَخَذتَ الخَمرَ غَوَت أُمَّتُكَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاري (٣٣٩٤)، ومسلم (١٦٨) في الأشربة (٩٢)، والترمذي (٣١٣٠)، والنسائي (٨/ ٣١٢).
* * *
ــ
ذلك عند الضرورة إذا أمن على نفسه. وهل يلزمه قيمة ذلك أو لا؟ قولان لأهل العلم.
ورابعها: إن ذلك كان مالًا لكافر، والأصل في أموالهم الإباحة.
قلت: وقد يمنع هذا الأصل، لا سيما على مذهب من يقول: إن الكافر له شُبهة مُلك. وقد تقدَّم الخلاف في هذا في الجهاد.
وخامسها: إنهما علما لِمَن هي، فإمَّا أن يكون قد أباح لهما ذلك، أو علما من حاله أنه يطيب قلبه بذلك. وهذا أشبهها وأبعدها عن الاعتراض إن شاء الله تعالى.
و(إيلياء): هي بيت المقدس، وهو ممدود بهمزة التأنيث، ولذلك لا ينصرف (١).
و(قول جبريل ﵇: الحمد لله الذي هداك للفطرة) يعني بها: فطرة دين الإسلام، كما قال تعالى: ﴿فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ وقيل: جعل الله ذلك علامة لجبريل على هداية هذه
стр. 2934
(١١) باب الأمر بتغطية الإناء، وإيكاء السقاء، وذكر الله تعالى عليهما
[١٨٩٢] عَن جَابِرٍ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، وَأَغلِقُوا البَابَ، وَأَطفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَحُلُّ
ــ
الأمة؛ لأنَّ اللَّبن أول ما يغتذيه الإنسان. وهو قوت خلي عن المفاسد، به قوام الأجسام، ولذلك آثره ﷺ على الخمر، كما ذكرناه في الإسراء. ودين الإسلام كذلك، هو أوَّل ما أخذ على بني آدم، وهم كالذَّرِّ، ثم هو قوت الأرواح، به قوامها، وحياتها الأبدية، وصار اللبن عبارة مطابقة لمعنى دين الإسلام من جميع جهاته، والخمر على النقيض من ذلك في جميع جهاتها، فكان العدول إليه لو كان ووقع علامة على الغواية. وقد أعاذ الله من ذلك نبيَّه ﷺ طبعًا وشرعًا. والحمد لله تعالى. ويفهم من نسبة الغواية إلى الخمر تحريمه، لكن ليس بصريح، ولذلك لم يَكتَفِ النبي ﷺ بمثل ذلك في التحريم حتَّى قَدِم المدينة فشربوها زمانًا، حتَّى أنزل الله التحريم.
(١١ و ١٢) ومن باب: الأمر بتغطية الإناء (١)
(قوله: غطُّوا الإناء، وأوكُوا السقاء) جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة الدنيوية، كقوله تعالى: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾
стр. 2935
سِقَاءً، وَلَا يَفتَحُ بَابًا، وَلَا يَكشِفُ إِنَاءً، فَإِن لَم يَجِد أَحَدُكُم إِلَّا أَن يَعرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذكُرَ اسمَ اللَّهِ، فَليَفعَل، فَإِنَّ الفُوَيسِقَةَ تُضرِمُ عَلَى أَهلِ البَيتِ بَيتَهُم.
رواه أحمد (٣/ ٣٥٥)، ومسلم (٢٠١٢)(٩٦)، وأبو داود (٣٧٣٢)، والترمذيُّ (١٨١٢)، وابن ماجه (٣٤١٠).
[١٨٩٣] وعنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كَانَ جُنحُ اللَّيلِ أَو أَمسَيتُم، فَكُفُّوا صِبيَانَكُم، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَنتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِن اللَّيلِ فَخَلُّوهُم، وَأَغلِقُوا الأَبوَابَ، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَفتَحُ بَابًا مُغلَقًا، وَأَوكُوا قِرَبَكُم، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُم، وَاذكُرُوا اسمَ اللَّهِ، وَلَو أَن تَعرُضُوا عَلَيهَا شَيئًا، وَأَطفِئُوا مَصَابِيحَكُم.
رواه البخاريُّ (٣٣٠٤)، ومسلم (٢٠١٢)(٩٧).
ــ
وليس الأمر الذي قُصِد به الإيجاب، وغايته أن يكون من باب الندب، بل قد جعله كثير من الأصوليين قسمًا منفردًا بنفسه عن الوجوب والندب.
وإيكاء السِّقاء: شَدُّهُ بالخيط. وهو الوكاء، ممدود مهموز، ولذلك يجب أن يكون أوكئوا - رباعيًّا مهموز اللام.
و(الفويسقة): الفأرة، سميت بذلك لخروجها من جحرها للفساد.
و(قوله: فإنَّ لم يجد أحدكم إلا أن يَعرُض عودًا ويذكر اسم الله فليفعل) هو بضم الراء، وكذلك قاله الأصمعي، وقد رواه أبو عبيد بكسر الراء، والوجه الأول: أن يجعل العود معروضًا على فم الإناء، ولا بدَّ من ذكر الله تعالى عند هذه الأفعال كُلِّها، كما جاء في الحديث الآخر بعد هذا، فيذكر الله تعالى، وببركة اسمه تندفع المفاسد، ويحصل تمام المصالح. فمطلق هذه الكلمات مردود إلى مُقَيَّدِها.
و(الشيطان) هنا للجنس بمعنى الشياطين.
و(الفواشي): كل ما فشا وانتشر من
стр. 2936
[١٨٩٤] وعنه؛ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُرسِلُوا فَوَاشِيَكُم وَصِبيَانَكُم إِذَا غَابَت الشَّمسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحمَةُ العِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ يبَعِثُ إِذَا غَابَت الشَّمسُ حَتَّى تَذهَبَ فَحمَةُ العِشَاءِ.
رواه أحمد (٣/ ٣١٢ و ٣٨٦ و ٣٩٥)، ومسلم (٢٠١٣)(٩٨)، وأبو داود (٣٧٣٣).
[١٨٩٥] وعنه؛ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيلَةً يَنزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ غِطَاءٌ، أَو سِقَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِن ذَلِكَ الوَبَاءِ.
وفي رواية: فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَومًا يَنزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ.
قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول.
رواه مسلم (٢٠١٤)(٩٩).
* * *
ــ
المال: الإبل، والغنم، والبقر. قال ابن الأعرابي: يقال: أفشى، وأمشى، وأوشى، بمعنى واحد: إذا كثرت مواشيه.
و(فحمة الليل): سواده.
وقد تضمنت جملة هذه الأحاديث: أن الله تعالى قد أطلع نبيَّه ﷺ على ما يكون في هذه الأوقات من المضارِّ من جهة الشياطين، والفأر، والوباء. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى ما يُتَّقى به ذلك، فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا الله تعالى، مُمتثلًا أمر نبيَّه ﷺ ، وشاكرًا لله تعالى على ما أرشدنا إليه وأعلمنا به، ولنبيِّه ﷺ على تبليغه، ونصحه. فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضررٌ بحول الله وقوته، وبركة امتثال أوامره ﷺ وجازاه عنَّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته، فلقد بلَّغ، ونصح.
стр. 2937
(١٢) باب بيان أن الأمر بذلك من باب الإرشاد إلى المصلحة وأن ترك ذلك لا يمنع الشرب من ذلك الإناء
[١٨٩٦] عن أَبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيّ، قَالَ: أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ مِن النَّقِيعِ لَيسَ مُخَمَّرًا، قَالَ: أَلَّا خَمَّرتَهُ، وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ عُودًا؟
قَالَ أَبُو حُمَيدٍ: إِنَّمَا أُمِرَ بِالأَسقِيَةِ أَن تُوكَأَ لَيلًا، وَبِالأَبوَابِ أَن تُغلَقَ لَيلًا.
رواه أحمد (٥/ ٤٢٥)، ومسلم (٢٠١٠).
[١٨٩٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاستَسقَى، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَا نَسقِيكَ نَبِيذًا؟ قَالَ: بَلَى. فَخَرَجَ الرَّجُلُ يَسعَى، فَجَاءَ بِقَدَحٍ فِيهِ نَبِيذٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَلَّا خَمَّرتَهُ، وَلَو تَعرُضُ عَلَيهِ عُودًا؟ قَالَ: فَشَرِبَ.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٤ و ٣٧٠)، والبخاريُّ (٥٦٠٥)، ومسلم (٢٠١١) (٩٤ و ٩٥)، وأبو داود (٣٧٣٤).
ــ
و(قوله: أتيت النبي ﷺ بقدح لبن من النقيع ليس مخمَّرًا) اختلف في رواية هذا الحرف الذي هو (من النقيع)، فأكثر الرواة واللغويين على أنه بالنون والقاف. وقال الهروي: هو وادي العقيق على عشرين فرسخًا من المدينة، وهو الذي حماه عمر ﵁ لنعم الصَّدقة. وقال الخطابي: هو القاع. قال غيره: وأصله كل موضع يستنقع فيه الماء. وقد رواه أبو بحر سفيان بن العاصي بالباء الموحدة.
стр. 2938
[١٨٩٨] وعن ابن عمر، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَترُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُم حِينَ تَنَامُونَ.
رواه أحمد (٢/ ٨)، والبخاريُّ (٦٢٩٣)، ومسلم (٢٠١٥)، وأبو داود (٥٢٤٦)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٧٦٩).
[١٨٩٩] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: احتَرَقَ بَيتٌ عَلَى أَهلِهِ بِالمَدِينَةِ مِن اللَّيلِ، فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَأنِهِم قَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُم، فَإِذَا نِمتُم فَأَطفِئُوهَا عَنكُم.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، والبخاري (٦٢٩٤)، ومسلم (٢٠١٦)، وابن ماجه (٣٧٧٠).
* * *
ــ
قال الخليل: البقيع بالباء: الأرض التي فيها شجر شتَّى. وأما بقيع الغرقد، وبقيع بطحان فبالباء الموحدة. ويحتمل أن يريد واحدًا منهما على رواية أبي بحر، والله تعالى أعلم.
و(المخمر): المغطى. والتخمير: التغطية.
وشربه ﷺ من الإناء الذي لم يُخَمَّر دليلٌ على أن ما بات غير مخمَّر، ولا مُغطَّى، أنه لا يحرم شربه، ولا يكره. وهذا يحقق ما قلناه: من أن المقصود الإرشاد إلى المصلحة، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 2939
(١٣) باب النهي عن الشرب قائما، وعن اختناث الأسقية، والشرب من أفواهها
[١٩٠٠] عَن قَتَادَةَ، عَن أَنَسٍ: عَن النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى أَن يَشرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلنَا: فَالأَكلُ؟ قَالَ: ذَلكَ أَشَرُّ وأَخبَثُ.
رواه مسلم (٢٠٢٤)(١١٣)، وأبو داود (٣٧١٧)، والترمذي (١٨٨٠)، وابن ماجه (٣٤٢٤).
ــ
(١٣) ومن باب: النهي عن الشرب قائمًا
لم يَصِر أحدٌ من العلماء فيما علمت إلى أن هذا النهي على التحريم، وإن كان جاريًا على أصول الظاهرية، وإنَّما حمله بعض العلماء على الكراهة، والجمهور: على جواز الشرب قائمًا. فمن السلف: أبو بكر، وعمر، وعلي ﵃. وجمهور الفقهاء، ومالك، متمسكين في ذلك بشرب النبي ﷺ من زمزم قائمًا. وكأنهم رأوا هذا الفعل منه متأخرًا عن أحاديث النهي، فإنَّه كان في حجة الوداع، فهو ناسخٌ. وحَقق ذلك حُكم الخلفاء الثلاثة بخلافها، ويبعدُ أن تخفى عليهم تلك الأحاديث مع كثرة علمهم، وشدة ملازمتهم للنبي ﷺ ، وتشدُّدهم في الدين. وهذا وإن لم يصلح للنسخ فيصلح لترجيح أحد الحديثين على الآخر.
وأمَّا من قال بالكراهة: فيجمع بين الحديثين بأن فعل النبي ﷺ يبيِّن الجواز، والنَّهي يقتضي التنزيه؛ فالأولى: ترك ذلك على كل حال. وأما قول قتادة: (الأكلُ أَشَرُّ): فَشَيءٌ لم يقل به أحدٌ من أهل العلم فيما علمت. وعلى ما حكاه النقلة والحفاظ، فهو رأيه، لا روايته. والأصل: الإباحة. والقياس خلي عن الجامع. وقد ذهب بعض الناس: إلى أن النهي عن الشرب قائمًا إنما كان لئلا
стр. 2940
[١٩٠١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ وأنس: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَن الشُّربِ قَائِمًا.
رواه مسلم (٢٠٢٥) (١١٤ و ١١٥) من حديث أبي سعيد و (٢٠٢٤)(١١٢) من حديث أنس.
[١٩٠٢] وعن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَشرَبَنَّ أَحَدكُم قَائِمًا، فَمَن نَسِيَ فَليَستَقِئ.
رواه مسلم (٢٠٢٦).
ــ
يستعجل القائم فَيَعُبُّ، فيأخذه الكُباد (١)، أو يشرق، أو يأخذه وجع في الحلق، أو في المعدة؛ فينبغي ألا يشرب قائمًا، وحيث شرب النبي ﷺ قائمًا أمن ذلك، أو دعته إلى ذلك ضرورة، أو حاجة، لا سيما وكان على زمزم، وهو موضع مزدحم الناس، أو لعلَّه فعل ذلك ليري الناس أنه ليس بصائم، أو لأن شرب ماء زمزم في مثل ذلك الوقت مندوبٌ إليه. والله تعالى أعلم.
و(قوله: لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نَسِي فليستقئ) قال الإمام أبو عبد الله: لا خلاف بين أهل العلم: في أن من شرب قائمًا ناسيًا ليس عليه أن يستقيء. قال بعض الشيوخ: والأظهر: أن هذا موقوف على أبي هريرة.
ولا خلاف في جواز الأكل قائمًا، وإن كان قتادة قال: الأكل أَشَرُّ وأخبث.
قلت: ويمكن أن يقال: إن القيء وإن لم يقل أحدٌ بأنَّه واجبٌ عليه، فلا بعد في أن يكون مأمورًا به على جهة التطبُّب. وهو يؤيد قول من قال: إن النهي عن ذلك مخافة مرض أو ضرر، فإنَّ القيء استفراغ مما يخاف ضرره.
ونهيه ﷺ عن اختناث الأسقية. قال الراوي: واختناثها أن يُقلَبَ رأسُها
стр. 2941
[١٩٠٣] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن اختِنَاثِ الأَسقِيَةِ أَن يُشرَبَ مِن أَفوَاهِهَا.
وفي رواية: قال: وَاختِنَاثُهَا؛ أَن يُقلَبَ رَأسُهَا، ثُمَّ يُشرَبَ مِنهُ.
رواه أحمد (٣/ ٦)، والبخاري (٥٦٢٥)، ومسلم (٢٠٢٣)(١١١)، وأبو داود (٣٧٢٠)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، وابن ماجه (٣٤١٨).
[١٩٠٤] وعن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن زَمزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَاستَسقَى وَهُوَ عِندَ البَيتِ.
وفي رواية: فأتيته بدلو.
رواه أحمد (١/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (١٦٣٧)، ومسلم (٢٠٢٧) (١١٧ و ١١٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٣٤٢٢).
* * *
ــ
ويُشرب منه. قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها. فأمَّا كسرها إلى داخل: فهو القمع.
قلت: وأصل هذه اللفظة: التَّكسر والتثني. ومنه: المخنث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء، ويَنثَنِي في مِشيَته كمشيتهنَّ.
وقيل في هذا، وفي نهيه ﷺ عن الشرب من فم السقاء: إن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره. وقيل: لما يخاف من ضرر يكون هنالك، كما روي عن أبي سعيد: أن رجلا شرب من في سقاء فانساب جان (١) في بطنه، فنهى
стр. 2942
(١٤) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن
[١٩٠٥] عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَن يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ.
رواه البخاريُّ (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧) في الأشربة (١٢١)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، والنسائي (١/ ٤٣).
ــ
النبي ﷺ عن اختناث الأسقية، وأن يشرب من أفواهها. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهري. وقد خرَّج الزبيري وغيره: أن النبي ﷺ قام إلى قربة، فخنثها، وشرب من فيها (١). وهذا - إن صحَّ - محمله: أن النبي ﷺ علم أنه لم يكن هنالك شيء يضر، وأنه ﷺ لم يكن يستقذر منه شيء، بل كان كلُّ ما يستقذر من غيره يستطاب منه، وتطيب به الأشياء.
ومن باب: النهي عن التَّنَفُّس في الإناء
نهيه ﷺ عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء. قاله عمر بن عبد العزيز. وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المسيِّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس. وكره ذلك قومٌ؛ منهم: ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. والقول الأول أظهر لقوله ﷺ للذي قال: إنه لا يروى من نفس واحدٍ: (أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، ثم تَنَفَّس) (٢). وظاهره: أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه.
стр. 2943
[١٩٠٦] وعَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبرَأُ وأَروَى وَأَمرَأُ. قَالَ أَنَسٌ: وأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا.
وفي رواية: في الإناء.
رواه البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨)(١٢٣)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذيُّ (١٨٨٥)
ــ
و(قول أنس: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا)، وفي رواية: (في الإناء) قد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وهو أن يتنفس في الإناء (١) ثلاثًا. وقال: فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك. ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﷺ بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.
قلت: وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث، فإنَّه قال: (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى، ولبقية الحديث، ولقوله للرجل: (أَبِنِ القدح عن فيك). ولا شك: أن هذا من مكارم الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان ﷺ يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله.
و(أروى) من الرِّي؛ أي: أكثر رَيَّا. و (أمرأ) و (أبرأ) قيل: إنهما بمعنى
стр. 2944
[١٩٠٧] وعَن أَنَس بن مالك قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأَنَا ابنُ عَشرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابنُ عِشرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحثُثنَنِي عَلَى خِدمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَينَا دَارَنَا، فَحَلَبنَا لَهُ مِن شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِن بِئرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكرٍ عَن شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعطِ أَبَا بَكرٍ، فَأَعطَاهُ أَعرَابِيًّا عَن يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الأَيمَنَ فَالأَيمَنَ.
وفي رواية: فَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَعرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ.
ــ
واحد؛ أي: أحسن شربًا. والباء تبدل من الميم في مواضع. و (أمرأ) من قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ يقال: استمرأت الطعام: إذا استحسنته واستطبته. وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى: الشرب مصدرًا، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنَّه حسنٌ معنًى، وفصيحٌ لغةً، فإنَّه يقال: شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد.
و(قول أنس: وكن أُمَّهاتي) هذا على لغة قوله ﷺ : يتعاقبون فيكم ملائكة (١). و (يَحثُثنَنِي) أي: يَحضُضنَنِي. حثَّ، وحضَّ، ورغَّب بمعنى واحد. و (شِيبَ) أي: خلط بالماء ومزج ليبرد.
وإنما بدأ النبي ﷺ بالأعرابي لأنه كان عن يمينه، فبيَّن: أن ذلك سُنَّة، ولذلك قال: الأيمن فالأيمن أي: أعط الأيمن، وابدأ به. وقيل أيضًا: إنه قصد استئلافه، فإنَّه كان من كبراء قومه، فلذلك جلس عن يمينه. والأول أظهر، ولا يبعد قصد المعنى الثاني.
стр. 2945
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ.
رواه أحمد (٣/ ١١٣)، والبخاريُّ (٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩) (١٢٤ - ١٢٦)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، وابن ماجه (٣٤٢٥).
[١٩٠٨] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنهُ، وَعَن يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَن يَسَارِهِ أَشيَاخٌ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: أَتَأذَنُ أَن أُعطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنكَ أَحَدًا ......
ــ
و(قول أنس: فهي سُنَّة، فهي سُنَّة) يعني: مناولة الشراب الأيمن فالأيمن. وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب، كالمأكول، والملبوس، وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلَّب وغيره: نعم. وقال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصحُّ ذلك عن مالك.
قال القاضي عياض: ويشبه أن يكون معنى قول مالك: إن ذلك في الشراب خاصة: أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس.
و(قوله ﷺ : الأيمنون الأيمنون) هذا مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الأيمنون أولى. والغلام الذي كان عن يمين النبي ﷺ هو عبد الله بن عباس، وإنما استأذن النبي ﷺ الغلام، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث الآخر، وبدأ به قبل أبي بكر لما علم النبي ﷺ من حال الغلام: أن ذلك الاستئذان لا يخجله ولا ينفره لرياضته، وحسن خلقه، ولِينه بخلاف الأعرابي؛ فإنَّ الجفاء والنُّفرة غالبة على الأعراب، فخاف عليه أن يصدر منه سوء أدب. والله تعالى أعلم.
و(قول الغلام: والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا) قول أبرزه ما كان عنده من تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته، واغتنام بركته مع صغر سِنِّه.