(٢٠) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع
[٢١٧٢] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخبَرَنِي رَجُلٌ مِن أَصحَابِ رسول الله ﷺ مِن الأَنصَارِ أَنَّهُم بَينَمَا هُم جُلُوسٌ لَيلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِنَجمٍ فَاستَنَارَ، فَقَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاذَا كُنتُم تَقُولُونَ فِي الجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثلِ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، كُنَّا نَقُولُ: وُلِدَ اللَّيلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّهَا لَا يُرمَى بِهَا لِمَوتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِن رَبُّنَا ﵎ اسمُهُ إِذَا قَضَى أَمرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُم، حَتَّى يَبلُغَ
ــ
كما قد نصَّ عليه في الحديث، وكذلك في الأربعين الميعادية: أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيَّؤهم لسماع كلام الله، فكمل لهم ذلك عند انتهائها، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية، وأما أربعون شارب الخمر فليَتَبدَّل لحم شارب الخمر بغيره، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا: إن السمن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها، فينبغي أن تغير عن حالها. وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها وفي جوارحه، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير، والله تعالى أعلم.
(٢٠) ومن باب رمي الشياطين بالنجوم
قوله لكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش؛ أي: أظهر قضاءه وما حكم به لملائكته، لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه ونفوذ مشيئته وحُكمه، وهما أزليان، فإذا اطّلع حملة العرش على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته وضجَّت بتسبيحه وتقديسه، فيسمع ذلك أهل السماء التي
стр. 3292
التَّسبِيحُ أَهلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ العَرشِ لِحَمَلَةِ العَرشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ فَيُخبِرُونَهُم مَاذَا قَالَ، فَيَستَخبِرُ بَعضُ أَهلِ السَّمَاوَاتِ بَعضًا حَتَّى يَبلُغَ الخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنيَا، فَيخطَفُ الجِنُّ السَّمعَ فَيَقذِفُونَ إِلَى أَولِيَائِهِم، وَيُرمَونَ بِهِ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُم يَقرفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ.
ــ
تليهم، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا، ثم يتساءلون فيما بينهم: ماذا قال ربكم؟ على الترتيب المذكور في الحديث.
ففيه ما يدل على أن حملة العرش أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السماوات، وأن الكل منهم لا يعلمون شيئًا من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الغَيبِ فَلا يُظهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا * إِلا مَنِ ارتَضَى مِن رَسُولٍ﴾
وفيه ما يدل على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلا حملة العرش؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحق ، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولًا، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها، وفي هذا دليل على أن النجوم لا يعرف بها علم الغيب ولا القضاء، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا، وإنَّما هو رجم بظن وتخمين بوهم، الإصابة فيه نادرة، والخطأ والكذب فيه غالب، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات وتعرف به الأوقات، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم.
وقوله ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون، هكذا عند ابن ماهان، وهو من القرف وهو الخلط - قاله صاحب الأفعال؛ أي: يخلطون فيها من الكذب.
стр. 3293
وفي رواية: وَقَالَ اللَّهُ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾
رواه مسلم (٢٢٢٩)(١٢٤).
* * *
ــ
ورواه يونس يُرَقَّون بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف، وفي بعض النسخ يَرقُون بفتح الياء وتسكين الراء وتخفيف القاف؛ أي يتقوَّلون، يقال: رقي فلان على الباطل؛ أي: تقوَّله - بكسر القاف، وهو من الرقي وهو الصعود؛ أي: إنهم يقولون فوق ما سمعوا - قاله القاضي عياض.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِم قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم قَالُوا الحَقَّ﴾، قرأه ابن عامر ويعقوب فَزَّعَ عَن قُلُوبِهِم مبنيًا للفاعل، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى؛ أي: أزال عن قلوبهم الفزع، وهذا على نحو قولهم: مرَّضتُ المريض - إذا عالجته فأزلتُ مرضه. وقرأه الجماعة فُزِّعَ بضم الفاء مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله؛ أي: أزيل عن قلوبهم الفزع، وهو الذعر على كلتا القراءتين.
قال كعب (١): إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرَّت فزعًا، ثم قالوا فيما بينهم: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾؟
وقوله: ﴿قَالُوا الحَقَّ﴾ بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف؛ أي: قال القول الحق، وهو مفعول مطلق لا مفعول به؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجمل في أكثر قول النحويين.
وقوله: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾؛ أي: العلي شأنه، الكبير سلطانه.
قلت: وهذا التفسير هو الموافق لهذا الحديث، فتعيَّن أن يكون هو المراد من الآية، وللمفسرين أقوال أخر بعيدة عن معنى الحديث أضربت عنها لذلك، فمن أرادها وجدها في كتبهم.
* * *
стр. 3294
(٣٢) كتاب الرؤيا
(١) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره
[٢١٧٣] عَن أَبِي سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ قال: سَمِعتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: الرُّؤيَا مِن اللَّهِ وَالحُلمُ مِن الشَّيطَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُم شَيئًا يَكرَهُهُ فَليَنفُث عَن يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَليَتَعَوَّذ بِاللَّهِ
ــ
(٣٢) كتاب الرؤيا
[(١) باب: الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره] (١)
(قوله: الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان)، الرؤيا: مصدر رأى في المنام رؤيا، على وزن فعلى، وألفه للتأنيث؛ ولذلك لم ينصرف. والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية. هذا المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن
стр. 3295
مِن شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَن تَضُرَّهُ، فَقَالَ: إِن كُنتُ لَأَرَى الرُّؤيَا أَثقَلَ عَلَيَّ مِن الجَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن سَمِعتُ بِهَا الحَدِيث فَمَا أُبَالِيهَا.
زاد في رواية: وليتحول عن جنبه الذي كان عليه.
ــ
الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية، وحمل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إِلا فِتنَةً لِلنَّاسِ﴾ وقال: إنما يعني بها رؤية النبي ﷺ في الإسراء لما أراه من عجائب السماوات والملكوت، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة. وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب: الإيمان.
والحُلم - بضم الحاء، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا، وتُجمع على أحلام في القلَّة، وفي الكثرة حلوم، وإنَّما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروها. وأراد به النبي ﷺ هنا ما يكره، أو ما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
فأمَّا الحِلم - بكسر الحاء -، فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام- يَحلِمُ: إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة. وتحلَّم: تكلف الحلم. والحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه، يقال منه: حَلِم الأديم- بكسر اللام - يحلم - بفتحها -: إذا صار كذلك.
وقد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا، فقال غير المتشرعين أقوالًا كثيرة مختلفة، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيت عن البرهان فأشبهت الهذيان. وسبب ذلك التخليط العظيم: الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم.
وبيان ذلك: أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غُيِّب عنا علم حقيقتها. وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه؛ كان أحرى، وأولى ألا نعلم ما غيب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقة كثير مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها، كحس السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جملية، لا تفصيلية، وأوصافًا لازمة، أو عرضية، لا حقيقية، وسبيل العاقل ألا يطمع في
стр. 3296
وفي أخرى: الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ مِن اللَّهِ، ورؤيَا السَّوءُ مِن الشَّيطَانِ، فَمَن رَأَى رُؤيَا يَكَرِهَ مِنهَا شَيئًا فَليَنفُث عَن يَسَارِهِ، وَليَتَعَوَّذ بِاللَّهِ مِن
ــ
معرفة ما لم يُنصَب له عليه دليل عقلي، ولا حسي، ولا مركب منهما، إلا أن يخبر بذلك صادق، وهو الذي دلَّ الدليل القطعي على صدقه، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، فإنَّهم دلت على صدقهم دلائل المعجزات. وإذا كان كذلك: فسبيلنا أن نعرض عن أحوال المعرضين، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع والمتشرعين.
قال الإمام أبو عبد الله (١): المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة، وهو: أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات، كما يخلقها في قلب اليقظان. وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء، وما يمنعه من فعله نوم، ولا يقظة، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال، أو كان قد خلقها.
وقال غيره: إن لله تعالى ملكًا موكلًا يعرض المرئيَّات على المحل المدرك من النائم، فيمثل له صورًا محسوسة، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غير محسوسة. وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة.
قلت: وهذا مثل الأول في المعنى، غير أنه زاد فيه قضية المَلَك، ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع، إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك التمثيلات من غير مَلَك.
وقيل: إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلامًا على ما كان، أو يكون، [وهو أشبهها] (٢). فإنَّ قيل: كيف يقال: إن الرؤيا إدراك مع أن
стр. 3297
الشَّيطَانِ، لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخبِر بِهَا أَحَدًا، فَإِن رَأَى رُؤيَا حَسَنَةً فَليُبشِر وَلَا يُخبِر بها إِلَّا مَن يُحِبُّ.
رواه أحمد (٥/ ٣١٠)، والبخاريّ (٣٣٩٢)، ومسلم (٢٢٦١) (٢ و ٣)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذيُّ (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩).
ــ
النوم ضد الإدراك، فإنه من الأضداد العامة، كالموت، فلا يجتمع معه إدراك؟ فالجواب: أن الجزء المدرك من النائم لم يحلَّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العين نائمة، والقلب يقظان، كما قاله النبي ﷺ : إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي (١). وإنما قال: منضبطة في التخيل، لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه، غير أنه قد تركب المتخيَّلات في النوم تركيبًا يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج، تكون علمًا على أمر نادر، كمن يرى في نومه موجودًا رأسه رأس الإنسان وجسده جسد الفرس مثلًا، وله جناحان، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلها في الوجود، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجي. وإنَّما قال: جعلها الله إعلامًا على ما كان، أو يكون، لأنَّه يعني به: الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
ثم: إن النبي ﷺ قد ذكر أنواع الرؤيا هنا. وفيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدِّث المرء بها نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان. (٢) وذكر الحديث. فرؤيا الحق: هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سَمَّاها في رواية أخرى: الصادقة. وفي أخرى: الصالحة، وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في
стр. 3298
[٢١٧٤] وعَن جَابِرٍ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَى أَحَدُكُم الرُّؤيَا يَكرَهُهَا فَليَبصُق عَن يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ ثَلَاثًا، وَليَتَحَوَّل عَن جَنبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٥٠)، ومسلم (٢٢٦٢)(٥)، وأبو داود (٥٠٢٢)، وابن ماجه (٣٩٠٨).
* * *
ــ
اليقظة صحيح، وهي - التي إذا صدرت من الإنسان الصالح - جزء من أجزاء النبوة، أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى. وأما الثانية: فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية، وشهواتٍ غالبة، وهموم لازمة، ينام عليها، فيرى ذلك في نومه، فلا التفات إلى هذا، وكذلك الثالثة. فإنها تحزين، وتهويل، وتخويف، يدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه ليشوش يقظته. وقد يجتمع هذان السببان، أعني: هموم النفس، وألقيات الشيطان في منام واحد، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها.
والضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط.
و(قوله: الرؤيا من الله)، أي: بشرى من الله، أو تحذير وإنذار.
و(قوله: والحلم من الشيطان)، يعني به: ما يلقيه مما يهوِّل، أو يخوف، أو يحزن به. وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنَّه من تخييلات الشيطان وتشويشاته، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى، ونفث عن يساره ثلاثًا، وتحوَّل عن جنبه كما أمره النبي ﷺ في هذا الحديث، وصلى (١)، أذهب الله عنه ما أصابه، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وامتثال أوامر رسوله ﷺ . وعلى هذا فيكون قوله: فإذا رأى أحدكم ما يكره، إنَّما يعني به: ما يكون سببه الشيطان. وقيل: بل الخبر
стр. 3299
(٢) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا
[٢١٧٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اقتَرَبَ الزَّمَانُ لَم تَكَد رُؤيَا المُسلِمِ تَكذِبُ،
ــ
بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان، وما لا يسببه مما يكرهه الرائي. ويكون فعل هذه الأمور كلها مانعًا من وقوع ذلك المكروه. كما يقال: إن الدعاء يدفع البلاء، والصَّدقة تدفع ميتة السوء. وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره، ولكن الوسائط والأسباب عاديات (١) لا موجودات. وفائدة أمره بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه، وينقطع عن ذلك المنام المكروه. وفائدة الأمر بالصلاة (٢) أن تكمل الرغبة، وتصح الطلبة، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
و(قول أبي سلمة: فما أباليها)، أي: ما ألتفت إليها، ولا ألقي لها بالًا، أي: لا أخطرها على فكري ثقة بالله تعالى، وبما أمر به رسوله ﷺ .
(٢، ٣) ومن باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا (٣)
(قوله: إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب) قيل في اقتراب الزمان قولان:
أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار، وتينع فيه الثمار، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة
стр. 3300
وَأَصدَقُكُم رُؤيَا أَصدَقُكُم حَدِيثًا،
ــ
فيه، فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام، فإنَّ من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها.
وثانيهما: أن المراد بذلك: آخر الزمان المقارب للقيامة. وقد روي عن النبي ﷺ من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن (١).
قلت: ويعني - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث: زمان الطائفة الباقية مع عيسى ﵇ بعد قتله الدجال المذكور في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: فيبعث الله عيسى ابن مريم، ثم يمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدًا في قلبه مثقال ذرّة من خير أو إيمان إلا قبضته (٢)، فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمَّة بعد الصدر المتقدِّم حالًا، وأصدقهم أقوالًا، وكانت رؤياهم لا تكذب، كما قال ﷺ : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا (٣)، وكما قال: رؤيا الرجل الصالح جزء من النبوة (٤).
وقوله: لم تكد تكذب، أي: لم تقارب الكذب، وقد تكلَّمنا على كاد وأخواتها من أفعال المقاربة فيما تقدَّم.
وقوله: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، إنما كان ذلك لأن: من كثر صدقه تنوِّر قلبه، وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة
стр. 3301
وَرُؤيَا المُسلِمِ جُزءٌ مِن خَمسة وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ،
ــ
والاستقامة، وأيضًا فإن من كان غالبُ حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقًا. وعكس ذلك: الكاذب والمُخلِّط يَفسد قلبه، ويُظلم، فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا، هذا غالب حال كل واحد من الفريقين، وقد يندرُ فيرى الصادقُ ما لا يصح، ويرى الكاذب ما يصح، لكن ذلك قليل، والأصل ما ذكرناه.
و(قوله: رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة، وفي حديث عبادة: رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا، وفي رواية عن أبي هريرة: رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا، [وفي أخرى عنه: الرؤيا الصالحة، وفي رواية: رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءًا من النبوة] (١). وفي حديث ابن عمر ﵄: الرؤيا الصالحة جزء من سبعين. وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباس: جزء من أربعين (٢). وعن عبد الله بن عمرو ﵄: جزء من سبعة وأربعين (٢). وفي حديث العباس ﵁: من خمسين (٣)، وعن أنس ﵁: من ستة وعشرين (٣)، وعن عبادة بن الصامت ﵁: من أربعة وأربعين (٣).
قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصح عند أهل الحديث: من ستة وأربعين. وحكي عن بعض الناس: أنه نزل هذا الحديث بهذه الرواية على مدة الوحي للنبي ﷺ ، وذلك أنه ﷺ أقام يوحى إليه ثلاثًا وعشرين سنة، منها ستة أشهر
стр. 3302
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يوحى إليه في نومه، وذلك في أول أمره (١). وقد اعترض عليه بأن هذه المدة لم يصحَّ نقل تحديدها، ولا هو معروف، فتقديره تحكُّم.
قلت: القدر الذي اختلف الرواة فيه من هذا الحديث أمران:
أحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه، فتارة سكت عنه، وأخرى قيل فيه: المسلم، وفي أخرى: المؤمن، وفي أخرى: الصالح. وهذا الأمر: الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني، وذلك: أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما، فإذا صرح به في موضع آخر فهو المعني، وأما حيث نطق به فالمراد به واحد وإن اختلفت الألفاظ. وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح، وهو الذي يناسب حاله حال النبي ﷺ فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب، كما قال النبي ﷺ : إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم. يراها الرجل الصالح، أو ترى له (٢)، فإنَّ الكافر، والكاذب، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات - لا تكون من الوحي، ولا من النبوة، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة. وقد قدَّمنا: أن الكاهن يخبر بكلمة الحق، وكذلك المنجم قد يحدِس (٣) فيصدق، لكن على الندور والقلَّة. وكذلك الكافر، والفاسق، والكاذب. وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه، أو أمرٍ يناله. إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة
стр. 3303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المقصودة به. وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة، كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ومنام عاتكة (١) عمَّة رسول الله ﷺ ونحوه كثير، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول.
وأما الأمر الثاني: وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جعلت رؤيا الرجل الصالح واحدا منها: فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد ذكرناه، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها، وطرح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازري، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أولى مما قبل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، وربما ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو، فإذًا: الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال: إن هذه الأحاديث - وإن اختلفت ألفاظها - متفقة على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة. فهذه شهادة صحيحة من النبي ﷺ لها بأنها وحي من الله تعالى، وأنها صادقة لا كذب فيها. ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيفسر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أيلعب بالوحي؟ ! وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها، فإنَّها إما مبشرة له بخير، أو محذرة له من شر، فإنَّ أدرك تأويلها بنفسه، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك، وهو اللبيب الحبيب. ولذلك كان النبي ﷺ يقول إذا أصبح: هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها، أعبرها له؟ (٢)، فكانوا يقصُّون عليه، ويَعبُرُ. وقد سلك أصحابه [ذلك المسلك في حياته، وبعد وفاته، وقد كان ﷺ يقتبس] (٣) الأحكام من منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي
стр. 3304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رؤيا ليلة القدر (١). وكل ذلك بناءً على أنها وحي صحيح. وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب [الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير، غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب] (٢)، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننبه على الأقرب منها، وهي أربع:
الأول: ما صار إليه أبو عبد الله. وقد ذكرناه، وما ورد عليه.
الثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خصَّلة من خصال النبوة. كما جاء في الحديث الآخر: التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة (٣)، أي: النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرون، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة: كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون. ويصحُّ أن يسمَّى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا وخصلة، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءًا، ويصحُّ أن يسمَّى كل أربعة منها جزءًا، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصف جزء، فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوَّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابًا، وإنَّما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة. والله تعالى أعلم.
الثالث: ما أشار إليه الطبري، وهو: أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي. فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين، وغيرُ الصالح من
стр. 3305
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سبعين، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية: ستة وأربعين، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين.
قلت: وهذا فيه بُعدٌ، لما قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق الرِّوايات على مقيدها، وبما قد روي عن ابن عباس: الرؤيا الصالحة جزء من أربعين (١). وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي. وكذلك حديث عبد الله بن عمرو حين ذكر سبعة وأربعين. وحديث العبَّاس حين ذكر خمسين.
الرابع: قيل: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي، إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة، كما قال: ﴿مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ ومنه بواسطة الملك، كما قال: ﴿أَو يُرسِلَ رَسُولا﴾ ومنه ما يُلقى في القلب، كما قال: ﴿إِلا وَحيًا﴾ أي: إلهامًا، ثمَّ منه ما يأتيه الملك على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من الملك قولًا مُفصَّلًا، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبي ﷺ في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين.
قلت: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل، فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء لكونه يعرف الملك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين (٢).
стр. 3306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قلت: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجه الثاني، مع أنَّه لم تَثلَجُ النفسُ به، ولا طاب لها. وقد ظهر لي وجه خامس - وأنا أستخير الله في ذكره - وهو: أن النبوَّة معناها: أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه: إما بالمشافهة، وإما بواسطة ملك، أو بإلقاء في القلب، لكن هذا المعنى المسمَّى بالنبوَّة لا يخص الله به إلا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف، والعلوم، والفضائل، والآداب، ونزهه عن نقائص ذلك. ولذلك قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ (١)﴾، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِهِ﴾ وقال: ﴿كُلا هَدَينَا﴾ وقال لنبيِّه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فقد حصل من هذا: أن النبوَّة لم يخص الله بها إلا أكمل خلقه، وأبعدهم عن النقائص. ثم: إنه لما شرفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية، فلما كانت النبوَّة لا يخص الله بها إلا من حصلت له خصال الكمال أطلق على تلك الخصال: نبوة، كما قال ﷺ : التؤدة والاقتصاد، والسَّمت الحسن جزء من النبوة (٢)، أي: من خصال الأنبياء، لكن الأنبياء في هذه الخصال متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد فَضَّلنَا بَعضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعضٍ﴾ وقال: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ فتفاضلهم بحسب ما وهب لكل واحد منهم من تلك الصفات، وشرَّف به من تلك الحالات، وكل منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم، فنائمهم يقظان، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان، فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق، غير أنه لما
стр. 3307
وَالرُّؤيَا ثَلَاثَةٌ: بُشرَى مِن اللَّهِ، وَرُؤيَا تَحزِينٌ مِن الشَّيطَانِ، وَرُؤيَا مِمَّا يُحَدِّثُ المَرءُ به نَفسَهُ،
ــ
كان الأنبياء في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين، وكان أقل خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستًّا وعشرين جزءًا، وأكثر ما يكون من ذلك سبعين، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك الأحاديث. وعلى هذا: فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء، كانت رؤياه جزءًا من نبوة ذلك النبي، وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما فصلناه. وبهذا الذي أظهر الله لنا يرتفع الاضطراب. والله الموفق للصَّواب.
و(قوله: والرؤيا ثلاثة: بشرى من الله) أي: مُبشرة بخير، ومحذرة عن شرٍّ، فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ، فتتضمَّنه البشرى. وإنَّما قلنا ذلك هنا لأنَّه قد قال في حديث الترمذي المتقدِّم: الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله مكان: بشرى من الله، فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة.
وقوله: ورؤيا تحزين، ويلحق بالرؤيا المحزنة المفزعات، والمهوِّلات، وأضغاث الأحلام، إذ كل ذلك مذموم، لأنها من آثار الشيطان، وكل ما ينسب إليه مذموم.
و(قوله: ورؤيا مِمَّا يحدِّث المرء به نفسه) يدخل فيه ما يلازمه المرء في يقظته من الأعمال، والعلوم، والأقوال، وما يقوله الأطباء: من أن الرؤيا تكون عن خلطٍ غالب على الرائي، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخلط، فمن يغلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء وما أشبهه، لمناسبة الماء طبيعة البلغم. ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الارتفاع، لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء. وهكذا يقولون في بقية الأخلاط، ونحن ننازعهم في موضعين:
أحدهما: في أصل تأثير الطبيعة، فإنَّ قالوا: إن الطبيعة سببٌ عادي،
стр. 3308
فَإِذا رَأَى أَحَدُكُم مَا يَكرَهُ فَليَقُم فَليُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّث بِهَا النَّاسَ،
ــ
والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة. وهو مذهب المسلمين، فهو الحق. وإن قالوا: إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها، حكمنا بتكفيرهم، وانتقل الكلام إلى علم الكلام.
والثاني: أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط، فهو باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرؤيا منها ما يكون من الله، وهي المبشرة، والمحذرة. وهذا من باب الخير، وليس في قوة الطبيعة أن تطلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء. ومن أراد منهم: أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات، فقد يسلم ذلك على ما قرَّرناه، ثمَّ يبقى نظر آخر، وهو أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات، وعكس ذلك في الصفراوي، فبطل ما قالوه بالمشاهدة، والله وليُّ المعاضدة.
و(قوله: فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل) ليس هذا مخالفًا لقوله في الرواية الأخرى: فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه، وإنما الأمر بالصلاة زيادة، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية، فيفعل الجميع. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها، لأنَّه إذا صلَّى تضمَّن فعله للصلاة جميع تلك الأمور، لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض نفث وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ ودعا، وتفرغ لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابة، كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ولا يخبر بها أحدًا (١)) أي: لا يعلق نفسه بتأويلها، إذ لا تأويل
стр. 3309
قَالَ: وَأُحِبُّ القَيدَ، وَأَكرَهُ الغُلَّ، وَالقَيدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. قال أيوب: فَلَا أَدرِي هُوَ فِي الحَدِيثِ أَم قَالَهُ ابنُ سِيرِينَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٣ و ٢٦٩)، والبخاريُّ (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وأبو داود (٥٠١٩)، وابن ماجه (٣٩١٧).
* * *
ــ
لها، فإنها من ألقيات الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن، إما بتحزين، وإما بترويع، أو ما أشبه ذلك. وفعل ما ذكر كاف في دفع ذلك، ومانع من أن يعود الشيطان لمثل ذلك، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث، والله تعالى أعلم، فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل، فما أباليها. وفي أصل كتاب مسلم قال: كنت أرى الرؤيا أعرى لها (١)، غير أني لا أزَّمَّل، أي: تصيبني العرواء، وهي الرعدة. وقال في رواية أخرى: إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها. والتزميل: اللف، والتَّدثير، يعني: أنها ما كانت تدوم عليه فيحتاج إلى أن يدَّثَّر، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر به النبي ﷺ من النفث والتعوُّذ وغيره يزول عنه ذلك، ببركة الصدق، والتصديق، والامتثال. وفائدة هذا: ألا يشغل الرائي نفسه بما يكره في نومه، وأن يعرض عنه، ولا يلتفت إليه، فإنَّه لا أصل له. هذا هو الظاهر من الأحاديث، والله أعلم.
و(قوله: وأحبُّ القيد، وأكره الغُلَّ. . . إلى آخره) ظاهره: أنه من قول النبي ﷺ غير أن أيوب السختياني هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه: أنه شكَّ هل هو من قول النبي ﷺ أو من قول ابن سيرين، فلا يعوَّل على ذلك الظاهر، غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة لأن
стр. 3310
(٣) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة
[٢١٧٦] عن عبادة بن الصامت قال: قَالَ رسول الله ﷺ : رُؤيَا المُؤمِنِ جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.
رواه البخاريُّ (٦٩٨٧)، ومسلم (٢٢٦٤)، وأبو داود (٥٠١٨)، والترمذيُّ (٢٢٧٢).
[٢١٧٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ مِن سِتَّةٍ وَأَربَعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.
وفي رواية: رؤيا الرجل الصالح.
رواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، والبخاري (٦٩٨٨) تعليقًا ومسلم (٢٢٦٣).
[٢١٧٨] وعَن نَافِعٍ، عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرُّؤيَا الصَّالِحَةُ جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن النُّبُوَّةِ.
رواه مسلم (٢٢٦٥)، وابن ماجه (٣٨٩٧).
* * *
ــ
القيد في الرجلين، وهو يُثبِّت الإنسان في مكانه، فإذا رآه من هو على حال ما على رجليه كان ذلك دليلًا على ثبوته على تلك الحالة، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتًا على تلك الحال. ولو رأى المريض قيدًا في رجليه لكان ذلك دليلًا على دوام مرضه. وإنما كره الغل لأنَّه لا يُجعل إلا في الأعناق نكاية، وعقوبة، وقهرًا، وإذلالًا. فيسحب على وجهه، ويجر على قفاه، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغلالُ فِي أَعنَاقِهِم وَالسَّلاسِلُ يُسحَبُونَ * فِي الحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسجَرُونَ﴾ ومنه قوله تعالى: ﴿غُلَّت أَيدِيهِم وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ و ﴿جَعَلنَا
стр. 3311
(٤) باب رؤية النبي ﷺ
[٢١٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَد رَآنِي فَإِنَّ الشَّيطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي.
ــ
فِي أَعنَاقِهِم أَغلالا فَهِيَ إِلَى الأَذقَانِ فَهُم مُقمَحُونَ﴾ وعلى الجملة: فهو مذموم شرعًا وعادة. فرؤيته في النوم (١) دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه، ولا ينفك عنها، وقد يكون ذلك في دينه، كواجبات فرَّط فيها، أو معاصٍ ارتكبها، أو ديونٍ، وحقوقٍ لازمة له. وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصيبه، أو أنكاد تلازمه. وبالجملة: فالمعتبر في أعظم أصول العبارة (٢) النظر إلى أحوال الرائي واختلافها، فقد يرى الرائيان شيئًا واحدًا، ويدل في حق أحدهما على خلاف ما يدل عليه في حق الآخر.
(٤) ومن باب: رؤية النبي ﷺ في المنام
(قوله ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي، وفي أخرى: فإنَّ الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي، وفي أخرى: لا ينبغي أن يتمثل في صورتي)، وفي غير كتاب مسلم: لا يتكوَّنُني (٣). اختلف في معنى هذا الحديث، فقالت طائفة من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رأى حقيقته، كما يرى في اليقظة. وهو قول يُدرَك فساده بأوائل العقول، فإنَّه يلزم عليه ألا يراه أحدٌ إلا على صورته التي توفي عليها، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في
стр. 3312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مكانين، ويلزم عليه أن يحيا الآن، ويخرج من قبره، ويمشي في الناس، ويخاطبهم، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها، ويخلو قبره عنه، وعن جسده، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث، ويُسلَّم على غائب، لأنَّه يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته، في غير قبره. وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول.
وقالت طائفة أخرى: إنما معناه: أن من رآه على صفته التي كان عليها في الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح، ورؤيته له حق، فإنَّ الشيطان لا يتصوَّر بصورته التي كان عليها.
قلت: وهذا يلزم منه: أن من رآه على غير صفته التي كان عليها في الدنيا لا تكون رؤيته حقًّا، ويكون من باب أضغاث الأحلام. ومن المعلوم: أنه يجوز أن يرى في النوم على حالة تخالف ما كان عليها في الوجود من الأحوال اللائقة به، ومع ذلك: فتقع تلك الرؤيا حقًّا كما إذا رؤي قد ملأ بلدة، أو دارًا بجسمه، فإنَّه يدلّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة. وكثيرًا ما وقع نحو هذا، وأيضًا: فلو تمكَّن الشيطان من التمثُّل في شيء مما كان عليه، أو نسب إليه لما صدق مطلقًا قوله: فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي، فإنَّه إذا تمثل ببعض صفاته وأحواله فقد تمثل به، فالأولى أن تنزه رؤية النبي ﷺ أو رؤية شيء من أحواله، أو مما ينسب إليه عن تمكُّن الشيطان من شيء منه. ونفي جمي ذلك مطلقًا أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، وكما عصم من الشيطان في يقظته في كل أوقاته، كذلك عصم منه [في منامه] (١) مع اختلاف حالاته. فالصحيح في معنى هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن مقصوده الشهادة منه ﷺ بأن رؤيته في النوم على أي حال كان ليست باطلة، ولا من أضغاث الأحلام، بل هي حق في
стр. 3313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نفسها، وإن تصوير تلك الصورة، وتمثيل ذلك المثال ليس من قبل الشيطان، إذ لا سبيل له إلى ذلك، وإنما ذلك من قبل الله تعالى. وهذا مذهب القاضي أبي بكر وغيره من المحققين. وقد شهد لذلك قوله ﷺ : من رآني فقد رآني الحق، أي: الحق الذي قصد إعلام الرائي به، وإذا كانت تلك حقًّا فينبغي أن يبحث عن تأويلها، ولا يُهمل أمرها، فإنَّ الله تعالى إنما مثَّل ذلك للرائي بشرى، فينبسط للخير، أو إنذارًا لينزجر عن الشر. أو تنبيهًا على خير يحصل له في دين، أو دنيا. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قد قررنا أن المدرك في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفس المرئيات، غير أن تلك الأمثلة تارة تكون مطابقة لحقيقة المرئي، وقد لا تكون مطابقة. ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أدركت في النوم، كما قد صح عنه ﷺ أنه قال لعائشة: أريتك في سَرَقَةٍ (١) من حرير، فإذا هي أنت (٢)، ومعناه: أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته.
قلت: وقد وقع لي هذا مرات. منها: أني لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيِّئةٍ عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو، فأُريت في النوم كأني في مسجد النبي ﷺ وأنا جالس قريبًا من منبره، وأُناس يسلمون على النبي ﷺ ، فجاءني بعض من سلَّم عليه، فانتهرني وقال: قم فسلِّم على النبي ﷺ ، فقمت فشرعت في السلام على النبي ﷺ فاستيقظت، وأنا أسلِّم عليه، فجدَّد الله لي عزمًا، ويَسَّر عليَّ فيما كان قد صعب من أسبابي، وأزال عني ما كنت أتخوَّفه من أمر العدو، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يومًا
стр. 3314
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في كتف السلامة، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف، وأعظم كرب، والعدو قد استفحل أمره، وعظمت شوكته، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو، ومكن منه من غير صُنع أحد من المخلوقين، بل: بلطف أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين (١). ثم: إن الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه، وإنعامه، وأوصلني بعد حجِّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان.
ومنها: أني تزوجت امرأة، وقبل الدخول بها حدثت عن صفتها ما أوقع في قلبي نُفرة، فأريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم. ونحو هذا كثير.
وأما إذا لم يظهر في اليقظة كذلك، فيعلم أن المقصود بتلك الصورة معناها لا عينها، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المثال صورة المرئي نفسه إما بزيادة، أو نقصان، أو تغيُّر لون، أو حدوث عيب، أو زيادة عضو، أو عين، أو غير ذلك. والمقصود بذلك أيضًا: التنبيه على معاني تلك الأمور، وإذا تقرر هذا فيجوز أن يرى النبي ﷺ في النوم على صفته التي كان عليها في الوجود، ويكون من فوائد ذلك: تسكين شوق الرائي، لكونه مُستهتِرًا (٢) بمحبته، وليعمل على مشاهدته وهذا هو الذي أشار إليه النبي ﷺ لَمَّا قال: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أي: من رآني رؤية معظِّمٍ لحرمتي، ومُشتاقٍ لمشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه، وظفر بكل مطلوبه.
ويجوز أن يكون مقصود ذلك المنام معنى صورته، وهو دينه وشريعته،
стр. 3315
وفي رواية: مَن رَآنِي فِي المَنَامِ فسيراني في اليقظة، أو: لكأنما رآني في اليقظة؛ لا يتمثل الشيطان بي.
وفي أخرى: من رآني فقد رأى الحق.
رواه أحمد (٢/ ٢٦١ و ٣٤٢)، والبخاريُّ (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦) (١٠ و ١١) و (٢٢٦٧) من طريق محمد بن عبدالله بن أخي الزُّهري، وأبو داود (٥١٢٣)، والترمذيُّ (٢٢٨٠)، وابن ماجه (٣٩٠١ و ٣٩٠٤).
ــ
فيعبَّر بحسب ما رآه الرائي من زيادة، أو نقصان، أو إساءة، أو إحسان، وكذلك الحكم إذا رأى على خلاف الصورة التي كان عليها مما يجوز عليه.
فأمَّا رؤية الله تعالى في النوم: فقد قال القاضي عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله تعالى في المنام. وإن رئي على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام، يتحقق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى، إذ لا يجوز عليه التجسيم، ولا اختلاف الحالات، بخلاف رؤية النبي ﷺ فكانت رؤيته ﵎ في النوم من باب التمثيل والتخييل. وقال القاضي أبو بكر ﵀: رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرائي على أمر مما كان أو يكون، كسائر المرئيات. وقال غيره: رؤية الله في المنام حقٌّ وصدقٌ لا كذب فيها، لا في قول ولا في فعل.
و(قوله (١): من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، أو: لكأنما رآني في اليقظة)، هذا شكٌّ من الراوي، فإنَّ كان اللفظ الأول هو الصحيح، فتأويله ما
стр. 3316
[٢١٨٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن رَآنِي فِي المنَامِ فَقَد رَآنِي فَإِنَّهُ لَا يَنبَغِي لِلشَّيطَانِ أَن يَتَشَبَّهَ بِي.
وفي رواية: أن يتمثل في صورتي.
رواه مسلم (٢٢٦٨) (١٢ و ١٣).
* * *
(٥) باب لا يخبر بتلعب الشيطان به
[٢١٨١] عَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأسِي ضُرِبَ فَتَدَحرَجَ فَاشتَدَدتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلأَعرَابِيِّ: لَا تُحَدِّث النَّاسَ بِتَلَعُّبِ الشَّيطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ، وَقَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ بَعدُ يَخطُبُ فَقَالَ: لَا يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُم بِتَلَعُّبِ الشَّيطَانِ بِهِ فِي مَنَامِهِ.
ــ
ذكرناه. وإن كان الثاني هو الصحيح، فمعناه: أن رؤيته حق وصدق كما قدمناه. والله تعالى أعلم.
(٥) [ومن باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به] (١)
(قوله للأعرابي الذي أخبره: أنه رأى أن رأسه قد قطع: لا تخبر بتلعب الشيطان بك في منامك (٢)، دليلٌ على منع أن يخبر الإنسان بما يراه في منامه مما
стр. 3317
وفي رواية: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ رَأسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَذكر نحوه.
رواه أحمد (٣/ ٣١٥)، ومسلم (٢٢٦٨) (١٥ و ١٦)، والنّسائي (٩١٢) في اليوم والليلة، وابن ماجه (٣٩١٣).
* * *
ــ
يكرهه، مما يظن أنه من الشيطان. وقد تقدَّم بيان ذلك. وهذه المنام على مساق هذا الحديث ليس في ظاهرها ما يدلّ على أنها من الشيطان، غير أن النبي ﷺ علم أنها من الشيطان بطريق آخر غير ظاهرها، [فإمَّا أن يكون ذكر الرائي ما يدلّ على ذلك، ولم ينقله الراوي، وإمَّا أن يكون ذلك من باب الوحي وهو الظاهر (١). وقد ذكر أهل العلم بالعبارة قطع الرأس في النوم، وذكروا: أنه يدل على زوال نعم الرائي، أو سلطانه، أو تغيُّر حاله، أو مفارقة من هو فوقه، فإنَّ كان عبدًا دلَّ على عتقه، أو مريضًا فعلى شفائه، أو مِديانًا فعلى قضاء دينه، أو صرورة (٢) فعلى حَجِّه، أو مغمومًا فعلى فرجه، أو خائفًا فعلى أمنه، إلى غير ذلك مما وسَّعوا القول فيه. وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب أصول العبارة أن رجلًا قال: يا رسول الله! رأيت فيما يرى النائم كأن رأسي قطع فجعلت أنظر إليه بإحدى عيني! فضحك النبي ﷺ وقال: بأيتهما كنت تنظر إليه؟ فلبث ما شاء الله، ثم قُبِض النبي ﷺ فعبَّر الناس: أن الرأس كان النبي ﷺ وأن النظر إليه كان اتباع السُّنَّة.
* * *
стр. 3318
(٦) باب استدعاء العابر ما يعبر، وتعبير من لم يسأل
[٢١٨٢] عَن سَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى الصُّبحَ أَقبَلَ عَلَيهِم بِوَجهِهِ، فَقَالَ: هَل رَأَى أَحَدٌ مِنكُم البَارِحَةَ رُؤيَا؟ .
رواه أحمد (٥/ ١٤)، والبخاري (١١٤٣)، ومسلم (٢٢٧٥)، والترمذيُّ (٢٢٩٥).
ــ
(٦) ومن باب: استدعاء العابر ما يعبر
(قوله: كان النبي ﷺ إذا صلَّى الصبح أقبل علينا بوجهه) فيه دليل على أن الإمام لا يمكث في موضع صلاته إذا فرغ منها، وقد تقدَّم ذلك.
و(قوله: هل رأى منكم أحدٌ البارحة رؤيا؟ ) إنما كان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك لما كانوا عليه من الصلاح، والصدق، فكان قد علم أن رؤياهم صحيحة، وأنها يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليبين لهم بالفعل الاعتناء بالرؤيا، والتشوُّف لفوائدها، وليعلمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على علم الغيب.
و(قوله: البارحة) يعني به: الليلة البارحة، أي: الذاهبة، اسم فاعل من برح الشيء: إذا ذهب. ومنه قولهم: برح الخفاء، أي: ذهب. وإذا دخل حرف النفي على برح صار من أخوات كان التي ترفع الاسم، وتنصب الخبر. ووقع هذا اللفظ في غير كتاب مسلم: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا (١) بدل: البارحة. واستدل بعض الناس على أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل (٢)، وليس بصحيح، لأنَّه: إنما أشار لليَّلة البارحة، لا للساعة الحاضرة بدليل هذه
стр. 3319
[٢١٨٣] وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان مما يقول لأصحابه:
ــ
الرواية الصحيحة التي قال فيها: البارحة. ومعناها: الماضية بالاتفاق، فكأنه قال: الليلة الماضية، أو المنصرمة. ولما كانت قريبة الانصرام أشار إليها، ولما كان هذا معلومًا اكتفي بذكر الليلة عن صفتها، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير تابعة استعمال الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة البارحة. لكن ذلك جاز لما ذكرناه.
و(قوله: كان مما يقول لأصحابه) قال القاضي أبو الفضل: معنى (مما) هاهنا عندهم: كثيرًا ما كان يفعل كذا. قال ثابت في مثل هذا: كأنه يقول: هذا من شأنه، ودأبه، فجعل (ما) كناية عن ذلك. يريد: ثم أدغم (من) (١) فقال: مما يقول. وقال غيره: معنى (ما) هاهنا: ربما، لأنَّ ربما تأتي للتكثير.
قلت: وهذا كلام جملي لم يحصل به بيان تفصيلي، فإنَّ هذا الكلام من السهل جملة الممتنع تفصيلًا. وبيانه بالإعراب، وذلك: أن اسم كان مستتر فيها يعود على النبي ﷺ وخبرها في الجملة التي بعدها، وذلك: أن (ما) من (مما) بمعنى: الذي، وهي مجرورة بـ (من) وصلتها: يقول، والعائد محذوف. وهذا المجرور: خبر المبتدأ الذي هو: من رأى منكم رؤيا، فإنَّه كلام محكي معمول للقول، تقديره: كان رسول الله ﷺ من جملة القول الذي يقوله هذا القول. ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون تقديرها: كان النبي ﷺ من جملة قوله: من رأى منكم رؤيا ومَن في كلا الوجهين: استفهام محكي. والله تعالى أعلم. وأبعد ما قيل فيها: قول من قال: إن من بمعنى: ربما، إذ لا يساعده اللسان، ولا يلتئم مع تكلُّفه الكلام.
стр. 3320
من رأى منكم رؤيا فليقصها أعبرها؟ قال فجاء رجل فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رأيت ظُلَّةً تَنطِفُ السَّمنَ وَالعَسَلَ، فَإذا النَّاس يَتَكَفَّفُونَ مِنهَا بِأَيدِيهِم، فَالمُستَكثِرُ وَالمُستَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِن السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ، فَأَرَاكَ أَخَذتَ بِهِ فَعَلَوتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِن بَعدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا. قَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنتَ وأمي وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعبُرَهَا، قَالَ
ــ
و(قوله: فليقصَّها أَعبُرها) أي: ليذكر قصتها وليتتبع جزئياتها حتى لا يترك منها شيئًا، مأخوذ من: قصصت الأثر: إذا تتبعته. وأعبرها، أي: أعتبرها وأفسرها. ومنه قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُم لِلرُّؤيَا تَعبُرُونَ﴾ وأصله من عبرت النهر: إذا جُزتُ من إحدى عُدوتيه إلى الأخرى.
والظُّلة: السَّحابة التي تظلل من تحتها. وتنطف: تقطر. والنطفة: القطرة من المائع. ويتكففون: يأخذون بأكفهم، ويحتمل أن يكون معناه: يأخذون من ذلك كفايتهم. وهذا أليق بقوله: فالمستكثر من ذلك والمستقل. والسبب: الحبل.
و(قوله: بأبي أنت وأمي) أي: مَفدِيٌّ من المكاره والمساوئ.
و(قوله: والله لتدعني فلأعبرها) هذه الفاء: زائدة. وأعبرها منصوب بلام كي، ويصح أن تكون لام الأمر فتجزم، ولا تكون لام القسم لما يلزم من فتحها، ومن دخول النون في فعلها.
وفيه من الفقه: جواز الحلف على الغير، وإبرار الحالف، فإنَّه ﷺ أجاب طَلِبَتَه، وأبرَّ قسمه، فقال له: اعبُر. ويدل على تمكُّن أبي بكر من علم عبارة الرؤيا.
ووجه عبارة أبي بكر لهذه الرؤيا واضحة، ومناسباتها واقعة، غير أن
стр. 3321
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اعبُرهَا، قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَظُلَّةُ الإِسلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنطِفُ مِن السَّمنِ وَالعَسَلِ فَالقُرآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِن ذَلِكَ فَالمُستَكثِرُ مِن القُرآنِ وَالمُستَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِن السَّمَاءِ إِلَى الأَرضِ، فَالحَقُّ الَّذِي أَنتَ عَلَيهِ تَأخُذُ بِهِ فَيُعلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِن بَعدِكَ فَيَعلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعلُو بِهِ، ثُمَّ يَأخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعلُو بِهِ، فَأَخبِرنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنتَ أَخطَأتُ أم أَصَبتُ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَصَبتَ بَعضًا وَأَخطَأتَ
ــ
النبي ﷺ لما قال له: أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا، ولم يبيِّن له ما الذي أخطأ فيه. اختلف الناس فيه، فقيل: معناه: أنه قصَّر في ترك بعض أجزاء الرؤيا غير مفسَّرة، وذلك أنه ردَّ شيئين لشيءٍ واحد، فإنَّه ردَّ السَّمن والعسل للقرآن، ولو ردَّ الحلاوة للقرآن والسَّمن للسُّنَّة، لكان أليق، وأنسب. وإلى هذا أشار الطحاوي.
قلت: وفي هذا بُعد، ويرد عليه مؤاخذات يطول تتبعها.
وقال بعضهم: إن المنام يدلّ على خلع عثمان، لأنه الثالث الذي أخذ بالسبب فانقطع به، غير أنه لم يُوصل له بِعَودِ الخلافة، فإنَّه قتل، وإنما وصل لغيره، وهو علي ﵄.
قلت: وهذا إنما يصحُّ إذا لم يرو في الحديث: له من وصل له على ما نبَّه عليه القاضي فإنَّه قال: ليس فيها له. وإنما هو: وصل فقط. وعلى هذا يمكن أن ينسب الخطأ إلى هذا المعنى، لأنَّه تأوَّل الوصل له وهو لغيره، لكن الرواية الصحيحة والموجود في الأصول التي وقفت عليها ثبوت له، وعلى هذا فإنما وصل له بالشهادة والكرامة التي أعدَّها الله تعالى له في الدار الآخرة، وتأوَّلها أبو بكر ﵁ على الخلافة. والله تعالى أعلم. وبعد هذا فأقول: إن تكلُّف إبداء ذلك الخطأ الذي سكت عنه النبي ﷺ ولم يعلمه أبو بكر، ولا من كان
стр. 3322
بَعضًا، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي بالَّذِي أَخطَأتُ، قَالَ: لَا تُقسِم.
رواه البخاريُّ (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩)، وأبو داود (٤٦٣٢)، والترمذيُّ (٢٢٩٤)، وابن ماجه (٣٩١٨).
* * *
ــ
هناك من أكابر الصحابة وعلمائهم ﵃ جرأة نستغفر الله تعالى منها، وإنما لم يعيِّن ذلك النبي ﷺ أنه ليس من الأحكام التي أمر بتبليغها، ولا أرهقت إليه حاجة، ولعلَّه لو عيَّن ما أخطأ فيه لأفضى ذلك إلى الكلام في الخلافة، ومن تتم له، ومن لا تتم له، فتنفر لذلك نفوس، وتتألم قلوبٌ، وتطرأ منه مفاسد، فسدَّ النبي ﷺ ذلك الباب. والله تعالى أعلم بالصواب.
و(قوله ﷺ لأبي بكر ﵁: لا تُقسم) مع أنه قد أقسم. معناه: لا تعد للقسم. ففيه: ما يدلّ على أن أمر النبي ﷺ بإبرار المقسم (١) ليس بواجب، وإنما هو مندوب إليه إذا لم يعارضه ما هو أولى منه.
* * *
стр. 3323
(٧) باب فيما رأى النبي ﷺ في نومه
[٢١٨٤] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيتُ ذَاتَ لَيلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقبَةَ بنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِن رُطَبِ ابنِ طَابٍ، فَأَوَّلتُ الرِّفعَةَ لَنَا فِي الدُّنيَا وَالعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَد طَابَ.
رواه مسلم (٢٢٧٠)(١٨).
ــ
(٧) ومن باب: ما رأى النبي ﷺ في نومه
حديث أنس ﵁ هذا وتأويله دليل: على أن تعبير الرؤيا قد تؤخذ من اشتقاق كلماتها، فإنَّه ﷺ أخذ من عقبة: حسن العاقبة، ومن رافع: الرفعة. ومن رطب بن طاب: لذاذة الدين وكماله. وقد قال علماء أهل العبارة أن لها أربعة طرق:
أحدها: ما يشتق من الأسماء كما ذكرناه آنفًا.
وثانيها: ما يعتبر مثاله، ويميز شكله كدلالة معلم الكتاب على القاضي، والسلطان، وصاحب السجن، ورأس السفينة، وعلى الوصي والوالد.
وثالثها: ما يعبره المعنى المقصود من ذلك الشيء المرئي، كدلالة فعل السَّفر على السَّفر، وفعل السوق على المعيشة، وفعل الدار على الزوجة والجارية.
ورابعها: التعبير بما تقدم له ذكر في القرآن والسُّنة أو الشعر، أو كلام العرب وأمثالها. وكلام الناس وأمثالهم، أو خبر معروف، أو كلمة حكمة، وذلك كنحو تعبير الخشب بالمنافق، لقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وكتعبير الفأر بفاسق، لأنَّه ﷺ سماه: فويسقًا. وكتعبير القارورة بالمرأة، لقوله ﷺ : رفقًا بالقوارير (١)، يعني: ضعفة النساء، وتتبع أمثلة ما ذكر يطول.
стр. 3324
[٢١٨٥] وعن عَبدَ اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَرَانِي فِي المَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَذَبَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكبَرُ مِن الآخَرِ، فَنَاوَلتُ السِّوَاكَ الأَصغَرَ مِنهُمَا فَقِيلَ لِي كَبِّر: فَدَفَعتُهُ إِلَى الأَكبَرِ.
رواه البخاريُّ (٢٤٦)، ومسلم (٢٢٧١)(١٩).
[٢١٨٦] وعَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِن مَكَّةَ إِلَى أَرضٍ بِهَا نَخلٌ، فَذَهَبَ وَهلِي إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ أَو هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثرِبُ،
ــ
و(قوله ﷺ : أريت في المنام أني أهاجر إلى أرض بها نخل) هذا يدلُّ على أن هذه الرؤيا وقعت له وهو بمكة قبل الهجرة، وأن الله تعالى أطلعه بها على ما يكون من حاله وحال أصحابه يوم أحد، وبأنهم يصاب من صدورهم معه، وأن الله تعالى يثبتهم بعد ذلك، ويجمع كلمتهم، ويقيم أمرهم، ويعزُّ دينهم، وقد كمَّل الله تعالى له ذلك بعد بدر الثانية. وهي المرادة في هذا الحديث على ما يأتي بيانه إن شاء الله.
و(قوله: فذهب وَهَلي إلى أنها اليمامة، أو هجر، فإذا هي المدينة) أي: ذهب وهمي وظني. والوهل - بفتح الهاء -: ما يقع في خاطر الإنسان، ويهم به. وقد يكون في موضع آخر: الغلط، وليس مرادًا هنا بوجه، لأنَّه لم يجزم بأنها واحدة منهما، وإنما جوَّز ذلك، إذ ليس في المنام ما يدلّ على التعيين، وإنما أري أرضًا ذات نخل، فخطر له ذانك الموضعان، لكونهما من أكثر البلاد نخلًا، ثم إنه لما هاجر إلى المدينة تعيَّنت له تلك الأرض، فأخبر عنها بعد هجرته إليها بقوله: فإذا هي المدينة.
ففيه ما يدلّ: على أن الرؤيا قد تقع موافقة لظاهرها من غير تأويل. وأن الرؤيا قبل وقوعها لا يقطع الإنسان بتأويلها، وإنما هي: ظن وحدس، إلا فيما كان
стр. 3325
وَرَأَيتُ فِي رُؤيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزتُ سَيفًا فَانقَطَعَ صَدرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِن المُؤمِنِينَ يَومَ أُحُدٍ،
ــ
منها وحيًا للأنبياء، كما وقع لإبراهيم ﵊ في قوله لابنه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذبَحُكَ﴾ فإنَّ ذلك لا يكون إلا عن يقين يحصل لهم قطعًا، خلافًا لمن قال من أهل البدع: إن ذلك كان منه ظنًّا وحسبانًا. وهو قول باطل، لأنَّه لم يكن ليقدم على معصوم الدم - قطعًا - محبوب شرعًا وطبعًا بمنام لا أصل له ولا تحقيق فيه.
و(قوله: ورأيت في رؤياي هذه: أني هززت سيفًا فانقطع صدره)، هذا نصٌّ في أن رؤيته لدار هجرته، ولهذه الحالة الدالة على قضية يوم أحد كانت منامًا واحدًا، وقد تأوَّل ﷺ السيف هنا بالقوم الذين كانوا معه، الناصرين له أخذًا من معنى السيف لأنه به ينتصر (١)، ويعتضد في اللقاء، كما يعتضد بالأنصار والأولياء. وقد يُتأوَّل على وجوه متعددة في غير هذا الموضع، فقد يدلّ على الولد، والوالد، والعم، والعصبة، والزوجة، والسلطان، والحجَّة القاطعة، وذلك بحسب ما يظهر من أحوال الرائي والمرئي، ووقت الرؤيا. وإنما تأوَّل انقطاع صدر السيف [بقتل من قتل يوم أحد، لأنَّهم كانوا معظم صدر عسكره، إذ كان فيهم: عمه حمزة، وغيره من أشراف المهاجرين والأنصار، فاقتبس صدر القوم من صدر السيف] (٢) والقطع الذي رئي فيه قطع أعمار المقتولين. وهزِّه للسيف: هو حمله إياهم على الجهاد، وحثهم عليه. والرواية الصحيحة الفصيحة هي: هززته بزايين، وتاء مثناة من فوق. وقد قاله بعض الرواة بزاي واحدة مشدَّدة، وتاء مخففة، فيقول: هزَّتُه، وقيل: هي لغة بكر بن وائل.
стр. 3326
ثُمَّ هَزَزتُهُ أُخرَى فَعَادَ أَحسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الفَتحِ وَاجتِمَاعِ المُؤمِنِينَ، وَرَأَيتُ أَيضًا فيها بَقَرًا وَاللَّهُ خَيرٌ، فَإِذَا هُم النَّفَرُ مِن المُؤمِنِينَ يَومَ أُحُدٍ،
ــ
و(قوله: ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين) يعني به - والله أعلم - ما صنع الله لهم بعد أحد، وذلك: أنهم لم ينكلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّوا إيمانهم وعزماتهم، واجتمعت على ذلك جماعاتهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله تعالى عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين، ويكثرهم، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي.
و(قوله: ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خيرٌ) الضمير في فيها عائد على الرؤيا المذكورة. والرواية المشهورة برفع الله - و- خير على الابتداء والخبر، أي: ثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ورأيت والله بقرًا تنحر. على إعمال رأيت في بقرًا) وعلى خفض اسم الله تعالى على القسم. وهكذا روى الخبر ابن هشام. وسمِّي ذلك خيرًا على جهة التفاؤل.
قلت: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض.
و(قوله: فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد) يحتمل أن يكون أخذ النفر من لفظ: بقر- مصحفًا - إذ لفظهما واحد، وليس بينهما إلا اختلاف النقط، فيكون هذا تنبيهًا على طريق خامس في طريق العبارة المتقدِّمة. ويحتمل أن يكون
стр. 3327
وَإِذَا الخَيرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الخَيرِ بَعدُ، وَثَوَابُ الصِّدقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعدَ يَومِ بَدرٍ.
رواه مسلم (٢٢٧٢)(٢٠)، وابن ماجه (٣٩٢١).
ــ
أخذ ذلك من أن الرجال المقاتلة في الحرب يشبهون لما معها من أسلحتها التي هي قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنة. والله تعالى أعلم، وكأن هؤلاء المؤمنين الذين عبر عنهم بالنفر غير المؤمنين بصدر السيف. فكأن أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء مقاتلتها، والكل من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء.
و(قوله: فإذا هو ما جاء الله به من الخير بعد (١)) هكذا صحَّت الرواية بضم بعد على قطعه عن الإضافة. ويعني به ما أصيبوا به يوم أحد. والعامل فيه جاء والخير: هو الذي ذكرناه آنفًا.
و(قوله: وثواب الصِّدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) كذا صحت الرواية: بعد منصوبًا على الظرف المعرب المضاف إلى يوم بدر، [والعامل فيه: آتانا. فهذان أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين. أحدهما: بعد أحد، والثاني: بعد بدر] (٢)، مع أنهما مرتبان على ما جرى في أحد، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى، لتقدُّم بدر الكبرى على أحد بزمان طويل، لأنَّه ﷺ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة. وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبي ﷺ
стр. 3328
[٢١٨٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الكَذَّابُ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِن جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمرَ مِن بَعدِهِ تَبِعتُهُ فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِن قَومِهِ، فَأَقبَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بنُ
ــ
فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل. فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلمَّا كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة -، خرج في شعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان. ثمَّ: إنهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب. وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين. ثمَّ إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان.
و(قول ابن عباس ﵄: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته). مسيلمة هذا هو: ابن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الدول بن حنيفة. قال ابن إسحاق: وكان من شأنه: أنه تنبأ على عهد رسول الله ﷺ سنة عشر، وكان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويزعم أنَّه شريك معه في نبوَّته. وقال سعيد بن المسيب: إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبي- ﷺ وأنَّه قتل وهو ابن خمسين ومائة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) قالت قريش: إنما يعني: مسيلمة. قال ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني أُشركت معك في الأمر، فلي نصف الأرض، ولك نصفها، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب، قال للرَّسولين: ما تقولان
стр. 3329
قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطعَةُ جَرِيدَةٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيلِمَةَ
ــ
أنتما؟ قالا: نقول ما قال صاحبنا. فقال رسول الله ﷺ : لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما، ثم كتب رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد فـ: ﴿إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمدًا أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر (١).
قال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله ﷺ مسيلمة، وصاحب صنعاء: الأسود بن عزة العنسي، وطليحة، وسجاح التميمية جاءت إلى مسيلمة فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إلي: ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشًا. قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أن الله خلق [للنساء أفراجًا] (٢) وخلق الرجال لهن أزواجًا، فيولج فيهنَّ قَعسًا إيلاجًا، ثمَّ يخرجه إذا استمنى ((٣) إخراجًا. فقالت: أشهد أنَّك نبي! قال: هل لك أن أتزوَّجك، فآكل بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إن نبيَّنا تزوج نبيتكم. وقالت له: يا أبا ثمامة! ضع عن قومي هاتين الطويلتين، صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة. فخرج مناديه فنادى بذلك. فقال شيخ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنا خيرًا، فوالله: لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا (٤) عن ديننا.
стр. 3330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال غير ابن إسحاق: ولما استفحل أمر مسيلمة قدم المدينة في بشر كثير، ونزل على عبد الله بن أُبي، فجاءه النبي ﷺ كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث ابن عباس: أن مسيلمة جاء إلى (١) النبي ﷺ وفي حديث آخر: أن مسيلمة كان في ظهر القوم، وأن النبي ﷺ سأل عنه.
قلت: فيحتمل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدمةٍ واحدة قِدِمها مسيلمة المدينة، وعند بلوغ قدومه للنبي ﷺ سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر، فاجتمعا بموضع غير موضعيهما. وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبي ﷺ ثلاث مرات.
ثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق ﵁ كُتبًا كثيرة يعظهم، ويذكرهم، ويحذرهم، وينذرهم إلى أن بعث لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم والمسلمون، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها، واستشهد فيها من قرَّاء القرآن خلق كثير، حتى خاف أبو بكر، وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبَّت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشي قاتل حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف (٢) عليه رجل من الأنصار،