[١٩٣٥] وعَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ فِي عَجوَةِ العَالِيَةِ شِفَاءً، وإِنَّهَا تِريَاقٌ أَوَّلَ البُكرَةِ.
رواه أحمد (٦/ ٧٧)، ومسلم (٢٠٤٨).
* * *
ــ
الصباح، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى، وهذا على طريقة: تغدى، وتعشى، وتسحر: إذا أكل في تلك الأوقات.
وظاهر هذه الأحاديث: خصوصية عجوة المدينة بدفع السُّم، وإبطال السحر. وهذا: كما توجد بعض الأدوية مخصوصة ببعض المواضع، وببعض الأزمان. وهل هذا من باب الخواص التي لا تدرك بقياس طبي، أو هو مما يرجع إلى قياس طبي؛ اختلف علماؤنا فيه، فمنهم من تكلَّفه وقال: إن السموم إنما تقتل لإفراط برودتها، فإذا دام على التصبُّح بالعجوة تحكمت فيه الحرارة، واستعانت بها الحرارة الغريزية، فقابل ذلك برودة السُّم ما لم يستحكم، فبرأ صاحبه بإذن الله تعالى.
قلت: وهذا يرفع خصوصية عجوة المدينة، بل خصوصية العجوة مطلقًا، بل خصوصية التمر، فإنَّ هناك من الأدوية الحارة ما هو أولى بذلك منه، كما هو معروف عند أهله. والذي ينبغي أن يقال: إن ذلك خاصة عجوة المدينة كما أخبر به الصادق ﷺ .
ثم هل ذلك مخصوص بزمان نطقه ﷺ أو هو في كل زمان؟ كل ذلك محتمل، والذي يرفع هذا الاحتمال التجربة المتكررة، فإنَّ وجدنا ذلك كذلك في هذا الزمان؛ علمنا أنها خاصة دائمة، وإن لم نجده مع كثرة التجربة؛ علمنا أن ذلك مخصوص بزمان ذلك القول. والله تعالى أعلم.
وأما تخصيصه بسبع: فخاصية لهذا العدد قطعًا، وقد جاء عن النبي ﷺ في
стр. 2977
(١٣) باب الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، واجتناء الكباث الأسود
[١٩٣٦] عَن سَعِيدِ بنِ زَيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الكَمأَةُ مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ،
ــ
مواطن كثيرة؛ منها: قوله ﷺ (١) في مرضه: (صبوا علي من سبع قرب) (٢)، ومنها: غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا. ومنها: قوله للرَّجل المريض الذي وجهه للحارث بن كلدة وقال: (ليأخذ سبع تمرات، وليلده بهن) (٣) وتعويذه سبع مرات. ومثله كثير. وقد جاء هذا العدد في غير الطب؛ كقوله تعالى: ﴿سَبعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ و ﴿سَبعٌ عِجَافٌ﴾ وسبع كسبع يوسف (٤)، و ﴿وَسَبعَ سُنبُلاتٍ﴾ وكذلك السبعون، والسبعمائة قد جاء في مواضع كثيرة. فما جاء من هذا العدد مجيء التداوي فذلك بخاصية لا يعلمها إلا الله، ورسوله، ومن أطلعه الله عليها. وأما ما جاء لا في معرض التداوي. فقال بعض اللغويين: العرب تضع هذا العدد موضع الكثرة وإن لم تُرد عددًا بعينه، ولا حصرًا. والله أعلم.
و(الترياق): دواء مركب معلوم، ينفع من السُّموم، ويقال عليه: درياق، وطرياق، وترياق.
و(قوله: الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل) الكمء للمفرد،
стр. 2978
وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلعَينِ.
وفي رواية: مِن المَنِّ الَّذِي أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى.
رواه البخاريُ (٤٤٧٨)، ومسلم (٢٠٤٩) (١٥٩ و ١٦٠)، والترمذي (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤).
[١٩٣٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَرِّ الظَّهرَانِ، وَنَحنُ نَجنِي الكَبَاثَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَيكُم بِالأَسوَدِ مِنهُ. قَالَ: فَقُلنَا:
ــ
والكمأة للجمع، على عكس شجرة وشجر. هكذا حكى أهل اللغة، وظاهر هذا اللفظ: أنها مما أنزل الله على بني إسرائيل؛ مما خلقه الله تعالى لهم في التيه، وذلك أنه كانوا ينزل عليهم في أشجارهم مثل السكر. ويقال: هو الطرنجبين، وهو المنُّ في قول أكثر المفسرين. وعلى ظاهر هذا الحديث تكون الكمأة أيضًا مما خلق لهم في مواضع نزولهم. وقيل: الكمء من المن، بمعنى: يشبهه من حيث: أن الكمأة تطلع من عند الله تعالى من غير كلفة منا ببذر، ولا حرث، ولا سقي، كما أن المنِّ ينزل عليهم عفوًا من غير سبب منهم.
و(قوله: وماؤها شفاء للعين) قال القاضي: قال بعض أهل العلم بالطب في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة فتستعمل بنفسها مفردة، وإما لغير ذلك فمركبة مع غيرها.
و(الكباث): هو النضيج من ثمر الأراك. قاله الأصمعي. وقال غيره: الصواب: إن الكباث هو الذي لم ينضج، و (المرد): هو الذي نضج، واسود. وأنشد (١):
وغيَّر ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤور وهي أدماءُ سارها
стр. 2979
يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّكَ رَعَيتَ الغَنَمَ، قَالَ: نَعَم، وَهَل مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَقَد رَعَاهَا؟ ! أَو نَحوَ هَذَا مِن القَولِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٢٦)، والبخاري (٣٤٠٦)، ومسلم (٢٠٥٠).
* * *
(١٤) باب نعم الإدام الخل
[١٩٣٨] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهلَهُ الأُدُمَ.
ــ
أي: سائرها. وقد حكي أيضًا عن الأصمعي. وحكي عن ابن الأعرابي: أن الذي لم يسود هو الكباث، والأسود: هو البرير، وجماعه (المرد). وعن مصعب: أن المرد هو إذا ورَّد؛ فإذا اخضر فهو الكباث، فإذا اسود فهو البرير.
و(قوله: كأنك رعيت الغنم؟ قال: نعم. وهل من نبي إلا رعاها؟ ) قد تقدَّم الكلام على هذا، وحاصله راجع: إلى أن الله تعالى درَّب الأنبياء على رعاية الغنم، وسياستها؛ ليكون ذلك تدريجًا إلى سياسة الأمم؛ إذ الراعي يقصد مصلحة الغنم، ويحملها على مراشدها، ويقوم بكلفها وسياستها. ومن تدرَّب على هذا وأحكمه؛ كان متمكنًا من سياسة الخلق ورحمتهم، والرفق بهم. وكانت الغنم بهذا أولى لما خص به أهلها من السكينة، وطلب العافية، والتواضع. وهي صفات الأنبياء، ولذلك قال ﷺ : (السكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل) (١).
стр. 2980
فَقَالَوا: مَا عِندَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ بِهِ وَيَقُولُ: نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ، نِعمَ الأُدُمُ الخَلُّ.
رواه مسلم (٢٠٥٢)(١٦٦)، وأبو داود (٣٨٢٠)، والترمذيُّ (١٨٤٠ - ١٨٤٣)، والنسائي (٧/ ١٤)، وابن ماجه (٣٣١٧).
[١٩٣٩] وعنه؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا فِي دَارِي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقُمتُ إِلَيهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانطَلَقنَا، حَتَّى أَتَى بَعضَ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَذِنَ لِي فَدَخَلتُ الحِجَابَ عَلَيهَا، فَقَالَ:
ــ
و(قوله: نعم الإدام (١) الخل) الإدام: كل ما يؤتدم به؛ أي: يؤكل به الخبز مما يطيبه، سواء كان مما يصطبغ به كالأمراق، والمائعات، أو مما لا يصطبغ به، كالجامدات: كاللحم، والبيض، والجبن، والزيتون، وغير ذلك. هذا معنى الإدام عند الجمهور من الفقهاء والعلماء سلفًا وخلفًا. وشذَّ أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف، فقالا في البيض، واللحم المشوي، وشبه ذلك مما لا يصطبغ به: ليس شيء من ذلك بإدام. وينبني على هذا الخلاف الخلاف فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل شيئًا من هذه الجامدات. فحنَّثه الجمهور، ولم يحنِّثه أبو حنيفة ولا صاحبه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور، بدليل قوله ﷺ وقد وضع تمرة على كسرة وقال: (هذه إدام هذه) (٢)، وبدليل قوله أيضًا - وقد سُئل عن إدام أهل الجنة أول ما يدخلونها - فقال: (زيادة كبد الحوت) (٣).
و(قول جابر: فدخلت الحجاب عليها) ظاهره: أن هذا كان بعد نزول الحجاب، غير أنه ليس فيه: أنه رآها، فقد تستتر بثوب آخر، أو بحجاب آخر.
стр. 2981
هَل مِن غَدَاءٍ؟ . قَالَوا: نَعَم، فَأُتِيَ بِثَلَاثَةِ أَقرِصَةٍ، فَوُضِعنَ عَلَى بتي، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرصًا فَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيهِ، وَأَخَذَ قُرصًا آخَرَ فَوَضَعَهُ بَينَ يَدَيَّ،
ــ
ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب.
و(قوله: فأتي بثلاثة أقرصة فوضعن على بتي) كذا ضبطه الصدفي، والأسدي بباء واحدة مفتوحة، وبعدها تاء باثنتين من فوقها مكسورة، مشدَّدة، وبعدها: ياء باثنتين من تحتها مشدَّدة، منوَّنة.
قلت: (والبت): كساء من وبر أو صوف. قال الشاعر:
من كان ذا بَتٍّ فهذا بَتِّي ... مُصَيِّفٌ مُقَيِّظٌ مُشَتِّي
وكأن الذي وضعت القرصة عليه منديل من صوف، وكذلك عند ابن ماهان، غير أنه فتح التاء، وعند الطبري: (بُني) بضم الباء، بعدها نون مكسورة مشددة، والياء المشدَّدة. قال الكناني: وهو الصواب، وهو: طبق من خوص. قال ابن وضاح: (بُني): طبق، أو مائدة من خوص، أو حلفاء. ووقع في بعض النسخ: (على نبيء) بتقديم النون مفتوحة، وكسر الباء بواحدة بعدها. وقيل في تفسيره: إنَّه مائدة من خوص. قال ثعلب: النبيئة شيء مدوَّر يعمل من خوص وشريط.
وقسمة النبي ﷺ الأقرصة الثلاثة نصفين يدلّ: على جواز فعل مثل (١) ذلك مع الضيف، بل يدلّ على كرم أخلاق فاعله، وإيثاره الضيف عند قلَّة الطعام، كما فعل النبي ﷺ ؛ فإنَّ الذي قدم إليه كان غداءه؛ فإنَّ أقرصتهم صغار، لا سيما في مثل ذلك الوقت، ومع ذلك فشرك فيه الغير وفاء بقوله ﷺ : (طعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة) (٢).
стр. 2982
ثُمَّ أَخَذَ الثَّالِثَ فَكَسَرَهُ بِاثنَينِ، فَجَعَلَ نِصفَهُ بَينَ يَدَيهِ، وَنِصفَهُ بَينَ يَدَيَّ، ثُمَّ قَالَ: هَل مِن أُدُمٍ؟ . قَالَوا: لَا، إِلَّا شَيءٌ مِن خَلٍّ، قَالَ: هَاتُوهُ، فَنِعمَ الأُدُمُ هُوَ.
وفي رواية: قَالَ جَابِرٌ: فَمَا زِلتُ أُحِبُّ الخَلَّ مُنذُ سَمِعتُهَا مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . قال ابن نافع: مَا زِلتُ أُحِبُّ الخَلَّ مُنذُ سَمِعتُهَا مِن جَابِرٍ.
رواه مسلم (٢٠٥٢)(١٦٩)، وابن ماجه (٣٣١٨).
* * *
ــ
و(قوله: أحرام الثوم؟ ) هذا سؤال من يعتقد: أن النبي ﷺ إذا ترك أكل شيء جرت العادة بأكله كان ذلك دليلًا على تحريمه، ولذلك أجابه النبي ﷺ بقوله: (لا)، وهو رد على من يقول من أهل الظاهر: إنه حرام، يمنع حضور الجماعات للصلاة. وقد تقدم الكلام على هذا في كتاب الصلاة.
و(قوله: ولكني أكرهه) هذا يدل: على كراهة أكل الثوم وإن كان مطبوخًا. وقد تقدم قول عمر ﵁ فمن أكلهما فليمتهما طبخًا (١). وإنما كان النبي ﷺ يكرههما مطلقًا لخصوصيته بمناجاة الملائكة، ولذلك قال في بعض الحديث: (فإني أناجي من لا تناجي) (٢).
و(قول أبي أيوب: فإني أكره ما تكره) فيه جواز الامتناع من المباح، وإطلاق اسم الكراهة عليه، وإن لم يكن مطلوب الترك.
وإنما تحرج أبو أيوب من البقاء في العلو الذي كان النبي ﷺ تحت؛ إعظامًا للرسول ﷺ ، واحتراما عن أن يعلوه، ولإمكان أن يسقط من العلو شيء عند حركتهم في العلو، فيؤذي النبي ﷺ .
стр. 2983
(١٥) باب كراهية النبي ﷺ الثوم
[١٩٤٠] عَن أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلَيهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّفلِ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي العِلوِ، قَالَ: فَانتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ لَيلَةً فَقَالَ: نَمشِي فَوقَ رَأسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَنَحَّوا، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : السُّفلُ أَرفَقُ. فَقَالَ: لَا أَعلُو سَقِيفَةً أَنتَ تَحتَهَا، فَتَحَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي العُلُوِّ، وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفلِ، فَكَانَ يَصنَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَإِذَا جِيءَ بِهِ إِلَيهِ سَأَلَ عَن مَوضِعِ أَصَابِعِ رسول الله ﷺ ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فِيهِ ثُومٌ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَيهِ سَأَلَ عَن مَوضِعِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: لَم يَأكُل، فَفَزِعَ وَصَعِدَ إِلَيهِ، فَقَالَ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا، وَلَكِنِّي أَكرَهُهُ. قَالَ: فَإِنِّي أَكرَهُ مَا تَكرَهُ، أَو مَا كَرِهتَ، قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُؤتَى. يعني: يأتيه الوحي.
رواه أحمد (٥/ ٤١٥)، ومسلم (٢٠٥٣)(١٧١).
* * *
ــ
و(قوله ﷺ : السُّفل أرفق بنا) يعني بذلك من جهة الصعود إلى العلو، وبما يلحق في تكرار ذلك من المشقة، ومع ذلك فتجشمها النبي ﷺ لما رأى صدق أبي أيوب في احترامه، وعزمه على ألا يسكن العلو بوجه، فلو لم يجبه إلى ذلك لانتقل منه أبو أيوب إلى موضع آخر، وربما تكثر عليه المشقة، والحرج، فآثر موافقته على المشقة اللاحقة له في الصعود.
و(قوله: كان ﷺ يؤتى) قد فسَّره الراوي بقوله: يعني: يأتيه الوحي. ومعناه: يؤتى بالوحي؛ أي: يجاء إليه به. والوحي: ما يبلّغه عن الله تعالى مما يبلغه جبريل ﵇.
стр. 2984
(١٦) باب الأكل مع المحتاج بالإيثار
[١٩٤١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي مَجهُودٌ، فَأَرسَلَ إِلَى بَعضِ نِسَائِهِ فَقَالَت: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِندِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أُخرَى فَقَالَت مِثلَ ذَلِكَ، حَتَّى قُلنَ كُلُّهُنَّ مِثلَ ذَلِكَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا عِندِي إِلَّا مَاءٌ، فَقَالَ: مَن يُضِيفُ هَذَا اللَّيلَةَ ﵀. فَقَامَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ في رواية: يقال له أبو طلحة، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحلِهِ.
فَقَالَ لِامرَأَتِهِ: هَل عِندَكِ شَيءٌ؟ قَالَت: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبيَانِي، قَالَ: عَلِّلِيهِم بِشَيءٍ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيفُنَا فَأَطفِئي السِّرَاجَ، وَأَرِيهِ أَنَّا نَأكُلُ، فَإِذَا أَهوَى لِيَأكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ حَتَّى تُطفِئِيهِ، قَالَ: فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيفُ،
ــ
(١٦ و ١٧ و ١٨ و ١٩) ومن باب: الأكل مع المحتاج بالإيثار (١)
(قول الرَّجل: إني مجهودٌ) أي: قد أُصبنا بجهد. وهو هنا: المشقة، والجوع.
و(قول أزواج النبي ﷺ : ليس عندنا إلا ماء) يدلّ على شدة حالهم، وضيق عيشهم. وكان هذا - والله أعلم - في أول الأمر. وأما بعد ذلك لما فتحت خيبر، فقد كان النبي ﷺ يحبس لأهله قوت سنتهم. ويحتمل أن يكون بعد ذلك، وأن أزواج النبي ﷺ كنَّ يتصدَّقن بما كان عندهن، ويؤثرن غيرهن بذلك ويبقين على ما يفتح
стр. 2985
فَلَمَّا أَصبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: قَد عَجِبَ اللَّهُ مِن صَنِيعِكُمَا بِضَيفِكُمَا اللَّيلَةَ.
وفي رواية: فنزلت: وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ.
رواه البخاري (٣٧٩٨)، ومسلم (٢٠٥٤) (١٧٢ و ١٧٣)، وأبو داود (٣٧٤٨)، والترمذيُّ (١٩٦٧)، وابن ماجه (٣٦٧٥).
* * *
(١٧) باب إطعام الجائع وقسمة الطعام على الأضياف عند قلته، وبركة النبي ﷺ
[١٩٤٢] عَن المِقدَادِ قَالَ: أَقبَلتُ أَنَا وَصَاحِبَانِ لِي، وَقَد ذَهَبَت أَسمَاعُنَا وَأَبصَارُنَا مِن الجَهدِ، فَجَعَلنَا نَعرِضُ أَنفُسَنَا عَلَى أَصحَابِ
ــ
الله تعالى، ولا يطلبن من النبي ﷺ لسقوط ذلك عنه بالذي دفع لهنَّ.
و(قوله: عجب الله من صنيعكما بضيفكما) أي: رضي بذلك، وعظَّمه عند ملائكته، كما يباهي بأهل عرفة الملائكة. وهذا الحديث يدلّ على فضل أبي طلحة، وأهل بيته ﵃، وأنَّهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ﴾ و (الخصاصة): الجوع والفاقة.
و(قول المقداد: قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا) أي: ضعفت حتى قاربت الذهاب.
و(قوله: فجعلنا نعرض أنفسنا) أي: نتعرَّض لهم ليطعمونا، وذلك لشدة ما كانوا عليه من الجوع، والضعف.
стр. 2986
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَيسَ أَحَدٌ مِنهُم يَقبَلُنَا، فَأَتَينَا النَّبِيَّ ﷺ فَانطَلَقَ بِنَا إِلَى أَهلِهِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ أَعنُزٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : احتَلِبُوا هَذَا اللَّبَنَ بَينَنَا. قَالَ: فَكُنَّا نَحتَلِبُ، فَيَشرَبُ كُلُّ إِنسَانٍ مِنَّا نَصِيبَهُ، وَنَرفَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ نَصِيبَهُ، قَالَ: فَيَجِيءُ مِن اللَّيلِ فَيُسَلِّمُ تَسلِيمًا لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُسمِعُ اليَقظَانَ، قَالَ: ثُمَّ يَأتِي المَسجِدَ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَأتِي شَرَابَهُ فَيَشرَبُ، فَأَتَانِي الشَّيطَانُ ذَاتَ لَيلَةٍ وَقَد شَرِبتُ نَصِيبِي، فَقَالَ: مُحَمَّدٌ يَأتِي الأَنصَارَ فَيُتحِفُونَهُ وَيُصِيبُ عِندَهُم، مَا بِهِ حَاجَةٌ إِلَى هَذِهِ الجُرعَةِ، فَأَتَيتُهَا فَشَرِبتُهَا، فَلَمَّا أَن وَغَلَت فِي صدري،
ــ
و(قوله: فليس أحدٌ منهم يقبلنا) أي: يطعمنا. وظاهر حالهم: أن ذلك الامتناع ممن تعرضوا له إنَّما كان لأنهم ما وجدوا شيئًا يطعمونهم إيَّاه، كما اتفق للنبي ﷺ حيث طلب جميع بيوت نسائه، فلم يجد عندهم شيئًا؛ فإنَّ الوقت كان شديدًا عليهم.
و(قوله: فيسلِّم تسليمًا لا يوقظ نائمًا، ويسمع اليقظان) فيه دليل على مشروعية السَّلام عند دخول البيت. وقد استحبَّه مالك. وأن ذلك مما ينبغي أن يكون برفق، واعتدال.
و(الجرعة): الشربة الواحدة - بضم الجيم - وبالفتح: المصدر المحدود.
و(قوله: وغلت في بطني) أي: دخلت، فكل من دخل في شيء فهو واغل فيه. ومنه قول الشاعر (١):
فاليوم أشربُ (٢) غير مُستَحقب ... إثمًا من الله ولا واغل
يقال: وغَلتُ، أُغِلَ، وغولا، ووغلًا. وهو ثلاثي. فأمَّا (أوغل): رباعيًّا، فهو
стр. 2987
وَعَلِمتُ أَنَّهُ لَيسَ إِلَيهَا سَبِيلٌ، قَالَ: نَدَّمَنِي الشَّيطَانُ فَقَالَ: وَيحَكَ، مَا صَنَعتَ؟ أَشَرِبتَ شَرَابَ مُحَمَّدٍ، فَيَجِيءُ فَلَا يَجِدُهُ، فَيَدعُو عَلَيكَ فَتَهلِكُ، فَتَذهَبُ دُنيَاكَ وَآخِرَتُكَ؟ وَعَلَيَّ شَملَةٌ إِذَا وَضَعتُهَا عَلَى قَدَمَيَّ خَرَجَ رَأسِي، وَإِذَا وَضَعتُهَا عَلَى رَأسِي خَرَجَ قَدَمَايَ، وَجَعَلَ لَا يَجِيئُنِي النَّومُ، وَأَمَّا صَاحِبَايَ فَنَامَا وَلَم يَصنَعَا مَا صَنَعتُ، قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يُسَلِّمُ، ثُمَّ أَتَى المَسجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى شَرَابَهُ فَكَشَفَ عَنهُ فَلَم يَجِد فِيهِ شَيئًا، فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقُلتُ: الآنَ يَدعُو عَلَيَّ فَأَهلِكُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطعِم مَن أَطعَمَنِي، وَأَسقِ مَن أَسقَانِي. قَالَ: فَعَمَدتُ إِلَى الشَّملَةِ
ــ
بمعنى: السَّير الشديد، والإمعان فيه، قاله الأصمعي. ومنه قوله ﷺ : (إن هذا الدِّين متين، فأوغل فيه برفق) (١) أي: فسر فيه برفق.
و(الشَّملة): كساء صغير يشتمل به؛ أي: يُلتحف به على كيفية مخصوصة، قد ذكرناها في الصلاة.
و(قوله: ثم أتى المسجد) يعني به - والله أعلم -: مسجد بيته، أي: حيث كان يصلِّي النوافل.
وقوله ﷺ لما لم يجد شيئًا: (اللهم أطعم من أطعمني، وأسق من سقاني) يدلّ على كرم أخلاقه، ونزاهة نفسه ﷺ ؛ إذ لم يسأل عن نصيبه، ولم يُعرّج على ذلك، لكنَّه دعا الله تعالى.
و(سقاني) بمعنى يسقيني. و (من أطعمني) بمعنى: يطعمني. ولما فهم المقداد منه الدعاء، وطلب أن يفعل الله ذلك معه في الحال؛ عرف: أن الله يجيبه، ولا يرد دعوته، لا سيما عند شدَّة الحاجة، والفاقة. فقام لينظر له شيئًا تكون به إجابة دعوته، فوجد الأعنز حفلًا؛ أي: ممتلئة الضروع باللبن.
стр. 2988
فَشَدَدتُهَا عَلَيَّ، وَأَخَذتُ الشَّفرَةَ فَانطَلَقتُ إِلَى الأَعنُزِ أَيُّهَا أَسمَنُ فَأَذبَحُهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ حَافِل، وَإِذَا هُنَّ حُفَّلٌ كُلُّهُنَّ، فَعَمَدتُ إِلَى إِنَاءٍ لِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، مَا كَانُوا يَطمَعُونَ أَن يَحتَلِبُوا فِيهِ، قَالَ: فَحَلَبتُ فِيهِ حَتَّى عَلَتهُ رَغوَةٌ، فَجِئتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: أَشَرِبتُم شَرَابَكُم اللَّيلَةَ؟ . قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب. فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي، فَلَمَّا عَرَفتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد رَوِيَ وَأَصَبتُ دَعوَتَهُ، ضَحِكتُ حَتَّى أُلقِيتُ إِلَى الأَرضِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِحدَى سَوآتِكَ يَا مِقدَادُ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ مِن أَمرِي كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلتُ كَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَا هَذِهِ إِلَّا رَحمَةٌ مِن اللَّهِ، أَفَلَا كُنتَ آذَنتَنِي فَنُوقِظَ صَاحِبَينَا فَيُصِيبَانِ مِنهَا؟ . قَالَ: فَقُلتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُبَالِي إِذَا أَصَبتَهَا وَأَصَبتُهَا مَعَكَ مَن أَصَابَهَا مِن النَّاسِ.
رواه أحمد (٦/ ٣)، ومسلم (٢٠٥٥).
* * *
ــ
و(الرَّغوة) بضم الراء: ما يعلو اللبن عند الصب والحلب.
و(رَوِي) بكسر الواو، وتحريك الياء في الماضي، يروَى بفتح الواو وسكون الياء: في الشرب. فأما (رَوَى) بفتح الواو في الماضي، وكسره في المستقبل: فهو في رواية الأخبار. ويقال أيضًا بمعنى: الاستقاء على الإبل. وهذا الحديث من دلائل نبوة النبي ﷺ .
و(قوله: فضحكت حتى ألقيت إلى الأرض) كذا قيدناه مبنيًا لما لم يسم فاعله. وقد وجدناه في بعض النسخ: (ألقيت) مبنيا للفاعل؛ أي: ألقيت نفسي إلى الأرض من شدَّة الضحك. ولما رأى النبي ﷺ منه ذلك كره ذلك، وقال له: (إحدى سوآتك يا مقداد) أي: هذه الحالة حالة سيئة من جملة حالاتك التي
стр. 2989
(١٨) باب يخبأ لمن غاب من الجماعة نصيبه
[١٩٤٣] عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبِي بَكرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثِينَ وَمِائَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَل مِن أَحَدٍ مِنكُم طَعَامٌ؟ . فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِن طَعَامٍ أَو نَحوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشعَانٌّ طَوِيلٌ بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَبَيعٌ أَم عَطِيَّةٌ؟ . أَو قَالَ: أَم هِبَةٌ؟ قَالَ: لَا، بَل بَيعٌ. فَاشتَرَى مِنهُ شَاةً فَصُنِعَت، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوَادِ البَطنِ أَن يُشوَى. قَالَ: وَايمُ اللَّهِ، مَا مِن الثَّلَاثِينَ وَمِائَةٍ إِلَّا حَزَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُزَّةً مِن سَوَادِ بَطنِهَا، إِن كَانَ شَاهِدًا أَعطَاهُ، وَإِن كَانَ غَائِبًا خَبَأَ لَهُ. قَالَ: وَجَعَلَ
ــ
تسوء؛ منكرًا لذلك؛ لأن كثرة الضحك تميت القلب (١)، كما قاله ﷺ لأبي ذر. فلما أخبره المقداد بما جرى له، وبما أجاب الله من دعوته قال النبي ﷺ : (ما هذه إلا رحمة من الله) معترفًا بفضل الله تعالى، وشاكرًا لنعمته، ومقرًّا بمنته، فله الحمد أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا.
و(قوله: مشعان طويل) هو بضم الميم، وشين معجمة، وتشديد النون؛ أي: منتفش الشعر. يقال: اشعان الشعر، اشعينانا: إذا انتفش. و (سواد البطن) هو الكبد. وقيل: هو جميع الحشا. وفيه بُعد.
(وايم الله): قسم بيمن الله، وبركته، وألفه ألف وصل، وفيه لغات قد ذكرت، وهذا قول سيبويه. وقال الفراء: ألفه ألف قطع، وهي عنده: جمع يمين. والذي قاله سيبويه أولى سماعًا، وقياسًا بدليل الحذف الذي دخل الكلمة في اللغات التي رويت فيها.
و(حزَّ): قطع. والحزة، بضم الحاء: القطعة. وفي هذا الحديث شاهدان بنبوة النبي ﷺ : أحدهما: في الكبد، والثاني: في الشاة.
стр. 2990
قَصعَتَينِ، فَأَكَلنَا مِنهُمَا أَجمَعُونَ وَشَبِعنَا، وَفَضَلَ فِي القَصعَتَينِ، فَحَمَلتُهُ عَلَى البَعِيرِ. أَو كَمَا قَالَ.
رواه أحمد (١/ ١٩٧)، والبخاريُّ (٢٦١٨)، ومسلم (٢٠٥٦).
* * *
(١٩) باب الحض على تشريك الفقير الجائع في طعام الواحد وإن كان دون الكفاي ة
[١٩٤٤] عن عَبد الرَّحمَنِ بن أَبِي بَكرٍ: أَنَّ أَصحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا نَاسًا فُقَرَاءَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَرَّةً: مَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ اثنَينِ فَليَذهَب بِثَلَاثَةٍ، وَمَن كَانَ عِندَهُ طَعَامُ أَربَعَةٍ فَليَذهَب بِخَامِسٍ، بِسَادِسٍ. أَو
ــ
و(الصُّفة): سقيفة المسجد، كانت منزلًا للغرباء والمهاجرين، وكانوا ضيف الإسلام، وكانوا يحتطبون في النهار، ويسوقون الماء لأبيات رسول الله ﷺ ، ويقرؤون القرآن بالليل، ويصلُّون. هكذا وصفهم البخاري وغيره.
و(قوله: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة) هكذا صحَّت الرواية فيه عن جميع رواة مسلم. والصواب: (بثالث) لأن البخاري ذكره: بثالث؛ ولأن بقية الحديث تدل عليه؛ إذ قال: (ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس) ولأنه إن حمل على ظاهره فسد المعنى، وذلك: أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدًا منهم، فلا يرد جوعًا، ولا يمسك لأحدهم رمقًا. فاقتصار الاثنين على طعامهما كان أصلح؛ لأنَّه كان يرد جوعهما، ويمسك رمقهما، وذلك بخلاف الواحد فإنَّه يتحمل الاثنان أكله، ولا يجحف بهما، ونحو ذلك في تشريك الاثنين في طعام الأربعة لا يجحف بهم، وكذلك الخامس بسادس
стр. 2991
كَمَا قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، وَانطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وَأَبُو بَكرٍ بِثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَهُوَ وَأَنَا وَأَبِي وَأُمِّي، وَلَا أَدرِي هَل قَالَ: وَامرَأَتِي وَخَادِمٌ بَينَ بَيتِنَا وَبَيتِ أَبِي بَكرٍ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَا بَكرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَت العِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجَاءَ بَعدَمَا مَضَى مِن اللَّيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَت لَهُ امرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَن أَضيَافِكَ؟ أَو قَالَت: ضَيفِكَ. قَالَ: أَوَمَا عَشَّيتِهِم؟ قَالَت: أَبَوا حَتَّى تَجِيءَ، فَقَد عَرَضُوا عَلَيهِم فَغَلَبُوهُم. قَالَ: فَذَهَبتُ أَنَا فَاختَبَأتُ، وَقَالَ: يَا غُنثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا، لَا هَنِيئًا، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطعَمُهُ أَبَدًا. قَالَ: فَايمُ اللَّهِ،
ــ
لمن كان عنده طعام أربعة. وفي ذلك كانت المواساة واجبة لشدَّة الحال. والحكم كذلك مهما وقعت شدَّة بالمسلمين، والله الكافي والواقي.
و(قوله: يا غنثر! فجدَّع، وسبَّ) هو بضم الغين المعجمة، وفتح الثاء المثلثة وضمها. وهو: الجاهل. مأخوذ من الغثارة، وهي: الجهل. وقيل: من الغثر، وهو: اللوم. وعلى هذين: فالنون فيه زائدة. قال: كسراع الغنثر: ذباب أزرق.
قلت: والحاصل: أنها كلمة ذمّ وتنقيص.
وقد روى الخطابي هذا الحرف بالعين المهملة، والتاء باثنتين من فوقها، وقال: هو الذباب؛ تحقيرًا له. وقيل: هو الأزرق منه.
و(قوله: جدَّع) أي: دعا عليه بالجدع، وهو قطع الأنف. وقال أبو عمرو الشيباني: معناه: سبَّ. يقال: جادعته مجادعة: ساببته.
قلت: وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: (جدَّع وسبَّ)، فلو كان كما قال لكان تكرارًا لا فائدة له. والأول أصوب.
وكل ذلك أبرزه من أبي بكر الصديق ﵁ على عبد الرحمن ظن: أنه فرط في الأضياف، فلما تبين له: أنه لم يكن منه
стр. 2992
مَا كُنَّا نَأخُذُ مِن لُقمَةٍ إِلَّا رَبَا مِن أَسفَلِهَا أَكثَرَ مِنهَا، قَالَ: حَتَّى شَبِعنَا، وَصَارَت أَكثَرَ مِمَّا كَانَت قَبلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيهَا أَبُو بَكرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَو أَكثَرُ. قَالَ لِامرَأَتِهِ: يَا أُختَ بَنِي فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَت: لَا وَقُرَّةِ عَينِي،
ــ
تفريط، وأنَّه إنما كان ذلك امتناعًا من الأضياف: أدَّبهم بقوله لهم: (لا هنيئًا). وحلف لا يطعمه. وذلك: أن هؤلاء الأضياف تحكموا على ربِّ المنزل بالحضور معهم، وقالوا: لا نأكل حتى يحضر أبو منزلنا، فنكدوا على أهل المنزل. ولا يلزم حضور ربِّ المنزل مع الضيف إذا أحضر ما يحتاجون إليه، فقد يكون في مهم من أشغاله لا يمكنه تركه، فهذا منهم جفاء. لكن حملهم على ذلك: صدق رغبتهم في التبرُّك بمؤاكلته، وحضوره معهم. فأبوا حتى يجيء، وانتظروه، فجاء فصدر منه ذلك، فتكدَّر الوقت، وتشوش الحال عليهم أجمعين. وكانت نزغة شيطان، فأزال الله تعالى ذلك النكد بما أبداه من الكرامة، والبركة في ذلك الطعام، فعاد ذلك النكد سرورًا، وانقلب الشيطان مدحورًا، وعند ذلك عاد أبو بكر ﵁ إلى مكارم الأخلاق، فأحنث نفسه، وأكل مع أضيافه، وطيَّب قلوبهم، وحصل مقصودهم لقوله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير) (١).
وقول أبي بكر لامرأته - وهي: أم رومان -: (يا أخت بني فراس! ) هو ابن غنم بن مالك بن كنانة، وهي من ولده.
وقولها في جواب أبي بكر: (لا، وقرَّة عيني لهي الآن أكثر) أي: ما نقصت شيئًا، بل زادت. فحذفت اختصارًا؛ قاله عياض.
قلت: والأولى أن يقال: إنها أقسمت بما رأت من قرة عينها بكرامة الله
فَقَالَ: أَفَرَغتُم مِن أَضيَافِكُم؟ قَالَ: قَالَوا: لَا وَاللَّهِ مَا فَرَغنَا، قَالَ: أَلَم آمُر عَبدَ الرَّحمَنِ؟ قَالَ: وَتَنَحَّيتُ عَنهُ، فَقَالَ: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ، قَالَ: فَتَنَحَّيتُ، قَالَ: فَقَالَ: يَا غُنثَرُ، أَقسَمتُ عَلَيكَ إِن كُنتَ تَسمَعُ صَوتِي إِلَّا جِئتَ. قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: وَاللَّهِ مَا لِي ذَنبٌ، هَؤُلَاءِ أَضيَافُكَ فَسَلهُم، قَد أَتَيتُهُم بِقِرَاهُم فَأَبَوا أَن يَطعَمُوا حَتَّى تَجِيءَ. قَالَ: فَقَالَ: مَا لَكُم أَلَا تَقبَلُوا عَنَّا قِرَاكُم؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَطعَمُهُ اللَّيلَةَ. قَالَ: فَقَالَوا: فَوَاللَّهِ لَا نَطعَمُهُ حَتَّى تَطعَمَهُ. قَالَ: فقال: مَا رَأَيتُ كَالشَّرِّ كَاللَّيلَةِ قَطُّ. وَيلَكُم، مَا لَكُم أَلَا تَقبَلُوا عَنَّا قِرَاكُم؟ قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الأُولَى مِن الشَّيطَانِ، هَلُمُّوا قِرَاكُم. قَالَ: فَجِيءَ بِالطَّعَامِ فَسَمَّى فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. قَالَ: فَلَمَّا أَصبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَرُّوا وَحَنِثتُ، قَالَ: فَأَخبَرَهُ فَقَالَ: أَنتَ أَبَرُّهُم وَأَخيَرُهُم. قَالَ: وَلَم تَبلُغنِي كَفَّارَةٌ.
ــ
وقول أبي بكر: (ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم) قال عياض: بتخفيف اللام على التحضيض واستفتاح الكلام عند الجمهور.
قلت: ويلزم على هذا ثبوت النون من (تقبلون) إذ لا موجب لحذفها مع الاستفتاح.
و(ما لكم؟ ): استفهام إنكار. وعند ابن أبي جعفر بتشديدها على زيادة (لا)، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ إِذ أَمَرتُكَ﴾ و ﴿مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾
وقول أبي بكر: (بَرُّوا وحنثت) يعني بذلك: أضيافه؛ لأنَّهم لم يأكلوا حتى أكل معهم، فبرُّوا في يمينهم، وحنث هو في يمينه، حيث أكل معهم.
وقوله ﷺ : (أنت أبَرُّهم، وأخيرهم) أي: أحقهم بذلك في هذه القصة،
стр. 2995
رواه أحمد (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، والبخاريُّ (٦١٤٠)، ومسلم (٢٠٥٧)(١٧٧)، وأبو داود (٣٢٧١).
[١٩٤٦] وعن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: طَعَامُ الوَاحِدِ يَكفِي الِاثنَينِ، وَطَعَامُ الِاثنَينِ يَكفِي الأَربَعَةَ، وَطَعَامُ الأَربَعَةِ يَكفِي الثَّمَانِيَةَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٠٥٩)، والترمذي (١٨٢٠)، وابن ماجه (٣٢٥٤).
[١٩٤٧] وفي الباب عن أبي هريرة؛ ولم يذكر الثمانية.
رواه البخاريُّ (٥٣٩٢)، ومسلم (٢٠٥٨)، والترمذيُّ (١٨٢١).
* * *
ــ
ومطلقًا. وقد أتى بـ (أخيرهم) على الأصل المطرح. وتأمل ما فيه من أبواب الفقه.
* * *
стр. 2996
(٢٠) باب المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء
[١٩٤٨] عن نافع؛ قال: رَأَى ابنُ عُمَرَ مِسكِينًا، فَجَعَلَ يَضَعُ بَينَ يَدَيهِ، وَيَضَعُ بَينَ يَدَيهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَأكُلُ أَكلًا كَثِيرًا، قَالَ: فَقَالَ: لَا يُدخَلَنَّ هَذَا عَلَيَّ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الكَافِرَ يَأكُلُ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ.
زاد في أخرى: وَالمُؤمِنُ يَأكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ.
رواه أحمد (٢/ ٤٣ و ٧٤)، والبخاريُّ (٥٣٩٥)، ومسلم (٢٠٦٠) (١٨٢ و ١٨٣).
ــ
(٢٠) ومن باب: المؤمن يأكل في معى واحد
إنما قال ابن عمر للمسكين الذي أكل كثيرًا: (لا يدخلن عليكم هذا) (١)؛ لأنَّه شبهه بالكافر من حيث إنه كان يأكل بالشره، والحرص، وإفراط الشهوة. وهكذا أكل الكافر. وأما المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل ما يسد الجوع، ويمسك الرَّمق، ويقوى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك، فيقل أكله ضرورة. ولذلك قال ﷺ : (ما ملأ ابن آدم (٢) وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإنَّ كان ولا بدَّ: فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) (٣). وعلى هذا فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نسب إلى
стр. 2997
[١٩٤٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَافَهُ ضَيفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَحُلِبَت - فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبعِ شِيَاهٍ - ثُمَّ إِنَّهُ أَصبَحَ فَأَسلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخرَى فَلَم يَستَتِمَّهَا،
ــ
أكل الكافر المذكور سبعًا، فيصير الكافر كأن له سبعة أمعاء يأكل فيها، والمؤمن له معى واحد. وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. وقيل: المراد بالسبعة أمعاء: صفات سبع: الحرص، والشره، وبعد الأمل، والطَّمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن. وقيل: شهوات الطعام سبع: شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع، وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن. وقيل: إن ذلك في واحد مخصوص، وهو الذي ذكره في حديث أبي هريرة. واختلف في اسمه؛ فقيل: نضلة بن عمرو الغفاري. وقيل: بصرة بن أبي بصرة الغفاري. وقيل: ثمامة بن أثال. وقيل: جهجاه الغفاري (١).
و(قوله: ضافه ضيف) أي: نزل وصار ضيفه. و (أضفته): أنزلته. وضفت الرجل: نزلت به. والضيف: اسم للواحد، والجميع، والمذكر، والمؤنث، يذهب به مذهب المصدر، كما يقال: زور، وعدل، ورضا. وقد جمع: أضيافًا،
стр. 2998
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المُؤمِنُ يَشرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالكَافِرُ يَشرَبُ فِي سَبعَةِ أَمعَاءٍ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٠٦٣)، والترمذيُّ (١٨١٩).
[١٩٥٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشتَهَى شَيئًا أَكَلَهُ، وَإِن كَرِهَهُ تَرَكَهُ.
وفي رواية: (سكت) مكان (تركه).
رواه البخاريُّ (٣٥٦٣)، ومسلم (٢٠٦٤) (١٨٧ و ١٨٨)، وأبو داود (٣٧٦٣)، والترمذيُّ (٢٠٣١)، وابن ماجه (٣٢٥٩).
* * *
ــ
وضيوفًا، وضيفانًا.
و(الحلاب) هنا هو: المحلوب، وهو اللبن. وقد يقال على المحلب: حلاب. وهو: الإناء الذي يحلب فيه، وقد تقدَّم في الطهارة.
قلت: قوله ﷺ : (المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) المقصود به: التمثيل، وذم كثرة الأكل، ومدح التقليل منه.
و(قوله: ما عاب رسول الله ﷺ طعامًا قط) هذا من أحسن آداب الأكل، وأهمها، وذلك: أن الأطعمة كلها نعم الله تعالى، وعيب شيء من نعم الله تعالى مخالف للشكر الذي أمر الله تعالى به عليها، وعلى هذا: فمن استطاب طعامًا فليأكل، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكنه منه، وأوصل منفعته إليه. وإن كرهه؛ فليتركه، ويشكر الله تعالى؛ إذ مكنه منه، وأعفاه عنه، ثم قد يستطيبه، أو يحتاج إليه في وقت آخر فيأكله، فتتم عليه النعمة، ويَسلَم مما يناقض الشكر.
стр. 2999
(٢١) باب النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
[١٩٥١] عَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إن الَّذِي يأكل أو يَشرَبُ فِي آنِيَةِ الذهب والفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرجِرُ فِي بَطنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.
رواه أحمد (٦/ ٣٠٠)، والبخاريُّ (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤١٣).
ــ
(٢١) ومن باب: النَّهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
(قوله ﷺ : الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) يروى برفع: نار، ونصبه. فمن رفع حمل (يجرجر) على: يصوِّت. والجرجرة: الصوت الضعيف المتراجع، كصوت حركة اللِّجام في فم الفرس. يقال: جرجر الفرس: إذا حرَّك فمه باللجام. ومن نصبه حمله على معنى: يتجرع.
وهذا الحديث دليلٌ على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما مثل: التطيب، والتكحل، وما شابه ذلك. وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفًا وخلفًا. وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب.
ثم اختلف العلماء في تعليل المنع. فقيل: إن التحريم راجع إلى عينهما. وهذا يشهد له قوله ﷺ : (هي لهم في الدنيا، ولنا في الآخرة). وقيل: ذلك معلل بكونهما رؤوس الأثمان، وقيم المتلفات؛ فإذا اتخذ منهما الأواني قلت في أيدي الناس، فيجحف ذلك بهم. وهذا كما حُرّم فيهما ربا الفضل. وقد حسَّن الغزالي هذا المعنى، فقال: إنهما في الوجود كالحكام الذين حقهم أن يتصرفوا في الأقطار ليظهروا العدل، فلو منعوا من التصرُّف والخروج للناس لأخل ذلك بهم، ولم يحصل عدل في الوجود. وصياغة الأواني من الذهب والفضة حبس لهما عن
стр. 3000
[١٩٥٢] وعن عَبد الرَّحمَنِ بن أَبِي لَيلَى قَالَ: استَسقَى حُذَيفَةُ فَسَقَاهُ مَجُوسِيٌّ فِي إِنَاءٍ مِن فِضَّةٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَلبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنيَا.
وفي رواية: وهي لكم في الآخرة.
رواه أحمد (٥/ ٣٩٧)، والبخاريُّ (٥٨٣٧)، ومسلم (٢٠٦٧) (٤ و ٥)، وأبو داود (٣٧٢٣)، والترمذي (١٨٧٨)، والنسائي (٨/ ١٩٨ و ١٩٩)، وابن ماجه (٣٤١٤).
* * *
ــ
التصرُّف الذي ينتفع به الناس. وقيل: إن ذلك معلل بالسَّرف، والتشبُّه بالأعاجم.
قلت: وهذا التعليل ليس بشيء؛ لأنَّه يلزم عليه أن يكون اتخاذ تلك الأواني، واستعمالها مكروهًا؛ لأنَّ غاية السَّرف والتشبه بالأعاجم أن يكون مكروها، والتهديد الذي اشتمل عليه الحديث المتقدِّم مفيدٌ للتحريم لا للكراهة.
وكل ما ذكرناه من التحريم إنما هو في الاستعمال، وأما اتخاذ الأواني من الذهب والفضة من غير استعمال: فمذهبنا، ومذهب جمهور العلماء: أن ذلك لا يجوز. وذهبت طائفة من العلماء: إلى جواز اتخاذها دون استعمالها.
وفائدة هذا الخلاف بناء الخلاف عليه في قيمة ما أفسد منها، وجواز الاستئجار على عملها، فمن جوَّز الاتخاذ، قوَّم الصياغة على مفسدها، وجوَّز أخذ الأجرة عليها. ومن منع الاتخاذ؛ منع هذين الفرعين.
فأمَّا ما ضبب من الأواني بذهب، أو فضة، أو كانت فيه حلقة من ذهب أو فضة: فذهب الجمهور إلى كراهة استعمال ذلك، وأجازه أبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق إذا لم يجعل فمه على التضبيب، أو الحلقة. وروي أيضًا مثله عن بعض السلف. قالوا: وهو كالعلم في الثوب، والخاتم في اليد يشرب به. وقد استحب بعض العلماء الحلقة دون التضبيب.
стр. 3001
(٢٨) كتاب الأضاحي
(١) باب في التسمية على الأضحية وفي وقتها وأن من ذبح قبله أعاد
[١٩٥٣] عن جُندَب بن سُفيَانَ قَالَ: شَهِدتُ الأَضحَى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَما أَن صَلَّى وَفَرَغَ مِن صَلَاتِهِ، سَلَّمَ؛ فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحمَ
ــ
(٢٨) كتاب الضحايا (١)
(١ و ٢ و ٣) ومن باب: التسمية على الأضحية، وفي وقتها، وأين تذبح (٢)؟
قال الأصمعي: في الأضحية أربع لغات: أضحيَّةٌ، وإضحيَّة، والجمع: أضاحي. وضحيَّة - على وزن فعيلة - والجمع ضحايا. وأضحاةٌ، والجمع أضحى،
стр. 3002
أَضَاحِيَّ قَد ذُبِحَت قَبلَ أَن يَفرُغَ مِن صَلَاتِهِ. فَقَالَ: مَن كَانَ ذَبَحَ أُضحِيَّتَهُ قَبلَ أَن يُصَلِّيَ - أَو: نُصَلِّيَ - فَليَذبَح مَكَانَهَا أُخرَى،
ــ
كما يقال: أرطاةٌ، وأرطى. وبها سَمَّي يوم الأضحى، وفي الصحاح: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده: الضحى، وهو حين تشرق الشمس، مقصورة، مؤنثة، وتذكَّر. فمن أنَّث ذهب إلى أنها جمع ضحوة، ومن ذَكَّر ذهب إلى أنه اسم على فعل، مثل: نُغَرٍ، وصُرَدٍ، قال: وهو ظرف غير متمكِّن، مثل: سحر. تقول: لقيته ضحًى وضحى؛ إذا أردت به ضحى يومك لم تنوِّنه.
قلت: قياسه: ضحى على سحر قد أخذ عليه فيه ابن بري. وهي مؤاخذة صحيحة؛ لأنَّ الظروف التي لا تنصرف إذا عينت هي: سحر - كما ذكر - وغدوة، وبكرة لا غير، فسحر: إذا أريد به يوم بعينه لم ينصرف للتعريف، والعدل. وفي: غدوة وبكرة للتعريف والتأنيث. فأمَّا بكير، وعشاء، وعتمة، وضحوة، وعشية، وضحى ونحوها فإنها منصرفة على كل حال. فإنَّ أريد بها وقت بعينه كانت نكرات اللفظ معرَّفة بالمعنى على غير وجه التعريف. وهكذا ذكره الحسن بن خروف، وغيره.
وقوله ﷺ : (من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى) هذا اللفظ بظاهره يفيد حكمين:
أحدهما: وجوب الأضحية من حيث إنه أمر بالإعادة.
وثانيهما: وقت الذبح: عند الفراغ من صلاة الإمام.
وقد اختلف في الحكمين، فلنذكرهما.
فأما الأول: فالجمهور من السلف والخلف على أنها سنة مؤكدة. وهو مشهور مذهب مالك؛ متمسِّكين في ذلك بمداومة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ على فعلها، وأنه لم يرد نصٌّ في وجوبها، بل ولا ظاهر صحيح، سليم عن
стр. 3003
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القوادح. وقد روى الترمذي عن ابن عمر: أنه قال: أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي (١). وسُئل ابن عمر عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: ضحَّى رسول الله ﷺ ، وضحى المسلمون (٢). قال الترمذي: إنهما حديثان حسنان. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الأضحية ليست بواجبة، ولكنها سنة من سنن النبي ﷺ ، وما روي عن بعض السلف مِن تركه الأضحية مع تمكنه، فذلك محمول على (٣) أنهم إنما تركوها مخافة أن يعتقد: أنها واجبة. وقال ابن عبد الحكم (٤): سألت مالكًا عن الأضحية: أواجبة هي؟ فقال: إنها سنة. ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت بالأضحى، وهي لكم سنة) (٥).
قلت: فأفتى، واستدلَّ؛ وهذا يدلّ على صحة هذا الحديث عند مالك؛ إذ قد استدلَّ به، ولا يجوز الاستدلال بما لا يصح.
وقد ذهب إلى وجوب الأضحية طائفة، منهم: الأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة؛ غير أنه اشترط في الوجوب أن يملك المضحي نصابًا. وقد روي القول بالوجوب عن مالك، وبعض أصحابه. وقد تُمُسِّك القائلون بالوجوب بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر﴾، وبما رواه أبو داود وغيره من حديث مخنف بن سلم، عن النبي ﷺ قال: (يا أيها الناس! إن على كلِّ بيت في كلِّ عام
стр. 3004
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أضحية، وعتيرة. أتدرون ما العتيرة؟ هذه التي يقول الناس: الرَّجبيَّة) (١)، وبظاهر الأمر بالإعادة في الحديث المتقدِّم.
قلت: ولا حجَّة في شيء من ذلك. أما الآية: فلأنها محتملة لأمور متعددة، ولذلك اختلفت أقوال العلماء فيها. فقيل: معناهما: صلِّ الصلوات المعهودة، وضع يمينك على شمالك، وضعهما على نحرك. قاله علي ﵁. وقال أبو الأحوص: ارفع يديك في التكبير إلى نحرك. وقيل: استقبل القبلة بنحرك في الصلاة. وقال مجاهد: صلِّ بالمزدلفة، وانحر الهَدي. وقال عطاء: صل العيد، وانحر الأضحية. ونحوه قال مالك. وقال ابن جبير: ادع لربك، وارفع يديك إلى نحرك عند الدعاء. وقال عطاء: استو بين السجدتين حتى يبدو نحرك.
قلت: وهذه الأقوال كلها؛ الآية قابلة لها؛ على أن الأظهر منها قول من قال: إن المراد بها: صلِّ الصلوات المعهودة، وانحر الهدايا الواجبة؛ تمسُّكًا بالعُرف المستعمل في ذينك اللفظين، والله أعلم. وعند هذا ظهر: أن لا حجَّة في الآية.
وأما قوله: (على أهل كل بيت أضحية، وعتيرة): فليس بصحيح. قيل: هو حديث ضعيف على ما قاله أبو محمد عبد الحق وغيره، ولو سُلِّمت صحته فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما: أنه ليس صريحا في الوجوب، بل قد يقال مثله في المندوب، كما قال في السواك: (وعليكم بالسواك) (٢)، وليس السواك واجبًا في الجمعة بالاتفاق، وإنما يحمل ذلك على أن من أراد تحصيل الأجر الكثير، وإقامة السُّنَّة، فعليه
стр. 3005
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالأضحية والسواك. وهذا نحو قوله ﷺ : (من أراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا بشره شيئًا) (١).
والثاني: عطف العتيرة على الأضحية. والعتيرة ليست بواجبةً باتفاق على ما ذكره المازري. وقال أبو داود: العتيرة منسوخة. وهذا من قول أبي داود يدل على أن العتيرة كانت مشروعة في أول الإسلام، ثم نسخت، وكذلك قال ابن دريد، قال: العتيرة شاة كانت تذبح في رجب في الجاهلية يُتقرَّب بها، وكان ذلك في صدر الإسلام أيضًا. والعَتر: الذبح. قال غيره: وهي فعيلة بمعنى مفعولة، كذبيحة: بمعنى مذبوحة. يقال: عتر الرجل يعتر عترًا، بالفتح: إذا ذبح العتيرة. ويقال: هذه أيام ترجيب، وتعتار.
قلت: وظاهر قول أبي داود في العتيرة: إنها منسوخة: أنها لم تبق لها مشروعية على جهة الوجوب، ولا الجواز. قال القاضي أبو الفضل: وعامة أهل العلم على تركها للنهي عنها، إلا ابن سيرين فإنَّه كان يذبح العتيرة في رجب، ولم يره منسوخًا؛ يعني: الجواز. وأما الوجوب فمتفق على تركه على ما حكاه المازري. فإن قيل: لا نسلِّم أنَّ نسخ وجوب العتيرة يلزم منه نفي وجوب الأضحية؛ لأنَّ الحديث تضمن أمرين:
أحدهما: الأضحية - ولم يقل أحدٌ: إنها منسوخة -، - والعتيرة - وهي المنسوخة، فلا يلزم من نسخِها نسخُها. فالجواب: إنهما وإن كانا أمرين متغايرين، لكنهما قد اجتمعا في مفيد الوجوب، وهو: على؛ الذي استدللتم بها على الوجوب؛ لأنَّه لما عطف العتيرة على الأضحية بالواو من غير إعادة: على. علمنا: أن العتيرة دخلت مع الأضحية في معنى: على. وهو معنى واحدٌ، فإذا رفع ذلك المعنى عن العتيرة ارتفع عن الأضحية؛ لضرورة الاتحاد. وهذا حكم حروف
стр. 3006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
العطف المشَرِّكة في المعنى إذا عطف بها المفردات. فإنك إذا قلت: قام زيد وعمرو؛ استحال أن يرفع القيام عن عمرو، ويبقى لزيد، فلو أعاد العامل لصحَّ أن يرفع حكم أحدهما ويثبت حكم الآخر؛ لأنَّه يكون من باب عطف الجمل، ويجوز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض. وقد أشبعنا القول في هذا في الأصول. وهو أصل حسن يجب الاعتناء به.
وأما الاستدلال بقوله ﷺ : (اذبح مكانها أخرى): فقد عضدوه بما جاء في بعض طرق هذا الحديث، في (١) قوله: (أعد نسكًا)، وقوله: ضحِّ بها - يعني: الجذعة من المعز - ولا تجزي عن أحد بعدك)، ولا حجَّة في شيء من ذلك واضحة؛ لأنَّ المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها، أو من التزمها فأوقعها على غير الوجه المشروع غلطًا، أو جهلًا، فبين له النبي ﷺ وجه تدارك ما فرط فيه. وهذا هو المعني بقوله: (لا تجزي) أي: لا يحصل لك مقصود القربة، ولا الثواب. وهذا كما يقال في صلاة النفل: لا تجزي إلا بطهارة، وستر عورة؛ أي: لا تصح في نفسها؛ إذ لا يحصل مقصود القربة إلا بتمام شروطها. وهذا واضح جدًّا.
وقد استدلَّ بعض من رأى الوجوب: أن الأضحية من شريعة إبراهيم ﵇ وقد أُمِرنا باتِّباعه، لقوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُم إِبرَاهِيمَ﴾ وهذا ترد عليه أسئلة كثيرة، قد ذكرناها في الأصول، فلا حجة فيه؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك، ونسألهم: هل كانت الأضحية واجبة في شرعه، أو سُنَّة؟ وليس هناك ما يدلّ على شيء من ذلك، فإنَّ استدلوا بقصة الذبيح؛ فتلك قضية خاصة، أو منسوخة، ولا حجة في شيء منها. والله تعالى أعلم.
وأما وقت ذبحها: فهو عند مالك بعد صلاة الإمام، وذبحه، إلا أن يؤخر
стр. 3007
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تأخيرًا يتعدَّى فيه فيسقط الاقتداء به معتمدًا في ذلك على حديث جابر المذكور في الأصل. وهو نصٌّ في ذلك. وعند أبي حنيفة: الفراغ من الصلاة دون مراعاة ذبح الإمام. ويشهد له حديث البراء؛ فإنَّه قال فيه: (من ذبح بعد الصلاة فقد تمَّ نسكه). فعلَّق الذبح على الصلاة، ولم يذكر الذبح للإمام.
وعند الشافعي: وقتها دخول وقت الصلاة، ومقدار ما توقع فيه. فاعتبر الوقت دون الصلاة، وهو خروج عن ظواهر هذه الأحاديث، غير أنه لما صحَّ عنده: أن الأضحية مخاطب بها أهل البوادي، ومن لا إمام له، ومن لا يخاطب بصلاة عيد: ظهر له أن حكمها متعلِّق بمقدار وقت الصلاة لأهل المصر وغيرهم. والله تعالى أعلم.
وأما على مذهب مالك: فردَّ مطلق حديث البراء إلى مقيد حديث جابر؛ لأنَّه قد اتحد الموجب والموجب. وقد قلنا في أصول الفقه: إن هذا النوع متفق عليه عند الأصوليين.
وأما قبل الصلاة: فقال القاضي عياض: أجمع المسلمون: أن الذبح لأهل المصر لا يجوز قبلها؛ وإنما اختلفوا إذا ذبح بعدها وقبل ذبح الإمام. واختلفت فيه الآثار. وأما أهل البوادي، ومن لا إمام له، أو إذا لم يبرز الإمام أضحيته: فمشهور مذهب مالك يتحرى وقت ذبح الإمام، أو أقرب الأئمة إليه. وقال ربيعة وعطاء فيمن لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لم يُجزِه، ويجزيه إن ذبح بعده. وقال أهل الرأي: يجزيهم من بعد الفجر. وكأن هؤلاء تمسكوا في ذلك بقوله: ﴿وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِن بَهِيمَةِ الأَنعَامِ﴾ فأضاف النحر إلى اليوم، وهل اليوم من بعد طلوع الفجر أو من طلوع الشمس؟ هذا سبب اختلافهم. وهذا لا تعويل عليه هنا؛ لأنَّ النبي ﷺ قد عيَّن للأضحية وقتًا من اليوم بفعله، وقوله؛ فإنه ذبح بعدما صلَّى، وقال: (إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلِّي، ثم ننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن
стр. 3008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يفعل فإنما هو لحم قدَّمه لأهله، ليس من النُّسك في شيء) (١). وهذا اللفظ عام يتناول كل مضحٍّ، وأمر رسول الله ﷺ في حديث جابر من ذبح قبله أن يعيد أضحية أخرى، ونهى أن يذبح قبل ذبحه. فإذًا: أحسن المسالك ما ذهب إليه مالك.
هذا القول في مبدأ زمان الذبح.
فأما منتهاه: فهو عند مالك: يوم النَّحر، ويومان بعده. وعند الشافعي: وثلاثة بعده. وعند غيرهما: يوم النحر خاصَّة. وقاله سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن، ورويا حديثًا مرسلًا (٢). ومعتمد أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ﴾ الآية قالوا: والمعلومات: جمع قلَّة، لكن المتيقن منه الثلاثة، فإنَّه أقل الجمع على ما تقرر في الأصول. وما بعد الثلاثة غير متيقن، فلا يعمل به، فإنَّ تعيين عدد بعد ذلك تحكم؛ إذ لم يعينه الشرع.
وأما القول الثالث: فلا وجه له - في علمي - غير التمسك بإضافة النحر إلى اليوم الأول خاصة، وهو ضعيف مع قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعلُومَاتٍ﴾
واختلف في ليالي أيام النحر: هل تدخل مع الأيام فيجوز فيها الذبح أو لا؟ فروي عن مالك في المشهور: أنها لا تدخل. فلا يجوز الذبح بالليل، وعليه جمهور أصحابه. وقال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: الليالي داخلة في الأيام، ويجزي الذبح فيها، وروي عن مالك، وأشهب نحوه. ولأشهب تفريق بين الهدي والضحية، فأجاز الهدي ليلًا، ولم يجز الضحية ليلًا. وقد تمسَّك مالك بأصل وضع الأيام؛ فإنَّه الحقيقة في الكلام. وقد روي في ذلك نهي عن النبي ﷺ من حديث عطاء بن يسار مرسلًا، ولا يصح؛ لأنَّه من حديث مُبَشِّر بن عبيد، وهو متروك.
стр. 3009
وَمَن كَانَ لَم يَذبَح فَليَذبَح بِاسمِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠) (١ و ٢)، وابن ماجه (٣١٥٢).
[١٩٥٤] وعَن البَرَاءِ قَالَ: ضَحَّى خَالِي أَبُو بُردَةَ قَبلَ الصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تِلكَ شَاةُ لَحمٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِندِي جَذَعَةً مِن المَعزِ. فَقَالَ: ضَحِّ بِهَا، وَلَا تَصلُحُ لِغَيرِكَ. ثُمَّ قَالَ: مَن ضَحَّى قَبلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا ذَبَحَ لِنَفسِهِ، وَمَن ذَبَحَ بَعدَ الصَّلَاةِ فَقَد تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ المُسلِمِينَ.
ــ
و(قوله: ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) فيه دليل: على وجوب التسمية عند الذبح، وقد ذكر الخلاف فيه في الصيد.
وكونه ﷺ صلَّى يوم الأضحى ثم خطب: دليل واضح على من أجاز تقديم الخطبة على الصلاة. وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان.
و(قوله: إن عندي جذعة من المعز)، وفي رواية: (أعناقًا)، وفي رواية أخرى: (عَتُودًا)، وكلها بمعنى واحد. واختلف في سنِّ الجذعة من الغنم. فأقل ما قيل في ذلك: ستة أشهر. وأقصى ما قيل في ذلك: سنة تامَّة. وفي الصحاح: الجَذَعُ قبل الثني، والجمع: جذعان، وجذاع، والأنثى: جذعة. والجمع: جذعات. يقال منه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإبل في السنة الخامسة: أجذع. والجذع: اسم له في زمن، وليس بسن ينبت ويسقط (١). وقد قيل في ولد النعجة: إنه يجذع في ستة أشهر، أو تسعة أشهر، وذلك جائز في الأضحى.
стр. 3010
وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَوَّل مَا نَبدَأُ بِهِ فِي يَومِنَا هَذَا، أن نُصَلِّي ثُمَّ نَرجِعُ فَنَنحَرُ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَد أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَن ذَبَحَ؛ فَإِنَّمَا هُوَ لَحمٌ قَدَّمَهُ لِأَهلِهِ، لَيسَ مِن النُّسُكِ فِي شَيءٍ. وَكَانَ أَبُو بُردَةَ بنُ نِيَارٍ قَد ذَبَحَ فَقَالَ: عِندِي جَذَعَةٌ خَيرٌ مِن مُسِنَّةٍ. فَقَالَ: اذبَحهَا، وَلَن تَجزِيَ عَن أَحَدٍ بَعدَكَ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٣)، والبخاريُّ (٩٥١ و ٦٧٣)، ومسلم (١٩٦١) (٥ و ٧)، وأبو داود (٢٨٠٠)، والترمذي (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).
* * *
ــ
و(قوله: عندي جذعة خير من مسنة) يعني به: طيب لحمها، وهو أهم المقصودين في الأضاحي، فإنَّ النبي ﷺ ضحَّى بالغنم، كما أن أهم المقصودين في الهدايا: كثرة اللحم، ولذلك أهدى الإبل، ومن هنا ظهر حسن ما ذهب إليه مالك، فقال: الغنم في الضحايا أفضل، والإبل في الهدايا أفضل. والشافعي يرى أن الإبل أفضل في الضحايا والهدايا نظرًا إلى كثرة اللحم.
و(قوله: ولا تَجزِي جذعة عن أحدٍ بعدك) يعني: من المعز، وهو الذي لا نعرف فيه خلافًا. وأما الجذع من الضأن: فإنَّه جائز عند الجمهور، وفيه خلاف شاذّ يرده حديث جابر، وهو قوله ﷺ : (لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) (١)، وما روى الترمذي عن أبي كباش، قال: جلبت غنمًا جذعانًا إلى المدينة، فكسدت علي، فلقيتُ أبا هريرة، فسألته، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (نعم -أو: نعمت - الأضحية الجذع من الضأن) فانتهبها الناس (٢). قال: هذا حديث حسن غريب. والعمل على هذا عند أهل العلم
стр. 3011
(٢) باب إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام
[١٩٥٥] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَومَ النَّحرِ بِالمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَن كَانَ نَحَرَ قَبلَهُ أَن يُعِيدَ بِنَحرٍ آخَرَ، وَلَا يَنحَرُوا حَتَّى يَنحَرَ النَّبِيُّ ﷺ .
رواه مسلم (١٩٦٤)(١٤).
* * *
(٣) باب ما يجوز في الأضاحي من السن
[١٩٥٦] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَذبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَن يَعسُرَ عَلَيكُم فَتَذبَحُوا جَذَعَةً مِن الضَّأنِ.
رواه أحمد (٣/ ٣١٢)، ومسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٤١).
ــ
من أصحاب النبي ﷺ أن الجذع من الضأن يَجزِي في الأضحية. فأمَّا الجذع من المعز، فلا يَجزِي لقوله ﷺ لأبي بردة: (لا تَجزِي عن أحدٍ بعدك).
قال القاضي عياض: وقد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بردة، وأنَّه لا يَجزي الجذع من المعز، فإن لم يتمكَّن إلا من الجذع من الضأن كان نعم الأضحية، كما قال ﷺ . ويعني بالمسنَّة: الكبيرة، وأوَّل ذلك: الثني، وهو المعني هنا، فإنَّها أطيب لحمًا مما قبلها، وأسرع نضجًا مما بعدها. والله تعالى أعلم.
و(قوله: إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) دليل: على أنَّه
стр. 3012
[١٩٥٧] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ فينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ؟ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ.
وفي رواية: (عتود) بدل (جذع).
رواه أحمد (٤/ ٤٤٩)، والبخاري (٥٥٥٥)، ومسلم (١٩٦٥) (١٥ و ١٦)، والترمذيُّ (١٥٠٠)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٣٨).
[١٩٥٨] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُردَةَ بنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبلَ أَن يَذبَحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَومٌ اللَّحمُ فِيهِ مَكرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلتُ نَسِيكَتِي لِأُطعِمَ أَهلِي وَجِيرَانِي وَأَهلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعِد نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِندِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ
ــ
لا يجوز في الأضحية الجذع من المعز، ولا من البقر، ولا من الإبل. وهو قول أهل العلم. وإنَّما اختلف في إجزاء الجذعة من الضأن كما قلناه آنفًا.
و(قوله: إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه) قال القاضي: هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي، والسجزي، وكذا ذكره الترمذي، ورويناه من طريق العذري: (مقروم) بالقاف والميم.
قلت: وهذه الرواية هي الصواب الواضح. ومعناها: أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها. يقال: قَرِمتُ إلى اللحم، وقَرِمتُه: إذا اشتهيته، أَقرُمُ قرمًا. وأما رواية مكروه: ففيها بُعد. وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى، فقال: صوابه: اللَّحم - بفتح الحاء - قال: ومعناه: أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه. و (اللَّحم) -بالفتح -: شهوة اللحم. فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح. وقال آخر: معنى: (اللحم فيه مكروه) أي:
стр. 3013
خَيرٌ مِن شَاتَي لَحمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيرُ نَسِيكَتَيكَ، وَلَا تَجزِي جَذَعَةٌ عَن أَحَدٍ بَعدَكَ.
رواه مسلم (١٩٦١)(٥)، والترمذيُّ (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢).
* * *
ــ
لمخالفته السنة، كما قال في الحديث الآخر: (شاتك شاة لحم) (١).
قلت: وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث (٢)، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له، ولا موافقًا لمعناه؛ إذ لا يستقيم أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي. وهذا فاسد. وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه: أن يقال: إن معناه: اللحم فيه مكروه التأخير. فحذف التأخير، وهو يريده. ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به: (وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني). وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف. والله تعالى أعلم.
و(قوله: هي خير نسيكتيك) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه، وذلك: أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك، وبعد ذلك بيَّن له النبي ﷺ : أنها ليست نسكًا شرعًا؛ لما قال: (من ذبح قبل الصلاة، فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النُّسك في شيء).
وقول عقبة: (قسم فينا رسول الله ﷺ ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله! أصابني جذع، فقال: ضحِّ به). وفي الرواية الأخرى: (عَتُود) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز، وأتى عليه حول. هذا هو المعروف في اللغة، وعلى هذا: فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث
стр. 3014
(٤) باب ما يختار في الأضحية
[١٩٥٩] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبشٍ أَقرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ:
ــ
أبي بردة، ولذلك قال علماؤنا: إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة، ودلَّ على هذا: ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من (١) المعز.
قلت: ويمكن في حديث عقبة تأويلان، ولا يصار فيه إلى النَّسخ:
أحدهما: أن الجذع المذكور فيه: هو من الضأن، وأطلق عليه العَتُود؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته، ولا يستنكر هذا، فمن المعلوم: أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، أو شبه.
وثانيهما: أن العَتُود وإن كان من المعز، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما. وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة: أن العتود: الجدي الذي بلغ السِّفَاد. قال ابن الأعرابي: المعز، والإبل، والبقر: لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض، وصحَّ الجمع بين الحديثين، والجمع أولى من الترجيح، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع. وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين.
(٤) ومن باب: ما يختار في الأضحية
قوله: (أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد) أي: أمر بأن ينتخب له كبش على هذه الشِّيَة، ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي
стр. 3015
يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي المُديَةَ. ثُمَّ قَالَ: اشحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَت، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الكَبشَ فَأَضجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِن مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ ضَحَّى بِهِ.
رواه أحمد (٦/ ٧٨)، ومسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢).
[١٩٦٠] وعَن أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النبي ﷺ بِكَبشَينِ أَملَحَينِ أَقرَنَينِ، ذبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وسمى وكبر، ووضع رجله عَلَى صِفَاحِهِمَا.
ــ
له أن يختار الأفضل نوعًا، والأكمل خلقًا، والأحسن شِيَة. فالأقرن: الطويل القرن، وهو أفضل. ولا خلاف في جواز الأجم (١). واختلف في المكسورة القرن. فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو داود عن علي: أن النبي ﷺ نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن (٢). وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنَّه مرض، وأجازه إن لم يَدم. ومعنى: (يطأ في سواد) أي: أسود القوائم. (ويبرك في سواد) أي: في بطنه سواد. (وينظر في سواد) أي: ما حول عينيه أسود.
و(قوله: ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين) اختلف في الأملح. فقال الأصمعي: هو الأبيض؛ لون الملح، ونحوه. قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض. وقال غيرهما: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد. يقال: كبش أملح إذا كان شعره خليسًا (٣). هذا الذي حكاه في الصحاح، ولم يحك ما ذكر عن الأصمعي وابن الأعرابي.
و(المُدية): السكِّين، وتجمع: مُدى، كغرفة وغرف.
و(الشحذ): الحد، ومنه قوله: