← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

(٢) باب إعادة ما ذبح بعد الصلاة وقبل ذبح الإمام [١٩٥٥] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ يَومَ النَّحرِ بِالمَدِينَةِ، فَتَقَدَّمَ رِجَالٌ فَنَحَرُوا، وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد نَحَرَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَن كَانَ نَحَرَ قَبلَهُ أَن يُعِيدَ بِنَحرٍ آخَرَ، وَلَا يَنحَرُوا حَتَّى يَنحَرَ النَّبِيُّ ﷺ . رواه مسلم (١٩٦٤) (١٤). * * * (٣) باب ما يجوز في الأضاحي من السن [١٩٥٦] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَذبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً، إِلَّا أَن يَعسُرَ عَلَيكُم فَتَذبَحُوا جَذَعَةً مِن الضَّأنِ. رواه أحمد (٣/ ٣١٢)، ومسلم (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٧٩٧)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٤١). ــ من أصحاب النبي ﷺ أن الجذع من الضأن يَجزِي في الأضحية. فأمَّا الجذع من المعز، فلا يَجزِي لقوله ﷺ لأبي بردة: (لا تَجزِي عن أحدٍ بعدك). قال القاضي عياض: وقد أجمع العلماء على الأخذ بحديث أبي بردة، وأنَّه لا يَجزي الجذع من المعز، فإن لم يتمكَّن إلا من الجذع من الضأن كان نعم الأضحية، كما قال ﷺ . ويعني بالمسنَّة: الكبيرة، وأوَّل ذلك: الثني، وهو المعني هنا، فإنَّها أطيب لحمًا مما قبلها، وأسرع نضجًا مما بعدها. والله تعالى أعلم. و(قوله: إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن) دليل: على أنَّه

стр. 3012

[١٩٥٧] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ الجُهَنِيِّ قَالَ: قَسَمَ فينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحَايَا، فَأَصَابَنِي جَذَعٌ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَصَابَنِي جَذَعٌ؟ فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ. وفي رواية: (عتود) بدل (جذع). رواه أحمد (٤/ ٤٤٩)، والبخاري (٥٥٥٥)، ومسلم (١٩٦٥) (١٥ و ١٦)، والترمذيُّ (١٥٠٠)، والنسائي (٧/ ٢١٨)، وابن ماجه (٣١٣٨). [١٩٥٨] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ: أَنَّ خَالَهُ أَبَا بُردَةَ بنَ نِيَارٍ ذَبَحَ قَبلَ أَن يَذبَحَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا يَومٌ اللَّحمُ فِيهِ مَكرُوهٌ، وَإِنِّي عَجَّلتُ نَسِيكَتِي لِأُطعِمَ أَهلِي وَجِيرَانِي وَأَهلَ دَارِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعِد نُسُكًا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِندِي عَنَاقَ لَبَنٍ، هِيَ ــ لا يجوز في الأضحية الجذع من المعز، ولا من البقر، ولا من الإبل. وهو قول أهل العلم. وإنَّما اختلف في إجزاء الجذعة من الضأن كما قلناه آنفًا. و(قوله: إن هذا يومٌ اللحم فيه مكروه) قال القاضي: هكذا رويناه بالهاء والكاف من طريق الفارسي، والسجزي، وكذا ذكره الترمذي، ورويناه من طريق العذري: (مقروم) بالقاف والميم. قلت: وهذه الرواية هي الصواب الواضح. ومعناها: أن اللحم في هذا اليوم تتشوَّف النفوس إليه لشهوتها. يقال: قَرِمتُ إلى اللحم، وقَرِمتُه: إذا اشتهيته، أَقرُمُ قرمًا. وأما رواية مكروه: ففيها بُعد. وقد تكلَّف لها بعضهم ما لا يصحّ رواية ولا معنى، فقال: صوابه: اللَّحم - بفتح الحاء - قال: ومعناه: أن يترك أهله بلا لحم حتى يشتهوه. و (اللَّحم) -بالفتح -: شهوة اللحم. فانظر مع هذا التكلُّف القبيح كيف لا يظهر منه معنى صحيح. وقال آخر: معنى: (اللحم فيه مكروه) أي:

стр. 3013

خَيرٌ مِن شَاتَي لَحمٍ. فَقَالَ: هِيَ خَيرُ نَسِيكَتَيكَ، وَلَا تَجزِي جَذَعَةٌ عَن أَحَدٍ بَعدَكَ. رواه مسلم (١٩٦١) (٥)، والترمذيُّ (١٥٠٨)، والنسائي (٧/ ٢٢٢). * * * ــ لمخالفته السنة، كما قال في الحديث الآخر: (شاتك شاة لحم) (١). قلت: وهذا من قول من لم يتأمل مساق الحديث (٢)، فإنَّ هذا التأويل ليس ملائمًا له، ولا موافقًا لمعناه؛ إذ لا يستقيم أن يقول: إن هذا اليوم اللحم فيه مخالف للسنة، وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي. وهذا فاسد. وأقرب ما يتكلّف لهذه الرواية وأنسبه: أن يقال: إن معناه: اللحم فيه مكروه التأخير. فحذف التأخير، وهو يريده. ويشهد لهذا قوله بعده متصلًا به: (وإني عجلت نسيكتي لأطعم أهلي وجيراني). وهذا مناسب لما قدَّرناه من المحذوف. والله تعالى أعلم. و(قوله: هي خير نسيكتيك) سَمَّى ما ذبح قبل الصلاة نسيكة بحسب توهُّم الذابح وزعمه، وذلك: أنه إنما ذبحها في ذلك الوقت بنيَّة النسك، وبعد ذلك بيَّن له النبي ﷺ : أنها ليست نسكًا شرعًا؛ لما قال: (من ذبح قبل الصلاة، فإنما هو لحم عجله لأهله، ليس من النُّسك في شيء). وقول عقبة: (قسم فينا رسول الله ﷺ ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله! أصابني جذع، فقال: ضحِّ به). وفي الرواية الأخرى: (عَتُود) هذه الرواية تدلُّ على أن الجذع المذكور في حديث عقبة هو من المعز، فإنَّ العَتُود إنما هو بأصل وضعه اسم لما رعى وقَوِي من أولاد المعز، وأتى عليه حول. هذا هو المعروف في اللغة، وعلى هذا: فيكون هذا الحديث معارضًا لحديث

стр. 3014

(٤) باب ما يختار في الأضحية [١٩٥٩] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِكَبشٍ أَقرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، فَقَالَ: ــ أبي بردة، ولذلك قال علماؤنا: إن حديث عقبة منسوخ بحديث أبي بردة، ودلَّ على هذا: ما حكي من الإجماع على عدم إجزاء الجذع من (١) المعز. قلت: ويمكن في حديث عقبة تأويلان، ولا يصار فيه إلى النَّسخ: أحدهما: أن الجذع المذكور فيه: هو من الضأن، وأطلق عليه العَتُود؛ لأنَّه في سِنِّه وقوته، ولا يستنكر هذا، فمن المعلوم: أن العرب تسمي الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب، أو شبه. وثانيهما: أن العَتُود وإن كان من المعز، فقد يقال على ما خرج من السنة الأولى، ودخل في السنة الثانية لتقارب ما بينهما. وقد دلَّ على صحة هذا ما حكاه القاضي عن أهل اللغة: أن العتود: الجدي الذي بلغ السِّفَاد. قال ابن الأعرابي: المعز، والإبل، والبقر: لا تضرب فحولها إلا بعد أن تثني، فإذا صحَّ هذا ارتفع التعارض، وصحَّ الجمع بين الحديثين، والجمع أولى من الترجيح، والنسخ لا يصح مع إمكان الجمع. وفي حديث عقبة دليل على تأكد أمر الأضحية، وأن الإمام ينبغي أن يفرِّق الضحايا على من لا يقدر عليها من بيت مال المسلمين. (٤) ومن باب: ما يختار في الأضحية قوله: (أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، وينظر في سواد، ويبرك في سواد) أي: أمر بأن ينتخب له كبش على هذه الشِّيَة، ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي

стр. 3015

يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي المُديَةَ. ثُمَّ قَالَ: اشحَذِيهَا بِحَجَرٍ، فَفَعَلَت، ثُمَّ أَخَذَهَا وَأَخَذَ الكَبشَ فَأَضجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ، ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّل مِن مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. رواه أحمد (٦/ ٧٨)، ومسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢). [١٩٦٠] وعَن أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى النبي ﷺ بِكَبشَينِ أَملَحَينِ أَقرَنَينِ، ذبَحُهُمَا بِيَدِهِ، وسمى وكبر، ووضع رجله عَلَى صِفَاحِهِمَا. ــ له أن يختار الأفضل نوعًا، والأكمل خلقًا، والأحسن شِيَة. فالأقرن: الطويل القرن، وهو أفضل. ولا خلاف في جواز الأجم (١). واختلف في المكسورة القرن. فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو داود عن علي: أن النبي ﷺ نهى أن يُضحَّى بعضباء الأذن والقرن (٢). وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنَّه مرض، وأجازه إن لم يَدم. ومعنى: (يطأ في سواد) أي: أسود القوائم. (ويبرك في سواد) أي: في بطنه سواد. (وينظر في سواد) أي: ما حول عينيه أسود. و(قوله: ضحَّى بكبشين أملحين أقرنين) اختلف في الأملح. فقال الأصمعي: هو الأبيض؛ لون الملح، ونحوه. قال ابن الأعرابي: هو النقي البياض. وقال غيرهما: الملحة من الألوان: بياض يخالطه سواد. يقال: كبش أملح إذا كان شعره خليسًا (٣). هذا الذي حكاه في الصحاح، ولم يحك ما ذكر عن الأصمعي وابن الأعرابي. و(المُدية): السكِّين، وتجمع: مُدى، كغرفة وغرف. و(الشحذ): الحد، ومنه قوله:

стр. 3016

وفي رواية: يقول: باسم الله والله أكبر. رواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاريُّ (٥٥٥٨)، ومسلم (١٩٦٦) (١٧ و ١٨)، وأبو داود (٢٧٩٤)، والترمذيُّ (١٤٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٣٠)، وابن ماجه (٣١٢٠). * * * ــ فيا حَجَر الشَّحذِ حتَّى متى ... تسن الحديدَ ولا تقطُع؟ وفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح، كما قال في الحديث الآخر: (إذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته (١). وهو من باب الرِّفق بالبهيمة بالإجهاز عليها، وترك التعذيب، فلو ذبح بسكين كالَّةٍ، أو بشيء له حدٌّ، وإن لم يكن مجهزًا بل مُعذِّبًا فقد أساء، ولكنه إن أصاب سنة الذبح؛ لم تحرم الذبيحة، وبئس ما صنع، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة. وفيه من الفقه: استحباب العدد في الأضاحي، ما لم يقصد المباهاة. وأن المضحِّي يلي ذبح أضحيته بنفسه؛ لأنَّه المخاطب بذلك، ولأنه من باب التواضع. وكذلك الهدايا، فلو استناب مسلمًا جاز. واختلف في الذمي، فأجاز ذلك عطاء ابتداءً. وهو أحد قولي مالك. وقال له في قول له آخر: لا يُجزئه، وعليه إعادة الأضحية. وكره ذلك جماعة من السلف، وعامة أئمة الأمصار، إلا أنهم قالوا: يجزئه إذا فعل. وفيه: استحباب إضجاع الذبيحة، ولا تذبح قائمة، ولا باركة. وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشِّق الأيسر؛ لأنَّه أمكن من ذبحها. وفيه: استحباب وضع الرِّجل على جانب عنق الذبيحة. وهو المعبر عنه بالصِّفاح. وصفحة كل شيء: جانبه وصفحه أيضًا، وإنما يستحب ذلك لئلا تضطرب الذبيحة

стр. 3017

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح. وقد روي نهي عن ذلك، والصحيح: ما ذكر عن النبي ﷺ من وضعه رجله على صفاحهما. وفيه من الفقه: التسمية؛ فإنَّه قال: باسم الله، والله أكبر. وقد اختلف في ذلك، فقال أبو ثور: التسمية متعينة كالتكبير في الصلاة. وكافة العلماء على استحباب ذلك. فلو قال ذكرًا آخر فيه اسم من أسماء الله وأراد به التسمية جاز، وكذلك لو قال: الله أكبر - فقط - أو: لا إله إلا الله، قاله ابن حبيب، فلو لم يرد التسمية لم تُجزئ عن التسمية، ولا تؤكل. قاله الشافعي، ومحمد بن الحسن. وكره كافة العلماء من أصحابنا، وغيرهم؛ الصلاة على النبي ﷺ عند التسمية في الذبح، أو ذكره، وقالوا: لا يذكر هنا إلا الله وحده. وأجاز الشافعي الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح. و(قوله: اللهم تقبَّل من محمدٍ، وآل محمدٍ، ومن أمة محمد) هذا دليلٌ للجمهور على جواز قول المضحِّي: اللهم تقبل مني. على أبي حنيفة؛ حيث كره أن يقول شيئًا من ذلك، وكذلك عند الذبح. وقد استحسنه بعض أصحابنا، واستحب بعضهم أن يقول ذلك بنص الآية: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّل مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وكره مالك قولهم: اللهم منك، وإليك، وقال: هذه بدعة. وأجاز ذلك ابن حبيب من أصحابنا، والحسن. قلت: وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: ذبح النبي ﷺ يوم الذبح كبشين أقرنين موجئين (١)، أملحين، فلما وجههما قال: ﴿إِنِّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا﴾ وقرأ إلى قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ﴾ اللهم منك وإليك عن محمد وأمته، باسم

стр. 3018

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله، والله أكبر (١)، ثم ذبح. فهذا الحديث حجَّة للحسن وابن حبيب. وأما مالك: فلعل هذا الحديث لم يبلغه، أو لم يصحّ عنده، أو رأى: أن العمل يُخالفه. وعلى هذا يدلّ قوله: إنَّه بدعة. وفيه من الفقه ما يدلّ على جواز تشريك الرجل أهل بيته في أضحيته، وأن ذلك يجزئ عنهم. وكافة علماء الأمصار على جواز ذلك. مع استحباب مالك أن يكون لكل واحدٍ من أهل البيت أضحية واحدة، وكان أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري يكرهون ذلك. وقال الطحاوي: لا يجزئ. وزعم: أن الحديث في ذلك من فعل النبي ﷺ منسوخ، أو مخصوص. وممن قال بالمنع: عبد الله بن المبارك. قلت: وهذه المسألة فيها نظر، وذلك: أن الأصل أن كل واحد مخاطب بأضحية، وهذا متفق عليه، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم؟ ! وقوله: (اللهم تقبَّل من محمد وآل محمد) ليس نصًّا في إجزاء ذلك عن أهل بيته، بل هو دعاء لمن ضحَّى بالقبول. ويدلُّ عليه قوله: (ومن أمة محمد)، وقد اتَّفق الكل: على أن أضحية النبي ﷺ لا تجزئ عن أمته، ولو سُلِّم ذلك لكان يلزم عليه أن تجزئ أضحية النبي ﷺ عن آل النبي ﷺ حيث كانوا، وإن لم يكونوا في بيته، ثم يلزم عليه ألا يدخل أزواجه فيهم؛ فإنَّهم ليسوا آلًا له على الحقيقة اللغوية. وقد تقدَّم القول على آل النبي ﷺ في الزكاة. والذي يظهر لي: أن الحجَّة للجمهور على ذلك: ما روي أن النبي ﷺ ضحَّى عن نسائه ببقرة، وروي: بالبقر. وأيضًا فلم يرو أن النبي ﷺ أمر كل واحدة من نسائه بأضحية، ولو كان ذلك؛ لنقل، لتكرار سِنِي الضحايا عليهن معه، ولكثرتهن. فالعادة تقتضي أن ذلك لو كان؛ لنقل كما نقل غير ذلك من جزئيات أحوالهن، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يكتفي بما يضحِّي عنه وعنهن. والله تعالى أعلم.

стр. 3019

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روى الترمذي عن عطاء بن يسار، قال: سألت أبا أيوب الأنصاري: كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان الرجل يضحِّي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون، ويطعمون، حتى تباهى الناس فيها كما ترى. قال: هذا حديث (١) حسن صحيح. قال القاضي: وضبطُ من يصحُّ أن يُدخله الرجل في الأضحية عندنا بثلاث صفات: أحدها: أن يكونوا من قرابته، وحكم الزوجين، وأمِّ الولد حكمهم عند مالك والكافة. وأباه الشافعي في أم الولد، وقال: لا أجيز لها، ولا للمكاتب، والمدبر، والعبد أن يضحُّوا. والثاني: أن يكونوا في نفقته، وجبت عليه، أو تطوّع بها. والثالث: أن يكونوا في بيته، ومساكنته غير نائين عنه، فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يصح اشتراكهم في ضحيَّته. قال: ولا يجوز عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها، ويذبحونها عن أنفسهم، أو في هدي إذا كانوا أكثر من سبعة. واختلفوا فيما دونها. فمذهب الليث، ومالك: أن الشركة لا تجوز بوجهٍ فيها؛ كانت بدنة، أو بقرة، أو شاة، أَهدُوا أو ضحُّوا. وذهب جمهور العلماء من الحجازيين، والكوفيين، والشاميين: إلى جواز إشراك السبعة فما دون ذلك في البقرة، والبدنة، في الهدي والضحيَّة، ولا تجزئ شاة إلا عن واحد. وقد حصل من مجموع حديث عائشة وأنس وجابر أن الأولى في الأضحية نهاية الكمال في الخلق والصّفة. وهو متفق عليه، وأن الوجاء ليس منقصا؛ لأنَّه وإن كان نقصان عضو، فإنَّه يصلح اللَّحم ويُطَيِّبُه. وقد قلنا: إن الطيب في الأضحية: هو المقصود الأول. وأما العيوب المُنقِّصة، فقال القاضي: أجمعوا أنَّ العيوب الأربعة المذكورة في حديث البراء (٢)؛ من: المرض، والعجف، والعور،

стр. 3020

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعرج، لا تجزئ بها الضحيَّة. وكذلك ما هو من نوعها أشنع، كالعمى، وقطع الرِّجل. واختلف فيما عدا ذلك. فذهب قومٌ: إلى أنها تجزئ بكل عيب غير هذه الأربعة؛ إذ لم ينصَّ النبي ﷺ على غيرها، وهو موضع بيان. وبه قال بعض أئمتنا البغداديين. وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصًا وعيبًا، ثم اختلفوا في أعيانها على ما ترتَّب في كتب الفقه. قال: ولم يخرج البخاري، ولا مسلم حديث عيوب الضحايا؛ لأنَّه مما تفرَّد به عبيد بن فيروز عن البراء، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث. وقد أدخله مالك في الموطأ لما صحبه عنده العمل من المسلمين، ولاتفاقهم على قبوله. قلت: يعني القاضي: حديث البراء الذي خرَّجه مالك عن عمرو بن الحارث المصري عن عبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ سُئل: ماذا يُتَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: (أربع .. .)، وذكر الحديث (١). وهذا الحديث صحيح، وانفراد الثقة به لا يضرُّه، وإنَّما لم يخرِّجه البخاري ولا مسلم؛ لأنَّه ليس على ما شرطاه في كتابيهما، وقد خرَّجه النسائي، والترمذي، وقال: حديث حسن، صحيح، غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز. وكذلك خرَّج النسائي (٢) أيضًا حديث علي بن أبي طالب ﵁ من طرق قال فيه: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، وألا نضحِّي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا شَرقاء، ولا خَرقاء. وفي أخرى: ولا بتراء. وفي أخرى: ولا جدعاء. وصححه (٣) الترمذي. وقوله: أمرنا أن نستشرف العين والأذن. أي: نرفع نظرنا إلى ذلك، ونختار السالم من عيوب ذينك. ثم فسَّر ذلك

стр. 3021

(٥) باب الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر [١٩٦١] عَن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ قال: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَاقُو العَدُوِّ غَدًا، وَلَيسَت مَعَنَا مُدًى. وفي رواية: فنذكي بالليط؟ ــ بقوله: ولا نضحِّي بعوراء، وبما بعده. و(المقابلة) هي: التي يقطع بعض أذنها، ويُترك مُعلَّقًا على وجهها. و (المدابرة): أن يُترك معلَّقًا إلى خلفها. و (الشرقاء) هي: المشقوقة الأذن طولًا. و (الخرقاء): التي خرق من غير شق. و (الجدعاء): المقطوعة الأذن. وظاهر عطف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تجزئ باتفاق - ألا تجزئ الأضحية مع شيء من هذه العيوب. وهو أصل الظاهرية، لكن لما كانت العوراء مقيَّدة بالبيِّن عَوَرُها، كما قال في حديث البراء؛ تحققنا: أن المنهي عنه من هذه العيوب ما تفاحش منها، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذن من هذه الأمور، أو جلها، لا تجزئ به، وما لم يكن كذلك، فقال أصحابنا في المقطوع بعض أذنها: إن زاد القطع على الثلث منع الإجزاء، وإن نقص عنه أجزأت. واختلف في الثلث. هل يجزئ أو لا؟ على قولين. وكذلك القول في البتراء، والنظر في آحاد العيوب، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلًا، فلنقتصر على ما ذكرناه. (٥) ومن باب: الذبح بما أنهر الدَّم قولهم: (إنا لاقو العدو غدًا، وليست معنا مدى؟ فنُذَكِّي باللِّيط) وهو قطع القصب، والشَّصير: قطعة العصا، والظُّرَرُ: قطعة الحجر، ويجمع: ظِرَّان، كما قال امرؤ القيس:

стр. 3022

قَالَ: أَعجِل، أَو أَرنِي، مَا أَنهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسمُ اللَّهِ فَكُل، ــ تَطايَرُ ظِرانُ الحَصَى بمناسِمٍ (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . ويقال عليها: المروة أيضًا، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث: أفنذكِّي بالمروة؟ مكان (اللَّيط). والشِّظاظ: فِلقة العود. فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان والحلقوم جازت الذبيحة؛ غير أنه لا يذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل منزلتها؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِّ الشِّفار، وتحسين الذَّبح، والنهي عن تعذيب البهائم. وقد نبَّه مالك على هذا لما ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوز من الذكاة على الضرورة. ومعنى هذا السؤال: أنهم لما كانوا عازمين على قتال العدو صانوا ما عندهم من السِّيوف، والأسنة، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد الآلة، أو يعيبها، أو ينقص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعِدَّة للذَّبح، فسألوا: هل يجوز لهم الذبح بغير محدَّد السِّلاح؛ فأجابهم النبي ﷺ بما يقتضي الجواز. وقد دخل في هذا العموم: أن كل آلة تقطع ذبحًا أو نحرًا فالذكاة بها مبيحة للذبيحة، والحديد المُجهِز أولى لما تقدَّم. ولا يستثنى من الآلات شيء إلا السنُّ، والظُّفُر على ما يأتي. و(قوله: وذكر اسم الله) ظاهر قوي في كون شرطًا في الإباحة؛ لأنَّه قرنها بالذَّكاة المشترطة، وعلَّق الإباحة عليهما، فقد صار كل واحد منهما شرطًا، أو جزء شرط في الإباحة. وقد تقدَّم هذا. والرواية الصحيحة المشهورة: أنهر بالرَّاء. وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي -. والنَّهز: بمعنى: الدَّفع. وهذا توجيهٌ للتصحيف، فلا يُلتفت إليه.

стр. 3023

لَيسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشِ. ــ و(قوله: ليس السِّنّ، والظُّفُر) ليس هنا للاستثناء، بمعنى: إلا. وظاهر هذا: أنه لا تجوز الذكاة بهما على حال، سواء كانا متصلين بالمذكِّي، أو منفصلين عنه. قال القاضي أبو الحسن: وهذا الظاهر من قول مالك من رواية ابن الموَّاز عنه. وروى ابن وهب عنه الجواز مطلقًا. وقيل: بالفرق بين المتصل منهما، فلا تجوز الذَّكاة به، وبين المنفصل؛ فتجوز الذكاة به، قاله ابن حبيب. فالأول: تمسُّك بالعموم، والثاني: نظرٌ للمعنى؛ لأنَّه يحصل بهما الذبح. وهو ضعيف؛ لأنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث. والثالث: تمسُّك بأن الظُّفُر المتصل خنق، والسِّن المتصل نَهشٌ. وربما جاء ذلك في بعض الحديث. والمنفصل ليس كذلك، فجازت الذَّكاة به. والصحيح: الأول، وما عداه، فليس عليه مُعوَّلٌ. و(قوله: وسأحدِّثُك، أمَّا السِّنُّ: فعظمٌ. وأمَّا الظُّفُر: فمدى الحبش) ظاهر هذا: أنَّه من كلام النبي ﷺ وهو تنبيه على تعليل منع التذكية بالسِّنُّ، لكونه عظمًا، فيلزم على هذا: تعدية المنع من السِّنِّ إلى كل عظم، من حيث: إنَّه عظم؛ متصلًا كان، أو منفصلًا. وإليه ذهب النخعي، والحسن بن صالح، والليث، والشافعي. وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاة بالعظم، والظُّفر كيف كانا، وأجازوه بما عدا ذلك للحديث. وهو أحد أقوال مالك، كما تقدَّم. وروي عن مالك التفريق بين السِّن والعظم. فأجازها بالعظم، وكرهها بالسنِّ، وهو مشهور مذهبه. و(قوله: وأمَّا الظُّفُر فمدى الحبش) يعني: أن الحبش يذبحون بأظفارهم، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح؛ فمَنَعَنا الشرع من ذلك؛ لئلا نتشبَّه بهم. فقيل: إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذبح، فتنخنق الذبيحة. وعلى هذا: فيكون محل المنع إنَّما هو الظُّفر المتصل، ويكون حجَّة لما صار إليه ابن حبيب من ذلك. وقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه، وقال فيه: (ما فرى الأوداج وذكر

стр. 3024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسم الله عليه فكُله) أي: ما قطع. وظاهره: الاقتصار في الذكاة على الودجين خاصَّة. وقال بذلك قومٌ منهم: ابن عبَّاس، وعطاء. وقد روي عن مالك: أنَّه قال فيما قطعت أوداجه: أنَّه قد تَمَّت ذكاته. ومشهور مذهبه ومذهب أصحابه: اشتراط قطع الحلقوم، والودجين، وهو قول الليث. وحكى عنه البغداديون: أنه يشترط قطع أربع: الثلاثة المذكورة، والمري. وهو قول أبي ثور. ثمَّ اختلف أصحاب مالك في قطع أحد الودجين والحلقوم. هل هو ذكاة، أو لا؟ على قولين. وذهب الشافعي: إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين، لكن في تمامها الودجان، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري. والناس مجمعون: على أن الذَّبح مهما كان في الحلق تحت الغلصمة؛ فقد تَمَّت الذكاة. واختلف فيما إذا ذبح فوقها وجازها إلى البدن؛ هل ذلك ذكاة أم لا؟ على قولين. وقد روي عن مالك: أنها لا تُؤكل، وقد تمسك بقوله ﷺ : (ما أنهر الدَّم .. .) من يجيز نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر، وأن النَّحر والذبح ذكاة للجميع لإنهاره الدَّم. وهو قول عامَّة السلف، والعلماء، وفقهاء الأمصار، وأشهب من أصحابنا. ومالك كره أكله مرة، وأخرى حرَّمه. قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدًا حرَّم أكل شيء من ذلك كُلِّه، ولم يختلفوا: أن الذبح أولى في الغنم، والنحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر. وقيل: الذبح أولى؛ لأنَّه الذي ذكره الله تعالى. و(قوله: أَعجِل وأَرني) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري، ومسلم، وأبي داود. واختلف الرواة في تقييده على أربعة أوجه: الأول: قيَّده النَّسفي، وبعض رواة البخاري: أَرِن. بكسر الراء، وسكون النون؛ مثل: أَقِم. الثاني: قيَّده الأصيلي: أَرِني. بكسر النون بعدها ياء المتكلم. الثالث: قيَّده بعض رواة مسلم كذلك إلا أنَّه سكَّن الراء.

стр. 3025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرابع: قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء، ونون مطلقة. هذه التقييدات المنقولة. قال الخطابي: وطالما استثبتُّ فيه الرواة، وسألت عنه أهل العلم، فلم أجد عند أحد منهم ما يقطع بصحته. تنبيه: قال بعض علمائنا في الوجه الأول: هو بمعنى: قد أنشط وأسرع. فهو بمعنى: أَعجل. فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكٌّ وقع من أحد الرواة في أي اللفظين قال رسول الله ﷺ . قلت: وهذه غفلة؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط؛ للزم أن يكون مفتوح الراء؛ لأنَّ ماضيه: أَرِن، ومضارعه: يأرن. قال الفرَّاء: الأَرَن: النشاط. يقال: أَرِنَ البعير بالكسر، يأرن بالفتح أرنًا: إذا مرح مرحًا، فهو آرِنٌ؛ أي: نشيط. وقياس الأمر من هذا أن تُجتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء، فيقال: اِئرَن كـ (ائذن)، من أَذِنَ يأذن. ولم يُروَ كذلك. وأمَّا تقييد الأصيلي: فقال بعضهم: يكون بمعنى: أَرِني سيلان الدم. قلت: وعلى هذا فيبُعدُ أن تكون (أو) للشك، بل للجمع بمعنى الواو على المذهب الكوفي؛ فإنَّه طلب الاستعجال، وأن يريه دم ما ذبح. وما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء: هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي لغة معروفة، قرأ بها ابن كثير. وأما ما وقع في كتاب أبي داود: فقيل: هو بمعنى: أَدِم الحزَّ، ولا تفتر. من: رنوت؛ أي: أدمت النظر. قلت: ويلزم على هذا: أن تكون مضمومة النُّون؛ لأنه أمرٌ من: رنا،

стр. 3026

قَالَ: وَأَصَبنَا نَهبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، فَنَدَّ مِنهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهمٍ فَحَبَسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحشِ، فَإِذَا غَلَبَكُم مِنهَا شَيءٌ؛ فَاصنَعُوا بِهِ هكذا. ــ يرنو، فتحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها مضمومًا على أصله، ولم يحقَّق ضبطه كذلك. وقد ذكر الخطَّابي في هذه اللفظة أوجها محتملة لم يجئ بها تقييد عن مُعتبر، ولا صحَّت بها رواية، رأيت الإضراب عنها لعدم فائدتها، وبُعدها عن مقصود الحديث. وأثبت ما فيها رواية، وأقربه معنى مَن جعله من رؤية العين، وذلك أن اللِّيط والمروة، وما أشبههما مما ليس بمحدَّد يخاف منه ألا يكون مُجهِزًا، فإن لم يستعجل بالمرِّ لم يقطع، وربما يموت الحيوان خنقًا، فإذا استعجل في المرِّ، ورأى أن الدَّم قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح، والله تعالى أعلم بما أراد رسوله ﷺ . و(قوله: ما أنهر الدم) أي: ما أساله وصبَّه بكثرة. ووزنه: أفعل، من النهر. شبَّه خروج الدَّم بجري الماء في النهر. و (ما) موصولة في موضع رفع بالابتداء، وخبرها: (كُله)، ودخلت الفاء على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولا يلتفت لقول من تخيَّل أن ما أنهر الدَّم مفعوله بـ: أرني؛ لأنَّه يبقى فعله: (فكله) ضائعًا. فتأمله. و(قوله: وأصبنا نهب إبل، وغنم، فندَّ منها بعيرٌ فرماه رجل بسهم، فحبسه) النهب: الغنيمة، ومنه قول عباس بن مرداس: أتجعل نهبي ونهب العبيد؛ أي: حظي من الغنيمة. و (ندَّ): نفر وشذَّ عن الإبل. و (قوله: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا) الأوابد: جمع آبدة، وهي التي نفرت من الإنس، وتوحَّشت.

стр. 3027

رواه أحمد (٣/ ٤٦٣)، والبخاريُّ (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨) (٢٠ - ٢٢)، وأبو داود (٢٨٢١)، والترمذيُّ (١٤٩١)، والنسائي (٧/ ٢٢٦)، وابن ماجه (٣١٣٧). ــ ويقال: أبدت البقرة، تأبد، وتَأبُد، وتأبَّدت الديار: توحَّشت (١)، وخلت من سُكَّانها. فالأوابد: الوحش. قال امرؤ القيس: وقد أغتَدِي والطَّيرُ في وُكُناتِها ... بِمُنجَرِدٍ قيدِ الأوابدِ هَيكَلِ وظاهر هذا الحديث أن ما ند من الإنسي، ولم يقدر عليه جاز أن يُذَكَّى بما يُذكَّى به الطير. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: لا يُؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر، أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته، ولأنه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع؛ فلم يلحق بها لا في النوع، ولا في الحكم. ألا ترى: أن ملك مالكه باقٍ عليه، واعتذر أصحابنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما ادُّعي ظهوره من ذلك؛ إذ لم يقل فيه: إن السهم قتله. وإنَّما قال: حبسه. ثم بعد أن حبسه فقد حصل مقدورًا عليه. فلا يؤكل إلا بالذبح أو النحر، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا، أو إنسيًّا. و(قوله: فإذا (٢) غلبكم منها شيء فاصنعوا به هكذا) نقول بموجبه: أي: نرميه، ونحبسه، فإنَّ أدركناه حيًّا ذكَّيناه، وإن تلف بالرَّمي، فهل نأكله أم لا؟ ليس في الحديث تعيين أحدهما، فلحق بالمجملات، فلا ينهض حجَّة، وحينئذ يبقى متمسك مالك واضح الحجَّة، والله تعالى أعلم. وقد استدل المخالف بما رواه الترمذي، وأبو داود عن أبي العشراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أما تكون

стр. 3028

[١٩٦٢] وعنه؛ قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذِي الحُلَيفَةِ مِن تِهَامَةَ، ــ الذَّكاة إلا في الحلق واللَّبَّة؟ قال: (لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك) (١). قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة. وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في المتردية، والنافرة، والمستوحش. وقد حمل ابن حبيب هذا الحديث على ما سقط في مهواة، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة. وهو قول انفرد به عن مالك، وجميع أصحابه. وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف، فيجيز ذلك في النادِّ، والمستوحش، وهذا إلزام صحيح؛ إذ كل واحد منهما غير مقدور على ذكاته في الحلق واللَّبَّة. وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث: بأنَّه ليس بصحيح؛ لأنَّ الترمذي قال فيه: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن سلمة، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. واختلفوا في اسم أبي العشراء. فقال بعضهم: اسمه: أسامة بن قِهطِم. ويقال: اسمه: يسار بن بَزرٍ، ويقال: بَلز، ويقال: اسمه عُطارد. نُسب إلى جدِّه، فهذا سند مجهولٌ، ولو سُلِّمت صحته لما كان فيه حجَّة؛ إذ مقتضاه جواز الذَّكاة في أي عضو كان مطلقًا؛ في المقدور على تذكيته وفي غيره. ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس بمراد قطعًا. وقول يزيد وأبي داود تأويل لهما غير متفق عليه، فلا يكون فيه حجَّة. والله تعالى أعلم. وقوله في الأم: (فرميناه بالنبل حتى وهضناه (٢)) كذا الرواية في كتاب مسلم بالواو. ومعناه: رميناه، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض. وفي غير كتاب مسلم: (رهصناه) بالرَّاء (٣). ومعناه: حبسناه بالرمي، وأوثقناه. يقال: رهصني فلان بحقه؛ أي: أخذني به أخذًا شديدًا.

стр. 3029

فَأَصَبنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ القَومُ، فَأَغلَوا بِهَا القُدُورَ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُفِئَت، ثُمَّ عَدَلَ عَشرًا مِن الغَنَمِ بِجَزُورٍ ... الحديث. رواه أحمد (٤/ ١٤٠)، والبخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨) (٢١). * * * ــ و(قوله: فأصبنا غنمًا وإبلًا، فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها، فكفئت) اختُلفوا في سبب أمره ﷺ بإكفاء القدور، فقيل فيه أقوال كثيرة، أشبهها قولان: أحدهما: أنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة، ولم يأخذوها بجهة القسمة العادلة، وعلى وجه الحاجة لأكلها، ويشهد لهذا قوله في بعض الروايات: (فانتهبناها). الثاني: أن ذلك إنما كان لتركهم النبي ﷺ في أخريات القوم، واستعجالهم للنهب، ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشرع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث. قاله المهلب. قلت: ويشهد لهذا التأويل مساق حديث أبي داود، فإنَّه قال فيه: وتقدم سرعان الناس، فتعجَّلوا، فأصابوا من الغنائم، ورسول الله ﷺ في آخر الناس) (١). و (كفئت القدور): قلبت. وهذه الرواية الصحيحة المعروفة في اللغة. يقال: كفأت الإناء: قلبته وكببته. وزعم ابن الأعرابي: أن: (أكفأته) لغة. و(قوله: ثمَّ عدل عشرًا من الغنم بجزور) يعني: أنه ﷺ قسم ما بقي من الغنيمة على الغانمين، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جزور، ولم يحتج إلى القرعة، لرضا كل منهم بما صار إليه من ذلك. ولم يكن بينهم تشاحٌ في شيء من ذلك، والله تعالى أعلم. وكأنَّ هذه الغنيمة لم يكن فيها إلا الإبل، والغنم. ولو كان فيها غيرهما: لقوَّم جميع الغنيمة، ولقسم على القيم.

стр. 3030

(٦) باب النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث [١٩٦٣] عن أَبي عُبَيدٍ مَولَى ابنِ أَزهَرَ أَنَّهُ شَهِدَ العِيدَ مَعَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: ثُمَّ صَلَّيتُ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَصَلَّى لَنَا قَبلَ الخُطبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد نَهَاكُم أَن تَأكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُم فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَا تَأكُلُوا. رواه البخاريُّ (١٩٩٠)، ومسلم (١٩٦٩) (٢٥)، وأبو داود (٢٤١٦)، والترمذي (٧٧١). ــ (٦ و ٧) ومن باب: النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث ونسخه (١) حديث أبي عبيد مولى ابن أبي أزهر، وابن عمر يدلان: على أن عمر، وعليًّا، وابن عمر، كانوا يرون بقاء حكم النهي عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، وأن ذلك ليس بمنسوخ، ولا مخصوصًا بوقت، ولا بقومٍ. وكأنَّهم لم يبلغهم شيء من الأحاديث المذكورة - بعد هذا - الدالَّة على نسخ المنع، أو على أن ذلك المنع كان لعلَّة الدافَّة التي دفت عليهم. وإنما لم تبلغهم تلك الأحاديث الرافعة؛ لأنَّها أخبار آحاد لا متواترة، وما كان كذلك صحَّ أن يبلغ بعض الناس دون البعض. وظاهر النهي عن الادِّخار التحريم. وقيل: كان محمولًا على الكراهة. واختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادِّخار جائزًا فيها. فقيل: أولها يوم

стр. 3031

[١٩٦٤] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن تُؤكَلَ لُحُومُ الأَضَاحِيِّ بَعدَ ثَلَاثٍ، قَالَ سَالِمٌ: فَكَانَ ابنُ عُمَرَ لَا يَأكُلُ لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلَاثٍ. رواه مسلم (١٩٧٠) (٢٦). * * * (٧) باب الرخصة في ذلك [١٩٦٥] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ وَاقِدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَكلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلَاثٍ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكرٍ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَمرَةَ فَقَالَت: صَدَقَ، سَمِعتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَفَّ أَهلُ أَبيَاتٍ مِن أَهلِ البَادِيَةِ حَضرَةَ الأَضحَى زَمَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادَّخِرُوا ثَلَاثًا، ــ النحر. فمن ضحَّى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر، ويومين بعده. ومن ضحَّى بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر. وقيل: أولها يوم يضحي، فلو ضحَّى في آخر أيام النحر؛ لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده. وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع، فإنَّه قال فيه: (من ضحَّى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء). قلت: ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولًا ثالثًا، وهو أن في حديث أبي عبيد: (فوق ثلاث ليال). وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحَّى فيه من العدد، وتعتبر ليلته وما بعدها. وكذلك حديث ابن عمر فإنَّ فيه: (فوق ثلاث) يعني: الليالي. وكذلك: حديث سلمة فإنَّ فيه: (بعد ثالثة). وأما حديث أبي سعيد ففيه: (ثلاثة أيام). وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي. وقول عائشة: (دف ناسٌ من أهل البادية حضرة الأضحى) الدفيف:

стр. 3032

ثُمَّ تَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ. فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ النَّاسَ يَتَّخِذُونَ الأَسقِيَةَ مِن ضَحَايَاهُم، وَيَجمُلُونَ فِيهَا الوَدَكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ . فقَالَوا: نَهَيتَ أَن تُؤكَلَ لُحُومُ الضَّحَايَا بَعدَ ثَلَاثٍ. فَقَالَ ﵊: إِنَّمَا نَهَيتُكُم مِن أَجلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّت، .... ــ الدبيب، وهو السير الخفي اللَّين. والدَّافة: الجيش الذين يدبون إلى أعدائهم، وكأن هؤلاء ناسٌ ضعفاء فجاؤوا دافين لضعفهم من الحاجة والجوع. و(حَضرة الأضحى) الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوب على الظرف؛ أي: زمن حضور الأضحى، ومشاهدته. وقيَّده بعضهم: حضَرَة - بفتح الضاد - وفي الصحاح يقال: كلَّمته بحضرة من فلان، وبمحضره؛ أي: بمشهد منه. وحكى يعقوب: كلَّمته بحضَر فلان - بالتحريك من غير هاء - وكلمته بِحَضرة فلان، وحُضرته، وحِضرته. و(قوله: يتخذون منها الأسقية، ويجملون فيها الودك) الأسقية: جمع سقاء، كالأخبية: جمع خباء. ويجملون: يذيبون. والودك: الشحم. يقال: جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته. وربما قالوا: أجملت. وهو قليل. وقوله ﷺ : (إنما نهيتكم من أجل الدافَّة التي دفَّت) ونحو ذلك قال في حديث سلمة بن الأكوع. وهذا نصٌّ منه ﷺ : على أن ذلك المنع كان لعلَّة، ولما ارتفعت ارتفع المنع المتقدِّم؛ لارتفاع موجبه، لا لأنه منسوخ. وهذا يبطل قول من قال: إن ذلك المنع إنما ارتفع بالنسخ. لا يقال: فقد قال ﷺ : (كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادَّخروا). وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول بخطاب متأخر عنه. وهذا هو حقيقة النسخ؛ لأنَّا نقول: هذا لَعمرُ الله! ظاهر هذا الحديث، مع أنه يحتمل أن يكون ارتفاعه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يَرِد لنا نصٌّ بأن المنع من الادِّخار ارتفع لارتفاع علّته؛ لما عدلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو نسخ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث

стр. 3033

فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا. رواه أحمد (٦/ ١٢٧ و ١٢٨)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم (١٩٧١) (٢٨)، وأبو داود (٢٨١٢)، والترمذيُّ (١٥١١)، والنسائي (٧/ ٢٣٥). ــ بريدة المتقدِّم في باب: الجنائز (١)، لكن النص الذي في حديث عائشة ﵂ في التعليل بين: أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فتعين ترك ذلك الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له. والله تعالى أعلم. تنبيه: الفرق بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علته: أن المرفوع بالنسخ لا يحكم به أبدًا، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة. فلو قدم على أهل بلدة ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعةٌ يسدُّون بها فاقاتهم إلا الضحايا، لتعيَّن عليهم: ألا يدَّخروها فوق ثلاث، كما فعل النبي ﷺ . وفي هذا الحديث أبواب من أصول الفقه. وهو: أن الشرع يراعي المصالح، ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولما تصفح العلماء ما وقع في الشريعة من هذا؛ وجدوه كثيرًا، بحيث حصل لهم منه أصل كلِّي وهو: أن الشارع مهما حكم فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلّ عليها، وقد لا يجدون، فيسبرون أوصاف المحل الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيَّن لهم الوصف الذي يمكن أن يعتبره الشرع بالمناسبة، أو لصلاحيَّته لها، فيقولون: الشرع يحكم بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل (٢)، وليس في أوصافه ما يصلح للاعتبار إلا هذا، فتعيَّن. وقد بيَّنا هذا في الأصول. والحمد لله. و(قوله: فكلوا، وادَّخروا، وتصدَّقوا) هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل

стр. 3034

[١٩٦٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَهلَ المَدِينَةِ، لَا تَأكُلُوا لُحُومَ الأَضَاحِيِّ فَوقَ ثَلَاثٍ. وَفي رواية: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَشَكَوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ لَهُم عِيَالًا وَحَشَمًا وَخَدَمًا، فَقَالَ: كُلُوا وَأَطعِمُوا وَاحبِسُوا وادَّخِرُوا. رواه أحمد (٣/ ٨٥)، ومسلم (١٩٧٣) (٣٣). [١٩٦٧] وعَن سَلَمَةَ بنِ الأَكوَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ضَحَّى مِنكُم فَلَا يُصبِحَنَّ فِي بَيتِهِ بَعدَ ثَالِثَةٍ شَيءٌ. فَلَمَّا كَانَ فِي العَامِ المُقبِلِ قَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفعَلُ كَمَا فَعَلنَا عَامَ الأَوَّلَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّ ذَاكَ عَامٌ كَانَ النَّاسُ فِيهِ بِجَهدٍ، فَأَرَدتُ أَن يَفشُوَ فِيهِم. رواه البخاريّ (٥٥٦٩)، ومسلم (١٩٧٤) (٣٤). ــ تقدُّمه عليها يخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه، أو لا يخرجها؟ اختلف الأصوليون فيه على قولين، وقد بيَّناهما، والمختار منهما في الأصول. والظاهر من هذه الأوامر هنا: إطلاق ما كان ممنوعًا، بدليل اقتران الادِّخار مع الأكل، والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادِّخار على الوجوب بوجه، فلا يجب الأكل، ولا الصدقة من هذا اللفظ. وجمهور العلماء على أن الأكل من الأضحية ليس بواجب. وقد شذَّت طائفة فأوجبت الأكل منها تمسُّكًا بظاهر الأمر هنا، وفي قوله: ﴿فَكُلُوا مِنهَا﴾ ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب: أن ذلك على الندب، وأنه إن لم يأكل مخطئ. وقال أيضًا: لو أراد أن يتصدَّق بلحم أضحيته كلِّه كان له كأكله كلِّه حتى يفعل الأمرين. وقال الطبري (١): جميع أئمة الأمصار على جواز ألا يأكل منها إن شاء،

стр. 3035

[١٩٦٨] وعَن ثَوبَانَ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ضَحِيَّتَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوبَانُ، أَصلِح لَحمَ هَذِهِ. فَلَم أَزَل أُطعِمُهُ مِنهَا حَتَّى قَدِمَ المَدِينَةَ. رواه أحمد (٥/ ٢٧٧)، ومسلم (١٩٧٥) (٣٥)، وأبو داود (٢٨١٤). * * * ــ ويطعم جميعها. وهو قول محمد بن المواز. وقول ثوبان: (ذبح رسول الله ﷺ ضحيته (١)، ثم قال: (يا ثوبان! أصلح لحم هذه)، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة) ظاهر هذا: أنه ضحَّى في السفر. وعليه: فيكون المسافر مخاطبًا بالأضحية كما يخاطب بها الحاضر؛ إذ الأصل عموم الخطاب بها. وقد قال ﷺ : (أمرت بالأضحى، وهو لكم سُنَّة) (٢) وهذا قول كافة العلماء. وخالف في ذلك أبو حنيفة، والنخعي، فلم يريا على المسافر أضحية. وروي ذلك عن علي ﵁. واستثنى مالك من المسافرين الحاج بمنى، فلم ير عليه أضحية. وبه قال النخعي، ويروى ذلك عن الخليفتين أبي بكر، وعمر، وابن عمر ﵃، وجماعة من السلف؛ لأنَّ الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي، فإذا أراد أن يضحِّي جعله هديًا. والناس غير الحاج إنما أمروا بالأضحية ليتشبَّهوا بأهل منى، فيحصل لهم حظ من أجورهم (٣). وقال الشافعي، وأبو ثور: الأضحية واجبة على الحاج بمنى أخذًا بالعموم المتقدِّم. والقول ما قاله الخليفتان ﵄؛ إذ قد أُمرنا بالاقتداء بهما، كما بيناه في الأصول.

стр. 3036

(٨) باب إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا بشره [١٩٦٩] عَن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ العَشرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَن يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِن شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيئًا. وفي رواية: إِذَا رَأَيتُم هِلَالَ ذِي الحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُم أَن يُضَحِّيَ، فَليُمسِك عَن شَعرِهِ وَأَظفَارِهِ. وفي أخرى: مَن كَانَ لَهُ ذِبحٌ، فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الحِجَّةِ، فَلَا يَأخُذَنَّ مِن شَعرِهِ وَلَا مِن أَظفَارِهِ شَيئًا حَتَّى يُضَحِّيَ. رواه أحمد (٦/ ٣٠١)، ومسلم (١٩٧٧) (٣٩ و ٤١ و ٤٢)، وأبو داود (٢٧٩١)، والنسائيُّ (٧/ ٢١٢)، وابن ماجه (٣١٤٩). ــ (٨) ومن باب: إذا دخل العشر وأراد أن يضحي فلا يمسَّ من شعره ولا من بَشَره شيئًا أخذ بظاهر هذا النهي أحمد، وإسحاق، وابن المنذر؛ فمنعوا ذلك. ورأى الشافعي: أن ذلك محمله على الندب. وحكي عن مالك. والمشهور من مذهبه: أن ذلك يجوز. وهو مذهب أهل الرأي. وقال الليث: قد جاء هذا الحديث، وأكثر الناس على خلافه. وقد استدل أصحابنا على الجواز بقول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه، ثم لا يجتنب شيئًا مما يجتنبه المحرم (١). وظاهر هذا العموم: أنَّه ما كان يجتنب حلق شعر، ولا قص ظُفُر ولا غيرهما. قال الطحاوي: ولما رأينا الجماع الذي يُفسد الحج

стр. 3037

[١٩٧٠] وعن عَمرو بن مُسلِمِ بنِ عَمَّارٍ اللَّيثِيّ قَالَ: كُنَّا فِي الحَمَّامِ قُبَيلَ الأَضحَى، فَاطَّلَى فِيهِ نَاسٌ، فَقَالَ بَعضُ أَهلِ الحَمَّامِ: إِنَّ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ يَكرَهُ هَذَا، أَو يَنهَى عَنهُ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ يَا ابنَ أَخِي، هَذَا حَدِيثٌ قَد نُسِيَ وَتُرِكَ. رواه مسلم (١٩٧٧) (٤٢). [١٩٧١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عن النبي ﷺ قال: لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ. ــ لا يحرم على من دخل عليه العشر وأراد الأضحية، وهو أغلظ؛ كان أحرى وأولى أن لا يحرم عليه غير ذلك. و(قوله: كنا في الحَمَّام قبيل الأضحى، فاطَّلى (١) ناسٌ). قُبيل: تصغير قبل؛ يعني به: يوم الأضحى. و (اطَّلى) يعني: بالنورة، وهو جائز للرجال والنساء؛ لأنَّه من باب إصلاح الجسد وتنظيفه، وإنما اختلف في كراهته في العشر لمن أراد أن يضحِّي؛ لأنه مما تضمنه النهي المذكور. و(قوله: أن سعيدًا كان يكرهه) يدلّ: على أن مذهب سعيد في كراهة ذلك كان معروفًا. وهل تلك الكراهة بمعنى الحظر، أو بمعنى التنزيه؟ الأظهر منها التنزيه. وقول سعيد: (يا ابن أخي! هذا حديث قد ترك ونسي) هذا منه إنكارٌ على من ترك العمل به. ألا ترى أن المعروف من مذهبه الكراهية؟ ! وقد حكى أبو عمر عن سعيد جواز ذلك، فيكون عنه في ذلك قولان والله تعالى أعلم. و(قوله: لا فرع ولا عتيرة) قد فُسَّر الفَرَع في الحديث، غير أن أبا عبيد زاد فيه زيادة عن أبي عمرو، قال: الفَرَع، والفَرَعة - بفتح الراء -: هو أول ما تلده الناقة، فكانوا يذبحون ذلك لآلهتهم، فنهي المسلمون عن ذلك. وقد أفرع القوم إذا بلغت إبلهم ذلك. وقال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل في الجاهلية إذا تَمَّت

стр. 3038

وفي رواية: وَالفَرَعُ أَوَّلُ النِّتَاجِ، كَانَ يُنتَجُ لَهُم فَيَذبَحُونَهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٢٩)، والبخاريُّ (٥٤٧٣)، ومسلم (١٩٧٦)، وأبو داود (٢٨٣١)، والترمذيُّ (١٥١٢)، والنسائيُّ (٧/ ١٦٧)، وابن ماجه (٣١٦٨). * * * ــ إبله مائة قدَّم ذبحًا، فذبحه لصنمه، فذلك الفَرَع. وقد ذكر أبو عبيد أيضًا: أن النبي ﷺ سُئل عن الفَرَع فقال: (حق، وأن تتركه حتى يكون ابن مخاض، أو ابن لبون زُخزبًّا، خيرٌ من أن تكفأ إناءك وتُوَلِّه ناقتك، وتذبحه، يلصقُ لحمه بوبره) (١). قلت: وعلى هذا: فالفَرَع هنا: إنما هو الصغير. ألا ترى أنه فسّره بذلك، ولا فرق بين أوَّل النتاج، ولا بين ما بعده. والمعروف عند أهل اللغة: أنه أول النتاج؛ لأنَّهم كانوا في الجاهلية يذبحونه لآلهتهم، فلما جاءهم الإسلام؛ ذبحوا لله تعالى، استنانًا، كما فعلوا بالعتيرة، فنهى الشرع عن ذلك بقوله: (لا فَرَع، ولا عتيرة). حكى معنى ما قلته الحربي. وقوله في حديث أبي عبيد: (تُكفئ إناءك) جاء رباعيًّا، وقد قلنا: إن الأفصح الثلاثي. ويعني بذلك: إنك إذا ذبحت ولد الناقة انقطع لبنها، فانكفأ إناء اللَّبن؛ أي: قلب على فمه لأنه فارغ من اللَّبن. و(قوله: وتُولِّه ناقتك) أي: تفجعها بفقد ولدها حتى تُولَّه؛ أي: يصيبها الوَلَه. وهو: خَبَلان العقل. ومنه الحديث: (لا تُولِّهُ والدة على ولدها) (٢). و(الزُخزبُّ): الغليظ، وفيه: إرشاد إلى عدم ذبح الصغير من الأنعام لقلَّة طيبه، وعدم فائدته، ولما يترتب عليه من عدم اللبن، ووَلَه الأم.

стр. 3039

(٢٩) كتاب اللباس (١) باب تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء [١٩٧٢] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِندَ ــ (٢٩) كتاب اللباس (١) (١) باب: تحريم لباس الحرير والتغليظ فيه على الرجال وإباحته للنساء (٢) قوله: (حُلَّة سِيَرَاء) قد تقدَّم ذكر الحلَّة في الجنائز، و (السِّيراء): المخطط بالحرير، شُبِّهت بالسِّيور خطوطها؛ قاله الأصمعي، والخليل، وغيرهما. والرواية: حُلَّة سيراء - بتنوين حلة، ونصب سيراء - على أن تكون صفة للحلَّة كأنه قال: مسيَّرة. كما قالوا: جبَّة طيالسية؛ أي: غليظة. قال الخطابي: حلَّة سيراء، كقولك: ناقة عشراء. وبعضهم لا ينون الحلَّة، ويضيفها إلى سيراء. وكذلك رواه

стр. 3040

بَابِ المَسجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَو اشتَرَيتَ هَذِهِ فَلَبِستَهَا يَومَ الجُمُعَةِ، وَلِلوَفدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا يَلبَسُ هَذِهِ مَن لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ. ثُمَّ جَاءَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهَا حُلَلٌ، فَأَعطَى عُمَرَ مِنهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَسَوتَنِيهَا وَقَد قُلتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا ــ ابن سراج. وكذلك قيدته على من يوثق بعلمه، وتقييده. فهو على هذا من إضافة الشيء إلى صفته. كقولهم: ثوبُ خزٍّ، على أن سيبويه قال: لم يأت فعلاء صفة، وإنَّما سيراء يتنزل منزلة: مسيرة. و(قوله: لو اشتريت هذه فلبستها للوفد)، وإقراره ﷺ على هذا القول؛ يدلّ على مشروعية التجمل للوفود، ومجامع المسلمين التي يقصد بها إظهار جمال الإسلام، والإغلاظ على العدو. و(قوله: إنما يلبس هذه)، وفي رواية: (الحرير، من لا خلاق له في الآخرة) الخلاق: قيل فيه: الحظ، والنصيب، والقدر. ويعني بذلك: أنه لباس الكفار، والمشركين في الدنيا، وهم الذين لا حظ لهم في الآخرة. واختلف الناس في لباس الحرير. فمن مانع، ومن مجوِّز على الإطلاق. وجمهور العلماء على منعه للرجال، وإباحته للنساء. وهو الصحيح لهذا الحديث، وما في بابه. وهي كثيرة. وأما إباحته للنساء فيدل عليها قوله في هذا الحديث: (إنما بعثت بها إليك لتشققها خُمُرًا بين نسائك)، ولما خرَّجه النسائي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: إن نبي الله ﷺ أخذ حريرًا في يمينه، وذهبًا في شماله، ثم قال: (إن هذين حرامٌ على ذكور أمتي، حل لإناثها) (١). قال علي بن المديني: حديث حسن، ورجاله معروفون. وهذا كله في الحرير الخالص المصمت، فأمَّا الذي سداه حرير، ولحمته غيره: فكرهه مالك. وإليه ذهب ابن عمر، وأجازه ابن عباس. وأما الخز، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: الحظر، والإباحة،

стр. 3041

قُلتَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَم أَكسُكَهَا لِتَلبَسَهَا. فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشرِكًا بِمَكَّةَ. وفي رواية: فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ، أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحُلَلٍ سِيَرَاءَ، فَبَعَثَ إِلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ، وَبَعَثَ إِلَى أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ بِحُلَّةٍ، وَأَعطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً، وَقَالَ: شَقِّقهَا خُمُرًا بَينَ نِسَائِكَ. قَالَ: فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحمِلُهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثتَ إِلَيَّ بِهَذِهِ، وَقَد قُلتَ بِالأَمسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلتَ! فَقَالَ: إِنِّي لَم أَبعَث بِهَا إِلَيكَ لِتَلبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثتُ بِهَا إِلَيكَ لِتُصِيبَ بِهَا. وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَظَرًا ــ والكراهة. وجل المذهب على الكراهة. واختلف فيه؛ ما هو؟ فقيل: ما سداه حرير. قال ابن حبيب: ليس بين الخز وما سداه حرير ولحمته قطن أو غيره فرق إلا الاتباع، فإنَّه حكي إباحة الخز عن خمسة وعشرين من الصحابة. منهم: عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عباس، وخمسة عشر تابعيًّا، وكان عبد الله بن عمر يكسو بنيه الخز. وقيل في الخز: إنه يشبه الحرير، وليس به. ويكره لشبهه بالحرير، وللسَّرف. و(قوله: فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة) قيل: إنه كان أخاه لأمه. ذكره النسائي. وفيه ما يدل على جواز القريب المشرك، وما يدل على أن عمر ﵁ لم يكن من مذهبه: أن الكفار يخاطبون بالفروع؛ إذ لو اعتقد ذلك لما كساه إياها، وهي تحرم عليه. واختلف في تحريم الحرير للر (ل. فقال الأبهري: هي التشبه بالنساء. وقيل: ما يجرُّه من الخيلاء. وقيل: التشبه بالكفار الذين لا حظ لهم في الآخرة. وهو الذي دلَّ عليه الحديث. و(قوله: إنما بعثت بها إليك لتصيب بها) أي: مالًا. وكذا جاء مفسَّرا في

стр. 3042

عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أَنكَرَ مَا صَنَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَنظُرُ إِلَيَّ؟ فَأَنتَ بَعَثتَ إِلَيَّ بِهَا! فَقَالَ: إِنِّي لَم أَبعَث إِلَيكَ لِتَلبَسَهَا، وَلَكِنِّي بَعَثتُ بِهَا إِلَيكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَينَ نِسَائِكَ. رواه أحمد (٢/ ٤٢)، والبخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨) (٦ و ٧)، وأبو داود (٤٠٤١)، والنسائي (٨/ ٢٠١). [١٩٧٣] وعن عُمَرَ بن الخَطَّابِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلبَسُوا الحَرِيرَ، فَإِنَّهُ مَن لَبِسَهُ فِي الدُّنيَا لَم يَلبَسهُ فِي الآخِرَةِ. رواه البخاري (٥٨٣٠)، ومسلم (٢٠٦٩) (١١)، والترمذيُّ (٢٨١٨)، والنسائي (٨/ ٢٠٠). [١٩٧٤] وعَن عَلِيٍّ: أَنَّ أُكَيدِرَ دُومَةَ أَهدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوبَ حَرِيرٍ، فَأَعطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقهُ خُمُرًا بَينَ الفَوَاطِمِ. رواه مسلم (٢٠٧١) (١٨). ــ بعض طرقه. ولم يقل النبي ﷺ لعمر مثل الذي قال لأسامة، ولا لعلي: (لتشققها خمرًا بين نسائك). ولو سمع ذلك عمر لما سمع منه منع النساء من الحرير. وقوله لعلي ﵁: (شققها خُمُرًا بين الفواطم) قال ابن قتيبة: هنَّ: فاطمة بنت النبي ﷺ ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم - أم علي -، وهي أول هاشمية ولدت لهاشمي، قال: ولا أعرف الثالثة. قال الأزهري: هي: فاطمة بنت حمزة الشهيد. وقد روى أبو عمر بن عبد البر، وعبد الغني الحافظ هذا الحديث، قالا فيه: قال علي: فشققت منها أربعة أخمرة: خمارًا لفاطمة بنت أسد أم علي، وخمارًا لفاطمة بنت محمد ﷺ ، وخمارًا لفاطمة بنت حمزة ﵃. قال يزيد بن أبي زياد: ونسيت الرابعة. قال بعض المتأخرين: الرابعة: فاطمة امرأة

стр. 3043

[١٩٧٥] وعن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبعٍ، وَنَهَانَا عَن سَبعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الجَنَائزَ، وَتَشمِيتِ العَاطِسِ، ــ عقيل بن أبي طالب؛ لاختصاصها بعلي ﵁ بالصهر، وقربها بالمناسبة. وقيل: فاطمة بنت الوليد بن عتبة. وقيل: فاطمة بنت عتبة. و(قوله: أمر بعيادة المريض) وهي زيارته، وتفقده. يقال: عاد المريض، يعوده، عيادة. و (تشميت العاطس): بالشين المعجمة هو: الدعاء له إذا عطس وحمد الله تعالى. فعلى السامع أن يقول له: يرحمك الله. وسُمي الدعاء تشميتًا؛ لأنَّه إذا استجيب للمدعو له فقد زال عنه الذي يشمت به عدوه لأجله. وقد يقال بالسين المهملة. قال ابن الأنباري: يقال: شَمَّتُ فلانًا، وسَمَّت عليه. فكل داع بالخير: مسمت، ومشمت. قال ثعلب: الأصل السين من السمت، وهو القصد، ومنه الحديث: فدعا لفاطمة وسمت عليها. و(إبرار المقسم) هو: إجابته إلى ما حلف عليه، ولا يحنث، لكن إذا كان على أمر جائز. و (نصر المظلوم): إعانته على ظالمه، وتخليصه منه. و (إجابة الداعي) تعم الوليمة وغيرها. لكن أوكد الدعوات: الوليمة. وقد تقدَّم الكلام فيها. و (إفشاء السلام): إشاعته، ولا يخص به من يعرف دون من لم يعرف. و (إنشاد الضالَّة): هو التعريف بها. و (نشدتها): طلبتها. يقال: نشدت الضالَّة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها. و (المياثر): جمع ميثرة. وهي مأخوذة من الوثارة، وهي: اللين والنعمة. ومنه قولهم: فراش وثير؛ أي: وطيء لين. وياء ميثرة؛ واو، لكنها انقلبت ياء لانكسار ما قبلها، كميزان، وميعاد. واختلف فيها. فقال الطبري: هي: وطاء كان النساء يضعنه لأزواجهن من الأرجوان الأحمر، ومن الديباج على سروجهم، وكانت من مراكب العجم. والأرجوان: هو الصوف - بفتح الهمزة وضم الجيم -، وقال الحربي عن ابن الأعرابي: هي كالمرفقة تتخذ كصفة السرج من الحرير. وقيل: جلود السِّباع (١).

стр. 3044

وَإِبرَارِ المُقسِمِ، وَنَصرِ المَظلُومِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِفشَاءِ السَّلَامِ، وَنَهَانَا عَن سبع: خَوَاتِيمَ الذهب، أَو عَن تَخَتُّمٍ الذَّهَبِ، وَعَن شُربٍ بِالفِضَّةِ، وَعَن المَيَاثِرِ، وَعَن القَسِّيِّ، وَعَن لُبسِ الحَرِيرِ وَالإِستَبرَقِ وَالدِّيبَاجِ. ــ قلت: فإنَّ كانت حريرًا فوجه النهي واضحٌ، وهو تحريم الجلوس عليها؛ فإنَّها حرير، ولباس ما يفرش: الجلوس عليه. وعلى هذا جماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم، خلافًا لعبد الملك من أصحابنا؛ فإنَّه أجازه. ولم ير الجلوس على الحرير لباسًا، وهذا ليس بشيء، فإنَّ لباس كل شيء بحسبه، وقد قال أنس ﵁: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لبس. وأما من كانت عنده الميثرة من جلود السِّباع: فوجه النهي عنها أنها مكروهة؛ لأنَّها لا تعمل فيها الذكاة. وهو أحد القولين فيها عند أصحابنا، أو لأنها لا تذكى غالبًا. وأما من كانت عنده من الأرجوان الأحمر: فوجه النهي عنها: أنها تشبه الحرير، أو لأنها كانت من زي العجم، فيكون من باب الذريعة. وهذا القول أبعدها، والله أعلم. و(القسي) بفتح القاف، وقد أخطأ من كسرها. وهي منسوبة إلى القس:

стр. 3045

وفي رواية: وإنشاد الضالة مكان إبرار المقسم. وفي أخرى: ورد السلام - مكان - إفشاء السلام. قال سالم بن عبد الله: الإستبرق: ما غلظ من الديباج. رواه البخاريُّ (٥٦٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦) (٣)، والترمذي (٢٨١٠)، والنسائي (٨/ ٢٠١). * * * ــ قرية من قرى مصر مما يلي الفَرَمَا. وهي مظلعة (١) بالحرير. قال البخاري: فيها حرير أمثال الأترنج. وقيل: إنه القز، أبدلت الزاي سينًا. والإستبرق: فارسي عرَّبته العرب. وهو: غليظ الديباج. و (السندس): ما رق منه. و (الديباج): جنس من الحرير الإستبرق، والسندس من أنواعه. و (الدهقان) (٢): فارسي معرَّب، ويجمع دهاقين: وهم الرؤساء. وقيل: الكثير المال والتنعم، من الدهقنة، وهي: الامتلاء والكثرة. يقال: دهق لي دهقة من المال؛ أي: أعطانيه. وأدهقت الإناء: ملأته. * * *

стр. 3046

(٢) باب ما يرخص فيه من الحرير [١٩٧٦] عَن عَبدِ اللَّهِ، مَولَى أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَ: أَرسَلَتنِي أَسمَاءُ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ فَقَالَت: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشيَاءَ ثَلَاثَةً: العَلَمَ فِي الثَّوبِ، وَمِيثَرَةَ الأُرجُوَانِ، وَصَومَ رَجَبٍ كُلِّهِ! فَقَالَ لِي عَبدُ اللَّهِ: أَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن رَجَبٍ، فَكَيفَ بِمَن يَصُومُ الأَبَدَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن العَلَمِ فِي الثَّوبِ، فَإِنِّي سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا يَلبَسُ الحَرِيرَ مَن لَا خَلَاقَ لَهُ. فَخِفتُ أَن يَكُونَ العَلَمُ مِنهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الأُرجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبدِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ أُرجُوَانٌ. فَرَجَعتُ إِلَى أَسمَاءَ ــ (٢) ومن باب: ما رخص فيه من الحرير مَنعُ عبد الله العلم الحرير في الثوب؛ إنما كان لأنَّه تمسك بعموم النهي عن لبس الحرير، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر ﵁؛ الذي رواه عنه سويد بن غفلة الآتي في آخر الباب. والصواب: إعمال ذلك المخصص في النهي العام. ولأجل هذا المخصص قال ابن حبيب: إنه يرخص في لبس العلم والصلاة فيه وإن عظم. قلت: ويعني بقوله: وإن عظم: إذا بلغ أربع أصابع؛ الذي هو غاية الرخصة المذكورة في الحديث. وروي عن مالك اختلاف في قدر الإصبع من الحرير يكون في الثوب، فنهى عنه مرة، وأجازه أخرى. وقول ابن عمر في الجواب عن رجب: (فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! ) معناه: إذا كان صوم الأبد جائزًا، فكيف لا يكون صوم رجب كلَّه جائزًا. وهذا تكذيب لمن نقل عنه، وإبطال لقول من يقول بذلك. وقد تقدَّم في كتاب الصوم الاختلاف في صوم الأبد. و(قوله: وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان) يعني:

стр. 3047

فَخَبَّرتُهَا فَقَالَت: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخرَجَت إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسرَوَانِيَّةٍ، لَهَا لِبنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرجَيهَا مَكفُوفَينِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَت: هَذِهِ كَانَت عِندَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَت، فَلَمَّا قُبِضَت قَبَضتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلبَسُهَا، فَنَحنُ نَغسِلُهَا لِلمَرضَى يُستَشفَى بِهَا. رواه مسلم (٢٠٦٩) (١٠)، وأبو داود (٤٠٥٤). ــ إنه كان يستعمل ميثرة الأرجوان، فكيف يحرمها؟ ! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهي عنها: بأنها من أرجوان. والأرجوان - بفتح الهمزة - ذكرها الجوهري. وقول أسماء: (هذه جبة رسول الله ﷺ ) تحتجُّ بذلك على جواز العلم من الحرير، فإنَّ الجبَّة كان فيها لبنة من حرير، وكانت مكفوفة بالحرير. ووجه الاحتجاج بذلك: أنه إذا كان القليل من الحرير المصمت المخيط في الثوب جائزًا، كان العلم بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك الحرير وضع في الجبة بعد موت رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه لو كان كذلك لما احتجت به أسماء، ولكان الواضع معروفًا عندهم، فإنَّ الاعتناء بتلك الجبَّة كان شديدًا، وتحفظهم بها كان عظيمًا؛ لأنَّها من آثار رسول الله ﷺ المتداولة عندهم للتذكر، والتبرك، والاستشفاء، فيبعد ذلك الاحتمال، بل يبطل بدليل قولها: (هذه كانت عند عائشة ﵂، إلى آخر الكلام. فتأمَّله، فإنَّه يدلّ على ذلك دلالة واضحة. وقولها: (طيالسة) أي: غليظة. كأنَّها من طيلسان، وهو: الكساء الغليظ. وقولها: (خسروانية) بالخاء المنقوطة من فوقها، هي رواية ابن ماهان. وبالكاف، رواية غيره. وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجمي، كما قالوا: كسروانية فنسبوها إلى كسرى. والله تعالى أعلم. ووقع في بعض الروايات: (وفرجيها مكفوفين) (١) منصوبين على إضمار فعل؛ أي: ورأيت فرجيها مكفوفين، وعند

стр. 3048

[١٩٧٧] وعَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَي عُمَرُ وَنَحنُ بِأَذرَبِيجَانَ: يَا عُتبَةُ بنَ فَرقَدٍ، إِنَّهُ لَيسَ مِن كَدِّكَ وَلَا مِن كَدِّ أَبِيكَ وَلَا كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشبِع المُسلِمِينَ فِي رِحَالِهِم مِمَّا تَشبَعُ مِنهُ فِي رَحلِكَ، وَإِيَّاك وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهلِ ــ الخشني، وغيره: (وفرجاها مكفوفان) مرفوعًا على الابتداء والخبر، والواو حالية. و(أُكَيدر دُومة) هو ملك أيلة. أهدى للنبي ﷺ في حال شركه، ثم أسلم بعد ذلك. وأُكيدر: تصغير أكدر، وهو في الأصل: سواد يضرب إلى الغبرة. و (دومة) رواه المحدثون بفتح الدال وضمها. وحكاه ابن دريد بالفتح، قال: والمحدثون يقولونه بالضم، وهو خطأ. وفيه دليل على جواز قبول هدايا المشركين. وقد تقدَّم في الجهاد. و(قوله: إنَّه ليس من كدِّك، ولا كدِّ أبيك) يعني به: مال المسلمين، وهو ضمير يفسره الحال. والكدُّ: السعي والتعب. و(قوله: فأشبع المسلمين مما تشبع منه) أي: لا تستأثر عليهم بشيء، ولا تختص به دونهم؛ أي: أمره أن يسوي بين نفسه وبين الناس فيما يأخذه من مال المسلمين، ثمَّ نهاه وحذره عن التنعُّم، وهو الترفه، والتوسُّع، وعن زي أهل الشرك؛ يعني بهم: المجوس؛ إذ لا يعني به: مشركي العرب، فإنَّ زي العرب كلُّه واحد؛ مشركهم ومسلمهم. والزي: ما يتزيى الإنسان به؛ أي: يتزين. وذلك يرجع إلى الهيئات، وكيفية اللباس، كما قال: (خالفوا المشركين، فإنَّهم لا يفرقون)، وفي آخر: (فإنهم لا يصبغون) (١)، وفي آخر: (خالفوا المجوس: جزوا الشوارب، وأوفوا اللحى) (٢). ومن هنا كره مالك ﵀ ما خالف زي

стр. 3049

الشِّركِ وَلَبُوسَ الحَرِيرَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن لَبُوسِ الحَرِيرِ، قَالَ: إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصبَعَيهِ، ورفع زهير السَّبَّابَةَ والوُسطَى وَضَمَّهُمَا. وفي رواية: وَقَالَ أَبُو عُثمَانَ: وقال بِإِصبَعَيهِ اللَّتَينِ تَلِيَانِ الإِبهَامَ، فَرُئِيتُها أَزرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيتُ الطَّيَالِسَةَ. ــ العرب جملة واحدة. و(لبوس الحرير): لباسه. يقال: لبس الثوب لباسًا، ولبوسًا. وقد روى غير مسلم حديث أبي عثمان هذا، وقال فيه: أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد، قال فيه: أما بعد: فائتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، واتقوا الخضاب (١)، والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنَّها حمام العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخشوشبوا، واخلولقوا، واقطعوا الرَّكب، وانزوا، وارموا على الأغراض (٢). و(قوله: فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا) وضم أصبعيه: السبابة والوسطى؛ يعني: الأعلام. و(قوله: فرُئِيتها أزرار الطيالسة) الأزرار: جمع زر، وهو: ما يزرر به الثوب بعضه على بعض. ومنه: زررت علي قميصي. ويعني به: أطراف الطيالسة. وهي: جمع طيلسان، وهو الكساء، أو الثوب الذي له علم، وكأنَّها كانت لها أعلام من حرير.

стр. 3050

وفي أخرى: قال أبو عثمان: فما عتمنا: أنه يعني الأعلام. رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٧) (١٢ و ١٣ و (١٤). [١٩٧٨] وعَن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَن لُبسِ الحَرِيرِ، إِلَّا مَوضِعَ إِصبَعَينِ، أَو ثَلَاثٍ، أَو أَربَعٍ. رواه مسلم (٢٠٦٧) (١٥). * * * ــ وقوله: فما عتَّمنا: أنه يعني به: الأعلام؛ كذا رواية الصدفي، والأسدي. ومعنى ذلك: أنا لم نتردد، ولم نبطئ. ورواه الطبري، وغيره: فما علمنا إلا أنه يريد الأعلام. وهو واضح. وكذا رواه قاسم بن أصبغ. وأما حديث سويد بن غفلة الذي قال فيه: إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. فذكر الدارقطني: أنَّه لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة. قال: وهو مدلس. وقد رواه جماعة من الأئمة الحفاظ موقوفًا على عمر قوله. وقد تقدَّم في أول الباب ذكر الخلاف في العلم ومقداره. * * *
следующие страницы →