وَاقتُلُوا ذَا الطُّفيَتَينِ وَالأَبتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَلتَمِسَانِ البَصَرَ، وَيَسقِطَانِ الحَبَل.
ــ
ولا قوله ﷺ : (إن وفد جنِّ نصيبين أتوني ونعم الجنُّ هم فسألوني الزاد. . .) الحديث (١). فهذه نصوص في أن من جن غير المدينة من أسلم فلا يُقتل شيء منها حتى يُحَرَّج عليه، كما تقدَّم. فتفهَّم هذا العقد، وتمسَّك به. فهو الذي يجمع بين أحاديث هذا الباب المختلفة.
تفسير ما جاء في أحاديث الحيَّات من الغريب
الحيَّات: جمع حيَّة، ويقال على الذَّكر والأنثى، كما قال (٢):
. . . . . . . . . . . . ... خَشَاشٌ كَرَأسِ الحيَّةِ المُتَوَقِّدِ (٣)
وإنما دخلته الهاء لأنه واحدٌ من جنس، كبطة، ودجاجة؛ على أنَّه قد روي عن العرب: رأيت حيًّا على حيَّةٍ؛ أي: ذكرًا على أنثى. والحيُّوت: ذكر الحيات، وأنشد الأصمعي:
ويأكل الحيَّة والحيُّوتا (٤)
و(ذو الطفيتين): ضرب من الحيَّات في ظهره خطَّان أبيضان، وعنهما عبَّر بالطُّفيتين. وأصل الطُّفية - بضم الطاء -: خوص المقل (٥)، فشبَّه الخط الذي على
стр. 3187
قَالَ الزُّهرِيُّ: وَنُرَى ذَلِكَ مِن سُمَّيهِمَا، وَاللَّهُ أَعلَمُ.
قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: فَلَبِثتُ لَا أَترُكُ حَيَّةً أَرَاهَا إِلَّا قَتَلتُهَا، فَبَينَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً يَومًا مِن ذَوَاتِ البُيُوتِ مر بي زيد بن الخطاب أو أبو لبابة وأنا أطاردها فقال: مهلا يا عبد الله، فقلت: إن رسول الله ﷺ أمر بقتلهن، قال: إن رسول الله ﷺ قد نَهَى عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ.
ــ
ظهر هذه الحيَّة به، وربَّما قيل لهذه الحيَّة: طُفيَةٌ؛ على معنى: ذات طفية. قال الشاعر (١):
. . . . . . . . . . . . ... كما تَذِلُّ الطُّفَى مِن رُقيَة الرَّاقي (٢)
أي: ذوات الطُّفَى. وقد يسمى الشيء باسم ما يجاوره. وقال الخليل في ذي الطفيتين: هي حيَّة، لينة خبيثة. و (الأبتر): الأفعى؛ سميت بذلك لقصر ذنبها. وذَكَر الأفعى: أفعوان. قا النضر بن شميل في الأبتر: إنه صنف من الحيَّات أزرق مقطوع الذنب.
و(يلتمسان): يطلبان. هذا أصله، ومعناه هنا: يخطفان البصر، كما جاء في الرواية الأخرى. وقد روي: (يلتمعان) و (يطمسان) وكلها بمعنى واحد.
و(يتبعان ما في بطون النِّساء) أي: يسقطان الحبل، كما جاء في الرواية الأخرى (٣)، وظاهر هذا: أن هذين النوعين من الحيَّات لهما من الخاصية ما يكون عنهما ذلك، ولا يستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج الجوزي في كتابه المسمى بـ كشف المشكل لما في الصحيحين: أن بعراق العجم أنواعًا من الحيَّات يهلك الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يهلك المرور على طريقها، وذكر غير ذلك. ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك بالترويع؛ لأنَّ ذلك الترويعَ ليس خاصًّا
стр. 3188
وفي رواية قَالَ: حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بنُ عَبدِ المُنذِرِ، وَزَيدُ بنُ الخَطَّابِ فَقَالَا: إِنَّهُ قَد نَهَي عَن ذَوَاتِ البُيُوتِ.
رواه أحمد (٢/ ١٢١)، والبخاريُّ (٣٢٩٧ و ٣٢٩٨)، ومسلم (٢٢٣٣) (١٢٨ و ١٢٩ و ١٣٠)، وأبو داود (٥٢٥٢)، وابن ماجه (٣٥٣٥).
ــ
بهذين النوعين، بل يعمُّ جميع الحيَّات، فتذهب خصوصيَّة هذا النوع بهذا الاعتناء العظيم، والتحذير الشديد، ثمَّ: إن صحَّ هذا في طرح الحبل، فلا يصحُّ في ذهاب البصر، فإنَّ الترويع لا يذهبه.
و(الجنَّان) بتشديد النون: جمع: الجانِّ، وهو أبو الجنِّ. هذا أصله. والجنان في الحديث: هو حيَّة بيضاء صغيرة دقيقة. هكذا ذكر النقلة، والظاهر من الجنان المذكور في الحديث: أن المراد به: الجانُّ (١)، فإن قيل: فقد وصف الله تعالى الحيَّة المنقلبة عن عصا موسى بأنها جانٌّ، وأنَّها ثعبان عظيم؛ فالجواب: إنه إنما كانت ثعبانًا عظيمًا في الخِلقة، ومثل الحيَّة الصغيرة الدقيقة في الخفة والسرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَهتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ هكذا قال أهل اللغة، وأرباب المعاني. وعلى الجملة: فأصل هذه البنية من: ج - ن؛ للسترة والتستر أينما وقعت، فتتبعها تجدها كذلك. ووبيص الجان وغيره: لمعانه وبريقه. قال عياض: وقيل: الجنَّان: ما لا يتعرض للناس، والجِنَّل: ما يتعرَّض لهم ويؤذيهم، وأنشدوا:
تَنَازَع جِنَّان وَجِنٌّ وَجِنَّلُ
وعن ابن عبَّاس وابن عمر ﵃: الجنَّان: مسخ الجنِّ كما مسخت القردة من بني إسرائيل. وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجن، فيتمثل في صور الحيَّات وفي غيرها.
стр. 3189
[٢١٠١] وعن نافع قال: كَانَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ يَومًا عِندَ هَدمٍ لَهُ، فَرَأَى وَبِيصَ جَانٍّ فَقَالَ: اتَّبِعُوا هَذَا الجَانَّ فَاقتُلُوهُ: فقَالَ أَبُو لُبَابَةَ الأَنصَارِيُّ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن قَتلِ الجِنَّانِ الَّتِي تَكُونُ فِي البُيُوتِ إِلَّا الأَبتَرَ، وَذَا الطُّفيَتَينِ، فَإِنَّهُمَا اللَّذَانِ يَخطِفَانِ البَصَرَ، وَيَتَتَبَّعَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ.
رواه مسلم (٢٢٣٣)(١٣٦)، وأبو داود (٥٢٥٥).
* * *
(٢٢) باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من ذوات البيوت؛ فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثا
[٢١٠٢] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَارٍ، وَقَد أُنزِلَت عَلَيهِ وَالمُرسَلَاتِ عُرفًا فَنَحنُ نَأخُذُهَا مِن فِيهِ رَطبَةً؛ إِذ خَرَجَت عَلَينَا حَيَّةٌ فَقَالَ: اقتُلُوهَا، فَابتَدَرنَاهَا لِنَقتُلَهَا فَسَبَقَتنَا. فَقَالَ
ــ
وقول ابن مسعود ﵁: (أنزلت ﴿وَالمُرسَلاتِ عُرفًا﴾ فنحن نأخذها من فيه رطبة) أي: مُستطابة، سهلة كالثمرة الرَّطبة، السهلة الجنَى. وقيل: معناه: أي: نتلقاها لنسمعها منه لأول نزولها، كالشيء الرَّطب في أول أحواله. والأول أوقع تشبيهًا، ويدلّ عليه: قوله ﷺ في الخوارج: (يقرءون القرآن رطبًا لا يجاوز حناجرهم) (١) أي: يستطيبون تلاوته، ولا يفهمون معانيه.
стр. 3190
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَقَاهَا اللَّهُ شَرَّكُم كَمَا وَقَاكُم شَرَّهَا.
رواه أحمد (١/ ٤٢٨)، والبخاريُّ (٤٩٣١)، ومسلم (٢٢٣٤)، والنسائي (٥/ ٢٠٨).
[٢١٠٣] وعن أبي السَّائِبِ - مَولَى هِشَامِ بنِ زُهرَةَ -: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ فِي بَيتِهِ قَالَ: فَوَجَدتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَستُ أَنتَظِرُهُ حَتَّى يَقضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعتُ تَحرِيكًا فِي عَرَاجِينَ فِي نَاحِيَةِ البَيتِ، فَالتَفَتُّ فَإِذَا حَيَّةٌ، فَوَثَبتُ لِأَقتُلَهَا فَأَشَارَ إِلَيَّ أَن اجلِس فَجَلَستُ، فَلَمَّا انصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيتٍ فِي الدَّارِ فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا البَيتَ؟ فَقُلتُ: نَعَم. فقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهدٍ بِعُرسٍ، قَالَ: فَخَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الخَندَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الفَتَى يَستَأذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنصَافِ النَّهَارِ فَيَرجِعُ إِلَى أَهلِهِ، فَاستَأذَنَهُ يَومًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُذ عَلَيكَ سِلَاحَكَ،
ــ
وقوله ﷺ : (وقاها الله شرَّكم) أي: قتلكم لها؛ فإنَّه شرٌّ بالنسبة لها؛ وإن كان خيرًا بالنسبة إلينا.
و(قوله: كما وقاكم شرَّها) أي: لسعَها. وفيه: دلالة على صحة ما ذكرناه من استصحاب أصل الضرر في نوع الحيَّات.
وقول أبي سعيد: فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار) إنَّما كان الفتى يستأذن رسول الله ﷺ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمرٍ جَامِعٍ لَم يَذهَبُوا حَتَّى يَستَأذِنُوهُ﴾ وكانوا مع النبي ﷺ في حفر الخندق. وأنصاف: جمع نصف، كحِمل وأحمال، وعِدل وأعدال. وكأن هذا الفتى كانت عادته أن يستأذن النبي ﷺ كل يوم من تلك الأيام في نصف النهار، فيأذن له في الانصراف إلى أهله. والباء في: بأنصاف بمعنى: في، كما تقول: جاء زيد بثيابه؛ أي: فيها.
стр. 3191
فَإِنِّي أَخشَى عَلَيكَ قُرَيظَةَ فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا امرَأَتُهُ بَينَ البَابَينِ قَائِمَةً، فَأَهوَى إِلَيهَا الرُّمحَ لِيَطعُنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتهُ غَيرَةٌ فَقَالَت لَهُ: اكفُف عَلَيكَ رُمحَكَ، وَادخُل البَيتَ حَتَّى تَنظُرَ مَا الَّذِي أَخرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنطَوِيَةٍ عَلَى الفِرَاشِ، فَأَهوَى إِلَيهَا بِالرُّمحِ فَانتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضطَرَبَت عَلَيهِ، فَمَا يُدرَى أَيُّهُمَا كَانَ أَسرَعَ مَوتًا الحَيَّةُ أَم الفَتَى، قَالَ: فَجِئنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فَذَكَرنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلنَا: ادعُ اللَّهَ يُحيِيهِ لَنَا فَقَالَ: استَغفِرُوا لِصَاحِبِكُم، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ بِالمَدِينَةِ جِنًّا قَد أَسلَمُوا، فَإِذَا رَأَيتُم مِنهُم شَيئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِن بَدَا لَكُم بَعدَ ذَلِكَ فَاقتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ.
رواه مسلم (٢٢٣٦)(١٣٩)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذيُّ (١٤٨٤).
ــ
و(قوله: فأهوى إليها بالرُّمح ليطعنها) أي: أماله إليها إرهابًا ومبالغة في الزَّجر. وحمله على ذلك فرط الغيرة، وما كان بالذي يطعنها.
وقولهم للنبي ﷺ حين مات الفتى: (ادع الله أن يحييه لنا) قول أخرجه منهم كثرة ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته وعموم بركاته، ولما روى أئمتنا في كتبهم: أن رجلًا وأد ابنته ثم أسلم، فجاء النبي ﷺ فسأله: أن يدعو الله في أن يحييها له، فانطلق معه إلى قبرها، فدعا، فناداها، فأحياها الله، فتكلمت معهما، فقال لها رسول الله ﷺ : (أتريدين أن تنطلقي مع أبيك؟ أو ترجعي إلى ما كنت فيه؟ ) فاختارت الرُّجوع إلى قبرها (١).
و(قوله: إنَّ بالمدينة جنًّا قد أسلموا) قد بيَّنَّا: أن بغير المدينة أيضًا جنًّا قد أسلموا، فتلزم التسوية بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن.
стр. 3192
[٢١٠٤] وفي طريق أخرى: فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِهَذِهِ البُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأَيتُم شَيئًا مِنهَا فَحَرِّجُوا عَلَيهَا ثَلَاثًا، فَإِن ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقتُلُوهُ
ــ
ولا يفهم من هذا الحديث: أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا، وأن الجنَّ قتلته قصاصًا؛ لأنَّه لو سلم: أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن، لكن: إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد، ولم يتعمد قتل نفس مسلمة؛ إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سوَّغ له قتل نوعه شرعًا، فهذا قتل خطأ، ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدوانًا وانتقامًا، وإنما قال النبي ﷺ : (إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا. . .) إلى آخر الحديث؛ ليبين طريقًا يحصل به التحرُّز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل الكافر منهم، ولذلك قال ﷺ : (فإذا رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان) ولذلك قال مالك: أحبُّ إلي أن ينذروا ثلاثة أيام. قال عيسى بن دينار: ينذر ثلاثة أيام، وإن ظهر في اليوم مرارًا، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام.
قلت: وهذا تنبيه: على أن من الناس من يقول: إن الإذن ثلاث مرَّات، وهو الذي يفهم من قوله: (فليؤذنه ثلاثًا) ومن قوله: (فحرجوا عليه ثلاثًا) لأنَّ ثلاثًا للعدد المؤنث، فيظهر: أن المراد ثلاث مرَّات، والأولى: ما صار إليه مالك؛ لأنَّ قوله: (ثلاثة أيام) نصٌّ صحيح، مقيَّد لتلك المطلقات، فلا يُعدل عنه، ويمكن أن يحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاثة، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنَّها تغلب فيها التأنيث.
و(قوله: فحرِّجوا عليها ثلاثًا) قال مالك: يكفي في الإنذار أن يقول: أحرِّج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا، ولا تؤذينا. وحكى ابن حبيب عن
стр. 3193
فَإِنَّهُ كَافِرٌ. وَقَالَ لَهُم: اذهَبُوا فَادفِنُوا صَاحِبَكُم.
رواه مسلم (٢٢٣٦)(١٤٠)، وأبو داود (٥٢٥٦).
* * *
(٢٣) باب قتل الأوزاغ وكثرة ثوابه في أول ضربة
[٢١٠٥] عن أُمَّ شَرِيكٍ - إحدى نساء بني عامر بن لؤي - أَنَّهَا استَأمَرَت النَّبِيَّ ﷺ فِي قَتلِ الوِزغَانِ فَأَمَرَ بِقَتلِهَا.
رواه أحمد (٦/ ٤٢١)، والبخاريُّ (٣٣٥٩)، ومسلم (٢٢٣٧)(١٤٣)، والنسائي (٥/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٣٢٢٨).
ــ
النبي ﷺ أنَّه يقول: (أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ألا تؤذوننا، وألا تظهرن علينا) (١)(٢٣) ومن باب قتل الأوزاغ
الوَزَغة: دُويبة مستخبثة مستكرهة، وتُجمع: وزغ، وأوزاغ، ووزغان. وأَمرُه ﷺ بقتله لما يحصلَ منه من الضرر والأذى الذي هي عليه من الاستقذار المعتاد، والنَّفرة المألوفة؛ التي قد لازمت الطباع، ولما يُتَّقى أن يكون فيها سُمٌّ، أو شيء يضر متناولَه، ولما روي: من أنها أعانت على وقود نار إبراهيم ﵇؛ فإنَّها كانت تنفخ فيه ليشتعل، وهذا من نوع ما روي في الحيَّة: أنَّها أدخلت إبليس إلى الجنَّة فعوقبت بأن أُهبطت مع من أُهبط، وجُعلت العداوة بينها
стр. 3194
[٢١٠٦] وعن سعد بن أبي وقاص: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتلِ الوَزَغِ، وَسَمَّاهُ فُوَيسِقًا.
رواه أحمد (١/ ١٧٦)، ومسلم (٢٢٣٨)(١٤٤)، وأبو داود (٥٢٦٢).
[٢١٠٧] وعَن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِلوَزَغِ الفُوَيسِقُ. قَالَت: وَلَم أَسمَعهُ أَمَرَ بِقَتلِهِ.
رواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩)، والنسائي (٥/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٣٢٣٠).
[٢١٠٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَن قَتَلَهَا فِي الضَّربَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا
ــ
وبين بني آدم، ويشهد لهذا قوله ﷺ : (ما سالمناهنَّ مُذ عاديناهنَّ) (١) وهذا كله مذكور في كتب المفسِّرين.
وقول عائشة: (إنَّه قال للوَزَغ: الفويسق) إنما سمي بذلك لخروجه عن مواضعه، أو عن جنس الحيوانات للضرر. وقيل: لأنَّها خرجت عن حكم الحيوانات المحترمة شرعًا. وقد تقدَّم: أن أصل الفسق في اللغة: الخروج مطلقًا، وأنَّه اسم مذمومٌ في الشرع.
وقولها: (إنها لم تسمع النبي ﷺ يأمر بقتله) لا حجَّة فيه على نفي القتل؛ إذ قد نقل الأمر بقتله أمُّ شريك وغيرها، ومن نقل حجَّة على من لم ينقل.
و(قوله: من قتل وزغة في أول ضربة، فله كذا وكذا حسنة) هذا عدد
стр. 3195
وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الأُولَى، وَإِن قَتَلَهَا فِي الضَّربَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً لِدُونِ الثَّانِيَةِ.
وفي رواية: مَن قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ كُتِبَت لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَةِ دُونَ ذَلِكَ.
وفي أخرى: أَنَّهُ قَالَ: فِي أَوَّلِ ضَربَةٍ سَبعِينَ حَسَنَةً.
رواه مسلم (٢٢٤٠) (١٤٦ و ١٤٧)، وأبو داود (٥٢٦٣ و ٥٢٦٤)، والترمذيُّ (١٤٨٢).
* * *
ــ
مبهمٌ فسَّرته الرواية الأخرى؛ التي قال فيها: (مائة حسنة) أو (سبعون) ولم يقع تفسيرٌ للعدد الذي في الضربة الثانية، ولا الثالثة، غير أن الحاصل: أن قتلها في أوَّل ضربة فيه من الأجر أكثر مِمَّا في الثانية، وما في الثانية أكثر مما في الثالثة. وقد قيل: إنما كان ذلك للحض على المبادرة لقتلها، والجد فيه، وترك التواني لئلا تفوت سليمة.
قلت: ويظهر لي وجه آخر، وهو: أن قتلها وإن كان مأمورًا به لا تعذب بكثرة الضرب عليها، بل ينبغي أن يجهز عليها في أوَّل ضربة. ويشهد لهذا نهيه ﷺ عن تعذيب الحيوان، و (قوله: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح) (١) والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3196
(٢٤) باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها
[٢١٠٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّ نَملَةً قَرَصَت نَبِيًّا مِن الأَنبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَريَةِ النَّملِ فَأُحرِقَت،
ــ
(٢٤ و ٢٥) ومن باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها (١)
قوله: (إن نملة قَرَصَت نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت) هذا النبي ﵇ كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل، لا في أصل الإحراق. ألا ترى قوله: (فهلا نملة واحدة؟ ! ) أي: هلا حرقت نملة واحدة! وهذا بخلاف شرعنا، فإنَّ النبي ﷺ قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: (لا يعذب بالنار إلا الله) (٢) وكذلك أيضًا كان قتل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبي، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل. وأما شرعنا: فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ قد نهى عن قتل أربع من الدواب: النَّملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرد (٣). وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل.
وظاهر هذا الحديث: أن هذا النبي إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه، وكان الأولى به الصبر، والصفح، لكن وقع للنبي أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التَّشفي الطبيعي لم يعاتب، والله تعالى أعلم، لكن: لما انضاف إليه التَّشفي الذي دلَّ عليه سياق الحديث
стр. 3197
فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ أَفِي أَن قَرَصَتكَ نَملَةٌ أَهلَكتَ أُمَّةً مِن الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟
وفي رواية: فَهَلَّا نَملَةً وَاحِدَةً؟
رواه أحمد (٢/ ٤٠٢)، والبخاريُّ (٣٣١٩)، ومسلم (٢٢٤١) (١٤٨ - ١٥٠)، وأبو داود (٥٢٦٦)، والنسائي (٧/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٢٢٥).
* * *
ــ
عُوتب عليه. والذي يؤيد ما ذكرنا: التمسك بأصل عصمة الأنبياء، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله وبأحكامه، وأشدُّهم له خشيةً.
و(قوله: أفي أن قرصتك نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تسبح؟ ) مقتضى هذا: أنه تسبيحُ مقالٍ ونطق، كما قد أخبر الله تعالى عن النَّمل: أنَّ لها منطقًا، وفَهمُه سليمان ﵇ معجزة له. وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان: أنها قالت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّملُ ادخُلُوا مَسَاكِنَكُم لا يَحطِمَنَّكُم سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُم لا يَشعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِن قَولِهَا﴾ فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة: أن للنَّمل نُطقًا وقولًا، لكن لا يسمعه كل أحدٍ، بل من شاء الله تعالى مِمَّن خرق له العادة من نبي، أو ولي، ولا ينكر هذا من حيث أنَّا لا نسمع ذلك، فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه. ثم: إن الإنسان يجدُ في نفسه قولًا وكلامًا، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نطق بلسانه. وقد خرق الله العادةَ لنَبيِّنا ﷺ فأسمعه كلام النفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم، وأخبرهم بما في نفوسهم، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كتب معجزات النبي ﷺ ، وكذلك: قد وقع لكثير مِمَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ، وإيَّاه عنى النبي ﷺ بقوله: (إن في أمَّتي محدَّثين، وإنَّ عُمَرَ منهم) (١).
стр. 3198
(٢٥) باب فيمن حبس الهر
[٢١١٠] عَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن عمر - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَت امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتهَا حَتَّى مَاتَت، فَدَخَلَت فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطعَمَتهَا وَسَقَتهَا إِذ حَبَسَتهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٦١)، والبخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢).
* * *
ــ
و(قوله: عُذِّبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النَّار) هذا نصٌّ في أن هذه المرأة إنما عُذِّبت في النار بسبب قتل هذه الهرة بالحبس، وترك الطعام. وهذه المرأة التي تقدَّم: أن النبي ﷺ رآها في النَّار، وهي امرأة طويلة من بني إسرائيل، وهل كانت كافرة، أو لا؟ كلُّ ذلك محتمل، فإنَّ كانت كافرة؛ ففيه دليل: على أن الكفار مخاطبون بالفروع، ومعاقبون على تركها. وإن لم تكن كافرة فقد تمحض: أن سبب تعذيبها في النار حبس الهرة إلى أن ماتت جوعًا. ففيه من الفقه: أن الهرَّ لا يُتَمَلَّك، وأنه لا يجب إطعامه إلا على من حبسه.
و(الخَشاش): الهوام، وصغار الطير. وقرأناه بفتح الخاء. وقال عياض: هو بالفتح. وقال الجوهري: الخِشاش - بالكسر-: الحشرات. وقد تفتح. قال أبو عمر: ورجل خَشاش - بالفتح - وهو: الماضي من الرِّجال، وقد يضم، فأمَّا: الخِشاش الذي يدخل في أنف البعير فبالكسر لا غير، وهو من خشب، والبُرَة: من صُفر، والخرامة: من شعر. قاله الجوهري (١).
стр. 3199
(٢٦) باب في كل ذي كبد أجر
[٢١١١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ اشتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلبٌ يَلهَثُ يَأكُلُ الثَّرَى مِن العَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَد بَلَغَ هَذَا الكَلبَ مِن العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ البِئرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الكَلبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا
ــ
(٢٦) ومن باب في كل ذي كبد رطبة أجر
قوله: (يلهث) أي: يخرج لسانه من شدَّة العطش والتَّعب، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى بإخراج لسانه. ويقال: لهث - بفتح الهاء وكسرها - فأما المستقبل: فبالفتح لا غير، والاسم: اللَّهث، واللُّهاث - بضم اللام - ذكره الخليل. وقال الجوهري: اللَّهَثَان - بالتحريك -: العطش، وبالتسكين العطشان، والمرأة: لهثى، وقد لهثت لهثًا، ولهاثًا، مثل: سمع، سماعًا. واللُّهاث - بالضم -: حرُّ العطش. قال: ولهث الكلب - بالفتح - يلهث، لهثًا، ولُهاثًا - بالضم - إذا أخرج لسانه من التَّعب والعطش. فأما: أدلع لسانه: فاللغة الفصيحة فيه: دلع - ثلاثيًّا -، يقال: دلع الرُّجل لسانه فاندلع؛ أي: أخرجه فخرج. ودلع لسانه؛ أي: خرج؛ يتعدَّى، ولا يتعدَّى. والأول حكاه ابن الأعرابي. و (البغي): الزانية.
و(قوله: فشكر الله له فغفر له) أي: أظهر ما جازاه به عند ملائكته، وأثنى عليه عندهم. وقد قدَّمنا: أن أصل الشكر: الظهور؛ كما قالوا: دابة شكور: إذا ظهر عليها من السِّمن أكثر مما تأكله من العلف.
стр. 3200
فِي هَذِهِ البَهَائِمِ لَأَجرًا؟ فَقَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطبَةٍ أَجرٌ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، والبخاريُّ (٢٣٦٣)، ومسلم (٢٢٤٤)، وأبو داود (٢٥٥٠).
[٢١١٢] وعَنه، عن النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ امرَأَةً بَغِيًّا - وفي رواية: من بني إسرائيل - رَأَت كَلبًا فِي يَومٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئرٍ قَد أَدلَعَ لِسَانَهُ مِن العَطَشِ، فَنَزَعَت لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا.
وفي رواية: فَاستَقَت لَهُ، فَسَقَتهُ إِيَّاهُ؛ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٥٠٧)، والبخاريُّ (٣٤٦٧)، ومسلم (٢٢٤٥) (١٥٤ - ١٥٥).
* * *
ــ
و(قوله: فنزعت له بموقها) أي: سقت له بيدها. يقال: نزعت بالدَّلو، ونزعت الدَّلو. والنزوع - بفتح النون - هي: البئر التي يستقى منها باليد. وقد روي هذا الحرف: (فنزعت موقها (١)، فاستقت به) أي: خلعته من رجلها.
و(قوله: في كل كبد رطبة أجر) أي: حيَّة؛ يعني بها: رطوبة الحياة. وفي رواية أخرى: (في كل كبدٍ حرَّى) يعني بها: حرارة الحياة، أو حرارة العطش.
وفي هذه الأحاديث ما يدلّ: على أن الإحسان إلى الحيوان، والرفق به تُغفَرُ به الذنوب، وتُعظم به الأجور. ولا يناقض هذا: أنَّا قد أمرنا بقتل بعضها، أو أبيح لنا، فإنَّ ذلك إنَّما شرع لمصلحة راجحة على قتله، ومع ذلك: فقد أمرنا بإحسان القتلة، والرفق بالذبيحة.
стр. 3201
(٢٧) باب النهي عن سب الدهر
[٢١١٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ يَقُولُ: يَا خَيبَةَ الدَّهرِ،
ــ
(٢٧) ومن باب النَّهي عن سبِّ الدَّهر
قول أبي هريرة ﵁: (قال الله ﵎: يؤذيني ابن آدم) الحديث؛ جاء هذا الحديث في هذه الرواية موقوفًا على أبي هريرة لم يذكر فيه رسول الله ﷺ ، غير أنه مِمَّا يعلم: أنه من قول رسول الله ﷺ قطعًا؛ لأنَّ مضمونه حكاية عن الله تعالى، ولا يعرفها أبو هريرة إلا من جهة رسول الله ﷺ ، وقد روي معناه مسندًا مرفوعًا من طريق آخر، غير أن مساق هذا الحديث أكمل، فلذلك اخترناه.
وقوله تعالى: (يؤذيني ابن آدم) أي: يخاطبني من القول بما يتأذى به من يصحُّ في حقه التأذي، لا أن الله تعالى يتأذى؛ لأنَّ التأذي ضرر وألم، والله تعالى منزه عن ذلك، وهذا يجري مجرى ما جاء من محاربة الله ومخادعته. وهذه كلها توسعات يفهم منها: أن من يعامل الله تعالى بتلك المعاملات تعرَّض لعقاب (١) الله تعالى، ولمؤاخذته الشديدة. فليحذر ذلك.
ويراد بابن آدم هنا: أهل الجاهلية، ومن جرى مجراهم؛ ممن يُطلِقُ هذا اللفظ، ولا يتحرز منه، فإنَّ الغالب من أحوال بني آدم إطلاق نسبة الأفعال إلى الدَّهر، فيذمُّونه، ويُسفِّهونه إذا لم تحصل لهم أغراضهم، ويمدحونه إذا حصلت لهم. وأكثر ما يُوجد ذلك في كلام الشعراء والفصحاء. ولا شكَّ في كفر من نسبَ
стр. 3202
فَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم يَا خَيبَةَ الدَّهرِ؛ فَإِنِّي أَنَا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ، فَإِذَا شِئتُ قَبَضتُهُمَا.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦)(٣)، وأبو داود (٥٢٧٤).
ــ
تلك الأفعال أو شيئًا منها للدَّهر حقيقة، واعتقد ذلك. وأما من جرت هذه الألفاظ على لسانه ولا يعتقد صحة تلك: فليس بكافر، ولكنه قد تشبَّه بأهل الكفر وبالجاهلية في الإطلاق، وقد ارتكب ما نهاه رسول الله ﷺ عنه. فَليتُب، وليستغفر الله تعالى. والدَّهر، والزمان، والأبد: كلها بمعنى واحد، وهو راجع إلى حركات الفلك، وهي الليل والنهار.
و(قوله: لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدَّهر) ليس هذا النَّهي مقصورًا على هذا اللفظ، بل يلحق به كل ما في معناه من قولهم: خَرُفَ الفلكُ، وانعكس الدَّهر، وتَعِسَ، وما في معنى ذلك.
و(قوله: فإني أنا الدَّهر) الرواية الصحيحة المشهورة فيه برفع الدَّهر؛ على أنه خبر (إن) إن جعلنا (أنا) فصلًا. وإن جعلناها مبتدأ؛ فهو خبره. وقد قيدها بعض الناس (الدَّهر) بالنصب؛ على أن تكون ظرفًا يعمل فيه (أُقَلِّبُ) فكأنه قال: أنا طولَ الدَّهر أُقلِّب الليل والنهار، ويكون (أُقلِّب) هو الخبر، والذي حمله على ذلك خوف أن يقال: إن الدَّهر من أسماء الله تعالى، وهذا عدول عمَّا صحَّ إلى ما لم يصح مخافة ما لا يصح، فإنَّ الرواية الصحيحة عند أهل التحقيق بالضم، ولم يرو الفتح من يُعتمد عليه، ولا يلزم من ثبوت الضم أن يكون الدَّهر من أسماء الله تعالى؛ لأن أسماء الله تعالى لا بدَّ فيها من التوقيف عليها، أو استعمالها استعمال الأسماء من الكثرة والتكرار، فيخبر به، وينادى به، كما اتَّفق في سائر أسماء الله تعالى كالغفور، والشكور، والعليم، والحليم، وغير ذلك من أسمائه، فإنك تجدها في
стр. 3203
[٢١١٤] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَسُبُّوا الدَّهرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهرُ.
وفي رواية مرفوعا: يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهرَ، وَأَنَا الدَّهرُ، أُقَلِّبُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٧٢)، والبخاريُّ (٦١٨١)، ومسلم (٢٢٤٦) (٢ و ٥).
* * *
ــ
الشريعة وفي لسان أهلها، تارة يخبر بها، وأخرى يخبر عنها، وأخرى يُدعى ويُنادى بها، ولم يوجد للدَّهر شيء من ذلك، فلا يكون اسمًا من أسمائه تعالى. ثمَّ لو سُلِّم أن النصب يصح في ذلك اللفظ على ذلك الوجه، فلا يصح شيء من ذلك في الرِّواية التي قال فيها: (لا تسبُّوا الدَّهر، فإنَّ الله هو الدَّهر) ولم يذكر: (أقلِّب الليل والنهار)؟ ولا يصح أن يقال: إن هذه الرواية مطلقة، والأولى مقيدة؛ لأنَّا إن صرنا إلى ذلك لزم نصب (الدَّهر) بعامل محذوف ليس في الكلام ما يدلّ عليه، ولزم حذف الخبر، ولا دليل عليه. وكل ذلك باطل من اللسان قطعًا، وإذا ثبت ذلك، فاعلم: أنه لما كان اعتقاد الجاهلية: أن الدَّهر هو الذي يفعل الأفعال، ويذمُّونه إذا لم تحصل أغراضهم: أعلمهم النبي ﷺ : أن الله يفعل كل شيء، فإذا سبُّوا الدَّهر من حيث: إنه الفاعل، ولا فاعل إلا الله، فكأنَّهم سبُّوا الله تعالى، فلذلك قال الله تعالى: (يسبُّ ابن آدم الدَّهر وأنا الدَّهر) أي: أنا الذي أفعل ما ينسبونه للدَّهر، لا الدَّهر، فإنَّه ليل ونهار، وأنا أقلبهما؛ أي: أتصرف فيهما بالإطالة، والإقصار، والإضاءة، والإظلام.
وفيه تنبيه: على أن ما يُفعل ويُتصرَّف فيه لا يصلح لأن يفعل. وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه الحكماء بقولهم: ما له طبيعة عدميَّة يستحيل أن يفعل فعلًا حقيقيًّا. والله تعالى أعلم.
стр. 3204
(٢٨) باب النهي عن تسمية العنب كرما
[٢١١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرمَ، فَإِنَّ الكَرمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ.
ــ
(٢٨ و ٢٩) ومن باب النهي عن تسمية العنب بالكرم (١)
قوله: (لا تسمُّوا العنب بالكرم (٢)، فإن الكرم الرجل المسلم) إنما سَمَّت العرب العنب بالكرم (٣)، لكثرة حمله، وسهولة قطافه، وكثرة منافعه. وأصل الكرم: الكثرة. والكريم من الرجال هو: الكثير العطاء والنفع. يقال: رجل كريم، وكرام لمن كان كذلك. وكرام؛ لمن كثر منه ذلك، وهي للمبالغة. ويقال أيضًا: رجل كرم - بفتح الرَّاء -، وامرأة كرم، ورجال كرم، ونساء كرم، وصفٌ بالمصدر على حدِّ: عدل، وزور، وفطر.
وإنما نهى النبي ﷺ عن تسمية العنب بالكرم؛ لأنَّه لما حُرِّم الخمر عليهم، وكانت طباعهم تحثهم (٤) على الكرم كره ﷺ أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج طباعهم إليه عند ذكره، فيكون ذلك كالمحرِّك على الوقوع في المحرَّمات، قاله أبو عبد الله المازري.
قلت: وفيه نظر؛ لأن محل النَّهي إنَّما هو تسمية العنب بالكرم، وليست
стр. 3205
وفي رواية: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم لِلعِنَبِ الكَرمَ، إِنَّمَا الكَرمُ الرَّجُلُ المُسلِمُ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريّ (٦١٨٢)، ومسلم (٢٢٤٧) (٨ و ١٠)، وأبو داود (٤٩٧٤).
ــ
العنبة محرَّمة، وإنما المحرَّمة الخمر، ولم يُسمَّ الخمر عنبًا حتى ينهى عنه، وإنَّما العنب هو الذي سُمي خمرًا باسم ما يؤول إليه من الخمرية، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعصِرُ خَمرًا﴾ وقول أبي عبد الله: كره رسول الله ﷺ أن يُسمَّى هذا المحرَّم باسم يهيج الطباع إليه؛ ليس بصحيح؛ لأنَّ الرسول ﷺ لم ينه عن تسمية المحرَّم الذي هو الخمر بالعنب في هذا الحديث، بل عن تسمية العنب بالكرم، فتأمله. وإنما محمل الحديث عندي محمل قوله ﷺ : (ليس المسكين بالطَّواف عليكم) (١) و (ليس الشديد بالصُّرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (٢) أي: الأحق باسم الكرم المسلم، أو قلب المسلم، وذلك لما حواه من العلوم، والفضائل، والأعمال الصالحات، والمنافع العامة. فهو أحق باسم الكريم والكرم من العنب.
و(قوله: لا تسمُّوا) على جهة الإرشاد لما هو الأولى في الإطلاق، كما قال ﷺ : (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله العشاء، وإنَّها تُعتِم بحلاب الإبل) (٣) قال: (وتقول الأعراب: هي العتمة) فمعنى هذا - والله أعلم -: أن تسمية هذه الصلاة بالعشاء أولى من تسميتها بالعتمة، لا أن إطلاق اسم العتمة عليها ممنوع، فإنَّ النبي ﷺ قد أطلق عليها اسم العتمة لما
стр. 3206
[٢١١٦] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم الكَرمُ، فَإِنَّمَا الكَرمُ قَلبُ المُؤمِنِ.
وفي رواية: لا تقولوا: كرم.
رواه مسلم (٢٢٤٧) (٧ و ٩).
[٢١١٧] وعن عَلقَمَةَ بنَ وَائِلٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَقُولُوا الكَرمُ، وَلَكِن قُولُوا العِنَبُ وَالحَبلَةُ.
رواه مسلم (٢٢٤٨) (١١ و ١٢).
* * *
ــ
قال: (ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا) (١).
قلت: ويجري هذا المجرى قوله ﷺ : (لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، فكلكم عبيد الله، وكلُّ نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي. ولا يقولنَّ أحدكم: اسق ربَّك، أطعم ربَّك، وضئ ربّك، ولا يقل أحدكم: ربِّي، وليقل سيدي ومولاي) فإنَّ هذا كله من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرَّم. ألا ترى قول يوسف ﵇: ﴿اذكُرنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ و ﴿ارجِع إِلَى رَبِّكَ﴾ و ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحسَنَ مَثوَايَ﴾ وقول النبي ﷺ : (أن تلد الأمة ربَّها وربَّتها)؟ ! فكان محل النهي في هذا الباب ألا تُتَّخذ هذه الأسماء عادة، فيترك الأولى والأحسن. قال ابن شعبان في الزاهي: لا يقل السَّيد: عبدي، ولا: أمتي، ولا يقل المملوك: ربِّي، ولا ربَّتي. قال القاضي عياض: ولم ينه عنه نهي وجوبٍ
стр. 3207
(٢٩) باب النهي عن أن يقول سيد: عبدي وأمتي، أو غلام: ربي أو ربك
[٢١١٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم عَبدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُم عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُم إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِن لِيَقُل: غُلَامِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي.
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩)، وأبو داود (٤٩٧٥ و ٤٩٧٦).
[٢١١٩] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقُولن أَحَدُكُم: اسقِ رَبَّكَ، أَطعِم رَبَّكَ، وَضِّئ رَبَّكَ، وَلَا يَقُل أَحَدُكُم: رَبِّي، وَليَقُل: سَيِّدِي ومَولَايَ، وَلَا يَقُل أَحَدُكُم: عَبدِي، أَمَتِي، وَليَقُل: فَتَايَ، فَتَاتِي، غُلَامِي.
ــ
وحظرٍ، بل: نهي أدبٍ وحضٍّ. ثم خاطبهم أحيانًا بما فهم عنهم من صحة استعمالهم له في لغتهم، وعلى غير الوجه المذموم. وقد تقدَّم: أنه يقال على المالك والسَّيد: ربٌّ. وأن أصله من: ربَّ الشيءَ والولد، يربُّه، وربَّاه، يُرَبِّيه: إذا قام عليه بما يُصلحه، وُيكمِّله. فهو: ربٌّ، ورابٌّ. ولما كان ابتداءُ التربية، وكمالها من الله تعالى بالحقيقة، لا من غيره: كان الأولى بالإنسان ألا ينسب تربية نفسه إلا إلى مَن إليه الربوبية الحقيقية، وهو الله تعالى، فإن فَعَل ذلك؛ كان متجوِّزًا في اللفظ، مخالفًا للأولى، كما تقدَّم.
و(قوله: ولا يقل أحدُكم: ربِّي، وليقل: سيِّدي ومولاي) هذا اللفظُ متفقٌ عليه عند أكثر الرواة. وفي الأمِّ من رواية أبي سعيدٍ الأشجِّ، وأبي معاوية عن الأعمش مرفوعًا: (ولا يقل العبدُ لسيِّده: مولاي) (١) وانفرد أبو معاوية؛ فزاد:
стр. 3208
وفي رواية: لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم عَبدِي، فَكُلُّكُم عَبِيدُ اللَّهِ، وَلَكِن
ــ
(وإن الله مولاكم) وقد رواه عن الأعمش جرير، ولم يذكر ذلك. وقد روي من طرق متعددة مشهورة، وليس ذلك مذكورًا فيها، بل: اللفظ الأول؛ فظهر بهذا: أن اللفظ الأول أرجح. وإنما صرنا للترجيح للتعارض بين الحديثين، فإنَّ الأول يقتضي إباحة قول العبد: مولاي. والثاني يقتضي منعه من ذلك، والجمع متعذر، والعلم بالتاريخ مفقود، فلم يَبقَ إلا الترجيح؛ كما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
وأمره ﷺ بأن يقول: غلامي، وفتاي، وفتاتي، وجاريتي: إنَّما كان لأن هذه الألفاظ تنطلق على الحر والعبد، وليس فيها من معنى الملك، ولا من التعاظم شيء مما في: عبدي، وأمتي. وأصل الفتوة: الشباب، وهو من الفتاء - بالمد - ثم قد استعمل الفتى فيمن كملت فضائله، ومكارمه، كما قالوا: لا فتًى إلا علي. ومن هذا أخذ الصُّوفيَّة الفتوة المتعارفة بينهم. وأصل الغلوميَّة في بني آدم، وهي للصغير، فينطلق على الصغير اسم غلام من حين يولد إلى أن يبلغ، فينقطع عنه ذلك الاسم، وكذلك: الجارية في النِّساء.
تنبيه: إذا أطلق (ربّ) على غير الله تعالى فإنما يطلق مضافًا، فيقال: ربُّ الدَّار، وربُّ الفرس. ولا يطلق وفيه الألف واللام إلا إذا أريد به الله تعالى، قاله الجوهري، وغيره.
و(قوله: ولا يقل العبد: ربِّي، وليقل: سيِّدي) إنما فرَّق بينهما: لأن الربَّ من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق. واختلف في السَّيِّد؛ هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا: ليس من أسمائه فالفرق واضح؛ إذ لا التباس، ولا إشكال يلزم من إطلاقه، كما يلزم من إطلاق الرَّبِّ. وإذا قلنا: إنه من أسمائه؛ فليس في الشهرة والاستعمال كلفظ: الربِّ؛ فيحصل الفرق بذلك. وأما من حيث اللغة: فالربُّ مأخوذٌ مما ذكرناه، والسَّيِّد من السؤدد، وهو التقدُّم. يقال: ساد قومه: إذا تقدَّمهم، ولا شكَّ في تقدُّم السَّيِّد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز
стр. 3209
لِيَقُل: فَتَايَ، وَلَا يَقُل العَبدُ: رَبِّي، وَلَكِن لِيَقُل: سَيِّدِي.
رواه مسلم (٢٢٤٩) (١٤ و ١٥).
* * *
ــ
الإطلاق، ويجري مجرى ما ذكر قوله ﷺ : (لا يقل أحدكم: خبثت نفسي، وليقل: لقِسَت) قال أبو عبيد: معنى لقست وخبثت واحد، لكن كره لفظ الخبث، وشناعة اللفظ، وعلَّمهم الأدب في المنطق. وقال الأصمعي: لقست نفسي؛ أي: غثت. وقال ابن الأعرابي: ضاقت. ولا يعترض هذا بقوله ﷺ : (فأصبح خبيث النفس كسلان) لأنَّ محل النهي أن يضيف المتكلم الخبث إلى نفسه، لا أن يتكلم بالخبث مطلقًا، فإذا أخبر به عن غير معيَّن جاز، ولا سيما في معرض التحذير والذم للكسل والتثاقل عن الطاعات، كما قد جاء في هذا الحديث. ومن أوضح ما في هذا الباب قوله ﷺ حين سُئل عن العقيقة فقال: (لا أحبُّ العقوق، ولكن: إذا أحبَّ أحدكم أن ينسك عن ولده بشاةٍ فليفعل) (١) فكره اسم العقوق.
قلت: ومقصود الشرع الإرشاد إلى تعرُّف مواقع الألفاظ، واستعمال الأولى منها والأحسن ما أمكن من غير إيجاب ذلك، واجتناب المشترك من الألفاظ، وما يستكره منها، وما لا تواضع فيه، كعبدي وأمتي، من غير تحريم ذلك، ولا تحريجه. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3210
(٣٠) باب لا يقل أحد: خبثت نفسي وما جاء أن المسك أطيب الطيب
[٢١٢٠] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم: خَبُثَت نَفسِي، وَلَكِن لِيَقُل: لَقِسَت نَفسِي.
رواه أحمد (٦/ ٥١)، والبخاريُّ (٦١٧٩)، ومسلم (٢٢٥٠)، وأبو داود (٤٩٧٩)، والنسائي (١٠٤٩ و ١٠٥٠) في عمل اليوم والليلة.
[٢١٢١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَت امرَأَةٌ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمشِي مَعَ امرَأَتَينِ طَوِيلَتَينِ، فَاتَّخَذَت رِجلَينِ مِن خَشَبٍ،
ــ
(٣٠) ومن باب ما جاء أن أطيب الطيب المسك
قوله: (كانت امرأة من بني إسرائيل قصيرة تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رِجلَين من خشب) يحتمل: أن تكون هذه المرأة فعلت هذا لتستر قصرها عن الناس، فلا ينظرون إليها. ولعل قصرها كان خارجًا عن غالب أحوال القصار. فإنَّ كان هذا، فلا إثم عليها لصحة قصدها، وحسن تسترها. وإن كانت فعلت ذلك لتتزيَّن بإلحاقها نفسها بالطوال؛ فذلك ممنوع منه، فإنَّه من باب تغيير خلق الله كما تقدَّم. وأما اتخاذها خاتم الذهب: فجائز للنساء على ما ذكرناه. وأما اتخاذها المسك: فمباح لها في بيتها، ويلحق بالمندوب إذا قصدت به حسن التبعل للزوج. وأما إذا خرجت: فإن قصدت أن يجد الرِّجال ريحها؛ فهي زانية؛ كما قاله النبي ﷺ (١)، ومعناه: أنها بمنزلة الزانية في الإثم. وأما إذا لم تقصد ذلك: فلا تسلم
стр. 3211
وَخَاتَمًا مِن ذَهَبٍ مُغلَقٌ مُطبَقٌ، ثُمَّ حَشَتهُ مِسكًا وَهُوَ أَطيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّت بَينَ المَرأَتَينِ فَلَم يَعرِفُوهَا، فَقَالَت بِيَدِهَا هَكَذَا، وَنَفَضَ شُعبَةُ يَدَهُ.
رواه أحمد (٣/ ٤٠ و ٤٦)، ومسلم (٢٢٥٢).
* * *
ــ
من الإثم؛ كيف لا وقد قال رسول الله ﷺ : (إذا شهدت إحداكُنَّ المسجد فلا تمس طيبًا) (١) وقال: (ليخرجن وهنَّ تفلات) (٢) أي: غير متطيِّبات (٣). وكل ذلك هو شرعنا. وهل كان كذلك في شرع بني إسرائيل، أو لا؟ كل ذلك محتمل.
وقوله ﷺ : (أطيب الطيب المسك) دليلٌ واضحٌ على طهارة المسك، وإن كان أصله دمًا، لكنه قد استحال إلى صلاح في مقرِّه العادي، فصار كاللَّبن.
قال القاضي عياض: قد وقع الإجماع على طهارته وجواز استعماله. وما حكي عن عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز من الخلاف في ذلك لا يصحُّ، فإن المعروف (٤) من السَّلف إجماعهم على جواز استعماله، واقتداؤهم بالنبي ﷺ في ذلك.
* * *
стр. 3212
(٣١) باب من عرض عليه طيب أو ريحان فلا يرده، وبماذا يستجمر ؟
[٢١٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن عُرِضَ عَلَيهِ رَيحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحمِلِ، طَيِّبُ الرِّيحِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٢٥٣)، وأبو داود (٤١٧٢)، والنسائي (٨/ ١٨٩).
ــ
(٣١) ومن باب: من عُرِض عليه ريحان فلا يردَّه
الرَّيحان: كلُّ بقلةٍ طيِّبة الرِّيح. قاله الخليل. والمراد به في هذا الحديث: كلُّ الطيب؛ لأنَّه كله خفيف المحمل، طيب الرِّيح؛ ولأنه قد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (من عرض عليه طيبٌ) بدل: (ريحان).
و(قوله: خفيف المحمَل، طيب الرِّيح) المحمَل - بفتح الميمين - ويعني به: الحمل، وهو مصدر: (حمل) وبفتح الأولى، وكسر الثانية: هو الزمان، والمكان. وقد يقال في الزمان بالفتح في الثانية. والمحمل-أيضًا-: واحد محامل الحاجِّ. والمِحمَل - بكسر الأولى، وفتح الثانية: واحد محامل السيف. وقد أشار النبي ﷺ بهذا القول إلى العلة التي ترغب في قبول الطيب من المُعطِية (١). وهي: أنه لا مؤونة، ولا مِنَّة تلحق في قبوله؛ لجريان عادتهم بذلك، ولسهولته عليهم، ولنزارة ما يتناول منه عند العرض، ولأنَّه مِمَّا يستطيبه الإنسان من نفسه، ويستطيبه من غيره.
وفيه من الفقه: الترغيب في استعمال الطيب، وفي عرضه على من يستعمله.
стр. 3213
[٢١٢٣] وعَن نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عبد الله بنُ عُمَرَ إِذَا استَجمَرَ استَجمَرَ بِأَلُوَّةِ غَيرَ مُطَرَّاةٍ، وَبِكَافُورٍ يَطرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَستَجمِرُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
رواه مسلم (٢٢٥٤)، والنسائي (٨/ ١٥٦).
* * *
ــ
و(قوله: كان ابن عمر يستجمر بأَلُوَّةٍ غير مُطَرَّاةٍ) يستجمر: يتبخر. وأصله: من المجمر، والمجمرة، فاستعير له ذلك؛ لأنَّه وضعُ البَخُور على الجمر في المجمرة. والأَلُوَّة: العود الذي (١) يتبخر به. قال الأصمعي: وأراها كلمة فارسيَّة. قال أبو عبيد: وفيها لغتان: فتح الهمزة وضمها. وحكي عن الكسائي: إِلِيَّةٌ - بكسر الهمزة واللام -، وقال بعضهم: لوَّة وليَّة. وتجمع: الأَلُوَّة: ألاويةٌ.
و(غير مطرَّاةٍ؛ أي: غير ملطخة بخلوق، أو طيب. قال القاضي عياض: وأصله: غير مطرَّرةٍ؛ من: طرَّرت الحائط إذا غشَّيته بجصٍّ، أو حسَّنته، وجدَّدته. قال: ويحتمل أن تكون (مطرَّاة): مُحسَّنة، مبالغة، وذلك من الإطراء، وهو المبالغة في المدح.
وهذه الأحاديث كلها تدلُّ على أن استعمال الطيب والبخور مرغب فيه، مندوبٌ إليه، لكن: إذا قصد به الأمور الشرعية مثل الجماعات والجُمعات، والمواضع المعظَّمات، وفعل العبادات على أشرف الحالات. فلو قصد بذلك المباهاة والفخر والاختيال لكان ذلك من أسوأ الذنوب، وأقبح الأفعال.
стр. 3214
(٣٢) باب تحريم اللعب بالنرد
[٢١٢٤] عَن سُلَيمَانَ بنِ بُرَيدَةَ، عَن أَبِيهِ: عن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَن لَعِبَ بِالنَّردَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحمِ خِنزِيرٍ وَدَمِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٥)، ومسلم (٢٢٦٠)، وأبو داود (٤٩٤٠)، وابن ماجه (٣٧٦٥).
* * *
ــ
(٣٢) ومن باب: اللعب بالنَّرد
قوله: (من لعب بالنردَشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) قيَّدنا النردشير بفتح الدال وكسر الراء، وكأنهما كلمة واحدة مبنيَّة الوسط. قال الخليل: النرد: فارسي.
قلت: وكأن النردشير نوع من النَّرد. وهو لعبة مقصودها القمار، وأكل المال بالباطل، مع ما فيها من الصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وعمَّا يفيد الإنسان في دينه ودنياه، ومع ما يطرأ فيها من الشحناء، والبغضاء، ولذلك شدَّد النبي ﷺ في لعبها فقال: فيما رواه مالك عن أبي موسى: (من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله) (١) وهذا نصٌّ في تحريم النَّرد، وهو المراد بقوله: (فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه) فإنَّ هذا الفعل في الخنزير حرام؛ لأنَّه إنما عنى بذلك تذكية الخنزير، وهي حرام بالاتفاق، ولذلك لم يختلف فيه، ويلحق به كل ما يقامر به، كالشطرنج، والأربعة عشر، وغير ذلك مما في معناه.
стр. 3215
(٣٣) باب مناولة السواك الأكبر
[٢١٢٥] عن ابنَ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكبَرُ مِن الآخَرِ، فَنَاوَلتُ السِّوَاكَ
ــ
واختلف في الشطرنج إذا لم يقامر به. فقيل: إنه على التحريم. وهو ظاهر قول مالك، والليث؛ حيث قالا: إنَّها شرٌّ من النَّرد، وألهى. ويؤيد هذا أحاديث رواها عبد الملك بن حبيب تقتضي ذمَّ لاعب الشطرنج، ولعنه (١). ولا شك في أن من ظن التحريم فيها إنَّه يردُّ شهادة اللاعب بها. وذهبت طائفة إلى أن ذلك مكروه، وهو نصُّ المذهب، غير أن من أصحابنا من تأوَّله على التحريم، والكراهة مذهب الشافعي وأبي حنيفة، ولا يردان شهادة من لعب بها من غير قمار. وقال مالك: تسقط شهادة المدمن عليها. وقال بعض أصحابنا: إن المحرَّم إنَّما هو الإدمان عليها، فأما لو لم يدمن عليها، وتستَّر باللعب بها مع الأكفاء والنُّظراء، وسلم من المفاسد التي ذكرناها فهي مباحة، وقد فسَّر بعض أصحابنا هذا (٢): بأن يلعبها مرَّة في السَّنة. وهذا شذوذ.
(٣٣) ومن باب: مناولة السِّواك الأكبر (٣)
قوله: (أراني في المنام أتسوك بسواك فجذبني رجلان) قد تقدَّم أن رؤيا
стр. 3216
الأَصغَرَ مِنهُمَا، فَقِيلَ لِي كَبِّر: فَدَفَعتُهُ إِلَى الأَكبَرِ.
رواه مسلم (٢٢٧١).
* * *
ــ
الأنبياء وحي، وأنها تقتبس منها الأحكام، كما قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ﴾ وجذب، وجبذ بمعنى واحد، وإنما جذباه طالبين منه السواك. وإنما ناوله الأصغر لأنهما كانا بين يديه، ولو كان أحدهما عن يمينه لكان هو الأولى به، كما جاء في سُنَّة الشراب.
و(قوله: كبِّر) أي: ابدأ بالكبير توقيرًا له، ومراعاة لحق السِّنِّ في الإسلام، وهذا كما قال في حديث حُويِّصَة: (كبِّر، كبِّر) (١) وقد استوفينا الكلام على هذا المعنى هناك. وحاصل ذلك: الحث على إكرام الشيخ المسلم، واحترامه، كما قد روي عنه ﷺ أنه قال: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم) (٢).
* * *
стр. 3217
(٣١) كتاب: الرقى والطب
(١) باب في رقية جبريل النبي ﷺ
[٢١٢٦] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهَا قَالَت: كَانَ إِذَا اشتَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَقَاهُ جِبرِيلُ،
ــ
(٣١) كتاب الرُّقى والطِّبِّ
(١) باب في رقية جبريل النبي ﷺ (١)
قولها: (كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتكى رقاه جبريلُ ﵇) دليلٌ على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى، وأن ذلك لا يناقض التوكل على الله تعالى ولا ينقصه؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي ﷺ أحق الناس بأن يجتنبَ ذلك، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيَّه ﷺ في المقامات الشريفة، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقام، وأعلى حال، وقد رُقي في أمراضه، حتى في مرض موته ﷺ ، فقد رقته عائشة ﵂ في مرض
стр. 3218
قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ يُبرِيكَ، وَمِن كُلِّ دَاءٍ يَشفِيكَ، وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَشَرِّ كُلِّ ذِي شر.
رواه أحمد (٦/ ١٦٠)، ومسلم (٢١٨٥)(٣٩).
[٢١٢٧] وعَن أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ جِبرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشتَكَيتَ؟ فَقَالَ: نَعَم، قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ أَرقِيكَ، مِن كُلِّ شَيءٍ
ــ
موته، ومسحته بيدها وبيده (١)، وهو مُقرٌّ لذلك، غير منكر لشيء مما هنالك. وقد استوفينا هذا المعنى في كتاب الإيمان.
و(قوله: باسم الله يبريك) الاسم هنا يراد به المسمَّى؛ فكأنه قال: الله يبريك، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربَّك (٢). ولفظ الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدَّالة على المسمَّى، والمسمَّى هو مدلولها، غير أنه قد يتوسَّع، فيوضع الاسم موضع المسمَّى مسامحة، فتدبَّر هذا، فإنَّه موضع قد كثر فيه الغلط، وتاه فيه كثير من الجهَّال وسقط. وموضع استيفائه علم الكلام.
و(قوله: ومن كل داء يشفيك) دليلٌ على جواز الرُّقى لما وقع من الأمراض، ولما يتوقع وقوعه.
وقوله: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ دليلٌ على أن الحسد يؤثر في المحسود ضررًا يقع به، إمَّا في جسمه بمرض، أو في ماله وما يختص به بضرر، وذلك بإذن الله تعالى، ومشيئته، كما قد أجرى عادته، وحقق إرادته، فربط الأسباب بالمسببات، وأجرى بذلك العادات، ثمَّ أمرنا في دفع ذلك بالالتجاء إليه، والدعاء، وأحالنا على الاستعانة بالعُوَذ والرُّقى.
стр. 3219
يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفسٍ أَو عَينِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشفِيكَ، بِاسمِ اللَّهِ أَرقِيكَ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨)، ومسلم (٢١٨٦)(٤٠)، والترمذي (٩٧٢)، وابن ماجه (٣٥٢٣).
* * *
(٢) باب العين حق، والسحر حق، واغتسال العائن
[٢١٢٨] عَن ابنِ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: العَينُ حَقٌّ،
ــ
و(قوله: من شرِّ كلِّ نفسٍ - أو: عين -) هذا شك من الرَّاوي في أي اللفظين قال، مع أن معناهما واحد، فإن النَّفس يقال على الإصابة بالعين، يقال: أصابت فلانًا نفس؛ أي: عين. والنافس: العائن. قاله القتبي. وتطلق النفس على أمور أخر ليس شيء منها يراد بهذا الحديث. والله تعالى أعلم.
(٢) ومن باب العين حق، والسِّحر حق، واغتسال العائن (١)
(قوله: العين حقٌّ) أي: ثابت موجود، لا شكَّ فيه. وهذا قول علماء الأمَّة، ومذهب أهل السُّنَّة. وقد أنكرته طوائف من المبتدعة، وهم محجوجون بالأحاديث النُّصوص الصَّريحة، الكثيرة الصحيحة، وبما يشاهد من ذلك في الوجود. فكم من رجل أدخلته العين القبر، وكم من جمل ظهير أحلَّتهُ القِدر، لكن ذلك بمشيئة الله تعالى كما قال: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إِلا بِإِذنِ اللَّهِ﴾ ولا يلتفت إلى مُعرِضٍ عن الشرع والعقل، يتمسك في إنكار ذلك؛ باستبعاد ليس له أصل، فإنا نشاهد من خواصِّ الأحجار، وتأثير السِّحر،
стр. 3220
وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ، وَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا.
رواه مسلم (٢١٨٨)(٤٢)، والترمذي (٢٠٦٢).
ــ
وسموم الحيوانات ما يُقضَى منها العجب، ويُتحقَّق أنَّ كل ذلك فعل مسبِّب كلَّ سبب. ولا يلتفت أيضًا إلى قول من قال من المثبتين للعين: إنَّ العائن تنبعث من عينه قوةٍ سُمِّيَّة تتصل بالمعين فيهلك، أو يفسد، كما تنبعث قوة سُمِّيَّة من الأفعى والعقرب تتصل باللَّديغ فتهلكه؛ لأنَّا نقول لهؤلاء: إن كنتم تريدون بالقوَّة أن هناك معنى يقتضي ذلك الضرر بذاته، وأن ذلك ليس فعلًا لله تعالى فذلك كفر؛ لأنَّه جحد لما علم من الشرع والعقل؛ من: أنه لا خالق إلا الله ، ولا فاعل على الحقيقة إلا هو. وإن كان يريد بذلك: أن الله تعالى هو الفاعل للسبب والمسبب؛ فهو الحق الصَّريح، غير أن إطلاق لفظ القوَّة في هذا المعنى ليس بحسن عند المتشرِّعين ولا صحيح.
و(قوله: ولو كان شيء سابق القَدَر لسبقته العين) هذا إغياءٌ في تحقيق إصابة العين، ومبالغة فيه تجري مجرى التمثيل، لا أنَّه يمكن أن يردَّ القدر شيء، فإنَّ القدر عبارة عن سابق علم الله تعالى ونفوذ مشيئته، ولا رادَّ لأمره، ولا معقب لحكمه، وإنَّما هذا خرج مخرج قولهم: لأطلبنَّك ولو تحت الثَّرى. أو: لو (١) صعدت إلى السَّماء، ونحوه مما يجري هذا المجرى، وهو كثير (٢).
و(قوله: وإذا استغسلتم فاغسلوا) هذا خطابٌ لمن يُتَّهم بأنَّه عائن، فيجب عليه ذلك، ويُقضى عليه به إذا طُلِب منه ذلك، لا سيما إذا خيف على المعين الهلاك. وهذا الغسل هو الذي سمَّاه في بعض طرق حديث سهل بن حنيف: بالوضوء، وذلك: أن عامر بن ربيعة نظر إلى سهل متجرِّدًا فقال: ما رأيت كاليوم
стр. 3221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا جلد عذراء، فوُعِك سهل مكانه، فأُخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال لعامر: (علام يقتل أحدكم أخاه! ألا برَّكت! إن العين حقٌّ، توضأ له) فتوضأ عامر (١). وفي الطريق الأخرى زيادة الغَسل؛ قال: فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، فَصُبَّ عليه.
وصفته عند العلماء: أن يؤتى بقدح من ماء، ولا يوضع القدح بالأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثمَّ يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثمَّ قدمه اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصَّفة والرتبة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة الإزار، وهو الطرف الذي يلي حِقوَهُ الأيمن. وقد ذكر بعضهم: أن داخلة الإزار يكنى به عن الفَرج. وجمهور العلماء على ما قلناه. فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه. هكذا نقل أبو عبد الله المازري، وقال: هذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه.
قال القاضي عياض: وبه قال الزهري، وأخبر: أنه أدرك العلماء يصفونه، ويستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، وزاد: أن غسل وجهه إنَّما هو صبَّة واحدة بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه، وليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء، وغسل داخلة الإزار هو إدخاله وغسله في القدح، ثم يقوم الذي يأخذ القدح، فيصبَّه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده، يستغفله به (٢). وقيل: يغسله بذلك، ثم يكفأ الإناء على ظهر الأرض.
وقد روي عن ابن شهاب: أنه بدأ بغسل الوجه قبل المضمضة، وأنه لا يغسل
стр. 3222
[٢١٢٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِن
ــ
القدمين جميعهما، بل أطرافهما من عند أصول أصابعه. وقيل في داخلة الإزار: الموضع الذي تمسُّه داخلة الإزار. وقيل: أراد وركه؛ إذ هو معقد الإزار. وقد روي في حديث سهل: أن العائن غسل صدره مع ما ذكره، وأنه ﷺ أمره فحسا من الماء حسوات. والمعتمد على ما رواه مالك. والله تعالى أعلم.
وفي حديث سهل من الفقه أبواب. فمنها: العائن على الوضوء المذكور؛ على الوجه المذكور. وقيل: لا يُجبر، وأن من اتُّهم بأمرٍ أُحضر للحاكم، وكُشف عن أمره. وأن العين قد تقتل، لقوله ﷺ : (علام يقتل أحدكم أخاه؟ ) (١) وأن الدُّعاء بالبركة يذهب أثر العين بإذن الله تعالى. وأن أثر العين إنما هو عن حسد كامن في القلب. وأن من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره. قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، وكف أذاه عن الناس. وفيه جواز النشر (٢) والتطبب بها.
فرع: لو انتهت إصابة العين (٣) إلى أن يُعرف بذلك ويُعلَم من حاله أنه كلَّما تكلم بشيء معظَّمًا له، أو متعجبًا منه أصيب ذلك الشيء، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أتلفه بعينه غَرِمَه. وإن قتل أحدًا بعينه عامدًا لقتله قتل به، كالسَّاحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرً. وأما عندنا فيقتل على كل حال. قتل بسحره أو لا؛ لأنَّه كالزنديق. وسيأتي.
وقول عائشة ﵂: (سحر رسول الله ﷺ يهودي) هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور. وقد دلَّ على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السِّحر حق، وأنه موجودٌ،
стр. 3223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقوله تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ و ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر، والسَّحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ﴾ إلى آخرها. وبالجملة: فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ عن وجوده، ووقوعه. فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ، مكذِّب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا. ومنكر ذلك إن كان مُستسرًّا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد.
والسحر عند علمائنا: حيل صناعية يُتوصل إليها بالتعلم، والاكتساب، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، فيندر وقوعها، وتستغرب آثارها لندورها. ومادَّته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها، وأزمان ذلك. وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها. ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا. وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنَّها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة. ولا ينكر أن السِحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام، وعظيم الأسقام؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة. وعلى ما قررناه فالسحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عادي يتوصَّل إليه من يطلبه غالبًا؛ غير أنه يقل ويندر. فلا نقول: إن السَّاحر تنخرق له العادة؛ خلافًا لمن قال من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له. فإن أراد بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلّم، ما لم يدّع النبوة. فإنَّ حاصل ذلك أنه أمر ممكن. والله تعالى قادر على كل ممكن. وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو
стр. 3224
يَهُودِ بَنِي زُرَيقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ، قَالَت: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفعَلُ الشَّيءَ، وَمَا يَفعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ - أَو ذَاتَ
ــ
باطل بما قدَّمناه. واستيفاء مباحثه في علم الكلام.
وقولها: (حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله) قد جعل هذا بعض أهل الزَّيغ مطعنًا في النبوة. وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك. والجواب: إن هذا صَدَر عن سوء فهم وعدم علم. أما سوء الفهم؛ فلأنها إنما أرادت أنه ﷺ أخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه. وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير كتاب مسلم. فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء (١)، فلا يأتيهن. ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صحَّ فيه. فيتخيل إليه أنه يُقدِم على الأكل، أو المشي مثلًا؛ لأنَّه لا يُحسُّ بمانع يمنعه منه. فإذا رام ذلك، وأخذ فيه لم يتأت له ذلك، لغلبة المرض الناشئ عن السحر. لا أنه ﷺ أوجب له (٢) خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله. وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات. فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك، ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصِّدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ﴾. من حيث البشرية: يجوز عليه ما يجوز عليهم. ومن حيث الخاصة النبويَّة: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى؛ بأن بصره ما زاغ وما
стр. 3225
لَيلَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أما شَعَرتِ أَنَّ اللَّهَ أَفتَانِي فِيمَا استَفتَيتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِندَ رَأسِي وَالآخَرُ عِندَ رِجلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِندَ رَأسِي لِلَّذِي عِندَ رِجلَيَّ - أَو الَّذِي عِندَ رِجلَيَّ لِلَّذِي عِندَ رَأسِي -: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطبُوبٌ، قَالَ: مَن طَبَّهُ؟
ــ
طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى.
و(قوله: ثم دعا، ثم دعا) أي: إظهارًا للعجز والافتقار، وعلمًا منه: بأن الله هو الكاشف للكرب، والأضرار، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار.
و(قوله: أما شعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه) أي: أجابني فيما دعوته. فسمَّى الدعاء: استفتاء. والجواب: فتيا؛ لأنَّ الداعي طالب، والمجيب مسعفٌ، فاستعير أحدهما للآخر.
و(قوله: جاءني رجلان) أي: ملكان في صورة رجلين. وظاهره: أن ذلك كان في اليقظة. ويُحتمل أن يكون منامًا، ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي.
و(قوله: ما وجع الرَّجل؟ ) أي: ما مرضه؟ و (المطبوب): المسحور. يقال: طُبَّ الرَّجل: إذا سحر. قال ابن الأنباري: الطِّبُّ من الأضداد. يقال لعلاج المرض وللسِّحر.
قلت: وإنما قيل ذلك؛ لأنَّ أصل الطِّبَّ الحِذق بالشيء، والتفطن له، ولما كان علاج المريض والسِّحر؛ إنما يكونان عن فطنة وحِذق: قيل على كل واحد منهما: طبٌّ، ولمعاينهما: طبيب، وفي الطب ثلاث لغات: كسر الطاء، وفتحها، وضمها.