[٢١٥٣] وعَن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ أُختِ عُكَّاشَةَ قَالَت: دَخَلتُ بِابنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَم يَأكُل الطَّعَامَ، فَبَالَ عَلَيهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ. قَالَت: وَدَخَلتُ عَلَيهِ بِابنٍ لِي قَد أَعلَقتُ عَلَيهِ مِن العُذرَةِ فَقَالَ:
ــ
الدَّواء، فخالفوه، فعاقبهم بأن اقتص منهم، ففعل بهم ما فعلوا به، فكان فيه دليل على مشروعية القصاص في كل شيء يتأتى فيه القصاص، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾
وقال بعض أصحابنا: فيه ما يدلّ على قتل الجماعة بالواحد؛ لأنَّهم لما تمالؤوا وتعاونوا على لده اقتصَّ من جميعهم - وفيه بُعدٌ لإمكان مراعاة الفرق، فإنَّه يمكن أن يقال: جاز ذلك فيما لا إراقة دم فيه لخفته في مقصود الشرع، ولا يجوز ذلك في الدِّماء لحرمتها وعظم أمرها في مقصود الشرع، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر، وإنَّما الذي يستنبط منه أن الحاضر في الجناية المعين عليها كالناظور الذي هو الطليعة كالمباشر له، فيقتص من الكل، لكن فيما لا دم فيه على ما قررناه، وقد نبَّه النبي ﷺ على هذا المعنى بقوله إلا العباس فإنَّه لم يشهدكم.
وفيه من الفقه منع إكراه المريض على الطعام والشراب والدواء، كما قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإنَّ الله تعالى يغذيهم (١).
وقول أم قيس دخلت على النبي ﷺ بابن لي قد أعلقت عليه من العذرة، كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم أعلقت عليه بلا خلاف فيه، ووقع في البخاري باختلاف؛ ففي رواية معمر وغيره كما في كتاب مسلم، وفي رواية سفيان بن عيينة أعلقت عنه، قال الخطابي: وهو الصواب - وإلى ذلك أشار ابن الأعرابي.
والعذرة وجع الحلق، فخافت أن يكون به ذلك، فرفعت لهاته بأصبعها. وقال الأصمعي: العذرة قريبٌ من اللهاة. وفي البارع (٢): العذرة
стр. 3257
عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا العِلَاقِ؟ ! عَلَيكُنَّ بِهَذَا العُودِ الهِندِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبعَةَ أَشفِيَةٍ؛ مِنهَا ذَاتُ الجَنبِ يُسعَطُ مِن العُذرَةِ وَيُلَدُّ مِن ذَاتِ الجَنبِ.
ــ
اللهاة. وقد تقدَّم أن اللَّهاة اللحمة الحمراء التي في آخر الفم وأول الحلق، والنِّساء ترفعها بأصابعهن، فنهاهنَّ النبي ﷺ عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعل ذلك يزيد في وجع اللهاة.
وقوله علام تدغرن أولادكنَّ بهذا العِلاق؟ ! ، تدغرن: الرواية الصحيحة فيه بالدال المهملة والغين المعجمة - لا يجوز غيره، ومعناه هنا رفع اللهاة، وأصله الرفع، ومنه قول العرب: دغرى لا صفَّى، ودغرًا لا صفًا - منونًا وغير منوَّن، يقولون هذا في الحرب؛ أي: ادفعوا عليهم ولا تصطفُّوا لهم.
والعلاق الرواية فيه بكسر العين، ووقع في بعض النسخ الأعلاق وهو الصواب قياسًا؛ لأنَّه مصدر أعلقت، وهو المعروف لغة.
ومقصود هذا الاستفهام الإنكار على النساء في فعل ذلك بأولادهن.
وقوله عليكن بهذا العود الهندي، هذه إحالة منه لهن على استعمال العود الهندي الطيب الرائحة في مرض الحلق المسمَّى بالعذرة، ثم بيَّن لهم كيفية العلاج به بقوله يسعط من العذرة؛ أي يُدَقُّ ناعمًا ويُسعط في الأنف. وهذا يفيد أنَّه يستعمل وحده ولا يضاف إلى غيره، ثمَّ زاد فقال ويلدُّ من ذات الجنب، ويعني به الوجع الذي يكون في الجنب المسمَّى بالشَّوصة، وقال الترمذي: يعني به السِّلَّ - وفيه بُعد، والأول أعرف. وهل يلد به منفردًا مدقوقًا أو مع غيره؟ يُسأل عن الأنفع من ذلك أهل الخبرة من المسلمين ممن جرَّب ذلك أو تباشر تجربته؛ إذ لا بدَّ من نفعه في ذلك المرض، لأنَّ رسول الله ﷺ لا يقول إلا حقًّا.
وقوله فإنَّ فيه سبعة أشفية، بيَّن منها في الحديث اثنين وسكت عن
стр. 3258
وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَامَه تَدغَرنَ أَولَادَكُنَّ بِهَذَا الإِعلَاقِ؟ عَلَيكُم بِالعُودِ الهِندِيِّ - يَعنِي بِهِ الكُستَ. قَالَ يُونُسُ: أَعلَقَت غَمَزَت، فَهِيَ تَخَافُ أَن تكُونَ بِهِ عُذرَةٌ.
رواه البخاري (٥٧١٥)، ومسلم (٢٨٧)(٨٦) و (٢٢١٤) و (٢٢١٤)(٨٧).
* * *
ــ
الخمسة، وقد ذكر الأطبَّاء في كتبهم أن فيه من الأشفية أكثر مما في هذا الحديث.
قال أبو عبد الله المازري: رأيت في كتبهم - يعني الأطباء - أنه يدر البول والطمث وينفع من السُّموم ويحرك شهوة الجماع ويقتل الدود وحبَّ القرع إذا شُرِب بالعسل، ويذهب بالكلف إذا طلي عليه، وينفع من ضعف الكبد والمعدة وبردهما، ومن حمَّى الوِرد والرِّبع، وينفع من النَّافض لُطُوخًا بالزيت قبل نفض الحمَّى، ولمن به فالج واسترخاء. قال: وهو صنفان؛ بحري، وهندي - فالبحري: هو القسط الأبيض يؤتى به من بلاد المغرب. ونص بعضهم على أن البحري أفضل من الهندي، وهو أقل حرارة منه. قال إسحاق بن عمران: هما حارَّان يابسان في الدرجة الثالثة، والهندي أشد حرًّا في الجزء الثالث. وقال ابن سينا: القُسط حارٌّ في الثالثة يابس في الثانية.
قلت: ويُسمى الكُست كما قال الراوي، وحينئذ يشكل هذا بما ذكر من قول الأطبَّاء إن البحري من العود يُسمى القسط يؤتى به من بلاد المغرب، فكيف يكون هنديًّا ويؤتى به من المغرب؟ ! إلا أن يريدوا مغرب الهند، فإن قيل: فإذا كان في العود الهندي هذه الأدوية الكثيرة، فما وجه تخصيص منافعه بسبع مع أنها أكثر من ذلك؟ ولأي شيء لم يُفصلها؟ فالجواب عن الأول بعد تسليم أن
стр. 3259
(١٣) باب التداوي بالشونيز والتلبينة
[٢١٥٤] عن أبي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِي الحَبَّةِ السَّودَاءِ شِفَاءً مِن كُلِّ دَاءٍ، إِلَّا السَّامَ. وَالسَّامُ المَوتُ، وَالحَبَّةُ السَّودَاءُ الشُّونِيزُ.
رواه مسلم (٢٢١٥)(٨٨).
ــ
لأسماء الأعداد مفهوم مخالفةٍ: إن هذه السَّبع المنافع هي التي علمها بالوحي وتحققها، وغيرها من المنافع علمت بالتجربة، فتعرَّض لما علمه بالوحي دون غيره. وعن الثاني: إنَّه إنما فضَّل منها ما دعت الحاجة إليه وسكت عن غيره لأنَّه لم يُبعث لبيان تفاصيل الطبِّ ولا لتعليم صنعته، وإنما تكلم بما تكلم به منه ليُرشد إلى الأخذ فيه والعمل به، وأن في الوجود عقاقير وأدوية ينتفع بها، وعيَّن منها ما دعت حاجتهم إليها في ذلك الوقت وبحسب أولئك الأشخاص، والله تعالى أعلم.
(١٣) ومن باب: المداواة بالشُّونِيز والتَّلبينة
قوله في الحبَّة السوداء شفاء من كل داء، اختلف في الحبَّة السَّوداء؛ فقال الحربي: إنَّه الخردل. وحكى الهروي عن غيره أنها الحبَّة الخضراء، قال: والعرب تسمِّي الأخضر أسود والأسود أخضر، وهي ثمرة البُطم وهو المسمَّى بالضَّرو، وأولى ما قيل فيها إنَّها الشونيز لوجهين؛
أحدهما: أنه المذكور في الحديث.
وثانيهما: أنه أكثر منافع من الخردل وحب الضَّرو، فتعيَّن لأن يكون هو المراد بالحديث؛ إذ مقصوده الإخبار بأكثرية فوائده ومنافعه على ما نذكره.
стр. 3260
[٢١٥٥] وعَن عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَت إِذَا مَاتَ المَيِّتُ مِن أَهلِهَا فَاجتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقنَ إِلَّا أَهلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَت بِبُرمَةٍ مِن تَلبِينَةٍ فَطُبِخَت ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّت التَّلبِينَةُ عَلَيهَا، ثُمَّ قَالَت: كُلنَ مِنهَا؛ فَإِنِّي
ــ
والشُّونيز قيده بعض مشايخنا بفتح الشين، وقال ابن الأعرابي: هو الشُّينيز، كذا تقوله العرب. وقال غيره: الشَّونيز - بالضم، وقد ذكر الأطباء للشونيز منافع كثيرة وخواص عجيبة.
قال القاضي أبو الفضل عياض: ذكر جالينوس من منافعه أنه يُحلِّل النَّفخ، ويقتل ديدان البطن إذا أُكِل أو وضع على البطن، ويشفي من الزكام إذا قُلِي وصُرَّ في خرقة واشتُمَّ، وينفع من العلَّة التي يتقشَّر منها الجلد، ويقلع الثآليل والخِيلان (١)، ويدر الطمث الكائن عن الأخلاط الغليظة اللَّزجة، وينفع من الصُّداع إذا طلي به الجبين، ويقلع البثور والجرب، ويحلل الأورام البلغمية إذا شمَّه مع الخل، وينفع من الماء العارض في العين إذا استُعِط مسحوقًا مع دهن الأرِيسَا، وينفع من انصباب النفس، ويتمضمض به من وجع الأسنان، ويدر البول واللبن، وينفع من نهشة الدُّبيلى (٢)، وإذا بخر به طرد الهوامَّ.
وقال غيرُ جالينوس: من خاصته إذهابُ حمَّى البلغم والسَّوداء، ويقتل حبَّ القرع، وإذا عُلِّق من عنق المزكوم نفعه، وينفع من حمى الرِّبع. قال بعضهم: ولا يبعد منفعة الحار من أدواء حارَّةٍ لخواصَّ فيها كوجود ذلك في أدوية كثيرة فيكون الشونيز منها لعموم قوله ﷺ ، ويكون أحيانًا مفردًا وأحيانًا مركَّبًا.
قلت: وعلى هذا القول الآخر تحمل كليَّة الحديث على عمومها وإحاطتها، ولا يستثنى من الأدواء شيء إلا الدَّاء الذي يكون عنه الموت في علم
стр. 3261
سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: التَّلبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ المَرِيضِ، يذهِبُ بَعضَ الحُزنِ.
رواه البخاريُّ (٥٦٨٩)، ومسلم (٢٢١٦)(٩٠).
* * *
ــ
الله تعالى، وعلى القول الأول يكون ذلك العموم محمولًا على الأكثر والأغلب، والله تعالى أعلم.
وقوله التلبينة مُجمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهب بعض الحزن، التلبينة حساء من دقيق، ومُجمَّةٌ يروى بفتح الميم والجيم وبضم الميم وكسر الجيم، فعلى الأول هو مصدر؛ أي: جمامٌ. وعلى الثاني يكون اسم فاعل من أجمَّ، ومعناه أنَّها تقوِّيه وتُنشطه، وذلك أنها غذاء فيه لطافةٌ سهل التناول على المريض، فإذا استعمله المريض اندفع عنه الحرارة الجوعيَّة وحصلت له القوة الغذائية من غير مشقَّة تلحقه فيسرى (١) عنه بعض ما كان فيه، ونشط، وذهب عنه الضيق والحزن الذي كان يجده بسبب المرض، وإنما كانت عائشة ﵂ تصنعها لأهل الميت وتثرد فيها لأن أهل الميت شغلهم الحزن عن الغذاء فاشتدَّت حرارة أحشائهم من الجوع والحزن، فلما أطعمتهم التلبينة انكسرت عنهم حرارة الجوع فخف عنهم بعض ما كانوا فيه. ولا يلزم من فعلها ذلك لهؤلاء أن يفعل بالمريض كذلك فيثرد له فيها، وإنَّما ذلك بحسب الحال، فإنَّ احتاج المريض إلى تقوية غذاء التلبينة بلبابٍ (٢) يضاف إليها فحسن.
وعلى الجملة: فالتلبينة غذاء لطيف لا ضرر فيه غالبًا، فلذلك نبَّه عليه النبي ﷺ .
стр. 3262
(١٤) باب التداوي بالعسل
[٢١٥٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي قد استَطلَقَ بَطنُهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسقِهِ عَسَلًا! فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَال: إِنِّي سَقَيتُهُ عَسَلًا فَلَم يَزِدهُ إِلَّا استِطلَاقًا! فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اسقِهِ عَسَلًا! فَقَالَ: لَقَد سَقَيتُهُ فَلَم يَزِدهُ
ــ
(١٤) ومن باب التداوي بالعسل
قول الرجل إن أخي استطلق (١) بطنه قيَّدناه بضم التاء وكسر اللام مبنيًا للمفعول، بطنه - مرفوعًا - مفعول لما لم يسم فاعله، ومعناه أصيب بالإسهال، وقد عبَّر عنه في الرواية الأخرى تعرَّب (٢) بطنه؛ أي: تغيَّر عن حال الصحة إلى هذا المرض، كما يقال: عربت معدته - بكسر الراء - إذا تغيَّرت وفسدت، تَعرَبُ عُرَبًا - بالفتح فيهما.
وقوله ﷺ اسقه عسلًا، قد اعترض بعض زنادقة الأطباء على هذا فقال: قد أجمعت الأطباء على أن العسل يسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ! فجوابه أن يقال: إن هذا الطعن صدر عن جهل بأدلة صدق النبي ﷺ وبصناعة الطب؛ أما الأول: فلو نظر في معجزاته ﷺ نظرًا صحيحًا لعلم على القطع أنه يستحيل عليه الكذب والخلف، ومن حصل له هذا العلم فحقه شرعًا وعقلًا إذا وجد من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن ذلك القول حق في نفسه وأن يضيف القصور إلى نفسه، فإن أرشده هذا الصادق إلى فعل ذلك الشيء على وجه فيستعمله على الوجه الذي عيَّنه وفي المحل الذي أمره بعقد نيَّة وحسن طويَّة؛
стр. 3263
إِلَّا استِطلَاقًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَبَ بَطنُ أَخِيكَ - فَسَقَاهُ فَبَرَأَ.
ــ
فإنَّه يرى منفعته ويدرك بركته، كما قد اتفق لصاحب هذا العسل، وإن لم يعيَّن له كيفية ولا وجهًا فسبيل العاقل ألا يقدم على استعمال شيء حتى يعرف كيفية العمل به، فليبحث عن وجه العمل اللائق بذلك الدواء، فإذا انكشف له ذلك فهو الذي أراده الصادق، وهذا البحث إنما يكون مع العلماء بالطب من المسلمين الموثوق بعلمهم وصحَّة تجربتهم.
وأما جهل هذا الطاعن بصناعة الطب فقد جازف في النقل حيث أطلق في موضع التقييد وحكى إجماعًا لا يصح له، وبيان ذلك بما قاله الإمام أبو عبد الله؛ قال: ينبغي أن يعلم أن الإسهال يَعرِض من ضروب كثيرة، فمنها: الإسهال الحادث عن التُّخم والهيضات (١)، والأطباء مجمعون في مثل هذا على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، وإن احتاجت إلى معين على الإسهال أعينت ما دامت القوة باقية، فأما حبسها فضرر. فإذا وضح هذا قلنا: فيمكن أن يكون هذا الرجل أصابه الإسهال عن امتلاء وهيضة، فأمره النبي ﷺ بشرب العسل فزاده فزاده، إلى أن فنيت تلك المادة فوقف الإسهال، فوافقه شرب العسل، فإذا خرج هذا على صناعة الطب أذن ذلك بجهل المعترض بتلك الصناعة.
قال: ولسنا نستظهر على قول نبيِّنا بأن يصدقه الأطبَّاء، بل لو كذبوه لكذبناهم وكفرناهم، وصدَّقناه ﷺ ، فإن أوجدونا بالمشاهدة صحة ما قالوه فنفتقر حينئذ إلى تأويل كلام رسول الله ﷺ وتخريجه على ما يصح؛ إذ قامت الدلالة على أنه لا يكذب.
وقوله صدق الله، وكذب بطن أخيك تنبيه على أنه ﷺ انتزع هذا العلاج بالعسل من قول الله تعالى: ﴿يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُختَلِفٌ أَلوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ والصحيح من قوله فِيهِ أنه عائدٌ على العسل بدليل هذا
стр. 3264
وفي رواية: فَقَالَ إِنَّ أَخِي عَرِبَ بَطنُهُ! فَقَالَ لَهُ: اسقِهِ عَسَلًا - نحو ما تقدم.
رواه أحمد (٣/ ٩٢)، والبخاريُّ (٥٦٨٤)، ومسلم (٢٢١٧)(٩١)، والترمذي (٢٠٨٣).
* * *
ــ
الحديث، ولأنه ليس في الآية ذكرٌ لغيره - وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة، وقال مجاهد: هو عائد إلى القرآن. والأوَّل أولى لما ذكرناه.
قلت: ومقتضى الآية أن العسل فيه شفاء ما، لا كلُّ شفاء؛ لأنَّ شِفَاءٌ نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل اللِّسان ومحققي أهل الأصول، لكن قد حملتها طائفة من أهل الصدق والعزم على العموم فكانوا يستشفون بالعسل من كل الأوجاع والأمراض، وكانوا يستشفون من عللهم ببركة القرآن وبصحة التصديق والإيقان، وقد كان ابن عمر ﵄ لا يشكو قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه عسلًا، حتى الدُّمَّلَ إذا خرج عليه طلاه عسلًا، فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله سبحانه يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾؟ وروي أن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال: ائتوني بماء، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَنَزَّلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ ثم قال: ائتوني بعسل، فإنّ الله يقول: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: ائتوني بزيت، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ﴾ فجاؤوه بذلك كله، فخلطه جميعًا ثم شربه فبرأ. وحكى النقَّاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل، ويستمشي (١) بالعسل، ويتداوى بالعسل - فهذا كله عمل بمطلق القرآن الكريم، وأصله صدق النية وصحة الإيمان.
стр. 3265
(١٥) باب ما جاء أن الطاعون إذا وقع بأرض فلا يخرج منها فرارا، ولا يقدم عليها
[٢١٥٧] عن أُسَامَة بن زيد قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الطَّاعُونُ رِجزٌ أُرسِلَ عَلَى بَنِي إِسرَائِيلَ - أَو: عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم -
ــ
(١٥) ومن باب ما جاء في الطاعون
قوله الطاعون رجز أرسل على من كان قبلكم، قد جاء هذا اللفظ مفسَّرا في الرواية الأخرى، حيث قال: إن هذا الوجع - أو السُّقمُ - رجز عذب به بعض الأمم (١)، فقد فسَّر الطاعون بالمرض والرجز بالعذاب، والطاعون زنة فاعول من الطعن، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالًا على الموت العام (٢) بالوباء على ما قاله الجوهري. وقال غيره: أصل الطَّاعون القروح الخارجة في الجسد. والوباء: عموم الأمراض. قال: وطاعون عَمواس إنما كان طاعونًا وقروحًا.
قلت: ويشهد لصحَّة هذا قوله ﷺ وقد سُئل عن الطاعون، فقال: غُدَّة كغدَّة البعير تخرج في المراق (٣) والآباط (٤)، وقال غير واحد من العلماء: تخرج في الأيدي والأصابع وحيث شاء الله من البدن.
قلت: وحاصله أن الطاعون مرض عام يكون عنه موت عام، وقد يسمَّى بالوباء، ويُرسله الله نقمة وعقوبة لمن يشاء من عصاة عبيده وكفرتهم، وقد يرسله
стр. 3266
فَإِذَا سَمِعتُم بِهِ بِأَرضٍ فَلَا تَقدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِهَا فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنهُ.
ــ
شهادة ورحمة للصالحين من عباده، كما قال معاذ في طاعون الشام: إنه شهادة ورحمة لكم، ودعوة نبيكم. قال أبو قلابة: يعني بدعوة نبيكم أنه ﷺ دعا أن يجعل فناء أمته بالطَّعن والطَّاعون (١). كذا جاءت الرواية عن أبي قلابة بالواو، قال بعض علمائنا: والصحيح بالطَّعن أو الطاعون بأو التي هي لأحد الشيئين؛ أي: لا ي تمع ذلك عليهم.
قلت: ويظهر لي أن الروايتين صحيحتا المعنى، وبيانه أن مراد النبي ﷺ بأمته المذكورة في الحديث إنما هم أصحابه؛ لأنَّه ﷺ قد دعا لجميع أمته ألا يهلكهم بسنة عامة ولا بتسليط أعدائهم عليهم فأجيب إلى ذلك، فلا تذهب بيضتهم ولا معظمهم بموت عام ولا بعدوٍّ على مقتضى هذا الدعاء.
والدعاء المذكور في حديث أبي قلابة يقتضي أن يفنى جميعهم بالقتل والموت العام، فتعيَّن أن يصرف الأول إلى أصحابه لأنَّهم هم الذين اختار الله لمعظمهم الشهادة بالقتل في سبيل الله وبالطاعون الذي وقع في زمانهم فهلك به بقيتهم، فعلى هذا قد جمع الله لهم كلا الأمرين، فتبقى الواو على أصلها من الجمع، أو تحمل أو على التنويعية والتقسيمية، والله تعالى أعلم.
وقوله فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، على ظاهر هذا الحديث عمل عمر والصحابة معه ﵃ أجمعين - لما رجعوا من سَرغ حين أخبرهم بهذا الحديث عبد الرحمن بن عوف، وإليه صاروا. وقالت عائشة ﵂: الفرار من الوباء كالفرار من الزحف، وإنما نهي عن القدوم عليه أخذًا بالحزم والحذر
стр. 3267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والتحرُّز من مواضع الضرر، ودفعًا للأوهام المشوشة (١) لنفس الإنسان. وإما نهي عن الفرار منه لأنَّ الكائن في الموضع الذي الوباء فيه لعلَّه قد أخذ بحظ منه، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام، فلا فائدة لفراره، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادي الوباء مشقات السفر فيتضاعف الألم ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق، ولذلك يقال: قلَّما فرَّ أحد من الوباء فسلم. ويكفي من ذلك موعظة قوله تعالى: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ قال الحسن: خرجوا حذرًا من الطاعون فأماتهم الله تعالى في ساعة واحدة، وهم أربعون ألفًا، وقيل غير هذا. وقالت طائفة أخرى: إنه يجوز القدوم على الوباء والفرار منه، وحكي ذلك عن عمر ﵁ فإنَّه ندم على رجوعه من سرغ، وقال: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ. وكتب إلى عامله بالشام بأنه إذا (٢) وقع عندكم الوباء فاكتب حتى أخرج إليه. وكتب إلى أبي عبيدة في الطاعون، فعزم عليه أن يقدم عليه مخافة أن يصيبه الطاعون. وروي عن مسروق والأسود وأبي موسى الأشعري ﵃ أنهم فرُّوا من الطاعون، وروي عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: تفرَّقوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤوس الجبال. واعتمد أصحاب هذا القول على أن الآجال محدودة والأرزاق مقدَّرة معدودة، فلا يتقدَّم شيء على وقته، ولا يتأخر شيء عن أجله، فالواجب صحة الاعتماد على الله والتسليم لأمر الله، فإنَّ الله تعالى لا رادَّ لأمره ولا معقب لحكمه، فالقدوم على الوباء والفرار سيان بالنسبة إلى سابق الأقدار.
وتأوَّل بعضهم الحديث بأن مقصوده التحذير من فتنة الحي فيعتقد أن
стр. 3268
وَقَالَ أَبُو النَّضرِ: لَا يُخرِجُكُم إِلَّا فِرَارا مِنهُ.
رواه أحمد (٥/ ٢٠٦)، والبخاريُّ (٥٧٢٨)، ومسلم (٢٢١٨)، والترمذي (١٠٦٥).
ــ
هلاك من هلك من أجل قدومه على الوباء ونجاة من نجا من أجل فراره، قالوا: وهذا نحو نهيه عن الطيرة والقرب من المجذوم مع قوله لا عدوى، فمن خرج من بلاد الطاعون أو قدم عليها جاز له ذلك إذا أيقن أن قدومه لا يعجل له أجلًا أخره الله تعالى وأن فراره لا يؤخر عنه أجلًا عجَّله الله تعالى، ولذلك قال ابن مسعود ﵁: الطاعون فتنة على المقيم والفار؛ أما الفارُّ فيقول: بفراري نجوت! وأما المقيم فيقول: أقمت فمت! وإلى نحو هذا أشار مالك حين سُئل عن كراهية النظر إلى المجذوم، فقال: ما سمعت فيه بكراهة، وما أرى ما جاء من النهي عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شيء يقع في نفسه. قال النبي ﷺ في الوباء: إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وسُئل أيضًا مالك عن البلد يقع فيه الموت وأمراض، فهل يكره الخروج (١) إليه؟ فقال: ما أرى بأسًا، خرج أو أقام. قيل: فهذا يشبه ما جاء في الحديث من الطاعون! قال: نعم.
قلت: وهذا فيه نظر سيأتي إن شاء الله في حديث ابن عباس.
وقوله في حديث أبي النضر لا يخرجكم إلا فرارًا منه رويناه بالنصب والرفع، وعلى الروايتين فهو مشكل؛ لأنَّه يفيد بحكم ظاهره أنه لا يجوز لأحد أن يخرج من الوباء إلا من أجل الفرار، وهذا محال، وهو نقيض مقصود الحديث من أوله إلى آخره قطعًا، ولما ظهر هذا الفساد قيَّده بعض رواة الموطأ الإفرار بهمزة مكسورة وسكون الفاء، توهَّم فيه أنه مصدر، وهذا ليس بصحيح؛ لأنَّه لا يقال
стр. 3269
[٢١٥٨] وعنه، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الوَجَعَ - أَو السَّقَمَ - رِجزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعضُ الأُمَمِ قَبلَكُم، ثُمَّ بَقِيَ بَعدُ بِالأَرضِ، فَيَذهَبُ المَرَّةَ وَيَأتِي الأُخرَى، فَمَن سَمِعَ بِهِ بِأَرضٍ فَلَا يَقدَمَنَّ عَلَيهِ، وَمَن وَقَعَ بِأَرضٍ وَهُوَ بِهَا فَلَا يُخرِجَنَّهُ الفِرَارُ مِنهُ.
رواه مسلم (٢٢١٨)(٩٦).
[٢١٥٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرغَ لَقِيَهُ أَهلُ الأَجنَادِ - أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ
ــ
أفرُّ - رباعيًّا، وإنما يقال فرَّ، ومصدره فرار ومفرّ، كما قال تعالى: ﴿قُل لَن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرتُم مِنَ المَوتِ أَوِ القَتلِ﴾ وقال: ﴿أَينَ المَفَرُّ﴾ وقد أشكل هذا الكلام على كثير من العلماء الأعلام حتى قالت جماعة: إن إدخال إلا فيه غلط. وقال بعضهم: إنها زائدة. كما قد تزاد لا في مثل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾؛ أي: ما منعك أن تسجد. وقال بعض النحويين: إن إلا هنا للإيجاب؛ لأنها توجب بعض ما نفاه من الجملة ونهى عنه من الخروج، فكأنه قال: لا تخرجوا منها إذا لم يكن خروجكم إلا فرارًا - وأباح الخروج لغرض آخر. والأقرب أن تكون زائدة، والصحيح إسقاطها كما قد صح في الروايات الأخر.
وقوله أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام، كان هذا الخروج منه بعدما فتح بيت المقدس سنة سبع عشرة على ما ذكره خليفة بن خيَّاط، وكان يتفقد أحوال رعيته وأحوال أمرائه، وكان قد خرج قبل ذلك إلى الشام لما حاصر أبو عبيدة إيلياء وهي البيت المقدَّس عندما سأل أهلها أن يكون صلحهم على يدي عمر، فقدم وصالحهم ثم رجع، وذلك سنة ست عشرة من الهجرة.
وقوله حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد، سرغ رويناه بفتح الراء
стр. 3270
وَأَصحَابُهُ - فَأَخبَرُوهُ أَنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِالشَّامِ.
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ عُمَرُ: ادعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ! فَدَعَوتُهُم فَاستَشَارَهُم، وَأَخبَرَهُم أَنَّ الوَبَاءَ قَد وَقَعَ بِالشَّامِ فَاختَلَفُوا؛ فَقَالَ بَعضُهُم: قَد خَرَجتَ لِأَمرٍ وَلَا نَرَى أَن تَرجِعَ عَنهُ. وَقَالَ بَعضُهُم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا نَرَى أَن تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي! ثُمَّ قَالَ: ادعُ لِي الأَنصَارَ! فَدَعَوتُهُم لَهُ، فَاستَشَارَهُم فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاختَلَفُوا كَاختِلَافِهِم، فَقَالَ: ارتَفِعُوا عَنِّي! ثُمَّ قَالَ: ادعُ
ــ
وسكونها، وهي قرية بتبوك - قاله ابن حبيب. قال ابن وضاح: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة، وقيل: هي آخر عمل الحجاز.
ففيه بيانُ ما يجب على الإمام من تفقُّد أحوال رعيته ومباشرة ذلك بنفسه، والسفر إلى ذلك وإن طال.
والأمراء جمع أمير، وكان قد قسَّم الشام على أربعة أمراء، تحت كل واحدٍ منهم جند وناحية: أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حَسَنة، ويزيد بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل - ثم لم يمت عمر حتى جمع الشام لمعاوية.
وفيه دليل على إباحة العمل والولاية لمن كانت له أهلية ذلك من العلم والصلاح إذا اعتقدوا أنهم متمكنون من العمل بالحق والقيام به، فإذا عملوا بذلك حصل لهم أجر أئمة العدل.
وقوله ادعُ لي المهاجرين الأولين! فاستشارهم دليلٌ على استشارة أولي العلم والفضائل (١) وتقديم أهل السوابق، وهذا من عمر ﵁ عمل بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ﴾ وقد استشار النبي ﷺ أصحابَه غير مرّة، وإن كان أكمل الناس عقلًا وأغزرهم علمًا، ولكن كان ذلك ليسنَّ ويطيب قلوب أصحابه.
والمهاجرون الأولون من صلَّى إلى
стр. 3271
لِي مَن كَانَ هَاهُنَا مِن مَشيَخَةِ قُرَيشٍ مِن مُهَاجِرَةِ الفَتحِ! فَدَعَوتُهُم فَلَم يَختَلِف عَلَيهِ رَجُلَانِ، فَقَالُوا: نَرَى أَن تَرجِعَ بِالنَّاسِ وَلَا تُقدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ. فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إِنِّي مُصبِحٌ عَلَى ظَهرٍ، فَأَصبِحُوا عَلَيهِ! فَقَالَ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ: أَفِرَارًا مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: لَو غَيرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيدَةَ! وَكَانَ عُمَرُ يَكرَهُ خِلَافَهُ - نَعَم، نَفِرُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ! أَرَأَيتَ لَو كَانَت لَكَ إِبِلٌ فَهَبَطَت وَادِيًا لَهُ عُدوَتَانِ إِحدَاهُمَا خَصبَةٌ وَالأُخرَى
ــ
القبلتين، وأما من لم يُسلِم إلا بعد تحويل القبلة فلا يعدُّ في الأولين.
والمشيخة الشيوخ، وفيها لغات بكسر الشين وفتحها، والكسر أشهر. ويقال أيضًا: شيوخًا ومشايخ. وهذه كلها جمع شيخ، مع زيادة الميم. فأمَّا من غير ميم فهو جمع شيوخ وأشياخ وشِيخان وشِيَخَة - بكسر الشين، فأمَّا بالفتح فهي مؤنثة شِيخ، فأمَّا الشَّيَخ فهو مصدر شاخ يشيخ، ويقال فيه شيخوخة.
ومهاجرة الفتح هم الذين هاجروا قبل الفتح بيسير، وقيل: هم مسلمة الفتح - وفيه بُعد؛ لأنَّ الهجرة قد ارتفعت بعد الفتح، وإنما أخرهم عمر عن غيرهم لتأخرهم في الإسلام والهجرة، ولكن استشارهم لشيخهم ولكمال خبرتهم للأمور، ولما استشارهم لم يختلف عليه منهم أحد، فترجَّح عنده رأيهم ونادى في الناس إنِّي مصبح على ظهر؛ أي: على ظهر طريق، أو ظهر بعير - مرتحلًا، فأصبحوا عليه؛ أي: مرتحلين. وهذا يدلّ على أنه إنما عزم على الرجوع لرأي أولئك المشيخة لما ظهر أنه أرجح من رأي غيرهم ممن خالفهم، ووجه أرجحية هذا الرأي أنه جمع فيه بين الحزم والأخذ بالحذر وبين التوكل والإيمان بالقدر، وبيان ذلك بحجَّة عمر على أبي عبيدة ﵄ حين قال له أفرارا من قدر الله؟ ! ، وذلك أن أبا عبيدة ظهر له ألا يرجع ويتوكل على الله ويُسلم للقدر؛ لأنَّ ما يقدَّر عليه لا ينجيه منه رجوع ولا فرار، فأجابه عمر ﵁ بأن قال له لو غيرك قالها! ؛ أي: ليت غيرك يقول ذلك القول.
стр. 3272
جَدبَةٌ، أَلَيسَ إِن رَعَيتَ الخَصبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ وَإِن رَعَيتَ الجَدبَةَ رَعَيتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَجَاءَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ - وَكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعضِ حَاجَتِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عِندِي مِن هَذَا عِلمًا! سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعتُم بِهِ بِأَرضٍ فَلَا تَقدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرضٍ وَأَنتُم بِهَا فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنهُ. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، ثُمَّ انصَرَفَ.
ــ
فكأنه قال: لا يليق هذا القول بك لعلمك وفهمك، وإنما يليق ذلك بغيرك ممن قل علمه وقصر فهمه. ثم احتج عليه بأن قال نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله؛ إذ لا محيص للإنسان عما قدَّره الله عليه، لكن أمرنا الله بالتحرُّز من المخاوف والهلكات وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات والحذر وجلب المنافع ودفع الضرر، ثم المقصِّر في ذلك ملوم عادة وشرعًا ومنسوبٌ إلى التفريط عقلًا وسمعًا، وإن زعم أنه المتوكل على الله المسلِّم لأمر الله.
ولما بيَّن عمر ذلك المعنى بالمثال لاح الحق وارتفع الجدال، ثم لم يبرح عمر من مكانه حتى جاءه الحق ببرهانه، فحدَّثهم عبد الرحمن بما قاله في ذلك النبي ﷺ فسُرَّ بذلك عمر ﵁ سرورًا ظهر لديه فحمد الله وأثنى عليه حيث توافق الرأي والسمع وارتفع الخلاف وحصل الجمع، فرجع من موضعه ذلك إلى المدينة سالِمًا موفورًا، وكان في سعيه ذلك مصيبًا مشكورًا.
وعند هذا يعلم الفطن العاقل أن تلك الأقوال التي حكيت عنه في ندمه على الرجوع من سرغ ومن فتياه بإباحة القدوم على الوباء والفرار منه لم يصح عنه شيء من ذلك، وكيف يندم على هذا النظر القويم ويرجع عن هذا المنهج المستقيم الذي قد تطابق عليه العقل والسمع واصطحب عليه الرأي والشرع! هذا ما لا يكون، فالحاكون عنه هم المتقوِّلون، والله تعالى أعلم.
ومن أعظم فوائد هذا الحديث إجماع الصحابة ﵃ على العمل بالرأي والاجتهاد وقبول أخبار الآحاد كما بيَّنا ذلك في الأصول.
стр. 3273
زاد في رواية: وَقَالَ لَهُ أَيضًا: لَو أنه رَعَى الجَدبَةَ وَتَرَكَ الخَصبَةَ أَكُنتَ مُعَجِّزَهُ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَسِر إِذن! قَالَ: فَسَارَ حَتَّى أَتَى المَدِينَةَ، فَقَالَ: هَذَا المَحِلُّ - أَو هَذَا المَنزِلُ - إِن شَاءَ اللَّهُ.
وفي أخرى: فرجع عمر من سرغ.
رواه أحمد (١/ ١٩٤)، والبخاريُّ (٥٧٢٩)، ومسلم (٢٢١٩) (٩٨ و ٩٩ و ١٠٠)، وأبو داود (٣١٠٣).
* * *
ــ
وقوله هذا المحل؛ أي المدينة، يعني أنها المحل الذي لا يرغب عنه ولا يفضل غيره عليه وإن كثر خصب البلاد واتسع حال أهلها، يقال بكسر الحاء وفتحها، والفتح هو الأصل المطَّرد؛ لأنَّ ما كان على فعل يَفعُل الأصل فيه أن يأتي المكان منه بالفتح إلا أحرفًا سمع فيها الكسر والفتح.
تكميل: قال أبو عمر ﵀: لم يبلغني أن أحدا من حملة العلم فرَّ من الطاعون إلا ما ذكره ابن المديني أن علي بن زيد بن جدعان هرب من الطاعون إلى السَّيالة (١)، فكان يجمع كل جمعة ويرجع، فكان إذا جمع صاحوا به: فرَّ من الطَّاعون! فطعن، فمات بالسَّيالة. وذكر أبو حاتم عن الأصمعي: هرب بعض البصريين من الطاعون فركب حمارًا له، ومضى بأهله نحو سَفَوان (٢)، فسمع حاديًّا يحدو خلفه:
لن يُسبَقَ اللهُ على حمارٍ ... ولا على ذِي منعةٍ طيَّار
إذ يأتي الحتف على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري
стр. 3274
(١٦) باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا نوء ولا غول
[٢١٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: لَا عَدوَى، ولا
ــ
وذكر المدائني قال: وقع الطاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان فخرج هاربًا منه، فنزل قرية من قرى الصعيد يقال لها سُكَر، فقدم عليه رسول لعبد الملك فقال له: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مدرك. فقال: أوَّه! ما أراني راجعًا إلى الفسطاط - فمات في تلك القرية.
وروى أبو عمر عن الأصمعي قال: لما وقع طاعون الجارف بالبصرة فني أهلها على ريح (١)، وامتنع الناس من دفن موتاهم، فدخلت السباع البصرة على ريح الموتى، وخلت سكَّة بني جرير فلم يُبقِ الله فيها سوى جارية، فسمعت صوت الذئب في سِكَّتهم ليلًا، فأنشأت تقول:
ألا أيها الذئب المنادي بسحرةٍ ... إلي أنبئك الذي قد بدا لِيَا
بدا لي أني قد نُعِيتُ وإنني ... بَقيَّة قومٍ ورَّثوني البواكيا
وإنِّي بلا شكٍّ سأتبَعُ مَن مضى ... ويتبعني مِن بَعدُ مَن كان تالِيَا
(١٦) ومن باب لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة ولا غول
لا في هذا الحديث وإن كانت نفيًا لما ذكر بعدها فمعناها النهي عن الالتفات لتلك الأمور والاعتناء بها؛ لأنَّها في أنفسها ليست بصحيحة، وإنما هي
стр. 3275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من أوهام جهَّال العرب، وبيان ذلك أنهم كانوا يعتقدون أن المريض إذا دخل في الأصحاء أمرضهم وأعداهم، وكذلك في الإبل، فنفى النبي ﷺ ذلك وأبطله، ثم إنهم لما أوردوا على النبي ﷺ الشبهة الحاملة لهم على ذلك حين قالوا: فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب فيدخل فيها فيجربها - قطع حجتهم وأزاح شبهتهم بكلمة واحدة، وهي قوله: فمن أعدى الأول؟ ، ومعنى ذلك أن البعير الأجرب الذي أجرب هذه الصحاح - على زعمهم - من أين جاءه الجرب؟ أمن بعير آخر فيلزم التسلسل؟ أو من سبب غير البعير فهو الذي فعل الجرب في الأول والثاني وهو الله تعالى الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء؟
وهذه الشبهة التي وقعت لهؤلاء هي التي وقعت للطبائعيين أولًا وللمعتزلة ثانيًا؛ فقال الطبائعيون بتأثيرات الأشياء بعضها في بعض وإيجادها إياها وسموا المؤثر طبيعة، وقالت المعتزلة بنحو ذلك في أفعال الحيوانات والمتولدات، وقالوا: إن قدرهم مؤثرة فيها بالإيجاد، وإنهم خالقون لأفعالهم مستقلون باختراعها. واستند الكل ممن ذكر للمشاهدة الحسية، وربما نسبوا منكر ذلك إلى إنكار البديهة، وهذا غلط فاحش، وسببه أنهم التبس عليهم إدراك الحس بإدراك العقل، فإنَّ الذي شاهدوه إنَّما هو تأثير شيء عند شيء آخر، وهذا حظ الحس، أما تأثيره فيه فلا يدرك حسًّا بل عقلًا، فإنَّ الحس إنما أدرك وجود شيء عند شيء وارتفاعه عند ارتفاعه، أما إيجاده به فليس للحس فيه مدخل، فأما المتقاربات في الوجود على حالة واحدةٍ فالعقل هو الذي يفرق، فيحكم بتلازم بعضها بعضًا عقلًا ويحكم بتلازم بعضها بعضا (١) عادة مع جواز التبدُّل عقلًا، ولقد أحسن من قال من العقلاء النظار الفضلاء: إياك والانخداع بالوجود والارتفاع!
واستيفاء الكلام على هذا في علم الكلام.
стр. 3276
طيرة، وَلَا صَفَرَ، وَلَا هَامَةَ. فَقَالَ أَعرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّملِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَجِيءُ البَعِيرُ الأَجرَبُ فَيَدخُلُ فِيهَا فَيُجرِبُهَا كُلَّهَا! قَالَ: فَمَن أَعدَى الأَوَّلَ؟
زاد في رواية: ولا نوء.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٧)، والبخاريُّ (٥٧١٧)، ومسلم (٢٢٢٠).
ــ
وفيه دليل على جواز مشافهة من وقعت له شبهة في اعتقاده بذكر البرهان العقلي إذا كان السائل (١) أهلًا لفهمه، فأمَّا أهل القصور فيخاطبون بما تحتمله عقولهم من الأمور الإقناعيات.
والطيرة قد تقدم الكلام فيها في الصلاة، ويأتي إن شاء الله.
والصفر تأخير المحرَّم إلى صفر، وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه، وإلى هذا ذهب مالك وأبو عبيدة، وقيل: هو دودٌ في البطن يهيج عند الجوع، كانت العرب تراها أعدى من الجرب، وأنشدوا (٢):
لا يتأرَّى لِمَا في القِدرِ يَرقُبُه ... ولا يَعَضُّ على شُرسُوفِهِ الصَّفَرُ
وإلى هذا ذهب مطرِّف وابن وهب وابن حبيب، وهو اختيار أبي عبيدة.
والهامَّة مشدد الميم طائر تتشاءم به العرب، فإذا سقطت في دار أحدهم رآها ناعية له نفسه أو أحدًا من أهله، وإلى هذا التفسير ذهب مالك، وقيل: كانت العرب تعتقد أن عظام الميت أو رأسه ينقلب هامَّة يطير، ويسمى ذلك الطائر: الصَّدى - قال لبيد:
فلَيسَ النَّاسُ بَعدَكَ في نَعِيمٍ ... ولا هُم غَيرَ أَصدَاءٍ وهامِ
стр. 3277
[٢١٦١] وعن أبي الزُّبَيرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَا عَدوَى، وَلَا صَفَرَ، وَلَا غُولَ.
وفي رواية: ولا طيرة بدل ولا صفر.
وذكُرُ أبو الزبير أَنَّ جَابِرًا فَسَّرَ لَهُم فقال: الصَّفَرُ البَطنُ. فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَيفَ؟ قَالَ: كَانَ يُقَالُ دَوَابُّ البَطنِ. وَلَم يُفَسِّر الغُولَ، قَالَ أَبُو الزُّبَيرِ: هَذِهِ الغُولُ الَّتِي تَغَوَّلُ.
رواه أحمد (٣/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٢٢٢) (١٠٧ و ١٠٩).
* * *
ــ
قال الإمام أبو عبد الله: أما البُوم فالأنثى منه الهامَّة، والذكر منه يسمى الصَّدى.
قلت: وهذا يُشعر أن أبا عبد الله وقع له في هذا الحديث ولا بوم ففسَّره بما قال، ولم يقع في كتاب مسلم إلا قوله ولا نوء؛ أي: لا تصح نسبة الأمطار والرياح للنوء، وقد تقدَّم تفسيره في الإيمان.
والغول: كانت العرب تتحدَّث أن الغيلان تتراءى للناس في الفلوات فتتغول لهم تغوَّلًا؛ أي: تتلوَّن تلوَّنًا، فتضلّهم عن الطريق فتهلكهم. قال الجوهري: الغول - بالضم - من السَّعالى، والجمع: أغوال وغيلان. وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غُولٌ، يقال غالته غول إذا وقع في مهلكة.
ومقصود هذا الحديث إبطال ما كانت العرب تقوله وتعتقده في هذه الأمور، وألا يُلتفت لشيء من ذلك لا بالقلب ولا باللسان، والله أعلم.
* * *
стр. 3278
(١٧) باب لا يورد ممرض على مصح
[٢١٦٢] عن أبي سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدوَى. وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُورِدُ مُمرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ.
ــ
(١٧) ومن باب: لا يُورِدُ ممرضٌ على مصح
الورود هو الوصول إلى الماء، وأورد إبله إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل مورد، والإبل موردة، وممرض: اسم فاعل من أمرض الرجل إذا أصاب ماشيته مرض - قاله يعقوب. ومصح: اسم فاعل من أصح (١)؛ إذا أصابت ماشيته عاهة ثم صحت - قاله الجوهري. وقد جمع أبو هريرة ﵁ في هذه الرواية بين قوله ﷺ لا عدوى وبين قوله لا يورد ممرض على مصح، وهو جمعٌ صحيح لا بُعد فيه؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية لا خبر عن الوجود، فقوله لا عدوى أي: لا يجوز اعتقادها.
وقوله لا يورد ممرض على مصحٍّ؛ أي لا يفعل ذلك، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهذا كنحو أمره ﷺ بالفرار من المجذوم، فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته تألَّمت نفسه، وربما تأذت بذلك ومرضت، ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة. ومع ذلك فالطبع أغلب،
стр. 3279
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلتَيهِمَا عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيرَةَ بَعدَ ذَلِكَ عَن قَولِهِ لَا عَدوَى، وَأَقَامَ عَلَى أَن لَا يُورِد مُمرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ، فَلَا أَدرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيرَةَ أَو نَسَخَ أَحَدُ القَولَينِ الآخَرَ؟
رواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، والبخاريُّ (٥٧٧١)، ومسلم (٢٢٢١)(١٠٤)، وأبو داود (٣٩١١)، وابن ماجه (٣٥٤١).
* * *
ــ
وإذا كان الأمر بهذه المثابة (١) فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة ولا يتعرض فيه إلى هذا الخطر، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضًا إرادة علاجه حتى يزيله. ولا شك في نقص عقل من كان على هذا، وإنما الذي يليق بالعقلاء ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن مع علمه بأنه لا ينجي حذر عن قدر، وبمجموع الأمرين وردت الشرائع وتوافقت على ذلك العقول والطبائع.
وأما سكوت أبي هريرة عن قوله لا عدوى وإيراد الحديث من غير لا يورد ممرض على مصح بعد أن حدَّث بمجموعهما فلا يصح أن يكون من باب النسخ كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن؛ لأنهما لا تعارض بينهما، إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه، بل الواجب أن يقال: إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين لا متعارضين؛ كخبر يتضمَّن حكما من أحكام الصلاة وآخر يتضمن حكمًا من أحكام الطهارة مثلًا. وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة يحتمل أوجهًا؛
стр. 3280
(١٨) باب في الفأل الصالح وفي الشؤم
[٢١٦٣] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا طِيَرَةَ، وَخَيرُهَا الفَألُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الفَألُ؟ قَالَ: الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسمَعُهَا أَحَدُكُم.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٦)، والبخاريُّ (٢٧٥٥)، ومسلم (٢٢٢٣)(١١٠).
ــ
أحدها: النسيان المتقدّم، كما قال أبو سلمة.
وثانيها: أنهما لما كانا خبرين متغايرين (١) لا ملازمة بينهما جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية.
وثالثها: أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين، فسكت عن أحدهما، حتى إذا أمن من ذلك حدَّث بهما جميعًا.
ورابعها: أن يكون حمله على ذلك وجه غير ما ذكرناه لم يطَّلع عليه أحدًا.
وعلى الجملة: فكل ذلك محتمل، غير أن الذي يقطع بنفيه النسخ على ما قرَّرناه، والله أعلم.
(١٨) ومن باب: الفأل الصالح
قوله ﷺ لا طيرة، وخيرها الفأل، حاصل الطيرة أن يسمع الإنسان قولًا أو يرى أمرًا يخاف منه ألا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله، والفأل نقيض ذلك، وهو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه
стр. 3281
[٢١٦٤] ونحوه عن أنس.
رواه البخاريُّ (٥٧٥٦ و ٥٧٧٦)، ومسلم (٢٢٠٤) (١١١ و ١١٢)، وأبو داود (٣٩١٦)، والترمذيُّ (١٦١٥).
ــ
أن يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله، وهذا معنى ما فسَّر به النبي ﷺ الفأل، وكان رسول الله ﷺ يكره الطيرة ويعجبه الفأل.
وروى الترمذي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا راشد! يا نجيح! وهو حديث حسن (١) صحيح غريب (٢).
وروى أبو داود عن بريدة أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث غلامًا سأل عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح به ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رُئي كراهية ذلك في وجهه، وإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإذا أعجبه اسمها فرح بها ورُئي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رُئي كراهية ذلك في وجهه ﷺ (٣).
وروى قاسم بن أصبغ عن بريدة بن حصيب قال: كان رسول الله ﷺ لا يتطير، ولكن يتفاءل، فركب بريدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سهم يتلقى رسول الله ﷺ ليلًا، فقال له رسول الله ﷺ : من أنت؟ ، فقال: بريدة. فالتفت إلى أبي بكر ﵁ فقال: برد أمرنا وصلح، ثم قال: ممن؟ ، قال: من أسلم. قال لأبي بكر: سلمنا، ثم قال: ممن؟ ، قال: من بني سهم. قال: خرج سهمنا (٤) - وذكر الحديث.
وإنما كان يعجبه الفأل لأنَّه تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسُن الظَّن بالله ، وقد قال الله تعالى: أنا عند ظن
стр. 3282
[٢١٦٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا عَدوَى وَلَا طِيَرَةَ، إِنَّمَا الشُّؤمُ فِي ثَلَاثَةٍ: المَرأَةِ، وَالفَرَسِ، وَالدَّارِ.
رواه البخاريُّ (٥٧٥٣ و ٥٧٧٢)، ومسلم (٢٢٢٥)(١١٦)، وأبو داود (٣٩٢٢)، والترمذي (٢٨٢٥)، والنسائي (٦/ ٢٢٠)، وابن ماجه (٨٦).
ــ
عبدي بي (١)، وإنما كان يكره الطيرة لأنَّها من أعمال أهل الشرك ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما قد روى أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: الطيرة شرك - ثلاثا - وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل (٢)؛ أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت الجاهلية تعتقده فيها فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك فقد تشبَّه بأهل الشرك، ولذلك قال وما منا أي: ليس على سنتنا.
وقوله إلا هي إلا الاستثنائية، ومعنى ذلك أن المتطيِّر ليس على سنة النبي ﷺ إلا أن يمضي لوجهه ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك (٣) عنها بحيث لا تخطر له مرة واحدة، فإنَّ إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا، ولذلك قال النبي ﷺ في حديث معاوية بن الحكم - لما قال له: ومنا رجال يتطيَّرون - فقال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدَّهم، وفي بعض النسخ فلا يضرَّهم، لكنه إذا صحَّ تفويضه إلى الله تعالى وتوكله عليه وداوم على ذلك أذهب الله تعالى ذلك عنه، ولذلك قال: ولكن الله يذهبه بالتوكل (٤)، وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا (٥).
стр. 3283
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشؤم نقيض اليمن، وهو من باب الطيرة، ولذلك قال ﷺ : لا طيرة، إنما الشؤم في ثلاثة: المرأة، والفرس، والدار، وقد تخيل بعض أهل العلم أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله لا طيرة وأنه مخصوص بها، فكأنه قال: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك. وممن صار إلى هذا القول ابن قتيبة، وعضد هذا بما يروى عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: الطيرة على من تطيَّر (١)، وقال أبو عبد الله: إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس وحمله على ظاهره ولم يتأوَّله، فذكر في كتاب الجامع من العتبية (٢) أنه قال: ربَّ دار سكنها قوم فهلكوا، وآخرون بعدهم فهلكوا - وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره. ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، دار سكنَّاها والعدد كثير والمال وافر، فذهب العدد وقلَّ المال (٣)! فقال رسول الله ﷺ : دعوها ذميمة (٤).
قلت: ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا، فإنَّ هذا ظن خطأ، وإنما يعني بذلك أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه
стр. 3284
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو مع امرأة يكرهها، بل قد فسح له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم. فإن قيل: فهذا يجري في كل متطير به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب ما نبَّهنا عليه من أن هذه ضروريَّة في الوجود ولا بدَّ للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصَّها بالذكر لذلك، فإن قيل (١): فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء؟ فإنَّ الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه! فالجواب ما قاله بعض أهل العلم: إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام؛
أحدها: ما لم يقع التأذي به ولا اطَّردت عادة به خاصة ولا عامَّة، لا نادرة ولا متكررة، فهذا لا يصغى إليه، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه، كلقي غراب في بعض الأسفار، أو صراخ بومة في دار، ففي مثل هذا قال ﷺ : لا طيرة (٢) ولا تطيَّروا، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنَّه ليس في لقاء الغراب ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه، لا على جهة الندور ولا التكرار.
وثانيها: ما يقع به الضرر ولكنه يعمُّ، ولا يخص ويندر، ولا يتكرر، كالوباء، فهذا لا يقدِّم عليه عملًا بالحزم والاحتياط، ولا يُفَرُّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضَّرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلًا لهلكته كما قدمناه.
стр. 3285
[٢١٦٦] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِن يَكُن مِن الشُّؤمِ شَيءٌ حَقّا فَفِي الفَرَسِ وَالمَرأَةِ وَالدَّارِ.
رواه البخاريّ (٥٠٩٤)، ومسلم (٢٢٢٥)(١١٧).
[٢١٦٧] وعن جابر بن عبد الله، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِن كَانَ فِي شَيءٍ فَفِي الرَّبعِ وَالخَادِمِ وَالفَرَسِ
رواه مسلم (٢٢٢٧)(١٢٠)، والنسائي (٦/ ٢٢٠).
* * *
ــ
وثالثها: سببٌ يخص ولا يعم، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال، وقد وضح الجواب، والله الموفق للصواب.
وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أخر؛
منها: أن بعضهم قال: إنما هذا منه ﷺ خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به لا أنه خبر عن الشرع، وهذا ليس بشيء؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله ، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال: الشؤم في المسكن ضيقه وسوء جيرانه، وفي المرأة سوء خلقها وألا تلد، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه. وهذا المعنى لا يليق بالحديث، ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث، وما ذكرناه أولى، والله تعالى أعلم.
وقوله إن يكن من الشؤم شيء حقًّا ففي الفرس والمرأة والدار، وفي اللفظ الآخر إن كان في شيء ففي الربع والخادم والفرس، مقتضى هذا
стр. 3286
(١٩) باب النهي عن الكهانة، وعن إتيان الكهان، وما جاء في الخط
[٢١٦٨] عَن مُعَاوِيَةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُمُورًا كُنَّا نَصنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؛ كُنَّا نَأتِي الكُهَّانَ! قَالَ: فَلَا تَأتُوا الكُهَّانَ. قَالَ: قُلتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ! قَالَ: ذَاكَ شَيءٌ يَجِدُهُ أَحَدُكُم فِي نَفسِهِ، فَلَا يَصُدَّهم. قَالَ: قُلتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ! قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِن الأَنبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَن وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ.
رواه مسلم (٥٣٧)(١٢١).
ــ
المساق أنه ﷺ لم يكن محقّقًا لأمر الشؤم بهذه الثلاثة في الوقت الذي نطق بهذا، لكنه تحققه بعد ذلك لما قال: إنما الشؤم في ثلاثة، وقد بيَّنَّا مراده بالشؤم فيما تقدَّم والحمد لله.
والمراد بالربع الدار كما قال في الرواية الأخرى، وقد يصح حمله على أعم من ذلك، فيدخل فيه الدكان والفندق وغيرهما مما يصلح الربع له، والمرأة تتناول الزوجة والمملوكة، والخادم يتناول الذكر والأنثى لأنَّه اسم جنس.
(١٩) ومن باب النهي عن الكهانة وإتيان الكهان
الكهان: جمع كاهن، ككتاب جمع كاتب، والكهانة: ادِّعاء علم الغيب، وقد تكلَّمنا على حديث معاوية بن الحكم في باب نسخ الكلام في الصلاة. قال القاضي أبو الفضل: الكهانة كانت في العرب على أربعة أضرب؛
أحدها: أن يكون للإنسان رَئِي من الجن يخبره بما يسترق من السمع، وهذا
стр. 3287
[٢١٦٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الكُهَّانَ كَانُوا
ــ
القسم قد بطل منذ بعث الله محمدًا ﷺ كما نصَّ الله تعالى عليه في الكتاب.
والثاني: أن يخبره بما يطرأ ويكون في أقطار الأرض، وما يخفى مما قرب أو بعد، وهذا لا يبُعد وجوده.
ونفت هذا كله المعتزلة وبعض المتكلمين وأحالوه، ولا استحالة ولا بُعد في وجود مثل هذا، لكنهم بعد يكذبون، والنهي عام في تصديقهم والسماع منهم.
الثالث: التخمين والحزر، وهذا يخلق الله فيه لبعض الناس شدة قوة، لكن الكذب في هذا الباب أغلب. قال: ومن هذا الباب العرافة، وصاحبها عرَّاف، وهو الذي يستدلُّ على الأمور بأسباب ومقدمات يدِّعي معرفتها. وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هي (١) العيافة - بالياء، وكلها ينطلق عليها اسم الكهانة.
قلت: وإذا كان كذلك فسؤالهم عن غيب ليخبروا عنه حرام، وما يأخذون على ذلك حرام، ولا خلاف فيه؛ لأنَّه حلوان الكاهن المنهي عنه.
قال أبو عمر: ويجب على من ولي الحسبة أن يقيمهم من الأسواق وينكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك، وإن ظهر صدق بعضهم في بعض الأمور فليس ذلك بالذي يخرجهم عن الكهانة، فإنَّ تلك الكلمة إما خطفة جني أو موافقة قدر ليغترَّ به بعض الجهال، ولقد انخدع كثير من المنتسبين للفقه والدين فجاؤوا إلى هؤلاء الكهنة والعرافين فبهرجوا عليهم بالمحال واستخرجوا منهم الأموال، فحصلوا من أقوالهم على السراب والآل (٢)، ومن أديانهم على الفساد والضلال.
стр. 3288
يُحَدِّثُونَنَا بِالشَّيءِ فَنَجِدُهُ حَقًّا! قَالَ: تِلكَ الكَلِمَةُ يَخطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقذِفُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ وَيَزِيدُ فِيهَا مِائَةَ كَذبَةٍ.
رواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)(١٢٢).
ــ
وقوله تلك الكلمة يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه؛ أي يرميها في أذنه ويُسمعه إياها، وفي الرواية الأخرى فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة؛ أي يضعها في أذنه، يقال: قررت الخبر في أذنه أقره قرًّا. ويصحُّ أن يقال: ألقاها في أذنه بصوت. يقال: قرَّ الطائر صوت.
وقرُّ الدجاجة بكسر القاف حكاية صوتها، قال الخطابي: قرَّت الدجاجة (١) تقرُّ قرًّا وقريرًا - إذا رجَّعت فيه، قيل: قرقرت قرقرةً وقرقريرًا. قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... وإن قرقرت هاجَ الهوَى قرقرِيرُها (٢)
قال: والمعنى أن الجني يقذف الكلمة إلى وليه الكاهن فيتسامع بها الشياطين كما تؤذن الدجاج بصوت صواحباتها فتتجاوب.
قلت: والأشبه بمساق الحديث أن يكون معناه أن الجنِّي يلقي إلى وليه تلك الكلمات بصوت خفي متراجع يُزَمزِمُهُ ويُرَجِّعه له كما يلقيه الكهان للناس، فإنَّهم تسمع لهم زمزمة وإسجاع وترجيع على ما علم من حالهم بالمشاهدة والنقل. ولم يختلف أحدٌ من رواة مسلم أن الرواية في هذا اللفظ قرَّ الدجاجة يعني به الطائر المعروف، واختلف فيه عن البخاري؛ فقال بعض رواته كقرِّ الزجاجة بالزاي، قال الدارقطني: هو مما صحَّفوا فيه، والصواب: الدجاجة
стр. 3289
[٢١٧٠] وعنها قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن الكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيسُوا بِشَيءٍ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُم يُحَدِّثُونَ أَحيَانًا الشَّيءَ يَكُونُ حَقًّا! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تِلكَ الكَلِمَةُ مِن الجِنِّ يَخطَفُهَا الجِنِّيُّ فَيَقُذفهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ، فَيَخلِطُونَ فِيهَا أَكثَرَ مِن مِائَةِ كَذبَةٍ.
رواه أحمد (٦/ ٨٧)، والبخاريُّ (٥٧٦٢)، ومسلم (٢٢٢٨)(١٢٣).
[٢١٧١] وعَن بَعضِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيءٍ لَم تُقبَل لَهُ صَلَاةٌ أَربَعِينَ لَيلَةً.
رواه أحمد (٤/ ٦٨)، ومسلم (٢٢٣٠).
* * *
ــ
- بالدال. وقيل: الصواب الزجاجة؛ بدليل ما قد رواه البخاري فيقرها في أذنه كما تقرّ القارورة، وهي بمعنى الزجاجة؛ أي: كما يسمع صوت الزجاجة إذا حكَّت على شيء أو إذا أُلقي فيها ماء أو شيء.
وقوله من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا، العراف هو الحازي والمنجِّم الذي يدَّعي الغيب، وهذا يدلّ على أن إتيان العرافين كبيرة، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل، وهو خارج (١) على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب، وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم، وأنه لا يحبط الأعمال إلا الردة. وأما غيرها فالحسنات تبطل السيئات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وهذا مذهب أهل السنَّة والجماعة، فليس معنى قوله لا تقبل له صلاة أن تحبط، بل إنما معناه - والله أعلم - أنَّها
стр. 3290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا تقبل قبول الرضا وتضعيف الأجر. لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة وتُقصَى عن عهدة الخطاب بها، ويفوته قبول المرضي عنه وإكرامه وثوابه ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض، ولله المثل الأعلى، وذلك أن المُهدِي إما مردودٌ عليه أو مقبول منه، والمقبول إما مقرَّب مُكرَّم مثاب وإما ليس كذلك، فالأول هو المبعدُ المطرود، والثاني هو المقبول القبول التام الكامل، والثالث لا يصدق عليه أنه مثل الأول فإنه لم تردَّ هديته، بل قد التفت إليه وقُبلت منه، لكنه لما لم يُثب ولم يُقرَّب صار كأنه غير مقبول منه، فيصدق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام.
وتخصيصه ﷺ الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع؛ منها: قوله في شارب الخمر لا تقبل له صلاة أربعين يومًا (١)، وقوله والذي نفسي بيده، إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك (٢)، وقوله من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه (٣). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذ وَاعَدنَا مُوسَى أَربَعِينَ لَيلَةً﴾ ومنه توقيته ﷺ في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة، فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصًّا، غير أنه قد تنسم منه بعضُ علمائنا أمرًا تسكن النفسُ إليه، وذلك أنه قال: إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خصَّ بالذكر لأنَّه مدَّة يكمل فيها ما ضربت له، فينتقل إلى غيره ويحصل فيها تبدُّله وبيانه بانتقال أطوار الخلقة في كل أربعين منها يكمل فيها طور، فينتقل عند انتهائه إلى غيره،
стр. 3291
(٢٠) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع
[٢١٧٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخبَرَنِي رَجُلٌ مِن أَصحَابِ رسول الله ﷺ مِن الأَنصَارِ أَنَّهُم بَينَمَا هُم جُلُوسٌ لَيلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجمٍ فَاستَنَارَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاذَا كُنتُم تَقُولُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثلِ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّهَا لَا يُرمَى بِهَا لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِن رَبُّنَا ﵎ اسمُهُ إِذَا قَضَى أَمرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُم، حَتَّى يَبلُغَ
ــ
كما قد نصَّ عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية: أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيَّؤهم لسماع كلام الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية، وأما أربعون شارب الخمر فليَتَبدَّل لحم شارب الخمر بغيره، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: إن السمن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها، فينبغي أن تغير عن حالها. وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها وفي جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير، والله تعالى أعلم.
(٢٠) ومن باب رمي الشياطين بالنجوم
قوله لكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش؛ أي: أظهر قضاءه وما حكم به لملائكته، لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه ونفوذ مشيئته وحُكمه، وهما أزليان، فإذا اطّلع حملة العرش على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته وضجَّت بتسبيحه وتقديسه، فيسمع ذلك أهل السماء التي
стр. 3292
التَّسبِيحُ أَهلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ العَرشِ لِحَمَلَةِ العَرشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ فَيُخبِرُونَهُم مَاذَا قَالَ، فَيَستَخبِرُ بَعضُ أَهلِ السَّمَاوَاتِ بَعضًا حَتَّى يَبلُغَ الخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنيَا، فَيخطَفُ الجِنُّ السَّمعَ فَيَقذِفُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم، وَيُرمَونَ بِهِ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُم يَقرفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ.
ــ
تليهم، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا، ثم يتساءلون فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟ على الترتيب المذكور في الحديث.
ففيه ما يدل على أن حملة العرش أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السماوات، وأن الكل منهم لا يعلمون شيئًا من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ﴾
وفيه ما يدل على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلا حملة العرش؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحق ، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولًا، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها، وفي هذا دليل على أن النجوم لا يعرف بها علم الغيب ولا القضاء، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنَّما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم.
وقوله ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون، هكذا عند ابن ماهان، وهو من القرف وهو الخلط - قاله صاحب الأفعال؛ أي: يخلطون فيها من الكذب.
стр. 3293
وفي رواية: وَقَالَ اللَّهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾
رواه مسلم (٢٢٢٩)(١٢٤).
* * *
ــ
ورواه يونس يُرَقَّون بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، وفي بعض النسخ يَرقُون بفتح الياء وتسكين الراء وتخفيف القاف؛ أي يتقوَّلون، يقال: رقي فلان على الباطل؛ أي: تقوَّله - بكسر القاف، وهو من الرقي وهو الصعود؛ أي: إنهم يقولون فوق ما سمعوا - قاله القاضي عياض.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾، قرأه ابن عامر ويعقوب فَزَّعَ عَن قُلُوبِهِم مبنيًا للفاعل، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى؛ أي: أزال عن قلوبهم الفزع، وهذا على نحو قولهم: مرَّضتُ المريض - إذا عالجته فأزلتُ مرضه. وقرأه الجماعة فُزِّعَ بضم الفاء مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله؛ أي: أزيل عن قلوبهم الفزع، وهو الذعر على كلتا القراءتين.
قال كعب (١): إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرَّت فزعًا، ثم قالوا فيما بينهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾؟
وقوله: ﴿قَالُوا الحَقَّ﴾ بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: قال القول الحق، وهو مفعول مطلق لا مفعول به؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجمل في أكثر قول النحويين.
وقوله: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾؛ أي: العلي شأنه، الكبير سلطانه.
قلت: وهذا التفسير هو الموافق لهذا الحديث، فتعيَّن أن يكون هو المراد من الآية، وللمفسرين أقوال أخر بعيدة عن معنى الحديث أضربت عنها لذلك، فمن أرادها وجدها في كتبهم.
* * *
стр. 3294
(٣٢) كتاب الرؤيا
(١) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره
[٢١٧٣] عَن أَبِي سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ قال: سَمِعتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤيَا مِن اللَّهِ وَالحُلمُ مِن الشَّيطَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُم شَيئًا يَكرَهُهُ فَليَنفُث عَن يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَليَتَعَوَّذ بِاللَّهِ
ــ
(٣٢) كتاب الرؤيا
[(١) باب: الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره] (١)
(قوله: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، الرؤيا: مصدر رأى في المنام رؤيا، على وزن فعلى، وألفه للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف. والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية. هذا المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن
стр. 3295
مِن شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَن تَضُرَّهُ، فَقَالَ: إِن كُنتُ لَأَرَى الرُّؤيَا أَثقَلَ عَلَيَّ مِن الجَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن سَمِعتُ بِهَا الحَدِيث فَمَا أُبَالِيهَا.
زاد في رواية: وليتحول عن جنبه الذي كان عليه.
ــ
الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إِلا فِتنَةً لِلنَّاسِ﴾ وقال: إنما يعني بها رؤية النبي ﷺ في الإسراء لما أراه من عجائب السماوات والملكوت، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة. وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب: الإيمان.
والحُلم - بضم الحاء، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا، وتُجمع على أحلام في القلَّة، وفي الكثرة حلوم، وإنَّما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروها. وأراد به النبي ﷺ هنا ما يكره، أو ما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
فأمَّا الحِلم - بكسر الحاء -، فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام- يَحلِمُ: إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة. وتحلَّم: تكلف الحلم. والحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه، يقال منه: حَلِم الأديم- بكسر اللام - يحلم - بفتحها -: إذا صار كذلك.
وقد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير المتشرعين أقوالًا كثيرة مختلفة، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيت عن البرهان فأشبهت الهذيان. وسبب ذلك التخليط العظيم: الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم.
وبيان ذلك: أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا علم حقيقتها. وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه؛ كان أحرى، وأولى ألا نعلم ما غيب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقة كثير مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها، كحس السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جملية، لا تفصيلية، وأوصافًا لازمة، أو عرضية، لا حقيقية، وسبيل العاقل ألا يطمع في