وفي رواية: نافعا بدل نجيحا.
رواه مسلم (٢١٣٦)(١١) و (٢١٣٧)(١٢)، وأبو داود (٤٩٥٨)، والترمذيُّ (٢٨٣٨).
ــ
في الحديث الآتي: أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل، وببركة، وبأفلح، وبيسار، وبنافع، ونحو ذلك، ثم سكت؛ يعني: أراد أن ينهى عن ذلك نهي تحريم، وإلا فقد صدر النهي عنه على ما تقدَّم، لكنه على وجه الكراهة التي معناها: أن ترك المنهي عنه أولى من فعله؛ لأنَّ التَّسمية بتلك الأسماء تؤدي إلى أن يسمع ما يكرهه، كما نصَّ عليه بقوله: (فإنك تقول: أثمَّ هو فلان، فلا يكون؛ فتقول: لا) وبالنظر إلى هذا المعنى، فلا تكون هذه الكراهة خاصة بالعبيد، بل: تتعدى إلى الأحرار. ولا مقصورة على هذه الأربعة الأسماء، بل: تتعدى إلى ما في معناها. ولهذا أشار جابر في حديثه بقوله، وبنحو ذلك.
وحينئذ يقال: فما فائدة تخصيص الغلام بالذكر؟ وكيف يعدَّى إلى زيادة على الأربع، وقد قال في بقيَّة الحديث: إنما هي أربع، فلا تزيدن علي؟ فالجواب عن الأوَّل من وجهين:
أحدهما: أنَّا لا نسلِّم أن المراد بالغلام العبد، بل الصغير؛ فإنه يقال عليه: غلام إلى أن يبلغ، وللأنثى: جارية، كما تقدَّم.
والثاني: أنَّا وإن سلَّمنا ذلك لكن إنما خُصص العبد بالذكر، لأن هذه الأسماء إنما كانت في غالب الأمر أسماء لعبيدهم، فخرج النهي على الغالب.
والجواب عن الثاني: أن قوله: فلا تزيدن علي، إنما هو من قول سمرة بن جندب، وإنما قال ذلك ليحقق: أن الذي سمعه من النبي ﷺ إنما هي الأربع، لا زيادة عليها؛ تحقيقا لما سمع، ونفيًا لأن يقول ما لم يقل. ولئن سُلِّم أن ذلك من قول النبي ﷺ ؛ فليس معناه المنع من القياس. بل عن أن يقول اسمًا لم يقله، فإنَّ
стр. 3117
[٢٠٤٩] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَن يَنهَى عَن أَن يُسَمَّى بِمقبل وَبِبَرَكَةَ وَبِأَفلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحوِ
ــ
الفرع ملحق بأصله في الحكم، لا في القول. وبيانه: إنَّا وإن ألحقنا الزبيب بالتمر في تحريم الربا فلا نقول: إن النبي ﷺ قال: إن الربا في الزبيب حرام. فإنَّه قول كاذب، ولو كان ذلك صادقًا لكان الزبيب منطوقًا به، فحينئذ لا يكون فرعًا. بل: أصلًا. وقد اجترأت طائفة عراقية على إطلاق ذلك. ونعوذ بالله مما أُطلق هنالك. وعلى ما قررناه فلا يكون بين حديث سمرة بن جندب، ولا بين حديث جابر ﵃ معارضة، فلا يكون بينهما نسخ خلافًا لمن زعمه، وقال: إن حديث جابر ناسخ لحديث سمرة، وما ذكرناه أولى. والله تعالى أعلم.
فإن قيل: بل المصير إلى النسخ أولى؛ لأنَّ حديث سمرة - وإن حمل على الكراهة - فحديث جابر يقتضي الإباحة المطلقة؛ لأنَّه لما سكت النبي ﷺ عن النهي عن ذلك إلى حين موته، وكذلك عمر ﵁ مع حصول ذلك في الوجود كثيرًا، فقد كان للنبي ﷺ غلام اسمه: رباح، ومولى اسمه: يسار، وقد سَمَّى ابن عمر مولاه: نافعًا. ومثله كثير. فقد استمر العمل على حديث جابر، فإذًا هو متأخر، فيكون ناسخًا.
والجواب: إن هذا التقدير يلزم منه: أن لا يصدق قول جابر: إن النبي ﷺ أراد أن ينهى عن ذلك، فإنَّه قد وجد النهي ولا بدَّ، وهو صادق، فلا بدَّ من تأويل لفظه. وما ذكرناه أولى. وما ذكر من تسمية موالي النبي ﷺ وغيره بتلك الأسماء فصحيح؛ لأنَّ ذلك جائز، وغاية ما ترك فيه الأولى، فكم من أولى قد سوغت الشريعة تركه، وإن فات بفوته أجر كثير، وخير جزيل؛ عملًا بالمسامحة والتيسير، وتركًا للتشديد والتعسير.
و(قوله: أراد النبي ﷺ أن ينهى أن يُسمَّى بمقبل) هكذا صحيح الرواية. وهو في بعض النسخ: بيعلى، وكأنه تصحيف، والأوَّل أولى رواية ومعنى.
стр. 3118
ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعدُ عَنهَا فَلَم يَقُل شَيئًا، ثُمَّ قُبِضَ ﷺ وَلَم يَنهَ عَن ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَن يَنهَى عَن ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكَهُ.
رواه مسلم (٢١٣٨)، وأبو داود (٤٩٦٠).
* * *
(٤) باب في تغيير الاسم بما هو أولى والنهي عن الاسم المقتضي للتزكية
[٢٠٥٠] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيَّرَ اسمَ عَاصِيَةَ فقال: أَنتِ جَمِيلَةُ.
رواه مسلم (٢١٣٩)(١٤)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).
ــ
(٤) ومن باب تغيير الاسم بما هو أولى منه
تبديل النبي ﷺ اسم عاصية بجميلة، والعاصي بن الأسود بمطيع، ونحو ذلك سُنَّة ينبغي أن يُقتدى به فيها؛ فإنَّه كان يكره قبيح الأسماء، ولا يتطيَّر به، ويحبُّ حسن الأسماء، ويتفاءل به، وفي كتاب أبي داود عن بريدة: أن النبي ﷺ كان لا يتطيَّر من شيء، وكان إذا بعث عاملًا سأل عن اسمه، فإن أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهة ذلك في وجهه (١). وفي الترمذي عن أنس ﵁ أنه ﷺ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا راشد! يا نجيح (٢)! وأما تغييره برَّة فلوجهين:
стр. 3119
[٢٠٥١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَت جُوَيرِيَةُ اسمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسمَهَا جُوَيرِيَةَ؛ وَكَانَ يَكرَهُ أَن يُقَالَ: خَرَجَ مِن عِندَ بَرَّةَ.
رواه مسلم (٢١٤٠)، وأبو داود (١٥٠٣).
ــ
أحدهما: أنه كان يكره أن يقال: خرج من عند برَّة؛ إذ كانت المسمَّاة بهذا الاسم زوجته، وهي التي سمَّاها جويرية.
والثاني: لما فيه من تزكية الإنسان نفسه، فهو مخالف لقوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ويجري هذا المجرى في المنع ما قد كثر في هذه الدِّيار من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي التزكية، كزكي الدِّين، ومحيي الدِّين، وما أشبه ذلك من الأسماء الجارية في هذه الأزمان؛ التي يقصد بها المدح، والتزكية، لكن لما كثرت قبائح المسمِّين بهذه الأسماء في هذا الزمان ظهر تخلف هذه النعوت عن أصلها، فصارت لا تفيد شيئًا من أصل موضوعاتها، بل ربما يسبق منها في بعض المواضع، أو في بعض الأشخاص نقيض موضوعها (١)، فيصير الحال فيها كالحال في تسمية العرب: المهلكة بالمفازة، والحقير بالجليل، تجمُّلًا بإطلاق الاسم مع القطع باستقباح المسمَّى. ومن الأسماء ما غيَّره الشرع مع حسن معناه وصدقه على مسمَّاه. لكن منعه الشرع حماية واحترامًا لأسماء الله تعالى وصفاته - جل وعز - عن أن يتسمَّى أحد بها. ففي كتاب أبي داود عن هانئ بن يزيد: أنه لما وفد على رسول الله ﷺ المدينة مع قومه سمعهم يكنُّونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: (إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلمَ تكنَّى أبا الحكم؟ ) قال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال رسول الله ﷺ : (ما أحسن هذا! ) قال: (ما لك من الولد؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: (فمن
стр. 3120
[٢٠٥٢] وعَن مُحَمَّدِ بنِ عَمرِو بنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمَّيتُ ابنَتِي بَرَّةَ فَقَالَت لِي زَينَبُ بِنتُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن هَذَا الِاسمِ، وَسُمِّيتُ بَرَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم، اللَّهُ أَعلَمُ بِأَهلِ البِرِّ مِنكُم. فَقَالَوا: بِمَ نُسَمِّيهَا؟ قَالَ: سَمُّوهَا زَينَبَ.
رواه مسلم (٢١٤٢)(١٩)، وأبو داود (٤٩٥٣).
* * *
(٥) باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له
[٢٠٥٣] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ ابنٌ لِأَبِي طَلحَةَ يَشتَكِي،
ــ
أكبرهم؟ ) قلت: شريح. قال: (فأنت أبو شريح) (١) وقد غيَّر اسم: حكيم، وعزيز؛ لما فيهما من التشبه بأسماء الله تعالى.
وقولها: (سميت برَّة) إنما كان هذا الاسم يدلّ: على التزكية؛ لأنَّه في أصله اسم علم لجميع خصال البرِّ، كما أن: (فجار) اسم علم للفجور. ولذلك قال النابغة الذبياني:
إنَّا اقتَسَمنا خُطَّتَينا (٢) بيننا ... فحَمَلت برَّةَ واحتَمَلت فَجَارِ
(٥) ومن باب تسمية الصغير وتحنيكه والدعاء له
قوله: (كان لأبي طلحة ابن يشتكي) أي: أصابه ما يشتكي منه، وهو المرض، لا أنه صدرت عنه شكوى. هذا أصله، لكنَّه قد كثر تسمية المرض
стр. 3121
فَخَرَجَ أَبُو طَلحَةَ فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو طَلحَةَ قَالَ: مَا فَعَلَ ابنِي؟ قَالَت أُمُّ سُلَيمٍ: هُوَ أَسكَنُ مِمَّا كَانَ، فَقَرَّبَت إِلَيهِ العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَت: وَارُوا الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصبَحَ أَبُو طَلحَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرَهُ قَالَ: أَعرَستُم اللَّيلَةَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك لَهُمَا. فَوَلَدَت غُلَامًا، فَقَالَ لِي أَبُو طَلحَةَ: احمِلهُ حَتَّى تَأتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ وَبَعَثَت مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَمَعَهُ شَيءٌ؟ قَالَوا: نَعَم، تَمَرَاتٌ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِن فِيهِ فَجَعَلَهَا فِي فِيِّ الصَّبِيِّ، ثُمَّ حَنَّكَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللَّهِ.
رواه البخاريُّ (٥٤٧٠)، ومسلم (٢١٤٤)(٢٣).
ــ
بذلك. وهذا الحديث يدل على فضل أم سُليم، وتثبُّتها، وصبرها عند الصدمة الأولى، وكمال عقلها، وحسن تبعلها لزوجها.
وقولها: (هو أسكن مما كان) هذا من المعاريض المغنية عن الكذب؛ فإنَّها أوهمته: أن الصبي سكن ما كان به بلفظ يصلح إطلاقه لما عندها من موته، ولما فهمه أبو طلحة من سكون مرضه. وهذا كله لئلا تفاجئه بالإعلام بالمصيبة فيتنغَّص عليه عيشه، ويتكدَّر عليه وقته. فلما حصلت راحته من تعبه، وطاب عيشه بإصابة لذَّته التي ارتجت بسببها أن يكون لهما عوض، وخلف مما فاته عرَّفته بذلك، فبلَّغها الله أمنيَّتها، وأصلح ذريَّتها.
وقولها: (واروا الصبي) أي: ادفنوه، من: مواراة الشيء، وهي تغطيته.
و(قوله: أعرستم الليلة؟ ) هو كناية عن الجماع. يقال: أعرس الرجل بأهله: إذا بنى بها، وكذلك إذا غشيها، ولا يقال: عرَّس، والعامة تقولها. وقد تقدَّم أن العِرس الزوجة، والعروس: يقال على كل واحد من الزوجين.
وفي هذا الحديث ما يدلُّ على إجابة دعوة النبي ﷺ وعلى عظم مكانته،
стр. 3122
[٢٠٥٤] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: وُلِدَ لِي غُلَامٌ، فَأَتَيتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَسَمَّاهُ إِبرَاهِيمَ، وَحَنَّكَهُ بِتَمرَةٍ.
رواه أحمد (٣/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٤٦٧)، ومسلم (٢١٤٥)(٢٤).
[٢٠٥٥] وعن عُروَةُ بنُ الزُّبَيرِ وَفَاطِمَةُ بِنتُ المُنذِرِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَا: خَرَجَت أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ حِينَ هَاجَرَت وَهِيَ حُبلَى بِعَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ، فَقَدِمَت قُبَاءً فَنُفِسَت بِعَبدِ اللَّهِ بِقُبَاءٍ، ثُمَّ خَرَجَت حِينَ نُفِسَت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهَا فَوَضَعَهُ فِي حَجرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمرَةٍ قَالَ: فقَالَت عَائِشَةُ: فَمَكَثنَا سَاعَةً نَلتَمِسُهَا قَبلَ أَن نَجِدَهَا، فَمَضَغَهَا ثُمَّ بَصَقَهَا فِي فِيهِ، فَإِنَّ أَوَّلَ شَيءٍ دَخَلَ في بَطنَهُ لَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَت أَسمَاءُ: ثُمَّ مَسَحَهُ وَصَلَّى عَلَيهِ وَسَمَّاهُ
ــ
وكرامته عند الله. وكم له منها وكم! حتى قد حصل بذلك العلم القطعي، واليقين الضروري، وذلك: أنه لما دعا لأم سليم وزوجها ولدت له من ذلك الغشيان عبد الله. وكان من أفاضل الصحابة، ثمَّ ولد له عدَّة من الفضلاء، الفقهاء، العلماء: إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، وإخوته العشرة، كما هو مذكور في الاستيعاب.
وأحاديث هذا الباب كلها متواردة على أن إخراج الصغار عند ولادتهم للنبي ﷺ وتحنيكهم بالتمر كان سُنَّة معروفة معمولًا بها، فلا ينبغي أن يعدل عن ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ واغتنامًا لبركة الصالحين، ودعائهم. والتحنيك هنا: جعل مضيغ التمر في حَنَكِ الصَّبي.
وقوله في حديث عبد الله بن الزبير: (ثمَّ مسحه وصلَّى عليه) يعني: مسحه بيده عند الدعاء له، كما كان ﷺ يمسحُ بيده عند الرُّقى، وفيه دليل على استحباب
стр. 3123
عَبدَ اللَّهِ، ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ ابنُ سَبعِ سِنِينَ أَو ثَمَانٍ لِيُبَايِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ بِذَلِكَ الزُّبَيرُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ مُقبِلًا إِلَيهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ.
وفي رواية: ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَولُودٍ وُلِدَ فِي الإِسلَامِ.
رواه البخاري (٧٩٠٩)، ومسلم (٢١٤٦) (٢٥ و ٢٦).
ــ
ذلك، وفعله على جهة التبرَّك رجاء الاستشفاء، وقبول الدعاء.
ومعنى: (صلَّى عليه): دعا له بالخير والبركة كما جاء في الرواية الأخرى مفسَّرا، وقد ظهرت بركة ذلك كلُّه على عبد الله بن الزبير، فإنه كان من أفضل الناس، وأشجعهم، وأعدلهم في خلافته ﵁، وقَتَلَ قَاتِلَهُ (١). وتبسُّم رسول الله ﷺ لعبد الله ومبايعته له فرحٌ به، وإنهاض له؛ حيث ألحقه بنمط الكبار الحاصلين على تلك البيعة الشريفة، والمنزلة المنيفة، ففيه جواز مبايعة من يعقل من الصِّغار، وتمرينهم على ما يخاطب به الكبار.
و(قوله: وكان أوَّل مولود ولد في الإسلام) يعني: من المهاجرين بالمدينة، وذلك أن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄ هاجرت من مكة إلى المدينة وهي حامل به، فولدته في سنة اثنتين من الهجرة لعشرين شهرًا من التاريخ. وقيل: في السنة الأولى من الهجرة. هكذا حكاه أبو عمر. وروي عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: سُمِّيت باسم جدِّي أبي بكر وكنيت بكنيته. قال أبو عمر: كان شهمًا، ذكرًا (٢)، شريفًا، ذا أَنَفَة، وكانت له لَسَانة، وفصاحة، وكان أطلسَ لا لحية له، ولا شعر في وجهه. وحكى أبو عمر عن مالك أنه قال: ابن الزبير أفضل من مروان، وأولى بالأمر من مروان وابنه.
стр. 3124
[٢٠٥٦] وعَن سَهلِ بنِ سَعدٍ قَالَ: أُتِيَ بِالمُنذِرِ بنِ أَبِي أُسَيدٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى فَخِذِهِ، وَأَبُو أُسَيدٍ جَالِسٌ، فَلَهى النَّبِيُّ ﷺ بِشَيءٍ بَينَ يَدَيهِ، فَأَمَرَ أَبُو أُسَيدٍ بِابنِهِ فَاحتُمِلَ مِن عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَقلَبُوهُ، فَاستَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَينَ الصَّبِيُّ؟ فَقَالَ أَبُو أُسَيدٍ: أَقلَبنَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَا اسمُهُ؟ قَالَ: فُلَانٌ. قَالَ: لَا، وَلَكِن اسمُهُ المُنذِرُ. فَسَمَّاهُ يَومَئِذٍ المُنذِرَ.
رواه البخاريُّ (٦١٩١)، ومسلم (٢١٤٩).
* * *
ــ
و(أبو أُسَيد) بضم الهمزة، وفتح السين، وياء التصغير كذا قاله عبد الرزاق، ووكيع. قال ابن حنبل: وهو الصواب. وحكى ابن مهدي عن سفيان: أنَّه بفتح الهمزة، وكسر السين، واسمه: مالك بن ربيعة.
و(قوله: ولها عنه) الرواية فيه بفتح الهاء؛ أي: اشتغل عنه وهي لغة طيء، وفصيحها: (لَهِي) بكسر الهاء يَلهَى بفتحها، لَهيًا، ولَهَيانًا. وهو في اللغتين ثلاثي. فأمَّا: أَلهَاني كذا: فمعناه شغلني. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾
و(قوله: فأقلبُوه) كذا جاءت الرواية في هذا الحرف رباعيًّا، وصوابه: ثلاثي. يقال: قلبت الشيء: رددته، والصَّبي: صرفته. قال الأصمعي: ولا يُقال: أقلبته.
وإنما سَمَّى النبي ﷺ ابن أبي أُسيد: المنذر، باسم ابن عم أبيه: المنذر بن عمرو، والمسمَّى: بالمعنِق ليموتَ. وكان أمير أصحاب بئر معونة، واستشهد يوم بئر معونة فسمَّاه النبي ﷺ بالمنذر (١) ليكون خلفًا منه (٢).
стр. 3125
(٦) باب تكنية الصغير وندائه بيا بني
[٢٠٥٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكَانَ لِي أَخٌ يُقَالَ لَهُ: أَبُو عُمَيرٍ. قَالَ: أَحسِبُهُ قَالَ: كَانَ فَطِيمًا. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَآهُ قَالَ: أَبَا عُمَيرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيرُ. قَالَ: وكَانَ يَلعَبُ بِهِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٥)، والبخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذي (٣٣٣)، وابن ماجه (٣٧٤٠).
[٢٠٥٨] وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : يا بني.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٥)، ومسلم (٢١٥١).
ــ
(٦) ومن باب تكنية الصغير
قد تقدَّم القول في الكناية في الباب قبل هذا.
قوله: (يا أبا عمير! ما فعل النُّغير؟ ) فيه دليلٌ على جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلَّفًا، فأما مع التكلُّف فهو من باب التنطع والتشدُّق المكروهين في الكلام. وعمير: تصغير عمر أو عمرو. والنغير: تصغير نُغر، والنُّغَرُ: طير كالعصافير حُمر المناقير، وتجمع: نِغران. مثل: صُرَد وصِردان، ومؤنَّثه: نُغَرة، كهُمَزة.
وقد يستدلُّ الحنفي بهذا الحديث على جواز المدينة. وهو قول خالف فيه الجمهور ونص نهي النبي ﷺ عن صيد المدينة، كما نهى عن صيد مكة، كما قدَّمناه.
ولا حجَّة فيه؛ إذ ليس فيه ما يدلُّ على أن ذلك الطير صيد في حرم المدينة، بل نقول: إنه صيد في الحل، وأدخل في الحرم. ويجوز للحلال أن
стр. 3126
[٢٠٥٩] وعَن المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ عَن الدَّجَّالِ أَكثَرَ مِمَّا سَأَلتُهُ عَنهُ، فَقَالَ لِي: أَي بُنَيَّ، وَمَا يُنصِبُكَ مِنهُ؟ إِنَّهُ لَن يَضُرَّكَ. قَالَ: قُلتُ: إِنَّهُم يَزعُمُونَ أَنَّ مَعَهُ أَنهَارَ المَاءِ وَجِبَالَ الخُبزِ!
ــ
يصيد في الحل، ويدخله في الحرم، ولا يجوز له أن يصيد في الحرم، فيُفَرَّق بين ابتداء صيده، وبين استصحاب إمساكه، كما ذكرناه في الحج.
وفيه جواز لعب الصَّبي بالطير الصغير، لكن الذي أجاز العلماء من ذلك: أن يمسك له، وأن يلهو بحسنه. وأما تعذيبه، والعبث به: فلا يجوز؛ لأنَّ النبي ﷺ نهى عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة.
وفيه ما يدل على جواز المزاح مع الصغير، لكن إذا قال حقًّا.
وفيه ما يدل على حسن خلق النبي ﷺ ولطافة معاشرته، وألفاظه، ومنها: قوله لابن عمر (١): (يا بني) وكذلك قوله للمغيرة: (أي بني) فإنَّه نزله منزلة ابنه الصغير في الرحمة، والرفق، والشفقة.
وسؤال المغيرة عن الدجال إنما كان لما سمع من عظيم فتنته، وشدَّة محنته، فأجابه النبي ﷺ بقوله: (وما ينصبك منه؟ إنه لن يضرَّك؛ أي: ما يصيبك منه من النَّصَب والمشقَّة. وهكذا رواية الكافة. وعند الهوزني: (ما ينضيك): بالضاد المعجمة، والياء باثنتين من تحتها، وكأنه من جهة قولهم: جمل نضوٌ؛ أي: هزيل، وأنضاه السَّير؛ أي: أهزله. والأول أصح رواية ومعنًى.
و(قوله: إنه لن يضرك) يحتمل أن يريد: لأنك لا تدرك زمان خروجه. ويحتمل أن يكون إخبارًا منه بأنه يُعصم من فتنته، ولو أدرك زمانه، والله ورسوله أعلم.
وقول المغيرة: (إنهم يزعمون: أن معه أنهار الماء، وجبال الخبز) هذا يدلّ
стр. 3127
قَالَ: هُوَ أَهوَنُ عَلَى اللَّهِ مِن ذَلِكَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٤٦)، والبخاري (٧١٢٢)، ومسلم (٢١٥٢)، وابن ماجه (٤٠٧٣).
* * *
(٧) باب الاستئذان وكيفيته وعدده
[٢٠٦٠] عن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: كُنتُ جَالِسًا بِالمَدِينَةِ فِي مَجلِسِ الأَنصَارِ، فَأَتَانَا أَبُو مُوسَى فَزِعًا - أَو مَذعُورًا -، قُلنَا: مَا شَأنُكَ؟ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرسَلَ إِلَيَّ أَن آتِيَهُ، فَأَتَيتُ بَابَهُ فَسَلَّمتُ ثَلَاثًا، فَلَم يَرُدَّ عَلَيَّ،
ــ
على أن المغيرة كان قد سمع هذا الأمر عن الدَّجال من غير النبي ﷺ ، ولم يحققه، فعرض ذلك على النبي ﷺ فأجابه بقوله: (هو أهون على الله من ذلك) وظاهر هذا الكلام: أن الدَّجال لا يمكن من ذلك لهوانه على الله، وخسة قدره، غير أن هذا المعنى قد جاء ما يناقضه في أحاديث الدجال الآتية. فيحتمل: أن يكون هذا القول صدر عنه قبل أن يوحى إليه بما في تلك الأحاديث. ويحتمل: أن يعود الضمير إلى تمكين الدجال من أنهار الماء، وجبال الخبز؛ أي: فعل ذلك على الله هين. والأوَّل أسبق، والثاني لا يمتنع، والله تعالى أعلم.
(٧) ومن باب: الاستئذان وكيفيته وعدده
قوله في هذه الرواية: (فسلمت ثلاثًا) ليس مناقضًا لقوله في الأخرى: إنه استأذن ثلاثًا؛ لأنَّ أبا موسى ﵁ كان قد جمع بين السلام والاستئذان ثلاثًا، كما قد جاء منصوصًا عليه في الرواية الثالثة. وحاصل هذه الأحاديث: أن دخول منزل الغير ممنوع؛ كان ذلك الغير فيها أو لم يكن، إلا بعد الإذن. وهذا
стр. 3128
فَرَجَعتُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَأتِيَنَا؟ فَقُلتُ: إِنِّي أَتَيتُكَ فَسَلَّمتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَم ترد عَلَيَّ فَرَجَعتُ، وَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا استَأذَنَ أَحَدُكُم ثَلَاثًا فَلَم يُؤذَن لَهُ فَليَرجِع. فَقَالَ عُمَرُ: أَقِم عَلَيهِ البَيِّنَةَ، وَإِلَّا أَوجَعتُكَ.
ــ
الذي نصَّ الله تعالى عليه بقوله: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِن لَم تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدخُلُوهَا حَتَّى يُؤذَنَ لَكُم وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارجِعُوا فَارجِعُوا﴾ وهذا لا بدَّ منه؛ لأنَّ دخول منزل الغير تصرُّف في ملكه، ولا يجوز بغير إذنه؛ لأنَّه يطلع منه على ما لا يجوز الاطلاع عليه من عورات البيوت، فكانت هذه المصلحة في أعلى رتبة المصالح الحاجيَّة.
ولما تقرَّر هذا شرعًا عند أبي موسى استأذن أبو موسى على عمر ﵄، ولما كان عنده علم بكيفية الاستئذان وعدده: عمل على ما كان عنده من ذلك. فلما لم يؤذن له: رجع. وأما عمر ﵁ فكان عنده علم بالاستئذان، ولم يكن عنده علم من العدد، فلذلك أنكره على أبي موسى إنكار مستبعد من نفسه أن يخفى عليه ذلك من النبي ﷺ مع ملازمته النبي ﷺ حضرًا وسفرًا ملازمة لم تكن لأبي موسى ولا لغيره، وإنكار من يسد باب الذريعة في التقوُّل على رسول الله ﷺ ، ولذلك أغلظ على أبي موسى بقوله: أقم عليه البينة، وإلا أوجعتك، ولأجعلنك عظة. فلما أتاه بالبينة قال: إنما أحببت أن أتثبت.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه؛ فمنها: أن لا بد أن يكون ثلاثًا، فإذا لم يؤذن له بعد الثلاث؛ فهل يزيد عليها أو لا؟ قولان لأصحابنا. الأولى أن لا يزيد؛ لقوله ﷺ : (الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك، وإلا فارجع) وهذا نصٌّ. وإنَّما خصَّ الثلاث بالذكر؛ لأنَّ الغالب أن الكلام إذا كُرر ثلاثًا سمع وفهم. ولذلك كان النبي ﷺ إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا سلَّم على قومٍ سلَّم عليهم ثلاثًا. وإذا كان الغالبُ هذا، فإذا لم يؤذن له بعد ثلاث ظهر
стр. 3129
فَقَالَ أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: لَا يَقُومُ مَعَهُ إِلَّا أَصغَرُ القَومِ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قُلتُ: أَنَا أَصغَرُ القَومِ، قَالَ: فَاذهَب بِهِ.
رواه أحمد (٣/ ٦)، والبخاريُّ (٦٢٤٥)، ومسلم (١١٥٣)(٣٣)، وأبو داود (٥١٨٠)، والترمذي (٢٦٩٠)، وابن ماجه (٣٧٠٦).
ــ
أن ربَّ المنزل لا يريد الإذن، أو لعله يمنعه من الجواب عذر لا يمكنه قطعه. فينبغي للمستأذن أن ينصرف، لأن الزيادة على ذلك قد تقلق ربَّ المنزل، وربما يضرُّه الإلحاح حتى ينقطع عما كان مشتغلًا به، كما قال النبي ﷺ لأبي أيوب ﵁ حين استأذن عليه، فخرج مستعجلًا فقال: (لعلنا أعجلناك) (١).
ومنها: قبول أخبار الآحاد، ووجوب التثبُّت فيها، والبحث عن عدالة ناقليها؛ لأنَّ أبا موسى لما أخبر عمر ﵄ بأن أُبي بن كعب يشهد له قال: عَدلٌ.
ومنها: حماية الأئمة حوزة الرواية عن رسول الله ﷺ ، والإنكار على من تعاطاها إلا بعد ثبوت الأهليَّة وتحققها.
ومنها: أن المستأذن حقَّه أن يبدأ بالسلام، ثم يذكر اسمه، وإن كانت له كنى يُعرف بها ذكرها، كما فعل أبو موسى، وكل ذلك ينبغي في تحصيل التعريف التام للمستأذن عليه؛ فإنَّه إن أُشكل عليه اسم عرف آخر. وقال بعض أصحابنا: هو بالخيار بين أن يُسمي نفسه أو لا، والأولى ما فعله أبو موسى، فإنَّ فعله ذلك إن كان توقيفًا؛ فهو المطلوب. وإن لم يكن توقيفًا؛ فبه يحصل التعريف الذي لأجله شرع الاستئذان، ثم رأي الصحابي راوي الحديث أولى من هذا القول الحديث.
و(قوله: فقال أُبي بن كعب: لا يقوم معه إلا أصغر القوم، فقام أبو سعيد، فأعلمه بذلك) وفي الرواية الأخرى: (إن أُبي بن كعب أخبره بذلك) لا تباعد فيهما، فإنَّه أخبره بذلك كلاهما: أبو سعيد أولًا أتاه إلى منزله، وأُبي ثانيًا لما
стр. 3130
[٢٠٦١] وعنه أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَى بَابَ عُمَرَ فَاستَأذَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ، ثُمَّ استَأذَنَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: ثِنتَانِ، ثُمَّ استَأذَنَ الثَّانية فَقَالَ عُمَرُ: ثَلَاثٌ، ثُمَّ انصَرَفَ فَأَتبَعَهُ فَرَدَّهُ فَقَالَ: إِن كَانَ هَذَا شَيئًا حَفِظتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَا، وَإِلَّا فَلَأَجعَلَنَّكَ عِظَةً. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا فَقَالَ: أَلَم تَعلَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الِاستِئذَانُ ثَلَاثٌ؟ . قَالَ: فَجَعَلُوا يَضحَكُونَ. قَالَ: فَقُلتُ: أَتَاكُم أَخُوكُم المُسلِمُ قَد أُفزِعَ، تَضحَكُونَ؟ ! انطَلِق فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هَذِهِ العُقُوبَةِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو سَعِيدٍ.
وزاد في أخرى: فَقَال أَبُو سَعِيدٍ: كُنَّا نُؤمَرُ بِهَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا مِن أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَلهَانِي عَنهُ الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ.
رواه البخاري (٢٠٦٣)، ومسلم (٢١٥٣) (٣٥ و ٣٦)، وأبو داود (٥١٨٢).
[٢٠٦٢] عَن أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ أنه جَاءَ إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا عَبدُ اللَّهِ بنُ قَيسٍ، فَلَم يَأذَن لَهُ. فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا أَبُو مُوسَى. السَّلَامُ عَلَيكُم، هَذَا الأَشعَرِيُّ. ثُمَّ
ــ
اجتمع به عمر في المسجد. وهذا كله يدلُّ على شهرة الحديث عندهم، ومع ذلك فلم يعرفه عمر، ولا يُستنكر هذا، فإنَّه من ضرورة أخبار الآحاد.
و(قوله: جعلوا يضحكون) إنما ضحكوا من جزع أبي موسى من تهديد عمر، مع علمهم: بأن ذلك لا يتمُّ منه؛ لأنَّ ما طلبه من البينة، ولأن عمر لم يكذبه، ولا مقصوده جلده، ولا إهانته، بل: التغليظ والحماية.
وقول عمر ﵁: (خفي علي هذا من أمر رسول الله ﷺ ) إنما قاله عاتبًا على نفسه، وناسبًا لها إلى التقصير، ثم بيَّن عذره بقوله: (ألهاني الصَّفق بالأسواق) وفي البخاري: يعني: الخروج إلى التجارة. وألهاني: شغلني.
стр. 3131
انصَرَفَ فَقَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ، رُدُّوا عَلَيَّ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغلٍ. قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الِاستِئذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِن أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارجِع، قَالَ: لَتَأتِيَنِّي عَلَى هَذَا بِبَيِّنَةٍ، وَإِلَّا فَعَلتُ وَفَعَلتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى، قَالَ عُمَرُ: إِن وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِندَ المِنبَرِ عَشِيَّةً، وَإِن لَم يَجِد بَيِّنَةً لَم تَجِدُوهُ. فَلَمَّا أَن جَاءَ بِالعَشِيِّ وَجَدُوهُ قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَد وَجَدتَ؟ قَالَ: نَعَم، أُبَيَّ بنَ كَعبٍ. قَالَ: عَدلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الطُّفَيلِ، مَا يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ يَا بنَ الخَطَّابِ، فَلَا تَكُونَنَّ عَذَابًا عَلَى أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعتُ شَيئًا، فَأَحبَبتُ أَن أَتَثَبَّتَ.
رواه مسلم (٢١٥٤)، وأبو داود (٥١٨١).
* * *
ــ
والصَّفق: البيع، وسمي بذلك لأنهم كانوا يتواجبون البيع بالأيدي، فيصفق كل واحد منهم بيد صاحبه. ومنه قيل للبيعة: صفقة.
وقول أُبي لعمر بن الخطاب ﵄: (لا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ) يدلُّ على ما كانوا عليه من القوَّة في دين الله، وعلى قول الحق، ومن قبوله، والعمل به (١)، فإنَّ أُبيًّا أنكر على عمر تهديده لأبي موسى، فقام بما عليه من الحق. ولما تحقق عمر الحقَّ قَبِلَه، واعتذر عما صدر عنه ﵃ أجمعين.
стр. 3132
(٨) باب كراهية أن يقول: أنا، عند الاستئذان، والنهي عن الاطلاع في البيت وحكم المطلع إن فقئت عينه
[٢٠٦٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: استَأذَنتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ فَقُلتُ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَنَا، أَنَا. كَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٢٠)، والبخاريُّ (٦٢٥٠)، ومسلم (٢١٥٥)(٣٩)، وأبو داود (٥١٨٧)، والترمذي (٢٧١١)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٢٨)، وابن ماجه (٣٧٠٩).
[٢٠٦٤] وعن سَهل بنَ سَعدٍ الساعدِيَّ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن جُحرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ،
ــ
(٨) ومن باب كراهية أن يقول: أنا. عند الاستئذان
قول جابر ﵁: استأذنت على رسول الله ﷺ فقال: (من؟ ) دليلٌ على جواز الاستئذان من غير ذكر اسم المستأذن، إلا أن الأحسن أن يذكر اسمه كما تقدَّم في حديث أبي موسى، ولأن في ذكر اسمه إسقاط كلفة السؤال والجواب. وكراهة النبي ﷺ قول جابر في جوابه: أنا، أنا. يحتمل أن يكون لذلك المعنى. ويحتمل: أن يكون، لأن (أنا) لا يحصل بها تعريف، وهو الأولى. وقيل: إنما كره ذلك لأنَّه دق عليه الباب على ما روي في غير كتاب مسلم، وفي هذا التأويل بُعد؛ لأنَّه إنما فهمت الكراهة عنه من قوله: (أنا، أنا) ولم يذكر الدَّق، ولا نبَّهه عليه، فكيف يعدل عما نطق به وكرَّره مُنكِرًا له، ويصار إلى ما لم يجر له ذكر؟ !
و(قوله: إن رجلًا اطَّلع من جحرٍ في باب رسول الله ﷺ ) هذا الفعل يحرم
стр. 3133
وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِدرًى يُرَجِّلُ بِهِ رَأسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو أَعلَمُ أَنَّكَ تَنظُرُ طَعَنتُ بِهِ فِي عَينِكَ،
ــ
قطعًا، وخصوصًا في بيت رسول الله ﷺ لعظيم حرمته، وحرمة أزواجه، لا جرم علق على هذا الفعل من العقوبة جواز الطعن في عين الناظر، كما ظهر من قول النبي ﷺ ومن فعله، وقد تقدَّم الكلام على هذا وذكر الخلاف فيه في كتاب القصاص.
غريب: (الجحر): واحد الجحرة. وهي: مكامنُ الوحش، ولما كانت نقبًا في الأرض سُمي بذلك النقب في الباب، وفي الحائط، وغير ذلك. و (المِدرى): بالدال المهملة: واحد المداري. قال ثابت: هي الأمشاط، وفي هذا التفسير تسامح، وأوضح منه وأصح، قول النضر بن شميل، وابن كيسان: أنَّه عود، أو عاج تنشر به المرأة شعرها وتجعده. قال امرؤ القيس:
غَدائِرُه مُستَشزِرات إلى العُلا ... تظل المَدَاري (١) في مُثَنًّى ومرسل
ومؤنثه: مدراة، وقد عبر عنه في الرواية الأخرى: بمشقص، وبمشاقص، وقد قلنا: إن المشقص نصلٌ عريض. وقيل: هو السِّكين. فيحتمل أن يكون هذا المدرى من حديد، وكما يعمل من عاج، وعود، يجوز أن يعمل من حديد، أو يكون شبَّهه بالسِّكين.
و(يختله): يراوغه، ويخادعه. و (فخذفته) بالخاء المعجمة: هي الرواية الصحيحة، ومن رواها بالحاء المهملة فقد أخطأ؛ فإنَّ الخذف بالخاء: بالحجر، والحذف بالمهملة بالعصا.
و(الجناح): الإثم، والمؤاخدة، ونحوه: الحرج، وأصله من الضيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِد أَن يُضِلَّهُ يَجعَل صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾
стр. 3134
إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذنَ مِن أَجلِ البَصَرِ.
رواه أحمد (٥/ ٣٣٠)، والبخاري (٦٢٤١)، ومسلم (٢١٥٦) (٤٠ و ٤١)، والترمذي (٢٧٠٩)، والنسائي (٨/ ٦٠).
[٢٠٦٥] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ مِن بَعضِ حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ إِلَيهِ بِمِشقَصٍ أَو مَشَاقِصَ، فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَختِلُهُ لِيَطعُنَهُ.
رواه البخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧)، والترمذي (٢٧١٨).
ــ
بكسر الراء (١)، وقُرِئت بالفتح: (كالغرِد والغرَد) (٢) والدَّنِف والدَّنَف.
و(قوله: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) (٣) دليل على صحة التعليل القياسي. فهو حجَّة الجمهور على نُفاة القياس.
و(قوله: يرجل به رأسه) دليل على استحباب إصلاح الشعر، وإكرامه، كما قال ﷺ : (من كانت له جُمَّةٌ فليكرمها) (٤) ولكن لا ينتهي بذلك إلى أن يخرج إلى الترفه والسرف المنهي عنه بقوله ﷺ ، فيما رواه عنه فضالة بن عبيد ﵁ حيث قال: (نهانا رسول الله ﷺ عن كثير من الإرفاه، وأمرنا أن نحتفي أحيانًا) (٥).
و(التَّرجُّل): مشط الشعر وتكسيره.
стр. 3135
[٢٠٦٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن اطَّلَعَ فِي بَيتِ قَومٍ بِغَيرِ إِذنِهِم، فَقَد حَلَّ لَهُم أَن يَفقَؤوا عَينَهُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٦٩٠٢)، ومسلم (٢١٥٨)(٤٣)، والنسائي (٦/ ٦١).
[٢٠٦٧] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَو أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيكَ بِغَيرِ إِذنٍ فَخَذَفتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأتَ عَينَهُ، مَا كَانَ عَلَيكَ مِن جُنَاحٍ.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣ و ٤٢٨)، ومسلم (٢١٥٨)(٤٤)، وأبو داود (٥١٧٢)، والنسائي (٨/ ٦١).
* * *
ــ
قلت: يمكن أن يُحمل حديث سهل وأنس على أن الذي همَّ به النبي ﷺ من طعن المطلع على الخصوص ببيت النبي ﷺ لعظيم حرمته، وحرمة أهل بيته، غير أن حديث أبي هريرة يقتضي إباحة ذلك الطعن عامة في بيته، وبيت غيره، فإنَّه قال فيه: (من اطَّلع في بيتٍ قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه) فإذًا هذا الحكم ليس مخصوصًا به.
و(قوله: فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه) نصٌّ في الإباحة والتحليل، وعلى هذا: فلا يلزم ضمان، ولا دية إذا وقع ذلك. ولا يستبعد هذا من الشرع، فإنه عقوبة على جناية سابقة، غير أن هذا خرج مخرج التعزيرات، لا مخرج الحدود، ألا ترى قوله: (فقد حل) ولم يقل: فقد وجب. وإنما مقصود هذا الحديث إسقاط القود، والمؤاخذة بذلك إن وقع ذلك.
و(قوله: لو أن رجلا اطَّلع عليك بغير إذنٍ، وفقأت عينه ما كان عليك من حرج) ظاهر قوي في الذي قرَّرناه، ويفيد أيضًا أن هذا الحكم جارٍ فيمن اطَّلع على عورة الإنسان، وإن لم يكن من باب. فإنَّ قوله: اطَّلع عليك، يتناول كل
стр. 3136
(٩) باب نظرة الفجأة، وتسليم الراكب على الماشي، وحق الطريق
[٢٠٦٨] عَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن نَظَرة الفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَن أَصرِفَ بَصَرِي.
رواه أحمد (٤/ ٣٥٨)، ومسلم (٢١٥٩)(٤٥)، وأبو داود (٢١٤٨)، والترمذيُّ (٢٧٧٦).
ــ
مطلع كيفما كان، ومن أي جهة كان. بل: يتعيَّن أن يقال: إن الشرع إذا علَّق هذا الحكم على الاطلاع في البيت؛ لأنه مظنة الاطلاع على العورة، فلأن يعلق على نفس الاطلاع على العورة أحرى، وأولى، وهذا نظر راجح، غير أن أصحابنا حكوا الإجماع على أن من اطلع على عورة رجل بغير إذنه، ففقأ عينه: أنه لا يسقط عنه الضمان، كما ذكرناه. فإن صح هذا الإجماع، فهو واجب الاتباع. وإن وجد خلاف فما ذكرناه هو الإنصاف.
(٩ و ١٠) ومن باب: نظر الفجأة وتسليم الراكب على الماشي (١)
قوله: (سألته عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري) الفجاءة: بضم الفاء والمدِّ والهمز: مصدر فجأني الأمر يفجؤني فُجاءَة: إذا صادفك بغتة من غير قصد. ومنه: قَطَرِي بن الفجاءة؛ اسم رجل. ويقال: فاجأني، يفاجئني، مفاجأةً، وفجاء. وإنما أمره أن يصرف بصره عن استدامة النظر إلى ما وقع عينه عليه أول
стр. 3137
[٢٠٦٩] وعن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ.
رواه أحمد (٢/ ٥١٠)، والبخاريُّ (٦٢٣٢ و ٦٢٣٣)، ومسلم (٢١٦٠)، وأبو داود (٥١٩٨ و ٥١٩٩)، والترمذيُّ (٢٧٠٤ و ٢٧٠٥).
ــ
مرة؛ وإنما لم يتعرض لذكر الأولى؛ لأنَّها لا تدخل تحت خطاب تكليف؛ إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودًا، فلا تكون مكتسبة، فلا يكون مكلفًا بها، فأعرض عما ليس مكلَّفًا به، ونهاه عما يُكلَّف به؛ لأنَّ استدامة النظر مكتسبة للإنسان؛ إذ قد يستحسن ما وافقه بصره، فيتابع النظر، فيحصل المحذور - وهو النظر إلى ما لا يحل -. ولذلك قال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: (لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الثانية) (١).
وقوله ﷺ : (يُسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير) قد تقدَّم الأمر بالسلام، وبإفشائه في كتاب الإيمان، ولا خلاف بين العلماء في أن الابتداء بالسلام سُنَّة، وأن الرد واجب، قاله أبو محمد عبد الوهاب. وقال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء: على أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ فريضة. غير أن أبا عبد الله المازري قال: الابتداء بالسَّلام سُنَّة والردُّ واجب في المشهور؛ فإذا ردَّ واحدٌ من الجماعة أجزأ عنهم، ثمَّ إن الناس في الابتداء بالسَّلام إما أن تتساوى أحوالهم، أو تتفاوت. فإن تساوت فخيرهم الذي يبدأ صاحبه بالسلام: كالماشي على الماشي، والراكب على الراكب، غير أن الأولى مبادرة ذوي المراتب الدينية، كأهل العلم، والفضل احترامًا لهم، وتوقيرًا، وأما ذوي المراتب الدنيوية المحضة فإنَّ سلَّموا يردَّ عليهم، وإن ظهر عليهم إعجاب، أو كبر فلا يُسلَّم عليهم؛ لأنَّ ذلك معونة لهم على المعصية، وإن لم يظهر ذلك عليهم جاز أن يُبدؤوا بالسَّلام، وابتداؤهم هم بالسلام أولى بهم؛ لأنَّ ذلك يدلّ على
стр. 3138
[٢٠٧٠] وعن أبي طَلحَةَ قال: كُنَّا قُعُودًا بِالأَفنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ
ــ
تواضعهم، وإن تفاوتت فالحكم فيها على ما يقتضيه هذا الحديث، فيبدأ الراكب بالسَّلام على الماشي لعلوِّ مرتبته؛ لأنَّ ذلك أبعد له من الزهو. وأمَّا الماشي: فقد قيل فيه مثل ذلك، وفيه بُعد؛ إذ الماشي لا يزهى بمشيه غالبًا. وقيل: هو معلل: بأن القاعد قد يقع له خوف من الماشي؛ فإذا بدأه بالسَّلام أمن من ذلك، وهذا أيضًا بعيد؛ إذ لا خصوصية للخوف بالقاعد، فقد يخاف الماشي من القاعد، وأشبه من هذا أن يقال: إن القاعد على حال وقار وثبوت وسكون، فله مزيَّة على الماشي بذلك؛ لأنَّ حاله على العكس من ذلك. وأما ابتداء القليل بالسَّلام على الكثير فمراعاة لشرفية جمع المسلمين وأكثريتهم.
وقد زاد البخاري في هذا الحديث: (ويسلم الصغير على الكبير) وهذه المعاني التي تكلَّف العلماء إبرازها هي حكم تناسب المصالح المحسِّنة والمكمِّلة، ولا نقول: إنها نصبت نصب العلل الواجبة الاعتبار، حتى لا يجوز أن يعدل عنها، فنقول: إن ابتداء القاعد للماشي غير جائز، وكذلك ابتداء الماشي الراكب، بل يجوز ذلك؛ لأنَّه مُظهر للسَّلام، ومفشٍ له كما أمر النبي ﷺ بقوله: (أفشوا السَّلام بينكم) (١)، وبقوله: (إذا لقيت أخاك فسلم عليه) (٢) وإذا تقرر هذا فكل واحد من الماشي والقاعد مأمور بأن يسلِّم على أخيه إذا لقيه، غير أن مراعاة تلك المراتب أولى، والله أعلم.
ثم هذا السَّلام المأمور به، وهو أن يقول: السَّلام عليكم، أو: سلامٌ عليكم؛ إذ قد جاء اللفظان في الكتاب والسنة. والسلام في الأصل بمعنى: السلامة، كاللذاذ واللذاذة، كما قال تعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أَصحَابِ اليَمِينِ﴾ أي: فسلامةٌ؛ فعلى هذا يكون معنى قول المسلم (سلام عليك)
стр. 3139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أي: سلامةٌ لك مني وأمان، ولذلك قال ﷺ : (السلام أمان لذمتنا، وتحيَّة لملتنا) (١) والسَّلام أيضًا: اسم من أسماء الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿السَّلامُ المُؤمِنُ المُهَيمِنُ﴾ ومعناه في حق الله تعالى: أنه المنزه عن النقائص والآفات التي تجوز على خلقه. وعلى هذا: فيكون معنى قول المسلم: السلام عليك؛ أي: الله مطلع عليك، وناظر إليك، فكأنَّه يذكره باطلاع الله تعالى، ويخوفه به ليأمن منه، ويُسلِّمُه من شرِّه، فإذا دخلت الألف واللام على المعنى الأول كان معناه: السلامة كلها لك مني، وإذا أدخلت على اسم الله تعالى: كانت تفخيمًا وتعظيمًا؛ أي: الله العظيم السليم من النقائص، والآفات، المسلِّم لمن استجار به من جميع المخلوقات. ويقال في السَّلام: سِلمٌ - بكسر السين - قال الشاعر:
وقفنا فقُلنا إيهِ سِلمًا فسلَّمَت ... كما انكَلَّ بالبَرقِ الغَمَامُ اللَّوائِحُ
ولا يقل المبتدئ: عليك السَّلام، لنهي رسول الله ﷺ عن ذلك فيما رواه النِّسائي، وأبو داود من حديث جابر بن سليم قال: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: عليك السَّلام، يا رسول الله! فقال: (عليك السلام تحية الميت، السلام عليك - ثلاثا -) (٢) أي: هكذا فقل.
و(قوله: عليك السَّلام تحيَّة المَيِّت) يعني أنه الأكثر في عادة الشعراء، كما قال:
عليك سلام الله قيسُ بن عاصمٍ ... ورَحمَتُه ما شاء أن يَتَرحَّما
لا أن ذلك اللفظ هو المشروع في حق الموتى؛ لأنَّه ﷺ قد سلَّم على الموتى،
стр. 3140
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ عَلَينَا، فَقَالَ: مَا لَكُم وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ. فَقُلنَا: إِنَّمَا قَعَدنَا لِغَيرِ مَا بَأسٍ، قَعَدنَا نَتَذَاكَرُ
ــ
كما سلَّم على الأحياء، فقال: (السَّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين) (١) ويتأكد تقديم لفظ السَّلام إذا تنزلنا على أن اسم السَّلام من أسماء الله تعالى، فإنَّ أسماءه تعالى أحقُّ بالتقديم. وأما الرادُّ: فالواجب عليه أن يردَّ ما سمعه، والمندوب أن يزيد إن بقَّى له المبتدئ ما يزيد، فلو انتهى المبتدئ بالسلام إلى غايته؛ التي هي: السَّلام عليك ورحمة الله وبركاته؛ لم يزد الرادُّ على ذلك شيئًا؛ لأنَّ السلام انتهى إلى البركة، كما قال عبد الله بن عباس. وقد أنكر عبد الله بن عمر على من زاد على ذلك شيئًا، وهذا كلُّه مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحسَنَ مِنهَا أَو رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا﴾ أي: يحاسب على الأقوال كما يحاسب على الأفعال.
و(قوله: ما لكم ولمجالس الصُّعدات، اجتنبوا مجالس الصُّعدات) الصُّعدات: جمع صعيد، وهو الطريق مطلقًا. وقيل: الطريق الذي لا نبات فيه؛ مأخوذ من الصعيد، وهو: التراب على قول الفرَّاء، أو وجه الأرض على قول ثعلب. ويجمع: صُعُدا، وصعدات، كطرق وطرقات. وقد جاء الصعيد في الرواية الأخرى مفسَّرًا بالطريق. وهذا الحديث إنكارٌ للجلوس على الطرقات، وزجرٌ عنه، لكن محمله على ما إذا لم ترهق إلى ذلك حاجة، كما قالوا: ما لنا من ذلك بُدٌّ؛ نتحدَّث فيها. لكن العلماء فهموا: أن ذلك المنع ليس على جهة التحريم، وإنَّما هو من باب سدِّ الذرائع، والإرشاد إلى الأصلح، ولذلك قالوا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدَّث؛ أي: نتذاكر العلم والدين، ونتحدَّث بالمصالح والخير، ولما علم النبي ﷺ منهم ذلك، وتحقَّق حاجتهم إليه؛ أباح لهم ذلك، ثم
стр. 3141
وَنَتَحَدَّثُ، فقَالَ: إِمَّا لَا، فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ البَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَحُسنُ الكَلَامِ.
رواه أحمد (٤/ ٣)، ومسلم (٢١٦١).
[٢٠٧١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا بُدٌّ مِن مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فإِذَا أَبَيتُم إِلَّا المَجلِسَ، فَأَعطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ.
ــ
نبَّههم على ما يتعين عليهم في مجالسهم تلك من الأحكام.
و(قوله: إمَّا لا) هي: (إن) الشرطية المكسورة زيدت عليها (ما) تأكيدًا للشرط، و (لا) عبارة عن الامتناع والإباية، فكأنَّه قال: إن كان ولا بُدَّ من إبايتكم، ولا غنى لكم عن قعودكم فيها؛ فأعطوا الطريق حقَّها. فلمَّا سمعوا لفظ الحق - وهو مجمل - سألوا عن تفصيله، ففصَّله لهم بقوله ﷺ : (غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السَّلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذه الحقوق كلها واجبة على من قعد على طريق. ولما كان القعود على الطريق يُفضي إلى أن تتعلق به هذه الحقوق، ولعلَّه لا يقوم ببعضها فيتعرَّض لذمِّ الله تعالى ولعقوبته كره القعود فيها، وغلَّظ بالزجر المتقدِّم، والإنكار، فإن دعت إلى ذلك حاجة، كالاجتماع في مصالح الجيران، وقضاء حوائجهم، وتفقد أمورهم، إلى غير ذلك، قعد على قدر حاجتهم، فإن عرض له شيء من تلك الحقوق وجب القيام به عليه.
و(كف الأذى) يعني به: لا يؤذي بجلوسه أحدًا من جلسائه بإقامته من مجلسه ولا بالقعود فوقه، ولا بالتضييق عليه، ولا يجلس قبالة دار جاره، فيتأذى بذلك. وقد يكون كفُّ الأذى: بأن يكف بعضهم عن بعض، إلا أن هذا يدخل في قسم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فحمله على المعنى الأول أولى.
و(قوله: وحسن الكلام) يريد أن من جلس على الطريق فقد تعرض لكلام الناس، فليحسِّن لهم كلامه، ويصلح شأنه.
стр. 3142
قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمرُ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيُ عَن المُنكَرِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦)، والبخاري (٢٤٦٥)، ومسلم (٢١٢١)(٣)،
وأبو داود (٤٨١٥).
* * *
(١٠) باب حق المسلم على المسلم، والسلام على الغلمان
[٢٠٧٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: حَقُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ سِتٌّ. قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيهِ،
ــ
و(قوله: حق المسلم على المسلم ست) أي: الحقوق المشتركة بين المسلمين عند ملابسة بعضهم بعضا. والحق لغة؛ هو: الثابت. ونقيضه هو: الباطل. والحق في الشريعة: يقال على الواجب وعلى المندوب المؤكد، كما قال: (الوتر حق) (١) لأن كل واحدٍ منهما ثابت في الشرع، فإنَّه مطلوب مقصود قصدًا مؤكدًا، غير أن إطلاقه على الواجب أوَّلُ، وأولى. وقد أطلق في هذا الحديث الحق على القدر المشترك بين الواجب والندب، فإنَّه جمع فيه بين واجبات ومندوبات، وقد تقدَّم أن الابتداء بالسَّلام سنة. وأما إجابة الدعوة: فواجبة في الوليمة كما تقدَّم، وفي غيرها مندوب إليها. وأما النَّصيحة: فواجبة عند الاستنصاح، وفي غيره تفصيل على ما تقدَّم في كتاب الإيمان. وأما تشميت العاطس: فاختلف فيه على ما يأتي. وأما عيادة المريض: فمندوب إليها، إلا أن
стр. 3143
وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبهُ، وَإِذَا استَنصَحَكَ فَانصَح لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشمِّتهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعهُ.
وفي رواية: (خمس) ولم يذكر (استنصحك).
رواه أحمد (٢/ ٣٣٢ و ٥٤٠)، والبخاريُّ (١٢٤٠)، ومسلم (٢١٦٢) (٤ و ٥)، وأبو داود (٥٠٣١)، والترمذيُّ (٢٧٣٧)، والنسائي (٤/ ٣٥).
[٢٠٧٣] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى غِلمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيهِم.
رواه البخاريُّ (٦٢٣٧)، ومسلم (٢١٦٨)(١٤)، وأبو داود (٥٢٠٢)، والترمذي (٢٦٩٧)، وابن ماجه (٣٧٠٠).
* * *
ــ
يخاف ضياعه فيكون تفقده، وتمريضه واجبًا على الكفاية. وقد تقدَّم الكلام على اتباع الجنائز.
وكونه ﷺ يسلِّم على الصبيان؛ إنما كان ليبيِّن مشروعية ذلك، وليفشي السَّلام، ولينالوا بركة تسليمه عليهم، وليعلمهم كيفية التسليم وسنته، فيألفوه، ويتمرَّنوا عليه.
* * *
стр. 3144
(١١) باب لا يبدأ أهل الذمة بالسلام وكيفية الرد عليهم إذا سلموا
[٢٠٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وإِذَا لَقِيتُم أَحَدَهُم فِي طَرِيقٍ فَاضطَرُّوهُ إِلَى أَضيَقِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٣٦)، ومسلم (٢١٦٧)، وأبو داود (٥٢٠٥).
ــ
(١١) ومن باب: لا يُبدأ أهل الذمَّة بالسلام
قوله ﷺ : (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام) إنما نهى عن ذلك لأن الابتداء بالسلام إكرام، والكافر ليس أهلًا لذلك، فالذي يناسبهم الإعراض عنهم، وترك الالتفات إليهم، تصغيرًا لهم، وتحقيرًا لشأنهم، حتى كأنهم غير موجودين.
و(قوله: وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه) أي: لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكرامًا لهم واحترامًا. وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الأولى في المعنى والعطف. وليس معنى ذلك: أنا إذا لقيناهم في طريق واسع أننا نلجئهم إلى حَرفِه حتى نضيِّق عليهم؛ لأنَّ ذلك أذى منا لهم من غير سبب، وقد نهينا عن أذاهم.
و(السَّام): الموت. كما قال: (في الحبَّة السوداء شفاءٌ من كل داء إلا السَّام) (١) والسَّام: الموت. وقيل: السَّام: من السآمة، وهو الملال، يقال: سَئم يَسأمُ سَآمة وسَآمًا، وهو تأويل قتادة.
قلت: وعلى هذا القول: فتُسَهَّلُ همزة سأما وسآمة، فيكون كاللَّذاذ واللَّذَاذة، وعلى الأوَّل الجمهور.
стр. 3145
[٢٠٧٥] وعَن أَنَسٍ: أَنَّ أَصحَابَ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ أَهلَ الكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَينَا، فَكَيفَ نَرُدُّ عَلَيهِم؟ قَالَ: قُولُوا: وَعَلَيكُم.
رواه أحمد (٣/ ١١٥)، ومسلم (٢١٦٣)(٧).
[٢٠٧٦] وعن ابنَ عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اليَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَيكُم، يَقُولُ أَحَدُهُم: السَّامُ عَلَيك، فَقُل: عَلَيكَ.
وفي رواية: فقولوا: وعليك.
رواه أحمد (٢/ ١٩)، والبخاريُّ (٦٩٢٨)، ومسلم (٢١٦٤) (٨ و ٩)، وأبو داود (٥٢٠٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٧٨ - ٣٨٠).
ــ
و(عليك) بغير واو: هي الرواية الواضحة المعنى، وأما مع إثبات الواو: ففيها إشكال؛ لأنَّ الواو العاطفة تقتضي التشريك، فيلزم منه أن ندخل معهم فيما دعوا به علينا من الموت، أو من سآمة ديننا. واختلف المتأولون في ذلك فقال بعضهم: الواو زائدة كما زيدت في قول الشاعر (١):
فلمَّا أجَزنا ساحة الحي وانتحى (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .
أى: لما أجزنا انتحى، فزاد (الواو) وقيل: إن (الواو) في الحديث للاستئناف فكأنه قال: والسَّام عليكم. وهذا كله فيه بُعد، وأولى من هذا كُلّه أن يقال: إن (الواو) على بابها من العطف غير أنا نجاب عليهم، ولا يجابون علينا. كما قاله ﷺ ، ورواية حذف (الواو) أحسن معنى، وإثباتها أصح رواية وأشهر.
стр. 3146
[٢٠٧٧] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ، قال: سَلَّمَ نَاسٌ مِن يَهُودَ عَلَى النبي ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكَ يَا أَبَا القَاسِمِ؟ فَقَالَ: وَعَلَيكُم، فَقَالَت عَائِشَةُ - وَغَضِبَت -: أَلَم تَسمَع مَا قَالُوا؟ قَال: بَلَى، قَد سَمِعتُ، فَرَدَدتُ عَلَيهِم، وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيهِم، وَلَا يُجَابُونَ عَلَينَا.
رواه أحمد (٣/ ٣٨٣)، ومسلم (٢١٦٦)(١٢).
ــ
وقد اختلف في السَّلام على أهل الذِّمَّة؛ هل هو واجبٌ كالرد على المسلمين؟ وإليه ذهب ابن عبَّاس، والشعبي، وقتادة تمسُّكًا بعموم الآية، وبالأمر بالردِّ عليهم بالذي في هذه الأحاديث. وذهب مالك فيما روى عنه أشهب، وابن وهب إلى أن ذلك ليس بواجب فإنَّ رددت؛ فقل: عليك. والاعتذار عن ذلك: بأن ذلك بيان (١) أحكام المسلمين؛ لأن سلام أهل الذمة علينا (٢) ليس تحية لنا؛ وإنما هو دعاء علينا، كما قد بيَّنه النبي ﷺ بقوله: (إنما يقولون: السَّام) فلا هم يحيوننا، ولا نحن نرد عليهم تحيَّة، بل دعاء عليهم ولعنة، كما فعلته عائشة ﵂، وأمره ﷺ لنا بالرد، إنما هو لبيان الرد لما قالوه خاصة، فإن تحققنا من أحدهم أنه تلفظ بالسَّلام رددنا عليه بعليك فقط؛ لإمكان أن يريد بقلبه غير ما نطق بلسانه، وقد اختار ابن طاوس (٣) أن يقول في الرد عليهم: علاكَ السَّلام؛ أي: ارتفع عنك. واختار بعض أصحابنا: السِّلام - بكسر السين -؛ يعني به الحجارة، وهذا كلّه تكلُّف. بل: ما قاله مالك كاف شاف.
стр. 3147
[٢٠٧٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: استَأذَنَ رَهطٌ مِن اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكُم، فَقَالَت عَائِشَةُ: بَل عَلَيكُم السَّامُ وَاللَّعنَةُ.
وفي رواية: السام والذام.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفقَ فِي الأَمرِ كُلِّهِ.
وفي رواية: لا تكوني فاحشة. بدل: إن الله يحب.
قَالَت: أَلَم تَسمَع مَا قَالُوا؟ قَالَ: قَد قُلتُ: وَعَلَيكُم.
ــ
وقول عائشة ﵂: (بل عليكم السَّام والذَّام) الذَّام بتخفيف الميم؛ الرواية المشهورة فيه بالذال المعجمة: وهو العيب، ومنه: المثل: لا تعدم الحسناء ذامًا؛ أي: عيبًا، ويهمز، ولا يهمز. يقال: ذأمه يذأمه. مثل: دأب عليه يدأب، والمفعول: مذؤوم - مهموزا - ومنه: مَذؤومًا مَدحُورًا، ويقال: ذامه يذومه - مخففًا - كرامه يرومه. قال الأخفش: الذَّام أشدُّ العيب. وقد وقع للعذري هذا الحرف (الهام) بالهاء. يعني: هامة القتيل وصداه التي كانت العرب تتحدَّث بها، وهي من أكاذيبها كما تقدَّم. وتعني بذلك عائشة على هذا: القتل؛ دعت عليه بالموت والقتل، وقاله ابن الأعرابي بالدال المهملة، وفسَّره بالدائم، والصواب الأول إن شاء الله تعالى.
و(قوله: ففطنت بهم عائشة (١)) صحيح الرواية بفاء وطاء مهملة ونون من الفطنة، والفهم. أي: فهمت عنهم ما قالوه. ولابن الحذَّاء: فقطبت. بقاف وباء بواحدة من التقطيب في الوجه، وهو العَبسَة والغضب. وقد جاء مفسَّرا في الرواية الأخرى.
стр. 3148
وفي رواية: عليكم من غير واو.
رواه أحمد (٦/ ٣٧)، والبخاريُّ (٢٩٣٥)، ومسلم (٢١٦٥) (١٠ و ١١)، وابن ماجه (٣٦٩٨).
* * *
(١٢) باب في احتجاب النساء وما يخفف عنهن من ذلك
[٢٠٧٩] عَن عَائِشَةَ: أَنَّ أَزوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ يَخرُجنَ بِاللَّيلِ، إِذَا تَبَرَّزنَ، إِلَى المَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفيَحُ - وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ يَقُولُ
ــ
وقوله لعائشة: (مه) معناه: اكففي. كما تقدَّم.
و(قوله: لا تكوني فاحشة) أي: لا يصدر عنك كلام فيه جفاء. والفحش: ما يستفحش من الأقوال، والأفعال. غير أنَّه قد كثر إطلاقه على الزنى، وهو غير مراد هنا قطعًا. وهذا منه ﷺ لعائشة ﵂ أمر بالتثبت، والرفق، وترك الاستعجال، وتأديبٌ لها لما نطقت به من اللَّعنة وغيرها، والله تعالى أعلم.
(١٢) ومن باب احتجاب النساء وما يُخفَّف عنهن من ذلك
قوله: (كن يخرجن بالليل يتبرَّزن إلى المناصع) يتبرَّزن: يخرجن إلى البَرَاز- بفتح الباء - وهو الموضع الذي يُتبرَّز فيه؛ أي: يظهر. والبروز: الظهور، ومنه: ﴿وَتَرَى الأَرضَ بَارِزَةً﴾ أي: ظاهرة. مستوية لا يحجبها شيء، كما قال تعالى: ﴿لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمتًا﴾
و(المناصع): موضع خارج المدينة.
و(قوله: وهو صعيد أفيح) أي: أرض مستوية متسعة، وذلك كناية عن
стр. 3149
لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : احجُب نِسَاءَكَ، فَلَم يَكُن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفعَلُ، فَخَرَجَت سَودَةُ بِنتُ زَمعَةَ، زَوجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيلَةً مِن اللَّيَالِي، عِشَاءً، وَكَانَت امرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَد عَرَفنَاكِ، يَا سَودَةُ! حِرصًا عَلَى أَن يُنزَلَ الحِجَابُ. قَالَت
ــ
خروجهن إلى الحدث؛ إذ لم يكن لهم كنف في البيوت؛ كانوا لا يتخذونها استقذارًا، فكانت النساء يخرجن بالليل إلى خارج البيوت، ويبعدن عنها إلى هذا الموضع. وقد نصَّت على هذا عائشة ﵂ في حديث الإفك.
وقول عمر ﵁ لرسول الله ﷺ : (احجب نساءك) مصلحة ظهرت لعمر فأشار بها، ولا يظن بالنبي ﷺ أن تلك المصلحة خفيت عليه، لكنَّه كان ينتظر الوحي في ذلك، ولذلك لم يوافق عمر على ذلك حين أشار عليه به، لا سيما وقد كانت عادة نساء العرب ألا يحتجبن لكرم أخلاق رجالهم، وعفاف نسائهم غالبًا، ولذلك قال عنترة:
وأغُضُّ طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
فلما لم يكن هنالك ريبة؛ تركهم، ولم ينههم استصحابًا للعادة، وكراهة لابتداء أمرٍ أو نهي؛ فإنَّه كان يحبُّ التخفيف عن أمته.
ففيه من الفقه: الإشارة على الإمام بالرأي، وإعادة ذلك إن احتاج إليها، وجواز إشارة المفضول على الفاضل، وجواز إعراض المشار عليه، وتأخير الجواب إلى أن يتبيَّن له وجه يرتضيه.
وقول عمر ﵁ في هذا الحديث: (ألا قد عرفناك يا سودة) يقتضي: أن ذلك كان من عمر ﵁ قبل نزول الحجاب؛ لأنَّ عائشة ﵂ قالت فيه: حرصًا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الحجاب. والرواية الأخرى تقتضي أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، فالأولى أن يحمل ذلك على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل نزول الحجاب وبعده، ولا بُعد فيه. ويحتمل
стр. 3150
عَائِشَةُ: فَأُنِزَلَ الحِجَابُ.
رواه البخاريُّ (١٤٦)، ومسلم (٢١٧٠)(١٨).
ــ
أن يحمل ذلك على أن بعض الرواة ضمَّ قصة إلى أخرى، والأول أولى؛ فإنَّ عمر بن الخطاب ﵁ وقع في قلبه نفرة عظيمة، وأنفة شديدة من أن يطلع أحدٌ على حرم النبي ﷺ حتى صرح له بقوله: احجب نساءك؛ فإنَّهن يراهن البر والفاجر. ولم يزل ذلك عنده إلى أن نزل الحجاب وبعده. فإنه كان قصده: ألا يخرجن أصلًا، فأفرط في ذلك فإنَّه مفض إلى الحرج والمشقة، والإضرار بهن، فإنَّهن محتاجات إلى الخروج، ولذلك قال النبي ﷺ لما تأذَّت بذلك سودة: (قد أذن لَكُنَّ أن تخرجن لحاجتكنَّ).
و(قوله: فأنزل الحجاب) أي: آية الحجاب؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كذلك روي عن أنس وابن مسعود ﵄؛ غير أن هذا يتوجَّه عليه إشكال، وهو: أن حديث أنس وابن مسعود (١) يقتضي: أن سبب نزولها هو: أن النبي ﷺ حين أعرس بزينب اجتمع عنده رجال فجلسوا في بيته، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا المجلس حتى ثقلوا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). وحديث عائشة يقتضي أن الحجاب إنَّما نزل بسبب قول عمر: احجب نساءك. ويزول ذلك الإشكال بأن يقال: إن الآية نزلت عند مجموع السَّببين. فيكون عمر قد تقدَّم قوله: احجب نساءك، وكرر ذلك عليه إلى أن اتفقت قصة بناء زينب، فصدقت نسبة نزول الآية لكل واحد من ذينك السَّببين.
стр. 3151
[٢٠٨٠] وعنها قَالَت: خَرَجَت سَودَةُ، بَعدَمَا ضُرِبَ عَلَيهَا الحِجَابُ، لِبعض حَاجَتَهَا، وَكَانَت امرَأَةً جَسِيمَةً تَفرَعُ النِّسَاءَ جِسمًا، لَا تَخفَى عَلَى مَن يَعرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا سَودَةُ! وَاللَّهِ مَا تَخفَينَ عَلَينَا، فَانظُرِي كَيفَ تَخرُجِينَ، قَالَت: فَانكَفَأَت رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرقٌ، فَدَخَلَت فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَت: فَأُوحِيَ إِلَيهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنهُ، وَإِنَّ العَرقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَد أُذِنَ لَكُنَّ أَن تَخرُجنَ لِحَاجَتِكُنَّ.
رواه مسلم (٢١٧٠)(١٧).
ــ
قلت: وهذا الحجاب الذي أمر به أزواج النبي ﷺ وخُصِّصن به هو في الوجه والكفين.
قال القاضي عياض: لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره، قالوا: ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا ظهور أشخاصهن، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب، وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن.
و(قوله: تفرع النساء جسمًا) أي: طولًا. يقال: فرعت القوم: إذا طلتهم. و (انكفأت) صوابه بالهمزة، بمعنى: انقلبت وانصرفت. يقال: كفأت القوم كفئًا: إذا أرادوا وجها فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا. ووقع لبعض الرواة: انكفت - بحذف الهمزة والألف -، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة، فلقيها ساكن فحذفت.
و(العرق) - بفتح العين وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم. واعترقت العظم، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم. والعراق: العظم الذي لا لحم عليه.
و(قوله: قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) لا خلاف في أن المرأة إن
стр. 3152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس؛ بحيث يستر حجم أعضائها، غير متطيِّبة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها. وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها: أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لما يظهرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان. فإن قيل: فما الزينة التي اسثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾ فالجواب: إن ذلك اختلف فيه. فقال ابن مسعود: إنها الثياب. يعني بذلك: ثيابها التي تستتر بها، ولا تُستَر هي، كالملحفة، والخمار. وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت ذلك شيئًا؛ لا كحلًا، ولا خاتمًا، ولا غير ذلك مما يستر بالملحفة والخمار. وقال ابن عباس والمسور: هي الكحل، والخاتم؛ يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن ومالك: هو الوجه، والكفان؛ لأنَّهما ليسا بعورة؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادة، ويظهر ذلك منها في الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادة. والكلُّ محومون على أن المستثنى: هو ما يتعذر ستره إما عادة، وإما عبادة، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره؛ قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ﴾
فالخمار ما يلف على الرأس، والحلق، والجلباب اختلف فيه. فقال الحسن: هو الرداء. وقال ابن جبير: المقنعة. وقال قطرب: هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها. وقال أبو عبيدة: أدنى الجلباب أن تغطي وجها إلا قدر ما تبصر منه.
فرع: إذا قلنا: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، وإنه يجوز لها كشفهما؛ فإذا كانت بارعة الجمال، وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس، فتكون من
стр. 3153
[٢٠٨١] عن ابنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذنُكَ عَلَيَّ أَن يُرفَعَ الحِجَابُ، وَأَن تَسمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنهَاكَ.
رواه أحمد (١/ ٤٠٤)، ومسلم (٢١٦٩)، وابن ماجه (١٣٩).
* * *
ــ
المميلات اللاتي قد توعدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مَقنَعٌ.
وقوله ﷺ لابن مسعود ﵁: (إذنك علي أن يرفع الحجاب وأن تسمع (١) سوادي) الرواية في: (أن يرفع) أن يبنى لما لم يسم فاعله. ولا يجوز غيرها. وسببه: أن النبي ﷺ جعل لعبد الله إذنًا خاصًّا به، وهو أنه إذا جاء بيت النبي ﷺ فوجد الستر قد رفع دخل من غير إذن بالقول، ولم يجعل ذلك لغيره إلا بالقول. كما قال تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا﴾ وبقوله تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾. ولذلك كانت الصحابة ﵃ تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود، فتقول: كان ابن مسعود يُؤذن له إذا حجبنا، وكأن ابن مسعود كان له من التبسُّط في بيت النبي ﷺ والانبساط ما لم يكن لغيره: لما علمه النبي ﷺ من حاله، ومن خلقه، ومن إلفه لبيته.
ويستفاد من هذا الحديث أن ربَّ المنزل لو جعل رفع ستر بيته علامة على الإذن في الدخول إليه لاكتفي بذلك عن الاستئذان بالقول.
و(السَّواد) بكسر السين: الرواية، وهو السِّرار. تقول: ساودته مساودة وسوادًا؛ أي: ساررته. وأصله: إدناء سوادك من سواده - بفتح السين - وهو: الشخص.
стр. 3154
(١٣) باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم وعن الدخول على المغيبات
[٢٠٨٢] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَبِيتَنَّ أحد عِندَ امرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إِلَّا أَن يَكُونَ نَاكِحًا أَو ذَا مَحرَمٍ.
رواه مسلم (٢١٧١).
[٢٠٨٣] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيتَ
ــ
(١٣) ومن باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم
(قوله: لا يبيتن رجل عند امرأة ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم) هذا الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلًا أو نهارًا - محرمة بدليل قوله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) (١)، وبقوله: (لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل، أو رجلان) (٢) وبقوله: (إياكم والدخول على المغيبات) (٣) وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات. وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأنَّ الخلوة بالثيب بالليل هي التي تمكن غالبًا، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحرز بهن، ولنفرتهن عن الرجال، ولأن الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا.
و(قوله: إياكم والدخول على المغيبات) هذا تحذير شديد، ونهي وكيد،
стр. 3155
الحَمء؟ قَالَ: الحَمء المَوتُ.
قَالَ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ: الحَموُ أَخو الزَّوجِ، وَمَا أَشبَهَهُ مِن أَقَارِبِ الزَّوجِ؛ ابنُ العَمِّ وَنَحوُهُ.
رواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢) (٢٠ و ٢١)، والترمذيُّ (١١٧١).
ــ
كما يقال: إياك والأسد، وإياك والشرَّ؛ أي: اتق ذلك واحذره، والمنصوبان: مفعولان بفعلين مقدرين يدلّ عليهما المعنى.
و(المغيبات): جمع مغيبة، وهي التي غاب عنها زوجها؛ يقال: غاب الزوج، فهو غائب، وأغابت زوجته في حال غيبته، فهي مغيبة.
و(الحمء): أحد (١) الأحماء، وهم قرابة الزوج، مثل أخيه، وعمه، وابنيهما. ويقال لهؤلاء من جهة الزوجة: أختان. والصهر يجمع ذلك كله. وقد جاء الحمء في هذا الحديث مهموزًا، والهمز أحد لغاته. ويقال فيه: حمو - بواو مضمومة - كدلو، و (حمى) مقصور، كـ (عصا) والأشهر فيه: أنه من الأسماء الستَّة (٢) المعتلَّة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء خفضًا؛ فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك.
و(قوله: الحمء الموت) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت. أي: لقاءه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول