(٢) باب ما يرخص فيه من الحرير
[١٩٧٦] عَن عَبدِ اللَّهِ، مَولَى أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ، قَالَ: أَرسَلَتنِي أَسمَاءُ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ فَقَالَت: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَرِّمُ أَشيَاءَ ثَلَاثَةً: العَلَمَ فِي الثَّوبِ، وَمِيثَرَةَ الأُرجُوَانِ، وَصَومَ رَجَبٍ كُلِّهِ! فَقَالَ لِي عَبدُ اللَّهِ: أَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن رَجَبٍ، فَكَيفَ بِمَن يَصُومُ الأَبَدَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرتَ مِن العَلَمِ فِي الثَّوبِ، فَإِنِّي سَمِعتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا يَلبَسُ الحَرِيرَ مَن لَا خَلَاقَ لَهُ. فَخِفتُ أَن يَكُونَ العَلَمُ مِنهُ، وَأَمَّا مِيثَرَةُ الأُرجُوَانِ، فَهَذِهِ مِيثَرَةُ عَبدِ اللَّهِ، فَإِذَا هِيَ أُرجُوَانٌ. فَرَجَعتُ إِلَى أَسمَاءَ
ــ
(٢) ومن باب: ما رخص فيه من الحرير
مَنعُ عبد الله العلم الحرير في الثوب؛ إنما كان لأنَّه تمسك بعموم النهي عن لبس الحرير، وكأنَّه لم يبلغه حديث عمر ﵁؛ الذي رواه عنه سويد بن غفلة الآتي في آخر الباب. والصواب: إعمال ذلك المخصص في النهي العام. ولأجل هذا المخصص قال ابن حبيب: إنه يرخص في لبس العلم والصلاة فيه وإن عظم.
قلت: ويعني بقوله: وإن عظم: إذا بلغ أربع أصابع؛ الذي هو غاية الرخصة المذكورة في الحديث. وروي عن مالك اختلاف في قدر الإصبع من الحرير يكون في الثوب، فنهى عنه مرة، وأجازه أخرى.
وقول ابن عمر في الجواب عن رجب: (فكيف بمن يصوم الأبد؟ ! ) معناه: إذا كان صوم الأبد جائزًا، فكيف لا يكون صوم رجب كلَّه جائزًا. وهذا تكذيب لمن نقل عنه، وإبطال لقول من يقول بذلك. وقد تقدَّم في كتاب الصوم الاختلاف في صوم الأبد.
و(قوله: وأما ميثرة الأرجوان فهذه ميثرة عبد الله، فإذا هي أرجوان) يعني:
стр. 3047
فَخَبَّرتُهَا فَقَالَت: هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخرَجَت إِلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسرَوَانِيَّةٍ، لَهَا لِبنَةُ دِيبَاجٍ، وَفَرجَيهَا مَكفُوفَينِ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَت: هَذِهِ كَانَت عِندَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَت، فَلَمَّا قُبِضَت قَبَضتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلبَسُهَا، فَنَحنُ نَغسِلُهَا لِلمَرضَى يُستَشفَى بِهَا.
رواه مسلم (٢٠٦٩)(١٠)، وأبو داود (٤٠٥٤).
ــ
إنه كان يستعمل ميثرة الأرجوان، فكيف يحرمها؟ ! وهذا يبطل قول من فسَّر الميثرة المنهي عنها: بأنها من أرجوان. والأرجوان - بفتح الهمزة - ذكرها الجوهري.
وقول أسماء: (هذه جبة رسول الله ﷺ ) تحتجُّ بذلك على جواز العلم من الحرير، فإنَّ الجبَّة كان فيها لبنة من حرير، وكانت مكفوفة بالحرير. ووجه الاحتجاج بذلك: أنه إذا كان القليل من الحرير المصمت المخيط في الثوب جائزًا، كان العلم بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك الحرير وضع في الجبة بعد موت رسول الله ﷺ ؛ لأنَّه لو كان كذلك لما احتجت به أسماء، ولكان الواضع معروفًا عندهم، فإنَّ الاعتناء بتلك الجبَّة كان شديدًا، وتحفظهم بها كان عظيمًا؛ لأنَّها من آثار رسول الله ﷺ المتداولة عندهم للتذكر، والتبرك، والاستشفاء، فيبعد ذلك الاحتمال، بل يبطل بدليل قولها: (هذه كانت عند عائشة ﵂، إلى آخر الكلام. فتأمَّله، فإنَّه يدلّ على ذلك دلالة واضحة.
وقولها: (طيالسة) أي: غليظة. كأنَّها من طيلسان، وهو: الكساء الغليظ.
وقولها: (خسروانية) بالخاء المنقوطة من فوقها، هي رواية ابن ماهان. وبالكاف، رواية غيره. وهي في الحالتين منسوبة إلى اسم أعجمي، كما قالوا: كسروانية فنسبوها إلى كسرى. والله تعالى أعلم. ووقع في بعض الروايات: (وفرجيها مكفوفين) (١) منصوبين على إضمار فعل؛ أي: ورأيت فرجيها مكفوفين، وعند
стр. 3048
[١٩٧٧] وعَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: كَتَبَ إِلَي عُمَرُ وَنَحنُ بِأَذرَبِيجَانَ: يَا عُتبَةُ بنَ فَرقَدٍ، إِنَّهُ لَيسَ مِن كَدِّكَ وَلَا مِن كَدِّ أَبِيكَ وَلَا كَدِّ أُمِّكَ، فَأَشبِع المُسلِمِينَ فِي رِحَالِهِم مِمَّا تَشبَعُ مِنهُ فِي رَحلِكَ، وَإِيَّاك وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهلِ
ــ
الخشني، وغيره: (وفرجاها مكفوفان) مرفوعًا على الابتداء والخبر، والواو حالية.
و(أُكَيدر دُومة) هو ملك أيلة. أهدى للنبي ﷺ في حال شركه، ثم أسلم بعد ذلك. وأُكيدر: تصغير أكدر، وهو في الأصل: سواد يضرب إلى الغبرة. و (دومة) رواه المحدثون بفتح الدال وضمها. وحكاه ابن دريد بالفتح، قال: والمحدثون يقولونه بالضم، وهو خطأ. وفيه دليل على جواز قبول هدايا المشركين. وقد تقدَّم في الجهاد.
و(قوله: إنَّه ليس من كدِّك، ولا كدِّ أبيك) يعني به: مال المسلمين، وهو ضمير يفسره الحال. والكدُّ: السعي والتعب.
و(قوله: فأشبع المسلمين مما تشبع منه) أي: لا تستأثر عليهم بشيء، ولا تختص به دونهم؛ أي: أمره أن يسوي بين نفسه وبين الناس فيما يأخذه من مال المسلمين، ثمَّ نهاه وحذره عن التنعُّم، وهو الترفه، والتوسُّع، وعن زي أهل الشرك؛ يعني بهم: المجوس؛ إذ لا يعني به: مشركي العرب، فإنَّ زي العرب كلُّه واحد؛ مشركهم ومسلمهم. والزي: ما يتزيى الإنسان به؛ أي: يتزين. وذلك يرجع إلى الهيئات، وكيفية اللباس، كما قال: (خالفوا المشركين، فإنَّهم لا يفرقون)، وفي آخر: (فإنهم لا يصبغون) (١)، وفي آخر: (خالفوا المجوس: جزوا الشوارب، وأوفوا اللحى) (٢). ومن هنا كره مالك ﵀ ما خالف زي
стр. 3049
الشِّركِ وَلَبُوسَ الحَرِيرَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن لَبُوسِ الحَرِيرِ، قَالَ: إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِصبَعَيهِ، ورفع زهير السَّبَّابَةَ والوُسطَى وَضَمَّهُمَا.
وفي رواية: وَقَالَ أَبُو عُثمَانَ: وقال بِإِصبَعَيهِ اللَّتَينِ تَلِيَانِ الإِبهَامَ، فَرُئِيتُها أَزرَارَ الطَّيَالِسَةِ حِينَ رَأَيتُ الطَّيَالِسَةَ.
ــ
العرب جملة واحدة.
و(لبوس الحرير): لباسه. يقال: لبس الثوب لباسًا، ولبوسًا.
وقد روى غير مسلم حديث أبي عثمان هذا، وقال فيه: أتانا كتاب عمر ونحن بأذربيجان مع عتبة بن فرقد، قال فيه: أما بعد: فائتزروا، وارتدوا، وانتعلوا، واتقوا الخضاب (١)، والسراويلات، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل، وإياكم والتنعم، وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنَّها حمام العرب، وتمعددوا، واخشوشنوا، واخشوشبوا، واخلولقوا، واقطعوا الرَّكب، وانزوا، وارموا على الأغراض (٢).
و(قوله: فإنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا) وضم أصبعيه: السبابة والوسطى؛ يعني: الأعلام.
و(قوله: فرُئِيتها أزرار الطيالسة) الأزرار: جمع زر، وهو: ما يزرر به الثوب بعضه على بعض. ومنه: زررت علي قميصي. ويعني به: أطراف الطيالسة. وهي: جمع طيلسان، وهو الكساء، أو الثوب الذي له علم، وكأنَّها كانت لها أعلام من حرير.
стр. 3050
وفي أخرى: قال أبو عثمان: فما عتمنا: أنه يعني الأعلام.
رواه البخاري (٥٨٢٩)، ومسلم (٢٠٦٧) (١٢ و ١٣ و (١٤).
[١٩٧٨] وعَن سُوَيدِ بنِ غَفَلَةَ: أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَن لُبسِ الحَرِيرِ، إِلَّا مَوضِعَ إِصبَعَينِ، أَو ثَلَاثٍ، أَو أَربَعٍ.
رواه مسلم (٢٠٦٧)(١٥).
* * *
ــ
وقوله: فما عتَّمنا: أنه يعني به: الأعلام؛ كذا رواية الصدفي، والأسدي. ومعنى ذلك: أنا لم نتردد، ولم نبطئ. ورواه الطبري، وغيره: فما علمنا إلا أنه يريد الأعلام. وهو واضح. وكذا رواه قاسم بن أصبغ. وأما حديث سويد بن غفلة الذي قال فيه: إلا موضع أصبعين، أو ثلاث، أو أربع. فذكر الدارقطني: أنَّه لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة. قال: وهو مدلس. وقد رواه جماعة من الأئمة الحفاظ موقوفًا على عمر قوله. وقد تقدَّم في أول الباب ذكر الخلاف في العلم ومقداره.
* * *
стр. 3051
(٣) باب من لبس ثوب حرير غلطا أو سهوا نزعه أول أوقات إمكانه
[١٩٧٩] عن جَابِر بن عَبدِ اللَّهِ قال: لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ يَومًا قَبَاءً مِن دِيبَاجٍ أُهدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوشَكَ أَن نَزَعَهُ، فَأَرسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَقِيلَ: أَوشَكَ مَا نَزَعتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: نَهَانِي عَنهُ جِبرِيلُ. فَجَاءَهُ عُمَرُ يَبكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَرِهتَ أَمرًا وَأَعطَيتَنِيهِ، فَمَا لِي؟ فقَالَ: إِنِّي لَم أُعطِكَهُ لِتَلبَسَهُ، إِنَّمَا أَعطَيتُكَهُ تَبِيعُهُ. فَبَاعَهُ بِأَلفَي دِرهَمٍ.
رواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢٠٧٠)، والنسائي (٨/ ٣٠٠).
ــ
(٣) ومن باب من لبس ثوب حرير غلطًا أو سهوًا نزعه أوَّل أوقات إمكانه
قول جابر ﵁: (لبس رسول الله ﷺ قباء من ديباج) كان هذا اللباس منه ﷺ قبل أن يُحرَّم الحرير، ثم لما لبسه أُعلم بالتحريم، فخلعه مسرعًا، وقد دلَّ على هذا قوله: (نهاني عنه جبريل)، و (أوشك) معناه: أسرع.
و(قوله: أوشك ما نزعته) كذا وقع في بعض روايات مسلم: أوشك. وعند بعضهم: قد أوشك. وهو كلام غير مستقيم. وصوابه - والله أعلم -: ما أوشك ما نزعته! على جهة التعجب، فسقطت (ما) عند بعضهم، وتصحفت بـ (قد) عند آخرين. ودلالة هذا الحديث على مقتضى الترجمة واضحة.
و(القباء) و (الفروج) كلاهما ثوب ضيق الكمَّين، ضيق الوسط، مشقوق من خلفه، يتشمر فيه للحرب، والأسفار.
стр. 3052
[١٩٨٠] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزعًا شَدِيدًا كَالكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَنبَغِي هَذَا لِلمُتَّقِينَ.
رواه أحمد (٤/ ١٤٣)، والبخاريُّ (٣٧٥)، ومسلم (٢٠٧٥)، والنسائي (٢/ ٧٢).
* * *
(٤) باب الرخصة في لبس الحرير للعلة
[١٩٨١] عن أَنَس بن مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ
ــ
و(قوله: لا ينبغي هذا للمتقين) أي: للمؤمنين، فإنَّهم هم الذين خافوا الله تعالى واتَّقوه بإيمانهم وطاعتهم له.
و(الفروج): قيد بفتح الفاء وضمها، والضم المعروف، وأما الراء: فمضمومة على كل حال مشدَّدة، وقد تخفف، والله تعالى أعلم.
و(أوشك): أسرع. وقارب. وقد وقع هنا بلفظ الماضي، وقد أنكر الأصمعي أن يقال من هذه اللفظة غير المستقبل خاصَّة، كقولك: يوشك - بكسر الشين - وقد قال الخليل: إنها تقال. وهذا الحديث يصحح قول الخليل.
(٤) ومن باب: الرُّخصة في لبس الحرير للعلة
ترخيص النبي ﷺ لعبد الرحمن، والزبير في لباس الحرير للحكة، أو للقمل، يدلُّ على جواز ذلك للضرورة. وبه قال جماعة من أهل العلم، وبعض أصحاب مالك، وأما مالك: فمنعه في الوجهين. والحديث واضح الحجَّة عليه، إلا أن يدّعي الخصوصية بهما، ولا يصح. أو لعل الحديث لم يبلغه.
стр. 3053
بنِ عَوفٍ، وَالزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ فِي قُمُصِ الحَرِيرِ فِي السَّفَرِ، مِن حِكَّةٍ كَانَت بِهِمَا، أَو وَجَعٍ كَانَ بِهِمَا.
وفي رواية: لحكة (من غير شك).
وفي رواية: أَنَّ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ، وَالزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ شَكَوَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ القَملَ، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الحَرِيرِ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا.
رواه أحمد (٣/ ٢٧٣)، والبخاريُّ (٥٨٣٩)، ومسلم (٢٠٧٦) (٢٤ و ٢٥ و ٢٦)، وأبو داود (٤٠٥٦)، والترمذي (١٧٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٠٢).
* * *
(٥) باب النهي عن لبس القسي والمعصفر
[١٩٨٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ مِن ثِيَابِ الكُفَّارِ، فَلَا تَلبَسهَما.
وفي رواية: رَأَى عَلَيَّ ثَوبَينِ مُعَصفَرَينِ فَقَالَ: أَأُمُّكَ أَمَرَتكَ بِهَذَا؟
ــ
(٥) ومن باب النهي عن لبس القسي والمعصفر
قوله: (رأى علي رسول الله ﷺ ثوبين معصفرين) المعصفر: المصبوغ بالعصفر. وهو صبغ أحمر.
وقوله ﷺ : (إن هذين من ثياب الكفار، فلا تلبسهما) يدلّ: على أن علة النهي عن لباسهما التشبُّه بالكفار.
وقوله في الرواية الأخرى: (أأمك أمرتك بهذا؟ ) يشعر بأنَّه إنما كرهها
стр. 3054
قُلتُ: أَغسِلُهُمَا؟ قَالَ: بَل أَحرِقهُمَا.
رواه مسلم (٢٧ و ٢٨)، وأبو داود (٤٠٦٦ و ٤٠٦٧ و ٤٠٦٨)، والنسائيُّ (٨/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
ــ
لأنَّها من لباس النساء. وظاهرهما: أنهما علّتان في المنع. ويحتمل أن تكون العلّة مجموعهما.
وقد اختلف العلماء في جواز لبس المعصفر. فروي كراهته عن ابن عمر. وأجازه جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وهو قول مالك، والشافعي. وكره ما اشتدَّت حمرته: عطاء وطاووس، وأباحا ما خف منها، وفرَّق بعضهم بين أن يمتهن، فيجوز أو يلبس، فيكره. وهو قول ابن عباس، والطبري. وكره بعض أهل العلم جميع ألوان الحمرة. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه لبس حلَّة حمراء، وقد لبس النبي ﷺ ما صبغ بالصفرة على ما جاء عن ابن عمر، فلا وجه لكراهة الحمرة مطلقًا، وإنَّما المكروه المعصفر للرجال، والمزعفر؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك للرجال، وكره المعصفر بعض أهل العلم مطلقًا، وأجازه مالك تمسُّكًا بحديث ابن عمر المتقدِّم. وقد حمل بعضهم النهي على المحرم.
قلت: وهذا فيه بُعدٌ؛ لأنَّ النساء والرجال ممنوعون من التطيّب في الإحرام، فلا معنى لتخصيصه بالرجال، وإنما علَّة الكراهة في ذلك: أنه صبغ النساء، وطيب النساء، وقد قال ﷺ : (طيب الرجال: ما ظهر ريحه، وخفي لونه. وطيب النساء: ما ظهر لونه، وخفي ريحه (١)، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ : (بل أحرقهما) مبالغة في الرَّدع، والزَّجر، ومن باب جواز العقوبة في الأموال، ولم يسمع بأحد قال بذلك. والله تعالى أعلم. وقد تقدم الكلام في باقي الحديث.
стр. 3055
[١٩٨٣] وعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن لُبسِ القَسِّيِّ وَالمُعَصفَرِ، وَعَن تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَن قِرَاءَةِ القُرآنِ فِي الرُّكُوعِ.
وفي رواية: والسجود.
وزاد في رواية: وَعَن جُلُوسٍ عَلَى المَيَاثِرِ.
فأَمَّا القَسِّيِّ: فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤتَى بِهَا مِن مِصرَ وَالشَّامِ، فِيهَا شِبهُ كَذَا، وَالمَيَاثِرُ: فَشَيءٌ كَانَت تَجعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحلِ كَالقَطَائِفِ الأُرجُوَانِ.
رواه أحمد (١/ ١٢٦)، ومسلم (٢٠٧٨) (٢٩ و ٣١ و ٦٤)، وأبو داود (٤٠٤٤)، والترمذي (١٧٢٥).
* * *
(٦) باب لباس الحبرة والإزار الغليظ والمرط المرحل
[١٩٨٤] عن قَتَادَةُ قَالَ: قُلنَا لِأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَيُّ اللِّبَاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَو أَعجَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: الحِبَرَةُ.
رواه أحمد (٣/ ١٣٤)، والبخاري (٥٨١٣)، ومسلم (٢٠٧٩)(٣٢)، وأبو داود (٤٠٦٠)، والترمذيُّ (١٧٨٧)، والنسائي (٨/ ٢٠٣).
ــ
(٦ و ٧) ومن باب لباس الحبرة (١)
وهي ثياب مخططة، يؤتى بها من اليمن. وسميت بالحبرة لأنها محبرة؛ أي:
стр. 3056
[١٩٨٥] وعَن أَبِي بُردَةَ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأَخرَجَت إِلَينَا إِزَارًا غَلِيظًا مِمَّا يُصنَعُ بِاليَمَنِ، وَكِسَاءً مِن الَّتِي يُسَمُّونَهَا المُلَبَّدَةَ. قَالَ: فَأَقسَمَت بِاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ فِي هَذَينِ الثَّوبَينِ.
رواه أحمد (٦/ ١٣١)، والبخاريُّ (٣١٠٨)، ومسلم (٢٠٨٠) (٣٤ و ٣٥)، والترمذيُّ (١٧٣٣)، وابن ماجه (٣٥٥١).
[١٩٨٦] وعنها قَالَت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ وَعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ مِن شَعَرٍ أَسوَدَ.
رواه أحمد (٦/ ١٦٢)، ومسلم (٢٠٨١)، وأبو داود (٤٠٣٢)، والترمذيُّ (٢٨١٤).
* * *
(٧) باب اتخاذ الوساد والفراش من أدم والأنماط ولم يجوز أن يتخذ من الفرش ؟
[١٩٨٧] عن عائشة قالت: كَانَ وِسَادَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذي يَتَّكِئُ عَلَيه مِن أَدَمٍ حَشوُه لِيفٌ.
رواه أحمد (٦/ ٧٣)، والبخاري (٦٤٥٦)، ومسلم (٢٠٨٢)(٣٧)، وأبو داود (٤١٤٦ - ٤١٤٧)، والترمذيُّ (١٧٦١)، وابن ماجه (٤١٥١).
* * *
ــ
مزينة. والتحبير: التزيين، والتحسين.
و(الملبَّد): الذي تراكب خمله حتى صار كاللبد.
و(المرط): واحد المروط، وهو كساء مربع من صوف، أو خز، أو كتان. قاله الخليل. قال ابن الأعرابي، وأبو زيد: هو الإزار. وقال الخطابي: هو
стр. 3057
[١٩٨٨] وعنها أنها قَالَت: إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيهِ أَدَمًا حَشوُهُ لِيفٌ.
رواه مسلم (٢٠٨٢)(٣٨).
[١٩٨٩] وعَن جَابِر بن عبد الله قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجتُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَّخَذتم أَنمَاطًا؟ قُلتُ: وَأَنَّى لَنَا أَنمَاطٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا سَتَكُونُ.
ــ
كساء يؤتزر به. و (مرحل) يروى بالحاء المهملة، وبالجيم، فبالحاء فيه صور الرحال، وبالجيم فيه صور الرجال. وقيل: صور المراجل، وهي القدور، ومنه قالوا: مرط مراجل - على الإضافة -.
و(الوساد): ما يتوسد عليه. أي: يُتكأ عليه، ويجعل تحت الرأس.
و(الضجاع): ما يضطجع عليه، وهو الفراش. وقول ابن عباس المتقدِّم: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها. معناه: أنهم وضعوا رؤوسهم على الوسادة على تلك الصفة، وعبر عن ذلك بالاضطجاع.
و(الأنماط) جمع نمط. قال الخليل: هو ظهارة الفراش. وقال ابن دريد: هو ما يستر به الهودج. وهو في حديث عائشة: ثوب سترت به سهوتها، وهو القرام أيضًا، كما جاء في حديث عائشة، وقد يكون من حرير، وغيره. وقد يسمَّى نمرقة في بعض طرق حديث عائشة. وقد عبَّر عنه بالستر في حديثها. وهذا كلُّه يدلّ على أنها أسماء لمسمَّى واحد. وسيأتي حديث عائشة بعد هذا، إن شاء الله تعالى.
وقول جابر: (أنَّى لنا أنماط؟ ) استبعاد لذلك. معناه: من أين يكون لنا أنماط؟ !
وقول رسول الله ﷺ : (أما إنها ستكون) دلالة من دلائل صدقه، فإنها إخبار عن غيب، وجدت كما أخبر عنه.
وقول جابر لامرأته: (نحِّي نمطك عنِّي) فإنما كان ذلك كراهة له؛ مخافة الترفه في الدنيا والميل إليها، لا لأنه حرير؛ إذ
стр. 3058
قَالَ جَابِرٌ: وَعِندَ امرَأَتِي نَمَطٌ، وأَنَا أَقُولُ: نَحِّيهِ عَنِّي، فتَقُولُ: قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا سَتَكُونُ.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٤)، والبخاري (٣٦٣١)، ومسلم (٢٠٨٣)، وأبو داود (٤١٤٥)، والترمذي (٢٧٧٤).
[١٩٩٠] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ، وَفِرَاشٌ لِامرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيفِ، وَالرَّابِعُ لِلشَّيطَانِ.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٣ و ٣٢٤)، ومسلم (٢٠٨٤) (٣٩ و ٤٠)، وأبو داود (٤١٤٢)، والنسائي (٦/ ١٣٥).
* * *
ــ
ليس في الحديث ما يدلّ عليه. واستدلالها عليه بقوله ﷺ : (أما إنها ستكون) هو استدلالٌ بتقرير النبي ﷺ على اتِّخاذ الأنماط؛ لأنَّه لما أخبر: بأنها ستكون، ولم ينه عن اتخاذها؛ دلَّ ذلك على جواز الاتخاذ.
وقوله ﷺ : (فراشٌ للرجل، وفراشٌ لامرأته، والثالث للضيف، والرابع للشيطان) دليل: على جواز اتخاذ الإنسان من الفرش والآلة ما يحتاج إليه، ويترفه به.
وهذا الحديث: إنما جاء مبينًا لعائشة ما يجوز للإنسان أن يتوسع فيه، ويترفه من الفرش؛ لأن الأفضل أن يكون له فراش يختص به، ولامرأته فراش، فقد كان ﷺ لم يكن له إلا فراش واحد في بيت عائشة، وكان فراشًا ينامان عليه في الليل، ويجلسان عليه بالنهار. وأما فراش الضيف: فيتعين للمضيف إعداده له؛ لأنَّه من باب إكرامه، والقيام بحقه، ولأنَّه لا يتأتى له شرعًا الاضطجاع ولا النوم مع المضيف وأهله على فراش واحد.
ومقصود هذا الحديث: أن الرجل إذا أراد أن يتوسع في الفرش؛ فغايته ثلاث، والرابع لا يحتاج إليه، فهو من باب السَّرف.
وفقه هذا الحديث: ترك الإكثار من الآلات والأمور المباحة، والترفه بها، وأن
стр. 3059
(٨) باب إثم من جر ثوبه خيلاء ومن تبختر وإلى أين يرفع الإزار
[١٩٩١] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنظُرُ اللَّهُ إِلَى مَن جَرَّ ثَوبَهُ خُيَلَاءَ.
وفي رواية: إِنَّ الَّذِي يَجُرُّ ثوبه مِن الخُيَلَاءِ، لَا يَنظُرُ اللَّهُ إِلَيهِ يَومَ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٦٩)، والبخاري (٥٧٨٣)، ومسلم (٢٠٨٥) (٤٢ و ٤٣)، والترمذيُّ (١٧٣٠)، والنسائي في الكبرى (٥٧٨٨)، وابن ماجه (٣٥٦٩).
ــ
يقتصر على حاجته. ونسبة الرَّابع للشيطان ذمٌّ له، لكن لا يدلّ على تحريم اتخاذه، وإنَّما هذا من باب قوله ﷺ : (إن الشيطان يستحل الطعام الذي لا يذكر اسم الله عليه، والبيت الذي لا يذكر الله فيه) (١) ولا يدلّ ذلك على التحريم لذلك الطعام، كما تقدَّم. والله تعالى أعلم.
(٨ و ٩) ومن باب إثم من جرَّ ثوبه خيلاء (٢)
قوله: (لا ينظر الله إلى من جرَّ ثوبه خيلاء) يعني: لا ينظر إليه نظر رحمة، وقد تقدَّم هذا في الإيمان. والخيلاء والمخيلة: التكبر. وقد تقدم أيضًا. والمشهور في (الخيلاء) بضم الخاء، وقد قيلت بكسرها.
و(الثوب) يعم الإزار، والرداء
стр. 3060
[١٩٩٢] وعن أبي هُرَيرَةَ، وَرَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَجَعَلَ يَضرِبُ بِرِجلِهِ الأَرضَ - وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى البَحرَينِ - وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الأَمِيرُ، جَاءَ الأَمِيرُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى مَن يَجُرُّ إِزَارَهُ بَطَرًا.
رواه مسلم (٢٠٨٧)(٤٨).
[١٩٩٣] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي قَد أَعجَبَتهُ جُمَّتُهُ وَبُردَاهُ، إِذ خُسِفت بِهِ الأَرضُ، فَهُوَ يَتَجَلجَلُ فِي الأَرضِ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ.
رواه البخاريُّ (٥٧٩٠)، ومسلم (٢٠٨٨)(٤٩).
[١٩٩٤] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَرتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي إِزَارِي استِرخَاءٌ فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ، ارفَع إِزَارَكَ. فَرَفَعتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِد.
ــ
والقميص، فلا يجوز جرّ شيء منها.
و(البطر) الأشر. وينجر معه الكبر، و (خيلاء) و (بطرًا) منصوب نصب المصدر الذي هو مفعول من أجله. وإعجاب الرجل بنفسه: هو ملاحظته لها بعين الكمال، والاستحسان مع نسيان منة الله تعالى، فإنَّ رفعها على الغير واحتقره، فهو الكبر المذموم.
و(البُردان): الرداء، والإزار، وهذا على طريقة تثنية العمرين، والقمرين. و (يتجلجل): يخسف به مع تحرك واضطراب، قاله الخليل وغيره.
ويفيد هذا الحديث: ترك الأمن من تعجيل المؤاخذة على الذنوب. وأن عجب المرء بنفسه، وثوبه، وهيئته، حرام وكبيرة.
وقوله ﷺ : (ارفع إزارك) يدل: على أن هذا لا يُقَرّ بل يُنكَر؛ وإن أمكن أن يكون من فاعله غلطًا وسهوًا.
وقوله له: (زد) حمل له على الأحسن والأولى. وهذا كما بينه في الحديث الآخر؛ إذ قال: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه،
стр. 3061
فَزِدتُ، فَمَا زِلتُ أَتَحَرَّاهَا بَعدُ، فَقَالَ بَعضُ القَومِ: إِلَى أَينَ؟ فَقَالَ: إلى أَنصَافِ السَّاقَينِ.
رواه مسلم (٢٠٨٦)(٤٧).
* * *
(٩) باب إرخاء طرفي العمامة بين الكتفين
[١٩٩٥] عن جَعفَرَ بنَ عَمرِو بنِ حُرَيثٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيهِ عِمَامَةٌ سَودَاءُ، قَد أَرخَى طَرَفَيهَا بَينَ كَتِفَيهِ.
وفي رواية: يخطب الناس.
رواه مسلم (١٣٥٩) (٤٥٢ و ٤٥٣)، وأبو داود (٤٠٧٧)، والنسائي (٨/ ٢١١)، وابن ماجه (٣٥٨٧).
* * *
ــ
لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعب، وما أسفل من ذلك ففي النار) (١).
و(قوله: فما زلت أتحراها) أي: أقصد الهيئة التي أمر بها النبي ﷺ وأحافظ عليها. ويعني بها: إزرته إلى نصف ساقيه، كما قال في بقية الحديث.
وفي لباسه ﷺ العمامة السوداء في حال الخطبة دليل للمسوِّدة، غير أنه ﷺ لم يكن ذلك منه دائمًا، ولا في كل لباسه، بل في العمامة خاصة، لكن إذا أمر الإمام بلباس ذلك وجب امتثاله. وإرخاؤه طرفي العمامة بين كتفيه دليل على استحسان ذلك، مع أنها عادة العرب، ويعني بالطرفين: الأعلى والأسفل. وفيه دليل على تحسين الهيئة في حال الخطب، ومجتمعات الناس.
стр. 3062
(١٠) باب النهي عن تختم الرجال بالذهب وطرحه إن لبس
[١٩٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَن خَاتَمِ الذَّهَبِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٦٨)، والبخاري (٥٨٦٤)، ومسلم (٢٠٨٩)(٥١)، والنسائي (٨/ ١٩٢).
[١٩٩٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَعمِدُ أَحَدُكُم إِلَى جَمرَةٍ مِن نَارٍ فَيَجعَلُهَا فِي يَدِهِ! .
ــ
(١٠ و ١١) ومن باب النهي عن تختم الرجال بالذهب (١)
اصطناع النبي ﷺ خاتم الذهب ولبسه إياه كان ذلك قبل التحريم، فهو من باب النسخ، كما يدل عليه مساق الحديث. وهو مجمع على تحريمه للرجال، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وخبَّاب، وهو خلاف شاذٌّ مردودٌ بالنصوص، وكل منهما لم يبلغه التحريم، والله تعالى أعلم.
و(قوله: وأجعل فصه من داخل) إنما ذكر النبي ﷺ ذلك تنبيهًا على جعل الفصّ من داخل، لأنه أبعد عن الزهو، وأصون للفص، ولنقشه من التغيّر، ويجوز أن يجعل فصَّه من ظاهر الكفِّ، وقد روي أن النبي ﷺ فعله.
وجعله للخاتم في اليد اليمنى يدلّ: على جوازه. وقد روي من حديث أنس أنَّه تختم في الخنصر من اليد اليسرى (٢). وكلٌّ جائز، إلا أن مالكًا رأى: أن التختم في الأيسر أولى؛ لأنَّ لباس الخاتم من الأفعال التي تتناول باليمين، فيجعله في الشمال باليمين؛ إذ
стр. 3063
فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذ خَاتِمَكَ انتَفِع بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَد طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
رواه مسلم (٢٠٩٠).
[١٩٩٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اصطَنَعَ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ، وكَانَ يَجعَلُ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ إِذَا لَبِسَهُ، فَصَنَعَ النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ فَنَزَعَهُ فَقَالَ: إِنِّي كُنتُ أَلبَسُ هَذَا الخَاتَمَ، وَأَجعَلُ فَصَّهُ مِن دَاخِلٍ. فَرَمَى بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَلبَسُهُ أَبَدًا. فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُم.
ــ
ليس (١) من الأفعال الخسيسة، بل يتناوله قوله ﷺ : (إذا لبستم وتوضأتم فابدؤوا بأيامنكم (٢)) (٣).
وقوله ﷺ للرجل الذي طرح الخاتم من يده: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده) يدلُّ على تغليظ التحريم، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب تغييره.
وقول الرجل لصاحبه: (خذ خاتمك انتفع به) يدل: على أنهم علموا أن المحرَّم إنما هو لباسه، لا اتخاذه، ولا الانتفاع به. وهذا لا يختلف فيه في الخاتم، فإنَّ لباسه للنساء جائز. وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة، فإنَّ اتخاذها غير جائز؛ لأنَّه لا يجوز استعمالها لأحد. وقد تقدم الخلاف في ذلك.
وقول الرجل: (لا والله! لا آخذه أبدًا) مبالغة في طاعة رسول الله ﷺ ، فيكون الرجل قد نوى أن يدفع لمن يستحقه من المساكين؛ لا أنه أضاعه، فإنَّه ﷺ قد نهى عن إضاعة المال.
стр. 3064
زاد في رواية: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ اليُمنَى.
رواه أحمد (٢/ ١٨)، والبخاريُّ (٥٨٦٥)، ومسلم (٢٠٩١)(٥٣)، وأبو داود (٤٢١٨)، والترمذيُّ (١٧٤١)، والنسائي (٨/ ١٧٨).
* * *
(١١) باب لبس الخاتم الورق وأين يجعل ؟
[١٩٩٩] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ، فَكَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ أَبِي بَكرٍ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُمَرَ، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثمَانَ، حَتَّى وَقَعَ فِي بِئرِ أَرِيسٍ، نَقشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٢)، ومسلم (٢٠٩١)(٥٤)، والنسائي (٨/ ١٩٢).
[٢٠٠٠] وعنه: اتَّخَذَ النَّبِيُّ ﷺ خَاتَمًا مِن ذَهَبٍ ثُمَّ أَلقَاهُ، ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
وَقَالَ: لَا يَنقُش أَحَدٌ عَلَى نَقشِ خَاتَمِي هَذَا. وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطنَ كَفِّهِ، وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِن مُعَيقِيبٍ فِي بِئرِ أَرِيسٍ.
رواه مسلم (٢٠٩١)(٥٥).
ــ
و(قوله: اتخذ رسول الله ﷺ خاتَمًا من ذهب، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتَمًا من ورق) الحامل له ﷺ على اتِّخاذ الخاتم السبب الذي ذكره أنس: من أنه لما أراد أن يكتب إلى كسرى، وقيصر، والنجاشي، وقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا؛ اتَّخذ الخاتم ليختم به. هذا هو المقصود الأوَّل فيه، ثمَّ إنه جعله في يده مستصحبًا له حفظًا وصيانة من أن يتوصل إليه غيره. ولذلك منع من أن ينقش أحد
стр. 3065
[٢٠٠١] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنِّي اتَّخَذتُ خَاتَمًا مِن فِضَّةٍ وَنَقَشتُ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا يَنقُش أَحَدٌ عَلَى نَقشِهِ.
رواه البخاريُّ (٥٨٧٦)، ومسلم (٢٠٩٢).
[٢٠٠٢] وعَن أَنَسٍ أن النبي ﷺ أَرَادَ أَن يَكتُبَ إِلَى كسرى وقيصر والنجاشي فقيل: إِنَّهُم لَا يَقبلون كِتَابًا إِلَاّ مَختُومًا؛ فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا حَلقَة فِضَّةً، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.
ــ
على نقشه، فإنَّه إذا نقش غيره مثله اختلطت الخواتم، وارتفعت الخصوصية، وحصلت المفسدة العامَّة. وقد بالغ أهل الشام، فمنعوا الخواتم لغير ذي سلطان.
وقد أجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال. قال الخطابي: وكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنَّه من زي الرجال، فإن لم يجدن ذهبًا فليصفرنه بزعفران، أو شبهه.
و(قوله: ونقش فيه: محمد رسول الله) دليل: على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه، إلا أن يكون اسمه محمدًا؛ فلا يجوز النقش عليه للنهي عن ذلك، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه، أو كلمة حكمة، أو كلمات من القرآن، ثم إذا نقش عليه اسم الله تعالى، وجعله في شماله؛ فهل يدخل به الخلاء، ويستنجي بشماله؟ خففه سعيد بن المسيب، ومالك، وبعض أصحابه، وروي عنه الكراهة، وهي الأولى.
وكون الخلفاء تداولوا خاتم النبي ﷺ : إنما كان ذلك تبركًا بآثار النبي ﷺ واقتداء به، واستصحابًا لحاله؛ حتى كأنَّه حي معهم، ولم يزل أمرهم مستقيمًا متفقًا عليه في المدَّة التي كان ذلك الخاتم فيهم، فلما فقد اختلف الناس على عثمان ﵁ وطرأ من الفتن ما هو معروف، ولا يزال الهَرج إلى يوم القيامة.
و(بئر أريس): بئر معروفة.
стр. 3066
زاد في أخرى: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاري (٥٨٧٢)، ومسلم (٢٠٩٢) (٥٦ و ٥٧)، وأبو داود (٤٢١٤)، والترمذيُّ (٢٧١٩)، والنسائي (٨/ ١٧٤)، وابن ماجه (٣٦٤١).
[٢٠٠٣] وعنه أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِن وَرِقٍ يَومًا وَاحِدًا، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اضطَرَبُوا الخَوَاتِيمَ مِن وَرِقٍ فَلَبِسُوهَا، فَطَرَحَ النَّبِي ﷺ خَاتَمَهُ فَطَرَحَ النَّاسُ خَوَاتِمَهُم.
رواه أحمد (٣/ ١٦٠)، والبخاريُّ (٥٨٦٨)، ومسلم (٢٠٩٣)(٥٩)، وأبو داود (٤٢٢١)، والنسائي (٨/ ١٩٥).
[٢٠٠٤] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِي، كَانَ يَجعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ.
رواه أحمد (٣/ ٢٠٩)، ومسلم (٢٠٩٤)(٦٢)، وأبو داود (٤٢١٦)، والترمذي (١٧٣٩)، والنسائي (٨/ ١٧٢)، وابن ماجه (٣٦٤١).
ــ
و(قوله: فيه فصُّ حبشي) يعني حجرًا حبشيًّا. وقد روي: أنَّه كان فصُّه منه. وخرَّجه البخاري. قال أبو عمر: وهو أصح. قال غيره: ليس بخلاف كان للنبي ﷺ خواتم، فصُّ أحدها حبشي، والآخر فصَّه منه. وقد روي: أنه تختم بفصِّ عقيق. وكل ذلك صحيح.
وقول أنس: (أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتَمًا من ورق يومًا واحدًا، ثم إن الناس اضطربوا الخواتم من ورق فلبسوها، فطرح النبي ﷺ خاتمه، فطرح الناس خواتمهم) هذا الحديث من رواية ابن شهاب عن أنس، وهو وَهمٌ من
стр. 3067
[٢٠٠٥] وعنه قَالَ: كَانَ خَاتِمُ النَّبِي ﷺ فِي هَذِهِ. وَأَشَارَ إِلَى الخِنصَرِ مِن يَدِهِ اليُسرَى.
رواه مسلم (٢٠٩٥)(٦٣).
[٢٠٠٦] وعن عَلِيّ قال: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن أَتَخَتَّمَ فِي هَذِهِ أَو هَذِهِ. قَالَ: فَأَومَأَ إِلَى الوُسطَى وَالَّتِي تَلِيهَا.
رواه مسلم (٢٠٧٨)(٦٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والترمذي (١٧٨٧)، والنسائيّ (٨/ ١٧٧).
* * *
ــ
ابن شهاب عند جميع أهل الحديث، وإنما اتفق ذلك للنبي ﷺ في خاتم الذهب، كما تقدَّم من حديث ابن عمر، قاله القاضي عياض (١).
و(قوله: كان خاتم رسول الله ﷺ في هذه) وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى؛ لا خلاف بين العلماء، ولا في الآثار: أن اتخاذ خاتم الرجال في االخنصر أولى؛ لأنَّه أحفظ له من المهنة، ولأنه لا يشغل اليد عما تتناوله من أشغالها، بخلاف غيرها من الأصابع.
و(البنصر): هي الأصبع التي بين الوسطى والخنصر، ويقال: خنصر - بفتح الصاد وكسرها -، وكذلك البنصر: وهي أصغر الأصابع.
стр. 3068
(١٢) باب في الانتعال وآدابه
[٢٠٠٧] عَن جَابِرٍ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيّ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَونَاهَا يَقُولُ: استَكثِرُوا مِنَ النِّعَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انتَعَلَ.
رواه مسلم (٢٠٩٦).
[٢٠٠٨] وعن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا انتَعَلَ أَحَدُكُم فَليَبدَأ بِاليُمنَى، وَإِذَا خَلَعَ فَليَبدَأ بِالشِّمَالِ، وَليُنعِلهُمَا جَمِيعًا، أَو لِيَخلَعهُمَا جَمِيعًا.
ــ
قلت: ولو تختم في البنصر لم يكن ممنوعًا، وإنما الذي نهي عنه في حديث علي ﵁ الوسطى والتي تليها من جهة الإبهام، وهي التي تُسمَّى: المسبِّحة، والسَّبابة.
(١٢) ومن باب الانتعال
قوله ﷺ : (استكثروا من النعال، فإنَّ الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل) هذا كلام بليغ، ولفظ فصيح، بحيث لا ينسج على منواله، ولا يؤتى بمثاله. وهو إرشاد إلى المصلحة، وتنبيه على ما يخفف المشقة، فإنَّ الحافي المديم للمشي يلقى من الآلام، والمشقات، بالعثار، والوجى (١)، ما يقطعه عن المشي، ويمنعه من الوصول إلى مقصوده بخلاف المنتعل؛ فإنَّه لا يحصل له ذلك فيدوم مشيه، فيصل إلى مقصوده كالرَّاكب، فلذلك شبهه بالرَّاكب حيث قال: (لا يزال راكبًا ما انتعل).
و(قوله: إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ بالشمال) هذا
стр. 3069
وفي رواية: قال ﵊: لَا يَمشِ أَحَدُكُم فِي نَعلٍ وَاحِدَةٍ، فليُنعِلهُمَا جَمِيعًا أَو لِيَخلَعهُمَا جَمِيعًا.
رواه أحمد (٢/ ٤٦٥)، والبخاري (٥٨٥٦)، ومسلم (٢٠٩٧) (٦٧ و ٦٨)، وأبو داود (٤١٣٩)، والترمذيُّ (١٧٧٩).
[٢٠٠٩] وعن أَبِي رَزِينٍ قَالَ: خَرَجَ إِلَينَا أَبُو هُرَيرَةَ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى جَبهَتِهِ وقَالَ: أَلَا إِنَّكُم تَحَدَّثُونَ أَنِّي أَكذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَهتَدُوا وَأَضِلَّ، أَلَا وَإِنِّي أَشهَدُ لَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا انقَطَعَ شِسعُ أَحَدِكُم، فَلَا يَمشِ فِي الأُخرَى حَتَّى يُصلِحَهَا.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٤)، ومسلم (٢٠٩٨)، والنسائي (٨/ ٢١٧)، وابن ماجه (٣٦١٧).
* * *
ــ
على ما تقدَّم من احترام اليمنى، فإنَّه إذا انتعل فيها أولًا فقد قدمها في الصيانة على اليسرى، وكذلك إذا خلعها أخيرا فقد بقى عليها كرامتها وصيانتها. وقد تقدَّم هذا مستوفًى.
و(قوله: لينعلهما جميعًا، أو ليخلعهما جميعًا) هذا خطاب لمن انقطع شسع أحد نعليه، فنهاه عن أن يمشي في نعل واحدة؛ لأنَّ ذلك من باب التشويه، والمثلة، ولأنه مخالف لزي أهل الوقار، وقد يخل بالمشي. وهذا كما جاء في الحديث المفسر بعد هذا. ويجيء حديث أبي هريرة الذي قال فيه: (إذا انقطع شسع أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحها) وقد اختلف علماؤنا في ذلك. فقال مالك بظاهر هذا الحديث: إن من انقطع نعله لم يمش في الأخرى، ولا يقف فيها، وإن كان في أرضٍ حارَّة ليُحفها، ولا بدَّ حتى يصلح الأخرى إلا في الوقوف الخفيف والمشي اليسير. وقد رخص بعض السلف في المشي في نعل واحدة. وهو
стр. 3070
(١٣) باب النهي عن اشتمال الصماء والاحتباء في ثوب واحد وفي وضع إحدى الرجلين على الأخرى مستلقيا
[٢٠١٠] عَن جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَن يَأكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَو يَمشِيَ فِي نَعلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَن يَشتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَن يَحتَبِيَ فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَن فَرجِهِ.
ــ
قولٌ مردودٌ بالنُّصوص المذكورة، ولا خلاف: في أن أوامر هذا الباب ونواهيه: إنما هي من الآداب المكملة، وليس شيء منها على الوجوب ولا الحظر عند معتبر بقوله من العلماء، والله تعالى أعلم.
(١٣) ومن باب النَّهي عن اشتمال الصَّماء
قول جابر: (نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصَّمَّاء) الاشتمال: الالتفاف. وقد يُسمى التحافًا، كما قد جاء في الرواية الأخرى: (لا يلتحف) واختلف اللغويون والفقهاء في تفسير اشتمال الصَّمَّاء. فقال الأصمعي: هو أن يشتمل بالثوب؛ حتى يُجلِّل جميع جسده، ولا يرفع منه جانبًا.
قال القتبي: إنما قيل لها: الصماء؛ لأنَّه إذا اشتمل بها انسدَّت على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق، ولا صدع. وقاله أبو عبيد. وأما تفسير الفقهاء: فهو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على أحد منكبيه، وعلى هذا: فيكون إنما نهى عنه؛ لأنَّه يؤدي إلى كشف العورة. وعلى تفسير أهل اللغة: إنما هي مخافة أن يعرض له شيء يحتاج إلى رده بيديه، فلا يجد إلى ذلك سبيلًا.
و(قوله: وأن يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه) كانت عادة العرب أن يحتبي الرجل بردائه فيشدَّه على ظهره، وعلى ركبتيه، كان عليه إزار، أو لم يكن،
стр. 3071
وفي رواية: وَلَا يَمشي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، بدل نعل واحدة.
ونهى: أَن يَرفَعَ الرَّجُلُ إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى وَهُوَ مُستَلقٍ عَلَى ظَهرِهِ.
وفي أخرى: لَا يَستَلقِيَنَّ أَحَدُكُم، ثُمَّ يَضَعُ إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى.
رواه أحمد (٣/ ٣٤٩)، ومسلم (٢٠٩٩) (٧٠ - ٧٤)، وأبو داود (٤٨٦٥)، والترمذي (٢٧٦٧)، والنسائي (٨/ ٢١٠).
[٢٠١١] وعن عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عَن عَمِّهِ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُستَلقِيًا فِي المَسجِدِ، وَاضِعًا إِحدَى رِجلَيهِ عَلَى الأُخرَى.
رواه أحمد (٤/ ٣٨)، والبخاريُّ (٤٧٥)، ومسلم (٢١٠٠)(٧٥)، وأبو داود (٤٨٦٦)، والترمذيُّ (٢٧٦٥)، والنسائي (٢/ ٥٠).
* * *
ــ
فإن لم يكن انكشف فرجه مما يلي السماء لمن كان متطلعًا عليه؛ متتبعًا، وقد تقدَّم في كتاب الصلاة.
و(قوله: ونهى أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى مستلقيًا) قد قال بكراهة هذه الحالة مطلقًا فقهاء أهل الشام، وكأنَّهم لم يبلغهم فعل النبي ﷺ لهذه الحالة، أو تأولوها. والأولى: الجمع بين الحديثين؛ فيحمل النهي على ما إذا لم يكن على عورته شيء يسترها. ويحمل فعل النبي ﷺ لها على أنه كان مستور العورة، ولا شك أنها استلقاء استراحة إذا كان مستور العورة (١)، وقد أجازها مالك وغيره لذلك.
стр. 3072
(١٤) باب ما جاء في صبغ الشعر والنهي عن تسويده والتزعفر
[٢٠١٢] عَن جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ وَرَأسُهُ وَلِحيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غَيِّرُوا هَذَا الشيب (١)، وَاجتَنِبُوا السَّوَادَ.
ــ
(١٤) ومن باب صبغ الشعر والنهي عن تسويده
قوله: (أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة) أبو قحافة: هو والد أبي بكر الصديق، واسمه: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن تيم، أسلم يوم فتح مكة، وله صحبة، ومات في المحرَّم سنة أربع عشرة من الهجرة، وهو ابن سبع وتسعين سنة بعد وفاة ابنه أبي بكر بأشهر.
و(الثغامة): نبت أبيض الزهر والثمر، شبَّه بياض الشيب به. قاله أبو عبيد. وقال ابن الأعرابي: هو شجرة تبيض كأنَّها الثلجة.
وقوله ﷺ : (غيِّروا هذا الشيب) أمر بتغيير الشيب. قال به جماعة من الخلفاء، والصحابة، لكن لم يصر أحدٌ إلى أنه على الوجوب، وإنما هو مستحب. وقد رأى بعضهم: أن ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره؛ متمسكين في ذلك بنهي النبي ﷺ عن تغيير الشيب على ما ذكروه، وبأنه ﷺ لم يغير شيبه، ولا اختضب.
قلت: وهذا القول ليس بشيء. أما الحديث الذي ذكروه: فليس بمعروف، ولو كان معروفًا فلا يبلغ في الصحَّة إلى هذا الحديث. وأما قولهم: إن النبي ﷺ لم يخضب فليس بصحيح، بل قد صحَّ عنه أنه خضب بالحناء وبالصفرة على ما مضى. ويأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: واجتنبوا السواد) أمر باجتناب السواد، وكرهه جماعة منهم
стр. 3073
رواه أحمد (٣/ ٣١٦)، ومسلم (٢١٠٢)(٧٩)، وأبو داود (٤٢٠٤)، وابن ماجه (٣٦٢٤).
[٢٠١٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: إِنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصبُغُونَ فَخَالِفُوهُم.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٠)، والبخاريُّ (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣)، وأبو داود (٤٢٠٣)، والترمذيُّ (١٧٥٢)، والنسائي (٨/ ١٣٧).
ــ
علي بن أبي طالب، ومالك.
قلت: وهو الظاهر من هذا الحديث. وقد عُلِّل ذلك: بأنه من باب التدليس على النساء، وبأنه سوادٌ في الوجه فيكره؛ لأنه تشبه بسيما أهل النار.
وقد روى أبو داود: أنه ﷺ قال: (يكون في آخر الزمان قوم يصبغون بالسواد، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها) (١) غير أنه لم يسمع أن أحدًا من العلماء (٢) قال بتحريم ذلك، بل قد روي عن جماعة كثيرة من السلف: أنهم كانوا يصبغون بالسواد، منهم: عمر، وعثمان، والحسن، والحسين، وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعروة بن الزبير، وابن سيرين، وأبو بُردة في آخرين. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: هو أشكر للزوجة، وأرهب للعدو.
قلت: ولا أدري عذر هؤلاء عن حديث أبي قحافة ما هو؟ فأقل درجاته: الكراهة. كما ذهب إليه مالك.
стр. 3074
[٢٠١٤] وعَن أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يَتَزَعفَرَ الرَّجُلُ.
رواه البخاري (٥٨٤٦)، ومسلم (٢١٠١)، وأبو داود (٤١٧٩)، والترمذي (٢٨١٦)، والنسائي (٨/ ١٨٩).
* * *
ــ
قلت: وأما الصباغ بالحنَّاء بحتًا، وبالحناء والكتم (١): فلا ينبغي أن يختلف فيه لصحة الأحاديث بذلك، غير أنه قد قال بعض العلماء: إن الأمر في ذلك محمول على حالين:
أحدهما: عادة البلد؛ فمن كانت عادة موضعه ترك الصبغ فخروجه عن المعتاد شهرة تقبَّحُ وتُكره.
وثانيهما: اختلاف حال الناس في شيبهم، فَرُبَّ شيبة نقية هي أجمل بيضاء منها مصبوغة، وبالعكس، فمن قبحه الخضاب اجتنبه. ومن حسَّنه استعمله. وللخضاب فائدتان:
إحداهما: تنظيف الشعر مما يتعلق به من الغبار، والدخان.
والأخرى: مخالفة أهل الكتاب، لقوله ﷺ : (خالفوا اليهود والنصارى، فإنهم لا يصبغون).
قلت: ولكن هذا الصباغ بغير السواد، تمسُّكًا بقوله ﷺ : (اجتنبوا السواد) والله تعالى أعلم.
وقد تقدَّم الكلام على النهي عن التزعفر، وسيأتي القول في مخالفة أهل الكتاب.
стр. 3075
(١٥) باب لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة إلا أن تكون الصورة رقما
[٢٠١٥] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جِبرِيلُ فِي سَاعَةٍ يَأتِيهِ فِيهَا، فَجَاءَت تِلكَ السَّاعَةُ وَلَم يَأتِهِ، وَفِي يَدِهِ عَصًا، فَأَلقَاهَا مِن يَدِهِ وَقَالَ: مَا يُخلِفُ اللَّهُ وَعدَهُ وَلَا رُسُلُهُ. ثُمَّ التَفَتَ فَإِذَا جِروُ كَلبٍ تَحتَ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، مَتَى دَخَلَ هَذَا الكَلبُ هَاهُنَا؟ فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا دَرَيتُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، فَجَاءَ جِبرِيلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاعَدتَنِي فَجَلَستُ لَكَ فَلَم تَأتِ؟ فَقَالَ: مَنَعَنِي الكَلبُ الَّذِي فِي بَيتِكَ، إِنَّا لَا نَدخُلُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ وَلَا صُورَةٌ.
رواه أحمد (٦/ ١٤٢)، ومسلم (٢١٠٤)، وابن ماجه (٣٦٥١).
ــ
(١٥) ومن باب قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة).
الملائكة هنا - وإن كان عمومًا - فالمراد به الخصوص، فإنَّ الحفظة ملازمة للإنسان. هكذا قاله بعض علمائنا. والظاهر العموم، والمخصص ليس نصًّا. وكذلك قوله: كلب، وصورة؛ كلاهما للعموم؛ لأنَّهما نكرتان في سياق النفي. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد به: الكلاب التي لم يؤذن في اتخاذها، فيستثنى من ذلك: كلب الصيد، والماشية والزرع. وأما الصورة: فيراد بها التماثيل من ذوات الأرواح. ويستثنى من ذلك الصورة المرقومة، كما نصَّ عليه في الحديث، على ما يأتي.
وإنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه التمثال؛ لأن متخذها في بيته قد
стр. 3076
[٢٠١٦] ومن حديث ميمونة نحوه، وفيه: فَأَمَرَ بِهِ فَأُخرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً فَنَضَحَ مَكَانَهُ.
وفيه: فَأَصبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ فَأَمَرَ بِقَتلِ الكِلَابِ،
ــ
تشبَّه بالكفار الذين يتخذون الصور في بيوتهم، ويُعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك منه، فلم تدخل بيته هجرانًا له، وغضبًا عليه. واختلف في المعنى الذي في الكلب المانع للملائكة من الدخول. فذهبت طائفة: إلى أنَّه النجاسة. وهو من حجج من قال بنجاسة الكلب. وتأيد في ذلك بنضحه ﷺ موضع الكلب.
قلت: وهذا ليس بواضح، وإنما هو تقدير احتمال يعارضه احتمالات أخر:
أحدها: أنها من الشياطين، كما جاء في بعض الحديث.
وثانيها: استخباث روائحها، واستقذارها.
وثالثها: النجاسة التي تتعلق بها؛ فإنَّها تأكلها وتتلطخ بها، فتكون نجسة بما يتعلق بها، لا لأعيانها. والمخالف يقول: هي نجسة الأعيان. وعلى ما قلناه: يصح أن يقال: إنَّه ﷺ شك في طهارة موضعه؛ لإمكان أن يكون أصابه من النجاسة اللازمة لها غالبًا شيء، فنضحه؛ لأنَّ النضح طهارة للمشكوك فيه، فلو تحقق إصابة النجاسة الموضع لغسله؛ كما فعل ببول الأعرابي، ولو كان الكلب نجسًا لعينه، لا لما يتعلق به: لما احتاج إلى غسله، كما لا يحتاج إلى غسل الموضع أو الثوب الذي يكون عليه عظم ميتة، أو نجاسة لا رطوبة فيها. وعلى هذا: فهذا الاحتمال أولى أن يعتبر، فإن لم يكن أولى فالاحتمالات متعارضة، والدَّست قائم، ولا نصّ حاكم.
و(قوله: فأصبح رسول الله ﷺ يومئذ فأمر بقتل الكلاب) كذا رواه جميع الرواة: فأصبح، فأمر، مرتبًا بفاء التَّسبيب، فيدل ذلك: على أن أمره بقتل الكلاب في ذلك اليوم كان لأجل امتناع جبريل من دخول بيته. ويحتمل أن يكون ذلك لمعنى آخر غير ما ذكرناه؛ وهو: أن ذلك إنما كان لينقطعوا عما كانوا ألفوه من
стр. 3077
حَتَّى إِنَّهُ يَأمُرُ بِقَتلِ كَلبِ الحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَترُكُ كَلبَ الحَائِطِ الكَبِيرِ.
رواه أحمد (٦/ ٣٣٠)، ومسلم (٢١٠٥)، وأبو داود (٤١٥٧)، والنسائي (٧/ ١٨٦).
[٢٠١٧] وعن بُسرَ بنَ سَعِيدٍ: أَنَّ زَيدَ بنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ حَدَّثَهُ، وَمَعَ بُسرٍ عُبَيدُ اللَّهِ الخَولَانِيُّ: أَنَّ أَبَا طَلحَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَدخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ صُورَةٌ. قَالَ بُسرٌ: فَمَرِضَ زَيدُ بنُ خَالِدٍ، فَعُدنَاهُ؛ فَإِذَا نَحنُ فِي بَيتِهِ بِسِترٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ، فَقُلتُ لِعُبَيدِ اللَّهِ الخَولَانِيِّ: أَلَم يُحَدِّثنَا فِي التَّصَاوِيرِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَالَ: إِلَّا رَقمًا فِي ثَوبٍ، أَلَم تَسمَعهُ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: بَلَى، قَد ذَكَرَ ذَلِكَ.
ــ
الأنس بالكلاب، والاعتناء بها، واتخاذها في البيوت، والمبالغة في إكرامها. وإذا كان كذلك كثرت، وكثر ضررها بالناس من الترويع والجرح، وكثر تنجيسها للديار، والأزقة، فامتنع جبريل من الدخول لأجل ذلك، ثم أخبر به النبي ﷺ ، وأمر بقتل الكلاب، فانزجر الناس عن اتخاذها، وعما كانوا اعتادوه منها. والله تعالى أعلم.
وفيه من الفقه: أن الكلاب يجوز قتلها لأنها من السِّباع، لكن لما كان في بعضها منفعة، وكانت من النوع المتأنس سومح فيما لا يضر منها.
و(قوله: حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) هذا يدلّ على جواز اتخاذ ما ينتفع به من الكلاب في حفظ الحوائط، وغيرها. ألا ترى: أن الحائط الكبير لما كان يحتاج إلى حفظ جوانبه ترك له كلبه، ولم يقتله، بخلاف الحائط الصغير منها، فإنَّه أمر بقتل كلبه؛ لأنَّه لا يحتاج الحائط الصغير إلى كلب، فإنَّه ينحفظ من غير كلب لقرب جوانبه.
وقول بسر لعبيد الله الخولاني: (ألم يحدثنا في التصاوير؟ ) يعني: زيد بن
стр. 3078
رواه أحمد (٤/ ٢٨)، والبخاريُّ (٣٢٢٦)، ومسلم (٢١٠٦)(٨٦)، والنسائي (٨/ ٢١٢).
* * *
ــ
خالد، وذلك: أنَّه لما دخل منزل زيد فرأى الستر فيه صور ذكر بسر عبيد الله الخولاني بالحديث الذي حدثهم به زيد عن أبي طلحة صاحب رسول الله ﷺ الذي سمع من رسول الله ﷺ قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة) وكان أبو طلحة قد ذكر مع ذلك - متصلًا به - قوله ﷺ : (إلا ما كان رقمًا في ثوب) فاستثنى المرقوم من الصور. فحصل منه: أن الملائكة لا تمتنع من دخول بيت فيه صورة مرقومة. ومن هنا: فهم القاسم بن محمد جواز اتخاذها في البيوت (١) مطلقًا، كما حكيناه عنه ترجيحًا لهذا الحديث على حديث عائشة، أو نسخًا له، وفيه بُعدٌ.
والجمهور على المنع. فمنهم من منعه تحريمًا، وهو مذهب ابن شهاب ترجيحًا لحديث عائشة على حديث زيد، والجمهور حملوه على الكراهة، وهو الأولى إن شاء الله؛ إذ ليس نصًّا في التحريم، فأقل ما يحمل ما ظهر منه على الكراهة. وحديث زيد لا يقتضي الجواز، وإنَّما مقتضاه: أن الملائكة تدخل البيت الذي فيه الصور المرقومة بخلاف الصور ذوات الظل؛ فإنَّها لا تدخل بيتا هي فيه. وهذا وجه حسن؛ غير أنَّه تكدَّر بما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (أتاني جبريل ﵇ فقال لي: أتيتك البارحة، فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام فيه صور، وكان في البيت كلب) وذكر الحديث (٢). وهذا يدلّ دلالة واضحة أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة مرقومة، وعند هذا يتحقق التعارض. والمخلِّص منه
стр. 3079
(١٦) باب كراهية الستر فيه تماثيل وهتكه وجعله وسائد وكراهية كسوة الجدر
[٢٠١٨] عَن أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَدخُلُ المَلَائِكَةُ بَيتًا فِيهِ كَلبٌ وَلَا صورة تَمَاثِيلَ. قَالَ: فَأَتَيتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: فَهَل سَمِعتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ؟ فَقَالَت: لَا، وَلَكِن سَأُحَدِّثُكُم مَا رَأَيتُهُ فَعَلَ، رَأَيتُهُ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذتُ نَمَطًا
ــ
الترجيح، ولا شك في ترجيح حديث مسلم، فالتمسك به على ما قررناه أولا، والله تعالى أعلم.
(١٦) ومن باب كراهة الستر الذي فيه التماثيل وهتكه
حديث عائشة كثرت رواياته، واختلفت ألفاظه حتى يتوهم: أنه مضطرب، وليس كذلك؛ لأنَّه ليس فيه تناقض، وإنَّما كانت القضية مشتملة على كل ما نقل من الكلمات، والأحوال المختلفة، لكن نقل بعض الرواة ما سكت عنه غيرهم، وعبَّر كل منهم بما تيسَّر له من العبارة عن تلك القضية. ويجوز أن يصدر مثل ذلك الاختلاف من راوٍ واحد في أوقات مختلفة، ولا يُعد تناقضًا، فإنَّه إذا جمعت تلك الروايات كلها؛ انتظمت وكملت الحكاية عن تلك القضية. وعلى هذا النحو وقع ذكر اختلاف كلمات القصص المتحدة في القرآن، فإنَّه تعالى يذكرها في مواضع وجيزة، وفي آخر مطوَّلة، ويأتي بالكلمات المختلفة الألفاظ مع اتفاقها على المعنى، فلا ينكر مثل هذا في الأحاديث.
وقولها: (فأخذت نمطًا فسترته على الباب) هذا النمط هو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بـ (الدَّرنوك) ويقال بضم الدَّال، وفتحها، وهو: الستر الذي
стр. 3080
فَسَتَرتُهُ عَلَى البَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ عَرَفتُ الكَرَاهِيَةَ فِي وَجهِهِ،
ــ
كان فيه تماثيل الخيل ذوات الأجنحة. و (الباب) يراد به هنا: باب السهوة المذكورة في الرِّواية الأخرى، وهي: بيت صغير يشبه المخدع. وقال الأصمعي: هي شبه الطاق، يجعل فيه الشيء. وقيل: شبه الخزانة الصغيرة. وهذه الأقوال متقاربة.
وقولها: (سترته على الباب) أي: سترت به الباب. أو جعلته سترا على الباب.
وقولها: (فلما رأى النمط عرفت الكراهية في وجهه) إنما عرفت الكراهية في وجهه؛ لأنَّه تلوَّن وجهه، ووقف ولم يدخل، كما جاء في الطريق الآخر. ولما رأت تلك الحال خافت، فقدَّمت في اعتذارها التوبة، ثمَّ سألت عن الذنب، فإنَّها لم تعرفه، فعند ذلك جبذ النمط، فهتكه، فحصل من مجموع هذه القرائن: أن اتخاذ الثياب التي فيها التماثيل محرَّم، رقمًا كان فيها، أو صبغا. وهو مذهب ابن شهاب، فإنَّه منع الصور على العموم واستعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، رقمًا كانت أو غيره، في ثوب، أو حائط، يمتهن، أو لا يمتهن؛ تمسُّكًا بعمومات هذا الباب، وبما ظهر من هذا الحديث. وذهب آخرون: إلى جواز كل ما كان رقمًا في ثوب، يمتهن أو لا. معلقًا كان أو لا. وهو مذهب القاسم بن محمد تمسُّكًا بحديث زيد بن خالد حين قال: (إلا ما كان رقما في ثوب) وذهب آخرون: إلى كراهة ما كان منها معلَّقًا، وغير ممتهن؛ لأنَّ ذلك مضاهاة لمن يعظم الصور، ويعبدها كالنصارى، وكما كانت الجاهلية تفعل.
والحاصل من مذاهب العلماء في الصور: أن كل ما كان منها ذا ظل، فصنعته، واتخاذه حرام، ومنكر يجب تغييره. ولا يختلف في ذلك إلا ما ورد في لعب البنات لصغار البنات، وفيما لا يبقى من الصور، كصور الفخار، ففي كل واحد منهما قولان، غير أن المشهور في لعب البنات، جواز اتخاذها للرخصة في
стр. 3081
فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَو قَطَعَهُ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَم يَأمُرنَا أَن نَكسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ.
ــ
ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لها لأولاده؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل، غير أن المشهور فيما لا يبقى: المنع. وأما ما كان رقمًا، أو صبغًا مما ليس له ظل: فالمشهور فيه الكراهة.
وقولها: (فجذبه حتى هتكه) يدل على أن ما صنع على غير الوجه المشروع لا مالية له، ولا حرمة، وأن من كسر شيئًا منها، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان.
و(قوله: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين) يفهم منه: كراهة ستر الحيطان بالستر؛ لأنَّ ذلك من السَّرف، وفضول زهرة الدنيا؛ التي نهى الله تعالى النبي ﷺ أن يمد عينيه إليها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ ولذلك قال في الرواية الأخرى: (فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا) وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه، وكانت صوره تعرض في صلاته، كما قال البخاري: (فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي).
ويفيد مجموع هذه الروايات: أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبي ﷺ ورؤيته له، وصلاته إليه، فلما بين له حكمه امتنع مرَّة (١) من دخول البيت حتى هتكه. وقد فعل سلمان الفارسي ﵁ نحو هذا لما تزوَّج الكندية، وجاء ليدخل بها، فوجد (٢) حيطان البيت قد سترت، فلم يدخل، وقال منكرًا لذلك: (أمحموم بيتكم! أم تحوَّلت الكعبة في كندة) فأزيل كل ذلك. ودعا ابن عمر أبا أيوب، فرأى سترًا على الجدار. فقال: ما هذا؟ فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لك
стр. 3082
قَالَت: فَقَطَعنَا مِنهُ وِسَادَتَينِ وَحَشَوتُهُمَا لِيفًا، فَلَم يَعِب ذَلِكَ عَلَيَّ.
وفي رواية: قالت عائشة: فكان يرتفق عليهما.
رواه مسلم (٢١٠٦)(٨٧) و (٢١٠٧)، وأبو داود (٤١٥٤).
ــ
طعامًا! فرجع. ذكره البخاري (١).
وقد أفاد حديث عائشة ﵂ المنع من ستر حيطان البيوت، ومما يجر إلى الميل إلى زينة الدنيا، ومن اتخاذ الصور المرقومة، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها.
وقول عائشة: (فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفًا) يحتمل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور، وأبطلها، فيزول الموجب للمنع، ويحتمل أن تكون تلك الصور، أو بعضها باقيًا، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها. وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء. والحق: أن كل ذلك محتمل، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، ولا معيِّن لأحدهما، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما، وإنما الذي يفيده هذا الحديث: جواز اتخاذ النَّمارق، والوسائد في البيوت.
وقول عائشة: (أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير) يجوز أن تكون أرادت بالنمرقة هنا: الستر الذي تقدَّم ذكره، وسمته: نمرقة؛ لأنَّه آل أمره إلى النمرقة، كما يُسمى العنب خمرًا بمآله. والنَّمارق في أصل الوضع: الوسائد، والمرافق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصفُوفَةٌ﴾. وقال الشاعر:
كهول وشبان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق
غير أن هذا التأويل يبعده قولها في بقية الخبر، لما قال لها النبي ﷺ : (ما
стр. 3083
[٢٠١٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ لَنَا سِترٌ فِيهِ تِمثَالُ طَائِرٍ - وفي رواية: دُرنُوكًا فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجنِحَةِ - وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ استَقبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلتُ فَرَأَيتُهُ ذَكَرتُ الدُّنيَا. قَالَت: وَكَانَت لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلبَسُهَا.
رواه أحمد (٦/ ٤٩ و ٥٣)، ومسلم (٢١٠٧) (٨٨ و ٩٠).
[٢٠٢٠] وعنها: أَنَّها كَانَ لَهَا ثَوبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمدُودٌ إِلَى سَهوَةٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَيها؛ فَقَالَ: أَخِّرِيهِ عَنِّي. قَالَت: فَأَخَّرتُهُ، فَجَعَلتُهُ وَسَائِدَ.
رواه مسلم (٢١٠٧)(٩٣).
[٢٠٢١] وعنها: أَنَّهَا اشتَرَت نُمرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَم يَدخُل، فَعَرَفتُ أَو فَعُرِفَت فِي وَجهِهِ
ــ
بال هذه النَّمرقة؟ ) فقالت مجيبة: اشتريتها لك، تقعد عليها، وتوسدها. فهذا يصرح بأن هذه النَّمرقة غير الستر، وأن هذا حديث آخر غير ذلك، وحينئذ يستفاد منه: أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب، وإن كانت ممتهنة. وهو أحد القولين كما قدمناه.
و(قوله (١): وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها) القطيفة: كساء له زئبر (٢). وفيه دليل على جواز لباس الثوب فيه العلم من الحرير، وقد تقدم القول فيه. ولم يرد في شيء من الأحاديث أن هذا الثوب الذي كنَّي عنه بالدرنوك،
стр. 3084
الكَرَاهِيَةُ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذنَبتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا بَالُ هَذِهِ النُّمرُقَةِ؟ قَالَت: اشتَرَيتُهَا لَكَ تَقعُدُ عَلَيهَا وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَصحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالَ لَهُم: أَحيُوا مَا خَلَقتُم. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدخُلُهُ المَلَائِكَةُ.
رواه البخاريُّ (٥٩٥٤) و (٥٩٥٧) و (٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠٦)(٩٦).
* * *
(١٧) باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون
[٢٠٢٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ.
ــ
والقرام، والنمط: أنه كان حريرًا، وكذلك النمرقة، فلا حجَّة في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله: إنَّه يجوز ثياب الحرير، ورأى أن ذلك ليس لباسًا لها، وهذا قولٌ شذَّ به عن جميع العلماء، فإنَّهم رأوا ذلك لباسًا منهيًّا عنه، ولباس كل شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله. والله تعالى أعلم.
(١٧) ومن باب أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون
قوله: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون) مقتضى هذا: ألا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على المصوِّرين. وهذا يعارضه مواضع أخر. منها: قوله تعالى: ﴿أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وقوله ﷺ : (أشدّ الناس
стр. 3085
رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩)(٩٨).
[٢٠٢٣] وعَن سَعِيدِ بنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ له: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، وقَالَ: أُنَبِّئُكَ مَا سَمِعتُ مِن
ــ
عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (١)) (٢) و (قوله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة) (٣) ومثله كثير. ووجه التلفيق: أن الناس الذين أضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب (٤)، ففرعون أشد الناس المدَّعين للإلهية عذابًا. ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة. ومن صور صُور ذات الأرواح أشد عذابًا ممن يصوِّر ما ليس بذي روح، إن تنزلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح، وهو مجاهد، وإن لم نتنزل عليه، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصوِّرون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعل، وكما تفعل النصارى، فإنَّ عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب. والله تعالى أعلم.
وقول ابن عباس لمستفتيه عن الصور: (ادن مني) ثلاثًا، ووضعه يده على رأسه؛ مبالغة في استحضار ذهنه، وفهمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمر ما يلقيه إليه.