← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

[٢٠٨٠] وعنها قَالَت: خَرَجَت سَودَةُ، بَعدَمَا ضُرِبَ عَلَيهَا الحِجَابُ، لِبعض حَاجَتَهَا، وَكَانَت امرَأَةً جَسِيمَةً تَفرَعُ النِّسَاءَ جِسمًا، لَا تَخفَى عَلَى مَن يَعرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا سَودَةُ! وَاللَّهِ مَا تَخفَينَ عَلَينَا، فَانظُرِي كَيفَ تَخرُجِينَ، قَالَت: فَانكَفَأَت رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرقٌ، فَدَخَلَت فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجتُ، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَت: فَأُوحِيَ إِلَيهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنهُ، وَإِنَّ العَرقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَد أُذِنَ لَكُنَّ أَن تَخرُجنَ لِحَاجَتِكُنَّ. رواه مسلم (٢١٧٠) (١٧). ــ قلت: وهذا الحجاب الذي أمر به أزواج النبي ﷺ وخُصِّصن به هو في الوجه والكفين. قال القاضي عياض: لا خلاف في فرضه عليهن في الوجه والكفين الذي اختلف في ندب غيرهن إلى ستره، قالوا: ولا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا ظهور أشخاصهن، وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه الضرورة من الخروج إلى البراز، وقد كن إذا خرجن جلسن للناس من وراء حجاب، وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن. و(قوله: تفرع النساء جسمًا) أي: طولًا. يقال: فرعت القوم: إذا طلتهم. و (انكفأت) صوابه بالهمزة، بمعنى: انقلبت وانصرفت. يقال: كفأت القوم كفئًا: إذا أرادوا وجها فصرفتهم إلى غيره، فانكفؤوا. ووقع لبعض الرواة: انكفت - بحذف الهمزة والألف -، وكأنه لما سهل الهمزة بقيت الألف ساكنة، فلقيها ساكن فحذفت. و(العرق) - بفتح العين وسكون الراء -: العظم الذي عليه اللحم. واعترقت العظم، وتعرَّقته: إذا تتبعت ما عليه من اللحم. والعراق: العظم الذي لا لحم عليه. و(قوله: قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) لا خلاف في أن المرأة إن

стр. 3152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تخرج لما تحتاج إليه من أمورها الجائزة لكنها تخرج على حال بذاذة، وتستُّر، وخشونة ملبس؛ بحيث يستر حجم أعضائها، غير متطيِّبة، ولا متبرِّجة بزينة، ولا رافعة صوتها. وعلى الجملة فالحال التي يجوز لها الخروج عليها: أن تكون بحيث لا تمتد لها عين، ولا تميل إليها نفس، وما أعدم هذه الحالة في هذه الأزمان؛ لما يظهرن من الزينة والطيب، والتبختر في الملابس الحسان، فمسامحتهن في الخروج على تلك الحال فسوق وعصيان. فإن قيل: فما الزينة التي اسثنى الله تعالى لهن إظهارها في قوله: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا﴾ فالجواب: إن ذلك اختلف فيه. فقال ابن مسعود: إنها الثياب. يعني بذلك: ثيابها التي تستتر بها، ولا تُستَر هي، كالملحفة، والخمار. وعلى هذا فلا يجوز أن تبدي مما تحت ذلك شيئًا؛ لا كحلًا، ولا خاتمًا، ولا غير ذلك مما يستر بالملحفة والخمار. وقال ابن عباس والمسور: هي الكحل، والخاتم؛ يعني: أن العين لا يمكن سترها، وقد تتناول بيد الخاتم ما تحتاج إليه. وقال الحسن ومالك: هو الوجه، والكفان؛ لأنَّهما ليسا بعورة؛ إذ يجب كشفهما عليها في الإحرام عبادة، ويظهر ذلك منها في الصلاة، وهما اللذان يبدوان منها عادة. والكلُّ محومون على أن المستثنى: هو ما يتعذر ستره إما عادة، وإما عبادة، وقد دلَّ على أن المطلوب من المرأة ستر ما تتمكن من ستره؛ قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنهَا وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدنِينَ عَلَيهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدنَى أَن يُعرَفنَ فَلا يُؤذَينَ﴾ فالخمار ما يلف على الرأس، والحلق، والجلباب اختلف فيه. فقال الحسن: هو الرداء. وقال ابن جبير: المقنعة. وقال قطرب: هو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها. وقال أبو عبيدة: أدنى الجلباب أن تغطي وجها إلا قدر ما تبصر منه. فرع: إذا قلنا: إن الوجه والكفين ليسا بعورة، وإنه يجوز لها كشفهما؛ فإذا كانت بارعة الجمال، وجب عليها أن تستر وجهها لئلا تفتن الناس، فتكون من

стр. 3153

[٢٠٨١] عن ابنَ مَسعُودٍ قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذنُكَ عَلَيَّ أَن يُرفَعَ الحِجَابُ، وَأَن تَسمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنهَاكَ. رواه أحمد (١/ ٤٠٤)، ومسلم (٢١٦٩)، وابن ماجه (١٣٩). * * * ــ المميلات اللاتي قد توعدن بالنار، وللكلام في هذا متسع، وفيما ذكرناه مَقنَعٌ. وقوله ﷺ لابن مسعود ﵁: (إذنك علي أن يرفع الحجاب وأن تسمع (١) سوادي) الرواية في: (أن يرفع) أن يبنى لما لم يسم فاعله. ولا يجوز غيرها. وسببه: أن النبي ﷺ جعل لعبد الله إذنًا خاصًّا به، وهو أنه إذا جاء بيت النبي ﷺ فوجد الستر قد رفع دخل من غير إذن بالقول، ولم يجعل ذلك لغيره إلا بالقول. كما قال تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُم حَتَّى تَستَأنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهلِهَا﴾ وبقوله تعالى: ﴿لا تَدخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَن يُؤذَنَ لَكُم﴾. ولذلك كانت الصحابة ﵃ تذكر ذلك في فضائل ابن مسعود، فتقول: كان ابن مسعود يُؤذن له إذا حجبنا، وكأن ابن مسعود كان له من التبسُّط في بيت النبي ﷺ والانبساط ما لم يكن لغيره: لما علمه النبي ﷺ من حاله، ومن خلقه، ومن إلفه لبيته. ويستفاد من هذا الحديث أن ربَّ المنزل لو جعل رفع ستر بيته علامة على الإذن في الدخول إليه لاكتفي بذلك عن الاستئذان بالقول. و(السَّواد) بكسر السين: الرواية، وهو السِّرار. تقول: ساودته مساودة وسوادًا؛ أي: ساررته. وأصله: إدناء سوادك من سواده - بفتح السين - وهو: الشخص.

стр. 3154

(١٣) باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم وعن الدخول على المغيبات [٢٠٨٢] عَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَبِيتَنَّ أحد عِندَ امرَأَةٍ ثَيِّبٍ، إِلَّا أَن يَكُونَ نَاكِحًا أَو ذَا مَحرَمٍ. رواه مسلم (٢١٧١). [٢٠٨٣] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَرَأَيتَ ــ (١٣) ومن باب النهي عن المبيت عند غير ذات محرم (قوله: لا يبيتن رجل عند امرأة ثيِّب إلا أن يكون ناكحًا، أو ذا محرم) هذا الحديث لا دليلَ خطابٍ له بوجه؛ لأنَّ الخلوة بالأجنبية - بكرًا كانت، أو ثيبًا، ليلًا أو نهارًا - محرمة بدليل قوله ﷺ : (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) (١)، وبقوله: (لا يدخلن رجلٌ على مغيِّبة إلا ومعه رجل، أو رجلان) (٢) وبقوله: (إياكم والدخول على المغيبات) (٣) وبالجملة فالخلوة بالأجنبية حرام بالاتفاق في كل الأوقات، وعلى كل الحالات. وإنَّما خصَّ المبيت عند الثيب بالنهي؛ لأنَّ الخلوة بالثيب بالليل هي التي تمكن غالبًا، فإنَّ الأبكار يتعذر الوصول إليهن غالبًا للمبالغة في التحرز بهن، ولنفرتهن عن الرجال، ولأن الخلوة بالنهار تندر، فخرج النهي على المتيسَّر غالبًا. و(قوله: إياكم والدخول على المغيبات) هذا تحذير شديد، ونهي وكيد،

стр. 3155

الحَمء؟ قَالَ: الحَمء المَوتُ. قَالَ اللَّيثَ بنَ سَعدٍ: الحَموُ أَخو الزَّوجِ، وَمَا أَشبَهَهُ مِن أَقَارِبِ الزَّوجِ؛ ابنُ العَمِّ وَنَحوُهُ. رواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢) (٢٠ و ٢١)، والترمذيُّ (١١٧١). ــ كما يقال: إياك والأسد، وإياك والشرَّ؛ أي: اتق ذلك واحذره، والمنصوبان: مفعولان بفعلين مقدرين يدلّ عليهما المعنى. و(المغيبات): جمع مغيبة، وهي التي غاب عنها زوجها؛ يقال: غاب الزوج، فهو غائب، وأغابت زوجته في حال غيبته، فهي مغيبة. و(الحمء): أحد (١) الأحماء، وهم قرابة الزوج، مثل أخيه، وعمه، وابنيهما. ويقال لهؤلاء من جهة الزوجة: أختان. والصهر يجمع ذلك كله. وقد جاء الحمء في هذا الحديث مهموزًا، والهمز أحد لغاته. ويقال فيه: حمو - بواو مضمومة - كدلو، و (حمى) مقصور، كـ (عصا) والأشهر فيه: أنه من الأسماء الستَّة (٢) المعتلَّة المضافة التي تعرب في حال إضافتها إلى غير ياء المتكلم بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء خفضًا؛ فتقول: جاءني حموك، ورأيت حماك، ومررت بحميك. و(قوله: الحمء الموت) أي: دخوله على زوجة أخيه يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة؛ أي: فهو مُحرَّم معلوم التحريم، وإنَّما بالغ في الزجر عن ذلك، وشبهه بالموت لتسامح الناس في ذلك من جهة الزوج والزوجة، لإلفهم لذلك، حتى كأنه ليس بأجنبي من المرأة عادة، وخرج هذا مخرج قول العرب: الأسد الموت، والحرب الموت. أي: لقاءه يفضي إلى الموت. وكذلك دخول

стр. 3156

[٢٠٨٤] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ: أَنَّ نَفَرًا مِن بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ، وَهِيَ تَحتَهُ يَومَئِذٍ، فَرَآهُم، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: لَم أَرَ إِلَّا خَيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ قَد بَرَّأَهَا مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ فَقَالَ: لَا يَدخُلَنَّ رَجُلٌ بَعدَ يَومِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا مَعَهُ رَجُلٌ أَو اثنَانِ. رواه أحمد (٢/ ١٨٦)، ومسلم (٢١٧٣) (٢٢). * * * ــ الحمو على المرأة يفضي إلى موت الدِّين، أو إلى موتها بطلاقها عند غيرة الزوج، أو برجمها إن زنت معه. و(قوله: إن نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس) كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر ﵁، لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الصلاح والخير، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والريب، كما قدمناه. ولعل هذا كان قبل نزول الحجاب، وقبل أن يُتقدَّم لهم في ذلك بأمر ولا نهي؛ غير أن أبا بكر ﵁ أنكر ذلك بمقتضى الغيرة الجبليَّة، والدِّينيَّة، كما وقع لعمر ﵁ في الحجاب. ولما ذكر ذلك للنبي ﷺ قال: ما يعلمه من حال الدَّاخلين، والمدخول لها، قال (١): (لم أر إلا خيرًا؛ يعني: على الفريقين، فإنَّه علم أعيان الجميع؛ لأنَّهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثم خصَّ (٢) أسماء بالشهادة لها فقال: (إن الله قد برأها من ذلك) أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلة عظيمة من أعظم فضائلها، ومنقبة من أشرف مناقبها، ومع ذلك فلم يكتف

стр. 3157

(١٤) باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه [٢٠٨٥] عَن صَفِيَّةَ بِنتِ حُيَيٍّ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مُعتَكِفًا - وفي رواية: في المسجد في العشر الأواخر من رمضان - فَأَتَيتُهُ أَزُورُهُ لَيلًا، فَحَدَّثتُهُ، ــ بذلك رسول الله ﷺ حتى جمع الناس، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال: (لا يدخلن رجل على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان) سدًّا لذريعة الخلوة، ودفعًا لما يؤدِّي إلى التهمة. وإنَّما اقتصر على ذكر الرَّجل والرَّجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر. فأما اليوم: فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا، لقد بالغ في هذا الباب حتى منع فيه ما يجرّ إلى بعيد التهم والارتياب (١)؛ حتى منع خلوة المرأة بابن زوجها، والسفر معه، وإن كانت محرَّمة عليه؛ لأنَّه ليس كل أحد يمتنع بالمانع الشرعي؛ إذا لم يقارنه مانع عادي، فإنَّه من المعلوم الذي لا شك فيه: أن موقع امتناع الرجل من النظر بالشهوة لامرأة أبيه (٢) ليس كموقعه منه لأمه وأخته. هذا قد استحكمت عليه النفرة العادية، وذلك قد أنست به النفس الشهوانية، فلا بدَّ مع المانع الشرعي في هذا من مراعاة الذرائع الحاليَّة (٣). (١٤) ومن باب: اجتناب التهم وما يجر إليها قد تقدَّم الكلام على الاعتكاف لغة وشرعًا في كتابه. قول صفية ﵂: (فأتيته أزوره ليلًا، فحدَّثته) دليل على جواز

стр. 3158

ثُمَّ قُمتُ لِأَنقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقلِبَنِي، وَكَانَ مَسكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِن الأَنصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى رِسلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ، ــ زيارة المعتكف، والتحدُّث معه، غير أنه يكره الإكثار من ذلك؛ لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى، وعلى أنه: لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه، ولا الحديث معها، وإنما الممنوع المباشرة، لكن هذا للأقوياء، وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة، فلا يجوز لئلا يفسد اعتكافه. وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم، أو ينقص ثوابه. وقولها: (ثم قمت لأنقلب، فقام ليقلبني) أي: لأنصرف. و(ليقلبني): يصرفني، وهو مفتوح الياء ثلاثيًّا، وهذا يدلّ على أن للمعتكف أن ينصرف في المسجد، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة؛ غير أنه لا يخرج من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها، وقد روي في هذا الحديث: أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد. وعلى هذا تأوَّل البخاري، ولم يختلف العلماء: أنه لا يفسده خروجه إلى باب المسجد، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة، كزيارة مريض، أو صلاة على جنازة، أو صعود إلى المنارة للأذان، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم، فكره مالك كل ذلك في المشهور عنه. وقوله ﷺ : (على رسلكما؛ إنما هي صفيَّة) الرِّسل - بكسر الراء -: الرفق واللين، وليس فتح الراء فيه معروفًا. و (الرِّسل) بالكسر أيضًا: اللبن. وقد جاء: أرسل القوم: صار لهم اللبن في مواشيهم. و(الرَّسَل) بفتح الراء والسين: القطيع من الخيل، والإبل، والغنم، وجمعه: أرسال. يقال: جاءت الخيل أرسالًا؛ أي: قطيعًا قطيعًا، و (إنما) هنا لتحقيق المتصل بها، وتمحيق المنفصل عنها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: الإلهية متحققة له منفيَّة عن

стр. 3159

فَقَالَا: سُبحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: إِنَّ الشَّيطَانَ يَجرِي مِن الإِنسَانِ مَجرَى الدَّمِ، ــ غيره. فكأنه قال: هذه صفيَّة لا غيرها حَسمًا لذريعة التُّهم، وردًا لتسويل الشيطان ووسوسته، كما قد نصَّ عليه، وإذا كان النبي ﷺ يتَّقي مواقع التُّهم عند (١) قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى. وقول الرجلين: (سبحان الله) معنى هذه الكلمة في أصلها: البراءة لله من السُّوء. لكنها قد كثر إطلاقها عند التعجب والتفخيم، أو الإنكار، كما قال تعالى: ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾ وكقوله ﷺ : (سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) (٢) ومثله كثير، وهذا الموضع منها، فكأنهما قالا: البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سوَّء بنبيِّه ﷺ ، ولذلك قال في الرواية الأخرى: (ومن كنت أظن به فلم أكن أظن بك! ). وقوله: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) حمله بعض العلماء على ظاهره. فقال: إن الله تعالى جعل للشيطان قوَّة وتمكُّنًا من أن يسري في باطن الإنسان، ومجاري دمه. والأكثر على أن معنى هذا الحديث: الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته، وإغوائه، وحرصه على إضلاله، وإفساد أحواله. فيجب الحذر منه، والتحرُّز من حيله، وسدُّ طرق وسوسته، وإغوائه وإن بعدت. وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله: (إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا، فتهلكا) (٣) وخصوصًا في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى

стр. 3160

وَإِنِّي خَشِيتُ أَن يَقذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا. أَو قَالَ: شَيئًا. وفي رواية: أنه كان رجلا واحدا، وأنه قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن كُنتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَم أَكُن أَظُنُّ بِك. رواه أحمد (٦/ ٣٣٧)، والبخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٤) (٢٣) و (٢١٧٥) (٢٤ و ٢٥)، وأبو داود (٢٤٧٠ و ٢٤٧١)، وابن ماجه (١٧٧٩). * * * ــ الكفر، فإنَّ ظنَّ السَّوء والشر بالأنبياء كفرٌ. قال القاضي عياض ﵀: في هذا الحديث من الفقه: إن من قال في النبي ﷺ شيئًا من هذا (١)، أو جوَّزه عليه فهو كافر مستباح الدم. و(قوله: يقذف في قلوبكما شرًّا) أي: يرمي. ومنه: القذف أي (٢) الرَّمي، والقذَّافة: الآلة التي تُرمَى بها الحجارة. والشرُّ هنا: هو الكفر الذي ذكرناه. وفي غير مسلم: (فتهلكا) أي: بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء بالنبي ﷺ . وذكر في الرواية الأخرى: أنه كان رجلًا واحدًا؛ فيحتمل أن يكون هذا في مرتين. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعًا وإفرادًا، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3161

(١٥) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم [٢٠٨٦] عَن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَينَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذ أَقبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ، فَأَقبَلَ اثنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرجَةً فِي الحَلقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا أُخبِرُكُم عَن النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، ــ (١٥) ومن باب: من رأى فُرجَة في الحلقة جلس فيها قوله: (إذ أقبل نفر ثلاثة) يدلّ: على أن أقل ما يقال عليه نفر: ثلاثة؛ إذ لا يقال: نفر اثنان، ولا: نفر واحد. و(قوله: أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله) الرواية الصحيحة بقصر الأول، وهو ثلاثي غير مُتعد. ومد الثاني وهو متعد رباعي. وهو قول الأصمعي. وهي لغة القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِذ أَوَى الفِتيَةُ إِلَى الكَهفِ﴾ أي: انضمُّوا، ونزلوا. وقال في الثاني: ﴿أَلَم يَجِدكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ أي: فضمَّك إليه. وقال أبو زيد: آويته أنا إيواءً، وأويته: إذا أنزلته بك، فَعَلت وأفعَلت بمعنًى. قلت: فأما أويت لِمَفَاقِره (١): فبالقصر لا غير.

стр. 3162

وَأَمَّا الآخَرُ فَاستَحيَا، فَاستَحيَا اللَّهُ مِنهُ، ــ ومعنى ذلك: أن هذا الرجل لما انضم إلى الحلقة ونزل فيها، جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمه إلى رحمته، وأنزله في جنته وكرامته. ففيه: الحضُّ على مجالسة العلماء، ومداخلتهم، والكون معهم؛ فإنَّهم القومُ الذين لا يشقى بهم جليسهم. وفيه: التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم، والحضُّ على سدِّ خلل الحلقة؛ لأنَّ القرب من العالم أولى، لما يحصل من ذلك من حسن الاستماع، والحفظ، والحال في حلق الذكر كالحال في صفوف الصلاة. يُتَمُّ الصَّف الأول، فإنَّ كان نقص ففي المؤخر. و(الحَلقة) بفتح الحاء وسكون اللام، وكذلك حلقة الباب. والحلقة: الدروع، والجمع: الحلق على غير قياس. وقال الأصمعي: الجمع حِلَق، مثل: بَدرَة وبِدَر، وقَصعة وقِصَع، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء: حَلَقة - في الواحد بتحريك اللام - والجمع: حَلَق، وحَلَقات. وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك اللام - إلا قولهم: هؤلاء قوم حَلَقة: جمع حالق للشعر. و(قوله: وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه) كأن هذا الثالث كان متمكِّنًا من المزاحمة؛ إذ لو شرع فيها لفسح له؛ لأنَّ التَّفسُّح في المجلس مأمورٌ به، مندوبٌ إليه، لكن منعه من ذلك الحياء فجلس خلف الصف الأول، ففاتته فضيلة التقدُّم، لكنه جازاه الله على إصغائه، واستحيائه بأن لا يعذبه، وبأن يكرمه. وقد تقدَّم الكلام في الحياء، واستحياء الله تعالى، وأن معناه في حقه تعالى: أنه يعامل عبيده بما يعامل به من يستحيي منه؛ من المغفرة والكرامة؛ كما قد جاء عنه ﷺ : (إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه) (١).

стр. 3163

وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعرَضَ، فَأَعرَضَ اللَّهُ عَنهُ. رواه أحمد (٥/ ٢١٩)، والبخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦)، والترمذي (٢٧٢٤). * * * (١٦) باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه، ومن قام من مجلسه ثم رجع إليه عن قرب فهو أحق به [٢٠٨٧] عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: لا يقم الرجل الرجل ــ و(قوله: وأما الآخر فأعرض، فأعرض الله عنه) إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم، وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها. وإن كان مسلمًا، وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره، فإعراض الله تعالى عنه: منع ثوابه عنه، وحرمانه مجالسة النبي ﷺ ، والاستفادة منه، والخير الذي حصل لصاحبيه (١). (١٦) ومن باب النهي عن أن يقام الرجل من مجلسه نهيه ﷺ عن أن يقام الرجل من مجلسه إنما كان ذلك لأجل: أن السَّابق لمجلس قد اختصَّ به إلى أن يقوم باختياره عند فراغ غرضه؛ فكأنه قد ملك منفعة ما اختصَّ به من ذلك، فلا يجوز أن يحال بينه وبين ما يملكه، وعلى هذا فيكون النهي على ظاهره من التَّحريم، وقيل: هو على الكراهة. والأول أولى. ويستوي في هذا المعنى أن يجلس فيه بعد إقامته، أو لا يجلس، غير أن هذا الحديث خرج

стр. 3164

من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا. رواه أحمد (٢/ ٨٩)، والبخاريُّ (٦٢٦٩)، ومسلم (٢١٧٧) (٢٨)، وأبو داود (٤٨٢٨)، والترمذيُّ (٢٧٤٩). [٢٠٨٨] وعَن جَابِرٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُم أَخَاهُ يَومَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ ليُخَالِف إِلَى مَقعَدِهِ فَيَقعُدَ فِيهِ، وَلَكِن يَقُولُ: افسَحُوا. رواه أحمد (٣/ ٢٩٥ - ٣٤٢)، ومسلم (٢١٧٨). ــ على أغلب ما يفعل من ذلك، فإنَّ الإنسان في الغالب إنما يقيم الآخر من مجلسه ليجلس فيه. وكذلك يستوي فيه يوم الجمعة، وغيره من الأيام التي يجتمع الناس فيها، لكن جرى ذكر يوم الجمعة في هذا الحديث؛ لأنَّه اليوم الذي يجتمع الناس فيه، ويتنافسون في المواضع القريبة من الإمام، وعلى هذا: فيلحق بذلك ما في معناه، ولذلك قال ابن جريج: في يوم الجمعة وغيرها. و(قوله: ولكن تفسَّحوا، وتوسَّعوا) هذا أمر للجلوس (١) بما يفعلون مع الداخل، وذلك: أنه لما نهي عن أن يقيم أحدًا من موضعه تعيَّن على الجلوس (١) أن يوسِّعوا له، ولا يتركوه قائمًا، فإنَّ ذلك يؤذيه، وربما يخجله. وعلى هذا: فمن وجد من الجلوس (٢) سعة تعيَّن عليه أن يوسع له. وظاهر ذلك أنه على الوجوب تمسُّكًا بظاهر الأمر، وكأن القائم يتأذى بذلك، وهو مسلم، وأذى المسلم حرام. ويحتمل أن يقال: إن هذه آداب حسنة، ومن مكارم الأخلاق، فتحمل على الندب. وقد اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُم تَفَسَّحُوا فِي المَجَالِسِ فَافسَحُوا يَفسَحِ اللَّهُ لَكُم﴾ فقيل: هو مجلس النبي ﷺ كانوا يزدحمون فيه تنافسًا في القرب من النبي ﷺ . وقيل: هو مجلس الصَّف في القتال. وقيل: هو

стр. 3165

[٢٠٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُم، وفي رواية: مَن قَامَ مِن مَجلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٨٣)، ومسلم (٢١٧٩)، وأبو داود (٤٨٥٣)، وابن ماجه (٣٧١٧). * * * ــ عامٌّ في كل مجلس اجتمع فيه المسلمون للخير، والأجر، وهذا هو الأولى؛ إذ المجلس للجنس على ما أصَّلناه في الأصول. و(قوله: إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) هذا يدلّ على صحَّة القول بوجوب ما ذكرناه من اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، لأنه إذا كان أولى به بعد قيامه؛ فقَبلَه أحرى وأولى. وذهب آخرون: إلى أن ذلك على الندب؛ لأنَّه موضع غير متملَّك لأحد، لا قبل الجلوس، ولا بعده. وهذا فيه نظر، وهو أن يقال: سلَّمنا أنه غير متملَّك له، لكنه يختص به إلى أن يفرغ غرضه منه، فصار كأنه يملك منفعته؛ إذ قد منع غيره من أن يزاحمه عليه. وحمله مالك على النَّدب إذا كانت رجعته قريبة. قال: وإن بَعُدَ ذلك حتى يذهب، ويَبعُد فلا أرى ذلك، وأنه من محاسن الأخلاق. وعلى هذا فيكون هذا عامًّا في كل المجالس. وقال محمد بن مسلمة: الحديث محمول على مجلس العلم (١)، هو أولى به إذا قام لحاجة، فإذا قام تاركًا له، فليس هو بأولى. وقد اختلف العلماء فيمن ترتَّب من العلماء، والقُرَّاء بموضع من المسجد للفتيا، وللتدريس. فحكي عن مالك: أنه أحق به إذا عرف به. والذي عليه الجمهور: أن هذا استحسان، وليس بواجب، ولعلَّه مراد مالك. وكذلك قالوا فيمن قعد من الباعة في موضع من

стр. 3166

(١٧) باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء [٢٠٩٠] عَن أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِندَهَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي البَيتِ، فَقَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ أَبِي أُمَيَّةَ، إِن فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُم ــ أفنية الطُّرق، وأفضية البلاد غير المتملَّكة فهو أحق به ما دام جالسًا فيه، فإن قام منه، ونيَّته الرجوع إليه من غده؛ فقيل: هو أحق به حتى يتمَّ غرضه. حكاه الماوردي عن مالك؛ قطعًا للتنازع. وقيل: هو وغيره سواء، والسَّابق إليه بعد ذلك أحق به. (١٧) ومن باب الزجر عن دخول المخنثين على النساء التخنُّث: هو اللين والتكسُّر. والمخنث: هو الذي يلين في قوله، ويتكسَّر في مشيته، ويتثنى فيها كالنساء. وقد يكون خِلقة، وقد يكون تصنعًا من الفسقة. ومن كان ذلك فيه خلقة؛ فالغالب من حاله: أنَّه لا أرب له في النساء، ولذلك كان أزواج النبي ﷺ يعددن (١) هذا المخنث من غير أولي الإربة، فكانوا لا يحجبونه إلى أن ظهر منه ما ظهر فحجبوه. وقوله: (إن مخنثًا كان عندها) اختلف في اسم هذا المخنث، والأشهر: أن اسمه هيت بياء ساكنة بعد الهاء باثنتين من تحتها، وآخرها تاء باثنتين من فوقها. وقيل: صوابه هنب - بنون وباء بواحدة أخيرًا - والهنب: الرجل الأحمق، قاله ابن درستويه (٢). وقيل: إن هذا المخنث هو ماتع- باثنتين من فوقها - مولى

стр. 3167

الطَّائِفَ غَدًا، فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى بِنتِ غَيلَانَ، فَإِنَّهَا تُقبِلُ بِأَربَعٍ وَتُدبِرُ بِثَمَانٍ، قَالَ: فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا يَدخُل هَؤُلَاءِ عَلَيكُم. رواه أحمد (٦/ ٢٩٠)، والبخاري (٥٨٨٧)، ومسلم (٢١٨٠)، وأبو داود (٤٩٢٩)، وابن ماجه (١٩٠٢ و ٢٦١٤). ــ أبي فاختة المخزومي. قيل: وكان هو وهيت يدخلان في بيوت النبي ﷺ ، فلما وقعت هذه القصَّة غربهما النبي ﷺ إلى الحمى. وقيل: إن مخنَّثا كان بالمدينة نفاه النبي ﷺ (١) إلى حمراء الأسد. وقول المخنث: (أدلك على ابنة غيلان، فإنَّها تقبل بأربع، وتدبر بثمان) قال أبو عبيد: يعني به: العكن، وهي أربع (٢) تقبل بهن، ولها أطراف أربعة من كل جانب فتصير ثمانية. قلت: وإنَّما أنث فقال: بأربع وبثمان؛ وهو يريد الأطراف، وواحدها طرف، مذكر؛ لأنَّ هذا على حدِّ قولهم: هذا الثوب سبع في ثمان، والثمان يراد بها الأشبار، ووجه ذلك أنه (٣) يعني به العكن، وهي جمع عكنة، وهي الطي الذي يكون في جانبي البطن من السِّمن، وتجمع: عكن، وأعكان. وتعكَّن البطن: إذا صار ذلك فيه. يريد المخنَّث: أنَّ هذه المرأة إذا أقبلت كان لها من كل جانب من جوانب بطنها عكنتان، وإذا أدبرت كان لها من خلفها ثمان، وأنث العدد لتانيث المعدود، وهو: العكن: جمع عكنة. وقد روى هذا الحديث الواقدي، والكلبي، وقالا: إن (هيتًا) المخنَّث،

стр. 3168

[٢٠٩١] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِن غَيرِ أُولِي الإِربَةِ، قَالَ: فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَومًا، وَهُوَ عِندَ بَعضِ نِسَائِهِ، وَهُوَ يَنعَتُ امرَأَةً، قَالَ: إِذَا أَقبَلَت أَقبَلَت بِأَربَعٍ، وَإِذَا ــ وكان مولى لعبد الله بن أبي أمية المخزومي أخي أم سلمة لأبيها، وأم عبد الله عاتكة عمة رسول الله ﷺ قال له في بيت أم سلمة، ورسول الله ﷺ يسمع: إن افتتحتم الطائف فعليك ببادية ابنة غيلان بن غيلان الثقفي؛ فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان مع ثغرٍ كالأقحوان، إن جلست تثنَّت، وإن تكلَّمت تغنَّت، بين رجليها كالإناء المكفوء، وهي كما قال قيس بن الخطيم: تَغتَرِقُ الطَّرفَ وهِي لاهِيَةٌ ... كأنَّما شَفَّ وَجهَها نَزَفُ بَينَ شُكُولِ النساء خِلقَتُها ... قصدًا فلا غَيلَةٌ ولا نصف (١) تَنَامُ عن كِبرِ شأنِها فإذا ... قامت رُوَيدًا تكاد تنقصف (٢) فقال النبي ﷺ : (لقد غلغلت النظر إليها يا عدوَّ الله) ثم أجلاه عن المدينة إلى الحمى (٣). قال: فلما فتحت الطائف تزوجها عبد الرحمن بن عوف، فولدت له في قول الكلبي. قال: ولم يزل هيت بذلك المكان حتى قبض النبي ﷺ . فلما ولي أبو بكر ﵁ كُلِّم فيه، فأبى أن يردَّه، فلما ولي عمر ﵁ كُلِّم فيه، فأبى أن يردَّه، ثم كُلِّم فيه بعد، وقيل: إنه قد كبر وضعف وضاع، فأذن له أن يدخل كل جمعة، فيسأل، ويرجع إلى مكانه. قال أبو عمر بن عبد البر: يقال: بادية - بالياء - وبادنة - بالنون - والصواب بالياء، وهو قول أكثرهم. و(قوله: تغنت) هو من الغنة، لا من الغناء؛ أي: أنها تتغنَّن في كلامها

стр. 3169

أَدبَرَت أَدبَرَت بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَلَا أَرَى هَذَا يَعرِفُ مَا هَاهُنَا، لَا يَدخُل عَلَيكُم. قَالَت: فَحَجَبُوهُ. رواه أحمد (٦/ ١٥٢)، ومسلم (٢١٨١)، وأبو داود (٤١٠٧ و ٤١٠٨)، والنسائي في عشرة النساء (٣٦٥). * * * ــ للينها، ورخامة صوتها. يقال: تغنَّن الرجل، وتغنى، مثل: تضنَّن وتضنَّى. وفيه: ما يدلّ على جواز العقوبة بالنفي عن الوطن لمن يخاف منه الفساد والفسق. وعلى تحريم ذكر محاسن المرأة المعينة؛ لأنَّ ذلك إطلاع الأسماع على عورتها، وتحريك النفوس إلى ما لا يحل منها. ولذلك قال ﷺ : (لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) (١) فأما ذكر محاسن من لا تعرف من النساء: فمباحٌ إن لم يدع إلى مفسدةٍ؛ من تهييج النفوس إلى الوقوع في الحرام، أو في المكروه. وقوله ﷺ : (ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا) يدلّ: على أنهم كانوا يظنون أنه لا يعرف شيئًا من أحوال النساء، ولا يخطرن له بالبال. وسببه: أن التخنيث كان فيه خِلقة وطبعًا، ولم يكن يعرف منه إلا ذلك، ولذلك كانوا يعدُّونه من غير أولي الإربة؛ أي: ممن لا حاجة له في النساء. وقد قدَّمنا: أن الأرب والإربة: الحاجة. فلما سمع النبي ﷺ وصفه لتلك المرأة: علم أنه عنده تشوُّف للنساء؛ فحجب لذلك، ثم بولغ في تنكيله، وعقوبته، ونفيه لما اطلع عليه من محاسن تلك المرأة، وكشف من سترها، ولم تكن عقوبته لنفس التخنيث؛ فإنَّ ذلك كان فيه خِلقة، ولم يكن مكتسبًا له، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وأمَّا من تخانث وتشبه بالنساء، فقد أتى كبيرة من أفحش الكبائر؛ لعنه الله عليها ورسوله، ولا يقرُّ عليها.

стр. 3170

(١٨) باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه؛ لا يغض من قدرها [٢٠٩٢] عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ قَالَت: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيرُ وَمَا لَهُ فِي الأَرضِ مِن مَالٍ وَلَا مَملُوكٍ وَلَا شَيءٍ غَيرَ فَرَسِهِ، ــ بل: يؤدَّب بالضرب الوجيع والسجن الطويل، والنفي حتى ينزع عن ذلك، ويكفي دليلًا على ذلك ما خرَّجه البخاري عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (١)، وقال: (أخرجوهم من بيوتكم) (٢) وأخرج فلانًا، وفلانًا؛ غير أنه لا يقتل لما رواه أبو هريرة: أن النبي ﷺ أتي برجل قد خضب يديه ورجليه، فقال: (ما بال هذا؟ ! ) فقيل: يتشبَّه بالنساء، فأمر به، فنفي إلى النقيع - بالنون -، فقيل: يا رسول الله ألا نقتله؟ فقال: (إني نهيت عن قتل المصلين) (٣). (١٨) ومن باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها (قولها: تزوجني الزبير، وما له في الأرض من مال، ولا مملوك، ولا شيء غير فرسه) هذا يدلُّ على ما كانوا عليه من شدَّة الحال في أول الأمر، وعلى أن المعتبر عندهم في الكفاءة إنَّما كان: الدين، والفضل. لا المال، والغنى، كما

стр. 3171

قَالَت: فَكُنتُ أَعلِفُ فَرَسَهُ، وَأَكفِيهِ مَئُونَتَهُ، وَأَسُوسُهُ، وَأَدُقُّ النَّوَى لِنَاضِحِهِ، وَأَعلِفُهُ، وَأَستَقِي المَاءَ، وَأَخرُزُ غَربَهُ، وَأَعجِنُ، وَلَم أَكُن أُحسِنُ أَخبِزُ، فكَانَ يَخبِزُ لِي جَارَاتٌ مِن الأَنصَارِ، وَكُنَّ نِسوَةَ صِدقٍ، ــ قال ﷺ : (فعليك بذات الدين تربت يداك) (١) وإنما كان ذلك؛ لأنَّ القوم كانت مقاصدهم في النكاح التعاون على الدِّين، وتكثير أمة محمد خاتم النبيين، ولأنهم علموا: أن المال ظِلٌ زائل، وسحابٌ حائل، وأن الفضل باقٍ إلى يوم التلاق. فأمَّا اليوم: فقد انعكست الحال، وعدل الناس عن الواجب إلى المحال. وقولها: (فكنت أعلف فرسه، وأكفيه مؤونته. . .) إلخ الكلام؛ فيه ما يدلّ: على ما كانوا عليه من تبذُّل المرأة في خدمة زوجها وييته وفرسه، وإن كانت شريفة. لكن هذا كله فعلته متبرعة بذلك مختارة له، راغبة لما علمت فيه من الأجر، وال واب، وعونًا لزوجها على البرِّ والتقوى. ولا خلاف في حسن ذلك، ولا في أن كل ذلك ليس بواجب عليها؛ إذ لا يجب عليها أن تخرز الغِرب، ولا أن تخدم الفرس، ولا أن تنقل النوى، وإنما اختلف في خدمة بيتها من عَجنٍ، وطبخ، وكنس، وفرش؛ فالشريفة ذات القدر؛ التي رفع في صداقها، لا يجب عليها أن تفعل شيئًا من ذلك، ولا يحكم عليها به، ولا يجب عليها عند مالك أن تأمر الخدم بذلك، ولا تنهاهم، وليس عليها إلا أن تمكن من نفسها. وقال بعض شيوخنا عليها أن تأمرهم، وتنهاهم بما يصلح حال زوجها؛ إذ لا كلفة عليها في ذلك، ولجريان العادة بمثله في الأشراف. وفي كتاب ابن حبيب (٢): عليها في العسر الخدمة الباطنة، كما

стр. 3172

قَالَت: وَكُنتُ أَنقُلُ النَّوَى، مِن أَرضِ الزُّبَيرِ - الَّتِي أَقطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأسِي، وَهِيَ عَلَى ثُلُثَي فَرسَخٍ، قَالَت: فَجِئتُ يَومًا وَالنَّوَى عَلَى رَأسِي، ــ هي على الدنية، وأما من ليست كذلك فيجب عليها من خدمة بيتها: ما جرت العادة بأن مثلها تفعله. ومأخذ هذا الباب عندنا النظر إلى العوائد؛ فإنَّ الإنسان إذا تزوَّج عند قومٍ، فالغالب أنه يبحث عن عاداتهم، ومناشئهم، فيعلمها، ولا يكاد يخفى عليه حالهم. فإذا تزوَّج ممن عادتهم أن لا تخدم نساؤهم أنفسهن، وإنَّما يخدمن، فقد دخل على أنه يبقيها على عادتها، ويسير بها سيرة نسائها، فلا يحكم له عليها بشيء من ذلك. بخلاف من جرت عادتها بأن مثلها لا تخدم، وإنما تخدم نفسها، فإنَّه يحكم له عليها بما ذكر من خدمة بيتها، وكذلك في رضاع الولد. فأما من يجهل حالها، ولا يعلم عادة نسائها: فالأصل: أنها تخدم نفسها، فيحكم عليها بذلك، وبرضاعة الولد إلى أن يتبين أنها شريفة لها الحال، والقدر. هذا أصل مالك، وتفريعه، وقد خولف في ذلك؛ فمن الناس من لا يرى على المرأة خدمة مطلقًا. ومنهم من يرى عليها الخدمة مطلقًا، وهو أحوط (١). والأحسن التفصيل الذي صار إليه مالك، والله تعالى أعلم. و(الغرب): الدلو العظيمة. وقولها: (كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله ﷺ على رأسي) قيل: إن هذه الأرض المقطعة من موات البقيع (٢)، أقطعه من ذلك حُضرَ فرسه (٣)، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة فأعطاه ذلك كله. وفي البخاري عن عروة أنه ﷺ أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير، وليست هذه الأرض التي

стр. 3173

فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِن أَصحَابِهِ، فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: إِخ! إِخ، لِيَحمِلَنِي خَلفَهُ، قَالَت: فَاستَحيَيتُ وَعَرَفتُ غَيرَتَكَ، ــ كانت أسماء تنقل منها النوى على رأسها، لقولها: وهي على ثلثي فرسخ، فالأشبه أنها الأرض التي بالبقيع كما تقدَّم في القول الأول. ففيه من الفقه ما يدل على جواز إقطاع الإمام الأرض لمن يراه من أهل الفضل، والحاجة، والمنفعة العامة، كالعلماء، والمجاهدين، وغيرهم، لكن تكون تلك الأرض المقطعة من موات الأرض أو من الأرض الموقوفة لمصالح المسلمين كما قدمناه في الجهاد. وفيه ما يدلُّ على جواز الاستزادة من الحلال، وإظهار الرَّغبة فيه، كما فعل الزبير ﵁؛ حيث أجرى فرسه، فلما وقف رمى بسوطه رغبة في الزيادة، والنبي ﷺ يبصر ذلك كله، ولم ينكره عليه. وليس إقطاع الإمام تمليكًا للرقبة، وإنما هو اختصاص بالمنفعة، لكن لو أحيا الموات المقطع لكان للمحيي، لقول النبي ﷺ : (من أحيا أرضًا ميتة فهي له) (١). وقولها: (فلقيت النبي ﷺ في نفر من أصحابه، فدعاني، ثم قال: إخ، إخ) تعني به: أنه نوَّخ ناقته ليُركبها عليها. و(إخ) - بكسر الهمزة، وسكون الخاء - وهو صوت تُنَوَّخ به الإبل. وظاهر هذا المساق يدلّ على أنه ﷺ عرض عليها الركوب، فلم تركب؛ لأنَّها استحيت، كما قالت. وعلى هذا فلا يحتاج إلى اعتذار عن النبي ﷺ في ركوبها معه، فإنَّه يحتمل أنها لو اختارت الركوب تركها راكبة وحدها، ولا يكون فيه من حيث هذا اللفظ دليل على جواز ركوب اثنين على بعير، فتأمله. وقولها: (وعرفت غيرتك) تعني: ما جبل عليه من الغيرة، وإلا فالنبي ﷺ لا يغار لأجله، كما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : (وعليك أغار

стр. 3174

فَقَالَ: وَاللَّهِ! لَحَملُكِ النَّوَى عَلَى رَأسِكِ أَشَدُّ مِن رُكُوبِكِ مَعَهُ، قَالَت: حَتَّى أَرسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكرٍ، بَعدَ ذَلِكَ، بِخَادِمٍ، فَكَفَتنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، فَكَأَنَّمَا أَعتَقَتنِي. رواه أحمد (٦/ ٣٤٧)، والبخاريُّ (٥٢٢٤)، ومسلم (٢١٨٢) (٣٤). ــ يا رسول الله! ) حين أخبره أنه ﷺ رأى قصرًا من قصور الجنَّة فيه امرأة من نساء الجنة فقال: (لمن أنت؟ ) فقالت: لعمر بن الخطاب. قال ﷺ : (فذكرت غيرتك) (١) فتوقع النبي ﷺ تحريك الغيرة بحكم الجبلَّة، وإن لم يغر لأجله. وقول الزبير: (والله! لحملك النوى على رأسك أشدُّ علي من ركوبك معه) هذا يدلّ على أن الزبير لم يكلفها شيئًا من ذلك، وإنما فعلت هي ذلك لحاجتها إلى ذلك، وتخفيفًا عن زوجها؛ على عادة أهل الدين والفضل الذين لا التفات عندهم لشيء من زينة الدنيا، ولا من أحوال أهلها، فإنَّهم كانوا لا يعيبون على أنفسهم إلا ما عابه الشرع، فكانوا أبعد الناس منه، وأخرج هذا القول من الزبير فرط الاستحياء المجبول عليه أهل الفضل. ويعني بذلك: أن الحياء الذي لحقه من تبذلها بحمل النوى على رأسها أشدُّ عليه من الغيرة التي كانت تلحقه عليها لو ركبت مع النبي ﷺ ، فإنَّه ﷺ ليس ممن يغار على الحريم لأجله. والله تعالى أعلم. وقولها: (حتى أرسل إلي أبو بكر ﵁ بعد ذلك بخادم، فكفتني سياسة الفرس، فكأنما أعتقتني) دليلٌ على مكارم أخلاق القوم، فإنَّ أبا بكر ﵁ علم ما كانت عليه ابنته من الضرر والمشقة، ولم يطالب صهره بشيء من ذلك، وكان مترقبًا لإزالة ذلك، فلما تمكَّن منه أزاله مِن عنده.

стр. 3175

[٢٠٩٣] وعنها قَالَت: كُنتُ أَخدُمُ الزُّبَيرَ خِدمَةَ البَيتِ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكُنتُ أَسُوسُهُ، فَلَم يَكُن مِن الخِدمَةِ شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِن سِيَاسَةِ الفَرَسِ، كُنتُ أَحتَشُّ لَهُ، وَأَقُومُ عَلَيهِ وَأَسُوسُهُ، قَالَت: ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَت خَادِمًا، جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ سَبيٌ فَأَعطَاهَا خَادِمًا، قَالَت: كَفَتنِي سِيَاسَةَ الفَرَسِ، ــ و(الخادم) يقال على الذكر والأنثى. و (أعتقتني) روي بتاء بعد القاف، ويكون فيه ضمير يعود على الخادمة. وبغير تاء، وضميره يعود إلى أبي بكر ﵁. وصحَّ ذلك لأنها لما استراحت من خدمة الفرس، والقيام عليه بسبب الجارية التي بعث بها إليها أبو بكر صحَّ أن ينسب العتق لكل واحد منهما. و(قولها: جاء النبي ﷺ سبي فأعطاها خادمًا) هذه الرواية مخالفة لقولها في الرواية المتقدِّمة: إن أبا بكر ﵁ أرسلها إليها. وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ دفعها لأبي بكر ليدفعها لها، فأرسل بها أبو بكر لها. واستئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي بكر - في أن يبيع في ظلِّ دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربِّها القعود فيه للبيع إلا بإذنه، فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره؛ من تضييق طريق، أو اطلاع على عورة منزل غيره. ولربِّ الدار أن يمنعه؛ لأنَّ الأفنية حق لأرباب المنازل؛ لأنَّ عمر ﵁ قضى في الأفنية لأرباب الدور. قال ابن حبيب: وتفسير هذا يعني: بالانتفاع للمجالس، والمرابط، والمصاطب، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة، وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير. قلت: وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكان (١)، أو غيره مما يثبت ويدوم؛ لأنَّه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس؛ إذ للناس فيه حق العبور، والوقوف، والاستراحة، والاستظلال، وما أشبه هذه الأمور. لكنه

стр. 3176

فَأَلقَت عَنِّي مَئُونَتَهُ. فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدتُ أَن أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، قَالَت: إِنِّي إِن رَخَّصتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيرُ، فَتَعَالَ فَاطلُب إِلَيَّ، وَالزُّبَيرُ شَاهِدٌ، فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أُمَّ عَبدِ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ، أَرَدتُ أَن أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ، فَقَالَت: مَا لَكَ بِالمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي؟ فَقَالَ لَهَا ــ أخصُّ به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه، ومربط فرسه، وحطّ أحماله، وكنس مرحاضه، وتراب بيته، وغير ذلك مما يكون من ضروراته. وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة، أو تحظيره عن الناس، أو إجارته لمن يبيع فيه؛ لأنَّ ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج، والفقير. وأصل الطرق، والأفنية للمرافق، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه؛ للزم أن يكون لذلك البناء فناء، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق، وترتفع المرافق. وتوقف أسماء ﵂ في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير، وحسن أدب، وكرم خلق حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها. وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق، والرغبة في فعل الخير، وليشاركها في الأجر، وذلك كله منها حسن سياسة، وجميل ملاطفة تدلُّ على انشراح الصدور، وصدق الرغبة في الخير. وبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدلّ على أن للمرأة التصرُّف في مالها بالبيع والابتياع من غير إذنه، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضرُّه ذلك في خروجها، ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك. وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها

стр. 3177

الزُّبَيرُ: مَا لَكِ أَن تَمنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَن كَسَبَ، فَبِعتُهُ الجَارِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجرِي، فَقَالَ: هَبِيهَا لِي، قَالَت: إِنِّي قَد تَصَدَّقتُ بِهَا. رواه مسلم (٢١٨٢) (٣٥). * * * ــ في مالها بأخذ، ولا غيره؛ إذ لا ملك له في ذلك، وإنَّما له فيه حق التجمُّل، وكفاية بعض المؤن، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها، أو جلَّه كما تقدَّم في النكاح. وصدقتها (١) بثمن الجارية من غير إذنه دليلٌ على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج، لكن إن أجازه الزوج جاز، وإن منعه؛ فإن كان الثلث فدون لم يكن له المنع، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدَّم؛ هذا إذا وهبته لأجنبي؛ فإن وهبته لزوجها، فلا يفرَّق بين ثلث ولا غيره؛ لأنَّها إذا طابت نفسها بذلك جاز. ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج؛ لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمُّل، ولئلا يمنعها أيضًا من إعطاء ما طابت به نفسها، فينفذ عطاؤها في الثلث، ويرد فيما زاد عليه. وقيل: يردُّ في الجميع، وهو المشهور. * * *

стр. 3178

(١٩) باب النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث [٢٠٩٤] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ، فَلَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ وَاحِدٍ. رواه مسلم (٢١٨٣) (٣٦). [٢٠٩٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا كُنتُم ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثنَانِ دُونَ الآخَرِ، حَتَّى تَختَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِن أَجلِ أَن ذلك يُحزِنَهُ. ــ (١٩) ومن باب النهي عن مناجاة اثنين دون الثالث قوله: (إذا كان ثلاثةٌ فلا يتناجى اثنان دون واحد) (كان) هنا: تامَّة بمعنى: وجد، ووقع. و (ثلاثة): فاعل بها، بخلاف الرواية الأخرى؛ التي قال فيها: (إذا كنتم ثلاثة) فإنَّها فيها ناقصة. بمعنى: صرتم ثلاثة. و(قوله: فلا يتناجى اثنان) الرواية المشهورة فيه: (يتناجى) بالألف مقصورة ثابتة في الخط، غير أنَّها تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين، فإذا: هو خبر عن نفي المشروعية، ويتضمن النهي عن ذلك. وقد وقع في بعض النسخ: (فلا يتناج) بغير ألف، على النهي. وهي واضحة. والتناجي: التحادث سرًّا. وقد زاد في الرواية الأخرى زيادة حسنة، فقال: (حتى يختلطوا بالناس) فبيَّن غاية المنع، وهو أن يجد الثالث من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر، وذلك: أنه كان يتحدث مع رجل، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعًا، فقال له وللأول: تأخرا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة (١). وقد نبَّه في هذه الزيادة على التعليل

стр. 3179

رواه أحمد (١/ ٣٧٥)، والبخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤) (٣٨)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذيُّ (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥). ــ بقوله: (فإنَّ ذلك يحزنه) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك: بأن يقدر في نفسه: أن الحديث عنه بما يكره، أو أنَّهم لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا: يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد، ولا عشرة، ولا ألفٌ مثلًا؛ لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن، وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خصَّ الثلاثة بالذكر لأنه أول عدد يتأتى فيه ذلك المعنى. وظاهر هذا الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابن عمر، ومالك، والجمهور. وقد ذهب بعض الناس: إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأنَّ ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام؛ سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك خاصٌّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجل فيها صاحبه. فأمَّا في الحضر، وبين العمارة: فلا. قلت: وكل ذلك تحكُّم، وتخصيصٌ لا دليل عليه. والصحيح: ما صار إليه الجمهور. والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3180

(٢٠) باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه [٢٠٩٦] عَن عَمرِو بنِ الشَّرِيدِ، عَن أَبِيهِ قَالَ: رَدِفتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَومًا فَقَالَ: هَل مَعَكَ مِن شِعرِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلتِ شَيءٌ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: هِيه. فأَنشَدتُهُ بَيتًا. فَقَالَ: هِيه. ثُمَّ أَنشَدتُهُ بَيتًا، ــ (٢٠) ومن باب جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه قوله: (عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: رَدِفتُ رسول الله ﷺ ) هكذا صواب هذا السَّند وصحيح روايته، وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد (١)، عن الشريد، عن أبيه، وهو وَهمٌ؛ لأنَّ الشريد هو الذي أردفه النبي ﷺ خلفه، واستنشده شعر أميَّة بن أبي الصلت، لا أبو الشريد. واسم أبي الشريد: سويد. و(قوله: هل معك من شعر أميَّة بن أبي الصلت شيء؟ ) دليلٌ على جواز حفظ الأشعار، والاعتناء بها، وإنَّما المكروه أن يغلب الاشتغال بها على الإنسان، ويكثر منها كثرة تصده عن أهم منها، أو تفضي به إلى تعاطي أحوال مجان الشعراء وسخفائهم، فإنَّ الغالب من أحوال من انصرف إلى الشعر بكليته، وأكثر منه؛ أن يكون كذلك، واستقراء الوجود يحققه. وأما حفظ فصيح الشعر وجيده المتضمن للحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا: فجائز، بل ربما يلحق ما كان منه حُكمًا بالمندوب إليه. وعلى الجملة: فلا أحسن مِمَّا قاله الإمام القرشي الصريح: الشعر كلامٌ حسنه حسن، وقبيحه قبيح. و(قوله: هيه) بكسر الهاء الأولى، وسكون الثانية للوقف. وهي: إيه؛

стр. 3181

فَقَالَ: هِيه، حَتَّى أَنشَدتُهُ مِائَةَ بَيتٍ. رواه أحمد (٤/ ٣٨٨)، ومسلم (٢٢٥٥) (١)، وابن ماجه (٣٧٥٨). [٢٠٩٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ وَكَادَ أُمَيَّةُ بنُ أَبِي الصَّلتِ أَن يُسلِمَ. رواه أحمد (٢/ ٤٧٠)، والبخاري (٦٤٨٩)، ومسلم (٢٢٥٦) (٢ - ٤). ــ التي للاستزادة، وأبدل من الهمزة (هاء) كما قد فعلوا ذلك في غير موضع. وهي اسم لفعل الأمر الذي هو: زِد. وهي مبنية على الكسر لوقوعها موقع المبني؛ الذي هو الأمر. وفي الصحاح: إذا قلت: إيهِ يا رجل؛ فإنما تأمره بأن يزيدك من حديثه المعهود. وإن قلت: إيهٍ - بالتنوين - كأنك قلت: هات حديثًا؛ لأنَّ التنوين تنكير. وفيه دليلٌ على جواز إنشاد الشعر، واستنشاده؛ لكن ما لم ينته إلى الإطراب المخل بالعقل، المزيل للوقار، فإنَّ ذلك يحرم، أو يكره بحسب ما يفضي إليه. وإنَّما استكثر النبي ﷺ من شعر أميَّة؛ لأنه كان حكمًا (١). ألا ترى قوله ﷺ : (وكاد أميَّة بن أبي الصلت أن يسلم). و(قوله: أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) الباطل هنا: أراد به: المضمحل، المتغير؛ الذي هو بصدد أن يهلك، ويتلف. وهذا نحو من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلا وَجهَهُ﴾ ولا شك في أن هذه الكلمات أصدق ما يتكلَّم به ناظمٌ أو ناثر؛ لأن مقدمتها الكليَّة

стр. 3182

[٢٠٩٨] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَن يَمتَلِئَ جَوفُ الرَّجُلِ قَيحًا يَرِيهِ خَيرٌ مِن أَن يَمتَلِئَ شِعرًا. رواه أحمد (٢/ ٢٨٨)، والبخاري (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧)، والترمذيُّ (٢٨٥١)، وابن ماجه (٣٧٥٩). [٢٠٩٩] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: بَينَا نَحنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالعَرجِ إِذ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذُوا الشَّيطَانَ، أَو أَمسِكُوا الشَّيطَانَ؛ ــ مقطوعٌ بصحتها وشمولها عقلًا ونقلًا، ولم يخرج من كليتها شيء قطعًا إلا ما استثني فيها، وهو: الله تعالى، فإنَّه لم يدخل فيها قطعًا، فإنَّ العقل الصريح قد دلَّ على أن كل ما نشاهده من هذه الموجودات ممكن في نفسه، متغيِّر في ذاته، وكل ما كان كذلك كان مفتقرًا إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكنًا متغيرًا كان مثل الأول؛ فلا بدَّ أن يستند إلى موجود لا يفتقر إلى غيره، يستحيل عليه التغيُّر، وهو المعبَّر عنه في لسان النظَّار: بواجب الوجود. وفي لسان الشرع: بالصمد المذكور في قوله تعالى: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ وبقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ﴾ وعند الانتهاء إلى هذا المقام يفهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ * وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكرَامِ﴾ وللكلام في تفاصيل ما أجمل مواضع أخر. وقوله ﷺ للشاعر الذي عرض له بالعَرج: (خذوا الشيطان) أو: (أمسكوا الشيطان) إنما فعل النبي ﷺ هذا الفعل مع الشاعر لما علم من حاله (١)، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله: أنه قد اتَّخذ الشعر طريقًا للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذمِّ إذا مُنع، فيؤذي الناس في أموالهم

стр. 3183

لَأَن يَمتَلِئَ جَوفُ رَجُلٍ قَيحًا خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَمتَلِئَ شِعرًا. رواه أحمد (٣/ ٨)، ومسلم (٢٢٥٩). * * * ــ وأعراضهم. ولا خلاف: في أن كل من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله حرام عليه من ذلك، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يمكن ذلك؛ فمن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريه ما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل أن يعطى شيئًا ابتداء؛ لأنَّ ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدًّا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة. و(قوله: لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا يريه خيرٌ له من أن يمتلئ شعرًا) القيح: المِدَّة يخالطها دمٌ. يقال منه: قاح الجرح، يقيح. وتقيَّح، وقيَّح. وصديد الجرح: ماؤه المختلط بالدَّم الرقيق قبل أن تغلظ المِدَّة. و(يريه) قال الأصمعي: هو من الوَري، على مثال: الرّمي. وهو: أن يَدوى (١) جوفه. يقال منه: رجل مَودي - مشدد غير مهموز - قال أبو عبيد: هو أن يأكل القيح جوفه. قال صاحب الأفعال: ورِي الإنسان والبعير، ورى: دوي جوفه. وَوَرَاه الدَّواء وريًا: أفسده. ووري الكلب: سَعرَ أشدَّ السُّعار. وفي الصحاح: وَرِي القيحُ جوفَه، يَرِيه، وَريًا: إذا أكله، وأنشد: وراهُنَّ رَبِّي مِثل ما قد وَرَيننِي (٢) ... . . . . . . . . . . . . . وأنشد اليزيدي: قالت له وَريًا إذا تَنَحنَح (٣) ... . . . . . . . . . . . . .

стр. 3184

(٢١) باب في قتل الحيات وذي الطفيتين والأبتر [٢١٠٠] عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُ بِقَتلِ الكِلَابِ يَقُولُ: اقتُلُوا الحَيَّاتِ وَالكِلَابَ، ــ تقول منه للواحد: رِ يا رجل. وللاثنين: رِيَا. وللجماعة: رُوا. وللمؤنثة: رِي. وللاثنتين: رِيَا. ولجماعتهن: رَينَ. والاسم: الوَرَي - بالتحريك -. واختلف في تأويل هذا الحديث. فقيل: يعني بذلك: الشعر الذي هجي به النبي ﷺ أو غيره، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ القليل من هجو النبي ﷺ وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم. وكذلك: هجو غير النبي ﷺ من المسلمين محرم؛ قليله وكثيره. وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. وقيل: إن معناه: أن من كان الغالب عليه الشعر لزمه بحكم العادة الأدبيَّة الأوصاف المذمومة التي ذكرناها آنفًا. وهذا هو الذي أشار البخاري إليه لما بوَّب على هذا الحديث: باب ما يكره من أن يكون الغالب على الإنسان الشعر. (٢١ و ٢٢) ومن باب قتل الحيات (١) قوله: (اقتلوا الحيَّات) هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع المضرَّة المخوفة من الحيَّات، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله، كما قد أرشد إليه قوله: (اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفيتين، والأبتر؛ فإنَّهما يخطفان البصر، ويُسقطان الحبل) فخصَّهما بالذكر مع أنَّهما قد دخلا في العموم،

стр. 3185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونبَّه على أن ذلك بسبب عظم ضررها، وما لم يتحقَّق ضررُه: فما كان منها في غير البيوت قُتل أيضًا؛ لظاهر الأمر العام في هذا الحديث، وفي حديث ابن مسعود (١) ﵁؛ ولأن نوع الحيَّات غالبه الضرر فيُستصحب ذلك فيه، ولأنه كلُّه مُرَوِّع بصورته، وبما في النفوس من النُّفرة منه، ولذلك قال ﷺ : (إن الله يحب الشجاعة ولو على قتل حيَّة) (٢) فشجَّع على قتلها. وقال فيما خرَّجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا: (اقتلوا الحيَّات؛ فمن خاف ثأرهنَّ فليس منِّي) (٣) وأما ما كان منها في البيوت؛ فما كان بالمدينة، فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله ﷺ : (إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام) (٤) وهل يختصُّ ذلك الحكم بالمدينة؛ لأنَّا لا نعلم هل أسلم من جنِّ غير أهل المدينة أحد أم لا؟ وبه قال ابن نافع. أو لا يختص؟ وينهى عن قتل جنان جميع البلاد حتى يُؤذَن ثلاثة أيام؟ وهو قول مالك، وهو الأولى، لعموم نهيه عن قتل الجنان التي تكون في البيوت؛ ولقوله ﷺ : (خمس فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم) (٥) وذكر فيهن الحيَّة، ولأنا قد علمنا قطعًا: أن رسول الله ﷺ بلَّغ الرِّسالة للنَّوعين، وأنَّه قد آمن به خلق كثير من النوعين؛ بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد. والعجب من ابن نافع؛ كأنه لم تكن له أذن سامع، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذ صَرَفنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَستَمِعُونَ القُرآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوا إِلَى قَومِهِم مُنذِرِينَ﴾

стр. 3186

وَاقتُلُوا ذَا الطُّفيَتَينِ وَالأَبتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَلتَمِسَانِ البَصَرَ، وَيَسقِطَانِ الحَبَل. ــ ولا قوله ﷺ : (إن وفد جنِّ نصيبين أتوني ونعم الجنُّ هم فسألوني الزاد. . .) الحديث (١). فهذه نصوص في أن من جن غير المدينة من أسلم فلا يُقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا العقد، وتمسَّك به. فهو الذي يجمع بين أحاديث هذا الباب المختلفة. تفسير ما جاء في أحاديث الحيَّات من الغريب الحيَّات: جمع حيَّة، ويقال على الذَّكر والأنثى، كما قال (٢): . . . . . . . . . . . . ... خَشَاشٌ كَرَأسِ الحيَّةِ المُتَوَقِّدِ (٣) وإنما دخلته الهاء لأنه واحدٌ من جنس، كبطة، ودجاجة؛ على أنَّه قد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حيَّةٍ؛ أي: ذكرًا على أنثى. والحيُّوت: ذكر الحيات، وأنشد الأصمعي: ويأكل الحيَّة والحيُّوتا (٤) و(ذو الطفيتين): ضرب من الحيَّات في ظهره خطَّان أبيضان، وعنهما عبَّر بالطُّفيتين. وأصل الطُّفية - بضم الطاء -: خوص المقل (٥)، فشبَّه الخط الذي على

стр. 3187

قَالَ الزُّهرِيُّ: وَنُرَى ذَلِكَ مِن سُمَّيهِمَا، وَاللَّهُ أَعلَمُ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: فَلَبِثتُ لَا أَترُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلتُهَا، فَبَينَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَومًا مِن ذَوَاتِ البُيُوتِ مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد الله، فقلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلهن، قال: إن رسول الله ﷺ قد نَهَى عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ. ــ ظهر هذه الحيَّة به، وربَّما قيل لهذه الحيَّة: طُفيَةٌ؛ على معنى: ذات طفية. قال الشاعر (١): . . . . . . . . . . . . ... كما تَذِلُّ الطُّفَى مِن رُقيَة الرَّاقي (٢) أي: ذوات الطُّفَى. وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره. وقال الخليل في ذي الطفيتين: هي حيَّة، لينة خبيثة. و (الأبتر): الأفعى؛ سميت بذلك لقصر ذنبها. وذَكَر الأفعى: أفعوان. قا النضر بن شميل في الأبتر: إنه صنف من الحيَّات أزرق مقطوع الذنب. و(يلتمسان): يطلبان. هذا أصله، ومعناه هنا: يخطفان البصر، كما جاء في الرواية الأخرى. وقد روي: (يلتمعان) و (يطمسان) وكلها بمعنى واحد. و(يتبعان ما في بطون النِّساء) أي: يسقطان الحبل، كما جاء في الرواية الأخرى (٣)، وظاهر هذا: أن هذين النوعين من الحيَّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج الجوزي في كتابه المسمى بـ كشف المشكل لما في الصحيحين: أن بعراق العجم أنواعًا من الحيَّات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يهلك المرور على طريقها، وذكر غير ذلك. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأنَّ ذلك الترويعَ ليس خاصًّا

стр. 3188

وفي رواية قَالَ: حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبدِ المُنذِرِ، وَزَيدُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَا: إِنَّهُ قَد نَهَي عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ. رواه أحمد (٢/ ١٢١)، والبخاريُّ (٣٢٩٧ و ٣٢٩٨)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٢٨ و ١٢٩ و ١٣٠)، وأبو داود (٥٢٥٢)، وابن ماجه (٣٥٣٥). ــ بهذين النوعين، بل يعمُّ جميع الحيَّات، فتذهب خصوصيَّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم، والتحذير الشديد، ثمَّ: إن صحَّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحُّ في ذهاب البصر، فإنَّ الترويع لا يذهبه. و(الجنَّان) بتشديد النون: جمع: الجانِّ، وهو أبو الجنِّ. هذا أصله. والجنان في الحديث: هو حيَّة بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر النقلة، والظاهر من الجنان المذكور في الحديث: أن المراد به: الجانُّ (١)، فإن قيل: فقد وصف الله تعالى الحيَّة المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانٌّ، وأنَّها ثعبان عظيم؛ فالجواب: إنه إنما كانت ثعبانًا عظيمًا في الخِلقة، ومثل الحيَّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَهتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هكذا قال أهل اللغة، وأرباب المعاني. وعلى الجملة: فأصل هذه البنية من: ج - ن؛ للسترة والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيص الجان وغيره: لمعانه وبريقه. قال عياض: وقيل: الجنَّان: ما لا يتعرض للناس، والجِنَّل: ما يتعرَّض لهم ويؤذيهم، وأنشدوا: تَنَازَع جِنَّان وَجِنٌّ وَجِنَّلُ وعن ابن عبَّاس وابن عمر ﵃: الجنَّان: مسخ الجنِّ كما مسخت القردة من بني إسرائيل. وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجن، فيتمثل في صور الحيَّات وفي غيرها.

стр. 3189

[٢١٠١] وعن نافع قال: كَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَومًا عِندَ هَدمٍ لَهُ، فَرَأَى وَبِيصَ جَانٍّ فَقَالَ: اتَّبِعُوا هَذَا الجَانَّ فَاقتُلُوهُ: فقَالَ أَبُو لُبَابَةَ الأَنصَارِيُّ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن قَتلِ الجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي البُيُوتِ إِلَّا الأَبتَرَ، وَذَا الطُّفيَتَينِ، فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخطِفَانِ البَصَرَ، وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ. رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦)، وأبو داود (٥٢٥٥). * * * (٢٢) باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت؛ فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثا [٢١٠٢] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَد أُنزِلَت عَلَيهِ وَالمُرسَلَاتِ عُرفًا فَنَحنُ نَأخُذُهَا مِن فِيهِ رَطبَةً؛ إِذ خَرَجَت عَلَينَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اقتُلُوهَا، فَابتَدَرنَاهَا لِنَقتُلَهَا فَسَبَقَتنَا. فَقَالَ ــ وقول ابن مسعود ﵁: (أنزلت ﴿وَالمُرسَلاتِ عُرفًا﴾ فنحن نأخذها من فيه رطبة) أي: مُستطابة، سهلة كالثمرة الرَّطبة، السهلة الجنَى. وقيل: معناه: أي: نتلقاها لنسمعها منه لأول نزولها، كالشيء الرَّطب في أول أحواله. والأول أوقع تشبيهًا، ويدلّ عليه: قوله ﷺ في الخوارج: (يقرءون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم) (١) أي: يستطيبون تلاوته، ولا يفهمون معانيه.

стр. 3190

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُم كَمَا وَقَاكُم شَرَّهَا. رواه أحمد (١/ ٤٢٨)، والبخاريُّ (٤٩٣١)، ومسلم (٢٢٣٤)، والنسائي (٥/ ٢٠٨). [٢١٠٣] وعن أبي السَّائِبِ - مَولَى هِشَامِ بنِ زُهرَةَ -: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ فِي بَيتِهِ قَالَ: فَوَجَدتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَستُ أَنتَظِرُهُ حَتَّى يَقضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعتُ تَحرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ البَيتِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبتُ لِأَقتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَن اجلِس فَجَلَستُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا البَيتَ؟ فَقُلتُ: نَعَم. فقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهدٍ بِعُرسٍ، قَالَ: فَخَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الخَندَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الفَتَى يَستَأذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنصَافِ النَّهَارِ فَيَرجِعُ إِلَى أَهلِهِ، فَاستَأذَنَهُ يَومًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذ عَلَيكَ سِلَاحَكَ، ــ وقوله ﷺ : (وقاها الله شرَّكم) أي: قتلكم لها؛ فإنَّه شرٌّ بالنسبة لها؛ وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا. و(قوله: كما وقاكم شرَّها) أي: لسعَها. وفيه: دلالة على صحة ما ذكرناه من استصحاب أصل الضرر في نوع الحيَّات. وقول أبي سعيد: فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار) إنَّما كان الفتى يستأذن رسول الله ﷺ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ وكانوا مع النبي ﷺ في حفر الخندق. وأنصاف: جمع نصف، كحِمل وأحمال، وعِدل وأعدال. وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبي ﷺ كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار، فيأذن له في الانصراف إلى أهله. والباء في: بأنصاف بمعنى: في، كما تقول: جاء زيد بثيابه؛ أي: فيها.
следующие страницы →