أَجلَدَهُ! مَا أَظرَفَهُ! مَا أَعقَلَهُ! وَمَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ.
وَلَقَد أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ، لَئِن كَانَ مُسلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دِينُهُ، وَلَئِن كَانَ نَصرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، وأَمَّا اليَومَ فَمَا كُنتُ لأُبَايِعُ مِنكُم إِلَاّ فُلَانًا وَفُلَانًا.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والبخاري (٦٤٩٧)، ومسلم (١٤٣)، والترمذي (٢١٨٠)، وابن ماجه (٤٠٥٣).
ــ
وبه سمِّي المِنبَرُ، ونَبِرَ الجرحُ، أي: وَرِمَ، والنَّبرُ: نَوعٌ من الذُّبَابِ يَلسَع؛ ومنه سمِّي الهمزُ: نَبرًا، وكلُّ شيء ارتفَعَ: فقد نَبِرَ، وقال أبو عبيد: مُنتَبِرًا: مُنتَفِطًا. ولَا يَكَادُ أي: لا يقارب. وما أجلده! أي: ما أقواه! . وما أظرفه! أي: ما أحسَنَهُ! والظَّرفُ عند العرب: في اللسان والجسم، وهو حُسنُهما، وقال ابنُ الأعرابيِّ: الظَّرفُ في اللسان، والحَلَاوَةُ في العين، والمَلَاحَةُ في الفم، وقال المبرِّد: الظَّرِيفُ: مأخوذٌ من الظَّرف، وهو الوعاء، كأنَّه جُعِلَ وعاءً للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُفَ يَظرُفُ ظَرفًا، فهو ظَرِيفٌ، وَهُم ظُرَفَاء، وإنما يقال في الفِتيَانِ والفَتَيَاتِ أهلِ الخِفَّة.
و(قوله: لَا أُبَالِي أَيَّكُم بَايَعتُ) يعني: من البيع، لا مِنَ المبايعة؛ لأنَّ اليهوديَّ والنصرانيَّ لا يبايعُ بَيعَةَ الإسلام، ولا بيعةَ الإمامة، وإنما يعني: أنَّ الأمانةَ قد رُفِعَت من الناس، فقَلَّ مَن يُؤمَنُ على البيعِ والشراء. وقد قدَّمنا أنَّ أصلَ الفِتنَة: الامتحانُ والاختبار، ثم صارَت في العُرفِ عبارةً عن: كلِّ أمرٍ كَشَفَهُ الاختبارُ عن سوء؛ قال أبو زيد: فَتِنَ الرجلُ فُتُونًا: إذا (١) وقَعَ في الفتنة، وتحوَّل عن حالٍ حسنةٍ إلى حالٍ سيئة، والأهلُ والمالُ والولدُ أمورٌ يُمتَحَنُ الإنسانُ بها، ويُختَبَرُ
стр. 352
[١١٣] وعَنه، قَالَ: كُنَّا عِندَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُم سَمِعَ رسولَ الله ﷺ يَذكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قَومٌ: نَحنُ سَمِعنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُم تَعنُونَ فِتنَةَ الرَّجُلِ فِي أهلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَل، قَالَ: تِلكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِن أَيُّكُم سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذكُرُ الفِتَنَ الَّتِي تَمُوجُ مَوجَ البَحرِ؟ قَالَ حُذَيفَةُ: فَأَسكَتَ القَومُ، فَقُلتُ: أَنَا، قَالَ: أَنتَ؟ للهِ أَبُوكَ! قَالَ حُذَيفَةُ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: تُعرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا،
ــ
عندها؛ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولَادُكُم فِتنَةٌ أي: مِحنَةٌ تُمتَحَنُونَ بها حتى يَظهَرَ منكم ما هو خَفِيٌّ عمَّن يُشكِلُ عليه أمركم.
وأَجَل بمعنى: نَعَم. وتَمُوجُ مَوجَ البَحرِ أي: تَضطرِبُ ويدفعُ بعضُها بعضًا، وكُلُّ شيءٍ اضطرَبَ: فقد ماج؛ ومنه: وَتَرَكنَا بَعضَهُم يَومَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعضٍ. وأَسكَتَ القَومُ أي: أَطرَقوا؛ قال الأصمعيُّ: سكَتَ القومُ: صَمَتُوا، وأَسكَتوا: أَطرَقوا، وقال أبو عليٍّ البغداديُّ وغيره: سكَتَ وأسكَتَ، بمعنى: صَمَتَ.
قال الهرويُّ: ويكونُ سكَتَ بمعنى سكَنَ؛ ومنه: وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى الغَضَبُ وبمعنى انقطَعَ؛ تقول العرب: جرى الوادي ثلاثًا، ثم سكَتَ، أي: انقطَعَ، ويقال: هو السُّكُوتُ والسُّكَاتُ، وسكَتَ يَسكُتُ سَكتًا وسُكُوتًا وسُكَاتًا.
و(قوله: كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا) قيد (١) ثلاثُ تقييدات، قيَّده القاضي الشَّهِيد: بفتح العينِ المهملة والذالِ المعجمة. وقيَّده أبو بحر سفيانُ بن العاصي: بضمِّ العين ودالِ المهملة. واختار أبو الحُسَينِ بنُ سِرَاجٍ: فَتحَ العينِ والدالِ المهملة. فمعنى التقييدِ الأوَّل: سؤالُ الإعاذة؛ كما يقال: غَفرًا غَفرًا، أي: اللهمَّ اغفِر، اللهم اغفر.
وأما التقييد الثاني، فمعناه: أنَّ الفتن تتوالَى واحدةً بعد أخرى؛ كَنَسج
стр. 353
فَأَيُّ قَلبٍ أُشرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، وَأَيُّ قَلبٍ أَنكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكتَةٌ بَيضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلبَينِ: عَلَى أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادا كَالكُوزِ مُجَخِّيًا؛ لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.
ــ
الحصير عُودًا بإزاء عُود، وشَطبةً (١) بإزاء شَطبة، أو كما يناولُ مهيِّئ القُضبان للناسجِ عُودًا بعد عُود.
وأما التقييدُ الثالث: فمعناه قريب مِن هذا، يعني أنَّ الفتنةَ كلَّما مضت، عادَت؛ كما يفعلُ ناسجُ الحصير: كلَّما فرَغَ من موضعِ شَطبةٍ أو عُودٍ، عاد إلى مثله. والمعنى الثاني أمكَنُ وأليقُ بالتشبيه، والله أعلم.
وأُشرِبَهَا أي: حَلَّت فيه مَحَلَّ الشَّرب؛ كقوله تعالى: وَأُشرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ العِجلَ أي: حُبَّهُ.
و(قوله: عَلَى قَلبَينِ: أَبيَضَ مِثلِ الصَّفَا) أي: قَلبٍ أبيضَ، فحذَفَ الموصوفَ للعِلمِ به، وأقامَ الصفةَ مُقَامَهُ. وليس تشبيهُهُ بالصَّفَا مِن جهة بياضه، ولكن مِن جهةِ صلابته على عَقدِ الإيمان، وسلامتِهِ من الخَلَلِ والفتن؛ إذ لم يلصَق به ولم يؤثِّر فيه؛ كالصَّفَا وهو الحَجَرُ الأملسُ الذي (٢) لا يَعلَقُ به شيءٌ، بخلاف القلبِ الآخَرِ الذي شبَّهه بالكُوزِ الخاوي؛ لأنه فارغٌ من الإيمانِ والأمانة.
و(قوله: وَالآخَرُ أَسوَدُ مُربَادّا) قيد ثلاثُ تقييدات؛ مُربَادٌّ: مُفعَالٌّ، من اربَادَّ؛ مِثلَ مُصفَارٍّ من اصفَارَّ؛ وهو روايةُ الخُشَنِيِّ عن الطبريِّ. ومُربَدٌّ: مثلُ مُسوَدٍّ ومُحمَرٍّ، من اربَدَّ واسوَدَّ واحمَرَّ؛ وهو تقييدُ أبي مروانَ بنِ سِرَاجٍ. ومُربَئِدٌّ بالهمز، قيَّده العُذرِيُّ، وكأنَّه من اربَأَدَّ لغةٌ.
وقال بعض اللغويين: احمَرَّ الشيء، فإذا قوي، قيل: احمَارَّ، فإذا زاد، قيل: احمَأَرَّ بالهمز؛ فعلى هذا تكونُ تلك
стр. 354
قَالَ حُذَيفَةُ: وَحَدَّثتُهُ أَنَّ بَينَكَ وَبَينَهَا بَابًا مُغلَقًا يُوشِكُ أَن يُكسَرَ، قَالَ عُمَرُ: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ! فَلَو أَنَّهُ فُتِحَ لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ! قلت: لَا بَل يُكسَرُ، وَحَدَّثتُهُ أَنَّ ذَلِكَ البَابَ رَجُلٌ يُقتَلُ أو يَمُوتُ، حَدِيثًا لَيسَ بِالأَغَالِيطِ.
قَالَ أبو خَالِدٍ: فَقُلتُ لِسَعدٍ: يَا أَبَا مَالِكٍ، مَا أَسوَدُ مُربَادا؟ قَالَ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قَالَ: قُلتُ: فَمَا الكُوزُ مُجَخِّيًا؟ قَالَ: مَنكُوسًا.
رواه أحمد (٥/ ٤٠٥)، ومسلم (١٤٤).
* * *
ــ
الرواياتُ صوابًا كلُّها. قال أبو عبيد، عن أبي عمرو وغيره: الرُّبدَة: لَونٌ بين السواد والغُبرة، وقال ابن دُرَيد: الرُّبدة: الكُدرة، وقال الحَربِيُّ: هو لونُ النَّعَامِ؛ بعضُهُ أسودُ، وبعضُهُ أبيض، ومنه: اربَدَّ لونه؛ إذا (١) تغيَّر ودخله سواد؛ وإنما سمِّي النعام رُبدًا؛ لأنَّ أعاليَ رِيشِهَا إلى السواد، وقال نِفطَوَيهِ: المُربَدُّ: الملمَّع بسواد وبياض، ومنه: تربَّدَ لونُه، أي: تلوَّن فصار كلونِ الرماد.
وقولُ سعدِ بنِ طارق لخالدٍ الأحمرِ في تفسير مُربَادّ: شِدَّةُ البَيَاضِ فِي سَوَادٍ، قال فيه القاضي أبو الوليدِ الكِنَانِيُّ: هذا تصحيفٌ، وأرى (٢) صوابه: شِبهُ البياضِ في سواد؛ وذلك أنَّ شِدَّةَ البياضِ في سوادٍ لا تسمَّى رُبدة، وإنما يقال لها: بَلَقٌ؛ إذا كان في الجِسم، وحَوَرٌ؛ إذا كان في العين، والرُّبدة إنما هي شيءٌ من بياضٍ يسيرٍ يخالطُه السوادَ؛ كلونِ أَكثَرِ النعام.
و(قوله: كَالكُوزِ مُجَخِّيًا) قال الهروي: المُجَخِّي: المائلُ، وجَخَّى: إذا فتح عَضُدَيهِ في السجود، وكذلك: جَخَّ، وقال شَمِرٌ: جَخَّى في صلاته: إذا رفَعَ بطنَهُ عن الأرض في السجود، وكذلك: خَوَّى. وقال أبو عُبَيد: المجخّى: المائلُ، ولا
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَحسِبُهُ أراد بميله إلا أنه منخَرِقُ الأسفلِ، شبَّه به القلبَ الذي لا يَعِي خيرًا ولا يَثبُتُ فيه، كما لا يثبُتُ الماءُ في الكُوزِ المنخرق.
قال المؤلف ﵀: ولا يحتاجُ إلى هذا التقديرِ والتكلُّف؛ فإنَّه إذا كان مقلوبًا منكوسًا - كما قال سعد - لم يَثبُت فيه شيءٌ وإن لم يكن مُنخَرِقًا، وقد فسَّره سياقُ الكلام؛ حيثُ قال: لَا يَعرِفُ مَعرُوفًا، وَلا يُنكِرُ مُنكَرًا، إِلَاّ مَا أُشرِبَ مِن هَوَاهُ.
و(قوله: أَكَسرًا لَا أَبَا لَكَ! ) استعظامٌ من عمر لكسر ذلك البابِ، وخوفٌ منه ألَاّ يَنجَبِرَ؛ لأن الكَسرَ لا يكونُ إلا عن إكراهٍ وغَلَبة؛ فكأنَّ البابَ المُغلَقَ عن دخولِ الفتن على الإسلامِ: عمر ﵁، وكَسرُهُ قتله.
واللام في لَا أَبَا لَكَ! مُقحَمَةٌ، وكذلك في قولهم: لا يَدَي لفلانٍ بهذا الأمر، ولا تريد العربُ بهذا الكلامِ نَفيَ الأبوَّةِ حقيقةً، وإنما هو كلامٌ جَرَى على ألسنتهم كالمَثَلِ. ولقد أبدَعَ البديع حيثُ قال في هذا المعنى:
وقَد يُوحِشُ اللفظُ وكلُّه وُدّ ... ويُكره الشيء وما من فعله بُدّ
هذه العربُ تقولُ: لا أَبَا لك للشيءِ إذا أهَمّ، وقاتَلَهُ اللهُ، ولا يريدون به الذمّ، ووَيلَ أُمِّهِ للأمر إذا تَمّ، والإلبابِ (١) في هذا الباب (٢) أن ينظُرَ إلى القولِ وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاءُ وإن خَشُن، وإن كان عدوًّا فهو البَلَاءُ وإن حَسُن.
و(قوله: حَدِيثًا لَيسَ بالأَغَالِيط) أي: حَدَّثتُهُ حديثًا، فهو مصدر. والأَغَالِيطُ: جمع أُغلُوطة؛ قال ابن دُرَيد: هي التي يُغَالَطُ بها، واحدها: مَغلَطَةٌ وأُغلُوطة، وجمعها: أغاليطُ.
стр. 356
(٤٨) باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود ؟
[١١٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بَدَأَ الإِسلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلغُرَبَاء.
رواه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦).
ــ
(٤٨) ومن باب كيف بدأ الإسلام وكيف يعود؟
(قوله: بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ) كذا روايتُه بهمز بدأ، وفيه نظر، وذلك أنّ بدأ مهموزًا متعدٍّ إلى مفعول؛ كقوله تعالى: كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ قال صاحب الأفعال: يقال (١) بدأ الله الخلق بدءًا، وأبدأهم: خَلَقهم، وبدأ في الحديث لا يقتضي مفعولاً، فظهر الإشكال.
ويرتفع الإشكال بأن يحمل بدأ الذي في الحديث على طرأ فيكون لازمًا، كما قد اتّفق للعرب في كثير من الأفعال، يتعدّى حملاً على صيغةٍ، ولا يتعدّى حملاً على أخرى، كما قالوا: رجع زيد ورجعته، وفَغَرَ فَاه وفَغَرَ فُوه، وهو كثير. وقد سمعت من بعض أشياخي إنكار الهمزة، وزعم أنّه بدا بمعنى ظهر غير مهموز، وهذا فيه بعد من جهة الرواية والمعنى. فأما الرواية بالهمز، فصحيحة النقل عَمَّن يُعتمد على علمه وضبطه. وأمّا المعنى، فبعيد عن مقصود الحديث، فإنّ مقصودَه أنّ الإسلام نشأ في أول أمره في آحادٍ من الناس وقلّة، ثمّ انتشر وظهر، فأخبر ﷺ أنّه سيلحقه من الضعف والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة كابتدائه. وأصل الغربة البعد، كما قال:
فلا تحرميني نائلا عن جناية ... فإني امرؤٌ وَسطَ العباب غريبُ
стр. 357
[١١٥] وعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الإِسلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، وهو يَأرِزُ بَينَ المَسجِدَينِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحرِهَا.
رواه مسلم (١٤٦).
[١١٦] ومن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ بنحوه.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٢)، والبخاري (١٨٧٦)، ومسلم (١٤٧)، وابن ماجه (٣١١١).
ــ
ويحتمل أن يراد بالحديث المهاجرون؛ إذ هم الذين تغرَّبوا عن أوطانهم فرارًا بأديانهم، فيكون معناه أنّ آخر الزمان تشتدّ فيه المحن على المسلمين، فيفرّون بأديانهم ويغتربون عن أوطانهم كما فعل المهاجرون. وقد ورد في الحديث: قيل: يا رسول الله! من الغرباء؟ قال: هم النزاع من القبائل (١)، إشارة إلى هذا المعنى، والله أعلم. ولذلك (٢) قال الهرويّ: أراد بذلك المهاجرين. والنُزَّاع جمع نزيع أو نازع، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته وبَعُدَ عن ذلك.
و(قوله: الإسلام يأرِز بين المسجدين، وإنّ الإيمان ليأرِز إلى المدينة) قال أبو عبيد: أي (٣): ينضمّ ويجتمع بعضه إلى بعض كما تنضمّ الحيّة في جحرها. وقال ابن دريد: أَرَزَ الشيء يأرِز، إذا ثبت في الأرض، وشجرة أرزَة، أي: ثابتة مجتمعة.
وهذا منه ﷺ إخبار بما كان في عصره وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم، من حيث إنّ المدينة دار هجرتهم ومقامهم، ومقصدهم وموضع رحلتهم
стр. 358
[١١٧] وعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي الأَرضِ: اللهَ، اللهَ.
وفي أخرى: لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهَ، اللهَ.
رواه أحمد (٣/ ١٠٧ و ٢٠١ و ٢٥٩ و ٢٦٨)، ومسلم (١٤٨)، والترمذي (٢٢٠٨).
ــ
في طلب العلم والدين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمّات دينهم ووقائعهم، حتّى لقد حصل للمدينة من الخصوصيّة بذلك ما لا يوجد في غيرها. وفيه حجّة على صحّة مذهب مالك في تمسُّكه بعمل أهل المدينة وكونِه حجّةً شرعيّة.
وقال أبو مصعب الزبيريّ في معنى هذا الحديث: إنّما المراد بالمدينة أهل المدينة، وأنّه تنبيه على صحّة مذهبهم، وسلامتهم من البدع المحدثات (١)، واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم.
و(قوله: بين المسجدين) يعني: مسجدي مكّة والمدينة. وهو إشارة إلى أنّ مبدأ الإيمان كان بمكّة وظهوره بالمدينة.
و(قوله: لا تقوم الساعةُ حتّى لا يقالَ في الأرض: اللهَ اللهَ) كذا صوابه بالنصب، وكذلك قيّدناه عن محقِّقي من لقيناه، ووجهه أنّ هذا مثل قول العرب: الأسدَ الأسدَ، والجدارَ الجدارَ، إذا حذّروا من الأسد المفترس والجدار المائل، فهو منصوب بفعل مضمر، كأنّهم قالوا: احذر الأسد، لكنّهم التزموا إضماره هنا؛ لتكرار الاسم ونصبه، كما قال الشاعر (٢):
أخاكَ أخاكَ إنّ من لا أخَا له ... كساعٍ إلى الهيجا بغيرِ سلاحِ
стр. 359
[١١٨] وعَن حُذَيفَةَ؛ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَحصُوا لِي كَم يَلفِظُ الإِسلامَ؟ قَالَ: فَقُلنَا: يَا رسولَ الله! أَتَخَافُ عَلَينَا وَنَحنُ مَا بَينَ السِّتمِائَةِ إِلَى السَّبعِمِائَةِ؟ قَالَ: إِنَّكُم لا تَدرُونَ لَعَلَّكُم أَن تُبتَلَوا.
قَالَ: فَابتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا يُصَلِّي إِلاّ سِرًّا.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٤)، والبخاري (٣٠٦٠)، ومسلم (١٤٩)، وابن ماجه (٤٠٢٩).
* * *
ــ
فإن أفردوا، ذكروا الفعل فقالوا: اتّقِ الأسد واحذر الجدار، واحفظ أخاك.
وقد قيَّده بعضهم اللهُ اللهُ بالرفع على الابتداء وحذف الخبر، وفيه بُعد. ولا يعارض هذا قوله ﵊: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة (١)؛ لأنّ هذه الطائفة يقاتلون الدجّال ويجتمعون بعيسى ﵇، ثمّ لا يزالون على ذلك إلى أن يقبضهم الله بالريح اليمانية التي لا تُبقِي مؤمنا إلا قبضَته، فيبقى شرارُ الخلق بعدهم ليس فيهم من يقول: الله الله، يتهارجون تهارُج الحُمُر، فعليهم تقوم الساعة، على ما يأتي في كتاب الفتن.
و(قوله: أَحصُوا لي كَم يلفظ الإسلام) أي: عدّوا لي، ومنه: وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا. وأصل اللفظ الرمي، ومنه: لفظه البحر، أي: رماه، وعداه بنفسه لما حذف الباء في رواية، وفي أخرى بثبوت الباء؛ لأنه محمول على تكلّم المتعدي بحرف الجرّ، فكأنه قال: عُدُّوا لي كم يتكلم بالإسلام.
و(قول حذيفة: فابتُلِينَا حتّى جعل الرجل منّا لا يصلّي إلا سرًا) يعني بذلك - والله أعلم - ما جرى لهم في أوّل الإسلام بمكة حين كان المشركون يُؤذُونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم، حتى كانوا يُصلّون سرًّا.
стр. 360
(٤٩) باب إعطاء من يخاف على إيمانه
[١١٩] عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ؛ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسمًا، فَقُلتُ: يَا رسولَ الله! أَعطِ فُلانًا فَإِنَّهُ مُؤمِنٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أو مُسلِمٌ، أَقُولُهَا ثَلاثًا، وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاثًا: أو مُسلِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ
ــ
(٤٩) ومن باب إعطاء مَن يُخاف على إيمانه
(قوله: أعطِ فلانًا فإنّه مؤمنٌ، فقال: أو مسلم) دليل على صحّة ما قدّمناه من الفرق بين حقيقتي الإيمان والإسلام، وأن الإيمان من أعمال الباطن، وأن الإسلام من أعمال الجوارح الظاهرة، وفيه ردٌّ على غُلاة المُرجِئة والكرامية، حيث حكموا بصحّة الإيمان لمن نطق بالشهادتين وإن لم يعتقد بقلبه، وهو قولٌ باطلٌ قطعًا؛ لأنّه تسويغٌ للنفاق.
وفيه حجّة لمن يقول: أنا مؤمن بغير (١) استثناء. وهي مسألة اختلف فيها السلف، فمنهم المجيز والمانع. وسبب الخلاف النظر إلى الحال أو إلى المآل، فمن منع خاف من حصول شك في الحال أو تزكية، ومن أجاز صرف الاستثناء إلى الاستقبال وهو غيب في الحال؛ إذ (٢) لا يدري بما يختم له. والصواب: الجوازُ إذا أُمِنَ الشكُّ والتزكيةُ، فإنّه تفويض إلى الله تعالى.
و(قوله: أو مسلمًا) الرواية بسكون الواو، وقد غلط من فتحها وأحال المعنى؛ لأن النبي ﷺ لم يُرِد استفهامَه، وإنما أشار له (٣) إلى (٤) القِسمِ الآخر المختص بالظاهر الذي يمكن أن يدرك، فجاء بأو التي للتقسيم والتنويع.
стр. 361
وَغَيرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنهُ، مَخَافَةَ أَن يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ.
وَفِي رِوَايَةٍ قال: مَا لَكَ عَن فُلانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤمِنًا.
وفِي أُخرَى: قال: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ بَينَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: أَقِتَالاً؟ أَي سَعدُ! إِنِّي لأُعطِي الرَّجُلَ. .، وذكر نحوه.
رواه أحمد (١/ ١٨٢)، والبخاري (١٤٧٨)، ومسلم (١٥٠)، وأبو داود (٤٦٨٣) و (٤٦٨٤) و (٤٦٨٥)، والنسائي (٨/ ١٠٣ - ١٠٤).
* * *
ــ
و(قوله: مخافة أن يكبّه الله في النار، الرواية يَكُبه بفتح الياء وضمّ الكاف، من كبّ ثلاثيًا. ولا يجوز هنا غيره؛ لأنّ رباعيَّه لازم، ولم يأت في لسان (١) العرب فعلٌ ثلاثيّه متعدٍ ورباعيّه غير متعدٍ إلا كلمات قليلة، يقال: أكبَّ الرجلُ وكببتُه، وأقشعَ الغيمُ وقشعته الريح، وأنسَلَ ريشُ الطائر ووَبَرُ البعيرِ ونسلتُه أنا، وأنزفتِ البئرُ: قلَّ ماؤها ونزفتُها أنا، وأَمرَت الناقةُ: قلَّ دَرُّها ومَرَيتُها أنا، وأشنقَ البعيرُ أي: رفَع رأسَه، وشنَقتُه أنا.
و(قوله: والله إني لأُراه مؤمنًا) الرواية بضم الهمزة، بمعنى أظنّه، وهو من سعد حلفٌ على ما ظنَّه، فكانت هذه اليمين لاغية، ولذلك لم ينكرها النبي ﷺ ، ولا أمره بكفارة عنها، فكان فيه دليل على جواز الحلف على الظنّ، وأنّها هي اللاغية، وهو قول مالك والجمهور.
و(قوله: أقِتَالاً؟ أي سعد! ) هو مصدر، أي: أتُقَاتِلُني قتالاً؟ فحذف الفعل؛ لدلالة المصدر عليه. ومعنى القتال هنا: الدفع والمكابدة، وهذا كقوله في المارّ بين يدَي المصلِّي: فإن أبى، فَليُقَاتِله (٢)، أي: فَليُدَافعه ويمنعه من المرور.
стр. 362
(٥٠) باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن بالنبي ﷺ وشدة عذابه إذا لم يؤمن
[١٢٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لا يَسمَعُ بِي أَحَدٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ أو نَصرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَم يُؤمِن بِالَّذِي أُرسِلتُ بِهِ، إِلاّ كَانَ مِن أَصحَابِ النَّارِ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، ومسلم (١٥٣).
ــ
(٥٠) ومن باب مضاعفة أجر الكتابي إذا آمن
(قوله: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) الحديث. الأمّة في أصل اللغة: الجماعة من الحيوان، قال الله تعالى: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمثَالُكُم وقال: وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يسقون ثم قد استعمل في محامل شتّى، والمراد به في هذا الحديث: كل من أُرسِلَ إليه محمد ﷺ ولزمته حجته، سواء صدّقه أو لم يصدّقه، ولذلك دخل فيه اليهودي والنصراني. لكن هذا على مساق حديث مسلم هذا، فإنه قال فيه: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، بغير واو العطف، فإنّه يكون بدلاً من الأمة. وقد روى هذا الحديث عبد بن حميد، وقال: لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ولا يهوديّ ولا نصرانيّ (١)، فحينئذ لا يدخل اليهوديّ ولا النصرانيّ في الأمة المذكورة، والله تعالى أعلم.
وفيه دليل على أنّ مَن لم تبلغه دعوةُ رسول الله ﷺ ولا أمره، لا عقاب عليه ولا مؤاخذة، وهذا كما قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولًا ومن لم تبلغه دعوة الرسول ولا معجزته، فكأنّه لم يُبعث إليه رسول.
стр. 363
[١٢١] وعَن أَبِي مُوسَى الأشعَرِي؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: ثَلاثَةٌ يُؤتَونَ أَجرَهُم مَرَّتَينِ: رَجُلٌ مِن أهل الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجرَانِ. وَعَبدٌ مَملُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجرَانِ. وَرَجُلٌ كَانَت لَهُ أَمَةٌ فَغَذَّاهَا فَأَحسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجرَانِ.
ثُمَّ قَالَ الشَّعبِيُّ لِلخُرَاسَانِيِّ: خُذ هَذَا الحَدِيثَ بِغَيرِ شَيءٍ، فَقَد كَانَ الرَّجُلُ يَرحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى المَدِينَةِ.
رواه أحمد (٤/ ٤٠٥)، والبخاري (٣٠١١)، ومسلم (١٥٤)، والترمذي (١١١٦)، والنسائي (٦/ ١١٥).
* * *
ــ
وهذا الكتابيّ الذي يضاعَف أجرُه، هو الذي كان على الحقّ في شرعه عقدًا وفعلاً، ثمّ لم يزل متمسّكًا بذلك إلى أن جاء نبيّنا ﷺ فآمن به، واتّبع شريعته، فهذا هو الذي يؤجَر على اتّباع الحقّ الأوّل والحقّ الثاني.
وأمّا من اعتقد الإلهيّة لغير الله تعالى، كما تعتقده النصارى اليوم، أو من لم يكن على حقّ في ذلك الشرع الذي ينتمي إليه، فإذا أسلم جبّ الإسلام ما كان عليه من الفساد والغلط، ولم يكن له حقّ يؤجر عليه إلاّ الإسلام خاصّة - والله أعلم -، وسيأتي في هذا الحديث زيادة بحث.
* * *
стр. 364
(٥١) باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به
١٥٥ - [١٢٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَاللهِ! لَيَنزِلَنَّ ابنُ مَريَمَ حَكَمًا عَادِلاً، فَلَيَكسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقتُلَنَّ الخِنزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الجِزيَةَ، وَلتَترُكَنَّ القِلاص، فَلا يُسعَى عَلَيهَا، وَلَتَذهَبَنَّ الشَّحنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ
ــ
(٥١) ومن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم ﵇
(قوله: لَينزلنّ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا مُقسِطًا) وفي رواية: عادلاً - مفسّرًا -. يقال: أَقسَطَ الرجلُ يُقسِطُ؛ أي: عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ﴾ وقَسَطَ يَقسُطُ قُسوطًا وقِسطًا؛ أي: جار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وقتلُ عيسى للخنزير وكسره الصليب يدلّ على أنّ شيئًا من ذلك لم يسوِّغه لهم، وأنّ ذلك لا يقر إذا تمكّن من تغييره وإزالته. وقيل معنى قوله: ويكسّر الصليب؛ أي: يبطل أمرُه ويُكسر حكمُه، كما يقال: كسر حجّته.
و(قوله: وليضعن الجزية) قيل: يُسقطها فلا يقبلها من أحدٍ، وذلك لكثرة الأموال؛ إذ تقيء الأرض أفلاذ كبدها، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين، فلا يقبل من أحد إلا الإيمان. وقيل: يضربها على كلّ صنف من الكفّار؛ إذ قد أذعن الكلّ له فإمّا بالإسلام، وإمّا بأن ألقوا بأيديهم. والتأويل الأوّل أولى؛ لقوله بعد هذا: ولتتركنّ القلاص، فلا يُسعى عليها؛ أي: لا تطلب زكاتها، كما جاء في الحديث الآخر. والقلاص: جمع قَلوص، وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال. وهذا كقوله تعالى: وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَت؛ أي: زُهِد فيها وتُرِكت، وإن كانت أحبَّ الأموال إليهم الآن.
والشحناء والتباغُض والعداوة بمعنى واحد. والتحاسد: الحسد، وهو أن
стр. 365
وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدعُوَنَّ إِلَى المَالِ فَلا يَقبَلُهُ أَحَدٌ.
رواه أحمد (٢/ ٤٩٤)، والبخاري (٣٤٤٨)، ومسلم (١٥٥)، وأبو داود (٤٣٢٤)، والترمذي (٢٢٣٤).
[١٢٢ / م] وعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : كَيفَ أَنتُم إِذَا نَزَلَ ابنُ مَريَمَ فِيكُم وَإِمَامُكُم مِنكُم؟
وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَمَّكُم مِنكُم. قَالَ ابنُ أَبِي ذِئبٍ: تَدرِي مَا أَمَّكُم مِنكُم؟ قَالَ: فَأَمَّكُم بِكِتَابِ رَبِّكُم وَسُنَّةِ نَبِيِّكُم ﷺ .
رواه أحمد (٢/ ٣٣٦) والبخاري (٣٤٤٩) ومسلم (١٥٥)(٢٤٥).
ــ
يتمنّى زوالَ نعمة الله عن المسلم. والغبطة: أن تتمنّى أن يكون لك مثلها من غير أن تزول عنه، وهو التنافس أيضًا.
و(قوله: حتّى تكونَ السجدةُ الواحدةُ خيرًا من الدنيا وما فيها) معناه: أنّ الصلاة تكون أفضلَ من الصدقة؛ لفيض المال إذ ذاك، لعدم الانتفاع به. وأهل الحجاز يُسمُّون الركعة سجدة.
و(قوله: وإمامكم منكم وأمكم أيضًا) قد فسّره ابن أبي ذئب في الأصل، وتكميله أن عيسى ﵇ لا يأتي لأهل الأرض بشريعة أخرى، وإنّما يأتي مقرِّرًا لهذه الشريعة، ومجدِّدًا لها؛ لأنّ هذه الشريعة آخر الشرائع، ومحمّد ﷺ آخر الرسل. ويدلّ على هذا دلالةً واضحةً قولُ الأمير لعيسى: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضَكم على بعض أمراء؛ تكرمةَ الله هذه الأمّة.
وتكرمة منصوب على أنه مفعول من أجله. وظاهرين: غالبين عالين. ومنه قوله تعالى: لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وفجّ الروحاء موضع معروف.
стр. 366
[١٢٣] وَعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ. قَالَ: فَيَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ ﷺ ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُم: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لا، إِنَّ بَعضَكُم عَلَى بَعضٍ أُمَرَاءُ، تَكرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمَّةَ.
رواه مسلم (١٥٦).
[١٢٤] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: والَّذِي نَفس محمد بِيَدِهِ! لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَريَمَ بِفَجِّ الرَّوحَاءِ حَاجًّا أو مُعتَمِرًا أو لَيَثنِيَنَّهُمَا.
رواه أحمد (٢/ ٥١٣)، ومسلم (١٢٥٢).
* * *
ــ
و(قوله: أو ليثنينّهما) يعني: ليقرننّ بينهما. أو يحتمل أن تكون إبهامًا على السامع؛ إذ ليس هذا من باب الأحكام، ولا تدعو الحاجة إلى التعيين، ويجوز بقاؤها على أصلها من الشكّ.
* * *
стр. 367
(٥٢) باب في قوله تعالى: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا الآية
[١٢٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثَلاثٌ إِذَا خَرَجنَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا: طُلُوعُ الشَّمسِ مِن مَغرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرضِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٤٥)، ومسلم (١٥٨)، والترمذي (٣٠٧٤).
* * *
ــ
(٥٢) ومن باب قوله: يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ
(قوله: ثلاث إذا خرجن) اختلف في أوّل الآيات خروجًا، فقيل: أوّلها طلوع الشمس من مغربها، وقيل: خروج الدابّة. ومن رواية ابن أبي شيبة عن ابن عمرو مرفوعًا قال: وأيتها كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها (١)، وفي حديث أنس: أوّل أشراط الساعة نار تخرج من اليمن (٢)، وفي حديث حُذَيفة بن أسيد آخر ذلك النار (٣). وسيأتي كلّ ذلك إن شاء الله تعالى.
ومذهب أهل السنّة حمل طلوع الشمس من مغربها وغيرها من الآيات على ظاهرها؛ إذ لا إحالة فيها، وهي أمور مُمكنة في نفسها، وقد تظاهرت الأخبار الصحيحة بها مع كثرتها وشُهرتها، فيجب التصديق بها، ولا يُلتفت لشيء من تأويلات المبتدعة لها.
стр. 368
(٥٣) باب كيف كان ابتداء الوحي لرسول الله ﷺ وانتهاؤه
[١٢٦] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَنَّهَا قَالَت: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الوَحيِ: الرُّؤيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤيَا إِلاّ جَاءَت مِثلَ فَلَقِ الصُّبحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيهِ الخَلاءُ، فَكَانَ يَخلو بِغَارِ حِرَاءٍ
ــ
(٥٣) ومن باب كيف كان ابتداء الوحي وانتهاؤه
الوحي: إلقاء الشيء في سرعة (١)، ومنه: الوحا الوحا. ويقال على الإلهام، ومنه قوله تعالى: وَأَوحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى؛ أي: ألهمناها، وعلى التسخير (٢)، ومنه قوله تعالى: وَأَوحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحلِ؛ أي: سخّرها. وهو في عرف الشريعة: إعلام الله تعالى لأنبيائه بما شاء من أحكامه أو أخباره.
وفلق الصبح وفرقه: ضياؤه؛ ومعناه: أنّها جاءت واضحة بيّنة، وهذا له ﷺ مبدأ من مبادئ الوحي ومقدّمة من مقدّماته.
وقد أوحى الله تعالى إلى إبراهيم في النوم حيث قال: يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ والأنبياء كما قال النبي ﷺ : تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم (٣). وقد كان نبيُّنا ﷺ في أوّل أمره يرى ضوءًا ويسمع صوتًا، ويسلِّم عليه الحجر والشجر وتناديه بالنبوّة، وهذه أمور ابتُدِئ بها تدريجيا لَمّا أراد الله به من الكرامة والنبوة، واستلطافًا له؛ لئلا يفجأه صريح الوحي، ويبغته الملك، فلا تحتمل ذلك قوّته البشريّة.
стр. 369
يَتَحَنَّثُ فِيهِ - وهو التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ أولاتِ العَدَدِ قَبلَ أَن يَرجِعَ إِلَى أَهلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ وهو فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فَقَالَ: اقرَأ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ:
ــ
وحِرَاء بالمدّ: جبل بينه وبين مكّة قدر ثلاثة أميال عن يسارك إذا ذهبت إلى منى. ويجوز فيه التذكير فيُصرف على إرادة الموضع، والتأنيث (١) على إرادة البقعة. وضبطه الأَصيليّ: حَرَا بفتح الحاء والقصر. وقال الخطّابيّ: أصحاب الحديث يخطئون فيه في ثلاثة مواضع، يفتحون الحاء وهي مكسورة، ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة.
واختُلِف في عبادة النبيّ ﷺ قبل مبعثه، هل كانت لأنّه كان متعبِّدًا بشريعة مَن قبله؟ أم كانت لِمّا جعل الله في نفسه وشرح به صدره من نور المعرفة؟ ومن بغضه لِما كان عليه قومه من عبادة الأوثان وسوء السيرة وقبح الأفعال، فكان يفرّ منهم بُغضًا ويخلو بمعروفه أُنسًا؟
ثمّ الذين قالوا: إنّه كان متعبِّدًا بشريعة، فمنهم من نسبه إلى إبراهيم، ومنهم من نسبه إلى موسى، ومنهم من نسبه إلى عيسى. وكلّ هذه أقوال متعارضة لا دليلَ قاطع على صحّة شيء منها. والأصحّ القول الأول؛ لأنّه لو كان متعبِّدًا بشيء من تلك الشرائع؛ لعُلم انتماؤه لتلك الشريعة، ومحافظته على أحكامها وأصولها وفروعها، ولو عُلم شيءٌ من ذلك، لنُقِل؛ إذ العادة تقتضي ذلك؛ لأنّه ﷺ ممّن تتوفّر الدواعي على نقل أحواله وتتبُّعِ أموره، ولمّا لم يكن شيء من ذلك، علم صحّة القول الأول.
و(قوله: حتّى فجئه الحقّ) أي: أتاه الوحي بغتةً، يقال: فجِئ بكسر الجيم يفجَأ، وفجَأ يفجَأ بفتحها أيضًا.
و(قوله: ما أنا بقارئ) ما نافية، واسمها أنا، وخبرها
стр. 370
فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ. فقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهدَ، ثُمَّ أَرسَلَنِي، فَقَالَ: اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
ــ
بقارئٍ، والباء زائدة لمجرَّد النفي والتأكيد. وقال بعضهم: إنّها هنا للاستفهام، وهو خطأ؛ لأنّ هذه الباء لا تزاد على الاستفهام، وإنّما تصلح للاستفهام رواية من رواها: ما أقرأ، وتصلح أيضًا للنفي.
و(قوله: فغطّني) أي: غمّني وعصَرني، ورواه بعضهم: فغتني، وهما بمعنى واحد. وفي العين: غَطَّه في الماء غَرَّقَه وغمسه، ويقال: غَتَّه وغطه وخنقه بمعنى واحد.
و(قوله: حتّى بلغ منّي الجَهد) أي: غاية المشقَّة، بفتح الجيم. والجُهد - بالضمّ -: الطاقة، قاله القُتبيّ (١). وقال (٢) الشعبيّ: الجُهد في القوت (٣) والجَهد في العمل. وقيل هما بمعنى واحد، قاله البصريّون.
وهذا الغط من جبريل للنبيّ ﷺ تفزيع له وإيقاظٌ، حتّى يقبل بكليته ما يُلقى إليه، وتكراره ثلاثًا مبالغة في هذا المعنى. وقال الخطّابيّ: كان ذلك ليبلو صبره ويحسن أدبه فيرتاض لتحمُّل ما كلّفه من أعباء الرسالة. وهذا الحديث نصّ في أوّل ما نزل من القرآن، وهو أولى من حديث جابر إذ قال: إن أوّل ما أُنزِل من القرآن: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ وسياق حديث جابر لا ينصّ على ذلك، بل سكت عمّا ذكرته عائشة من نزول: اقرَأ في حراء، وذكر أنّه رجع إلى خديجة
стр. 371
خَلَقَ الإِنسَانَ مِن عَلَقٍ اقرَأ وَرَبُّكَ الأَكرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم. فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ تَرجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي. فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: أَي خَدِيجَةُ! مَا لِي؟ وَأَخبَرَهَا الخَبَرَ، فقَالَ: لَقَد خَشِيتُ عَلَى نَفسِي،
ــ
فدثّروه، فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ وعائشة أخبرت بأوّل ما نزل عليه في حراء (١)، فكان قول عائشة أولى، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ترجف بوادره) ترعد وتضطرب. والبوادر من الإنسان: اللحمة التي بين المنكب والعنق، قاله أبو عبيد في الغريب. وقد رُوي في الأمّ (٢): يرجف فؤاده، أي: قلبه، وهذا هو سبب طلبه أن يُدَّثّر ويُزّمَّل؛ أي: يغطَّى ويُلفّ؛ لشدّة ما لحقه من هول الأمر وشدّة الضغط. والتزمُّل والتدثُّر واحد، ويقال لكلّ ما يلقى على الثوب الذي يلي الجسد دثار. وأصل المزَّمِّل والمدَّثِّر: المتزمِّل والمتدثِّر، أدغمت التاء فيما بعدها، وقد جاء في أثر أنّهما من أسمائه (٣) ﵊.
و(قوله: لقد خشيتُ على نفسي) اُختُلِف في سبب هذه الخشية، وفي زمانها، فقيل: كانت عند رؤية التباشير وسمع الصوت قبل لقاء الملك، وعند هذا يجوز أن يكون شكّ في حاله ولم يتحقَّق مآله، وأمّا بعد مشافهة الملك وسماعه منه ما أخبره به وما قرأ عليه، فلا يُتصوّر في حقِّه شكٌّ في رسالته بوجه من
стр. 372
فقَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: كَلَاّ! أَبشِر، فَوَاللهِ! لا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَاللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وَتَكسِبُ المَعدُومَ،
ــ
الوجوه. وإن كانت الخشية حصلت منه في هذا الحال، فيحتمل أن كانت من ضعفه عن القيام بأعباء النبوّة والرسالة، وأنّه لا يقدر عليها. ويحتمل أن يكون خوفه من مباعدة قومه له ونفارهم عنه، فيُكذِّبونه ويؤذونه ويقتلونه، وهذا في أوّل أمره قبل أن يعلم بمآل حاله، وأنّ الله يعصمه من الناس، وقول خديجة يُشعِر بهذا، والله تعالى أعلم.
و(قولها: لا يخزيك الله أبدًا) قاله معمر بالحاء المهملة والنون، وقال يونس وعقيل بالخاء المعجمة وبالياء المنقوطة باثنتين من أسفل، ومعناه: لا يفضحك ولا يهينك.
و(قولها: وتحمل الكَلَّ) قال ابن النحّاس: الكَلُّ الثِقَل، من كلَّ شيء في المؤنة والجسم. والكَلّ أيضًا اليتيم والمسافر، وهو الذي أصابه الكلال وهو الإعياء.
و(قولها: وتكسب المعدوم) رُوِيتُه بفتح التاء وضمّها، قال ابن النحاس: يقال: كسبتُ الرجلَ مالاً، وأكسبتُه مالاً، وأنشد:
فأكسبَنِي مالاً وأكسبتُه حمدًا (١)
وحكى أبو عبد الله بن القزّاز أنّ كسب حرف نادر، يقال: كسبتُ المال وكسبتُه غيري، ولا يقال: أكسبتُ. وحكى الهرويّ: كسبتُ مالاً وكسبتُه زيدًا. وحُكي عن ثعلب وابن الأعرابيّ: أكسبتُ زيدًا مالاً. ومعناه أنّه ﵊ كان يَكسب الناس (٢) ما لا يجدونه من معدومات الفوائد والفضائل، وهذا
стр. 373
وَتَقرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. فَانطَلَقَت بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَت بِهِ وَرَقَةَ بنَ نَوفَلِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبدِ العُزَّى - وهو ابنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امرَأً تَنَصَّرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكتُبُ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، وَيَكتُبُ مِنَ الإِنجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَكتُبَ، وَكَانَ شَيخًا كَبِيرًا قَد عَمِيَ -، فَقَالَت لَهُ خَدِيجَةُ: أَي عَمِّ! اسمَع مِنِ ابنِ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ بنُ نَوفَلٍ: يَا ابنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَآه، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنزِلَ عَلَى مُوسَى، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعًا، يَا لَيتَنِي أَكُونُ حَيًّا حين
ــ
أولى في وصفه من قول من قال: إنّ خديجة مدحته باكتساب المال الكثير الذي لا يجده غيره ولا يقدر عليه.
و(قول ورقة: هذا الناموس) قال أبو عبيد في مصنَّفه: هو جبريل ﵇. قال الهرويّ: وسُمِّي جبريل ناموسًا؛ لأنّ الله خصّه بالوحي وعلم الغيب. وقال المطّرز: قال ابن الأعرابيّ: لم يأت في الكلام فاعول، لام الفعل سين إلاّ الناموس، وهو صاحب سرّ الخير، والجاسوس وهو صاحب سرّ الشرّ، والجاروس الكثير الأكل، والفاعوس الحيّة، والبابوس الصبيّ الرضيع، والراموس القبر، والقاموس وسط البحر، والقابوس الجميل الوجه، والفاطوس دابّة يُتشاءم بها، والفانوس النمّام، والجاموس ضرب من البقر. قال ابن دريد في الجمهرة: جاموس أعجميّ وقد تكلّمت به العرب، وقال غيره: الحاسوس بالحاء غيرَ معجمة من تحسّسه بمعنى الجاسوس. وقال ابن دريد: الكابوس هو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس موضع الصائد، وناموس الرجل صاحب سرّه، وفي الحديث: ناعوس البحر (١)، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: يا ليتني فيها جذعًا) فـ: فيها عائد على النبوّة، يريد مدّتها، تمنّى
стр. 374
يُخرِجُكَ قَومُكَ. فقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أومُخرِجِيَّ هُم؟ قَالَ وَرَقَةُ: نَعَم! لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئتَ بِهِ إِلا عُودِيَ، وَإِن يُدرِكنِي يَومُكَ أَنصُركَ نَصرًا مُؤَزَّرًا.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَاللهِ! لا يُحزِنُكَ اللهُ أَبَدًا.
ــ
نصرته في مدّة نبوّته. وجذعًا كذا صحّت الرواية فيه، وعند ابن ماهان جذع مرفوعًا على خبر ليت، وكذا هو في البخاريّ. ونصبه من أحد ثلاثة أوجه:
أوّلها: أنّه خبر كان مقدَّرة؛ أي: يا ليتني أكون فيها جذعًا، وهذا على رأي الكوفيّين كما قالوا في قوله تعالى: انتَهُوا خَيرًا لَكُم؛ أي يكن خيرًا لكم، ومذهب البصريّين أنّ خيرًا إنّما انتصب بإضمار فعل دلّ عليه انتهوا، والتقدير: انتهوا وافعلوا خيرًا. وقال الفرّاء: هو نعت لمصدر محذوف، تقديره: انتهُوا انتهاءً خيرًا لكم.
وثانيها: أنّه حال، وخبر ليت في المجرور، فيكون التقدير: ليتني كائن فيها؛ أي: مدّةَ النبوّة في هذه الحال.
وثالثها: أن يكون ليت أُعمِلت عمل تمنّيتُ، فنصبت اسمين، كما قاله الكوفيّون، وأنشدوا عليه:
يا ليتَ أيّامَ الصبا رواجعا (١)
وهذا فيه نظر.
و(قوله: أنصرك نصرًا مؤزَّرًا) كذا رويناه بالزاي المفتوحة والراء المهملة،
стр. 375
رواه أحمد (٦/ ١٥٣ و ٢٣٢)، والبخاري (٣)، ومسلم (١٦٠)، والترمذي (٣٦٣٦).
[١٢٧] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: إِنَّ الله تَابَعَ الوَحيَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تُوفِّيَ، وَأَكثَرُ مَا كَانَ الوَحيُ يَومَ تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
رواه أحمد (٣/ ٢٣٦)، والبخاري (٤٩٨٢)، ومسلم (٣٠١٦).
* * *
ــ
وهو الصحيح، ومعناه: قوِيًّا، مأخوذ من الأزر وهو القوّة، قال الله تعالى: اشدُد بِهِ أَزرِي. وقوله في الأمّ (١): فجثثتُ منه فرقًا، يروى بالحاء غير معجمة وبالثاءين المثلّثتين، بمعنى: أسرعتُ خوفًا منه. ويروى بالجيم المعجمة والثاءين، وجَئِثتُ (٢) بالجيم وبالهمزة المكسورة مكان الثاء الأولى، قال الهرويّ: جوث الرجل وجئث وجثّ؛ أي: أفزع.
و(قوله في حديث أنس: إنّ الله تابع الوحي على رسوله) يعني: والى، أي: الشيء بعد الشيء. وأكثرُ ما كان مرفوع بالابتداء، وما مع الفعل بتأويل المصدر، وكان تامّة، ويوم: خبر أكثر.
* * *
стр. 376
(٥٤) باب في شق صدر النبي ﷺ في صغره واستخراج حظ الشيطان من قلبه
[١٢٨] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَتَاهُ جِبرِيلُ وهو يَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَن قَلبِهِ، فَاستَخرَجَ القَلبَ، فَاستَخرَجَ مِنهُ عَلَقَةً، فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيطَانِ مِنكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَستٍ مِن ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الغِلمَانُ يَسعَونَ إِلَى
ــ
(٥٤) ومن باب شُقَّ صدرُ النبيّ ﷺ في صِغَره
(قوله: فاستخرج منه علقة) أي: قطعة (١) دم، والعلق الدم. وهذه العلقة المنتزَعَة عنه هي القابلة للوسواس (٢) والمحرِّكة للشهوات، فأُزِيل ذلك عنه، وبذلك أُعين على شيطانه حتّى سلم منه. ولأمَه أي: ضمَّه وجمَعه، وظِئره مُرضِعَتُه، ومنتقَعٌ اللون متغيِّره، يقال: انتَقَعَ لونُه، وابتُقِعَ وامتقع؛ أي: تغيَّر عن حاله. والمخيَط ما يخاط به، وهو الخيط والإبرة. وفي الطست لغات؛ طَستٌ بفتح الطاء وكسرها، وطَسٌّ وطَسَّة، والجمع طِسَاس وطُسُوسٌ وطسَّاتٌ.
وهذا الحديث محمول على ظاهره وحقيقته؛ إذ لا إحالةَ في متنه عقلاً، ولا يُستبعَدُ من حيثُ إنّ شقّ الصدرِ وإخراج القلب موجبٌ للموت، فإنّ ذلك أمر عاديٌّ، وكانت جُلُّ أحوالِه ﷺ خارقةٌ للعادة، إمّا معجزةً، وإمّا كرامةً.
وهذا الشقّ هو خلاف الشقّ المذكور في حديث أبي ذرّ ومالك بن صعصعة؛ بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين. أمّا الزمانان، فالأوّل في صِغَره، والثاني في كِبَره.
стр. 377
أُمِّهِ - يَعنِي: ظِئرَهُ - فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَد قُتِلَ، فَاستَقبَلُوهُ وهو مُنتَقِعُ اللَّونِ. قَالَ أَنَسٌ: قَد كُنتُ أَرَى أَثَرَ المِخيَطِ فِي صَدرِهِ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٨)، ومسلم (١٦٢)، والنسائي (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
* * *
ــ
وأمّا المكانان، فالأوّل كان ببعضِ جهات مكّة عند مُرضِعته، والثاني عند البيت. وأمّا الحالان، فالأوّل نُزِعَ من قلبه ما كان يَضُرُّه وغُسِل، وهو إشارة إلى عصمته، والثاني غُسِل ومُلِئ حكمةً وإيمانًا، وهو إشارة إلى التهيُّؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده. ولا يلتَفِت إلى قول مَن قال: إنّ ذلك كان مرّةً واحدة في صِغَرِه، وأخذ يُغَلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإنّ الغلط به أليق، والوَهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمّةٌ مشاهير حُفَّاظ. ولا إحالةَ في شيء ممّا ذكروه، ولا معارضةَ بينهما ولا تناقُضَ، فصحّ ما قلناه. وبهذا قال جماعة من العلماء، منهم القاضي المُهلَّب بن أبي صُفرة في شرح مختصر صحيح البخاريّ. والله تعالى أعلم.
والحكمة أصلها ما يمنع الجهل والسفه، ومنه حكمة البعير، وكونها تملأ الطست استعارة تُفهِم أنّ المجعولَ في قلبه منها كثيرٌ شريف، وإلاّ فليست العلوم أجسامًا حتّى تملأ الطست. وقيل: إنّ القلب لمّا امتلأ حكمةً بعد غسله بملء الطست من ماء زمزم، قُدِّرت الحكمةُ بما كانت عنده، والله أعلم.
* * *
стр. 378
(٥٥) باب في شق صدر النبي ﷺ ثانية، وتطهير قلبه، وحشوه حكمة وإيمانًا عند الإسراء
[١٢٩] عَن أَبِي ذَرٍّ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: فُرِجَ سَقفُ بَيتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبرِيلُ، فَفَرَجَ صَدرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِن مَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَستٍ مِن ذَهَبٍ مُمتَلِئٍ حِكمَةً وَإِيمَانًا، قال: فَأَفرَغَهَا فِي صَدرِي، ثُمَّ أَطبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ. . وذكر الحديث.
رواه أحمد (٥/ ١٢٢)، والبخاري (١٦٣٦)، ومسلم (١٦٣).
ــ
(٥٥) ومن باب الإسراء
الإسراء سير الليل، يقال: سريتُ مَسرًى وسُرًى وأَسرَيتُ إِسراءً، بمعنى واحد، وبالألف لغة أهل الحجاز وقد جاء في القرآن، وقال حسّان:
حَيِّ النضيرَة رَبَّةَ الخِدرِ ... أسرَت إليك ولم تكن تَسرِي (١)
وقيل: أسرى: سار من أوّل الليل، وسَرَى: سار من آخره، والقول الأوّل أعرف. ويقال سِرينَا سَريَةً واحدةً، والاسم السُريَة بالضمّ والسُرَى. ويقال: أسراه وأسرى به، مثل. أخَذ الخطامَ وأخَذ بالخطامِ.
واختُلِف في كيفيّة هذا الإسراء وفي زمانه، فقيل: كان كلُّه منامًا، وقيل: كان كلُّه يقظةً، وقيل: كان إلى المسجد الأقصى يقظةً، وإلى ما بعد ذلك منامًا. وكلّ تلك الأقسام جائز، ولكن الذي عليه معظم السلف والخلف أنّه أسري بجسده، وحقيقتُهُ في اليقظة إلى آخر ما انطوى عليه الإسراء، وعليه يدلّ ظاهرُ الكتاب (٢) وصحيحُ الأخبار، ومبادرةُ
стр. 379
[١٣٠] وَعَن مَالِكِ بنِ صَعصَعَةَ؛ قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ : بَينَا أَنَا عِندَ البَيتِ بَينَ النَّائِمِ وَاليَقظَانِ، إِذ سَمِعتُ قَائِلا يَقُولُ: أَحَدُ الثَّلاثَةِ بَينَ الرَّجُلَينِ، فَأُتِيتُ، فَانطُلِقَ بِي، فَأُتِيتُ بِطَستٍ مِن ذَهَبٍ فِيهَا مِن مَاءِ زَمزَمَ،
ــ
قريش لإنكار ذلك وتكذيبه. ولو كان منامًا لما أنكروه ولما افتُتِنَ به من افتُتِنَ؛ إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمورٌ عجيبةٌ وأحوالٌ هائلة، فلا يُستبعَد ذلك في النوم، وإنّما يُستبعَد في اليقظة.
ولا يُعارِض ما ذكرناه إلاّ ظاهرُ قوله تعالى: وَمَا جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إِلَّا فِتنَةً لِلنَّاسِ وألفاظٌ وقعت في بعض طُرُق أحاديث الإسراء، كقوله ﵊: بينا أنا نائمٌ، وقوله: فاستيقظتُ ونحو ذلك ممّا وقع في كتاب مسلم وغيرِه. وقد انفصل عن الآية بوجهين:
أحدهما: أنّ هذه قضيّة أخرى غيرُ الإسراء على ما ذكره عكرمة، قال: هي رؤيا دخول المسجد الحرام، والفتنة: الصدّ بالحُدَيبِية.
الثاني: أنّ الرؤيا بمعنى الرؤية والمعاينة، قاله ابن عبّاس في جماعة، والفتنة ارتداد من أنكر ذلك.
وأمّا قوله: بينا أنا نائم يعني في أوّل القصّة، وذلك أنّه كان قد ابتدأ نومه، فأتاه المَلَك فأيقظه. وفي بعض ألفاظِه بينا أنا بين النائمِ واليقظانِ أتاني المَلَك وذكر الحديث.
وقوله: فاستيقظتُ وأنا في المسجد الحرام؛ يحتمل أن يكون استيقاظه من نومٍ نامه بعد الإسراء؛ لأنّ إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنّما كان في بعضها. ويحتمل أن يكون بمعنى. أفقتُ، وذلك ممّا كان غمر باطنَه من عجائب ما رأى، وطالع من ملكوت السماوات، وخامر (١) باطنَه من مشاهدة الملأ
стр. 380
فَشُرِحَ صَدرِي إِلَى كَذَا وكذا. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلتُ لِلَّذِي مَعِي: مَا يَعنِي؟ قَالَ: إِلَى أَسفَلِ بَطنِهِ. فَاستُخرِجَ قَلبِي، فَغُسِلَ بِمَاءِ زَمزَمَ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكمَةً، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبيَضَ، يُقَالُ لَه: البُرَاقُ. . وذكر الحديث.
رواه أحمد (٤/ ٢٠٦)، والبخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤)، والترمذي (٣٣٤٣)، والنسائي (١/ ٢١٧ - ٢١٨).
* * *
ــ
الأعلى، وإلى هذه الإشارة بقوله تعالى: لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى فلم يستَفِق ويرجع إلى حال بشريّته إلاّ وهو بالمسجد الحرام، والله أعلم.
وأمّا متى كان الإسراء؟ فأقلّ ما قيل فيه: إنّه كان بعد مبعثه ﵊ بخمسةَ عشرَ شهرًا، قاله الزهريّ. وقال الحربيّ: كان ليلةَ سبعٍ وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنةٍ. وقال ابن إسحاق: أُسرِيَ به وقد فشا الإسلام بمكّة والقبائل. وقال الزُهريّ: كان ذلك بعد مبعث النبيّ ﷺ بخمس سنين، وهذا أشبه؛ لأنّه لا خلافَ أنّ خديجة صلّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلافَ أنّها توفيت قبل الهجرة بمدّة قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس. وقد أجمع العلماء على أنّ فرض الصلاة كان ليلة الإسراء.
* * *
стр. 381
(٥٦) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا ﷺ من كرامة الإسراء
[١٣١] عَن ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أُتِيتُ بِالبُرَاقِ - وهو دَابَّةٌ أَبيَضُ طَوِيلٌ، فَوقَ الحِمَارِ، وَدُونَ البَغلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِندَ مُنتَهَى طَرفِهِ -. قَالَ: فَرَكِبتُهُ حَتَّى أَتَيتُ بَيتَ المَقدِسِ. قَالَ: فَرَبَطتُهُ بِالحَلقَةِ الَّتِي يَربِطُ بِها الأَنبِيَاءُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلتُ المَسجِدَ فَصَلَّيتُ فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ خَرَجتُ، فَجَاءَنِي جِبرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِن
ــ
(٥٦) ومن باب ما خص الله به محمدا نبينا ﷺ من كرامة الإسراء (١)
و(قوله في صفة البُراق: دابّة أبيض طويل) جاء بوصف المذكَّر؛ لأنّه وصفٌ للبراق، ولو أتى به على لفظ الدابّة، لقال: طويلة. والبُراق مشتقّ من البرق، قاله ابنُ دُرَيد. وقيل: هو من الشاة البَرقاء إذا كان في خلال صُوفِها الأبيض طاقاتٌ سودٌ، ومن هذا قوله ﵊: أَبرِقوا، فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سَودَاوَينِ (٢)؛ أي: ضَحُّوا بالبرقاء، وهي العفراء هنا؛ فإنّ العفرة بياضٌ يخالطه يسيرُ صُفرَةٍ.
و(قوله: عند منتهى طَرفِه) بسكون الراء، وهو العين، يعني أنّه سريعٌ بعيدُ الخطو.
стр. 382
خَمرٍ وَإِنَاءٍ مِن لَبَنٍ، فَاختَرتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبرِيلُ: اختَرتَ الفِطرَةَ. قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ:
ــ
و(قوله: أصبتَ الفِطرَة) أصل الفطرة: ابتداء الخِلقَةِ، ومنه: فطر ناب البعير، إذا ابتدأ خروجه، ومنه: قول الأعرابيّ المتحاكِم إلى ابن عبّاس في البئر: أنا فَطَرتُها، أي: ابتدأتُ حفرَها. وقيل في قوله تعالى: فِطرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا؛ أي: جِبِلَّة الله التي جَبَلَهم عليها من التهيُّؤ لمعرفته والإقرار به (١). وقيل: هي ما أخَذ عليهم في ظهر آدم ﵇ من الاعتراف بربوبيّته. وقيل: الفطرة الإسلام؛ لأنّه الذي تقتضيه فطرة العقل ابتداءً. وقد حُمِل (٢) على هذا قولُه ﵊: كلّ مولود يُولَدُ على الفطرة (٣). . الحديث، وقد نصّ على هذا في حديث آخر، فقال: جَبَلَ اللهُ الخلقَ على معرفته فاجتالتهم الشياطين (٤).
وكأن معنى الحديث أنّه لمّا مال إلى ما يُتناوَل بالجبلَّة والطبع وما لا ينشأ عنه مفسدةٌ وهو اللبن، وعدل عمّا ليس كذلك مما يتَوَقَّعُ منه مفسدة أو من جنسه، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح، صوَّب الملك فعله ودعا له، كما قال في الرواية الأخرى: أصبتَ أصاب الله بك (٥)، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفاؤل والتشبيه؛ لما كان اللبن أوّلَ شيء يدخل جوف الصبيّ ويشقّ أمعاءه، فسمّي بذلك فطرةً.
стр. 383
وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. قَالَ: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. قال: فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِابنَيِ الخَالةِ عِيسَى ابنِ مَريَمَ وَيَحيَى بنِ زَكَرِيَّا - صلوات الله عليهما - فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ. فَقِيلَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: جِبرِيلُ، قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هو قَد أُعطِيَ شَطرَ الحُسنِ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ،
ــ
و(قوله: وقد بعث إليه؟ ) هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ ﷺ وإرساله إلى الخلق. وهذا يدلّ على أنّهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة لا يفترون عنها. وقيل: معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء.
والبيت المعمور سُمّي بذلك؛ لكثرة عمارته بدخول الملائكة فيه وتعبُّدهم عنده. والأسوِدَة جمع سواد، وهي الأشخاص، وسواد الإنسان شخصه، يقال: لا يفارق سوادي سوادَك، وهي هاهنا أرواح بني آدم، وقد فسّرها بنسم بنيه. والنَّسَم جمع نَسَمَة، كالشجر جمع شجرة. ولا يناقض هذا أن يُخبِر الشارع أنّ أرواح المؤمنين في الجنّة أو في الصُور الذي يُنفَخ فيه أو في القبور، وأرواح الكافرين في سجّين؛ لأنّ هذا في أحوالٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متغايرةٍ، والله أعلم.
والسِدرَةُ واحدة السِدر، وهو شجر النبق، وهو من أعظم الشجر جرمًا، وهو أكثر شجر البادية عندهم له شوك. ولأجل هذا وصفه الله بكونه مخضودًا؛ أي: منزوعَ الشوك. وقد فسّر المعنى الذي به سمّيت سدرة المنتهى في حديث عبد الله الآتي (١).
стр. 384
فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدرِيسَ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ، قَالَ اللهُ تَعالَى: وَرَفَعنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. ثُمَّ عَرَجَ بِنا إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ. قَالَ: فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، قِيلَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيرٍ. ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ، فَاستَفتَحَ جِبرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: جِبرِيلُ. قِيلَ: وَمَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَد بُعِثَ إِلَيهِ؟ قَالَ: قَد بُعِثَ إِلَيهِ. فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِإِبرَاهِيمَ مُسنِدًا ظَهرَهُ إِلَى البَيتِ المَعمُورِ، وَإِذَا هو يَدخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبعُونَ أَلفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ. ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدرَةِ المُنتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالقِلالِ. قَالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِن أَمرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَت، فَمَا أَحَدٌ مِن خَلقِ اللهِ يَستَطِيعُ أَن يَنعَتَهَا مِن حُسنِهَا. فَأَوحَى
ــ
و(قوله: فلمّا غَشِيَها مِن أمر الله ما غَشِيَ) يعني. من جلال الله وعظيم شأنه وسلطانه، تغيّرت؛ أي: انتقلت عن حالها الأول إلى حال أحسن منها.
و(قوله: في حديث مالك بن صعصعة: إن سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار، نهران باطنان في الجنة، ونهران ظاهران وهما النيل والفرات) يدلّ على أنّ السدرة ليست في الجنّة، بل خارجًا عنها. وعلى ذلك أيضًا يدلّ قوله تعالى: عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى ولكن قد جاء في حديث أبي هريرة (١):
стр. 385
اللهُ إِلَيَّ مَا أَوحَى، فَفَرَض عَلَيَّ خَمسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ. فَنَزَلتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلتُ: خَمسِينَ صَلاةً. قَالَ: ارجِع إِلَى رَبِّكَ، فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يطِيقون ذَلِكَ، فَإِنِّي قد بَلَوتُ بَنِي إِسرَائِيلَ وَخَبَرتُهُم. قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى رَبِّي، فَقُلتُ: يَا رَبِّ! خَفِّف عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمسًا. فَرَجَعتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلتُ: حَطَّ عَنِّي خَمسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ. قَالَ: فَلَم أَزَل أَرجِعُ بَينَ رَبِّي وَبَينَ مُوسَى، حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشرٌ، فَذَلِكَ خَمسُونَ صَلاةً، وَمَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلهَا كُتِبَت لَهُ حَسَنَةً، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَت لَهُ عَشرًا. وَمَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَم يَعمَلهَا لَم تُكتَب شَيئًا، فَإِن عَمِلَهَا كُتِبَت سَيِّئَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَنَزَلتُ حَتَّى انتَهَيتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخبَرتُهُ، فَقَالَ: ارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ التَّخفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَد رَجَعتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى استَحيَيتُ مِنهُ.
رواه مسلم (١٦٢).
[١٢٩ / م] وَمِن حَدِيثِ أبي ذَرٍّ؛ قَالَ: فَلَمَّا عَلَونَا السَّمَاءَ الدُّنيَا فَإِذَا رَجُلٌ عَن يَمِينِهِ أَسوِدَةٌ، وَعَن يَسَارِهِ أَسوِدَةٌ. قَالَ: فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبلَ شِمَالِهِ بَكَى، فقَالَ: مَرحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالابنِ
ــ
ما يدلّ على أنّ النيل والفرات ظاهران خارجان من الجنّة. ويمكن أن يجمع بينهما؛ أنّ النيل والفرات لمّا كانا مشاركين لنهري الجنّة في أصل السدرة، أُطلِقَ عليهما أنّهما من الجنّة. وسيحان وجيحان يمكن أن يكونا تفرَّعا من النيل والفرات؛ لقرب انفجارهما من الأصل. وقيل: إنّ ذلك إنّما أُطلِق تشبيهًا لهذه الأنهار بأنهار الجنّة؛ لما فيها من شدّة عذوبتها وحسنها وبركتها، والله تعالى أعلم.
стр. 386
الصَّالِحِ - وهكَذَا قَالَ إِبرَاهِيمُ، وَسَائِرُ الأَنبِيَاءِ يَقُولُونَ: مَرحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ -. قَالَ: قُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَن هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسوِدَةُ عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهلُ اليَمِينِ أَهلُ الجَنَّةِ، وَالأَسوِدَةُ الَّتِي عَن شِمَالِهِ أَهلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. . الحديث.
سبق تخريجه برقم (١٢٩).
[١٣٢] وَمِن حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَبَّةَ الأَنصَارِيِّ؛ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرتُ لمُستَوًى أَسمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقلامِ.
رواه أحمد (٥/ ١٤٤)، والبخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).
ــ
و(قوله: حتّى ظهرتُ لمُستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام) ظهرتُ: علوتُ، والمستوَى: موضعٌ مشرفٌ يُستوَى عليه، وقد يكون المستوى يراد به هنا حيث يظهر عدلُ الله وحُكمه لعباده هناك، والسواء والاستواء العدل. وصريف الأقلام: تصويتها فيما يُكتب بها فيه، ومن ذلك صريف الفحل بأنيابه، وهو صوت حَكِّ بعضها ببعض، وهذا المكتوب فيه هو اللوح المحفوظ، والله أعلم.
ولعلّ الأقلام المصوِّتة هنا هي المعبَّر عنها بالقلم المُقسَم به في قوله تعالى: ن وَالقَلَمِ ويكون القلم هنا للجنس. وكيفية الأقلام واللوح لا يعلمها إلاّ الله تعالى أو من أعلمه بذلك. وأمّا تخصيص موسى بأمره للنبيّ ﷺ بمراجعة الله تعالى في الحطّ من الصلوات، فلعلّه إنّما كان لأنّ أمّة موسى (١) كانت
стр. 387
[١٣١ / م] وَمِن حَدِيثِ أَنَسٍ: فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وَهِيَ خَمسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ. وَفِيهِ: ثُمَّ أُدخِلتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسكُ.
سبق تخريجه برقم (١٣١).
ــ
قد كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف غيرها من الأمم، فثقُلَت عليهم، فخاف موسى ﵇ على أمّة محمّد ﷺ مثل ذلك. وعلى هذا يدلّ قوله: فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك، والله أعلم. وقيل: لأنّ موسى كان في السماء السابعة، فكان أوّل من لقي من الأنبياء، وليس بصحيح، فإنّ هذا الحديث نصّ في أنّ موسى ﵇ كان في السادسة وإبراهيم في السابعة، فكان يكون إبراهيم أولى بذلك. والأشبه الأوّل، والله أعلم.
وهذا الحديث نصّ في وقوع النسخ قبل التمكّن من الامتثال، وهو ردّ على من خالف في ذلك، وهم المعتزلة.
و(قوله: مَا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ) دليل على استقرار هذا العدد، فلا يُزاد فيه ولا ينقص منه، وهو ردّ على أبي حنيفة في حكمه بوجوب صلاة سادسة وهي الوِتر، سيّما وقد جُعِلت هذه الخمس بمنزلة الخمسين، فلو استقرّت في علم الله ستًّا، لبُدِئ فرضها ستّين، ثمّ نقص على ستٍّ؛ إذ كلّ صلاة بعشر.
و(قوله: ثمّ أُدخِلتُ الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) قال ابن الأعرابيّ: الجَنبَذَةُ: القبّة، وجمعها جَنَابِذ. وقال ثابت عن يعقوب: هو ما ارتفع من البناء. ووقع في كتاب البخاريّ في كتاب الصلاة (١) حبائل اللؤلؤ، وهو تصحيف، والصحيح الأوّل على ما قاله جماعة من العلماء.
стр. 388
[١٣٠ / م] وَمِن حَدِيثِ مَالِكِ بنِ صَعصَعَةَ: قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزتُهُ - يعني: موسى - بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ! هَذَا غُلامٌ بَعَثتَهُ بَعدِي، يَدخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أَكثَرُ مِمَّا يَدخُلُ مِن أُمَّتِي. وَفِيهِ: وَحَدَّثَ رسول اللهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَربَعَةَ أَنهَارٍ يَخرُجُ مِن أَصلِهَا نَهرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنهرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَا هَذِهِ الأَنهَارُ؟ ، فقَالَ: أَمَّا النَّهرَانِ البَاطِنَانِ: فَنَهرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ.
سبق تخريجه برقم (١٣٠).
ــ
وأبو حبّةَ الأنصاريّ صحح اسمه بالباء بواحدة من أسفلَ، وقد رواه الفارسيّ عن المروزيِّ باثنتين، وليس بشيء. واسمه مالك بن عمرو البدريّ، وقال الغسّانيّ: اسمه عامر، وقيل: زيد، وهو يشتبه بحيّةَ بالياء، وهو حيي بن حيّةَ الثقفيّ.
وبكاء موسى ﵇ إشفاق وحزن على أمّته؛ لما تقدّم من ضلالهم ولأجل ما فاته من كثرة ثواب من عساه أن يؤمنَ من أمّته به لو آمن.
وفي حديث أنس ما يقتضي أنّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: ثمّ ذهب بي إلى السدرة بعد أن استفتح السماء السابعة، ففتح له فدخل، وفي حديث عبد الله أنّها في السماء السادسة. وهذا تعارض لا شكّ فيه، وما في حديث أنس أصحّ، وهو قول الأكثر، والذي يقتضيه وصفُها بأنّها التي ينتهي إليها علمُ كلّ مَلَكٍ مقرَّب وكلّ نبيّ مرسل على ما قاله كعب، وقال: وما خلفها غيبٌ لا يعلمه إلاّ الله، وكذلك قال الخليل بن أحمد.
وقيل: إليها تنتهي أرواح الشهداء. وقال ابن عبّاس: هي عن يمين العرش، وأيضًا فإنّ حديث أنس مرفوع وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمُسنَدُ المرفوعُ أولى.
стр. 389
[١٣٣] وَعَن عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: لَمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، انتهي به إِلَى سِدرَةِ المُنتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُعرَجُ بِهِ مِنَ الأَرضِ، فَيُقبَضُ مِنهَا، وَإِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُهبَطُ بِهِ مِن فَوقِهَا، فَيُقبَضُ مِنهَا. قَالَ: إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى. قَالَ: فَرَاشٌ مِن ذَهَبٍ. قَالَ: فَأُعطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثًا: أُعطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ، وَأُعطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَن لَم يُشرِك بِاللهِ مِن أُمَّتِهِ شَيئًا المُقحِمَاتُ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٧)، ومسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٢)، والنسائي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
* * *
ــ
و(قوله: إذ يغشى السدرةَ ما يغشى) يُغَطِّي ويعلو. والفراش: كلّ ما يطير من الحشرات والديدان. وفي حديث ابن جُرَيج: وأُرخِيَت عليها ستورٌ من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزَبَرجَد.
و(قوله: وغفر لمن لم يشرك بالله شيئًا المُقحَماتِ) أي: الذنوب العظام التي تقحِمُهم في النار؛ أي: تُدخِلهم فيها بمشقّةٍ وكُرهٍ وشِدَّةٍ، يقال: اقتحم يقتحم؛ أي: دخل في أمر شاقّ، وأقحَمتُه أنا: أدخلتُهُ فيه.
و(قوله: وأعطي خواتيم سورة البقرة) إنّما خصّت بذلك؛ لما تضمّنته من التخفيف عنهم والثناءِ على رسول الله ﷺ والمؤمنين، وإجابةِ دعواتهم ونُصرتِهم، وقد تقدَّم القول فيهما.
* * *
стр. 390
(٥٧) باب رؤية النبي ﷺ للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال
[١٣٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَمَرَرنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزرَقِ، فقالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ مِن لَونِهِ وَشَعَرِهِ شَيئًا لَم يَحفَظهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرنَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرشَى أو لِفتٌ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمرَاءَ، عَلَيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوَادِي مُلَبِّيًا.
رواه أحمد (١/ ٢١٥ و ٢٣٢)، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١).
ــ
(٥٧) ومن باب رؤيته ﵊ للأنبياء
(قوله ﵊: كأنّي أنظرُ إلى موسى؛ يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره، وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي، ويحتمل أن يكون ذلك كله مناما. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهو نص حديث ابن عمر.
والجؤار رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى: فَإِلَيهِ تَجأَرُونَ. وهَرشِى بفتح الهاء وسكون الراء. جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. ولَفت روي عن أبي بحرٍ أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء، وقاله ابن سراج بكسر اللام وسكون الفاء. وأنشد بعضهم:
مررت بلفتٍ والثريا كأنها ... قلائد درٍ حلّ عنها نظامها