فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ أَو قَطَعَهُ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَم يَأمُرنَا أَن نَكسُوَ الحِجَارَةَ وَالطِّينَ.
ــ
ذلك، لكن كره مالك شراء الرجل لها لأولاده؛ لأنَّه ليس من أخلاق أهل المروءات والفضل، غير أن المشهور فيما لا يبقى: المنع. وأما ما كان رقمًا، أو صبغًا مما ليس له ظل: فالمشهور فيه الكراهة.
وقولها: (فجذبه حتى هتكه) يدل على أن ما صنع على غير الوجه المشروع لا مالية له، ولا حرمة، وأن من كسر شيئًا منها، وأتلف تلك الصورة لم يلزمه ضمان.
و(قوله: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين) يفهم منه: كراهة ستر الحيطان بالستر؛ لأنَّ ذلك من السَّرف، وفضول زهرة الدنيا؛ التي نهى الله تعالى النبي ﷺ أن يمد عينيه إليها بقوله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعنَا بِهِ أَزوَاجًا مِنهُم زَهرَةَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ ولذلك قال في الرواية الأخرى: (فإني كلما دخلت ذكرت الدنيا) وهذا الستر هو الذي كان يصلِّي إليه، وكانت صوره تعرض في صلاته، كما قال البخاري: (فإنَّه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي).
ويفيد مجموع هذه الروايات: أن هتك هذا السِّتر إنما كان بعد تكرار دخول النبي ﷺ ورؤيته له، وصلاته إليه، فلما بين له حكمه امتنع مرَّة (١) من دخول البيت حتى هتكه. وقد فعل سلمان الفارسي ﵁ نحو هذا لما تزوَّج الكندية، وجاء ليدخل بها، فوجد (٢) حيطان البيت قد سترت، فلم يدخل، وقال منكرًا لذلك: (أمحموم بيتكم! أم تحوَّلت الكعبة في كندة) فأزيل كل ذلك. ودعا ابن عمر أبا أيوب، فرأى سترًا على الجدار. فقال: ما هذا؟ فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه، فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لك
стр. 3082
قَالَت: فَقَطَعنَا مِنهُ وِسَادَتَينِ وَحَشَوتُهُمَا لِيفًا، فَلَم يَعِب ذَلِكَ عَلَيَّ.
وفي رواية: قالت عائشة: فكان يرتفق عليهما.
رواه مسلم (٢١٠٦)(٨٧) و (٢١٠٧)، وأبو داود (٤١٥٤).
ــ
طعامًا! فرجع. ذكره البخاري (١).
وقد أفاد حديث عائشة ﵂ المنع من ستر حيطان البيوت، ومما يجر إلى الميل إلى زينة الدنيا، ومن اتخاذ الصور المرقومة، ومن الصلاة إلى ما يشغل عنها.
وقول عائشة: (فقطعنا منه وسادتين حشوتهما ليفًا) يحتمل أن يكون هذا التقطيع أزال شكل تلك الصور، وأبطلها، فيزول الموجب للمنع، ويحتمل أن تكون تلك الصور، أو بعضها باقيًا، لكنها لما امتهنت بالقعود عليها سامح فيها. وقد ذهب إلى كل احتمال منهما طائفة من العلماء. والحق: أن كل ذلك محتمل، وليس أحد الاحتمالين بأولى من الآخر، ولا معيِّن لأحدهما، فلا حجَّة في الحديث على واحد منهما، وإنما الذي يفيده هذا الحديث: جواز اتخاذ النَّمارق، والوسائد في البيوت.
وقول عائشة: (أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير) يجوز أن تكون أرادت بالنمرقة هنا: الستر الذي تقدَّم ذكره، وسمته: نمرقة؛ لأنَّه آل أمره إلى النمرقة، كما يُسمى العنب خمرًا بمآله. والنَّمارق في أصل الوضع: الوسائد، والمرافق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصفُوفَةٌ﴾. وقال الشاعر:
كهول وشبان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق
غير أن هذا التأويل يبعده قولها في بقية الخبر، لما قال لها النبي ﷺ : (ما
стр. 3083
[٢٠١٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ لَنَا سِترٌ فِيهِ تِمثَالُ طَائِرٍ - وفي رواية: دُرنُوكًا فِيهِ الخَيلُ ذَوَاتُ الأَجنِحَةِ - وَكَانَ الدَّاخِلُ إِذَا دَخَلَ استَقبَلَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَوِّلِي هَذَا، فَإِنِّي كُلَّمَا دَخَلتُ فَرَأَيتُهُ ذَكَرتُ الدُّنيَا. قَالَت: وَكَانَت لَنَا قَطِيفَةٌ كُنَّا نَقُولُ عَلَمُهَا حَرِيرٌ، فَكُنَّا نَلبَسُهَا.
رواه أحمد (٦/ ٤٩ و ٥٣)، ومسلم (٢١٠٧) (٨٨ و ٩٠).
[٢٠٢٠] وعنها: أَنَّها كَانَ لَهَا ثَوبٌ فِيهِ تَصَاوِيرُ مَمدُودٌ إِلَى سَهوَةٍ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَيها؛ فَقَالَ: أَخِّرِيهِ عَنِّي. قَالَت: فَأَخَّرتُهُ، فَجَعَلتُهُ وَسَائِدَ.
رواه مسلم (٢١٠٧)(٩٣).
[٢٠٢١] وعنها: أَنَّهَا اشتَرَت نُمرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى البَابِ فَلَم يَدخُل، فَعَرَفتُ أَو فَعُرِفَت فِي وَجهِهِ
ــ
بال هذه النَّمرقة؟ ) فقالت مجيبة: اشتريتها لك، تقعد عليها، وتوسدها. فهذا يصرح بأن هذه النَّمرقة غير الستر، وأن هذا حديث آخر غير ذلك، وحينئذ يستفاد منه: أن الصور لا يجوز اتخاذها في الثياب، وإن كانت ممتهنة. وهو أحد القولين كما قدمناه.
و(قوله (١): وكانت لنا قطيفة كنا نقول علمها حرير، فكنا نلبسها) القطيفة: كساء له زئبر (٢). وفيه دليل على جواز لباس الثوب فيه العلم من الحرير، وقد تقدم القول فيه. ولم يرد في شيء من الأحاديث أن هذا الثوب الذي كنَّي عنه بالدرنوك،
стр. 3084
الكَرَاهِيَةُ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، فَمَاذَا أَذنَبتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا بَالُ هَذِهِ النُّمرُقَةِ؟ قَالَت: اشتَرَيتُهَا لَكَ تَقعُدُ عَلَيهَا وَتَوَسَّدُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَصحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ، وَيُقَالَ لَهُم: أَحيُوا مَا خَلَقتُم. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ البَيتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدخُلُهُ المَلَائِكَةُ.
رواه البخاريُّ (٥٩٥٤) و (٥٩٥٧) و (٥٩٦١)، ومسلم (٢١٠٦)(٩٦).
* * *
(١٧) باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون
[٢٠٢٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ.
ــ
والقرام، والنمط: أنه كان حريرًا، وكذلك النمرقة، فلا حجَّة في شيء من ذلك لعبد الملك على قوله: إنَّه يجوز ثياب الحرير، ورأى أن ذلك ليس لباسًا لها، وهذا قولٌ شذَّ به عن جميع العلماء، فإنَّهم رأوا ذلك لباسًا منهيًّا عنه، ولباس كل شيء بحسب ما جرت العادة باستعماله. والله تعالى أعلم.
(١٧) ومن باب أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون
قوله: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون) مقتضى هذا: ألا يكون في النار أحدٌ يزيد عذابه على المصوِّرين. وهذا يعارضه مواضع أخر. منها: قوله تعالى: ﴿أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وقوله ﷺ : (أشدّ الناس
стр. 3085
رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٥٩٥٠)، ومسلم (٢١٠٩)(٩٨).
[٢٠٢٣] وعَن سَعِيدِ بنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفتِنِي فِيهَا. فَقَالَ لَهُ: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا، ثُمَّ قَالَ له: ادنُ مِنِّي، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأسِهِ، وقَالَ: أُنَبِّئُكَ مَا سَمِعتُ مِن
ــ
عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (١)) (٢) و (قوله: أشدّ الناس عذابا يوم القيامة إمام ضلالة) (٣) ومثله كثير. ووجه التلفيق: أن الناس الذين أضيف إليهم: (أشد) لا يراد بهم كل نوع الناس بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب (٤)، ففرعون أشد الناس المدَّعين للإلهية عذابًا. ومن يقتدي به في ضلالة كفره أشد ممن يقتدي به في ضلالة بدعة. ومن صور صُور ذات الأرواح أشد عذابًا ممن يصوِّر ما ليس بذي روح، إن تنزلنا على قول من رأى تحريم تصوير ما ليس بذي روح، وهو مجاهد، وإن لم نتنزل عليه، فيجوز أن يعني بالمصورين الذين يصوِّرون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعل، وكما تفعل النصارى، فإنَّ عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة، وهكذا يعتبر هذا الباب. والله تعالى أعلم.
وقول ابن عباس لمستفتيه عن الصور: (ادن مني) ثلاثًا، ووضعه يده على رأسه؛ مبالغة في استحضار ذهنه، وفهمه، وفي تسميعه، وتعظيمه لأمر ما يلقيه إليه.
стр. 3086
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفسًا فَيعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ. وَقَالَ: إِن كُنتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصنَع الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفسَ لَهُ.
وفي رواية: قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن صَوَّرَ
ــ
وقوله ﷺ : (كل مصوِّر في النار) محمله على مصوري ذوات الأرواح، بدليل قوله ﷺ : (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم).
و(قوله: كلف أن ينفخ فيها الرُّوح) من هنا رأى ابن عباس: أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو والاكتساب به. وهو مذهب جمهور السَّلف والخلف. وخالفهم في ذلك مجاهد فقال: لا يجوز تصوير شيء من ذلك كله، سواء كان له روح، أو لم يكن؛ متمسِّكًا في ذلك بقول الله تعالى (١): (ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرَّة، وليخلقوا حبَّة، وليخلقوا شعيرة) فعمَّ بالذمِّ والتهديد، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى. وقد دلَّ هذا الحديث: على أن الذمَّ والوعيد إنما علِّق بالمصورين من حيث تشبَّهوا بالله تعالى في خلقه، وتعاطوا مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع. وهذا يوضح حجَّة مجاهد. وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم. وشذَّ بعض الناس فمنعها، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي. وهو ممنوع من ذلك، مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى كصور الفخار، والشمع، وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص، وليس له عليه نصٌّ، بل ولا ظاهر، وإنَّما هو نظر قاصر يرده المعنى الذي قررناه، والظواهر.
стр. 3087
صُورَةً فِي الدُّنيَا، كُلِّفَ أَن يَنفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَيسَ بِنَافِخٍ.
رواه أحمد (١/ ٢١٦)، والبخاريُّ (٧٠٤٢)، ومسلم (٢١١٠) (٩٩ و ١٥٠)، والنسائي (٨/ ٢١٥).
[٢٠٢٤] وعن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ: وَمَن أَظلَمُ مِمَّن ذَهَبَ يَخلُقُ خَلقًا كَخَلقِي، فَليَخلُقُوا ذَرَّةً، ولِيَخلُقُوا حَبَّةً، ولِيَخلُقُوا شَعِيرَةً.
رواه أحمد (٢/ ٢٥٩)، والبخاريُّ (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١)(١٠١).
* * *
ــ
و(قوله: كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ) أي: ألزم ذلك وطوقه، ولا يقدر على الامتثال، فيعذب على كل حال.
ويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا، كما جاز ذلك في الآخرة. لكن: ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال، وإنَّما مقصوده تعذيب المكلف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه، وإظهار قبيح فعله. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3088
(١٨) باب في الأجراس والقلائد في أعناق الدواب
[٢٠٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَصحَبُ المَلَائِكَةُ رُفقَةً فِيهَا كَلبٌ وَلَا جَرَسٌ.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٣ و ٣١١)، ومسلم (٢١١٣)، وأبو داود (٢٥٥٥)، والترمذيُّ (١٧٠٣).
ــ
(١٨) ومن باب الأجراس والقلائد في أعناق الدَّواب
قوله: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس) يفهم من هذا الحديث، ومما تقدَّم: أن مقصود الشرع مباعدة الكلاب، وألا تتخذ في حضر، ولا سفر، وذلك للعلل التي تقدَّم ذكرها. وهو حجَّة لمن منع اتخاذ الكلب لحراسة الدواب والأمتعة من السُّرَّاق في الأسفار. وهو قول أصحاب مالك، وأجاز هشام بن عروة اتخاذها لحراسة البقر من السليلة (١).
قلت: والظاهر أن المراد بالكلب هنا غير المأذون في اتخاذه كما تقدَّم؛ لأن المسافر قد يحتاج إلى حفظ ماشية دوابه، وإبله، وغير ذلك، فيضطر إلى اتخاذها كما يضطر إليها في الحضر لزرعه وضرعه.
و(الجرس): ما يعلَّق في أعناق الإبل مما له صلصلة، والذي يضرب به، وهو بفتح الراء، وجمعه: أجراس. فأمَّا: الجرس، فهو: الصوت الخفي. يقال بفتح الجيم وكسرها.
وفيه ما يدلّ على كراهة اتخاذ الأجراس في الأسفار، وهو قول مالك وغيره.
стр. 3089
[٢٠٢٦] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيطَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (٢١١٤)، وأبو داود (٢٥٥٦).
[٢٠٢٧] وعن أبي بَشِيرٍ الأَنصَارِيَّ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ، قَالَ: فَأَرسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا، قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكرٍ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِم، لَا يَبقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِن وَتَرٍ - أَو قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَت.
قَالَ مَالِكٌ: أُرَى ذَلِكَ مِن العَينِ.
ــ
قلت: وينبغي ألا تقصر الكراهة على الأسفار، بل هي مكروهة في الحضر أيضًا، بدليل قوله ﷺ : (الجرس مزامير الشيطان) ومزامير الشيطان مكروهة سفرًا وحضرًا، ثمَّ: هذا يعم الكبير والصغير منها. وقد فرَّق بعض الشاميين، فأجازوا الصغير، ومنعوا الكبير. ووجه الفرق: أن الكبير به يقع التشويش على الناس، وبه تحصل المشابهة بالنصارى، فإنَّهم يستعملون النواقيس في سفرهم وحضرهم.
[و (قوله: تماثيل أو صور)] (١) يحتمل أن يكون هذا شكًّا من بعض الرواة، ويحتمل أن يريد بالتماثيل: ما كان قائم الشخص، وبالصور: ما كان رقمًا، ويكون (أو) بمعنى: الواو، أو تكون للتوسيع. والله تعالى أعلم.
و(قوله: لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قطعت) يعني بالوتر: وتر القوس. ولا معنى لقول من قال: إنَّه يعني بذلك: الوتر الذي هو الذحل، وهو طلب الثَّأر، لبعده لفظًا ومعنى.
وقول مالك: أرى ذلك من العين؛ يعني: أنهم كانوا يتعوذون بتعليق أوتار
стр. 3090
رواه البخاريُّ (٣٠٠٥)، ومسلم (٢١١٥)، وأبو داود (٢٥٥٢) وهو في الموطأ (٢/ ٩٣٧).
* * *
ــ
قسيهم في أعناق إبلهم من العين، فأمر النبي ﷺ بقطعها لأجل توقع ذلك. وظاهر قول مالك: خصوصية ذلك بالوتر، ولذلك أجازه ابن القاسم بغير الوتر. وقال بعض أصحابنا فيمن قلَّد بعيره شيئًا ملونًا فيه خرز، إن كان للجمال؛ فلا بأس به.
واختلف العلماء في تقليد البعير وغيره من الحيوان والإنسان ما ليس بتعاويذ قرآنية مخافة العين. فمنهم من نهى عنه، ومنعه قبل الحاجة، وأجازه عند الحاجة إليه، ومنهم من أجازه قبل الحاجة وبعدها، كما يجوز الاستظهار بالتداوي قبل حلول المرض.
وقال غير مالك: إن الأمر بقطع الأوتار إنما كان مخافة أن يختنق به البعير عند الرَّعي، أو يحتبس بغصن من أغصان الشجرة، كما اتفق لناقة رسول الله ﷺ فقدها ثم وجدها قد حبستها شجرة. والله تعالى أعلم.
و(قوله: من وتر، أو قلادة) هو شكٌّ من بعض الرواة، فكأنَّه لم يتحقق قوله: من وتر. هذا ظاهر كلامه. ويحتمل أن تكون (أو) تنويعًا، فيكون المنهي عنه قلادة الأوتار وغيرها. والأولى: ما صار إليه مالك، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3091
(١٩) باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم ؟
[٢٠٢٨] عَن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الضَّربِ فِي الوَجهِ، وَعَن الوَسمِ فِي الوَجهِ.
رواه مسلم (٢١١٦)، وأبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧١٠).
ــ
(١٩) ومن باب النهي عن وسم الوجوه وأين يجوز الوسم
نهيه ﷺ عن الضرب في الوجه، وعن الوسم فيه يدلّ على احترام هذا العضو، وتشريفه على سائر الأعضاء الظاهرة، وذلك لأنه الأصل في خلقة الإنسان، وغيره من الأعضاء خادم له؛ لأنَّه الجامع للحواس التي تحصل بها الإدراكات المشتركة بين الأنواع المختلفة، ولأنَّه أول الأعضاء في الشخوص، والمقابلة، والتحدُّث، والقصد، ولأنَّه مدخل الروح ومخرجه، ولأنه مقر الجمال والحسن، ولأن به قوام الحيوان كله: ناطقه وغير ناطقه. ولما كان بهذه المثابة احترمه الشرع، ونهى أن يُتعرَّض له بإهانة، ولا تقبيح، ولا تشويه. وقد مرَّ النبي ﷺ برجل يضرب عبده فقال: (اتق الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته) (١) أي: على صورة المضروب. ومعنى ذلك - والله أعلم -: أن المضروب من ولد آدم، ووجهه كوجهه في أصل الخلقة، ووجه آدم ﵇ مكرمٌ مشرف؛ إذ قد شرفه الله تعالى بأن خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأقبل عليه بكلامه، وأسجد له ملائكته. وإذا كان هذا الوجه يشبه ذلك الوجه فينبغي أن يحترم كاحترامه.
ولما سمع ذلك الصحابي النهي عن الوسم، وفهم ذلك المعنى قال: والله لا أسمه، مبالغة في الامتثال والاحترام.
و(الوسم): الكي بالنار. وأصله: العلامة. يقال: وسم الشيء يسمه: إذا
стр. 3092
[٢٠٢٩] وعن ابنَ عَبَّاسٍ قال: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا مَوسُومَ الوَجهِ، فَأَنكَرَ ذَلِكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَا أَسِمُهُ إِلَّا فِي أَقصَى شَيءٍ مِن الوَجهِ، فَأَمَرَ بِحِمَارٍ لَهُ فَكُوِيَ فِي جَاعِرَتَيهِ، فَهُوَ أَوَّلُ مَن كَوَى الجَاعِرَتَينِ.
رواه مسلم (٢١١٨).
ــ
أعلمه بعلامة يعرف بها. ومنه: السيماء: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُم فِي وُجُوهِهِم مِن أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ومعروف الرواية: (الوسم) بالسين المهملة، وقد رواه بعضهم بالشين المعجمة (١)، وهو وَهمٌ؛ لأنَّ الوشم إنما هو غرز الشفاه والأذرع بالإبرة، وتسويدها بالنؤور، وهو: الكحل، أو ما شابهه. والوسم: كي. فكيف يجعل أحدهما مكان الآخر؟ !
و(الجاعرتان): مؤخر الوركين المشرفان مما يلي الدُّبر. وسُميا بذلك: لأن الجعر - وهو البعر - يقع عليهما.
و(قوله: قال: والله! لا أسمه إلا أقصى شيء من الوجه) ظاهر مساق هذا الحديث في كتاب مسلم: أن القائل: هو ابن عباس راوي الخبر، وليس كذلك؛ لما صحَّ من رواية البخاري في التاريخ، وفي رواية أبي داود في مصنفه: أن القائل هو: العباس والد عبد الله. وهو أوَّل من كوى في الجاعرتين، لا ابنه.
و(الميسم): المكوى. و (الظهر) هنا: الإبل التي يُحمل عليها.
وهذه الأحاديث كلها تدلُّ على جواز كي الحيوان لمصلحة العلامة في كل الأعضاء إلا في الوجه. وهو مستثنى من تعذيب الحيوان بالنار؛ لأجل المصلحة الرَّاجحة. وإذا كان كذلك، فينبغي أن يقتصر منه على الخفيف الذي يحصل به المقصود، ولا يبالغ في التعذيب، ولا التشويه. وهذا لا يختلف فيه الفقهاء إن شاء الله تعالى.
стр. 3093
[٢٠٣٠] وعن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا وَلَدَت أُمُّ سُلَيمٍ قَالَت لِي: يَا أَنَسُ، انظُر هَذَا الغُلَامَ، فَلَا يُصِيبَنَّ شَيئًا حَتَّى تَغدُوَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُحَنِّكُهُ. قَالَ: فَغَدَوتُ، فَإِذَا هُوَ فِي الحَائِطِ وَعَلَيهِ خَمِيصَةٌ حُوَيتِيَّةٌ، وَهُوَ يَسِمُ الظَّهرَ الَّذِي قَدِمَ عَلَيهِ من الفَتحِ.
وفي رواية: قَالَ: فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مِربَدٍ يَسِمُ غَنَمًا. قَالَ شُعبَةُ: وَأَكثَرُ عِلمِي أَنَّهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا.
رواه أحمد (٣/ ١٠٥ و ١٠٦)، والبخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١١٩) (١٠٩ و ١١٠)، وأبو داود (٢٥٦٣).
ــ
وفيه ما يدل على استحسان استخراج المولود الذكر عند ولادته لمن يرتجى بركة دعوته من العلماء، والفضلاء. وينبغي لذلك المرجو بركته أن يحنك الصَّبي بتمر إن كان، أو بما يتنزل منزلته، كالزبيب، والتين، كما كانت العادة الجارية عندنا بالأندلس، لكنَّهم كانوا يخرجونه يوم السابع، وذلك عدولٌ عن مقتضى هذا الحديث، فإنَّه أُخرج إثر ولادته، قبل أن يصيب لبنًا، أو غيره. والكل واسعٌ، والأول أحسن اقتداءً بالنبي ﷺ وبأصحابه ﵃.
وقول أنس ﵁: (وعليه خميصة حُويتيَّة) الخميصة: كساء أسود مربع. وقال الأصمعي: الخمائص: ثياب خز، أو صوف معلمة، كانت من لباس الناس. واختلف الرواة في (حويتية) فرواها العذري بالحاء المهملة، وبعد الواو الساكنة تاء باثنتين من فوقها مفتوحة، بعدها نون. ورواية الهروي: (حُونِية) بضم الحاء وكسر النون بعد الواو. وعند الفارسي: (خُوَيتِية) بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو، وسكون الياء باثنتين من تحتها، بعدها تاء. ورواه البخاري: (خريثية) منسوبة إلى خُريث - رجل من قضاعة -. وضبطها ابن مُفَوَّز: (حَونَبِية) بفتح الحاء المهملة، وفتح النون بعدها، وكسر الباء بواحدة من تحتها.
стр. 3094
[٢٠٣١] وعنه قَالَ: رَأَيتُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المِيسَمَ، وَهُوَ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٤ و ٢٩٠)، والبخاريُّ (٥٨٢٤)، ومسلم (٢١١٩)(١١٢).
* * *
ــ
قلت: ومع هذا الاضطراب لم نحصل من هذه اللفظة على تحقيق، وأشبه ما فيها: ما رواه البخاري.
و(المربد): أصله للإبل، فيحتمل أن كان مربدًا للإبل، وأدخلت فيه الغنم. ويحتمل أن يكون استعاره لحظيرة الغنم.
وكونه ﷺ يسم الإبل والغنم بيده؛ يدلُّ على تواضعه ﷺ ، وعلى أن الفضل في امتهان الرجل نفسه في الأعمال التي لا تزري بالإنسان شرعًا، وخصوصًا: إذا كان ذلك في مصلحة عامة، كما وسم ﷺ إبل الصدقة بيده. ويحتمل أن تكون مباشرته للكي بيده ليرفق بالبهائم في الوسم، ولا يبالغ في ألمها. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3095
(٢٠) باب النهي عن القزع وعن وصل شعر المرأة
[٢٠٣٢] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن القَزَعِ قَالَ: قُلتُ لِنَافِعٍ: وَمَا القَزَعُ؟ قَالَ: يُحلَقُ بَعضُ رَأسِ الصَّبِيِّ وَيُترَكُ بَعضٌ.
رواه البخاريُّ (٥٩٢٠)، ومسلم (٢١٢٠)، وأبو داود (٤١٩٣ و ٤١٩٤)، والنسائي (٨/ ١٣٠).
ــ
(٢٠ و ٢١) ومن باب النهي عن القزع وعن وصل الشعر (١)
في الصحاح: القزع: أن يحلق رأس الصبي في مواضع، ويترك الشعر متفرقًا، وقد نُهي عنه. وقزع رأسه تقزيعًا: إذا حلق شعره، وبقيت منه بقايا في نواحي رأسه، ورجل مقزع: رقيق شعر الرأس متفرقه. قال: والقزع: قطع من السحاب رقيقة، الواحدة: قزعة.
قلت: لا خلاف أنه إذا حلق من الرأس مواضع، وأبقيت مواضع أنه القزع المنهي عنه، لما عرف من اللغة كما نقلناه، ولتفسير نافع له بذلك. واختلف فيما إذا حلق جميع الرأس وترك منه موضع كشعر الناصية، أو فيما إذا حلق موضع وحده، وبقي أكثر الرأس. فمنع ذلك مالك، ورآه من القزع المنهي عنه.
وقال نافع: أما القُصَّة، والقفا للغلام: فلا بأس به. واختلف في المعنى الذي لأجله كره. فقيل: لأنه من زي أهل الزعارة والفساد. وفي كتاب أبي داود: أنه زي اليهود. وقيل: لأنَّه تشويه، وكأن هذه العلة أشبه؛ بدليل ما رواه النسائي من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ رأى صبيًا حلق بعض
стр. 3096
[٢٠٣٣] وعَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي ابنَةً عُرَيِّسًا أَصَابَتهَا حَصبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعرُهَا أَفَأَصِلُهُ؟ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ.
رواه البخاري (٥٩٤١)، ومسلم (٢١٢٢)(١١٥)، والنسائي (٨/ ١٨٧).
[٢٠٣٤] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الوَاصِلَةَ وَالمُستَوصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُستَوشِمَةَ.
ــ
شعره، وترك بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: (اتركوه كله، أو احلقوه كله) (١).
و(قول المرأة: إن لي ابنة عريسًا) هو تصغير عروس، قلبت الواو ياء، وزيد عليها ياء التصغير، وأدغمت إحداهما في الأخرى. ويقال: عروس، للذكر والأنثى. يقال: رجل عروس، ورجال عرس، وامرأة عروس من نساء عرائس. والعرس - بالكسر -: امرأة الرجل، ولبوة الأسد، والجمع أعراس، ومنه قول الشاعر (٢):
. . . . . . . . . . . . ... بالرقمتين له أجرٍ وأعراس (٣)
و(الحصبة) - بفتح الحاء، وسكون الصاد -: مرض معروف يشبه الجدري.
وقولها: (تمرق شعرها) أي: انتتف، وفي رواية أخرى: (تَمَرَّط) وكلاهما بمعنى واحد. يقال: مرق الصوف عن الإهاب، يمرق، مرقًا. وتمرق، وأمرق،
стр. 3097
رواه البخاري (٥٩٤٠)، ومسلم (٢١٢٤)، وأبو داود (٤١٦٨)، والترمذي (٢٧٨٤)، والنسائي (٨/ ١٤٥).
[٢٠٣٥] وعن جَابِرٍ قال: زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَن تَصِلَ المَرأَةُ بِشعرهَا شَيئًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٦)، ومسلم (٢١٢٦).
* * *
ــ
ويقال: مرط شعره يمرطه مرطًا: إذا نتفه، والمراطة: ما سقط منه. وتمرط شعره يتمرط تمرطًا: إذا تساقط.
و(وصل الشعر): هو أن يضاف إليه شعره آخر يكثر به. و (الواصلة): هي التي تفعل ذلك. و (المستوصلة): هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها. وكذلك (الواشمة): هي التي تعمل الوشم. وقد ذكرناه. و (المستوشمة): هي التي تستدعي من يفعل ذلك بها.
وهذا الحديث نصٌّ في تحريم وصل الشعر بالشعر. وبه قال مالك، وجماعة العلماء. ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق وغيرها؛ لأنَّ ذلك كله في معنى وصله بالشعر، ولعموم نهي رسول الله ﷺ أن تصل المرأة شعرها.
وقد شذَّ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق (١)، وما ليس بشعر. وهو محجوج بما تقدَّم. وأباح آخرون وضع الشعر على الرأس، وقالوا: إنما نهي عن الوصل خاصة، وهذه ظاهريَّة محضة، وإعراض عن المعنى.
وقد شذَّ قوم فأجازوا الوصل مطلقًا، وتأولوا الحديث على غير وصل الشعر. وهو قول باطل. وقد روي عن عائشة، ولم يصح عنها. ولا يدخل في هذا النهي ما ربط من الشعر بخيوط الحرير الملوَّنة، وما لا يشبه الشعر، ولا يكثره، وإنَّما يفعل ذلك للتجمل والزينة.
стр. 3098
(٢١) باب في لعن المتنمصات والمتفلجات للحسن
[٢٠٣٦] عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلحُسنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ اللَّهِ.
قَالَ: والمتوشمات. فَبَلَغَ ذَلِكَ امرَأَةً مِن بَنِي أَسَدٍ يُقَالَ لَهَا أُمُّ يَعقُوبَ، وَكَانَت تَقرَأُ القُرآنَ، فَأَتَتهُ فَقَالَت: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنكَ أَنَّكَ لَعَنتَ الوَاشِمَاتِ وَالمُستَوشِمَاتِ، وَالمُتَنَمِّصَاتِ، وَالمُتَفَلِّجَاتِ لِلحُسنِ، المُغَيِّرَاتِ خَلقَ اللَّهِ؟
ــ
و(المتنمصات): جمع متنمصة، وهي التي تقلع الشعر من وجهها بالمنماص، وهو الذي يقلع الشعر. ويقال عليها: النامصة.
و(المتفلجات): جمع متفلجة، وهي التي تفعل الفلج في أسنانها؛ أي: تعاينه حتى ترجع المصمتة الأسنان خلقة؛ فلجاء صنعة. وفي غير كتاب مسلم: (الواشرات) وهي جمع واشرة، وهي التي تشر أسنانها؛ أي: تصنع فيها أشرًا، وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان، تفعل ذلك المرأة الكبيرة تشبُّه بالشابَّة. وقد وقع في رواية الهوزني - أحد رواة مسلم - مكان الواشمة والمستوشمة: الواشية والمستوشية - بالياء باثنتين من تحتها مكان الميم -، وهي من الوشي؛ أي: تشي المرأة نفسها بما تفعله فيها من التَّنميص، والتفليج، والأشر، وغير ذلك، وبالميم أشهر، وهذه الأمور كُلُّها قد شهدت الأحاديث بلعن من يفعلها، وبأنَّها من الكبائر. واختلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها. فقيل: لأنَّها من باب التدليس. وقيل: من باب تغيير خلق الله؛ الذي يحمل الشيطان عليه، ويأمر به، كما قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلقَ اللَّهِ﴾ قال ابن مسعود، والحسن: بالوشم. وهو الذي أومأ إليه قوله ﷺ : (المغيرات خلق الله) ولذلك قال علماؤنا: هذا المنهي عنه، المتوعَّد على فعله؛ إنَّما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنَّه من
стр. 3099
فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلعَنُ مَن لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟
ــ
باب تغيير خلق الله. فأما ما لا يكون باقيًا، كالكحل، والتزين به للنساء: فقد أجازه العلماء: مالك وغيره. وكرهه مالك للرجال. وأجاز مالك أيضًا أن تشي المرأة يديها بالحناء. وروي عن عمر ﵁ إنكار ذلك. وقال: إما أن تخضب يديها كلها، أو تدع. وأنكر مالك هذا عن عمر.
قال القاضي عياض: وجاء حديث بالنهي عن تسويد الحناء. ذكره صاحب النصائح.
قال أبو جعفر الطبري في هذا الحديث: إنَّه لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقها الذي خلقها الله تعالى عليه بزيادة، أو نقص، التماس الحسن لزوج أو غيره، سواء فلجت أسنانها، أو وشرتها، أو كان لها سن زائدة فأزالتها، أو أسنان طوال، فقطعت أطرافها. وكذلك لا يجوز لها حلق حية، أو شارب، أو عنفقة إن نبتت لها؛ لأنَّ كل ذلك تغيير لخلق الله تعالى.
قال القاضي: ويأتي على ما ذكره أن من خلق بإصبع زائدة، أو عضو زائد؛ لا يجوز له قطعه، ولا نزعه؛ لأنَّه من تغيير خلق الله، إلا أن تكون هذه الزوائد تؤلمه فلا بأس بنزعه عند أبي جعفر الطبري وغيره.
وقول ابن مسعود للمرأة: (وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ) دليل: على جواز الاقتداء برسول الله ﷺ في إطلاق اللعن على من لعنه النبي ﷺ معينًا كان أو غير معيَّن؛ لأنَّ الأصل أن النبي ﷺ ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك. غير أن هذا يعارضه قوله ﷺ : (اللهم ما من مسلم سببته، أو جلدته، أو لعنته، وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا) (١) وهذا يقتضي أنه ﷺ قد يلعن من ليس بأهل للعنة. وقد أشكل هذا على كثير من العلماء، وراموا الانفصال عن ذلك
стр. 3100
وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ! فَقَالَت المَرأَةُ: لَقَد قَرَأتُ مَا بَينَ لَوحَي المُصحَفِ فَمَا وَجَدتُهُ! فَقَالَ: لَئِن كُنتِ قَرَأتِيهِ لَقَد وَجَدتِيهِ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾ قَالَت المَرأَةُ: فَإِنِّي أَرَى شَيئًا مِن هَذَا عَلَى امرَأَتِكَ الآنَ.
ــ
بأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا، وأشبه ما ينفصل به عن ذلك: أن قوله: (ليس لذلك بأهل) في علم الله. وأعني بذلك: أن هذا الذي لعنه رسول الله ﷺ إنما لعنه لسبب صدر منه يقتضي إباحة لعنه، لكنَّه قد يكون منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله: أنه يقلع عن ذلك السبب، ويتوب منه، بحيث لا يضره. فهذا هو الذي يعود عليه سب رسول الله ﷺ إياه، ولعنه له بالرحمة والطهور والكفارة. ومن لا يعلم الله منه ذلك، فإنَّ دعاءه ﷺ زيادة في شقوته، وتكثير للعنته، والله تعالى أعلم.
و(قوله: وهو في كتاب الله) فهمت المرأة من هذا القول أن لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن، فقالت: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فلم أجده.
وقوله لها: (لئن كنت قرأتيه، لقد وجدتيه) بزيادة ياء هي الرواية، وهي لغة معروفة فيما إذا اتصل بياء خطاب الواحدة المؤنثة ضمير غائب؛ ويعني: بقرأتيه: تدبرتيه. ووجه استدلاله على ذلك بالآية: أنَّه فهم منها تحريم مخالفة النبي ﷺ فيما يأمر به، وينهى عنه، وأن مخالفه مستحق للعنة. وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للعنة.
وقول المرأة لابن مسعود: (فإنا نرى (١) على امرأتك شيئًا من هذا الآن) تعني: أنها رأت على امرأته عن وقت قريب من وقت كلامها معه، حتى كأنه في حكم الوقت الحاضر المعبَّر عنه بـ (الآن) شيئًا من تلك الأمور المذكورات في
стр. 3101
قَالَ: اذهَبِي فَانظُرِي. قَالَ: فَدَخَلَت عَلَى امرَأَةِ عَبدِ اللَّهِ فَلَم تَرَ شَيئًا، فَجَاءَت إِلَيهِ فَقَالَت: مَا رَأَيتُ شَيئًا. فَقَالَ: أَمَا لَو كَانَ ذَلِكَ لَم نُجَامِعهَا.
رواه البخاريُّ (٥٩٣٩)، ومسلم (٢١٢٥)، وأبو داود (٤١٦٩).
* * *
(٢٢) باب النهي عن الزور وهو ما يكثرن به الشعور وذم الكاسيات العاريات والمتشبع بما لم يعط
[٢٠٣٧] عَن حُمَيدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بنَ
ــ
الحديث. وأقرب ما يكون ذلك الشيء التنميص، وهو الذي يزول بنبات الشعر عن قريب، ولو كان ذلك وشمًا، أو تفليجًا، لما زال.
وقوله لها: (اذهبي فانظري) يعني: أنَّه لما رأى على امرأته شيئًا من ذلك نهاها فانتهت عنه، وسعت في إزالته حتى زال، فدخلت المرأة، فلم تر عليها شيئًا من ذلك، فصدَّق قوله فعله. وهكذا يتعين على الرجل أن ينكر على زوجته مهما رأى عليها شيئًا محرَّمًا، ويمتنع من وطئها، كما قال عبد الله: أما إنه لو كان ذلك لم يجامعها. هذا ظاهر هذا اللفظ. ويحتمل: لم يجتمع معها في دار، ولا بيت، فإما بهجران، أو بطلاق، كما قال تعالى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضرِبُوهُنَّ﴾ وإذا كان هذا لأجل حق الزوج، فلأن يكون لحق الله تعالى أحرى وأولى.
(٢٢) ومن باب النهي عن الزور، وهو ما يكثر به الشعر
القُصَّة من الشعر: ما كان منه على الجبهة. قاله الأصمعي.
стр. 3102
أَبِي سُفيَانَ، عَامَ حَجَّ، وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِن شَعَرٍ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ يَقُولُ: يَا أَهلَ المَدِينَةِ، أَينَ عُلَمَاؤُكُم؟ سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنهَى عَن مِثلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا هَلَكَت بَنُو إِسرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُم.
رواه أحمد (٤/ ٨٧)، والبخاريُّ (٣٤٦٨)، ومسلم (٢١٢٧)(١٢٢)، وأبو داود (٤١٦٧)، والترمذي (٢٧٨١)، والنسائي (٨/ ١٨٦).
ــ
وقول معاوية ﵁: (يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ ) هذا من معاوية ﵁ على جهة التذكير لأهل المدينة بما يعلمونه، واستعانة على ما رام تغييره من ذلك. لا على جهة أن يعلمهم بما لم يعلموا، فإنَّهم أعلم الناس بأحاديث النبي ﷺ ، لا سيما في ذلك العصر. ويحتمل أن يكون ذلك فيه؛ لأنَّ عوام أهل المدينة أول من أحدث الزور، كما قال في الرواية الأخرى: إنكم قد أحدثتم زي سوء؛ يعني: الزور، فنادى أهل العلم ليوافقوه على ما سمعه من النبي ﷺ من النهي عن ذلك، فينزجر من أحدث ذلك من العوام. وقد فسَّر معاوية الزور المنهي عنه في هذا الحديث بالخِرَق التي يُكثِر النساء بها شعورهن بقوله: (ألا وهذا الزور) وزاده قتادة وضوحًا.
و(الزور) في غير هذا الحديث: قول الباطل، والشهادة بالكذب. وأصل التزوير: التمويه بما ليس بصحيح.
وهذا الحديث حجَّة واضحة على إبطال قول من قصر التحريم على وصل الشعر، كما تقدَّم. وهذا يدلّ: على اعتبار أقوال أهل المدينة عندهم، وأنها مرجع يعتمد عليه في الأحكام. وهو من حجج مالك على أن إجماع أهل المدينة حجَّة، وقد حققنا ذلك في الأصول.
و(قوله: إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم) يظهر منه: أن ذلك كان محرَّما عليهم، وأن نساءهم ارتكبوا ذلك المحرَّم، فأقرَّهن على ذلك رجالهم، فاستوجب الكل العقوبة بذلك، وبما ارتكبوه من العظائم.
стр. 3103
[٢٠٣٨] وعن مُعَاوِيَةَ أنه قَالَ ذَاتَ يَومٍ: إِنَّكُم قَد أَحدَثتُم زِيَّ سَوءٍ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن الزُّورِ. قَالَ: وَجَاءَ رَجُلٌ بِعَصًا عَلَى رَأسِهَا خِرقَةٌ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلَا وَهَذَا الزُّورُ قَالَ قَتَادَةُ: يَعنِي مَا يُكَثِّرُ بِهِ النِّسَاءُ أَشعَارَهُنَّ مِن الخِرَقِ.
رواه أحمد (٤/ ٩٣)، ومسلم (٢١٢٧)(١٢٤).
[٢٠٣٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صِنفَانِ مِن أَهلِ النَّارِ لَم أَرَهُمَا: قَومٌ مَعَهُم سِيَاطٌ كَأَذنَابِ البَقَرِ يَضرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ،
ــ
و(قوله: صنفان من أهل النار لم أرهما) أي: لم يوجد في عصره منهما أحدٌ؛ لطهارة أهل ذلك العصر الكريم. ويتضمن ذلك: أن ذينك الصنفين سيوجدان. وكذلك كان، فإنَّه خلف بعد تلك الأعصار قوم يلازمون السياط المؤلمة التي لا يجوز أن يضرب بها في الحدود قصدًا لتعذيب الناس، فإن أمروا بإقامة حد، أو تعزير، تعدوا المشروع في ذلك في الصفة والمقدار، وربما أفضى بهم الهوى، وما جبلوا عليه من الظلم إلى هلاك المضروب، أو تعظيم عذابه. وهذا أحوال الشرط بالمغرب، والعوانية في هذه البلاد.
وعلى الجملة: فهم سخط الله في الجملة عاقب الله بهم شرار خلقه غالبًا. نعوذ بالله من سخطه في الدنيا والآخرة.
و(قوله: ونساء كاسيات عاريات) قيل في هذا قولان:
أحدهما: أنهن كاسيات بلباس الأثواب الرقاق الرفيعة التي لا تستر منهن حجم عورة، أو تبدي من محاسنها - مع وجود الأثواب الساترة عليها - ما لا يحل لها أن تبديه، كما تفعل البغايا المشتهرات بالفسق.
стр. 3104
مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسنِمَةِ البُختِ المَائِلَةِ، لَا يَدخُلنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا.
رواه أحمد (٢/ ٣٥٥)، ومسلم (٢١٢٨).
ــ
وثانيهما: أنهنَّ كاسيات من الثياب، عاريات من لباس التقوى؛ الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾
قلت: ولا بُعد في إرادة القدر المشترك بين هذين النوعين؛ إذ كل واحد منهما عُرُوٌّ؛ وإنَّما يختلفان بالإضافة.
و(قوله: مميلات مائلات) كذا جاءت الرواية في هاتين الكلمتين بتقديم: مميلات على مائلات (١)، وكلاهما من الميل، بالياء باثنتين من تحتها. ومعنى ذلك: أنهن يملن في أنفسهن تثنيًا ونعمة وتصنعًا؛ ليُملن إليهن قلوب الرجال، فيميلون إليهن ويفتنَّهم. وعلى هذا: فكان حق مائلات أن يتقدم على مميلات؛ لأنَّ ميلهن في أنفسهن مقدَّم في الوجود على إمالتهن. وصحَّ ذلك لأن الصفات المجتمعة لا يلزم ترتيبها؛ ألا ترى أنها تعطف بالواو، والواو جامعة غير مترتبة، إلا أن الأحسن تقديم مائلات على مميلات؛ لأنَّه سببه كما سبق.
وقد أبعد أبو الوليد الوقشي حيث قال: إن صوابه: (الماثلة) بالثاء المثلثة، يعني: الظاهرة، وقال: لا معنى للمائلة هنا. وترك هذا الصواب هو الصواب (٢).
و(قوله: رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) أسنمة: جمع سنام، وسنام كل شيء: أعلاه. والبخت: جمع بختية، وهي ضرب من الإبل عظام الأجسام، عظام الأسنمة، شبَّه رؤوسهن بها لما رفعن من ضفائر شعورهن على أوساط رؤوسهن
стр. 3105
[٢٠٤٠] وعن أَسمَاءَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَل عَلَيَّ جُنَاحٌ أَن أَتَشَبَّعَ مِن مَالِ زَوجِي بِمَا لَم يُعطِنِي؟ فَقَالَ
ــ
تزينًا، وتصنعًا، وقد يفعلن ذلك بما يكثرن به شعورهن (١)، والمائلة: الرواية بالياء، من الميل. يعني: أن أعلى السَّنام يميل لكثرة شحمه، شبَّه أعالي ما يرفعن من الشعر بذلك. وقال الوقشي (٢): صوابه: بالثاء المثلثة؛ أي: المرتفعة الظاهرة.
وقد تقدَّم القول على نحو قوله: (لا يدخلن الجنة) وعلى قوله: (كذا وكذا) وهو كناية عن خمسمائة عام، كما قد جاء مفسَّرًا.
وقولها: (هل علي جناح أن أتشبَّع من مال زوجي بما لم يعطني؟ ) سألته: هل يجوز لها أن تظهر لضرتها: أن زوجها قد مكنها، أو أعطاها من ماله أكثر مما تستحقه، أو أكثر مما أعطى ضرتها؛ افتخارًا عليها، وإيهامًا لها أنها عنده أحظى منها، فأجابها ﷺ بما يقتضي المنع من ذلك، فقال: (المتشبِّع بما لم يُعط كلابس ثوبي زور) وأصل التشبُّع: تفعُّل من الشِّبع، وهو الذي يظهر الشِّبع وليس بشبعان. وكثيرًا ما تأتي هذه الصيغة بمعنى التعاطي كالتكبُّر، والتصنُّع.
ويفهم من هذا الكلام: أن النبي ﷺ نهى المرأة عن أن تتظاهر وتتكاثر بما لم يعطها زوجها؛ لأنَّه شَبَّه فعلها ذلك بما يُنتهى عنه، وهو: أن يلبس الإنسان ثوبين زورًا. واختلف المتأولون؛ هل الثوبان محمولان على الحقيقة، أو على المجاز؟ على قولين:
فعلى الأول يكون معناه: أنه شبهها بمن أخذ ثوبين لغيره بغير إذنه، فلبسهما مظهرًا أن له ثيابًا ليس مثلها للمظهر له. وقيل: بل شبهها بمن يلبس ثياب الزهاد، وليس بزاهد.
стр. 3106
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المُتَشَبِّعُ بِمَا لَم يُعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زُورٍ.
رواه أحمد (٦/ ٣٤٥)، والبخاريُّ (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٣٠)، وأبو داود (٤٩٩٧).
* * *
ــ
وعلى الوجه الثاني: قال الخطابي: إن ذكر الثوبين هنا كناية عن حاله ومذهبه. والعرب تكني بالثوب عن حال لابسه. والمعنى: أنه بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن. وقيل: هو الرجل في الحي تكون له هيئة، فإذا احتيج إليه في شهادة زور شهد بها، فلا يرد لأجل هيئته، وحسن ثوبه. فأضيفت شهادة الزور إلى ثوبه؛ إذ كان سببها.
قلت: وأي شيء من هذه الوجوه كان المقصود، فيحصل منه: أن تشبع المرأة على ضرَّتها بما لم يعطها زوجها محرَّم؛ لأنَّه شُبه بمحرَّم، وإنما كان ذلك محرَّمًا؛ لأنَّه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، ورياءً، وأذًى للضرة من نسبة الزوج إلى أنَّه آثرها عليها، وهو لم يفعل، وكل ذلك محرَّم.
* * *
стр. 3107
(٣٠) كتاب الأدب
(١) باب في أحب الأسماء إلى الله وأبغضها إليه
[٢٠٤١] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَحَبَّ أَسمَائِكُم إِلَى اللَّهِ، عَبدُ اللَّهِ وَعَبدُ الرَّحمَنِ.
رواه مسلم (٢١٣٢).
ــ
(٣٠) كتاب الأدب
(١) ومن باب: أحب الأسماء إلى الله تعالى وأبغضها إليه
قوله: (أحب أسمائكم إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن) إنما كانت هذه الأسماء أحبُّ إلى الله تعالى؛ لأنها تضمَّنت ما هو وصف واجب للحق تعالى، وهو: الإلهية، والرحمانية، وما هو وصف الإنسان وواجب له، وهو: العبودية والافتقار، ثمَّ قد أضيف العبد الفقير للإله الغني إضافة حقيقيَّة. فصدقت أفراد هذه الأسماء الأصلية، وشرفت بهذه الإضافة التركيبية، فحصلت لهما هذه الأفضلية الأحبيَّة. ويلحق بهذين الاسمين كل ما كان مثلهما، مثل: عبد الملك، وعبد الصمد، وعبد الغني.
стр. 3108
[٢٠٤٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَخنَعَ اسمٍ عِندَ اللَّهِ،
ــ
و(قوله: إن أخنع اسم عند الله) أي: أذلَّ. والخنوع: الخضوع والذلُّ. يقال: أخنعتني إليك الحاجة. ومنه في دعاء القنوت: (ونخنع لك) (١) أي: نذل لك ونخضع. وقد يقال على الفجور والرِّيبة. يقال: رجل خانع؛ أي: مريب فاجر. ومنه قول الأعشى:
. . . . . . . . . . . . ... ولا يرون إلى جاراتهم خُنُعًا (٢)
قلت: وهذا راجعٌ للمعنى الأول؛ لأنَّ الفاجر المريب خانع ذليل. ولذلك فسَّر أبو عمرو: أخنع بأوضع؛ أي: أذل وأخس. وأراد بالاسم هنا: المسمى، بدليل ما قال في الرواية الأخرى: أغيظ رجل، وأخبثه.
والغيظ المضاف إلى الله تعالى هو: عبارة عن غضبه. وقد تقدَّم: أن غضب الله تعالى عبارة عن عقوبته المنزلة بمن يستحقها. والأخبث: من الخبث، وهو: الاسترذال، والخِسَّة، والرَّداءة. وقد وقع في هذه الرواية: وأغيظه. معطوفًا على أخبثه، من الغيظ، فجاء مكررًا. فذهب بعض العلماء إلى أن ذلك وهم، والصواب: وأغنط - بالنون والطاء المهملة (٣) -؛ أي: أشدُّ. والغَنَط: شدة الكرب.
قلت: والصواب التمسك بالرِّواية. وتطريق الوهم إلى الأئمة الحفاظ وهم لا تنبغي المبادرة إليه ما وجد للكلام وجه، ويمكن أن يحمل على إفادة تكرار
стр. 3109
رَجُلٌ يسَمَّى مَلِكَ الأَملَاكِ، لا مالك إلا الله. قَالَ سُفيَانُ: مِثلُ: شَاهَان شَاه.
وفي رواية: أَغيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَخبَثُهُ وَأَغيَظُهُ عَلَيهِ، رَجُلٍ كَانَ يُسَمَّى مَالِكَ الأَملَاكِ، لَا مَالِكَ إِلَّا اللَّهُ.
رواه البخاري (٦٢٠٦)، ومسلم (٢١٤٣) (٢٠ و ٢١)، وأبو داود (٤٩٦١)، والترمذيُّ (٢٨٣٩).
* * *
ــ
العقوبة على المسمى بذلك الاسم وتعظيمها، كما قال تعالى في حق اليهود: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ أي: بما يوجب العقوبة بعد العقوبة. وكذلك فعل الله تعالى بهم؛ عاقبهم في الدنيا بأنواعٍ من العقوبات، ولعذاب الآخرة أشقُّ.
وحاصل هذا الحديث: أن المسمى بهذا الاسم قد انتهى من الكبر إلى الغاية التي لا تنبغي لمخلوق، وأنه قد تعاطى ما هو خاص بالإله الحق؛ إذ لا يَصدُق هذا الاسم بالحقيقة إلا على الله تعالى، فعوقب على ذلك من الإذلال، والإخساس، والاسترذال بما لم يعاقب به أحدٌ من المخلوقين.
و(الملك): من له المُلكُ. و (المالك): من له المِلكُ. والملِكُ أمدحُ، والمالك أخصُّ. وكلاهما واجب لله تعالى.
و(الأملاك): جمع مَلِك. قال في الصحاح: الملِك - مقصور - من: مالك أو: مليك. والجمع: الملوك والأملاك، والاسم: الملك.
وقول سفيان: مثل: شاهًا شاه (١)، هي بالفارسية: ملك الأملاك.
стр. 3110
(٢) باب قوله ﵊: تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، وفي التسمية بأسماء الأنبياء والصالحين
[٢٠٤٣] عَن أَنَسٍ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ رَجُلًا بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَم أَعنِكَ، إِنَّمَا دَعَوتُ فُلَانًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٨)، والبخاريُّ (٣٥٣٩)، ومسلم (٢١٣٤)، وأبو داود (٤٩٦٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٤)، وابن ماجه (٣٧٣٥).
ــ
(٢) ومن باب تسمَّوا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي
قوله ﷺ : (تسمَّوا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي) صدر هذا القول عن النبي ﷺ مرات؛ فعلى حديث أنس إنما قاله حين نادى رجل: يا أبا القاسم! فالتفت النبي ﷺ ، فقال الرجل: لم أعنك. فقال النبي ﷺ ذلك القول. وهذه حالة تنافي الاحترام، والتعزير المأمور به، فلمَّا كانت الكناية بأبي القاسم تؤدي إلى ذلك نهى عنها. ويتأيد هذا المعنى بما نقل: أنَّ اليهود كانت تناديه بهذه الكناية إزراءً، ثم تقول: لم أعنك. فحسم الذريعة بالنَّهي. فإن قيل: فيلزم على هذا: أن تُمنع التَّسمية بمحمد، وقد فرَّق بينهما، فأجازه في الاسم، ومنعه في الكناية.
فالجواب: أنَّه لم يكن أحدٌ من الصحابة يجترئ أن يناديه باسمه؛ إذ الاسم لا توقير بالنداء به، بخلاف الكناية فإنَّ في النداء بها احترامًا وتوقيرًا، وإنما كان يناديه باسمه أجلاف العرب، ممن لم يؤمن، أو آمن ولم يرسخ الإيمان في قلبه، كالذين نادوه من وراء الحجرات: يا محمد! اخرج لنا. فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكثَرُهُم لا يَعقِلُونَ﴾ فمنعت الذريعة فيما كانوا ينادونه به، وأبيح ما لم يكونوا ينادونه به. وعلى هذا المعنى فيكون النهي عن
стр. 3111
[٢٠٤٤] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، فَقُلنَا: لَا نَكنيكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَستَأمِرَهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ وُلِدَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيتُهُ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَإِنَّ قَومِي أَبَوا أَن يَكنُونِي بِهِ حَتَّى تَستَأذِنَ رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ: تسَمَّوا بِاسمِي، وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي، فَإِنَّمَا بُعِثتُ قَاسِمًا أَقسِمُ بَينَكُم.
ــ
ذلك مخصوصًا بحياته. وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم. وقد رُوي: أن عليًّا ﵁ قال: يا رسول الله! إن وُلد بعدك غلامٌ أَأُسَمِّيه باسمك، وأكنِّيه بكنيتك؟ . قال: (نعم) (١).
وأما حديث جابر فيقتضي: أن النهي عن ذلك إنما كان لأن ذلك الاسم لا يصدق على غيره صدقه عليه، ولذلك قال متصلًا بقوله: (تسمَّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي، فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم) وفي الرواية الأخرى: (فإنما بعثت إليكم قاسِمًا) يعني: أنه هو الذي يبين قسم الأموال في المواريث، والغنائم، والزكوات، والفيء، وغير ذلك من المقادير، فيُبلِّغ عن الله حكمه، ويبيِّن قسمه. وليس ذلك لأحدٍ، إلا له، فلا يطلق هذا الاسم في الحقيقة إلا عليه.
وعلى هذا التأويل الثاني: فلا يكتني أحدٌ بأبي القاسم، لا في حياته، ولا بعد موته. وإلى هذا ذهب بعض السَّلف، وأهل الظاهر، وزادت طائفة أخرى من السَّلف منع التسمية بالقاسم؛ لئلا يكنى أبوه بأبي القاسم. وذهبت طائفة ثالثة من السلف أيضًا: إلى أن الممنوع إنما هو الجمع بين اسمه وكنيته. واستدلوا على ذلك بما رواه الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته، ويسمِّي محمدًا أبا القاسم) (٢) قال: حديث حسن صحيح. وعلى هذا
стр. 3112
وفي رواية: فإني أنا أبو القاسم أقسم بينكم.
رواه البخاريُّ (٣٥٣٨)، ومسلم (٢١٣٣) (٣ و ٤ و ٥)، وأبو داود (٤٩٦٥)، والترمذي (٢٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٣٦).
[٢٠٤٥] وعنه: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلَامٌ فَأَرَادَ أَن يُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَحسَنَت الأَنصَارُ، سَمُّوا بِاسمِي وَلَا تَكتَنُوا بِكُنيَتِي.
رواه مسلم (٢١٣٣)(٦).
ــ
فيجوز أن يكتني بأبي القاسم من لم يكن اسمه محمدًا. وذهب الجمهور من السلف والخلف، وفقهاء الأمصار: إلى جواز كل ذلك، فله أن يجمع بين اسمه وكنيته، وله أن يسمي بما شاء من الاسم والكنية بناء على أن كل ما تقدَّم إما منسوخ، وإما مخصوص به ﷺ واحتجوا على ذلك بما رواه الترمذي وصححه من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وبما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إني ولدتُ غلامًا فسميته: محمدًا، وكنيته بأبي القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك. فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرَّم كُنيتي؟ ! ) أو: (ما الذي حرم كُنيتي وأحل اسمي؟ ! ) (١) ويتأيَّد النَّسخ بما ثبت (٢): أن جماعة كثيرة من السَّلف وغيرهم سمُّوا أولادهم باسمه، وكنّوهم بكنيته جمعًا وتفريقًا. وكأن هذا كان أمرًا معروفًا معمولًا به في المدينة وغيرها. فقد صارت أحاديث الإباحة أولى؛ لأنَّها:
إما ناسخة لأحاديث المنع، وإما مرجحة بالعمل المذكور، والله تعالى أعلم.
وقد شذَّت طائفة فمنعوا التسمية بمحمد جملة متمسكين بذلك بما يروى عن
стр. 3113
[٢٠٤٦] وعنه: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلَامٌ؛ فَسَمَّاهُ القَاسِمَ، فَقُلنَا: لَا نَكنِيكَ أَبَا القَاسِمِ، وَلَا نُنعِمُكَ عَينًا. فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَسمِ ابنَكَ عَبدَ الرَّحمَنِ.
رواه مسلم (٢١٣٣)(٧).
ــ
النبي ﷺ أنه قال: (تسمُّون أولادكم محمدًا، ثم تلعنونهم) (١) وبما كتب عمر ﵁ إلى الكوفة من قوله: (لا تسمُّوا أحدًا باسم نبي) (٢) وبأمره جماعة بالمدينة بتغيير أسماء أبنائهم محمدًا، ولا حجَّة في شيء من ذلك. أما الحديث: فغير معروف عند أهل النقل، وعلى تسليمه فمقتضاه النهي عن لعن من اسمه محمد (٣)، لا عن التسمية به. وقد قدَّمنا النصوص الدالة على إباحة التسمية بذلك، بل: قد روي عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة تدلُّ على الترغيب، في التسمية بمحمد؛ كقوله ﷺ : (ما ضرَّ أحدكم أن يكون في بيته محمد، ومحمدان) (٤) وكقوله ﷺ : (ما اجتمع قوم في مشورة فيهم رجل اسمه محمد فلم يدخلوه فيها إلا لم يبارك لهم فيها) (٥) ومثله كثير. وأما أمر عمر ﵁: فكان بسبب: أنه سمع رجلًا يقول لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب: فعل الله بك يا محمد، وصنع بك. فدعا عمر به، وقال: ألا أرى رسول الله ﷺ يُسبُّ بك! والله! لا تدعى
стр. 3114
[٢٠٤٧] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمتُ نَجرَانَ سَأَلُونِي فَقَالَوا: إِنَّكُم تَقرَءُونَ: يَا أُختَ هَارُونَ، وَمُوسَى قَبلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلتُهُ عَن ذَلِكَ. فَقَالَ: إِنَّهُم كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنبِيَائِهِم وَالصَّالِحِينَ قَبلَهُم.
رواه مسلم (٢١٣٥)، والترمذي (٣١٥٤).
* * *
ــ
محمدًا أبدًا، وعند ذلك - والله تعالى أعلم - كتب لأهل الكوفة، وأمر أهل المدينة بما سبق، ثم إنه ذكر له جماعة سمَّاهم النبي ﷺ بذلك. فترك الناس من ذلك (١).
تنبيه: الأصل في الكناية أن يكون للرجل ابن فيُكنى باسم ابنه ذلك، ولذلك كني النبي ﷺ بأبي القاسم، فإنَّه كان له ولدٌ يسمى: القاسم من خديجة ﵂، وكأنه كان أوَّل ذكور أولاده. وعلى هذا: فلا ينبغي أن لا يكنى أحدٌ حتى يكون له ولدٌ يُكنى باسمه، لكن: قد أجاز العلماء خلاف هذا الأصل، فكنَّوا من ليس له ولدٌ، لحديث عائشة ﵂؛ أنها قالت للنبي ﷺ : كلُّ صواحباتي لهن كنى، وليس لي كنية، فقال: (اكتني بابن أختك عبد الله) فكانت تكتني بأمِّ عبد الله (٢). وقد كنَّى النبي ﷺ الصغير، فقال: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغير (٣)) وقد قال عمر ﵁: عجلوا بكنى أبنائكم وأولادكم (٤)؛ لا تسرع إليهم ألقاب السَّوء.
وحديث المغيرة يدلُّ: على أن مريم صلوات الله عليها؛ إنما سُميت أخت
стр. 3115
(٣) باب ما يكره أن يسمى به الرقيق
[٢٠٤٨] عَن سَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَربَعٌ: سُبحَانَ اللَّهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأتَ، وَلَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَبَاحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا. إِنَّمَا هُنَّ أَربَعٌ، فَلَا تَزِيدُنَّ عَلَيَّ.
ــ
هارون، بأخ لها كان اسمه ذلك، ويبطل قول من قال من المفسرين: إنها إنما قيل لها ذلك لأنها شُبِّهت بهارون أخي موسى في عبادته ونسكه.
وفيه: ما يدلّ على جواز بأسماء الأنبياء. والله تعالى أعلم.
(٣) ومن باب: ما يكره أن يُسمَّى به الرقيق
قوله: (أحبُّ الكلام إلى الله أربع) أي: أحقه قبولًا، وأكثره ثوابًا، ويعني بالكلام: المتضمن للأذكار، والدعاء، والقرب من الكلام، وإنَّما كانت هذه الكلمات كذلك؛ لأنَّها تضمَّنت تنزيهه عن كل ما يستحيل عليه، ووصفه بكل ما يجب له من أوصاف كماله، وانفراده بوحدانيته، واختصاصه بعظمته وقدمه المفهومين من أكبريته. ولتفصيل هذه الجمل علمٌ آخر.
و(قوله: لا يضرُّك بأيهنَّ بدأت) يعني: أن تقديم بعض هذه الكلمات على بعض لا ينقص ثوابها، ولا يوقف قبولها؛ لأنَّها كلَّها كلمات جامعات طيِّبات مباركات.
و(قوله: لا تسمَّيَنَّ غلامك يسارًا، ولا رباحًا، ولا نجيحًا، ولا أفلح) هذا نهي صحيح عن تسمية العبد بهذه الأسماء، لكنه على جهة التنزيه بدليل قول جابر
стр. 3116
وفي رواية: نافعا بدل نجيحا.
رواه مسلم (٢١٣٦)(١١) و (٢١٣٧)(١٢)، وأبو داود (٤٩٥٨)، والترمذيُّ (٢٨٣٨).
ــ
في الحديث الآتي: أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، ونحو ذلك، ثم سكت؛ يعني: أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم، وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم، لكنه على وجه الكراهة التي معناها: أن ترك المنهي عنه أولى من فعله؛ لأنَّ التَّسمية بتلك الأسماء تؤدي إلى أن يسمع ما يكرهه، كما نصَّ عليه بقوله: (فإنك تقول: أثمَّ هو فلان، فلا يكون؛ فتقول: لا) وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد، بل: تتعدى إلى الأحرار. ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. ولهذا أشار جابر في حديثه بقوله، وبنحو ذلك.
وحينئذ يقال: فما فائدة تخصيص الغلام بالذكر؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع، وقد قال في بقيَّة الحديث: إنما هي أربع، فلا تزيدن علي؟ فالجواب عن الأوَّل من وجهين:
أحدهما: أنَّا لا نسلِّم أن المراد بالغلام العبد، بل الصغير؛ فإنه يقال عليه: غلام إلى أن يبلغ، وللأنثى: جارية، كما تقدَّم.
والثاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصص العبد بالذكر، لأن هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم، فخرج النهي على الغالب.
والجواب عن الثاني: أن قوله: فلا تزيدن علي، إنما هو من قول سمرة بن جندب، وإنما قال ذلك ليحقق: أن الذي سمعه من النبي ﷺ إنما هي الأربع، لا زيادة عليها؛ تحقيقا لما سمع، ونفيًا لأن يقول ما لم يقل. ولئن سُلِّم أن ذلك من قول النبي ﷺ ؛ فليس معناه المنع من القياس. بل عن أن يقول اسمًا لم يقله، فإنَّ
стр. 3117
[٢٠٤٩] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَنهَى عَن أَن يُسَمَّى بِمقبل وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحوِ
ــ
الفرع ملحق بأصله في الحكم، لا في القول. وبيانه: إنَّا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول: إن النبي ﷺ قال: إن الربا في الزبيب حرام. فإنَّه قول كاذب، ولو كان ذلك صادقًا لكان الزبيب منطوقًا به، فحينئذ لا يكون فرعًا. بل: أصلًا. وقد اجترأت طائفة عراقية على إطلاق ذلك. ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك. وعلى ما قررناه فلا يكون بين حديث سمرة بن جندب، ولا بين حديث جابر ﵃ معارضة، فلا يكون بينهما نسخ خلافًا لمن زعمه، وقال: إن حديث جابر ناسخ لحديث سمرة، وما ذكرناه أولى. والله تعالى أعلم.
فإن قيل: بل المصير إلى النسخ أولى؛ لأنَّ حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابر يقتضي الإباحة المطلقة؛ لأنَّه لما سكت النبي ﷺ عن النهي عن ذلك إلى حين موته، وكذلك عمر ﵁ مع حصول ذلك في الوجود كثيرًا، فقد كان للنبي ﷺ غلام اسمه: رباح، ومولى اسمه: يسار، وقد سَمَّى ابن عمر مولاه: نافعًا. ومثله كثير. فقد استمر العمل على حديث جابر، فإذًا هو متأخر، فيكون ناسخًا.
والجواب: إن هذا التقدير يلزم منه: أن لا يصدق قول جابر: إن النبي ﷺ أراد أن ينهى عن ذلك، فإنَّه قد وجد النهي ولا بدَّ، وهو صادق، فلا بدَّ من تأويل لفظه. وما ذكرناه أولى. وما ذكر من تسمية موالي النبي ﷺ وغيره بتلك الأسماء فصحيح؛ لأنَّ ذلك جائز، وغاية ما ترك فيه الأولى، فكم من أولى قد سوغت الشريعة تركه، وإن فات بفوته أجر كثير، وخير جزيل؛ عملًا بالمسامحة والتيسير، وتركًا للتشديد والتعسير.
و(قوله: أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل) هكذا صحيح الرواية. وهو في بعض النسخ: بيعلى، وكأنه تصحيف، والأوَّل أولى رواية ومعنى.
стр. 3118
ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعدُ عَنهَا فَلَم يَقُل شَيئًا، ثُمَّ قُبِضَ ﷺ وَلَم يَنهَ عَن ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَن يَنهَى عَن ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ.
رواه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠).
* * *
(٤) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية
[٢٠٥٠] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسمَ عَاصِيَةَ فقال: أَنتِ جَمِيلَةُ.
رواه مسلم (٢١٣٩)(١٤)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).
ــ
(٤) ومن باب تغيير الاسم بما هو أولى منه
تبديل النبي ﷺ اسم عاصية بجميلة، والعاصي بن الأسود بمطيع، ونحو ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقتدى به فيها؛ فإنَّه كان يكره قبيح الأسماء، ولا يتطيَّر به، ويحبُّ حسن الأسماء، ويتفاءل به، وفي كتاب أبي داود عن بريدة: أن النبي ﷺ كان لا يتطيَّر من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه (١). وفي الترمذي عن أنس ﵁ أنه ﷺ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا راشد! يا نجيح (٢)! وأما تغييره برَّة فلوجهين:
стр. 3119
[٢٠٥١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَت جُوَيرِيَةُ اسمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسمَهَا جُوَيرِيَةَ؛ وَكَانَ يَكرَهُ أَن يُقَالَ: خَرَجَ مِن عِندَ بَرَّةَ.
رواه مسلم (٢١٤٠)، وأبو داود (١٥٠٣).
ــ
أحدهما: أنه كان يكره أن يقال: خرج من عند برَّة؛ إذ كانت المسمَّاة بهذا الاسم زوجته، وهي التي سمَّاها جويرية.
والثاني: لما فيه من تزكية الإنسان نفسه، فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدِّين، ومحيي الدِّين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدح، والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمِّين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها (١)، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجمُّلًا بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى. ومن الأسماء ما غيَّره الشرع مع حسن معناه وصدقه على مسمَّاه. لكن منعه الشرع حماية واحترامًا لأسماء الله تعالى وصفاته - جل وعز - عن أن يتسمَّى أحد بها. ففي كتاب أبي داود عن هانئ بن يزيد: أنه لما وفد على رسول الله ﷺ المدينة مع قومه سمعهم يكنُّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: (إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلمَ تكنَّى أبا الحكم؟ ) قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله ﷺ : (ما أحسن هذا! ) قال: (ما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: (فمن
стр. 3120
[٢٠٥٢] وعَن مُحَمَّدِ بنِ عَمرِو بنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيتُ ابنَتِي بَرَّةَ فَقَالَت لِي زَينَبُ بِنتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن هَذَا الِاسمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم، اللَّهُ أَعلَمُ بِأَهلِ البِرِّ مِنكُم. فَقَالَوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: سَمُّوهَا زَينَبَ.
رواه مسلم (٢١٤٢)(١٩)، وأبو داود (٤٩٥٣).
* * *
(٥) باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له
[٢٠٥٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ابنٌ لِأَبِي طَلحَةَ يَشتَكِي،
ــ
أكبرهم؟ ) قلت: شريح. قال: (فأنت أبو شريح) (١) وقد غيَّر اسم: حكيم، وعزيز؛ لما فيهما من التشبه بأسماء الله تعالى.
وقولها: (سميت برَّة) إنما كان هذا الاسم يدلّ: على التزكية؛ لأنَّه في أصله اسم علم لجميع خصال البرِّ، كما أن: (فجار) اسم علم للفجور. ولذلك قال النابغة الذبياني:
إنَّا اقتَسَمنا خُطَّتَينا (٢) بيننا ... فحَمَلت برَّةَ واحتَمَلت فَجَارِ
(٥) ومن باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له
قوله: (كان لأبي طلحة ابن يشتكي) أي: أصابه ما يشتكي منه، وهو المرض، لا أنه صدرت عنه شكوى. هذا أصله، لكنَّه قد كثر تسمية المرض