← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

[١٩٠٣] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن اختِنَاثِ الأَسقِيَةِ أَن يُشرَبَ مِن أَفوَاهِهَا. وفي رواية: قال: وَاختِنَاثُهَا؛ أَن يُقلَبَ رَأسُهَا، ثُمَّ يُشرَبَ مِنهُ. رواه أحمد (٣/ ٦)، والبخاري (٥٦٢٥)، ومسلم (٢٠٢٣) (١١١)، وأبو داود (٣٧٢٠)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، وابن ماجه (٣٤١٨). [١٩٠٤] وعن ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سَقَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن زَمزَمَ فَشَرِبَ قَائِمًا، وَاستَسقَى وَهُوَ عِندَ البَيتِ. وفي رواية: فأتيته بدلو. رواه أحمد (١/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (١٦٣٧)، ومسلم (٢٠٢٧) (١١٧ و ١١٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٣٤٢٢). * * * ــ ويُشرب منه. قال ابن دريد: اختناث الأسقية: كسر أفواهها إلى خارج ليشرب منها. فأمَّا كسرها إلى داخل: فهو القمع. قلت: وأصل هذه اللفظة: التَّكسر والتثني. ومنه: المخنث وهو الذي يتكسَّر في كلامه تكسُّر النساء، ويَنثَنِي في مِشيَته كمشيتهنَّ. وقيل في هذا، وفي نهيه ﷺ عن الشرب من فم السقاء: إن ذلك مخافة أن يتقزَّز منه بعض الناس فيستقذره. وقيل: لما يخاف من ضرر يكون هنالك، كما روي عن أبي سعيد: أن رجلا شرب من في سقاء فانساب جان (١) في بطنه، فنهى

стр. 2942

(١٤) باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن [١٩٠٥] عن أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَن يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ. رواه البخاريُّ (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧) في الأشربة (١٢١)، والترمذيُّ (١٨٩٠)، والنسائي (١/ ٤٣). ــ النبي ﷺ عن اختناث الأسقية، وأن يشرب من أفواهها. ذكره أبو بكر بن أبي شيبة من رواية الزهري. وقد خرَّج الزبيري وغيره: أن النبي ﷺ قام إلى قربة، فخنثها، وشرب من فيها (١). وهذا - إن صحَّ - محمله: أن النبي ﷺ علم أنه لم يكن هنالك شيء يضر، وأنه ﷺ لم يكن يستقذر منه شيء، بل كان كلُّ ما يستقذر من غيره يستطاب منه، وتطيب به الأشياء. ومن باب: النهي عن التَّنَفُّس في الإناء نهيه ﷺ عن التنفس في الإناء إنما هو لئلا يتنفس فيه فيتقذر الماء ببزاقٍ يخرج من الفم، أو بريح كريهة تتعلَّق بالماء، أو بالإناء، وعلى هذا: فإذا لم يتنفس في الإناء فليشرب في نفسٍ واحد ما شاء. قاله عمر بن عبد العزيز. وأجازه جماعة؛ منهم: ابن المسيِّب، وعطاء بن أبي رباح، ومالك بن أنس. وكره ذلك قومٌ؛ منهم: ابن عباس، وطاوس، وعكرمة، وقالوا: هو شرب الشيطان. والقول الأول أظهر لقوله ﷺ للذي قال: إنه لا يروى من نفس واحدٍ: (أَبِنِ القَدَحَ عن فِيكَ، ثم تَنَفَّس) (٢). وظاهره: أنه أباح له الشرب في نفس واحدٍ إذا كان يَروى منه.

стр. 2943

[١٩٠٦] وعَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبرَأُ وأَروَى وَأَمرَأُ. قَالَ أَنَسٌ: وأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا. وفي رواية: في الإناء. رواه البخاري (٥٦٣١)، ومسلم (٢٠٢٨) (١٢٣)، وأبو داود (٣٧٢٧)، والترمذيُّ (١٨٨٥) ــ و(قول أنس: كان رسول الله ﷺ يتنفس في الشراب ثلاثًا)، وفي رواية: (في الإناء) قد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره، وهو أن يتنفس في الإناء (١) ثلاثًا. وقال: فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك. ومنهم من علل جواز ذلك في حقه ﷺ بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه، فإنَّهم كانوا إذا بزق، أو تنخع تدلكوا بذلك، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى. قلت: وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح؛ بدليل بقية الحديث، فإنَّه قال: (إنه أروى، وأبرأ، وأمرأ، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب: فلا يأمن الشَّرَق، ويحصل تقذير الماء، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة. وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور. وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى، ولبقية الحديث، ولقوله للرجل: (أَبِنِ القدح عن فيك). ولا شك: أن هذا من مكارم الأخلاق، ومن باب النظافة، وما كان ﷺ يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله. و(أروى) من الرِّي؛ أي: أكثر رَيَّا. و (أمرأ) و (أبرأ) قيل: إنهما بمعنى

стр. 2944

[١٩٠٧] وعَن أَنَس بن مالك قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ وَأَنَا ابنُ عَشرٍ، وَمَاتَ وَأَنَا ابنُ عِشرِينَ، وَكُنَّ أُمَّهَاتِي يَحثُثنَنِي عَلَى خِدمَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَينَا دَارَنَا، فَحَلَبنَا لَهُ مِن شَاةٍ دَاجِنٍ، وَشِيبَ لَهُ مِن بِئرٍ فِي الدَّارِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ - وَأَبُو بَكرٍ عَن شِمَالِهِ -: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعطِ أَبَا بَكرٍ، فَأَعطَاهُ أَعرَابِيًّا عَن يَمِينِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الأَيمَنَ فَالأَيمَنَ. وفي رواية: فَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَعرَابِيَّ وَتَرَكَ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ. ــ واحد؛ أي: أحسن شربًا. والباء تبدل من الميم في مواضع. و (أمرأ) من قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ يقال: استمرأت الطعام: إذا استحسنته واستطبته. وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى: الشرب مصدرًا، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب. فتأمله، فإنَّه حسنٌ معنًى، وفصيحٌ لغةً، فإنَّه يقال: شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد. و(قول أنس: وكن أُمَّهاتي) هذا على لغة قوله ﷺ : يتعاقبون فيكم ملائكة (١). و (يَحثُثنَنِي) أي: يَحضُضنَنِي. حثَّ، وحضَّ، ورغَّب بمعنى واحد. و (شِيبَ) أي: خلط بالماء ومزج ليبرد. وإنما بدأ النبي ﷺ بالأعرابي لأنه كان عن يمينه، فبيَّن: أن ذلك سُنَّة، ولذلك قال: الأيمن فالأيمن أي: أعط الأيمن، وابدأ به. وقيل أيضًا: إنه قصد استئلافه، فإنَّه كان من كبراء قومه، فلذلك جلس عن يمينه. والأول أظهر، ولا يبعد قصد المعنى الثاني.

стр. 2945

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ الأَيمَنُونَ، قَالَ أَنَسٌ: فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ، فَهِيَ سُنَّةٌ. رواه أحمد (٣/ ١١٣)، والبخاريُّ (٥٦١٩)، ومسلم (٢٠٢٩) (١٢٤ - ١٢٦)، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، وابن ماجه (٣٤٢٥). [١٩٠٨] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنهُ، وَعَن يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَن يَسَارِهِ أَشيَاخٌ، فَقَالَ لِلغُلَامِ: أَتَأذَنُ أَن أُعطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنكَ أَحَدًا ...... ــ و(قول أنس: فهي سُنَّة، فهي سُنَّة) يعني: مناولة الشراب الأيمن فالأيمن. وهل تجري هذه السُّنَّة في غير الشراب، كالمأكول، والملبوس، وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلَّب وغيره: نعم. وقال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصحُّ ذلك عن مالك. قال القاضي عياض: ويشبه أن يكون معنى قول مالك: إن ذلك في الشراب خاصة: أنه فيه جاءت السنة بتقديم الأيمن فالأيمن، وغيره إنما هو من باب الاجتهاد والقياس. و(قوله ﷺ : الأيمنون الأيمنون) هذا مبتدأ، وخبره محذوف؛ أي: الأيمنون أولى. والغلام الذي كان عن يمين النبي ﷺ هو عبد الله بن عباس، وإنما استأذن النبي ﷺ الغلام، ولم يستأذن الأعرابي في الحديث الآخر، وبدأ به قبل أبي بكر لما علم النبي ﷺ من حال الغلام: أن ذلك الاستئذان لا يخجله ولا ينفره لرياضته، وحسن خلقه، ولِينه بخلاف الأعرابي؛ فإنَّ الجفاء والنُّفرة غالبة على الأعراب، فخاف عليه أن يصدر منه سوء أدب. والله تعالى أعلم. و(قول الغلام: والله لا أوثر بنصيبي منك أحدًا) قول أبرزه ما كان عنده من تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته، واغتنام بركته مع صغر سِنِّه.

стр. 2946

قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي يَدِهِ. وفي رواية: فأعطاه إياه (مكان) فتله. رواه أحمد (٥/ ٣٣٣)، والبخاري (٥٦٢٠)، ومسلم (٢٠٣٠) (١٢٧ و ١٢٨). * * * ــ و(قوله: فتلَّه في يده) أي: ألقاه فيه. قاله ابن الأنباري. قال: ومنه قوله ﷺ : (أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض فَتُلَّت في يدي) (١) أي: ألقيت. وقال ابن الأعرابي: معناه: فَصُبَّت. و(التل): الصَّبُّ. يقال: تل، يتل - بكسر التاء-: إذا صَبَّ. وقال غيره: التل: الصَّرعُ، والدَّفع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلجَبِينِ﴾؛ أي: صرعه.

стр. 2947

(٢٧) كتاب آداب الأطعمة (١) باب التسمية على الطعام [١٩٠٩] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، لَم نَضَع أَيدِيَنَا حَتَّى يَبدَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَضَعَ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَت جَارِيَةٌ كَأَنَّما تُدفَعُ، فَذَهَبَت لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ ــ (٢٧) كتاب الأطعمة (١) باب: التسمية (قول حذيفة: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ طعامًا لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ ) هذا تأدب مع النبي ﷺ . وكذلك ينبغي أن يتأدب مع الفضلاء، والعظماء، والعلماء، فلا يبدأ بطعام، ولا شراب، ولا أمر من الأمور التي يشاركون فيها قبلهم. و(قوله: فجاءت جارية كأنما تدفع) الجارية في النساء كالغلام في الذكور، وهو ما دون البلوغ. و (تدفع) أي: يدفعها دافع؛ يعني: أنها جاءت مسرعة، كما

стр. 2948

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدفَعُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الشَّيطَانَ ليَستَحِلُّ الطَّعَامَ أَلَا يُذكَرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الجَارِيَةِ لِيَستَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعرَابِيِّ لِيَستَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا. وفي رواية: كأنما تطرد، مكان: تدفع، وكذلك في الأعرابي. وفيها: ثم ذكر اسم الله وأكل. رواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠١٧)، وأبو داود (٣٧٦٦). [١٩١٠] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رسول الله ﷺ يَقُولُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِندَ دُخُولِهِ وَعِندَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُم وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَم يَذكُر اللَّهَ عِندَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيطَانُ: أَدرَكتُم المَبِيتَ، وَإِذَا لَم يَذكُر اللَّهَ عِندَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدرَكتُم المَبِيتَ وَالعَشَاءَ. رواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠١٨)، وأبو داود (٣٧٦٥)، وابن ماجه (٣٨٨٧). * * * ــ قال في الرواية الأخرى: (كأنما تُطرد)، وكذلك فعل الأعرابي. وكل ذلك إزعاج من الشيطان لهما؛ ليسبقا إلى الطعام قبل النبي ﷺ ، وقبل التسمية، فيصل إلى غرضه من الطعام. ولما اطَّلع النبي ﷺ على ذلك أخذ بيديهما ويدي الشيطان منعًا لهم من ذلك. ففيه ما يدلّ على مشروعية التسمية عند الطعام والشراب، وعلى بركتها، وعلى أن للشيطان يدًا، وأنه يصيب من الطعام إذا لم يذكر الله تعالى عليه. وهل هذه الإصابة أكل كما قد نصَّ عليه حيث قال: (فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب

стр. 2949

(٢) باب الأمر بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال [١٩١١] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم فَليَأكُل بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَليَشرَب بِيَمِينِهِ، ــ بشماله) (١) وهو الظاهر. أو يكون شَمًّا للطعام يحصل له به من التغذي كنحو ما يحصل لنا به من الأكل. قد قيل كل ذلك، وهو محتمل، والقدرة صالحة. واستحلال الشيطان الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه إنما هو عبارة عن تناوله منه على نحو ما ذكرناه. وقيل: هو استحسانه رفع البركة من ذلك الطعام. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هم أجناس؛ فخالص الجن لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتناكحون، هم ريح. ومنهم أجناس يفعلون ذلك كلَّه، ويتوالدون، ومنهم: السعالي، والغيلان، والقطاربة. (٢ و ٣ و ٤) ومن باب: الأمر بالأكل باليمين ومما يلي (٢) (قوله: إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بها) هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّه من باب تشريف اليمين على الشمال، وذلك لأنها أقوى في الغالب، وأسبق للأعمال، وأمكن في الأشغال. ثم هي مشتقة من اليمن، والبركة. وقد شرف الله تعالى أهل الجنة بأن نسبهم إليها، كما ذمَّ أهل النار حين نسبهم إلى الشمال، فقال: ﴿فَأَصحَابُ المَيمَنَةِ مَا أَصحَابُ المَيمَنَةِ﴾ وقال: ﴿وَأَمَّا إِن كَانَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ وقال

стр. 2950

فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشرَبُ بِشِمَالِهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣)، ومسلم (٢٠٢٠) (١٠٥)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والترمذي (١٨٠٠)، والنسائيُّ في الكبرى (٦٧٤٨). [١٩١٢] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَأكُلَنَّ أَحَدٌ مِنكُم بِشِمَالِهِ وَلَا يَشرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشرَبُ بِهَا، قَالَ: وَكَانَ نَافِعٌ يَزِيدُ فِيهَا: وَلَا يَأخُذُ بِهَا وَلَا يُعطِي بِهَا. رواه مسلم (٢٠٢٠) (١٠٦). ــ عكس هذا في أصحاب الشمال. وعلى الجملة: فاليمين وما نسب إليها، وما اشتق عنها محمود لسانًا، وشرعًا، ودنيا، وآخرة. والشمال على النقيض من ذلك حتى قد قال شاعر من العرب: أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالكا (١) وإذا كان هذا، فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق، والسيرة الحسنة عند الفضلاء اختصاص اليمين بالأعمال الشريفة، والأحوال النظيفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشمال فبحكم التبعية. وأما إزالة الأقذار، والأمور الخسيسة فبالشمال لما يناسبها من الحقارة، والاسترذال. و(قوله: فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله) ظاهره أن من أكل بشماله تشبَّه بالشيطان في ذلك الفعل؛ إذ الشيطان بشماله يأكل وبها يشرب. ولقد أبعد وتعسَّف من أعاد الضمير في (شماله) على الآكل.

стр. 2951

[١٩١٣] وعن سلمة بن الأكوع: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: كُل بِيَمِينِكَ. قَالَ: لَا أَستَطِيعُ. قَالَ: لَا استَطَعتَ. مَا مَنَعَهُ إِلَّا الكِبرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رواه أحمد (٤/ ٤٥)، ومسلم (٢٠٢١). * * * (٣) باب الأكل مما يليه والأكل بثلاث أصابع [١٩١٤] عن عُمَرَ بنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنتُ فِي حَجرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَت يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحفَةِ، فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُل بِيَمِينِكَ، وَكُل مِمَّا يَلِيكَ. ــ و(قوله ﷺ للذي قال له: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت) دعاء منه عليه؛ لأنَّه لم يكن له في ترك الأكل باليمين عذر، وإنما قصد المخالفة، وكأنه كان منافقًا. والله تعالى أعلم. ولذلك قال الراوي: وما منعه إلا الكبر. وقد أجاب الله تعالى دعاء النبي ﷺ في هذا الرجل، حتى شُلَّت يمينه، فلم يرفعها لفيه بعد ذلك اليوم. و(قول عمر بن أبي سلمة: كنت في حجر رسول الله ﷺ )، هو بفتح الحاء: الحضانة، وبالكسر: الاسم. ومنه: حجر الثوب، والحجر: الحرام، بالكسر أيضًا. و(قوله: كانت يدي تطيش في الصَّحفة) أي: تخف وتسرع، وقد دلَّ عليه قوله في الرواية الأخرى: (فجعلت آخذ من لحم حول القصة). و(قوله: يا غلام! سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) فيه تعليم

стр. 2952

وفي رواية: أَكَلتُ يَومًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَجَعَلتُ آخُذُ مِن لَحمٍ حَولَ الصَّحفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُل مِمَّا يَلِيكَ. رواه أحمد (٤/ ٢٦)، والبخاري (٥٣٧٦)، ومسلم (٢٠٢٢) (١٠٨ و ١٠٩)، وابن ماجه (٣٢٦٧). ــ الصبيان ما يحتاجون إليه من أمور الدين وآدابه. وهذه الأوامر كلها على الندب؛ لأنَّها من المحاسن المكمِّلة، والمكارم المستحسنة. والأصل فيما كان من هذا الباب: الترغيب، والنَّدب. و(قوله: كل مما يليك) سُنَّة متفق عليها، وخلافها مكروه شديد الاستقباح، لكن إذا كان الطعام نوعًا واحدًا. وسبب ذلك الاستقباح: أنَّ كل آكل كالحائز لما يليه من الطعام، فآخذ الغير له تعدٍّ عليه مع ما في ذلك من تقزز النفوس ما خاضت فيه الأيدي والأصابع، ولما فيه من إظهار الحرص على الطعام، والنَّهم. ثم هو سوء أدب من غير فائدة إذا كان الطعام نوعًا واحدًا. وأما إذا اختلفت أنواع الطعام فقد أباح ذلك العلماء؛ إذ ليس فيه شيء من تلك الأمور المستقبحة. وكونه ﷺ كان يأكل بثلاث أصابع: أدب حسن، وسنة جميلة؛ لأنَّها تشعر بعدم الشَّرَه في الطعام، وبالاقتصار على ما يحتاج إليه من غير زيادة عليه، وذلك أن الثلاث الأصابع يستقل بها الظريف الخبير. وهذا فيما يتأتى فيه ذلك من الأطعمة، وأما ما لا يتأتى ذلك فيه استعان عليه بما يحتاج إليه من أصابعه. ولعقه ﷺ أصابعه الثلاثة، وأمره بذلك يدل: على أنه سُنَّة مستحبة. وقد كرهه بعض العامة، واستقذره، وقوله بالكراهة والاستقذار أولى من سنَّة رسول الله ﷺ (١)، ولو سكت الجهال قلَّ الخلاف. وفائدة اللَّعق احترام للطعام،

стр. 2953

[١٩١٥] وعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَلعَقُ يَدَهُ قَبلَ أَن يَمسَحَهَا. رواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣٢)، وأبو داود (٣٨٤٨)، والترمذيُّ في الشمائل (١٤٠ و ١٤٣). * * * (٤) باب لعق الأصابع والصحفة وأكل اللقمة إذا سقطت [١٩١٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُم طَعَامًا فَلَا يَمسَح يَدَهُ حَتَّى يَلعَقَهَا أَو يُلعِقَهَا. رواه البخاريُّ (٥٤٥٦)، ومسلم (٢٠٣١) (١٢٩ و ١٣٠)، وأبو داود (٣٨٤٧)، وابن ماجه (٣٢٦٩). ــ واغتنام للبركة، ألا ترى أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع والقصعة وقال: (فإنَّه لا يدري في أي طعامه البركة؟ ) ومعناه - والله أعلم -: أن الله تعالى قد يخلق الشِّبع في الأكل عند لعق الأصابع أو القصعة، فلا يترك شيء من ذلك احتقارًا له. ومثل هذا يفهم من قوله ﷺ : (إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى، ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان). و(قوله: فلا يمسحها حتَّى يَلعقها أو يُلعقها) هذا يدلّ على جواز مسح اليد من الطعام بالمنديل قبل الغسل، لكن بعد لعقها. وهو محمول على ما إذا لم يكن في الطعام غمر، فأمَّا إذا كان فيه غمرٌ فينبغي أن يغسلها، لما جاء في الترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: (من نام وفي يده غمرٌ؛ فأصابه شيء؛ فلا

стр. 2954

[١٩١٧] وعَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ، قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلعَقُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَة مِن الطَّعَامِ. رواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٠٣٢) (١٣١). [١٩١٨] وعَن جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِلَعقِ الأَصَابِعِ وَالصَّحفَةِ وَقَالَ: إِنَّكُم لَا تَدرُونَ فِي أَيِّهِ البَرَكَةُ. رواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٣). ــ يلومن إلا نفسه) (١)، قال: حديث حسن غريب. وقد ذهب قومٌ إلى استحباب غسل اليد قبل الطعام وبعده لما رواه الترمذي من حديث سلمان: أنه ﷺ قال: (بركة الطعام الوضوء قبله وبعده) (٢). وروي عنه ﷺ أنه قال: (الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم) (٣). ولا يصحُّ شيء منهما. وكرهه قبله كثير من أهل العلم. منهم: سفيان، ومالك، والليث. قال مالك: هو من فعل الأعاجم. واستحبوه بعده. وقد روي عن النبي ﷺ : أنه شرب لبنًا، فمضمض وقال: (إن له دسمًا) (٤)، وأمر بالمضمضة من اللبن. وقد روي عن مالك: أنه كره ذلك، وقال: وقد تؤول على أن يتخذ ذلك سُنَّة، أو في طعام لا دسم فيه. والله تعالى أعلم. و(قوله: يلعقها) ثلاثيًّا؛ أي: يلعقها بنفسه. والثاني - رباعيًّا - أي:

стр. 2955

[١٩١٩] وعَنه، قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيطَانَ يَحضُرُ أَحَدَكُم عِندَ كُلِّ شَيءٍ مِن شَأنِهِ، حَتَّى يَحضُرَهُ عِندَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَت مِن أَحَدِكُم اللُّقمَةُ فَليُمِط مَا كَانَ بِهَا مِن أَذًى، ثُمَّ لِيَأكُلهَا، وَلَا يَدَعهَا لِلشَّيطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَليَلعَق أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ البَرَكَةُ. زاد في رواية: وَلَا يَمسَح يَدَهُ بِالمِندِيلِ حَتَّى يَلعَقَ أصابعه أَو يُلعِقَهَا. فإنه لا يدري في أي طعامه البركة. رواه مسلم (٢٠٣٣) (١٣٥). ــ يجعل غيره يلعقها. وهذا كله يدلّ على استحباب لعق الأصابع إذا تعلَّق بها شيء من الطعام، كما قدَّمناه. لكنه في آخر الطعام، كما نص عليه، لا في أثنائه؛ لأنَّه يمس بأصابعه بزاقه في فيه إذا لعق أصابعه ثم يعيدها، فيصير كأنه يبصق في الطعام، وذلك مستقذر، مستقبح. و(قوله ﷺ : إن الشيطان يحضر أحدكم عند كلِّ شيء من شأنه) فائدته أن يحضر الإنسان هذا المعنى عند إرادته فعلًا من الأفعال كائنًا ما كان، فيتعوذ بالله من الشيطان ويُسمِّي الله تعالى فإنَّه يكفى مضرَّة الشيطان، كما قد جاء في حديث الجماع؛ الذي ذكرناه في النكاح، وكما يأتي في الدعوات - إن شاء الله تعالى -. و(قوله: فليمط عنها الأذى) أي: يزيله. و(قوله: ليأكلها) أمر على جهة الاحترام لتلك اللقمة، فإنَّها من نعم الله تعالى، لم تصل للإنسان حتى سخر الله فيها أهل السماوات والأرض. و(قوله: ولا يدعها للشيطان) يعني: إنه إذا تركها، ولم يرفعها، فقد مكَّن الشيطان منها؛ إذ قد تكبر عن أخذها، ونسي حق الله تعالى فيها، وأطاع الشيطان في ذلك، وصارت تلك اللقمة مناسبة للشيطان؛ إذ

стр. 2956

[١٩٢٠] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قَالَ: وَقَالَ: إِذَا سَقَطَت لُقمَةُ أَحَدِكُم فَليُمِط عَنهَا الأَذَى، وَليَأكُلهَا، وَلَا يَدَعهَا لِلشَّيطَانِ. وَأَمَرَنَا أَن نَسلُتَ القَصعَةَ، قَالَ: فَإِنَّكُم لَا تَدرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُم البَرَكَةُ. رواه أحمد (٣/ ١٧٧)، ومسلم (٢٠٣٤)، وأبو داود (٣٨٤٥)، والترمذي (١٨٠٣). * * * (٥) باب من دعي إلى الطعام فتبعه غيره [١٩٢١] عَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ يُقَالَ لَهُ: أَبُو شُعَيبٍ، وَكَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ فِي ــ قد تكبر عليها، وهو متكبر، فصارت طعامه. وهذا كله ذمٌّ لحال التارك، وتنبيه على تحصيل غرض الشيطان من ذلك. (٥ و ٦) ومن باب: إذا دعي إلى طعام (١) اللَّحَّام: الذي يبيع اللحم، وهو الجزَّار. وهذا على قياس قولهم: عطَّار، وتَمَّار، للذي يبيع ذلك. و (خامس خمسة) أي: أحد خمسة. هذا الحديث، وما يأتي بعده يدلّ: على ما كانوا عليه من شدَّة الحال وشظف العيش، وذلك للتمحيص في الدنيا، وليتوفر لهم أجر الآخرة.

стр. 2957

وَجهِهِ الجُوعَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: وَيحَكَ، اصنَع لَنَا طَعَامًا لِخَمسَةِ نَفَرٍ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَن أَدعُوَ النَّبِيَّ ﷺ خَامِسَ خَمسَةٍ. قَالَ: فَصَنَعَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَدَعَاهُ خَامِسَ خَمسَةٍ، وَاتَّبَعَهُم رَجُلٌ، فَلَمَّا بَلَغَ البَابَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ هَذَا اتَّبَعَنَا، فَإِن شِئتَ أَن تَأذَنَ لَهُ، وَإِن شِئتَ رَجَعَ. قَالَ: لَا، بَل آذَنُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رواه أحمد (٤/ ١٢٠)، والبخاريُّ (٢٠٨١)، ومسلم (٢٠٣٦)، والترمذيُّ (١٠٩٩). * * * (٦) باب إباحة تطييب الطعام وعرض من لم يدع [١٩٢٢] عَن أَنَسٍ: أَنَّ جَارًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَارِسِيًّا كَانَ طَيِّبَ المَرَقِ، فَصَنَعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طعاما، ثُمَّ جَاءَ يَدعُوهُ، فَقَالَ: وَهَذِهِ؟ ــ وهذا المتبع لهم كان ذا حاجة، وفاقة، وجوع، واستئذان النبي ﷺ لصاحب الدعوة في حق المتبع بيان لحاله، وتطييب لقلب المستأذن، ولو أمره بإدخاله معهم لكان له ذلك، فإنَّه ﷺ قد أمرهم بذلك، وقال: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، أو أربع فليذهب بخامس) (١)، والوقت كان وقت فاقة وشدِّة، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك، والله أعلم. ومع ذلك فاستأذن صاحب المكان تطييبًا لقلبه، وبيانًا للمشروعية في ذلك؛ إذ الأصل: ألا يتصرَّف في ملك الغير أحدٌ إلا بإذنه. و(قول أنس: كان لرسول الله ﷺ جار فارسي طيب المرق) دليل على جواز

стр. 2958

لِعَائِشَةَ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا. فَعَادَ يَدعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذِهِ؟ فقَالَ: لَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا. ثُمَّ عَادَ يَدعُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَهَذِهِ؟ قَالَ: نَعَم - فِي الثَّالِثَةِ -. فَقَامَا يَتَدَافَعَانِ حَتَّى أَتَيَا مَنزِلَهُ. رواه أحمد (٣/ ١٢٣)، ومسلم (٢٠٣٧)، والنسائيُّ (٦/ ١٥٨). * * * ــ تطييب الأطعمة، والاعتناء بها، ولا خلاف في جواز ذلك بين الأئمة، وامتناع الفارسي من الإذن لعائشة ﵂: أولى ما قيل فيه: إنه إنَّما كان صنع من الطعام ما يكفي النبي ﷺ وحده؛ للذي رأى عليه من الجوع، فكأنه رأى: أن مشاركة النبي ﷺ في ذلك يجحف بالنبي ﷺ . وامتناع النبي ﷺ من إجابة الفارسي عند امتناعه من إذن عائشة: إنما كان - والله أعلم - لأن عائشة كان بها من الجوع مثل الذي كان بالنبي ﷺ ، فكره النبي ﷺ أن يستأثر عليها بالأكل دونها، وهذا تقتضيه مكارم الأخلاق، وخصوصًا مع أهل بيت الرجل، ولذلك قال بعض الشعراء (١): . . . . . . . . . . . . ... وشِبَعُ الفتى لؤمٌ إذا جاع صاحبه (٢) وقد نبَّه مالك ﵀ على هذا المعنى حين سُئل عن الرجل يدعو الرجل يكرمه، قال: إذا أراد فليبعث بذلك إليه يأكله مع أهله. وفي هذين الحديثين أبواب من الفقه من تتبعها ظفر بها.

стр. 2959

(٧) باب من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد ما يرد به جوعه [١٩٢٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ أَو لَيلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، فَقَالَ: مَا أَخرَجَكُمَا مِن بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَأَخرَجَنِي الَّذِي أَخرَجَكُمَا، قُومُوا. فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِن الأَنصَارِ ــ (٧) ومن باب: من اشتد جوعه تعين عليه أن يرتاد لنفسه (قوله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما أخرجكما من بيوتكما؟ ) قالا: الجوع. قال: (وأنا أخرجني الذي أخرجكما) هذا يدلّ على شدَّة حالهم في أوَّل أمرهم. وسبب ذلك: أن أهل المدينة كانوا في شظف من العيش عندما قدم عليهم النبي ﷺ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرُّوا بأنفسهم، وتركوا أموالهم، وديارهم، فقَدِموا فقراء على أهل شدَّة، وحاجة، مع أن الأنصار ﵃ واسوهم فيما كان عندهم (١)، وشركوهم فيما كان لهم، ومنحوهم، وهادوهم، غير أن ذلك ما كان يسدُّ خلَاّتهم، ولا يرفع فاقاتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء، والفقر على الغنى. ولم يزل ذلك دأبهم إلى أن فتح الله عليهم وادي القرى، وخيبر، وغير ذلك؛ فردُّوا لهم منائحهم، واستغنوا بما فتح الله عليهم. ومع ذلك فلم يزل عيشهم شديدًا، وجهدهم جهيدًا حتَّى لقوا الله تعالى مؤثرين بما عندهم، صابرين على شدَّة عيشهم، معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذاتها. مقبلين على الآخرة، ونعيمها، وكراماتها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه. حشرنا الله في زمرتهم، واستعملنا بسنَّتهم. و(قوله: قوموا) أمرٌ بالقيام لطلب العيش عند الحاجة. وهو دليل ما

стр. 2960

فَإِذَا هُوَ لَيسَ فِي بَيتِهِ، فَلَمَّا رَأَتهُ المَرأَةُ قَالَت: مَرحَبًا وَأَهلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَينَ فُلَانٌ؟ قَالَت: ذَهَبَ يَستَعذِبُ لَنَا مِن المَاءِ، إِذ جَاءَ الأَنصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيهِ ثُمَّ قَالَ: الحَمدُ لِلَّهِ، مَا أَحَدٌ اليَومَ أَكرَمَ أَضيَافًا مِنِّي. قَالَ: فَانطَلَقَ فَجَاءَهُم بِعِذقٍ فِيهِ بُسرٌ وَتَمرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِن هَذِهِ. وَأَخَذَ المُديَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِيَّاكَ ــ رسمناه في الترجمة، وهذا الرجل الأنصاري هو: أبو الهيثم بن التَّيهان على ما جاء مفسَّرًا في رواية أخرى. واسمه: مالك بن التَّيهان. قاله أبو عمر (١). و(قولها: يستعذب لنا ماء) أي: يطلب الماء العذب. وفيه دليلٌ على جواز الميل للمستطابات طبعًا من الماء وغيره. و(قول الرجل: الحمد لله، ما أحدٌ اليوم أكرم أضيافًا منِّي) قولٌ صدق، ومقالٌ حق؛ إذ لم تقل الأرض، ولا أظلَّت السَّماء في ذلك الوقت أفضل من أضيافه؛ فإنَّهم: محمد رسول الله ﷺ ، وخليفتاه: أبو بكر، وعمر. ولما تحقق الرجل عظيم هذه النعمة قابلها بغاية مقدور الشكر، فقال: الحمد لله! و(العِذق) - بكسر العين -: الكباسة، وهي: العرجون. و (العذق) - بفتح العين -: النخلة. وإنما قدَّم لهم هذا العرجون؛ لأنَّه الذي تيسَّر له بغير كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا من التمر، والبسر، والرطب، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة أولى من حيث إنه أقوى للمعدة؛ لأنَّه أسرع هضمًا. و(المدية): السكين. و (الحلوب) - بفتح الحاء -: الشاة التي تحلب لبنًا كثيرًا. وإنَّما نهاه عنها؛ لأنَّ ذبحها تضييعٌ للبنها، مع أن غير ذات اللبن تتنزل منزلتها عند الضيف، ويحصل بها المقصود.

стр. 2961

وَالحَلُوبَ. فَذَبَحَ لَهُم فَأَكَلُوا مِن الشَّاةِ، وَمِن ذَلِكَ العِذقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَن شَبِعُوا وَرَوُوا؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَتُسأَلُنَّ عَن هَذَا النَّعِيمِ يَومَ القِيَامَةِ، أَخرَجَكُم مِن بُيُوتِكُم الجُوعُ، ثُمَّ لَم تَرجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُم هَذَا النَّعِيمُ. رواه مسلم (٢٠٣٨)، والترمذي (٢٣٧٠). * * * ــ و(قوله: فأكلوا من تلك الشاة، ومن ذلك العذق) دليلٌ على جواز جمع طعامين فأكثر على مائدة. و(قوله: حتى شبعوا، ورووا) دليل على جواز الشبع من الحلال. وما جاء مما يدلُّ على كراهة الشبع عن النبي ﷺ ، وعن السلف: إنما ذلك في الشبع المثقل للمعدة، المبطئ بصاحبه عن الصلوات، والأذكار، المضرُّ للإنسان بالتخم، وغيرها؛ الذي يفضي بصاحبه إلى البطر، والأشر، والنوم، والكسل. فهذا هو المكروه. وقد يلحق بالمُحرَّم إذا كثرت آفاته، وعمَّت بليَّاته. والقسطاس المستقيم ما قاله مَن عليه الصلاة والتسليم: (ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإنَّ كان ولا بدَّ: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) (١). و(قول النبي ﷺ : لتُسألُنَّ عن نعيم هذا اليوم) أي: سؤال عرض لا سؤال مناقشة، وسؤال إظهار التفضل والمنن، لا سؤالا يقتضي المعاتبة، والمحن. و(النعيم): كل ما يتنعم به؛ أي: يستطاب، ويتلذذ به. وإنما قال النبي ﷺ هذا استخراجًا للشكر على النعم، وتعظيمًا (٢) لذلك. والله تعالى أعلم.

стр. 2962

(٨) باب جعل الله تعالى قليل الطعام كثيرا ببركة رسول الله ﷺ ، وذكر كثير من آداب الأكل [١٩٢٤] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: لَمَّا حُفِرَ الخَندَقُ رَأَيتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا، فَانكَفَأتُ إِلَى امرَأَتِي فَقُلتُ لَهَا: هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ فَإِنِّي قد رَأَيتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمَصًا شَدِيدًا. فَأَخرَجَت لِي جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِن شَعِيرٍ، وَلَنَا بُهَيمَةٌ دَاجِنٌ، قَالَ: فَذَبَحتُهَا وَطَحَنَت، فَفَرَغَت إِلَى فَرَاغِي، فَقَطَّعتُهَا فِي بُرمَتِهَا، ثُمَّ وَلَّيتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: لَا تَفضَحنِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَن مَعَهُ، قَالَ: فَجِئتُهُ فَسَارَرتُهُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَد ذَبَحنَا بُهَيمَةً لَنَا، وَطَحَنَت صَاعًا مِن شَعِيرٍ كَانَ عِندَنَا، فَتَعَالَ أَنتَ ونَفَر مَعَكَ. فَصَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا أَهلَ الخَندَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَد صَنَعَ لَكُم سُورًا، فَحَيَّهَلًا بِكُم. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُنزِلُنَّ ــ (٨) ومن باب: جعل قليل الطعام كثيرًا ببركة النبي ﷺ (الخمص): الجوع، وأصله: من خمص البطن، وهو: ضموره، ولما كان الجوع يضمر البطن سُمِّي به. و (البهيمة) الصغيرة من الضأن، تصغير: بهمة. والجمع: بهم. و (الدَّاجن): الملازم للبيت، ودجن في كذا؛ أي: أقام فيه. و(قوله: انكفأت إلى أهلي) (١) أي: انقلبت إليهم، وانصرفت. و(الجراب): وعاء من جلد. و(قوله: إن جابرًا قد صنع لكم سورًا) أي: اتخذ طعامًا لدعوة الناس. كلمة فارسية. قاله الطبري وغيره. وقال غيرهما: هو الطعام نفسه بالفارسية. و(قوله: حيَّهلا بكم) أي: أقبلوا وهلمُّوا. قال الهروي: (حي) كلمة على

стр. 2963

بُرمَتَكُم، وَلَا تَخبِزُنَّ عَجِينَكُم حَتَّى أَجِيءَ. فَجِئتُ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقدَمُ النَّاسَ، حَتَّى جِئتُ امرَأَتِي فَقَالَت: بِكَ وَبِكَ، فَقُلتُ: قَد فَعَلتُ الَّذِي قُلتِ لِي، فَأَخرَجتُ لَهُ عَجِينَتَنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرمَتِنَا فَبَصَقَ فِيهَا وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادعِي خَابِزَةً فَلتَخبِز مَعَكِ، وَاقدَحِي مِن بُرمَتِكُم، وَلَا تُنزِلُوهَا. وَهُم أَلفٌ، فَأُقسِمُ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانحَرَفُوا، ــ حدة، ومعناها: هلمّ، و (هلا): كلمة على حدة، فجُعِلا كلمة واحدة. قال غيره: وفيها لغات، يقال: حي هل، وهل، وهلى، وهلا، وحي هل، وحي هل - بسكونهما -. وحكى أبو عبيدة: حيهلك، وهي التي يقال فيها: حي على بمعنى. وهي عند أبي عبيدة بمعنى: عليك بكذا؛ أي: ادع به. و(قولها: بك وبك) عتب عتبت عليه، وكأنها قالت له: فعلت هذا برأيك، وسوء نظرك. تعني: دعاءه للناس كلهم، وظنَّت أنه لم يخبر رسول الله ﷺ بقدر الطعام. ويحتمل أن يكون معناه: بك تنزل الفضيحة، وبك يقع الخجل. ويحتمل أن يكون دعاء؛ أي: أوقع الله بك الفضيحة، أو الخجل، ونحو هذا. و(قوله: فجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس) هذا منه ﷺ مخالفٌ للذي نقل من سيرته مع أصحابه: أنه كان لا يتقدمهم، ولا يوطأ عقبه؛ وإنما كان يمشي بين أصحابه، أو يقدمهم. وإنَّما تقدمهم في هذا الموضع لأنه هو الذي دعاهم، فكان دليلهم إلى الموضع الذي دعاهم إليه. و(قوله: وبارك فيها) أي: دعا بالبركة، فاستجيب له على الفور، وظهرت معجزاته وبركاته لما أكل من الصاع الشعير والبهمة ذلك العدد الكثير، ثم بقي الطعام على حاله كما كان أوَّل مرة. وعلى هذا (١): لو كانوا مائة ألف لكفاهم. وغطيط القدر: صوت فورانها.

стр. 2964

وَإِنَّ بُرمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيخبَزُ كَمَا هُوَ. رواه البخاري (٣٠٧٠)، ومسلم (٢٠٣٩). [١٩٢٥] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ قال: قَالَ أَبُو طَلحَةَ لِأُمِّ سُلَيمٍ: قَد سَمِعتُ صَوتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعرِفُ فِيهِ الجُوعَ، فَهَل عِندَكِ مِن شَيءٍ؟ فَقَالَت: نَعَم، فَأَخرَجَت أَقرَاصًا مِن شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخَذَت خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّت الخُبزَ بِبَعضِهِ، ثُمَّ دَسَّتهُ تَحتَ ثَوبِي، وَرَدَّتنِي بِبَعضِهِ، ثُمَّ أَرسَلَتنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَذَهَبتُ بِهِ، فَوَجَدتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي المَسجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ، فَقُمتُ عَلَيهِم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرسَلَكَ أَبُو طَلحَةَ؟ قَالَ: فَقُلتُ: نَعَم. قَالَ: إلى طَعَامٍ؟ فَقُلتُ: نَعَم. فَقَالَ ــ و(قوله في حديث أنس: فأخرجت أقراصًا من شعير، فلفته بالخمار ثم أرسلت بذلك إلى رسول الله ﷺ ). وفي الرواية الأخرى: (إن أبا طلحة أمر أمَّ سليم أن تصنع للنبي ﷺ طعامًا لنفسه خاصة). وفي أخرى: (إن أبا طلحة قال لأم سليم: هل من شيء؟ فقالت: نعم، عندي كسر وتمرات، فإنَّ جاء رسول الله ﷺ وحده أشبعناه، وإن جاء أحدٌ معه قلَّ عنهم). قلت: وهذه روايات مختلفة، فإن كان وقع ذلك مرَّات فلا إشكال، وإن كان مرة واحدة كان ذلك اضطرابًا، غير أنه يمكن الجمع بين تلك الألفاظ، ويرتفع الاضطراب، لكن على تكلف وبُعد. و(قوله: فدسته تحت ثوبي) كذا في كتاب مسلم عند سائر رواته. وفي الموطأ: تحت يدي. أي: إبطي. والدسّ: وضع الشيء في خفية، ولطافة. و(قوله: وردتني ببعضه) يعني به: أنها جعلت الطرف الثاني من الخمار عليه كالرداء.

стр. 2965

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن مَعَهُ: قُومُوا. قَالَ: فَانطَلَقَ وَانطَلَقتُ بَينَ أَيدِيهِم، حَتَّى جِئتُ أَبَا طَلحَةَ فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، قَد جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيسَ عِندَنَا مَا نُطعِمُهُم! فَقَالَت: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قَالَ: فَانطَلَقَ أَبُو طَلحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلُمِّي مَا عِندَكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ. فَأَتَت بِذَلِكَ الخُبزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَفُتَّ، وَعَصَرَت عَلَيهِ أُمُّ سُلَيمٍ عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. ــ و(قول أبي طلحة لأم سليم: قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم) قولٌ على مقتضى العادة. و (جواب أم سليم بقولها: الله ورسوله أعلم) قولٌ أخرجه النظر إلى إمكان خرق العادة، ورجاء بركة رسول الله ﷺ كالذي كان. و(العكة): وعاء صغير من جلد يجعل فيه السمن، والنحي أكبر منه. و (أدمته) بمدِّ الألف وقصرها؛ أي: جعلت السمن في الخبز وهو الأدم (١)، فصار الخبز مأدومًا. و(قوله: ليتحلق عشرة عشرة) (٢) فيه دليل على استحباب اجتماع هذا العدد على جفنة واحدة عند كثرة الناس، لكن هذا إذا لم تحمل الجفنة أكثر من ذلك، فلو كانت كجفنة الرَّكب (٣) لأكل عليها أكثر من هذا العدد. و(قوله: فأكلوا حتى شبعوا) دليل على جواز الشبع، خلافًا لمن كرهه

стр. 2966

فَأَذِنَ لَهُم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. حَتَّى أَكَلَ القَومُ كُلُّهُم وَشَبِعُوا، وَالقَومُ سَبعُونَ رَجُلًا أَو ثَمَانُونَ رَجُلًا. وفي رواية: قَالَ: رَأَى أَبُو طَلحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي المَسجِدِ يَتَقَلَّبُ ظَهرًا لِبَطنٍ، فَأَتَى أُمَّ سُلَيمٍ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي المَسجِدِ، يَتَقَلَّبُ ظَهرًا لِبَطنٍ، وَأَظُنُّهُ جَائِعًا. فأَمَرَ أَبُو طَلحَةَ أُمَّ سُلَيمٍ أَن تَصنَعَ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا لِنَفسِهِ خَاصَّةً، ثُمَّ أَرسَلَنِي إِلَيهِ. وَسَاقَ الحَدِيثَ. وفِيهِ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ائذَن لِعَشَرَةٍ. فَأَذِنَ لَهُم فَدَخَلُوا فَقَالَ: كُلُوا وَسَمُّوا اللَّهَ. فَأَكَلُوا حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ ذَلِكَ، وَأَهلُ البَيتِ، وَتَرَكُوا سُؤرًا. وفي رواية: وأفضلوا ما أبلغوا جيرانهم. رواه أحمد (٣/ ٢١٨)، والبخاري (٥٤٥٠)، ومسلم (٢٠٤٠) (١٤٢ - ١٤٣)، والترمذيُّ (٣٦٣٠). ــ مطلقًا. وهم قومٌ من المتصوفة، لكن الذي يكره منه ما يزيد على الاعتدال، وهو الأكل بكل البطن، حتى لا يترك للماء، ولا للنَّفس مساغًا. وقد ينتهي هذا إلى تجاوز الحد، فيحكم عليه بالتحريم كما تقدَّم. وكونه ﷺ أكل بعدهم؛ إنَّما كان ذلك لأنه هو أطعمهم ببركة دعائه، فكان آخرهم أكلًا، كما قال في الشراب: (ساقي القوم آخرهم شربًا) (١). وأيضًا: فليحصل على درجة الإيثار؛ فإنَّه ﷺ كان

стр. 2967

[١٩٢٦] وعنه، قال: جِئتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومًا فَوَجَدتُهُ جَالِسًا مَعَ أَصحَابِهِ يُحَدِّثُهُم، وَقَد عَصَّبَ بَطنَهُ بِعِصَابَةٍ، قَالَ أُسَامَةُ: وَأَنَا أَشُكُّ - عَلَى حَجَرٍ - فَقُلتُ لِبَعضِ أَصحَابِهِ: لِمَ عَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَطنَهُ؟ فَقَالَوا: مِن الجُوعِ، فَذَهَبتُ إِلَى أَبِي طَلحَةَ، وَهُوَ زَوجُ أُمِّ سُلَيمٍ بِنتِ مِلحَانَ، فَقُلتُ: يَا أَبَتَاهُ، قَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَصَّبَ بَطنَهُ بِعِصَابَةٍ، فَسَأَلتُ بَعضَ أَصحَابِهِ فَقَالَوا: مِن الجُوعِ، فَدَخَلَ أَبُو طَلحَةَ عَلَى أُمِّي فَقَالَ: هَل مِن شَيءٍ؟ فَقَالَت: نَعَم، عِندِي كِسَرٌ مِن خُبزٍ، وَتَمَرَاتٌ، فَإِن جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحدَهُ أَشبَعنَاهُ، وَإِن جَاءَ أحد مَعَهُ قَلَّ عَنهُم، وساق الحديث. وفي أخرى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة. قال: فعاد كما كان. فقال: دونكم هذا. رواه مسلم (٢٠٤٠) (١٤٣). * * * ــ أشدهم جوعًا؛ لأنَّه كان قد شدَّ على بطنه بحجرين، ومع ذلك فقدَّمهم عليه وآثرهم بالأكل قبله. وشدُّ البطن بالحجر يسكن سورة الجوع، وذلك: أنه يلصق البطن بالأمعاء، والأمعاء بالبطن، فتلتصق المعدة بعضها بالبعض، فيقل الجوع. وقيل: إنما يفعل ذلك ليقوى من الضعف الذي يجده بسبب الجوع. والأول أبين. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى. * * *

стр. 2968

(٩) باب في أكل الدباء والقديد [١٩٢٧] عن أَنَس بن مَالِكٍ قال: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ: فَذَهَبتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُبزًا مِن شَعِيرٍ، وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيتُ النبي ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِن حَوَالَي القصعة، قَالَ: فَلَم أَزَل أُحِبُّ الدُّبَّاءَ من يَومَئِذٍ. وفي رواية: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ مِن ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعجِبُهُ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيتُ ذَلِكَ؛ وجَعَلتُ أُلقِيهِ إِلَيهِ، وَلَا أَطعَمُهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا زِلتُ يُعجِبُنِي الدُّبَّاءُ. ــ (٩ و ١٠) ومن باب: أكل الدُّبَّاء والقديد والتمر (١) الدباء: اليقطين. واحده: دباءة - ممدود - وقد حكى فيه القصر: ابن السَّرَّاج، وليس معروفًا، وعليه فيكون واحده دبأة. و(قول أنس: وجعلت ألقيه إليه) دليل على جواز مناولة بعض المجتمعين على الطعام لبعض شيئًا منه (٢)، ولا ينكر على من فعل ذلك؛ وإنما الذي يكره: أن يتناول شيئًا من أمام غيره، أو يتناول من على مائدة من مائدة أخرى، فقد كرهه ابن المبارك. و(تتبع النبي ﷺ الدباء من حوالي القصعة): إنما كان ذلك لأن الطعام كان مختلفًا، فكان يأكل ما يعجبه منه - وهو الدُّباء - ويترك ما لا يعجبه - وهو القديد -. وقد قدمنا جواز ذلك.

стр. 2969

وفي أخرى: قال أنس: فَمَا صُنِعَ لِي طَعَامٌ بَعدُ أَقدِرُ عَلَى أَن يُصنَعَ فِيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ. رواه البخاريُّ (٢٠٩٢)، ومسلم (٢٠٤١) (١٤٤ و ١٤٥)، وأبو داود (٣٧٨٢)، والترمذيُّ (١٨٥٠). * * * (١٠) باب في أكل التمر مقعيا، وإلقاء النوى بين إصبعين، وأكل القثاء بالرطب [١٩٢٨] عن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: رَأَيتُ رسول الله ﷺ مُقعِيًا يَأكُلُ تَمرًا. رواه أحمد (٣/ ١٨٠)، مسلم (٢٠٤٤) (١٤٨)، وأبو داود (٣٧٧١). ــ و(قول أنس: رأيت رسول الله ﷺ مقعيًا، يأكل تمرًا) الإقعاء: جلسة المستوفز على أطراف أليتيه. مأخوذ من إقعاء السبع. وقد تقدم في كتاب الصلاة. وهو معنى قوله في الرواية الأخرى: (وهو محتفز) بالزاي؛ أي: مستعجل، غير متمكِّن. وإنما كان يأكل كذلك لعدم نهمه، وقلَّة مبالاته بأكله؛ إذ لم تكن همته فيما يجعل في بطنه، وإنما كان يأكل القليل من الطعام عند الحاجة، وعلى جهة التواضع، ولذلك قال ﷺ : (أما أنا فلا آكل متكئًا، ولكن آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (١).

стр. 2970

[١٩٢٩] وعنه، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمرٍ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقسِمُهُ - وَهُوَ مُحتَفِزٌ - يَأكُلُ مِنهُ أَكلًا ذَرِيعًا. وفي رواية: أكلا حثيثا. رواه مسلم (٢٠٤٤) (١٤٩). [١٩٣٠] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُسرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي، قَالَ: فَقَرَّبنَا إِلَيهِ طَعَامًا وَوَطبَةً، فَأَكَلَ مِنهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمرٍ، فَكَانَ يَأكُلُ منه ــ و(قوله: فقدَّمنا إليه طعامًا ووطبة) كذا في كتاب أبي عيسى؛ بسكون الطاء، وباء بواحدة. قلت: وهي مؤنثة الوطب، وهي: قربة اللبن. وكأنه قدَّم له هذه القربة ليشرب منها. وعند أبي بحر، وقرئ عليه: ووطيئة - بكسر الطاء، والهمزة المفتوحة - قال ابن دريد: الوطيئة: التمر يستخرج نواه، ويعجن بالسمن. قال ثابت: هو طعام للعرب يتخذ من تمر أراه كالحيس. قلت: وقد فسَّر القتبي الوطيئة بغير هذا. قال في حديث: أتيت رسول الله ﷺ في تبوك، فأخرج لنا ثلاث أكل من وطيئة (١). قال: والوطيئة: الغرارة، والأكل: اللقم. و(قوله: أكلًا ذريعًا) أي: كثيرًا. و (حثيثًا): أي: مستعجلًا. وحاصلهما: أنَّه كان يأكل أكلًا لا تصنُّع فيه، ولا رياء، ولا كبر؛ فإذا احتاج إلى الإكثار أكل، وإذا حفزه أمرٌ استعجل، لكنه ما كان يخرج عن أدب، ولا يفعل شيئًا غير مستحسن ﷺ .

стр. 2971

وَيُلقِي النَّوَى بَينَ إِصبَعَيهِ، وَيَجمَعُ السَّبَّابَةَ وَالوُسطَى، ثُمَّ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَن يَمِينِهِ، قَالَ: فَقَالَ أَبِي - وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ -: ادعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَهُم فِيمَا رَزَقتَهُم، وَاغفِر لَهُم وَارحَمهُم. رواه أحمد (٤/ ١٨٨)، ومسلم (٢٠٤٢)، وأبو داود (٣٧٢٩)، والترمذيُّ (٣٥٧٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٩٢ و ٢٩٣). [١٩٣١] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأكُلُ القِثَّاءَ بِالرُّطَبِ. رواه البخاريُّ (٥٤٤٠)، ومسلم (٢٠٤٣)، وأبو داود (٣٨٣٥)، والترمذي (١٨٤٥)، وابن ماجه (٣٣٢٥). * * * ــ و(كونه ﷺ يلقي النوى بين السَّبابة والوسطى) مبين: أنَّه يجوز تصريف الإصبعين لذلك، لئلا يظن: أنَّه لا يجوز تصريف السَّبابة إلا مع الإبهام؛ لأنَّه الأمكن، والذي جرت به العادة. وإلقاء النوى خارجًا عنهم تعليم لاجتناب إلقائها بين أيدي الآكلين؛ لأنَّ ذلك مِمَّا يستكره، ويستقذر. وقد تقدَّم التنبيه على سُنَّة مناولة الشراب على اليمين. وفي هذه الأحاديث: جواز أكل الطيبات من الأطعمة، والحلاوة الحلال، وجمع ذلك في وقت واحد خلافًا لمن كرهه من المتقشفين. وكان ﷺ يأكل القثاء بالرُّطب، ويقول: (أكسر حرّ هذا ببرد هذا) (١). وفيه دليل على جواز مراعاة صفات الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه الأليق بها، كما يقوله الأطباء. والله تعالى أعلم.

стр. 2972

(١١) باب النهي عن القران في التمر عند الجهد [١٩٣٢] عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ قَالَ: كَانَ ابنُ الزُّبَيرِ يَرزُقُنَا التَّمرَ، قَالَ: وَقَد كَانَ أَصَابَ النَّاسَ يَومَئِذٍ جَهدٌ، وَكُنَّا نَأكُلُ فَيَمُرُّ عَلَينَا ابنُ عُمَرَ - وَنَحنُ نَأكُلُ - فَيَقُولُ: لَا تُقَارِنُوا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الإِقرَانِ؛ ــ (١١) ومن باب: النهي عن القران في التمر (الجهد) - بفتح الجيم -: المشقة، وبالضم: الطاقة. و(قوله: نهى عن الإقران) هكذا وقعت هذه اللفظة لجميع رواة مسلم هنا، وليست بمعروفة؛ أعني: لفظة الإقران؛ فإنها وقعت رباعيَّة من: أقرن، وصوابه: القران؛ لأنَّه من: قرن، يقرن - ثلاثيًّا -، كما جاء في الرواية الأخرى: أن يقرن. قال الفرَّاء: يقال: قرن بين الحج والعمرة، ولا يقال: أقرن. قال غيره: إنَّما يقال: أقرن على الشيء: إذا قوي عليه، وأطاقه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرِنِينَ﴾؛ أي: مطيقين. قلت: غير أنه جاء في الصَّحاح: أقرن الدَّم في العرق، واستقرن؛ أي: كثر. فيحتمل أن يحمل الإقران المذكور في هذا الحديث على ذلك، فيكون معناه: أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا أكل مع غيره. ويرجع معناه إلى القران المذكور في الرواية الأخرى، والله أعلم. وقد حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم مطلقًا. وهو منهم جهل بمساق الحديث وبالمعنى. وحمل الجمهور، والفقهاء، والأئمة هذا النهي على حالة المشاركة في الأكل والاجتماع عليه، بدليل فهم ابن عمر راوي الحديث ذلك المعنى، وهو أفهم للمقال، وأقعد بالحال، وبدليل قوله: إلا أن يستأذن الرجل

стр. 2973

إِلَّا أَن يَستَأذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ. قَالَ شُعبَةُ: لَا أُرَى هَذِهِ الكَلِمَةَ إِلَّا مِن كَلِمَةِ ابنِ عُمَرَ، يَعنِي الِاستِئذَانَ. وفي رواية: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَقرِنَ الرَّجُلُ بَينَ التَّمرَتَينِ حَتَّى يَستَأذِنَ أَصحَابَهُ. رواه البخاريُّ (٥٤٤٦)، ومسلم (٢٠٤٥) (١٥٠ و ١٥١)، وأبو داود (٣٨٣٤)، والترمذيُّ (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١). ــ أخاه. فإنَّ كان هذا من قول النبي ﷺ فهو نصٌّ في المقصود، وإن كان من قول ابن عمر؛ فكما قلناه. وقد علله الجمهور بعلتين: إحداهما: أن ذلك يدلّ على كثرة الشَّرَه، والنَّهم. وبهذا عللته عائشة ﵂ حيث قالت: إنها نذالة (١). وثانيتهما: إيثار الإنسان نفسه بأكثر من حقه على مشاركه، وحكمهم في ذلك التساوي. و(قوله: إلا أن يستأذن أخاه). قال الخطابي: إن ذلك النهي إنما كان في زمنهم لما كانوا عليه من الضيق والمواساة، فأمَّا اليوم: فلا يحتاجون إلى الاستئمار. قلت: وهذا فيه نظر، وذلك أن الطعام إذا قُدِّم إلى قوم فقد تشاركوا فيه، وإذا كان كذلك فليأكل كل واحد منهم على الوجه المعتاد على ما تقتضيه المروءة، والنصفة من غير أن يقصد اغتنام زيادة على الآخر، فإنَّ فعل وكان الطعام شركة بحكم الملك؛ فقد أخذ ما ليس له، وإن كان إنما قدَّمه لهم غيرهم، فقد اختلف العلماء فيما يملكون منه. فإنَّ قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم؛ فكالأول. وإن قلنا: إنهم إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه؛ فهذا سوء أدب، وشَرَه،

стр. 2974

[١٩٣٣] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ، بَيتٌ لَا تَمرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهلُهُ - أَو - جَاعَ أَهلُهُ، قَالَهَا مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا. رواه أحمد (٦/ ١٠٥)، رمسلم (٢٠٤٦) (١٥٣)، وأبو داود (٣٨٣١)، والترمذي (١٨١٥)، وابن ماجه (٣٣٢٧). * * * ــ ودناءة. فعلى الوجه الأول: يكون محرَّمًا، وعلى الثاني: مكروها؛ لأنَّه يناقض مكارم الأخلاق، والله تعالى أعلم. و(قوله ﷺ : بيتٌ لا تمر فيه جياع أهله) هذا إنما عنى به النبي ﷺ المدينة، ومن كان على حالهم، ممن غالب قوتهم: التمر، وذلك: أنه إذا خلا البيت عن غالب القوت في ذلك الموضع كان عن غير الغالب أخلى، فيجوع أهله؛ إذ لا يجدون شيئًا. ويصدق هذا القول على كل بلد ليس فيه إلا صنف واحد، أو يكون الغالب فيه صنفًا واحدًا، فيقال على بلد ليس فيه إلا البر: بيت لا بر فيه جياع أهله. ويفيد هذا التنبيه على مصلحة تحصيل القوت، وادِّخاره؛ فإنَّه أسكن للنفس غالبًا، وأبعد عن التشويش. * * *

стр. 2975

(١٢) باب بركة عجوة المدينة وأنها دواء [١٩٣٤] عن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَكَلَ سَبعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَينَ لَابَتَيهَا حِينَ يُصبِحُ، لَم يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمسِيَ. وفي رواية: مَن تَصَبَّحَ بِسَبعِ تَمَرَاتٍ عَجوَةً لَم يَضُرَّهُ ذَلِكَ اليَومَ سُمٌّ وَلَا سِحرٌ. رواه أحمد (١/ ١٦٨ و ١٨١)، والبخاري (٥٤٤٠ و ٥٧٦٨)، ومسلم (٢٠٤٧) (١٥٤ و ١٥٥)، وأبو داود (٣٨٧٦). ــ (١٢ و ١٣ و ١٤ و ١٥) ومن باب: بركة عجوة المدينة والكمأة (١) قوله: (من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح لم يضره ذلك اليوم سُمٌّ)، وفي أخرى: (من تصبَّح في سبع تمرات عجوة لم يضرُّه ذلك اليوم سُمٌّ، ولا سحر)، ولم يذكر: مما بين لابتيها. قد تقدم الكلام (٢) في اللابة، وأنها الحجارة السود التي في المدينة (٣). وأعاد الضمير على المدينة، ولم يجر لها ذكر في اللفظ، لكنه مما يدل الحال، والمشاهدة عليه. ومطلق هاتين الروايتين مقيَّد بالأخرى، فحيث أطلق العجوة هنا إنما أراد به عجوة المدينة، وكذلك في حديث عائشة: لما أطلق العالية فمراده به: المدينة وجهاتها. ومعنى تصبَّح: أكل عند

стр. 2976

[١٩٣٥] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي عَجوَةِ العَالِيَةِ شِفَاءً، وإِنَّهَا تِريَاقٌ أَوَّلَ البُكرَةِ. رواه أحمد (٦/ ٧٧)، ومسلم (٢٠٤٨). * * * ــ الصباح، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، وهذا على طريقة: تغدى، وتعشى، وتسحر: إذا أكل في تلك الأوقات. وظاهر هذه الأحاديث: خصوصية عجوة المدينة بدفع السُّم، وإبطال السحر. وهذا: كما توجد بعض الأدوية مخصوصة ببعض المواضع، وببعض الأزمان. وهل هذا من باب الخواص التي لا تدرك بقياس طبي، أو هو مما يرجع إلى قياس طبي؛ اختلف علماؤنا فيه، فمنهم من تكلَّفه وقال: إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا دام على التصبُّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، واستعانت بها الحرارة الغريزية، فقابل ذلك برودة السُّم ما لم يستحكم، فبرأ صاحبه بإذن الله تعالى. قلت: وهذا يرفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإنَّ هناك من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك منه، كما هو معروف عند أهله. والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك خاصة عجوة المدينة كما أخبر به الصادق ﷺ . ثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه ﷺ أو هو في كل زمان؟ كل ذلك محتمل، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فإنَّ وجدنا ذلك كذلك في هذا الزمان؛ علمنا أنها خاصة دائمة، وإن لم نجده مع كثرة التجربة؛ علمنا أن ذلك مخصوص بزمان ذلك القول. والله تعالى أعلم. وأما تخصيصه بسبع: فخاصية لهذا العدد قطعًا، وقد جاء عن النبي ﷺ في

стр. 2977

(١٣) باب الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، واجتناء الكباث الأسود [١٩٣٦] عَن سَعِيدِ بنِ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الكَمأَةُ مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ، ــ مواطن كثيرة؛ منها: قوله ﷺ (١) في مرضه: (صبوا علي من سبع قرب) (٢)، ومنها: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. ومنها: قوله للرَّجل المريض الذي وجهه للحارث بن كلدة وقال: (ليأخذ سبع تمرات، وليلده بهن) (٣) وتعويذه سبع مرات. ومثله كثير. وقد جاء هذا العدد في غير الطب؛ كقوله تعالى: ﴿سَبعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ و ﴿سَبعٌ عِجَافٌ﴾ وسبع كسبع يوسف (٤)، و ﴿وَسَبعَ سُنبُلاتٍ﴾ وكذلك السبعون، والسبعمائة قد جاء في مواضع كثيرة. فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي فذلك بخاصية لا يعلمها إلا الله، ورسوله، ومن أطلعه الله عليها. وأما ما جاء لا في معرض التداوي. فقال بعض اللغويين: العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم تُرد عددًا بعينه، ولا حصرًا. والله أعلم. و(الترياق): دواء مركب معلوم، ينفع من السُّموم، ويقال عليه: درياق، وطرياق، وترياق. و(قوله: الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل) الكمء للمفرد،

стр. 2978

وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَينِ. وفي رواية: مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى. رواه البخاريُ (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) (١٥٩ و ١٦٠)، والترمذي (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤). [١٩٣٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهرَانِ، وَنَحنُ نَجنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيكُم بِالأَسوَدِ مِنهُ. قَالَ: فَقُلنَا: ــ والكمأة للجمع، على عكس شجرة وشجر. هكذا حكى أهل اللغة، وظاهر هذا اللفظ: أنها مما أنزل الله على بني إسرائيل؛ مما خلقه الله تعالى لهم في التيه، وذلك أنه كانوا ينزل عليهم في أشجارهم مثل السكر. ويقال: هو الطرنجبين، وهو المنُّ في قول أكثر المفسرين. وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأة أيضًا مما خلق لهم في مواضع نزولهم. وقيل: الكمء من المن، بمعنى: يشبهه من حيث: أن الكمأة تطلع من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذر، ولا حرث، ولا سقي، كما أن المنِّ ينزل عليهم عفوًا من غير سبب منهم. و(قوله: وماؤها شفاء للعين) قال القاضي: قال بعض أهل العلم بالطب في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها. و(الكباث): هو النضيج من ثمر الأراك. قاله الأصمعي. وقال غيره: الصواب: إن الكباث هو الذي لم ينضج، و (المرد): هو الذي نضج، واسود. وأنشد (١): وغيَّر ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤور وهي أدماءُ سارها

стр. 2979

يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيتَ الغَنَمَ، قَالَ: نَعَم، وَهَل مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَقَد رَعَاهَا؟ ! أَو نَحوَ هَذَا مِن القَولِ. رواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٣٤٠٦)، ومسلم (٢٠٥٠). * * * (١٤) باب نعم الإدام الخل [١٩٣٨] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهلَهُ الأُدُمَ. ــ أي: سائرها. وقد حكي أيضًا عن الأصمعي. وحكي عن ابن الأعرابي: أن الذي لم يسود هو الكباث، والأسود: هو البرير، وجماعه (المرد). وعن مصعب: أن المرد هو إذا ورَّد؛ فإذا اخضر فهو الكباث، فإذا اسود فهو البرير. و(قوله: كأنك رعيت الغنم؟ قال: نعم. وهل من نبي إلا رعاها؟ ) قد تقدَّم الكلام على هذا، وحاصله راجع: إلى أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية الغنم، وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجًا إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكلفها وسياستها. ومن تدرَّب على هذا وأحكمه؛ كان متمكنًا من سياسة الخلق ورحمتهم، والرفق بهم. وكانت الغنم بهذا أولى لما خص به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع. وهي صفات الأنبياء، ولذلك قال ﷺ : (السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل) (١).

стр. 2980

فَقَالَوا: مَا عِندَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ، نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ. رواه مسلم (٢٠٥٢) (١٦٦)، وأبو داود (٣٨٢٠)، والترمذيُّ (١٨٤٠ - ١٨٤٣)، والنسائي (٧/ ١٤)، وابن ماجه (٣٣١٧). [١٩٣٩] وعنه؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقُمتُ إِلَيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانطَلَقنَا، حَتَّى أَتَى بَعضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلتُ الحِجَابَ عَلَيهَا، فَقَالَ: ــ و(قوله: نعم الإدام (١) الخل) الإدام: كل ما يؤتدم به؛ أي: يؤكل به الخبز مما يطيبه، سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق، والمائعات، أو مما لا يصطبغ به، كالجامدات: كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك. هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفًا وخلفًا. وشذَّ أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشوي، وشبه ذلك مما لا يصطبغ به: ليس شيء من ذلك بإدام. وينبني على هذا الخلاف الخلاف فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل شيئًا من هذه الجامدات. فحنَّثه الجمهور، ولم يحنِّثه أبو حنيفة ولا صاحبه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور، بدليل قوله ﷺ وقد وضع تمرة على كسرة وقال: (هذه إدام هذه) (٢)، وبدليل قوله أيضًا - وقد سُئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها - فقال: (زيادة كبد الحوت) (٣). و(قول جابر: فدخلت الحجاب عليها) ظاهره: أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر.
следующие страницы →