. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا جلد عذراء، فوُعِك سهل مكانه، فأُخبر بذلك النبي ﷺ ، فقال لعامر: (علام يقتل أحدكم أخاه! ألا برَّكت! إن العين حقٌّ، توضأ له) فتوضأ عامر (١). وفي الطريق الأخرى زيادة الغَسل؛ قال: فغسل وجهه، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وداخلة إزاره في قدح، فَصُبَّ عليه.
وصفته عند العلماء: أن يؤتى بقدح من ماء، ولا يوضع القدح بالأرض، فيأخذ منه غرفة، فيتمضمض بها، ثم يمجها في القدح، ثم يأخذ منه ما يغسل به وجهه، ثمَّ يأخذ بشماله ما يغسل به كفه اليمنى، ثم بيمينه ما يغسل به كفه اليسرى، وبشماله ما يغسل به مرفقه الأيمن، ثم بيمينه ما يغسل به مرفقه الأيسر، ولا يغسل ما بين المرفقين والكفين، ثمَّ قدمه اليمنى، ثمَّ اليسرى، ثمَّ ركبته اليمنى، ثم اليسرى على الصَّفة والرتبة المتقدمة، وكل ذلك في القدح، ثم داخلة الإزار، وهو الطرف الذي يلي حِقوَهُ الأيمن. وقد ذكر بعضهم: أن داخلة الإزار يكنى به عن الفَرج. وجمهور العلماء على ما قلناه. فإذا استكمل هذا صبَّه خلفه من على رأسه. هكذا نقل أبو عبد الله المازري، وقال: هذا المعنى لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه.
قال القاضي عياض: وبه قال الزهري، وأخبر: أنه أدرك العلماء يصفونه، ويستحسنه علماؤنا، ومضى به العمل، وزاد: أن غسل وجهه إنَّما هو صبَّة واحدة بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه، وليس على صفة غسل الأعضاء في الوضوء، وغسل داخلة الإزار هو إدخاله وغسله في القدح، ثم يقوم الذي يأخذ القدح، فيصبَّه على رأس المعين من ورائه على جميع جسده، يستغفله به (٢). وقيل: يغسله بذلك، ثم يكفأ الإناء على ظهر الأرض.
وقد روي عن ابن شهاب: أنه بدأ بغسل الوجه قبل المضمضة، وأنه لا يغسل
стр. 3222
[٢١٢٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِن
ــ
القدمين جميعهما، بل أطرافهما من عند أصول أصابعه. وقيل في داخلة الإزار: الموضع الذي تمسُّه داخلة الإزار. وقيل: أراد وركه؛ إذ هو معقد الإزار. وقد روي في حديث سهل: أن العائن غسل صدره مع ما ذكره، وأنه ﷺ أمره فحسا من الماء حسوات. والمعتمد على ما رواه مالك. والله تعالى أعلم.
وفي حديث سهل من الفقه أبواب. فمنها: العائن على الوضوء المذكور؛ على الوجه المذكور. وقيل: لا يُجبر، وأن من اتُّهم بأمرٍ أُحضر للحاكم، وكُشف عن أمره. وأن العين قد تقتل، لقوله ﷺ : (علام يقتل أحدكم أخاه؟ ) (١) وأن الدُّعاء بالبركة يذهب أثر العين بإذن الله تعالى. وأن أثر العين إنما هو عن حسد كامن في القلب. وأن من عرف بالإصابة بالعين منع من مداخلة الناس دفعًا لضرره. قال بعض العلماء: يأمره الإمام بلزوم بيته، وإن كان فقيرًا رزقه ما يقوم به، وكف أذاه عن الناس. وفيه جواز النشر (٢) والتطبب بها.
فرع: لو انتهت إصابة العين (٣) إلى أن يُعرف بذلك ويُعلَم من حاله أنه كلَّما تكلم بشيء معظَّمًا له، أو متعجبًا منه أصيب ذلك الشيء، وتكرر ذلك بحيث يصير ذلك عادة، فما أتلفه بعينه غَرِمَه. وإن قتل أحدًا بعينه عامدًا لقتله قتل به، كالسَّاحر القاتل بسحره عند من لا يقتله كفرً. وأما عندنا فيقتل على كل حال. قتل بسحره أو لا؛ لأنَّه كالزنديق. وسيأتي.
وقول عائشة ﵂: (سحر رسول الله ﷺ يهودي) هذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور. وقد دلَّ على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السِّحر حق، وأنه موجودٌ،
стр. 3223
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأن الشرع قد أخبر بذلك، كقصة سحرة فرعون، وبقوله تعالى فيها: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ و ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر، والسَّحرة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحرَ﴾ إلى آخرها. وبالجملة: فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ عن وجوده، ووقوعه. فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ، مكذِّب لله ورسوله، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا. ومنكر ذلك إن كان مُستسرًّا به فهو الزنديق، وإن كان مظهرًا فهو المرتد.
والسحر عند علمائنا: حيل صناعية يُتوصل إليها بالتعلم، والاكتساب، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، فيندر وقوعها، وتستغرب آثارها لندورها. ومادَّته الوقوف على خواص الأشياء، والعلم بوجوه تركيبها، وأزمان ذلك. وأكثره تخييلات لا حقيقة لها، وإيهامات لا ثبوت لها، فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها. ولذلك قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِن سِحرِهِم أَنَّهَا تَسعَى﴾ مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا. وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله: ﴿وَجَاءُوا بِسِحرٍ عَظِيمٍ﴾ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها، وذلك بخلاف عصا موسى، فإنَّها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة، وإظهارًا للمعجزة. ولا ينكر أن السِحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه، ويحول بين المرء وقلبه، وبإدخال الآلام، وعظيم الأسقام؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة، وإنكاره معاندة. وعلى ما قررناه فالسحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عادي يتوصَّل إليه من يطلبه غالبًا؛ غير أنه يقل ويندر. فلا نقول: إن السَّاحر تنخرق له العادة؛ خلافًا لمن قال من أئمتنا وغيرهم: إن العادة تنخرق له. فإن أراد بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلّم، ما لم يدّع النبوة. فإنَّ حاصل ذلك أنه أمر ممكن. والله تعالى قادر على كل ممكن. وإن أراد بذلك: أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو
стр. 3224
يَهُودِ بَنِي زُرَيقٍ، يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ، قَالَت: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَفعَلُ الشَّيءَ، وَمَا يَفعَلُهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَومٍ - أَو ذَاتَ
ــ
باطل بما قدَّمناه. واستيفاء مباحثه في علم الكلام.
وقولها: (حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله) قد جعل هذا بعض أهل الزَّيغ مطعنًا في النبوة. وقال: إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك. والجواب: إن هذا صَدَر عن سوء فهم وعدم علم. أما سوء الفهم؛ فلأنها إنما أرادت أنه ﷺ أخذ عن النساء، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه. وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير كتاب مسلم. فقالت: حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء (١)، فلا يأتيهن. ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره، كما صحَّ فيه. فيتخيل إليه أنه يُقدِم على الأكل، أو المشي مثلًا؛ لأنَّه لا يُحسُّ بمانع يمنعه منه. فإذا رام ذلك، وأخذ فيه لم يتأت له ذلك، لغلبة المرض الناشئ عن السحر. لا أنه ﷺ أوجب له (٢) خللًا في عقله، ولا تخليطًا في قوله؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله. وأما عدم علم الطاعن: فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات، وما تدل عليه المعجزات. فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر، وأنه يجوز عليهم من الأمراض، والآلام، والغضب، والضجر، والعجز، والسحر، والعين، وغير ذلك، ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى، والصِّدق، والعصمة عن الغلط في التبليغ. وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ﴾. من حيث البشرية: يجوز عليه ما يجوز عليهم. ومن حيث الخاصة النبويَّة: امتاز عنهم، وهو الذي شهد له العلي الأعلى؛ بأن بصره ما زاغ وما
стр. 3225
لَيلَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أما شَعَرتِ أَنَّ اللَّهَ أَفتَانِي فِيمَا استَفتَيتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِندَ رَأسِي وَالآخَرُ عِندَ رِجلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِندَ رَأسِي لِلَّذِي عِندَ رِجلَيَّ - أَو الَّذِي عِندَ رِجلَيَّ لِلَّذِي عِندَ رَأسِي -: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطبُوبٌ، قَالَ: مَن طَبَّهُ؟
ــ
طغى، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى، وبأن قوله وحي يوحى، وأنه ما ينطق عن الهوى.
و(قوله: ثم دعا، ثم دعا) أي: إظهارًا للعجز والافتقار، وعلمًا منه: بأن الله هو الكاشف للكرب، والأضرار، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار.
و(قوله: أما شعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه) أي: أجابني فيما دعوته. فسمَّى الدعاء: استفتاء. والجواب: فتيا؛ لأنَّ الداعي طالب، والمجيب مسعفٌ، فاستعير أحدهما للآخر.
و(قوله: جاءني رجلان) أي: ملكان في صورة رجلين. وظاهره: أن ذلك كان في اليقظة. ويُحتمل أن يكون منامًا، ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي.
و(قوله: ما وجع الرَّجل؟ ) أي: ما مرضه؟ و (المطبوب): المسحور. يقال: طُبَّ الرَّجل: إذا سحر. قال ابن الأنباري: الطِّبُّ من الأضداد. يقال لعلاج المرض وللسِّحر.
قلت: وإنما قيل ذلك؛ لأنَّ أصل الطِّبَّ الحِذق بالشيء، والتفطن له، ولما كان علاج المريض والسِّحر؛ إنما يكونان عن فطنة وحِذق: قيل على كل واحد منهما: طبٌّ، ولمعاينهما: طبيب، وفي الطب ثلاث لغات: كسر الطاء، وفتحها، وضمها.
стр. 3226
قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعصَمِ، قَالَ: فِي أَيِّ شَيءٍ؟ قَالَ: فِي مُشطٍ وَمُشَاطَةٍ، قَالَ وَجُفِّ طَلعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَينَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئرِ ذِي أَروَانَ. قَالَت: فَأَتَاهَا
ــ
و(المُشط) بضم الميم: واحد الأمشاط التي يمشط بها. والمشط أيضًا: نبت صغير يقال له: مشط الذيب. والمشط - أيضًا -: سلاميات ظهر القدم. ومشط الكتف: العظم العريض.
قلت: ويحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي ﷺ واحدًا من هؤلاء الأربعة.
و(المُشاطة) بالطاء: هو ما يسقط من الشعر عند المَشطِ. ووقع في البخاري: مشاقة - بالقاف - وهي الواحدة من مشاق الكتان (١). وقيل: هي المشاطة من الشعر. و (جف طلعة ذكر) روايتنا فيه بالفاء، وهي المشهورة. وقال أبو عمر: قد روي بالباء بواحدة تحتها. فبالفاء: هي وعاء الطلع، وهو الغشاء الذي يكون عليه. وبالباء؛ قال شمر: أراد بالجب داخل الطلعة إذا أخرج عنها الكُفُرَّى (٢)، كما يقال لداخل الرُّكية (٣)، من أسفلها إلى أعلاها: جبٌّ. وقيل فيه: إنه من القطع؛ يعني به: ما قطع من قشورها.
و(قوله: في بئر ذي أروان) كذا هو في الأصل، وخارج الحاشية: في بئر ذروان. ووقع في البخاري في كتاب الدَّعوات (٤): في ذروان بئر في بني زريق. وقال القتبي: الصواب: ذي أروان، كما في الأصل.
стр. 3227
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِن أَصحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، وَاللَّهِ، لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. قَالَت: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَحرَقتَهُ؟ قَالَ: لَا، أَمَّا أَنَا فَقَد عَافَانِي اللَّهُ، وَكَرِهتُ أَن أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرتُ بِهَا فَدُفِنَت.
رواه أحمد (٦/ ٦٣)، والبخاري (٣١٧٥ و ٥٧٦٦)، ومسلم (٢١٨٩)(٤٣).
* * *
ــ
و(قوله: والله لكأن ماءها نقاعة الحناء، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين) فيه دليل: على جواز اليمين وإن لم يستحلف. ونقاعة الحنَّاء: الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نقعت فيه. وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني: أنَّها مستكرهة، مستقبحة المنظر، والمخبر. وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا شبهوه بأنياب أغوال، أو رؤوس الشياطين. وقد تقدَّم نحو هذا. ويعني - والله أعلم -: أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب لا تعمر لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذَّبةٌ (١)، مهملة، وتغيُّر ماء البئر: إما لطول إقامته، وإما لما خالطه مما أُلقي فيه.
وقولها: (أفلا أحرقته) كذا صحَّت الرواية. وتعني به: السِّحر. ووقع في بعض النُّسخ: (أخرجته) كذا بدل (أحرقته) وهي أصوب؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله: (لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا) أي: بإخراج السِّحر من البئر، فلعلَّه يعمل به، أو يضر أحدًا.
و(قوله: فأمرت بها فدفنت) أي: بالبئر؛ يعني: أنها ردمت على السحر الذي فيها؛ لما يخاف من ضرر السِّحر، ومن ضرر ماء ذلك البئر. هذا معنى ما ذكره بعض الشارحين لهذا الحديث. ووقع في رواية في الأم: قالت عائشة
стр. 3228
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵂: قلت: يا رسول الله! فأخرجته؟ تستفهمه: هل كان منه إخراج له؟ والرواية المتقدِّمة على العرض، وهما متقاربتان في المعنى. وفي كل الروايات فجواب النبي ﷺ لها (١) واحدٌ، وهو: أنه لم يفعل ذلك، ولا وجد منه.
قلت: ويظهر لي: أن رواية: (أفلا أحرقته؟ ) أولى من غيرها؛ لأنَّه يمكن أن تكون استفهمته عن إحراق لبيد بن الأعصم؛ الذي صنع السِّحر فأجابها بالامتناع من ذلك؛ لئلا يقع بين الناس شرٌّ بسبب ذلك، فحينئذ يكون فيه حجَّة لمالك على قتل السَّاحر إذا عمل بسحره. وإنَّما امتنع النبي ﷺ من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شرٌّ بين المسلمين واليهود؛ لما كان بينهم من العهد والذمَّة. فلو قتله: لثارت فتنة، ولتحدَّث الناس: أن محمَّدًا يقتل من عاهده وأمَّنه. وهذا نحو مِمَّا راعاه في الامتناع من قتل المنافقين، حيث قال: (لئلا يتحدَّث الناس: أن محمَّدًا يقتل أصحابه) (٢) فيكون ذلك منفرًا عن الدُّخول في دينه، وفي عهده. والله تعالى أعلم.
وقد تقدَّم: أن السَّاحر عند مالك كالزنديق؛ لأنَّ العمل عنده بالسِّحر كفر مُستَسرٌّ به، فلا تُقبل توبة السَّاحر، كما لا تقبل توبة الزنديق؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته. وقال الشافعي: إن عمل السَّحر، وقتل به؛ فإن قال: تعمدت القتل؛ قتل. وإن قال: لم أتعمده لم يقتل، وكانت فيه الدِّية. وإنما صار مالك: إلى أن السحر كفرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِن أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحنُ فِتنَةٌ فَلا تَكفُر﴾ أي: بالسحر. ويتأيَّد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثرٌ بذاته وحقيقته، وذلك كفر.
стр. 3229
(٣) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها
[٢١٣٠] عَن أَنَسٍ: أَنَّ امرَأَةً يَهُودِيَّةً، أَتَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَهَا عَن ذَلِكَ؟
ــ
وبقول مالك قال أحمد، وجماعة من الصحابة والتابعين، والشافعي في قولٍ له آخر. وروي عنه أيضًا: أنه يسأل عن سحره، فإنَّ كان كفرًا؛ استتيب منه. وقال مالك في المرأة تعقد زوجها: أنَّها تُنكَّل ولا تقتل. وقال ابن المسيب في رجل طُبَّ، أو أخذ عن امرأته أيُحِلُّ ويُنشَر؟ قال: لا بأس به. وقال: أما ما ينفع فلم ينه عنه. وأجاز أيضًا أن يسأل من الساحر حل السِّحر. وإليه مال المزني، وكرهه الحسن البصري.
(٣) ومن باب ما جاء أن السُّموم لا تؤثر بذاتها
قوله: (إن يهوديَّة أتت رسول الله ﷺ بشاةٍ مسمومة) ظاهره: أنها أتته بها على وجه الهدية، فإنَّه كان يقبل الهديَّة، ويُثيب عليها. ويحتمل أن تكون ضيافة، وأبعد ذلك أن تكون بيعًا. وفي غير كتاب مسلم: أنه ﷺ أخذ من الشاة الذراع، فأكل منها هو وبشر بن البراء، وأنه قال عند ذلك: (إن هذه الذراع تخبرني: أنها مسمومةٌ) فأحضرت اليهوديَّة، فسُئلت عن ذلك، فاعترفت، وقالت: إنما فعلت ذلك؛ لأنَّك إن كنت نبيًّا لم يضرك، وإن كنت كاذبًا أَرَحتَ منك (١). وفي كتاب مسلم قالت: أردت لأقتلك. فأجابها النبي ﷺ بأن قال: (ما كان الله ليسلطك على ذلك) فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله ﷺ طول حياته غير ما أثَّر بلهواته وغير ما كان يعاوده منه في أوقات، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك
стр. 3230
فَقَالَت: أَرَدتُ لِأَقتُلَكَ، قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلكِ قَالَ - أَو قَالَ: عَلَيَّ قَالَ -: قَالُوا: أَلَا تَقتُلُهَا؟ قَالَ: لَا.
ــ
السُّم في النبي ﷺ فتوفي بسببه، كما قال ﷺ في مرضه الذي توفي فيه: (لم تزل أكلة خيبر تعاودني (١)، فالآن أوان قطعت أبهري) (٢) فجمع الله لنبيِّه ﷺ بين النبوَّة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة. وأمَّا بشر بن البراء: فروي: أنه مات من حينه. وقيل: بل لزمه وجعه ذلك، ثم توفي منه بعد سنة.
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة؛ أهمها: ما أظهر الله تعالى من كرامات النبي ﷺ حيث كلمه الجماد، ولم يؤثر فيه السُّم، وعلم ما غيب عنه من السُّم. وفيه ما نبه عليه في الترجمة: من أن السُّموم لا تؤثر بذواتها، بل بإذن الله تعالى ومشيئته. ألا ترى: أن السُّم أثر في بشر ولم يؤثر في النبي ﷺ ، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال؟ ! .
و(قوله: ألا تقتلها! قال: لا) هذه رواية أنس: أنَّه لم يقتلها. وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب. وقد روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن: أنَّه قتلها. وفي رواية ابن عباس: أنَّه ﷺ دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها. ويصح الجمع، بأن يقال: إنه لم يقتلها أولًا بما فعلت من تقديم السُّم إليهم، بل حتى مات بشر، فدفعها إليهم فقتلوها.
ففيه من الفقه: أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص. وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه فيقتل بمثل ذلك. وقال الكوفيون: لا قصاص في ذلك، وفيه الدِّية على عاقلته. قالوا: ولو دسَّه له في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته. وقال الشافعي: إذا فعل ذلك به وهو مكره ففيه قولان:
стр. 3231
قَالَ: فَمَا زِلتُ أَعرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاريُّ (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠)، وأبو داود (٤٥٠٨).
* * *
(٤) باب ما كان يرقي به رسول الله ﷺ المرضى، وكيفية ذلك
[٢١٣١] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اشتَكَى مِنَّا إِنسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذهِب البَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشفِ أَنتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا. فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَثَقُلَ
ــ
أحدهما: عليه القود، وهو أشبهها.
والثاني: لا قود عليه. وإن وضعه له، فأخبره، فأخذه الرَّجل، فأكله، فلا عقل، ولا قود، ولا كفارة.
و(قوله: فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله ﷺ ) أي: أعرف أثرها، فإمَّا بتغيّر لون اللَّهوات، وإمَّا بنتوءٍ، أو تحفير فيها. واللهوات: جمع لهاة، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك. قاله الأصمعي. وقيل: ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه.
(٤) ومن باب: ما كان يرقي به النبي ﷺ المريض
قوله أذهب الباس ربَّ الناس! ، البأس: الضرر. وفيه دليلٌ على جواز السَّجع في الدعاء والرقى إذا لم يكن مقصودًا ولا متكلَّفًا.
وقوله شفاء لا يغادر سقمًا، شفاء منصوبٌ على المصدر، وصدره: واشف. والشافي: اسم فاعل من ذلك، والألف واللام فيه بمعنى الذي، وليس
стр. 3232
أَخَذتُ بِيَدِهِ لِأَصنَعَ نَحوَ مَا كَانَ يَصنَعُ، فَانتَزَعَ يَدَهُ مِن يَدِي، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي، وَاجعَلنِي مَعَ الرَّفِيقِ الأَعلَى. قَالَت: فَذَهَبتُ أَنظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَد قَضَى!
وفي رواية: كَانَ إِذَا دعا مَرِيضًا يَقُولُ: أَذهِب البَاسَ - وذكره.
وفي أخرى قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِن أَهلِهِ نَفَثَ عَلَيهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلتُ أَنفُثُ عَلَيهِ وَأَمسَحُهُ بِيَدِ نَفسِهِ، لِأَنَّهَا كَانَت أَعظَمَ بَرَكَةً مِن يَدِي.
وفي أخرى: كَانَ إِذَا اشتَكَى يَقرَأُ عَلَى نَفسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، وَيَنفُثُ - وفي رواية: ومسح عنه بيده - فَلَمَّا اشتَدَّ وَجَعُهُ كُنتُ أَقرَأُ عَلَيهِ وَأَمسَحُ عَنهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.
رواه أحمد (٦/ ٤٤)، والبخاريُّ (٥٧٤٣)، ومسلم (٢١٩١ و ٢١٩٢).
ــ
باسم علم لله تعالى إذ لم يكثر ذلك ولم يتكرر على ما قدَّمناه.
ولا يغادر أي: لا يترك. والسَّقم: المرض. ومسحه ﷺ بيمينه عند الرَّقي دليل على جواز ذلك، وحكمته التبرُّك باليمين وأن ذلك غاية تمكُّن (١) الرَّاقي، فكأنَّه مد يده لأخذ المرض وإزالته.
ومن حكمته: إظهار عجز الرَّاقي عن الشفاء، وصحة تفويضه ذلك إلى الله تعالى، ولذلك قال عند ذلك: لا شفاء إلا شفاؤك.
والرفيق الأعلى يعني به - والله أعلم - الملأ الكريم من الملائكة والنبيين، وقيل: يعني به الله تعالى - وفيه بُعدٌ من جهة اللسان (٢)، وسيأتي له مزيد بيان (٣).
والنفث:
стр. 3233
[٢١٣٢] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشتَكَى الإِنسَانُ الشَّيءَ مِنهُ أَو كَانَت بِهِ قَرحَةٌ أَو جُرحٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِصبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالأَرضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: بِاسمِ اللَّهِ، تُربَةُ أَرضِنَا، بِرِيقَةِ بَعضِنَا، يُشفَى بِهِ سَقِيمُنَا بِإِذنِ رَبِّنَا.
وفي رواية: لِيُشفَى.
وفي أخرى: لِيُشفَى سَقِيمُنَا.
رواه أحمد (٦/ ٩٣)، والبخاريُّ (٥٧٤٥)، ومسلم (٢١٩٤)، وأبو داود (٣٨٩٥)، وابن ماجه (٣٥٢١).
* * *
ــ
نفخ يسير مع ريق يسير، وهو أقل من التَّفل.
والمعوِّذات يعني بها: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحضُرُونِ﴾
وقوله كان إذا اشتكى الإنسان مِنَّا أو كانت به قرحة أو جرح يدل على جواز الرُّقي من كل الأمراض والجراح والقروح، وأن ذلك كان أمرًا فاشيًا بينهم معمولًا به عندهم.
ووضع النبي ﷺ سبابته بالأرض ورقاه بها يدل على استحباب ذلك عند الرُّقي، وزعم بعض علمائنا أن ذلك معلل بأن تراب الأرض لبرودته ويبسه يقوي الموضع الذي به الألم ويمنع انصباب المواد إليه بيبسه وتجفيفه مع منفعته في تجفيف الجراح وإدمالها. وقال في الرِّيق: إنه يختصُّ بالتحليل والإنضاج والإدمال وإبراء الجراحات والأورام والثآليل، لا سيَّما من الصائم والجائع (١).
стр. 3234
(٥) باب مماذا يرقى ؟
[٢١٣٣] عن عَائِشَةَ قَالَت: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقيَةِ مِن كُلِّ ذِي حُمَةٍ.
رواه البخاريُّ (٥٧٤١)، ومسلم (٢١٩٣)(٥٢).
ــ
قلت: وهذا إنَّما يكون عند المعالجة والشروع فيها على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والرِّيق وملازمة ذلك في أوقاته.
وأمَّا ووضع السَّبابة على الأرض فلا يتعلَّق منها بالمرقِي شيء له بالٌ ولا أثر، وإنَّما هذا من باب التَّبرُّك بأسماء الله تعالى وبآثار رسوله ﷺ ، وأما الرِّيق ووضع الإصبع وما أشبه ذلك فإمَّا أن يكون ذلك لخاصية فيه وإمَّا أن يكون ذلك لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة، والله تعالى أعلم (١).
(٥) ومن باب مِمَّاذا يرقى
قول عائشة ﵂ رخص رسول الله ﷺ في الرُّقية من الحمة، وقول أنس رخص رسول الله ﷺ في الرُّقية من العين والحمة والنملة - دليلٌ على أن الأصل في الرّقي كان ممنوعًا كما قد صرَّح به، حيث قال: نهى رسول الله ﷺ عن الرُّقى (٢). وإنَّما نهى عنه مطلقًا لأنَّهم كانوا يرقون في الجاهلية
стр. 3235
[٢١٣٤] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأمُرُنِي أَن أَستَرقِيَ مِن العَينِ.
رواه أحمد (٦/ ٩٣)، والبخاري (٥٧٣٨)، ومسلم (٢١٩٥)(٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٢).
[٢١٣٥] وعَن أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الرُّقيَةِ مِن العَينِ وَالحُمَةِ وَالنَّملَةِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٨)، ومسلم (٢١٩٦)(٩٧)، والترمذيُّ (٢٠٥٦)، وابن ماجه (٣٥١٦).
ــ
بِرُقًى هو شركٌ وبما لا يفهم، وكانوا يعتقدون أن ذلك الرُّقى يؤثر، ثم إنهم لما أسلموا وزال ذلك عنهم نهاهم النبي ﷺ عن ذلك عمومًا ليكون أبلغ في المنع وأسدّ للذريعة، ثم إنهم لما سألوه وأخبروه أنهم ينتفعون بذلك رخص لهم في بعض ذلك وقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك (١)، فجازت الرُّقية من كل الآفات من الأمراض والجراح والقروح والحمة والعين وغير ذلك إذا كان الرُّقى بما يفهم ولم يكن فيه شرك ولا شيء ممنوع، وأفضل ذلك وأنفعه ما كان بأسماء الله تعالى وكلامه وكلام رسوله ﷺ .
وقوله من كل ذي حمة؛ أي: من لَسع كل دابَّة ذات سُمٍّ. والحمة: السُّم - والمشهور فيه ضم الحاء، قال بعضهم: وقد تفتح. وهي مخففة الميم على كل حال.
والنملة قال ابن قتيبة: هي قروح تكون في الجنب وغير الجنب، تزعم
стр. 3236
[٢١٣٦] وعَن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجَارِيَةٍ فِي بَيتِ أُمِّ سَلَمَةَ رَأَى بِوَجهِهَا سَفعَةً، فَقَالَ: بِهَا نَظرَةٌ، فَاستَرقُوا لَهَا - يَعنِي: بِوَجهِهَا صُفرَةً.
رواه مسلم (٢١٩٧)(٥٩).
ــ
المجوس أن ولد الرَّجل إذا كان من أخته فخطَّ على النملة شفي صاحبها، وأنشد:
ولا عَيبَ فِينَا غير عِرقٍ (١) لِمًعشَرٍ ... كِرَامٍ وأنَّا لا نَخُطُّ على النَّمل
أي: لسنا بمجوس ننكح الأخوات. قال غيره: تكون في الجنب وغير الجنب (٢) - والمشهور فيها فتح النون، وحكى الهروي فيها الضم، فأمَّا النَّملة بكسر النون: فهي المشية المتقاربة - حكاها الفرَّاء.
والسَّفعة تُروى بفتح السين وضمها، والفتح أكثر. وقد فسَّرها الراوي بقوله: يعني بوجهها صفرة. وفيه تسامح، فإنَّ السفعة هي فيما قاله الأصمعي: حمرة يعلوها سواد. وقال الحربي: هي سوادٌ في الوجه.
والنَّظرة العين - قاله الهروي، وقال أبو عبيد: يقال رجل به نظرة؛ أي: عين (٣).
قلت: وجميع أحاديث الرُّقية الواقعة في كتاب مسلم إنَّما تدلُّ على جواز الرُّقي بعد وقوع الأسباب الموجبة للرُّقية من الأمراض والآفات، وأما قبل وقوع ذلك ففي البخاري عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نفث
стр. 3237
[٢١٣٧] وعن جابر بن عبد الله قال: رَخَّصَ رسول الله ﷺ لِآلِ حَزمٍ فِي رُقيَةِ الحَيَّةِ، وَقَالَ لِأَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ: مَا لِي أَرَى أَجسَامَ بَنِي أَخِي ضَارِعَةً تُصِيبُهُم الحَاجَةُ؟ قَالَت: لَا، وَلَكِن العَينُ تُسرِعُ إِلَيهِم! قَالَ: ارقِيهِم. قَالَت: فَعَرَضتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: ارقِيهِم.
رواه مسلم (٢١٩٨)(٦٠).
* * *
ــ
في كفه بـ ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين، ثمَّ يمسح بهما وجهه وما بلغت يده من جسده (١)، فكان هذا دليلًا على جواز استرقاء ما يتوقع من الطوارق والهوام وغير ذلك من الشرور، وقد تقدم في الإيمان الخلاف فيه.
وقوله ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أي: ضعيفة نحيلة، وأصل الضراعة الخضوع والتذلل، ويعني بهم بني جعفر بن أبي طالب ﵃.
* * *
стр. 3238
(٦) باب لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم
[٢١٣٨] عَن جَابِرٍ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن الرُّقَى، فَجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإِنَّكَ نَهَيتَ عَن الرُّقَى! قال: فعرضوها عليه، فقال: لا أرى به بأسا، مَن استَطَاعَ مِنكُم أَن يَنفَعَ أَخَاهُ فَليَفعَل.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٢)، ومسلم (٢١٩٩) (٦٢ و ٦٣).
[٢١٣٩] وعَن عَوفِ بنِ مَالِكٍ الأَشجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرقِي فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُم، لَا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَم يَكُن فِيهِ شِركٌ.
رواه مسلم (٢٢٠٠)، وأبو داود (٣٨٨٦).
* * *
ــ
(٦) ومن باب: لا يرقى برقى الجاهلية ولا بما لا يفهم (١)
قوله ﷺ لما عرضوا عليه الرُّقى والتطبب (٢) لا أرى به بأسًا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل دليل على جواز الرُّقى والتطبُّب بما لا ضرر فيه ولا منع شرعيًّا مطلقًا وإن كان بغير أسماء الله تعالى وكلامه، لكن إذا كان مفهومًا.
وفيه الحضُّ على السعي في إزالة الأمراض والأضرار عن المسلمين بكل ممكن جائز.
стр. 3239
(٧) باب أم القرآن رقية من كل شيء
[٢١٤٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا فِي سَفَرٍ، فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ، فَاستَضَافُوهُم فَلَم يُضِيفُوهُم، فَقَالُوا لَهُم: هَل فِيكُم رَاقٍ؟ فَإِنَّ سَيِّدَ الحَيِّ لَدِيغٌ - أَو مُصَابٌ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنهُم: نَعَم. فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ، فَأُعطِيَ قَطِيعًا مِن غَنَمٍ فَأَبَى أَن يَقبَلَهَا، وقَالَ: حَتَّى أَذكُرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ! فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَقَيتُ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ! فَتَبَسَّمَ وَقَال: وَمَا أَدرَاكَ أَنَّهَا رُقيَةٌ؟
ــ
(٧) ومن باب: أمِّ القرآن رقيةٌ من كل شيء
الحي القبيل، واستضافوهم سألوهم الضيافة، واللَّديغ الذي لدغته الحيَّة أو العقرب، وقد يُسمَّى بالسليم تفاؤلًا كما قد جاء في الرواية الأخرى (١). والقطيع من الغنم هو الجزء المقتطع منها، فعيل بمعنى مفعول.
وقوله وما أدراك أنها رقية؟ ! ؛ أي: أي شيء أعلمك أنَّها رقية؟ ! تعجبًا من وقوعه على الرُّقى بها، ولذلك تبسَّم النبي ﷺ عند قوله وما أدراك أنها رقية؟ ! ، وكأن هذا الرجل علم أن هذه السورة قد خصَّت بأمور؛ منها: أنها فاتحة الكتاب ومبدؤه، وأنها متضمنة لجميع علوم القرآن من حيث إنها تشتمل على الثناء على الله بأوصاف كماله وجلاله وعلى الأمر بالعبادات والإخلاص فيها والاعتراف بالعجز عن القيام بشيء منها إلا بإعانته تعالى، وعلى الابتهال إلى الله تعالى في الهداية إلى الصراط المستقيم وكفاية أحوال الناكثين،
стр. 3240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعلى بيان عاقبة الجاحدين.
وقد روى الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا (١)، وفيه فقال: وما يدريك أنها رقية؟ ! فقلت: يا رسول الله، شيء ألقي في روعي. قال: فكلوا وأطعمونا من الغنم (٢)، وقيل: إن موضع الرُّقية منها إنما هو: ﴿إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ﴾ ويظهر لي أن السُّورة كلها موضع الرُّقية لما ذكرناه، ولقوله ﷺ : وما أدراك أنَّها رقية؟ ، ولم يقل: إن فيها رقية.
وقوله اقسموا (٣)، واضربوا لي بسهم معكم، هذه القسمة (٤) إنَّما هي قسمة برضا الرَّاقي؛ لأنَّ الغنم ملكه، إذ هو الذي فعل العوض الذي به استحقها، لكن طابت نفسه بالتشريك فأحاله النبي ﷺ على ما يقع به رضا المشتركين عند القسمة وهي القرعة، فكان فيه دليل على صحة العمل بالقرعة في الأموال المشتركة، وقد تقدَّم ذكر الخلاف فيها في النكاح.
وقوله في الأم (٥) ما كنا نأبُنُه برقية؛ أي نتهمه بها، يقال: أَبَنتُ الرَّجل، آبُنُهُ، وآبِنُهُ - إذا رميته بخلَّة سوء. ومنه: رجل مأبون؛ أي: معيبٌ. والأبنَة: العيب. ومنه: عودٌ مأبون - إذا كان فيه أُبنَة تعيبه؛ أي: عقدة - قاله القتبي وغيره.
وقد روي هذا الحرف ما كنَّا نظنه بدل نأبنه؛ أي: نتهمه.
وقد ذكر أبو داود (٦) حديث أبي سعيد هذا على مساق فيه زوائد، فلنذكره على سياقه، فقال:
стр. 3241
ثُمَّ قَالَ: خُذُوا مِنهُم، وَاضرِبُوا لِي بِسَهمٍ مَعَكُم.
ــ
عن أبي سعيد ﵁ أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ انطلقوا في سفرة سافروها، فنزلوا بحي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم. قال: فلُدِغ سيِّدُ ذلك الحي، فَشَفَوا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرَّهط الذين نزلوا بكم لعل يكون عند بعضهم شيء ينفع صاحبكم! فقال بعضهم: إن سيِّدنا لُدغ، فشفينا له بكل شيء لا ينفعه شيء، فهل عند أحد منكم شيء يشفي صاحبنا رُقية؟ فقال رجل من القوم: إني لأرقي، ولكن استضفناكم فأبيتم أن تضيفونا! ما أنا براقٍ حتَّى تجعلوا لنا جعلًا! فجعلوا له قطيعًا من الشاء، فأتاه فقرأ عليه أمَّ الكتاب، ويَتفِل حتَّى برأ كأنما أُنشط من عقال. قال: فأوفاهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال: اقتسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ﷺ ونستأمره! فغدوا على رسول الله ﷺ فذكروا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : من أين علمتم أنها رقية؟ ! أحسنتم، فاضربوا لي معكم بسهم.
وذُكِرَ عن الشعبي عن خارجة بن الصلت عن عمِّه أنه مرَّ بقومٍ، فأتوه فقال: إنك جئت من عند (١) هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرَّجل! فأتوه برجل معتوهٌ في القيود فرقاه بأمِّ القرآن ثلاثة أيام غدوة وعشيَّة، كلَّما ختمها جمع بزاقه ثم تفل، فكأنَّما أنشط من عقال، فأعطوه شيئًا، فأتى النبي ﷺ فذكر له، فقال رسول الله ﷺ : كُل، فلعمري لمن أكل برقية باطل لقد أكلت برقية حق (٢)، ولا يخفى ما في هذا المساق من الفقه والزوائد، فتأمله!
وإيقاف الصحابي قبول الغنم على سؤال النبي ﷺ عمل بما يجب من التوقف عند الإشكال إلى البيان، وهو أمرٌ لا يختلف فيه.
وقوله ﷺ خذوا منهم، واضربوا لي معكم بسهم بيان للحكم بالقول
стр. 3242
وفي رواية: فَجَعَلَ يَقرَأُ أُمَّ القُرآنِ وَيَجمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتفِلُ، فَبَرَأَ الرَّجُلُ.
رواه أحمد (٣/ ١٠)، والبخاريُّ (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١)(٦٥)، وأبو داود (٣٤١٨)، والترمذي (٢٠٦٤)، والنسائي (١٠٢٨) في عمل اليوم والليلة، وابن ماجه (٢٥٦٠).
* * *
ــ
وتمكين له بالعمل؛ إذ لم تكن له حاجة لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض الذي لا شبهة فيه، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى والطب، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وجماعة من السَّلف والخلف.
وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن فأجازها الجمهور من السلف والخلف متمسكين بهذا الحديث، وما زاد فيه البخاري من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله (١)، وهذا يلحق بالنُّصوص، وقد حرم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وكذلك أصحابه - تمسُّكًا بأمرين:
أحدهما: أن تعلم القرآن وتعليمه واجبٌ من الواجبات التي تحتاج إلى نيَّة التقرُّب والإخلاص، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام.
وثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن، وأهدى إلي رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله، فلآتينَّ رسول الله ﷺ فلأسألنَّه! فأتيته فسألته، فقال: إن كنت تحب أن تطوَّق قوسًا من نار فاقبلها (٢).
стр. 3243
(٨) باب الرقية بأسماء الله والتعويذ
[٢١٤١] عَن عُثمَانَ بنِ أَبِي العَاصِ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنذُ أَسلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ضَع يَدَكَ عَلَى الَّذِي يألمَ مِن جَسَدِكَ وَقُل: بِاسمِ اللَّهِ - ثَلَاثًا، وَقُل سَبعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدرَتِهِ مِن شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ.
رواه مسلم (٢٢٠٢)، وأبو داود (٣٨٩١)، وابن ماجه (٣٥٢٢).
ــ
وللجمهور أن يقولوا: لا نسلِّم صحة ذلك القياس؛ لأنَّه فاسد الوضع، لأنَّه في مقابلة قوله ﷺ : إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله، وهو عمومٌ قوي وظاهرٌ جلي.
والجواب عن القياس بعد تسليمه (١): إنه لا يصح للفرق بين الفرع والأصل، وهو أن الصلاة والصوم عبادات خاصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم، فتجوز الأجرة على محاولة النقل كتعليم كتابة القرآن.
وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته فالقول بموجبه؛ لأنَّ تعليم عبادة لم يكن بإجارةٍ ولا جُعل، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا لا لغيره، ومن كان كذلك حرم عليه أخذ العوض على ما فعله لله تعالى لأنَّه ربما يفسد عمله ويأكل مالًا بالباطل.
(٨) ومن باب: الرُّقية بأسماء الله
قوله ضع يدك على الذي يألم من جسدك، هذا الأمر على جهة التعليم والإرشاد إلى ما ينفع من وضع يد الرَّاقي على المريض ومسحه به، وأن ذلك لم
стр. 3244
[٢١٤٢] وعنه أنه أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيطَانَ
ــ
يكن مخصوصًا بالنبي ﷺ ، بل ينبغي أن يفعل ذلك كل راقٍ، وقد تأكد أمر ذلك بفعل النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ذلك بأنفسهم وبغيرهم، كما قد ذكر في الأحاديث المتقدِّمة، فلا ينبغي للرَّاقي أن يعدل عنه للمسح بحديد ولا بغيره، فإنَّ ذلك لم يفعله أحدٌ ممن سبق ذكره، ففعلُه تمويهٌ لا أصل له.
ومما ينبغي للرَّاقي أن يفعله النفث والتفل، وقد قلنا أنَّهما نفخ مع ريق، وإن ريق التفل أكثر، وقد قيل: إن ريق النفث أكثر. وقيل: هما متساويان. والأول أصح عند أهل اللغة. وقد كثر ذلك في الأحاديث المتقدِّمة وغيرها فلا يعدل عنه، وكذلك تكرار التسمية ثلاثًا وتكرار العوذ سبعًا كما جاء في هذا الحديث، فينبغي للرَّاقي أن يحافظ عليه إذ قد علَّمه النبي ﷺ وأمر به، فكل ذلك فيه أسرار يدفع الله تعالى بها الأضرار، فأما ما يفعله المعزمون من الآلات والصَّلاصل فذلك كله من باب التمويه والتطرُّق لأكل المال بالباطل.
واختلف العلماء في النُّشرة، وهي أن يكتب شيئًا من أسماء الله أو من القرآن ثم يغسله بالماء ثمَّ يمسح به المريض أو يسقيه إياه؛ فأجازها سعيد بن المسيب، قيل له: الرَّجل يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه وينشر؟ قال: لا بأس به، وما ينفع لم يُنه عنه. وقال المازري: النشرة أمر معروف عند أهل التعزيم، وسميت بذلك لأنها تنشر عن صاحبها - أي: تحل. ومنعها الحسن وقال: هي من السحر. وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن النَّشرة فقال: هي من عمل الشيطان (١)، قال بعض علمائنا: هذا محمول على أنها خارجة عمَّا في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وعن المداواة المعروفة، والنُّشرة من جنس الطب.
стр. 3245
قَد حَالَ بَينِي وَبَينَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَاكَ شَيطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنزَبٌ، فَإِذَا أَحسَستَهُ فَتَعَوَّذ بِاللَّهِ مِنهُ، وَاتفِل عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا. قَالَ: فَفَعَلتُ ذَلِكَ، فَأَذهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي.
رواه مسلم (٢٢٠٣).
* * *
ــ
قلت: ويتأيد هذا بقوله ﷺ : لا بأس بالرُّقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل (١).
قال القاضي عياض ﵀ في النفث: وفائدة ذلك - والله أعلم - التبرُّك ببلل الرُّطوبة أو الهواء والنفس المباشر للرُّقية الحسنة، كما يُتبرَّك بغسالة ما يكتب من أسماء الله الحسنى في النُّشُر. قال: وقد يكون ذلك على وجه التفاؤل من زوال ذلك الألم وانفصاله عن المريض كانفصال ذلك النفث، وقد كان مالك ينفث إذا رقى نفسه، وكان يكره الحديدة والملح الذي يعقد والذي يكتب خاتم سليمان، وكان العقد عنده أشدّ كراهة لما في ذلك من مشابهة السِّحر.
وقوله جاء (٢) يَلبِسها علي هو بكسر الباء؛ لأنَّ ماضيه لبس بفتحها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَلَبَسنَا عَلَيهِم مَا يَلبِسُونَ﴾ وهو الخلط، فأمَّا لبست الثوب فهو على العكس من ذلك.
وقوله ذلك شيطان يقال له خِنزَب هو بالحاء المهملة وبفتحها عند الجياني، وبكسرها عند الصدفي. وفي الصحاح: الخنزاب هو الغليظ القصير، وأنشد:
стр. 3246
(٩) باب لكل داء دواء، والتداوي بالحجامة
[٢١٤٣] عَن جَابِرٍ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ،
ــ
. . . . . . . . . . ... تاحَ لها بَعدك خِنزابٌ وزَى (١)
والوزى: الشديد. فيمكن أن يُسمَّى الشيطان خنزبًا لأنَّه يتراءى غليظًا قصيرًا، وحذفت الألف لما صار علمًا، فكثيرًا ما تغيَّر الأعلام عن أصولها.
(٩) ومن باب: لكل داء دواء، وفي التداوي بالحجامة
قوله لكل داء دواء، الدَّاء بفتح الدَّال لا غير، والدَّواء تفتح داله وتكسر، والفتح أفصح. وهذه الكلمة صادقة العموم لأنها خبر من الصادق البشير عن الخالق القدير: ﴿أَلا يَعلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فالدَّاء والدَّواء خَلقه، والشِّفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حِكمته وحُكمه على ما سبق به علمه، فكل ذلك بقدر لا مَعدِل عنه ولا وزر، وما أحسن قول النبي ﷺ فيما خرَّجه الترمذي عن أبي خزامة بن يعمر قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقًى نسترقيها ودواء نتداوى به؛ هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله (٢). قال: هذا حديث حسن صحيح. وكفى بهذا بيان، لكن للبصراء لا للعميان.
стр. 3247
فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذنِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٣٥)، ومسلم (٢٢٠٤).
[٢١٤٤] وعَن عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ قَالَ: جَاءَنَا جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ فِي أَهلِنَا وَرَجُلٌ يَشتَكِي خُرَاجًا بِهِ أَو جِرَاحًا، فَقَالَ: مَا تَشتَكِي؟ قَالَ: خُرَاجٌ بِي قَد شَقَّ عَلَيَّ! فَقَالَ: يَا غُلَامُ، ائتِنِي بِحَجَّامٍ! فَقَالَ لَهُ: مَا تَصنَعُ بِالحَجَّامِ يَا أَبَا عَبدِ اللَّهِ؟ قَالَ: إني أُرِيدُ أَن أُعَلِّقَ فِيهِ مِحجَمًا. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الذُّبَابَ لَيُصِيبُنِي، أَو يُصِيبُنِي الثَّوبُ فَيُؤذِينِي وَيَشُقُّ عَلَيَّ! فَلَمَّا رَأَى تَبَرُّمَهُ
ــ
وقوله فإذا أصيب دواء الدَّاء برأ بإذن الله، ومعناه أن الله تعالى إذا شاء الشِّفاء يسَّر دواء ذلك الدَّاء ونبَّه عليه مستعمله فيستعمله على وجهه وفي وقته فيشفى ذلك المرض، وإذا أراد إهلاك صاحب المرض أذهل عن دوائه أو حجبه بمانع يمنعه فهلك صاحبه، وكلُّ ذلك بمشيئته وحكمه كما سبق في علمه، ولقد أحسن من الشعراء من قال في شرح الحال:
والنَّاس يلحَون الطَّبيب وإنَّما ... غَلَطُ الطَّبيبِ إصابةُ المَقدُور
وقد خرَّج أبو داود هذا الحديث وحديث أسامة بن شريك، وقال فيه: إنَّه ﷺ قال يا عباد الله، تداووا! فإنَّ الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داءٍ واحد: الهرم (١)، فاستثنى الهرم من جملة الأدواء وإن لم يكن داء بنفسه، لكن تلازمه الأدواء، وهو مُفضٍ بصاحبه إلى الهلاك. وهذا نحو من قوله في الحديث الآخر: كفى بالسَّلامة داء (٢)؛ أي: مصير السلامة إلى الدَّاء، وكما قال حميد بن ثور:
أَرَى بَصَرِي قد رابَني بَعد صِحَّةٍ ... وَحَسبُك داءً أن تصحَّ وتَسلما
стр. 3248
مِن ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِن كَانَ فِي شَيءٍ مِن أَدوِيَتِكُم خَيرٌ فَفِي شَرطَةِ مِحجَمٍ أَو شَربَةٍ مِن عَسَلٍ أَو لَذعَةٍ بِنَارٍ. قَالَ
ــ
وقوله ﷺ إن كان في أدويتكم خيرٌ ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعةٍ بنار؛ يعني بالخير الشِّفاء، والمحجم: هو الوعاء الذي يجمع به موضع الحجامة ويجتمع فيه الدَّم، وهو جمع واحده محجمة، وهي بكسر الميم، وقد يقال على الحديدة التي يشرط بها وهي المعنية هنا.
وجاء هذا الحديث هنا بصيغة الاشتراط من غير تحقيق الأخبار، وقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا الشِّفاء في ثلاث (١) وذكرها، فحقَّق الخبر.
قال بعض علمائنا: أشار النبي ﷺ إلى جميع ضروب المعاناة القياسيِّة، وذلك أن العلل منها ما يكون مفهوم السبب ومنها ما لا يكون كذلك، فالأول كغلبة أحد الأخلاط التي هي الدم والبلغم والصفراء والسَّوداء، فمعالجة ذلك باستفراغ ذلك الامتلاء بما يليق به من تلك الأمور المذكورات في الحديث، فمنها ما يستفرغ بإخراج الدَّم بالشَّرط وفي معناه الفصد والبطُّ والعلق، ومنها ما يستفرغ بالعسل وما في معناه من الأدوية المسهِّلة، ومنها ما يستفرغ بالكي فإنه يجفف رطوبات موضع المرض وهو آخر الطبِّ.
وأما ما كان من العلل عن ضعف قوة من القوى فعلاجه بما يقوي تلك القوة من الأشربة، ومن أنفعها في ذلك العسل إذا استعمل على وجهه، وأما ما كان من العلل غير مفهوم السبب فكالسِّحر والعين ونظرة الجن فعلاجه بالرُّقى والكلام الحسن وأنواع من الخواص مغيبة السِّرِّ، ولهذا القسم أشار رسول الله ﷺ فيما روي عنه أنه زاد في هذا الحديث أو آية من كتاب الله زيادة على ما ذكر فيما تقدَّم منه.
стр. 3249
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا أُحِبُّ أَن أَكتَوِيَ! قَالَ: فَجَاءَ بِحَجَّامٍ فَشَرَطَهُ، فَذَهَبَ عَنهُ مَا يَجِدُ.
وفي رواية قَالَ: لَا أَبرَحُ حَتَّى تَحتَجِمَ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِيهِ شِفَاءً.
رواه أحمد (٣/ ٣٣٥)، والبخاريُّ (٥٦٩٧)، ومسلم (٢٢٠٥) (٧٠ و ٧١).
ــ
قلت: هذا معنى ما قاله علماؤنا، ويمكن أن يقال: إن هذه المذكورات في هذا الحديث إنما خصَّت بالذكر لأنَّها كانت أغلب أدويتهم وأنفع لهم من غيرها بحكم اعتيادهم لها ومناسبتها لغالب أمراضهم، ولا يلزم أن تكون كذلك في حق غيرهم ممن يخالفهم في بلادهم وعاداتهم وأهويتهم، ومن المعلوم بالمشاهدة اختلاف العلاجات والأدوية بحسب اختلاف البلاد والعادات وإن اتحدت أسباب الأمراض، والله تعالى أعلم.
وقوله وما أحبُّ أن أكتوي، وفي لفظ البخاري وأنا أنهى أمتي عن الكي - إنما كان ذلك لشدَّة ألم الكي فإنَّه يُربي على ألم المرض، ولذلك لا يرجع إليه إلا عند العجز عن الشفاء بغيره من الأدوية. وأيضًا: فلأنَّه يشبه التعذيب بعذاب الله الذي نُهي عنه، وقد تقدَّم القول في هذا في الإيمان.
واستئذان أم سلمة النبي ﷺ في الحجامة دليل على أن المرأة لا ينبغي لها أن تفعل في نفسها شيئًا من التداوي أو ما يشبهه إلا بإذن زوجها لإمكان أن يكون ذلك الشيء مانعًا له من حقه أو منقصًا لغرضه منها، وإن كانت لا تشرع في شيء من التطوَّعات التي يتقرَّب بها إلى الله تعالى إلا بإذنٍ منه كان أحرى وأولى ألا تتعرَّض لغير القرب إلا بإذنه، اللهم إلا أن تدعو لذلك ضرورة من خوف موت أو مرض شديد فهذا لا يحتاج فيه إلى إذن؛ لأنَّه قد التحق بقسم الواجبات
стр. 3250
[٢١٤٥] وعَن جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ استَأذَنَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الحِجَامَةِ، فَأَمَرَ رسول الله ﷺ أَبَا طَيبَةَ أَن يَحجُمَهَا. قَالَ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَخَاهَا مِن الرَّضَاعَةِ، أَو غُلَامًا لَم يَحتَلِم.
رواه أحمد (٣/ ٣٥٠)، ومسلم (٢٢٠٦)، وأبو داود (٤١٠٥)، وابن ماجه (٣٤٠٨).
* * *
ــ
المتعينة.
وأيضًا: فإنَّ الحجامة وما يتنزل منزلتها مما يحتاج فيها إلى محاولة الغير، فلا بدَّ فيها من استئذان الزوج لنظره فيمن يصلح وفيما يحلُّ من ذلك، ألا ترى أن النبي ﷺ أمر أبا طيبة أن يحجمها لما علم أن بينهما من السبب المبيح، كما قال الرَّاوي: حسبت أنه كان أخاها من الرَّضاعة، أو غلامًا لم يحتلم. ولا شكَّ في أن مراعاة هذا هي الواجبة متى وجد ذلك، فإنَّ لم يوجد من يكون كذلك ودعت الضرورة إلى معالجة الكبير الأجنبي جاز دفعًا لأعظم الضررين وترجيحًا لأخف الممنوعين.
وفيه من الفقه ما يدلّ على أن ذا المحرم يجوز أن يطَّلع من ذات محرمه على بعض ما يحرم على الأجنبي، وكذلك الصبي، فإن الحجامة غالبًا إنما تكون من بدن المرأة فيما لا يجوز لأجنبي الاطلاع عليه كالقفا والرَّأس والساقين.
* * *
стр. 3251
(١٠) باب التداوي بقطع العرق والكي والسعوط
[٢١٤٦] عَن جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بنِ كَعبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنهُ عِرقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيهِ.
وفي رواية قَالَ: رُمِيَ أُبَيٌّ يَومَ الأَحزَابِ عَلَى أَكحَلِهِ. قال: فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
رواه مسلم (٢٢٠٧) (٧٣ و ٧٤)، وأبو داود (٣٨٦٤).
ــ
(١٠) ومن باب: التداوي بقطع العروق والكي والسعوط
قول جابر رُمي أُبِي يوم الأحزاب على أكحله، صحيح رواية هذه اللفظة بضم الهمزة وفتح الباء وياء التصغير، ورواها العذري والسَّمرقندي أَبِي بفتح الهمزة وكسر الباء على إضافته لياء المتكلم، والأول هو الصحيح بدليل الرواية التي نصَّ فيها على أنه أُبِي بن كعب، ولأن أبا جابر لم يدرك يوم الأحزاب وإنَّما استشهد يوم أحد.
والأكحل عرق معروف، قال الخليل: هو عرق الحياة، يقال: في كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم. وقيل: إنه يقال له في اليد أكحل، وفي الفخذ النسا، وفي الظهر الأبهر.
وكونه ﷺ بعث إلى أُبِي طبيبًا فكواه دليلٌ على أن الواجب في عمل العلاج ألا يباشره إلا من كان معروفًا به خبيرًا بمباشرته، ولذلك أحال النبي ﷺ على الحارث بن كلدة ووصف له النبي ﷺ الدَّواء وكيفية العمل على ما يأتي.
وكي النبي ﷺ لأُبي وسعد دليلٌ على جواز الكي والعمل به إذا ظن الإنسان منفعته ودعت الحاجة إليه، فيحمل نهيه ﷺ عن الكي على ما إذا أمكن
стр. 3252
[٢١٤٧] وعنه قَالَ: رُمِيَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ فِي أَكحَلِهِ. قَالَ: فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ بِمِشقَصٍ، ثُمَّ وَرِمَت فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ.
رواه مسلم (٢٢٠٨)(٧٥).
[٢١٤٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احتَجَمَ وَأَعطَى الحَجَّامَ أَجرَهُ وَاستَعَطَ.
رواه البخاريُّ (٢٢٧٨)، ومسلم (١٢٠٢)(٧٦)، وأبو داود (٣٤٢٣).
* * *
ــ
أن يُستغنى عنه بغيره من الأدوية، فمن فعله في محله وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهًا في حقه ولا مُنقصًا له من فضله، ويجوز أن يكون من السَّبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب (١)، كيف لا وقد كوى النبي ﷺ سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرَّحمن وأُبي بن كعب المخصوص بأنه أقرأ الأمَّة للقرآن؟ ! وقد اكتوى عمران بن حصين، فمن اعتقد أن هؤلاء لا يصلحون أن يكونوا من السبعين ألفًا ففساد كلامه لا يخفى.
وعلى هذا البحث فيكون قوله ﷺ في السبعين ألفًا أنهم هم الذين لا يكتوون إنما يعني به الذي يكتوي وهو يجد عنه غنى، والله أعلم.
والسَّعوط دواء يُصبُّ في الأنف، وقد أسعطتُّ الرَّجل فاستعط هو بنفسه، والمُسعُطُ - بضم الميم - هو الإناء الذي يجعل فيه السَّعوط.
* * *
стр. 3253
(١١) باب الحمى من فيح جهنم، فابردوها بالماء
[٢١٤٩] عَن ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الحُمَّى مِن فَيحِ جَهَنَّمَ؛ فَابرُدُوهَا بِالمَاءِ.
وفي رواية: فَأَطفِئُوهَا بِالمَاءِ.
رواه أحمد (٢/ ٢١)، والبخاريُّ (٣٢٦٤)، ومسلم (٢٢٠٩) (٧٨ و ٧٩ و ٨٠).
ــ
(١١) ومن باب: الحمى من فيح جهنم
فيح جهنَّم شدَّة حرارتها، وأصله من فاحت القدر إذا غلت، وقد يعبَّر عنه بالفور كما جاء في الرواية الأخرى: ولفحُ النَّار إصابة شدَّة حرها. وجهنم: اسم علم من أسماء نار الآخرة - مؤنث، ولذلك لم ينصرف، وقد تقدم اشتقاقه.
وقوله فابردوها بالماء صوابه بوصل الألف؛ لأنَّه من قولهم برَّد الماءُ حرارةَ جوفي، وهو ثلاثي معدَّى، كما قال:
وعطِّل قَلُوصِي في الرِّكابِ فإنَّها ... ستَبرُدُ أكبادًا وتُبكِي بَوَاكِيَا
وقد أخطأ من قال أبردوها بقطع الألف، وفي الرواية الأخرى فأطفئوها، بالهمزة رباعيًّا، من أطفأ، وقد اعترض بعض سخفاء الأطبَّاء على هذا الحديث فقال: استعمال المحموم الاغتسال بالماء خطر مُقرِّبٌ من الهلاك؛ لأنَّه يجمع المسامِّ ويحقن البخار ويعكس الحرارة لداخل الجسم، فيكون ذلك سببًا للتلف! وجوابه أن هذا إن صدر عمَّن ارتاب في صدق النبي ﷺ فجوابه بالمعجزات الدَّالة على صدقه ﷺ التي تدل قطعًا على صحة قوله وصواب فعله، فإنَّ حصل له التصديق والإيمان وإلا فقد يفعل الله بالسيف والسِّنان ما لا يُفعل
стр. 3254
[٢١٥٠] وعَن أَسمَاءَ أَنَّهَا كَانَت تُؤتَى بِالمَرأَةِ المَوعُوكَةِ فَتَدعُو بِالمَاءِ فَتَصُبُّهُ فِي جَيبِهَا، وَتَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ابرُدُوهَا بِالمَاءِ. وَقَالَ: إِنَّهَا مِن فَيحِ جَهَنَّمَ.
رواه البخاري (٥٧٢٤)، ومسلم (٢٢١١)(٨٢)، والترمذي (٢٠٧٥).
[٢١٥١] وعن رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الحُمَّى مِن فَورِ جَهَنَّمَ، فَابرُدُوهَا عَنكُم بِالمَاءِ.
رواه البخاريُّ (٣٢٦٢)، ومسلم (٢٢١٢) (٨٣ و ٨٤)، والترمذيُّ (٢٠٨٤).
ــ
بالبرهان، وإن صدر عن مصدِّقٍ له ومؤمن برسالته - وما أقله فيمن يتعاطى صنعة الأطباء - قيل له: تفهَّم مراده من هذا الكلام؛ فإنَّه لم ينصَّ على كيفية تبريد الحمى بالماء، وإنَّما أرشد إلى تبريدها بالماء مطلقًا، فإنَّ أظهر الوجود أو صناعة الطب أن غمس المحموم في الماء أو صبَّه على جميع بدنه يضرَّه فليس هو الذي قصد النبي ﷺ ، وإنما قصد استعمال الماء على وجه ينفع، فيُبحث عن ذلك الوجه وتجرَّب الوجوه التي لا ضرر فيها، فإنَّه سيظهر نفعه قطعًا، وقد ظهر هذا المعنى في أمره للعائن بالغسل، فإنَّه وإن كان قد أمره بأن يغتسل مطلقًا فلم يكن مقصوده أن يغسل جميع جسده، بل بعض ذلك كما تقدَّم.
وإذا تقرَّر هذا فلا يبعُد أن يكون مقصوده أن يُرشَّ بعض جسد المحموم أو يفعل كما كانت أسماء تفعل، فإنَّها كانت تأخذ ماءً يسيرًا ترش به في جيب المحموم أو يُنضح به وجهه ويداه ورجلاه، ويذكر اسم الله تعالى، فيكون ذلك من باب النُّشُرة الجائزة كما تقدَّم. وقد يجوز أن يكون ذلك من باب الطب، فقد ينفع ذلك في بعض
стр. 3255
(١٢) باب التداوي باللدود والعود الهندي
[٢١٥٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: لَدَدنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَأَشَارَ أَلَّا تَلُدُّونِي! فَقُلنَا: كَرَاهِيَةُ المَرِيضِ لِلدَّوَاءِ! فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: لَا يَبقَى أَحَدٌ مِنكُم إِلَّا لُدَّ، غَيرُ العَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَم يَشهَدكُم.
رواه أحمد (٦/ ٥٣)، والبخاريُّ (٧٨٨٦)، ومسلم (٢٢١٣)(٨٥).
ــ
الحميات، فإنَّ الأطباء قد سلموا أن الحمى الصفراوية يدبر صاحبها بسقي الماء الشديد البرودة حتى يسقوه الثلج، وتغسل أطرافه بالماء البارد. وعلى هذا فلا بُعد في أن يكون هذا المقصود بالحديث، والله أعلم.
ولئن سلَّمنا أنه أراد جميع جسد المحموم فجوابه أنه يحتمل أن يريد بذلك استعماله بعد أن تقلع الحمَّى وتسكن حرارتها، ويكون ذلك في وقت مخصوص وبعدد مخصوص، فيكون ذلك من باب الخواص التي قد اطلع عليها النبي ﷺ ، كما قد روى قاسم بن ثابت أن رجلًا شكا إلى رسول الله ﷺ الحمى فقال له: اغتسل ثلاثًا قبل طلوع الشمس، وقل: باسم الله، اذهبي يا أم ملدم! فإن لم تذهب فاغتسل سبعًا (١).
(١٢) ومن باب: التداوي باللَّدود والعود الهندي
قولها لددنا رسول الله ﷺ ؛ أي: وضعنا في فمه اللَّدود، وهو ما يجعل في أحد جانبي الفم، والوَجور: هو ما يصبُّ في وسط الفم.
وقوله لا تلدوني نهي ظاهر في المنع، فكان ينبغي لهم أن ينتهوا عن ذلك، غير أنَّهم تأوَّلوا أن ذلك من باب ما علم من أحوال المرضى من كراهتهم
стр. 3256
[٢١٥٣] وعَن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ أُختِ عُكَّاشَةَ قَالَت: دَخَلتُ بِابنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَم يَأكُل الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ. قَالَت: وَدَخَلتُ عَلَيهِ بِابنٍ لِي قَد أَعلَقتُ عَلَيهِ مِن العُذرَةِ فَقَالَ:
ــ
الدَّواء، فخالفوه، فعاقبهم بأن اقتص منهم، ففعل بهم ما فعلوا به، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء يتأتى فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾
وقال بعض أصحابنا: فيه ما يدلّ على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لما تمالؤوا وتعاونوا على لده اقتصَّ من جميعهم - وفيه بُعدٌ لإمكان مراعاة الفرق، فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفته في مقصود الشرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء لحرمتها وعظم أمرها في مقصود الشرع، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر، وإنَّما الذي يستنبط منه أن الحاضر في الجناية المعين عليها كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر له، فيقتص من الكل، لكن فيما لا دم فيه على ما قررناه، وقد نبَّه النبي ﷺ على هذا المعنى بقوله إلا العباس فإنَّه لم يشهدكم.
وفيه من الفقه منع إكراه المريض على الطعام والشراب والدواء، كما قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم (١).
وقول أم قيس دخلت على النبي ﷺ بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة، كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم أعلقت عليه بلا خلاف فيه، ووقع في البخاري باختلاف؛ ففي رواية معمر وغيره كما في كتاب مسلم، وفي رواية سفيان بن عيينة أعلقت عنه، قال الخطابي: وهو الصواب - وإلى ذلك أشار ابن الأعرابي.
والعذرة وجع الحلق، فخافت أن يكون به ذلك، فرفعت لهاته بأصبعها. وقال الأصمعي: العذرة قريبٌ من اللهاة. وفي البارع (٢): العذرة
стр. 3257
عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا العِلَاقِ؟ ! عَلَيكُنَّ بِهَذَا العُودِ الهِندِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبعَةَ أَشفِيَةٍ؛ مِنهَا ذَاتُ الجَنبِ يُسعَطُ مِن العُذرَةِ وَيُلَدُّ مِن ذَاتِ الجَنبِ.
ــ
اللهاة. وقد تقدَّم أن اللَّهاة اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق، والنِّساء ترفعها بأصابعهن، فنهاهنَّ النبي ﷺ عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعل ذلك يزيد في وجع اللهاة.
وقوله علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق؟ ! ، تدغرن: الرواية الصحيحة فيه بالدال المهملة والغين المعجمة - لا يجوز غيره، ومعناه هنا رفع اللهاة، وأصله الرفع، ومنه قول العرب: دغرى لا صفَّى، ودغرًا لا صفًا - منونًا وغير منوَّن، يقولون هذا في الحرب؛ أي: ادفعوا عليهم ولا تصطفُّوا لهم.
والعلاق الرواية فيه بكسر العين، ووقع في بعض النسخ الأعلاق وهو الصواب قياسًا؛ لأنَّه مصدر أعلقت، وهو المعروف لغة.
ومقصود هذا الاستفهام الإنكار على النساء في فعل ذلك بأولادهن.
وقوله عليكن بهذا العود الهندي، هذه إحالة منه لهن على استعمال العود الهندي الطيب الرائحة في مرض الحلق المسمَّى بالعذرة، ثم بيَّن لهم كيفية العلاج به بقوله يسعط من العذرة؛ أي يُدَقُّ ناعمًا ويُسعط في الأنف. وهذا يفيد أنَّه يستعمل وحده ولا يضاف إلى غيره، ثمَّ زاد فقال ويلدُّ من ذات الجنب، ويعني به الوجع الذي يكون في الجنب المسمَّى بالشَّوصة، وقال الترمذي: يعني به السِّلَّ - وفيه بُعد، والأول أعرف. وهل يلد به منفردًا مدقوقًا أو مع غيره؟ يُسأل عن الأنفع من ذلك أهل الخبرة من المسلمين ممن جرَّب ذلك أو تباشر تجربته؛ إذ لا بدَّ من نفعه في ذلك المرض، لأنَّ رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقًّا.
وقوله فإنَّ فيه سبعة أشفية، بيَّن منها في الحديث اثنين وسكت عن
стр. 3258
وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا الإِعلَاقِ؟ عَلَيكُم بِالعُودِ الهِندِيِّ - يَعنِي بِهِ الكُستَ. قَالَ يُونُسُ: أَعلَقَت غَمَزَت، فَهِيَ تَخَافُ أَن تكُونَ بِهِ عُذرَةٌ.
رواه البخاري (٥٧١٥)، ومسلم (٢٨٧)(٨٦) و (٢٢١٤) و (٢٢١٤)(٨٧).
* * *
ــ
الخمسة، وقد ذكر الأطبَّاء في كتبهم أن فيه من الأشفية أكثر مما في هذا الحديث.
قال أبو عبد الله المازري: رأيت في كتبهم - يعني الأطباء - أنه يدر البول والطمث وينفع من السُّموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود وحبَّ القرع إذا شُرِب بالعسل، ويذهب بالكلف إذا طلي عليه، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمَّى الوِرد والرِّبع، وينفع من النَّافض لُطُوخًا بالزيت قبل نفض الحمَّى، ولمن به فالج واسترخاء. قال: وهو صنفان؛ بحري، وهندي - فالبحري: هو القسط الأبيض يؤتى به من بلاد المغرب. ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي، وهو أقل حرارة منه. قال إسحاق بن عمران: هما حارَّان يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا في الجزء الثالث. وقال ابن سينا: القُسط حارٌّ في الثالثة يابس في الثانية.
قلت: ويُسمى الكُست كما قال الراوي، وحينئذ يشكل هذا بما ذكر من قول الأطبَّاء إن البحري من العود يُسمى القسط يؤتى به من بلاد المغرب، فكيف يكون هنديًّا ويؤتى به من المغرب؟ ! إلا أن يريدوا مغرب الهند، فإن قيل: فإذا كان في العود الهندي هذه الأدوية الكثيرة، فما وجه تخصيص منافعه بسبع مع أنها أكثر من ذلك؟ ولأي شيء لم يُفصلها؟ فالجواب عن الأول بعد تسليم أن
стр. 3259
(١٣) باب التداوي بالشونيز والتلبينة
[٢١٥٤] عن أبي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي الحَبَّةِ السَّودَاءِ شِفَاءً مِن كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ. وَالسَّامُ المَوتُ، وَالحَبَّةُ السَّودَاءُ الشُّونِيزُ.
رواه مسلم (٢٢١٥)(٨٨).
ــ
لأسماء الأعداد مفهوم مخالفةٍ: إن هذه السَّبع المنافع هي التي علمها بالوحي وتحققها، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة، فتعرَّض لما علمه بالوحي دون غيره. وعن الثاني: إنَّه إنما فضَّل منها ما دعت الحاجة إليه وسكت عن غيره لأنَّه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطبِّ ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم بما تكلم به منه ليُرشد إلى الأخذ فيه والعمل به، وأن في الوجود عقاقير وأدوية ينتفع بها، وعيَّن منها ما دعت حاجتهم إليها في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص، والله تعالى أعلم.
(١٣) ومن باب: المداواة بالشُّونِيز والتَّلبينة
قوله في الحبَّة السوداء شفاء من كل داء، اختلف في الحبَّة السَّوداء؛ فقال الحربي: إنَّه الخردل. وحكى الهروي عن غيره أنها الحبَّة الخضراء، قال: والعرب تسمِّي الأخضر أسود والأسود أخضر، وهي ثمرة البُطم وهو المسمَّى بالضَّرو، وأولى ما قيل فيها إنَّها الشونيز لوجهين؛
أحدهما: أنه المذكور في الحديث.
وثانيهما: أنه أكثر منافع من الخردل وحب الضَّرو، فتعيَّن لأن يكون هو المراد بالحديث؛ إذ مقصوده الإخبار بأكثرية فوائده ومنافعه على ما نذكره.
стр. 3260
[٢١٥٥] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَت إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِن أَهلِهَا فَاجتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقنَ إِلَّا أَهلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَت بِبُرمَةٍ مِن تَلبِينَةٍ فَطُبِخَت ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّت التَّلبِينَةُ عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَت: كُلنَ مِنهَا؛ فَإِنِّي
ــ
والشُّونيز قيده بعض مشايخنا بفتح الشين، وقال ابن الأعرابي: هو الشُّينيز، كذا تقوله العرب. وقال غيره: الشَّونيز - بالضم، وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة وخواص عجيبة.
قال القاضي أبو الفضل عياض: ذكر جالينوس من منافعه أنه يُحلِّل النَّفخ، ويقتل ديدان البطن إذا أُكِل أو وضع على البطن، ويشفي من الزكام إذا قُلِي وصُرَّ في خرقة واشتُمَّ، وينفع من العلَّة التي يتقشَّر منها الجلد، ويقلع الثآليل والخِيلان (١)، ويدر الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللَّزجة، وينفع من الصُّداع إذا طلي به الجبين، ويقلع البثور والجرب، ويحلل الأورام البلغمية إذا شمَّه مع الخل، وينفع من الماء العارض في العين إذا استُعِط مسحوقًا مع دهن الأرِيسَا، وينفع من انصباب النفس، ويتمضمض به من وجع الأسنان، ويدر البول واللبن، وينفع من نهشة الدُّبيلى (٢)، وإذا بخر به طرد الهوامَّ.
وقال غيرُ جالينوس: من خاصته إذهابُ حمَّى البلغم والسَّوداء، ويقتل حبَّ القرع، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى الرِّبع. قال بعضهم: ولا يبعد منفعة الحار من أدواء حارَّةٍ لخواصَّ فيها كوجود ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم قوله ﷺ ، ويكون أحيانًا مفردًا وأحيانًا مركَّبًا.
قلت: وعلى هذا القول الآخر تحمل كليَّة الحديث على عمومها وإحاطتها، ولا يستثنى من الأدواء شيء إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم