← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

ثُمَّ هَزَزتُهُ أُخرَى فَعَادَ أَحسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الفَتحِ وَاجتِمَاعِ المُؤمِنِينَ، وَرَأَيتُ أَيضًا فيها بَقَرًا وَاللَّهُ خَيرٌ، فَإِذَا هُم النَّفَرُ مِن المُؤمِنِينَ يَومَ أُحُدٍ، ــ و(قوله: ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح، واجتماع المؤمنين) يعني به - والله أعلم - ما صنع الله لهم بعد أحد، وذلك: أنهم لم ينكلوا عن الجهاد، ولا ضعفوا، ولا استكانوا لما أصابهم يوم أحد، لكن جدَّدوا نياتهم، وقوَّوا إيمانهم وعزماتهم، واجتمعت على ذلك جماعاتهم، وصحَّت في ذلك رغباتهم، فخرجوا على ما بهم من الضعف والجراح فغزوا غزوة حمراء الأسد مستظهرين على عدوهم بالقوة والجلد، ثم فتح الله تعالى عليهم، ونصرهم في غزوة بني النضير، ثم في غزوة ذات الرِّقاع، ثم لم يزل الله تعالى يجمع المؤمنين، ويكثرهم، ويفتح عليهم إلى بدر الثانية، وكانت في شعبان من السنة الرابعة من الهجرة، وبعد تسعة أشهر ونصف شهر من أحد، فما فتح الله عليه به في هذه المدة هو المراد هنا كما يأتي. و(قوله: ورأيت فيها أيضًا بقرًا، والله خيرٌ) الضمير في فيها عائد على الرؤيا المذكورة. والرواية المشهورة برفع الله - و- خير على الابتداء والخبر، أي: ثواب الله خيرٌ للنفر المقتولين بالشهادة، ولمن أصيب بهم بأجر المصيبة، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ورأيت والله بقرًا تنحر. على إعمال رأيت في بقرًا) وعلى خفض اسم الله تعالى على القسم. وهكذا روى الخبر ابن هشام. وسمِّي ذلك خيرًا على جهة التفاؤل. قلت: والأول أوضح، وأبعد من الاعتراض. و(قوله: فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد) يحتمل أن يكون أخذ النفر من لفظ: بقر- مصحفًا - إذ لفظهما واحد، وليس بينهما إلا اختلاف النقط، فيكون هذا تنبيهًا على طريق خامس في طريق العبارة المتقدِّمة. ويحتمل أن يكون

стр. 3327

وَإِذَا الخَيرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِن الخَيرِ بَعدُ، وَثَوَابُ الصِّدقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعدَ يَومِ بَدرٍ. رواه مسلم (٢٢٧٢) (٢٠)، وابن ماجه (٣٩٢١). ــ أخذ ذلك من أن الرجال المقاتلة في الحرب يشبهون لما معها من أسلحتها التي هي قرونها، ولمدافعتها بها، ومناطحتها بعضها لبعضٍ بها، وقد كانت العرب تستعمل القرون في الرماح عند عدم الأسنة. والله تعالى أعلم، وكأن هؤلاء المؤمنين الذين عبر عنهم بالنفر غير المؤمنين بصدر السيف. فكأن أولئك صدر الكتيبة، وهؤلاء مقاتلتها، والكل من خير الشهداء، وأفضل الفضلاء. و(قوله: فإذا هو ما جاء الله به من الخير بعد (١)) هكذا صحَّت الرواية بضم بعد على قطعه عن الإضافة. ويعني به ما أصيبوا به يوم أحد. والعامل فيه جاء والخير: هو الذي ذكرناه آنفًا. و(قوله: وثواب الصِّدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) كذا صحت الرواية: بعد منصوبًا على الظرف المعرب المضاف إلى يوم بدر، [والعامل فيه: آتانا. فهذان أمران مختلفان أوتيهما في وقتين مختلفين. أحدهما: بعد أحد، والثاني: بعد بدر] (٢)، مع أنهما مرتبان على ما جرى في أحد، فيستحيل أن يكون يوم بدر هنا هو يوم غزوة بدر الكبرى، لتقدُّم بدر الكبرى على أحد بزمان طويل، لأنَّه ﷺ خرج إلى بدر الأولى في شهر رمضان في السَّنة الثانية من الهجرة. وكانت أحد في السنة الثالثة في النصف من شوَّالها، ولذلك قال علماؤنا: إن يوم بدر في هذا الحديث هو يوم بدر الثاني، وكان من أمرها: أن قريشًا لما أصابت في أحد من أصحاب النبي ﷺ ما أصابت، وأخذوا في الرُّجوع نادى أبو سفيان يُسمِعُ النبي ﷺ

стр. 3328

[٢١٨٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ مُسَيلِمَةُ الكَذَّابُ عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِن جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمرَ مِن بَعدِهِ تَبِعتُهُ فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِن قَومِهِ، فَأَقبَلَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَعَهُ ثَابِتُ بنُ ــ فقال: موعدكم يوم بدر في العام المقبل. فأمر النبي ﷺ بعض أصحابه أن يجيبه بنعم، فلمَّا كان العام المقبل - وهي السنة الرابعة من الهجرة -، خرج في شعبانها إلى بدر الثانية، فوصل إلى بدر، وأقام هناك ينتظر أبا سفيان، وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى بلغ عسفان. ثمَّ: إنهم غلبهم الخوف، فرجعوا، واعتذروا بأن العام عام جدب. وكان عذرًا محتاجًا إلى عذر، فأخزى الله المشركين، ونصر المؤمنين. ثمَّ إن النبي ﷺ لم يزل منصورًا، وبما يفتح الله عليه مسرورًا، إلى أن أظهر الله تعالى دينه على الأديان، وأخمد كلمة الكفر والطغيان. و(قول ابن عباس ﵄: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ المدينة، فجعل يقول: إن جعل لي محمدٌ الأمر من بعده تبعته). مسيلمة هذا هو: ابن ثمامة بن كثير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن عثمان بن الحارث بن ذُهل بن الدول بن حنيفة. قال ابن إسحاق: وكان من شأنه: أنه تنبأ على عهد رسول الله ﷺ سنة عشر، وكان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ويزعم أنَّه شريك معه في نبوَّته. وقال سعيد بن المسيب: إنه كان قد تسمَّى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله بن عبد المطلب - أبو النبي- ﷺ وأنَّه قتل وهو ابن خمسين ومائة سنة. قال سعيد بن جبير: كان رسول الله ﷺ إذا قال: (بسم الله الرحمن الرحيم) قالت قريش: إنما يعني: مسيلمة. قال ابن إسحاق: وإنَّه تسارع إليه بنو حنيفة، وإنَّه بعث برجلين من قومه بكتاب إلى رسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد: فإني أُشركت معك في الأمر، فلي نصف الأرض، ولك نصفها، ولكن قريش قومٌ لا يعدلون. فلمَّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب، قال للرَّسولين: ما تقولان

стр. 3329

قَيسِ بنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ﷺ قِطعَةُ جَرِيدَةٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيلِمَةَ ــ أنتما؟ قالا: نقول ما قال صاحبنا. فقال رسول الله ﷺ : لولا أن الرُّسل لا تُقتل لقتلتكما، ثم كتب رسول الله ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتَّبع الهدى، أما بعد فـ: ﴿إِنَّ الأَرضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾، فلما انتهى الكتاب إليه انكسر بعض الانكسار، وقالت بنو حنيفة: لا نرى محمدًا أقرَّ بشركة صاحبنا في الأمر (١). قال ابن إسحاق: تنبأ على عهد رسول الله ﷺ مسيلمة، وصاحب صنعاء: الأسود بن عزة العنسي، وطليحة، وسجاح التميمية جاءت إلى مسيلمة فقالت له: ما أوحي إليك؟ قال: أوحي إلي: ألم تر إلى ربِّك كيف خلق الحُبلى، أخرج منها نسمةً تسعى بين صفاقٍ وحشًا. قالت: وماذا؟ فقال: ألم تر أن الله خلق [للنساء أفراجًا] (٢) وخلق الرجال لهن أزواجًا، فيولج فيهنَّ قَعسًا إيلاجًا، ثمَّ يخرجه إذا استمنى ((٣) إخراجًا. فقالت: أشهد أنَّك نبي! قال: هل لك أن أتزوَّجك، فآكل بقومي وقومك العرب؟ فتزوَّجته، فنادى مناديها: ألا إنَّا أصبنا الدِّين في بني حنيفة. ونادى منادي بني حنيفة: ألا إن نبيَّنا تزوج نبيتكم. وقالت له: يا أبا ثمامة! ضع عن قومي هاتين الطويلتين، صلاة الفجر، وصلاة العشاء الآخرة. فخرج مناديه فنادى بذلك. فقال شيخ من بني تميم: جزى الله أبا ثمامة عنا خيرًا، فوالله: لقد كاد ثقلهما علينا يوتغنا (٤) عن ديننا.

стр. 3330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال غير ابن إسحاق: ولما استفحل أمر مسيلمة قدم المدينة في بشر كثير، ونزل على عبد الله بن أُبي، فجاءه النبي ﷺ كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث ابن عباس: أن مسيلمة جاء إلى (١) النبي ﷺ وفي حديث آخر: أن مسيلمة كان في ظهر القوم، وأن النبي ﷺ سأل عنه. قلت: فيحتمل أن يكون هذا اختلاف أحوال في قَدمةٍ واحدة قِدِمها مسيلمة المدينة، وعند بلوغ قدومه للنبي ﷺ سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كل واحد منهما إلى الآخر، فاجتمعا بموضع غير موضعيهما. وهذا الاحتمال أقرب من احتمال أن يكون مسيلمة قدم على النبي ﷺ ثلاث مرات. ثم إن مسيلمة رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفي رسول الله ﷺ فعظم أمر مسيلمة، وأطبق أهل اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم بشرٌ كثير من أهل الردَّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق ﵁ كُتبًا كثيرة يعظهم، ويذكرهم، ويحذرهم، وينذرهم إلى أن بعث لهم كتابًا مع حبيب بن عبد الله الأنصاري، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكر ﵁ على قتالهم والمسلمون، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد ﵄، وتجهز الناس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيش عظيم، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروب عظيمة لم يسمع بمثلها، واستشهد فيها من قرَّاء القرآن خلق كثير، حتى خاف أبو بكر، وعمر ﵄ أن يذهب من القرآن شيء لكثرة من قتل هناك من القراء، ثم إن الله تعالى ثبَّت المسلمين، وقتل الله تعالى مسيلمة اللعين على يدي وحشي قاتل حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دفَّف (٢) عليه رجل من الأنصار،

стр. 3331

أَصحَابه، قَالَ: لَو سَأَلتَنِي هَذِهِ القِطعَةَ مَا أَعطَيتُكَهَا وَلَن أَتَعَدَّى أَمرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِن أَدبَرتَ لَيَعقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ، ــ فاحتزَّ رأسه، وهزم اللهُ جيشَه، وأهلكهم، وفتح اللهُ اليمامة، فدخلها خالد ﵁ واستولى على جميع ما حوته من النساء، والولدان، والأموال، وأظهر الله الدين، وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صدقنا وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيءَ بعده، وإنما جاء النبي ﷺ إلى مسيلمة ليبلغه الدعوة، وليسمع قولَه بالمشافهة. و(قوله ﷺ : ولن أتعدَّى أمر الله فيك) كذا في جميع نسخ كتاب مسلم، وفي البخاري (١): ولن تعدوَ أمر الله فيك، وكلاهما صحيح. ومعنى الأول: أن الله تعالى أمر نبيَّه ﷺ أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة، وأن يُصرِّح بتكذيبه، وأن يخبره بأنه لا يبلغ أمله فيما (٢) يريده من التشريك في الرسالة، ولا في الأرض، فلم يتعدَّ النبيُّ ﷺ ذلك، إذ قد فعل كل ذلك. ويحتمل أنه يريدُ بالأمر: ما كتب الله [عليه من الشِّقوة، وما وسمه عليه (٣) من الكذب والتكذيب، والأفعال القبيحة، أي: لا أقدر أن أردَّ ما (٤) كتب الله] (٥) عليك من ذلك، غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ البخاري منه من لفظ كتاب مسلم. و(قوله: ولئن أدبرتَ ليعقرنك الله) أي: لَيُهلِكَنَّك الله بالعقر - وهو القتل - إن لم تتَّبعني. وكذلك كان كما ذكرناه. فكان هذا من دلائل نبوة محمد نبيِّنا ﷺ وصحة رسالته.

стр. 3332

وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي، ثُمَّ انصَرَفَ عَنهُ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: فَسَأَلتُ عَن قَولِ رسول الله ﷺ : إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رأيتُ، فَأَخبَرَنِي أَبُو هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: بَينَما أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَينِ مِن ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي المَنَامِ أَن انفُخهُمَا فَنَفَختُهُمَا فَطَارَا ــ و(قوله ﷺ : وهذا ثابث يجيبك عني) يعني: ثابت بن قيس بن شماس، خطيب رسول الله ﷺ ، فكأن النبي ﷺ وجد على مسيلمة في نفسه، فأعرض عنه إعراض المحتقر له، المصغر لشأنه، وأحال على ثابت لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب كل ما يسألونه عنه، إذ كان من أفضل الناس، وأكملهم عقلًا، وأفصحهم لسانًا، وكان مع ذلك جهوري الصوت، حسن النغمة، فكان يقوم بالحجة، ويبالغ في إيراد الخطبة. و(قوله: إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت) الرواية أراك بضم الهمزة، بمعنى أظنك، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عرف الاستعمال، وقد قررنا: أن أصل أُرى من رأى بمعنى: علم، أو أبصر، أدخلت عليه همزة التعدية، وبنيت لما لم يسم فاعله، وعلى هذا فيصح أن تكون هنا بمعنى العلم. فيكون معناه: إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا أولى بحال النبي ﷺ فإنَّ رؤياه حق، وتأويله لا يجوز عليه الغلط، بخلاف غيره، والله تعالى أعلم. و(قوله: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمني شأنهما) السوار: ما تجعله المرأة في ذراعها مما تتحلَّى به من الذهب والفضة، وفيه ثلاث لغات: كسر السين، وضمها، وبهمزة مضمومة، فيقال: أُسوار ويجمع أساورة، فأمَّا أساورة الفُرسِ فقُوَّادهم. وإنَّما أهمَّه شأنهما، أعني: السوارين، لأنهما من حلية النساء، ومما يحرم على الرجال. و(قوله: فأوحي إلي: أن انفخهما. فنفختُهما، فطارا) ظاهره: أن هذا

стр. 3333

فَأَوَّلتُهُمَا كَذَّابَينِ يَخرُجَانِ بَعدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا: العَنسِيَّ صَاحِبَ صَنعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيلِمَةَ صَاحِبَ اليَمَامَةِ. رواه البخاريُّ (٤٣٧٣)، ومسلم (٢٢٧٣ و ٢٢٧٤) (٢١). [٢١٨٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَينَما أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ خَزَائِنِ الأَرضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ أُسوَارَينِ مِن ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيَّ ــ وحي من جهة الملك على غالب عادته. ويحتمل أن يكون ذلك إلهامًا. و(قوله: فأوَّلتهما: كذَّابَين يخرجان بعدي) أي: يظهران ويغلبان بعد موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبي ﷺ متبعين، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: فأوَّلتهما الكذَّابَين اللذين أنا بينهما. ووجه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا: أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالسَّاعدين للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما، وزخرفا أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبي ﷺ بمنزلة يديه، لأنَّه كان يعتضد بهما. والسِّواران فيهما هما: مسيلمة، وصاحب صنعاء بما زخرفا من أقوالهما. ونفخ النبي ﷺ : هو أن الله أهلكهما على أيدي أهل دينه، كما ذكرناه في شأن مسيلمة. وأما صاحب صنعاء فهو الأسود بن كعب، ويلقب بذي حمار، وسبب هذا اللقب -على ما قاله ابن إسحاق -: أنه لقيه حمار، فعثر، فسقط لوجهه، فقال: سجد لي الحمار. فارتد عن الإسلام، وادَّعى النبوة، ومخرق على الجهُّال فاتبعوه، وغلب على صنعاء، وأخرج منها المهاجر بن أسد المخزومي، وكان عاملًا لرسول الله ﷺ عليها، وانتشر أمره، وغلب على امرأة مُسلمة من الأساورة، فتزوجها فدسَّت إلى قوم من الأساورة: أني قد صنعت سربًا يوصل منه إلى مرقد الأسود فدلتهم على ذلك، فدخل منه قوم، منهم فيروز الديلمي، وقيس بن مكشوح، فقتلوه، وجاءوا برأسه إلى رسول الله ﷺ ، على ما قاله ابن إسحاق -.

стр. 3334

وَأَهَمَّانِي، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَن انفُخهُمَا فَنَفَختُهُمَا، فَذَهَبَا فَأَوَّلتُهُمَا الكَذَّابَينِ اللَّذَينِ أَنَا بَينَهُمَا صَاحِبَ صَنعَاءَ، وَصَاحِبَ اليَمَامَةِ. رواه البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢٧٤) (٢٢). * * * ــ وقال وثيمة (١): ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكر ﵁. قلت: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى - لقوله ﷺ : يخرجان بعدي، أي: بعد وفاتي، والله أعلم. * * *

стр. 3335

(٣٣) كتاب النبوات وفضائل نبينا محمد ﷺ (١) باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة [٢١٨٩] عن وَاثِلَةَ بنَ الأَسقَعِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى كِنَانَةَ مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ، وَاصطَفَى قُرَيشًا مِن كِنَانَةَ، وَاصطَفَى مِن قُرَيشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصطَفَانِي مِن بَنِي هَاشِمٍ. رواه أحمد (٤/ ١٠٧)، ومسلم (٢٢٧٦) (١)، والترمذي (٣٦٠٥ و ٣٦٠٦). ــ (٣٣) كتاب النِّبُوَّات [(١) ومن باب كونه مختارًا من خيار الناس] (١) قد تقدَّم الكلام في النبوة غير ما مرَّة. و(قوله: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل) اصطفى: اختار. وصفوة الشيء: خياره. ووزنه: افتعل. والطاء فيه بدل من التاء لقرب مخرجيهما. ومعنى

стр. 3336

[٢١٩٠] وعن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ ــ اختيار الله تعالى لمن شاء من خلقه: تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه، وجعله إياه أصلًا لذلك النوع، وإكرامه له على ما سبق في علمه، ونافذ حكمه من غير وجوب عليه، ولا إجبار، بل على ما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ﴾ وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوع بني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾ ويكفيك من ذلك كله: أن الله تعالى خلق العالم كلَّه لأجله، كما قد صرح بذلك عنه لما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ ثم إن الله تعالى اختار من هذا النوع الإنساني من جعله معدن نبوته، ومحل رسالته، فأولهم: آدم ﵊، ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، فكان منها الأنبياء والرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبرَاهِيمَ وَآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعضُهَا مِن بَعضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿إِنَّا أَوحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعدِهِ وَأَوحَينَا إِلَى إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ﴾ ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبي ﷺ في هذا الحديث. ثم إن الله تعالى ختمهم بختامهم، وأمَّهم بإمامهم، وشرَّفهم بصدر كتيبتهم، وبيت قصيدتهم، شمس ضحاها، هلال ليلتها، درِّ تقاصيِرها (١)، زبرجدها، وهو محمد ﷺ ، أخره عن الأنبياء زمانًا، وقدمه عليهم رتبة ومكانًا. جعله الله واسطة النظام، وكمَّل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصَّه من بينهم بالمقام المحمود، في اليوم المشهود، فهو شفيعهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا

стр. 3337

يَومَ القِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَن يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ، ــ جُمِعُوا، وسيِّدهم إذا ذُكِروا، فاقتبس من الخبر عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدمُ فمن دون، ويكفيك أُثرَةً وكرامة: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة. والسيد: اسم فاعل، من ساد قومه، إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال، وبما يوليهم من الإحسان والإفضال، وأصله: سَيوِد، لأنَّ: ألف ساد منقلبة عن واو، بدليل: أن مضارعه يسود، فقلبوا الواو ياء، وأدغموها في الياء، فقالوا: سيِّد. وهذا كما فعلوا في: ميِّت. وقد تبين للعقل والعيان ما به كان محمد ﷺ سيد نوع الإنسان. وقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار، فمنها أنه قال: أنا سيد ولد آدم. قال: وتدرون بم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد (١)، وذكر حديث الشفاعة المتقدم. ومضمونه: أن الناس كلهم إذا جمعهم موقف القيامة، وطال عليهم، وعظم كربهم طلبوا من يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدءون بآدم ﵇، فيسألونه الشفاعة، فيقول: نفسي، نفسي، لست لها، وهكذا يقول من سُئِلها من الأنبياء، حتى ينتهي الأمر إلى سيدنا محمد ﷺ فيقول: أنا لها، فيقوم في أرفع مقام، ويخصُّ بما لا يُحصى من المعارف والإلهام، وينادى بألطف خطاب وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع. وهذا مقام لم ينله أحدٌ من الأنام (٢)، ولا سمع بمثله لأحد من الملائكة الكرام، فنسأل الله تعالى باسمه العظيم، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته، ويميتنا على ملته، ويحشرنا في زمرته، ولا يجعلنا ممن ذيد (٣) عنه، وبُعِّدَ منه. و(قوله: أنا أوَّل من ينشق عنه القبر) يعني: أنه أول من يعجل إحياؤه

стр. 3338

وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ. رواه مسلم (٢٢٧٨) (٣)، وأبو داود (٤٧٦٣)، والترمذي (٣٦١٥). ــ مبالغة في إكرامه، وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه. ويعارض هذا قوله ﷺ في حديث آخر: أنه أول من يبعث، فيجد موسى متعلِّقًا بساق العرش (١). وسيأتي هذا مبيَّنًا في باب: ذكر موسى ﵇ إن شاء الله تعالى. و(قوله: وأول شافع، وأول مشفع) قد تقدَّم القول في الشفاعة وأقسامها في الإيمان. ومقصود هذا الحديث أن يُبيَّن أنه لا يتقدَّمه شافع، لا من الملائكة، ولا من النبيين، ولا من المؤمنين، في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ﷺ عن نفسه، إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أمر بتبليغه، لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، وليرغب في الدخول في دينه، وليتمسك به من دخل فيه، وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمَّة من هذا حاله، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه، فتكثر أعمالهم، وتطيب أحوالهم، فيحشرون في زمرته، وينالون الحظَّ الأكبر من كرامته. وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا، وشرف الآخرة، لأنَّ شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال. فإن قيل: كل هذا راجع للاعتقاد، وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد؟ فالجواب: أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ﷺ مشافهة حصل له العلم بذلك، كما حصل للصحابة السامعين منه، ومن لم يشافهه، فقد يحصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنوي، إذ قد كثرت بذلك الظواهر، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد.

стр. 3339

[٢١٩١] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن الأَنبِيَاءِ مِن نَبِيٍّ إِلَّا قَد أُعطِيَ مِن الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحيًا أَوحَى اللَّهُ إِلَيَّ فَأَرجُو أَن أَكُونَ أَكثَرَهُم تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ. رواه البخاريُّ (٤٩٨١). * * * ــ و(قوله: ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنَّما كان الذي أوتيته وحيًا) يعني: أن كل رسول أُيِّد بمعجزة تدل على صحة رسالته، فيظهر صدقه، وتثبت حجَّته، كما قد علم من أحوالهم، بما أخبرنا الله به وبينه عنهم، غير أن معجزاتهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدهم إلا الإخبار بها، وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار. ونبيُّنا ﷺ وإن كان قد أعطي من كل نوع من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمَّى بـ الإعلام بصحة نبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لكنه فضل على جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا، وهي: الكتاب العزيز الذي أعجزت السورة منه الجن والإنس أيَّ تعجيز، فإعجازه مشاهد بالعيان، متجدد ما تعَاقَب الجديدان، فمن ارتاب الآن في صدق قوله، قيل له: فائت بسورة من مثله، ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور، مستمرة مدى الدهور، اشترك في معرفتها المتقدِّمون والمتأخرون، واستوى في معرفة صدق محمد ﷺ : السَّابقون واللاحقون، فدخل العقلاء في دينه دخولًا متتابعًا، وحقق الله تعالى له رجاءه، فكان أكثر الأنبياء تابعًا. * * *

стр. 3340

(٢) باب من شواهد نبوته ﷺ وبركته [٢١٩٢] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبلَ أَن أُبعَثَ، إِنِّي لَأَعرِفُهُ الآنَ. رواه أحمد (٥/ ٨٩)، ومسلم (٢٢٧٧)، والترمذيُّ (٣٦٢٤). ــ (٢) ومن باب: شواهد نبوة نبينا محمد ﷺ قوله: إني لأعرف حجرًا كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث) يعني: أنه كان يسلِّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يشافهه الملك بالرسالة. ذكر العلماء بسيرة النبي ﷺ وأحواله: أنه كان من لطف الله بنبيه ﷺ أن قدَّم له مقدِّمات، وخصَّه ببشائر وكرامات، درَّجَهُ بذلك إلى أطوارٍ، لينقطع بذلك عن مألوفات الأغمار (١)، ويتأهل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهُيل مشافهة الملك عليه، فكان ﷺ يرى ضياءً وأنوارًا، ويسمع تسليمًا وكلامًا، ولا يرى أشخاصًا، فيسمع الحجارة والشجر تناديه، ولا يرى أحدًا يناجيه، إلى أن استوحش من الخلق، ففرَّ إلى الحق، فحُبِّبت إليه الخلوة، فكان سبب هذه الحبوة، مشافهة الملك فقبل فملك، وقد قدَّمنا: أن الصحيح من مذاهب أئمتنا: أن كلام الجمادات راجع إلى أن الله تعالى يخلق فيها أصواتًا مقطعة من غير مخارج، يفهم منها ما يفهم من الأصوات الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكن في نفسه. والقدرة القديمة لا قصور فيها، فقد أخبر بها الصادق، فيجب له التصديق. كيف لا؟ وقد سمع من حضر تسبيح الحصى في كفه، وحنين الجذع والمسجد قد غصَّ بأهله. و(قوله: إني لأعرفه الآن) يعني: أنه ﷺ كان وقت حدَّثهم بهذا الحديث

стр. 3341

[٢١٩٣] وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَحَانَت صَلَاةُ العَصرِ فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَم يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَن يَتَوَضَّئُوا مِنهُ قَالَ: فَرَأَيتُ المَاءَ يَنبُعُ مِن تَحتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى تَوَضَّئُوا مِن عِندِ آخِرِهِم. وفي رواية: دَعَا بِمَاءٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحرَاحٍ، فَجَعَلَ القَومُ يَتَوَضَّئُونَ فَحَزَرتُ مَا بَينَ السِّتِّينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، قَالَ: فَجَعَلتُ أَنظُرُ إِلَى المَاءِ يَنبُعُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ. رواه أحمد (٣/ ١٣٢)، والبخاريُّ (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) (٥ و ٤)، والترمذي (٣٦٣١)، والنسائي (١/ ٦٠). ــ يعرف الحجر معرفة من كان يشاهده. وقيل: إن ذلك الحجر: هو الحجر الأسود، والله أعلم. و(قوله: أُتي بقدح رحراح) أي: واسع. ويقال: رحرح - بغير ألف -، وإناءٌ أرح، وآنية رحَّاء، كل ذلك بمعنى الواسع. قال ابن الأنباري: ويكون ذلك قصير الجدار. و(قوله: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه) هذه المعجزة تكررت من النبي ﷺ مرَّات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابر، وعمران بن حصين، وغيرهم ممن يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي. وبهذا الطريق حصل لنا العلم بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذكرنا جملة ذلك في كتاب الإعلام. وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا، إذ من المألوف نبع الماء من

стр. 3342

[٢١٩٤] وعنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَأَصحَابَهُ بِالزَّورَاءِ قَالَ: (وَالزَّورَاءُ بِالمَدِينَةِ عِندَ السُّوقِ وَالمَسجِدِ فِيمَا ثَمَّه) دَعَا بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ. وفي رواية: لَا يَغمُرُ أَصَابِعَهُ أَو قَدرَ مَا يُوَارِي أَصَابِعَهُ، فَوَضَعَ كَفَّهُ فِيهِ، فَجَعَلَ يَنبُعُ مِن بَينِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ جَمِيعُ أَصحَابِهِ، قَالَ قُلتُ: كَم كَانُوا يَا أَبَا حَمزَةَ؟ قَالَ: كَانُوا زُهَاءَ ثَلَاث مِائَةِ. رواه مسلم (٢٢٧٩) (٦ و ٧). ــ بعض الحجارة، فأما نبعه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيء لم يُسمع بمثله، ولا تحدَّث به عن غيره. و(قوله: كانوا زهاء ثلاثمائة) أي: قدرها. يقال: هم زهاء كذا، ولهاء كذا - باللام -، أي: قدره. وفي الحديث الأول: فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين. هذا يدلّ على أن ذلك كان في موضعين: أحدهما: بالزوراء، وهي سوق بالمدينة. والآخر: روي في بعض طرقه ما يدلّ على أنه كان بغير الزوراء. وقد وقع منه ﷺ مثل هذا في غزوة الحديبية على ما رواه جابر، وفي غزوة بواط من حديث غيره. والعكة للسمن، وهي أصغر من القربة. والوَسق: ستون صاعا كما تقدم في الزكاة، ونماء سمن العكة، وشطر وسق الشعير كل ذلك ببركة النبي ﷺ فيما لمسه، أو تناوله، أو تهمَّم به، أو برَّك عليه، وكم له منها، وكم! ورفع النماء من ذلك عند العصر والكيل سببه - والله أعلم - الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه، لما أنزل عليهم المن

стр. 3343

[٢١٩٥] وعَن جَابِرٍ أَنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَت تُهدِي لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمنًا فَيَأتِيهَا بَنُوهَا، فَيَسأَلُونَ الأُدمَ وَلَيسَ عِندَهُم شَيءٌ، فَتَعمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَت تُهدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَتَجِدُ فِيها سَمنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدمَ بَيتِهَا حَتَّى عَصَرَتهُ فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: عَصَرتِيهَا؟ قَالَت: نَعَم، قَالَ: لَو تَرَكتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا. رواه مسلم (٢٢٨٠). [٢١٩٦] وعنه: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَستَطعِمُهُ فَأَطعَمَهُ شَطرَ وَسقِ شَعِيرٍ، فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأكُلُ مِنهُ وَامرَأَتُهُ وَضَيفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: لَو لَم تَكِلهُ لَأَكَلتُم مِنهُ وَلَقَامَ لَكُم. رواه أحمد (٣/ ٣٣٧ و ٣٤٧)، ومسلم (٢٢٨١). [٢١٩٧] وعن مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ غَزوَةِ تَبُوكَ، ــ والسلوى. وقيل لهم: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُم وَاشكُرُوا لِلَّهِ﴾ فأطاعوا حرص النفس، فادخروا للأيام، فخنز اللحم، وفسد الطعام. و(قوله لصاحبة العكة: لو تركتيها ما زال قائمًا، ولصاحب الشطر: لو لم تكله لقام بكم) يستفاد منه: أن من أُدِرَّ عليه رزق، أو أُكرم بكرامة، أو لُطِف به في أمر ما، فالمتعيَّن عليه: موالاة (١) الشكر، ورؤية المنة لله تعالى، ولا يحدث مغيِّرًا في تلك الحالة، ويتركها على حالها. ومعنى رؤية المنة: أن يعلم أن ذلك بمحض فضل الله، وكرمه، لا بحولنا، ولا بقوتنا، ولا استحقاقنا. و(قوله: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام تبوك) هي موضع معروف بطريق

стр. 3344

فَكَانَ يَجمَعُ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، وَالمَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوم آخر أَخَّرَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهرَ وَالعَصرَ جَمِيعًا، ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ بَعدَ ذَلِكَ فَصَلَّى المَغرِبَ وَالعِشَاءَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُم سَتَأتُونَ غَدًا إِن شَاءَ اللَّهُ عَينَ تَبُوكَ، وَإِنَّكُم لَن تَأتُوهَا حَتَّى يُضحِيَ النَّهَارُ، فَمَن جَاءَهَا مِنكُم فَلَا يَمَسَّ مِن مَائِهَا شَيئًا حَتَّى ــ الشام فيه ماء، وهذه الغزوة: هي آخر غزاة غزاها رسول الله ﷺ يريد غزو الروم، فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرٍّ شديد لسفرٍ بعيد، وخرج معه أهل الصدق من المسلمين، وتخلَّف عنه جميع المنافقين، وكانت غزوة أظهر الله فيها من معجزات نبيه ﷺ وكراماته، ما زاد الله المؤمنين به إيمانًا، وأقام بذلك على الكافرين حجَّة وبرهانًا. و(قوله: فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعًا) ظاهر هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر في أول الوقت مجموعتين، وكذلك المغرب والعشاء، لأنَّه قال بعد ذلك: (حتى إذا كان يوم آخر أخر الصلاة، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك، فصلَّى المغرب والعشاء جميعًا). وظاهره أنه أخر الصلاتين إلى آخر وقتهما المشترك. وهو حجَّة لمالك، فإنَّه يقول بجواز كل ذلك، على تفصيل له في الأفضل من ذلك، كما قدَّمناه، وهو أيضًا حجة للشافعي عليه في اشتراطه في جواز الجمع بين الصلاتين استعجال السير، والشافعي لا يشترطه، وقد تقدَّم كل ذلك في كتاب الصلاة. و(قوله ﷺ : إنكم ستأتون غدًا - إن شاء الله - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار) ظاهره: أن هذا منه ﷺ إخبار عن غيب بوحي، ويحتمل غير ذلك. و(قوله: فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من مائها شيئًا) إنما نهاهم عن ذلك،

стр. 3345

آتِيَ، فَجِئنَاهَا، وَقَد سَبَقَنَا إِلَيهَا رَجُلَانِ، وَالعَينُ مِثلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيءٍ مِن مَاءٍ، قَالَ: فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَل مَسَستُمَا مِن مَائِهَا شَيئًا؟ قَالَا: نَعَم، فَسَبَّهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقُولَ، قَالَ ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيدِيهِم مِن العَينِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجتَمَعَ فِي شَيءٍ، قَالَ: وَغَسَلَ ــ ليظهر انفراده بالمعجزة، وتتحقق نسبتها إليه، واختصاصه بها، فإنَّه إذا شاركه غيره في مسِّ مائها، لم يتمحض اختصاصه بها، ولذلك لما وجد الرجلين عليها، أمر أن يغرف له من مائها، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء وهو في موضعه، لكن لما سبقه غيره إليها، جمعوا له من مائها، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أمر أن يعاد ذلك الماء فيها، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر، وسمع له حس كحس الصواعق. و(قوله: والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء) الرواية المشهورة (١): تبضُّ بالضاد المعجمة، أي: تسيل بماء قليل رقيق مثل شراك النعل، وقد روي بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاري، أي: تبرق. يقال: بصَّ يبصُّ بصيصًا، ووبص يبص وبيصًا بمعناه. وسبُّ النبي ﷺ السابقين للماء يحتمل أن يكون: لأنهما كانا منافقين قصدا المخالفة، فصادف السبُّ محلَّه. ويحتمل أن كانا غير منافقين، ولم يعلما بنهي النبي ﷺ ويكون سبَّه لهما لم يصادف محلًا، فيكون ذلك لهما رحمة وزكاة، كما قاله ﷺ : اللهم من لعنته، أو سببته وليس لذلك بأهل، فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وقربة تقرِّبه بها إليك يوم القيامة (٢). والمنهمر: الكثير الانصباب، ويوشك: يجيء ويسرع. وقد تقدم الكلام عليها، والجنان: البستان من النخل وغيره، سمي بذلك لأنه يجن أرضه وما تحته، أي: يستر ذلك.

стр. 3346

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَيهِ وَوَجهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَ، فَجَرَت العَينُ بِمَاءٍ مُنهَمِرٍ - أَو قَالَ غَزِيرٍ - حَتَّى استَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِن طَالَت بِكَ حَيَاةٌ أَن تَرَى مَا هَاهُنَا قَد مُلِئَ جِنَانًا. رواه أحمد (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، ومسلم (٧٠٦) في الفضائل (١٠)، وأبو داود (١٢٠٦)، والترمذيُّ (٥٥٣)، والنسائيُّ (١/ ٢٨٥)، وابن ماجه (١٠٧٥). [٢١٩٨] وعَن أَبِي حُمَيدٍ قَالَ: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ تَبُوكَ، فَأَتَينَا وَادِيَ القُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخرُصُوهَا، فَخَرَصنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوسُقٍ، وَقَالَ: ــ وقد اشتمل هذا الحديث على معجزتين عظيمتين، إحداهما: نبع الماء المذكور. والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب، فإنَّ تبوك من ذلك الوقت سكنت لأجل ذلك الماء، وغرست بساتين، كما قال النبي ﷺ . و(قوله ﷺ لأصحابه حين مرَّ على حديقة المرأة: اخرصوها) دليلٌ على جواز الخرص إذا احتيج إليه، وأنه طريق معتبر شرعًا. وخروج ثمرة هذه الحديقة على مقدار ما خرصه رسول الله ﷺ دليل على صحة حدسه، وقوة إدراكه، وإصابته وجه الصواب فيما كان يحاوله، ولا يعارض هذا بحديث إبار النخل، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عادة ثابتة متكررة في إبار النخل لم يعلمها النبي ﷺ فقال: ما أرى هذا يغني شيئًا) يعني الإبار، وصدق، فإنَّ الله تعالى هو الذي يمسك الثمرة ويطيبها إذا شاء، لا الإبار، ولا غيره، بخلاف الوصول إلى المقادير بالخرص، فإنَّ الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق. وقد أخبر النبي ﷺ بمقدار ذلك على التحقيق، فوجد كما أخبر، فإنَّ كان هذا منه عن حدس وتخمين، كان دليلًا على أنه قد خصَّ من ذلك بشيء لم يصل إليه غيره، وإن كان ذلك بالوحي، كان ذلك من شواهد نبوته ﷺ .

стр. 3347

أَحصِيهَا حَتَّى نَرجِعَ إِلَيكِ إِن شَاءَ اللَّهُ. وَانطَلَقنَا حَتَّى قَدِمنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَتَهُبُّ عَلَيكُم اللَّيلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُم فِيهَا أَحَدٌ مِنكُم، فَمَن كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَليَشُدَّ عِقَالَهُ، فَهَبَّت رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ، فَحَمَلَتهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلقَتهُ بِجَبَلَي طَيِّئٍ، وَجَاءَ رَسُولُ ابنِ العَلمَاءِ صَاحِبِ أَيلَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ، وَأَهدَى لَهُ بَغلَةً بَيضَاءَ، فَكَتَبَ إِلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رواية: ببحرهم - وَأَهدَى لَهُ بُردًا، ثُمَّ أَقبَلنَا حَتَّى قَدِمنَا وَادِيَ القُرَى، ــ و(قوله: ستهبُّ عليكم ريحٌ شديدةٌ) من المعجزات الغيبية، وهي من الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبي ﷺ كان يعلم كثيرًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، أو من ارتضاه من الرسل فأطلعه الله عليه، والنبي ﷺ قد أطلعه الله عليه، فهو رسول من أفضل الرسل. و(قوله: فلا يقم فيها أحدٌ، ومن كان له بعير فليشد عقاله) دليل على الأخذ بالحزم، والحذر في النفوس، والأموال، ومن أهمل شيئًا من الأسباب المعتادة، زاعمًا أنه متوكل، فقد غلط، فإنَّ التوكل لا يناقض التحرز، بل حقيقته لا تتم إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سنة الله، وبين التفويض إلى الله تعالى، كما فعل رسول الله ﷺ . وابن العَلماء: هو بفتح العين المهملة وسكون اللام، والمد، وهو تأنيث الأعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، والأفلح: هو المشقوق الشفة السفلى. وصاحب أيلة، يعني به: ملكها. وأيلة: بلد معروف بالشام، وإليه تنسب عقبة أيلة. و(قوله: وأهدى له بغلة بيضاء) هذه البغلة قبلها النبي ﷺ وبقيت عنده زمانًا طويلًا، ولم تكن له بغلة غيرها، وكانت تسمَّى: الدُّلدُل، وفيه دليل على قبول هدية الكتابي، وقد تقدَّم القول فيه، وفي قوله: هذا جبل يحبنا ونحبه، وفي طابة. و(قوله: فكتب له رسول الله ﷺ ببحرهم، وأهدى له بردًا) البحر هنا، يراد

стр. 3348

فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَرأَةَ عَن حَدِيقَتِهَا: كَم بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ فَقَالَت: عَشَرَةَ أَوسُقٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي مُسرِعٌ فَمَن شَاءَ مِنكُم فَليُسرِع مَعِيَ، وَمَن شَاءَ فَليَمكُث، فَخَرَجنَا حَتَّى أَشرَفنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ، وَهُوَ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ خَيرَ دُورِ الأَنصَارِ دَارُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبدِ الأَشهَلِ، ــ به البلد، والبحار: القرى، وقد تقدم. وكأن النبي ﷺ أقطعه بعض تلك البلاد، كما قد أقطع تميمًا الداري ﵁ بلد الخليل ﷺ قبل فتحه. ويظهر من حال ابن العَلماء أنه استشعر، أو علم أن النبي ﷺ سيظهر، ويغلب على ما تحت يده هو من البلاد، فسأله أن يقطعه بعضها. والله أعلم. وأما إهداؤه البرد، فمكافأة، ومواصلة، واستئلاف ليدخل في دين الإسلام، وكأن النبي ﷺ لم يحضره في ذلك الوقت إلا ذلك البرد، والله أعلم. و(قوله: إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني عبد الأشهل. . . الحديث إلى آخره) يدلُّ على جواز تفضيل بعض المعينين على بعض من غير الأنبياء، وإن سمع (١) ذلك المفضول، وقد تقدَّم القول في تفضيل الأنبياء. والدُّور: جمع دار، وهو في الأصل: المحلة والمنزل، وعبر به هنا عن القبائل، وهذا نحو قوله: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور (٢)، أي: في القبائل والمحلات. وفيه ما يدلّ على جواز المدح إذا قصد به الإخبار بالحق، ودعت إلى ذلك حاجة، وأمنت الفتنة على الممدوح. وفيه دليل على جواز المنافسة في الخير، والدين، والثواب، كما قال سعد: يا رسول الله ﷺ خيرت دور الأنصار فجعلتنا آخرًا. طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى. فأجابه بأن قال: أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟ وإنما يعني بذلك: أن تفضيلهم إنما هو

стр. 3349

ثُمَّ دَارُ بَنِي عَبدِ الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، ثُمَّ دَارُ بَنِي سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ، فَلَحِقَنَا سَعدُ بنُ عُبَادَةَ فَقَالَ أَبُو أُسَيدٍ: أَلَم تَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ دُورَ الأَنصَارِ فَجَعَلَنَا آخِرًا، فَأَدرَكَ سَعدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرتَ دُورَ الأَنصَارِ فَجَعَلتَنَا آخِرًا، فَقَالَ: أَوَلَيسَ بِحَسبِكُم أَن تَكُونُوا مِن الخِيَارِ؟ ! . رواه أحمد (٥/ ٤٢٤)، والبخاريّ (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) في الفضائل (١١ و ١٢)، وأبو داود (٣٠٧٩). * * * ــ بحسب سبقهم إلى الإسلام، وظهور آثارهم فيه، وتلك الأمور وقعت في الوجود مرتبة على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل، وإذا كان كذلك لم يتقدَّم متأخر منهم على منزلته، كما لا يتأخر متقدِّم منهم عن مرتبته، إذ تلك مراتب معلومة على قسم مقسومة، وقد سبق لسعادتهم القضاء: ﴿يَختَصُّ بِرَحمَتِهِ مَن يَشَاءُ﴾ و(قوله: ثم دار بني عبد الحارث) كذا وقع للعذري، والفارسي، وهو وَهمٌ. والصواب: بني الحارث، بإسقاط عبد، والله أعلم. و(قوله: وجعلنا آخرًا) وقع في بعض النسخ آخر بغير تنوين ولا ألف. جعله غير منصرف، وليس بصحيح الرواية، ولا المعنى، إذ لا مانع من صرفه، لأنَّ آخرًا هنا: هو الذي يقابل: أولًا، وكلاهما مصروف، وهو منصوبٌ على أنه المفعول الثاني لجعل، لأنَّه بمعنى: صيَّر. ويحتمل أن يتأوَّل في معنى جعل: معنى أنزل، فيكون ظرفًا، أي: أنزلتنا منزلًا متأخرًا. وعلى الوجهين فلا بدَّ من صرفه، وكذا وجدناه من تقييد المحققين. و(قوله: أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار) ويروى: من الأخيار، وكلاهما صحيح.

стр. 3350

(٣) باب في عصمة الله تعالى لنبيه ﵊ ممن أراد قتله [٢١٩٩] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزوَةً قِبَلَ نَجدٍ، فَأَدرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ (٣) ومن باب عصمة النبي ﷺ مِمَّن يريد قتله (قوله: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد)، النجد: المرتفع من الأرض، والغور: المنخفض منها، هذا أصلها، ثم قد صارا بحكم العرف اسمين لجهتين مخصوصتين معروفتين. وصحيح الرواية ومشهورها: نجد، ووقع للعذري: أحد. و(قوله: فأدركنا رسول الله ﷺ في وادي كثير العضاه) هذا اللفظ ذكري فيه: أدركَنَا - بفتح الكاف - رسولُ اللهِ ﷺ بالرفع على الفاعل، وعليه فيكونون قد تقدموه للوادي لمصلحة من مصالحهم ككونهم طليعة، أو صيانة للنبي ﷺ مما يخشى عليه، وغير ذلك. ويحتمل أن يقيد: فأدركنَا رسولَ اللهِ - بسكون الكاف، ونصب رسول على المفعول، فيكون فيه ما يدلُّ على شجاعة رسول الله ﷺ ، ويكون كنحو ما اتفق له لما وقع الفزع بالمدينة، فركب فرسًا، فسبقهم، فاستبرأ الخبر، ثم رجع، فلقي أصحابه خروجًا، فقال لهم: لم تراعوا (١). والعضاه: كل شجر من شجر البادية له شوك.

стр. 3351

تَحتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ سَيفَهُ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا، قَالَ: وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الوَادِي يَستَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ رَجُلًا أَتَانِي وَأَنَا نَائِمٌ فَأَخَذَ السَّيفَ، فَاستَيقَظتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأسِي، فَلَم أَشعُر إِلَّا وَالسَّيفُ صَلتً فِي يَدِهِ، فَقَالَ لِي: مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ فِي ــ و(قوله: فتفرَّق الناس في الوادي يستظلُّون) فيه جواز افتراق العسكر في النزول إذا أمنوا على أنفسهم، وكأنهم قد أجهدهم التعب والحر، فقالوا (١) مستظلين بالشجر. و(قوله ﷺ : إن رجلًا أتاني وأنا نائم فأخذ السَّيف) هذا يدلّ: على أن النبي ﷺ كان في هذا الوقت لا يحرسه أحدٌ من الناس، بخلاف ما كان عليه في أول أمره، فإنَّه كان يُحرس حتى أنزل الله تعالى عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فقال لمن كان يحرسه [من الناس] (٢): اذهبوا فإنَّ الله قد عصمني من الناس (٣). فمن ذلك الوقت لم يحرسه أحدٌ منهم، ثقة منه بوعد الله، وتوكلًا عليه. وفيه: جواز نوم المسافر إذا أمن على نفسه، وأما مع الخوف، فالواجب: التحرز والحذر. و(قوله: فاستيقظت وهو قائمٌ على رأسي والسيف صَلتٌ في يده) روي برفع صلت ونصبه. فمن رفعه جعله خبر المبتدأ، الذي هو السيف، وفي يده متعلّق به. ومن نصبه، جعل الخبر في المجرور، ونصبت صَلتًا على الحال، أي: مُصلتًا. وهو المجرَّد من غمده. والمشهور بفتح الصاد (٤) من: صَلَتَ. وذكر القتبي: أنها تكسر في لغة. و(قول الرجل للنبي ﷺ : من يمنعك مني؟ ) استفهام مشرب بالنفي، كأنه

стр. 3352

الثَّانِيَةِ: مَن يَمنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلتُ: اللَّهُ، قَالَ: فَشَامَ السَّيفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ. ثُمَّ لَم يَعرِض لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (٣/ ٣١١)، والبخاريُّ (٢٩١٠)، ومسلم (٨٤٣) في الفضائل (١٣). * * * ــ قال: لا مانع لك مني! فلم يبال النبي ﷺ بقوله، ولا عرَّج عليه، ثقة منه بوعد الله وتوكلًا عليه، وعلمًا منه بأنه ليس في الوجود فعل إلا لله تعالى، فإنَّه أعلم الناس بالله تعالى وأشدُّهم له خشية. فأجابه بقوله: الله! ثانية، وثالثة، فلما سمع الرَّجُل ذلك، وشاهد تلك القوة التي فارق بها عادة الناس في مثل تلك الحال، تحقق صدقه، وعلم: أنه لا يصل إليه بضرر. وهذا من أعظم الخوارق للعادة، فإنَّه عدوٌّ، متمكِّن، بيده سيفٌ شاهرٌ، وموتٌ حاضرٌ، ولا حال تغيّرت، ولا روعة حصلت. هذا محال في العادات، فوقوعه من أبلغ الكرامات، ومع اقتران التحدِّي به يكون من أوضح المعجزات. و(قوله: فشام السَّيف) أي: أغمده [هنا، وهو من الأضداد. يقال: شام السيف: جرَّده، وشامه: أغمده] (١). و(قوله: فها هو ذا جالس) هكذا وجدته [بخط شيخنا أبي الصَّبر أيوب في نسخته، ووجدته] (٢) في نسخة أخرى: فشام السيف، ها هو ذا هو جالس بإسقاط الفاء، وزيادة هو، والأول أحسن، لأنَّ الفاء رابطة، وهو لا يحتاج إليها، فهي زائدة. ومعنى هذا الكلام أن النبي ﷺ نبَّه على ذلك الرجل، وأخبر عنه، وأشار

стр. 3353

(٤) باب ذكر بعض كرامات رسول الله ﷺ في حال هجرته وفي غيرها [٢٢٠٠] عن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قال: جَاءَ أَبُو بَكرٍ إِلَى أَبِي فِي مَنزِلِهِ فَاشتَرَى مِنهُ رَحلًا، فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابعَث مَعِيَ ابنَكَ يَحمِلهُ مَعِي إِلَى مَنزِلِي. فَقَالَ لِي أَبِي: احمِلهُ. فَحَمَلتُهُ، وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنتَقِدُ ثَمَنَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَا بَكرٍ، حَدِّثنِي كَيفَ صَنَعتُم لَيلَةَ سَرَيتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَم، أَسرَينَا لَيلَتَنَا كُلَّهَا، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَخَلَا الطَّرِيقُ فَلَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ، حَتَّى رُفِعَت لَنَا صَخرَةٌ طَوِيلَةٌ لَهَا ظِلٌّ، لَم تَأتِ عَلَيهِ الشَّمسُ بَعدُ، فَنَزَلنَا عِندَهَا فَأَتَيتُ الصَّخرَةَ فَسَوَّيتُ بِيَدِي مَكَانًا يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي ظِلِّهَا، ــ إليه، فكأنه قال: تنبَّهوا لهذا الرجل إذ مُنِع مِمَّا همَّ به، واستسلم لما يُفعَلُ فيه، ثم تلافاه النبي ﷺ بعفوه وحلمه، وعاد عليه بعوائده الكريمة وصفحه، فلم يعرض له على ما كان منه. (٤) ومن باب ذكر بعض كرامات النبي ﷺ الرَّحل للبعير: كالسرج للفرس، والإكاف للحمار. وسرى وأسرى لغتان، وقد جمع بينهما في هذا الحديث، وهو: سير الليل. و(قوله: أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة) أي: اتصل سيرهم من الليل إلى أن قاربوا نصف النهار. وقائم الظهيرة: هو وهج حرِّها وشِدَّتُه. و(قوله: رفعت لنا صخرة طويلة) أي: رفعها السراب فرأوها.

стр. 3354

ثُمَّ بَسَطتُ عَلَيهِ فَروَةً، ثُمَّ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نم وَأَنَا أَنفُضُ لَكَ مَا حَولَكَ. فَنَامَ وَخَرَجتُ أَنفُضُ مَا حَولَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخرَةِ، يُرِيدُ مِنهَا الَّذِي أَرَدنَا، فَلَقِيتُهُ فَقُلتُ: لِمَن أَنتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِن أَهلِ المَدِينَةِ. قُلتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَم. قُلتُ: أَفَتَحلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَم. فَأَخَذَ شَاةً فَقُلتُ لَهُ: انفُض الضَّرعَ مِن الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ ــ و(قوله: وأنا أنفض لك ما حولك) أي: أنظر وأبحث فيما حولنا هل فيه ما يكره؟ يقال: إذا تكلَّمت بالليل فاخفض، وإذا تكلمت بالنهار فانفض، أي: التفت إلى ما حولك. و(قوله للراعي: لمن أنت؟ فقال: لرجل من أهل المدينة) يعني بالمدينة هنا: مكة، لوجهين: أحدهما: أنه إنما كانت هذه القصة في سفر هجرتهم، وإن هذا إنما كان في مبدأ سفرهم. ألا ترى قوله: أسرينا ليلتنا إلى أن قام قائم الظهيرة؟ ! فكأنهم إنما لقوا هذا الراعي بعد ليلة ونصف يوم من خروجهم من الغار. وذكر حديث سراقة في نفس هذا الحديث. يدل على أنه كان قريبًا من مكة. وثانيهما: أنه قد روي من طريق أخرى عن البراء أنه قال للراعي: لمن أنت؟ قال: لرجل من أهل مكة، وسماها مدينة، لأنَّ كل بلد يسمى مدينة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسعَةُ رَهطٍ﴾ ولم يرد به دار الهجرة بالاتفاق، وإنَّما سُمِّي البلد مدينة، لأن أهله (١) يدينون لمتوليه، أي يطيعون. وقيل: من الدين، وهو الملك. والكثبة من اللبن وغيره: القليل المجتمع منه. وارتوى: افتعل من الري أي: أعدَّ فيها من الشراب ما يروي. والقعب: وعاء من خشب. والإداوة من جلد.

стр. 3355

وَالقَذَى. قَالَ: فَرَأَيتُ البَرَاءَ يَضرِبُ بِيَدِهِ عَلَى الأُخرَى يَنفُضُ، فَحَلَبَ لِي فِي قَعبٍ مَعَهُ كُثبَةً مِن لَبَنٍ. قَالَ: وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرتَوِي فِيهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لِيَشرَبَ مِنهَا وَيَتَوَضَّأَ. قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَرِهتُ أَن أُوقِظَهُ مِن نَومِهِ، فَوَافَقتُهُ استَيقَظَ، فَصَبَبتُ عَلَى اللَّبَنِ مِن المَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسفَلُهُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اشرَب مِن هَذَا اللَّبَنِ. قَالَ: فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: ــ و(قوله: وكرهت أن أوقظه) إنما كره ذلك، لأنَّ نومه ذلك كان راحة من تعب، ولأنهم كانوا يتوقعون أنه يوحى إليه في نومه، فإيقاظه يخاف أن يكون قطعًا للوحي. و(قوله: فصببت على اللَّبن من الماء حتى برد أسفله) يعني: أنه صبَّ على إناء اللبن من الماء ليبرد اللبن، فإنَّه يخرج من الضرع حارًّا، وكان الوقت شديد الحرِّ. وعلى هذا فالمراد بأسفله: أسفل الإناء. ويحتمل أن يكون المراد به: أنه صبَّ الماء في اللبن ومزجه به. وخصَّ أسفل اللَّبن لأنه إذا برد أسفله برد أعلاه. وشُرب النبي ﷺ من ذلك اللَّبن مع علمه بأن الرَّاعي ليس بمالك - إذ قد صرَّح الراعي بذلك - مشكل، إذ الورع يقتضي التوقف، وقد اختلف فيه على أوجه: أحدها: أنَّه علم عين المالك، وأنَّه كان ممن تطيب نفسه بذلك، وقد دل على ذلك: أن أحمد بن حنبل روى هذا الحديث في مسنده، فقال فيه: فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فسمَّاه، فعرفتُه. وثانيها: أن ذلك محمول على ما جرت به عوائد (١) العرب في إباحة ذلك القدر في مثل تلك الحال. وثالثها: أن من احتاج في سفره، ومرَّ على غنم أو ثمر - وقد جاع أو عطش -

стр. 3356

أَلَم يَأنِ لِلرَّحِيلِ؟ . قُلتُ: بَلَى. قَالَ: فَارتَحَلنَا بَعدَمَا زَالَت الشَّمسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحنُ فِي جَلَدٍ مِن الأَرضِ. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُتِينَا. فَقَالَ: لَا تَحزَن، إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فَدَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَارتَطَمَت فَرَسُهُ إِلَى بَطنِهَا. ــ فله أن يسدَّ جوعته، ويروي عطشه منها، وإن لم يأذن المالك، وإن لم ينته الحال إلى الضرورة. وإليه ذهب الحسن، والزهري. والجمهور: على أن ذلك إنَّما يجوز لمن اضطر إلى ذلك. ورابعها: أن ذلك مال كافر ليس له عهد، فيحل لمن ظفر به. قلت: وفي هذا بُعد؛ [لأن تحليل الغنائم لم يكن شرع بعد] (١) وأشبهها القول (٢) الأول والثاني. و(قوله: ألم يأن للرحيل) أي: قد حان وقته. والجلد من الأرض: الموضع الصَّلب الغليظ منها. و(قول أبي بكر ﵁: [أُتينا) أي: وُصل إلينا، وأحيط بنا. ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمرُنَا لَيلا أَو نَهَارًا﴾ وهذا من أبي بكر ﵁] (٣) التفاتٌ إلى الأسباب العادية، ومقتضى الجبلَّة البشرية. و(قوله ﷺ : ﴿لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾) أي: بالحفظ والنصرة. وهذا منه ﷺ ثقة بالوعد الصادق، وتفويضٌ إلى الواحد الخالق. و(قوله: ارتطمت فرسه إلى بطنها) أي: غاصت قوائمها حتى وصل بطنها إلى الأرض. يقال: ارتطم الرَّجل في الوحل: إذا ثبت فيه.

стр. 3357

أُرَى فَقَالَ: إِنِّي عَلِمتُ أَنَّكُمَا قَد دَعَوتُمَا عَلَيَّ فَادعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَن أَرُدَّ عَنكُمَا الطَّلَبَ. فَدَعَا اللَّهَ فَنَجَا، فَرَجَعَ لَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَد كَفَيتُكُم مَا هَاهُنَا، فَلَا يَلقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَنَا. وفي رواية: فَلَمَّا دَنَا دَعَا عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرضِ إِلَى بَطنِهِ، وَوَثَبَ عَنهُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قَد عَلِمتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ، فَادعُ اللَّهَ أَن يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَا فِيهِ، وَلَكَ عَلَيَّ لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَن وَرَائِي، وَهَذِهِ كِنَانَتِي فَخُذ سَهمًا مِنهَا، فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَى إِبِلِي وَغِلمَانِي بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَخُذ مِنهَا حَاجَتَكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي إِبِلِكَ. فَقَدِمنَا المَدِينَةَ لَيلًا، ــ و(قوله: أرى بضم الهمزة، أي: أظن أنها وصل بطنها إلى الأرض. و(قول سراقة: قد علمت أنكما دعوتما عليّ، فادعوا لي) يدل على ما كان في نفوسهم من تعظيمهم للنبي ﷺ ولأصحابه، وإن كانوا مخالفين لهم. و(قوله: فالله لكما أن أردَّ عنكما الطلب) الرواية الصحيحة: نصب الله ولا يجوز غير ذلك، لأنَّه قسم حذف حرف جره، فتعدَّى الفعل المَنوِيُّ فنَصَب، فكأنه قال: فأقسم بالله لكما عليَّ أن أُعمِّي خبركما، وأردّ عنكما من يطلبكما. و(قوله: فدعا الله فنجا) هذه من بعض دعوات النبي ﷺ المعجلة الإجابة، وهي من الكثرة بحيث تفوق الحصر، ويحصل بمجموعها القطع بأن الله تعالى قد أكرم محمدًا ﷺ بإجابة دعواته، وأسعفه في كثير من طلباته، وكل ذلك يدل على مكانته، وصدق رسالته. و(قوله: فقدمنا المدينة ليلًا) يعني: أنهم وصلوا إليها ليلًا، إلا أنهم أقاموا خارجًا منها، ثم دخلوها نهارًا، وهذا مبيَّن في حديث عائشة ﵂.

стр. 3358

فَتَنَازَعُوا أَيُّهُم يَنزِلُ عَلَيهِ، فَقَالَ: أَنزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ أَخوَالِ عَبدِ المُطَّلِبِ أُكرِمُهُم بِذَلِكَ، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلمَانُ وَالخَدَمُ فِي الطُّرُقِ يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رواه أحمد (١/ ٢ - ٣)، والبخاريُّ (٢٤٣٩)، ومسلم (٢٠٠٩). ــ وقد أطبق أهل السِّير على: أنه دخل المدينة يوم الإثنين، [وأكثرهم يقول] (١): لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ضحى ذلك اليوم، وقيل: عند استواء الشمس منه. و(قوله: أُنزِل على أخوال عبد المطلب) إنما كانت الأنصار أخوال عبد المطلب، لأنَّ أباه هاشِمًا تزوَّج سلمى ابنة زيد بن خداش من بني النجار، فولدت له عبد المطلب، فبنو النجار أخوال جدِّ النبي ﷺ ، فلذلك أكرمهم الله تعالى بنزول نبيَّه عليهم. وقد صحَّ في كتب السِّير وغيرها أن النبي ﷺ نزل في قباء، فأقام فيهم أيامًا، وأسَّس مسجدها، ثم خرج منها راكبًا ناقته متوجهًا حيث أمره الله تعالى، فأدركته الجمعة في بني سالم، فصلَاّها في بطن الوادي، ثم إنه توجه إلى دخول المدينة، فتعرضت له سادات قبائلها، كلهم يعرض عليه النزول، ويأخذ بخطام ناقته وهو يقول: دعوها، فإنَّها مأمورة (٢) فلم تزل ناقته كذلك حتى وصلت إلى دار أبي أيوب فبركت عنده، فنزل النبي ﷺ على أبي أيوب ﵁ وهذا هو الذي عبَّر عنه في هذا الحديث بقوله: فتنازعوا أيهم ينزل عليه، أي: تجاذبوا ذلك، وحرصوا عليه. و(قوله: فصعد الرجال والنساء فوق البيوت، والغلمان والخدم في الطرق)

стр. 3359

[٢٢٠١] وعَن عُبَادَةَ بنِ الوَلِيدِ بنِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجتُ أَنَا وَأَبِي نَطلُبُ العِلمَ فِي هَذَا الحَيِّ مِن الأَنصَارِ قَبلَ أَن يَهلِكُوا، وَكَانَ أَوَّلُ ــ هذا عطفٌ على المعنى نحو قوله: يا لَيتَ زَوجَكِ قَد غَدا ... مُتقَلِّدًا سَيفًا وَرُمحًا و: عَلَفتُها تبنًا وماءً باردًا (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأن الطرق لا يصعد فيها، فكأنه قال: وتفرَّق الغلمان والخدم في الطرق، والكل ينادون: يا محمد! يا رسول الله! كلُّ ذلك فرحٌ وسرور بقدوم رسول الله ﷺ . حديث أبي اليَسَر، واسمه: كعب بن عمرو بن عزيبٍ من بني سلمة. شهد العقبة وبدرًا، فهو عَقَبِيٌّ، بدريٌّ، وهو الذي أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدرٍ، وكان رجلًا قصيرًا، والعباس طويل ضخم، فقال له رسول الله ﷺ : لقد أعانك عليه مَلَكٌ (٢)، وهو الذي انتزع راية المشركين من يد أبي عزيز يوم بدرٍ. شهد صفين مع عليّ ﵄، يُعَدُّ في أهل المدينة، وبها توفي سنة خمس وخمسين. و(قول عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحي من الأنصار، قبل أن يهلكوا) دليل على ما كان عليه أهلُ ذلك الصدر من حرصهم على طلب علم (٣) الحديث، والرحلة إلى أهله، والاجتهاد في

стр. 3360

مَن لَقِينَا أَبَا اليَسَرِ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُ غُلَامٌ لَهُ، مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِن صُحُفٍ، وَعَلَى أَبِي اليَسَرِ بُردَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، وَعَلَى غُلَامِهِ بُردَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّ، إِنِّي أَرَى فِي وَجهِكَ سَفعَةً مِن غَضَبٍ، قَالَ: أَجَل، كَانَ لِي عَلَى فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ الحَرَامِيِّ مَالٌ، فَأَتَيتُ أَهلَهُ فَسَلَّمتُ فَقُلتُ: ثَمَّ هُوَ؟ قَالُوا: لَا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابنٌ لَهُ جَفرٌ، فَقُلتُ لَهُ: أَينَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوتَكَ فَدَخَلَ أَرِيكَةَ أُمِّي. فَقُلتُ: اخرُج إِلَيَّ، فَقَد عَلِمتُ أَينَ أَنتَ. فَخَرَجَ، فَقُلتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَن اختَبَأتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا! وَاللَّهِ أُحَدِّثُكَ، ثُمَّ ــ تحصيله، كل ذلك منهم سعي في تحقيق الدِّين، وإظهاره، ونقله، وإبلاغه، جدد الله عليهم الرحمة، فلقد سلكوا طريقًا أفضت بهم إلى الجنة. غريب هذا الحديث: الحي: القبيل. وضِمامة من صحف: هو بكسر الضاد بغير ألف، كذا وقع في كتاب مسلم، وصوابه: إضمامةٌ، وهي الإضبارة أيضًا. وجمعها أضاميم، وكل شيء ضممت بعضه إلى بعض فهو إضمامةٌ. والصحف: جمع صحيفة، وهي الورقة من الكتب، وكل ما انبسط فهو صحيفة. ومنه: صحفة الطعام. والبرد: الشملة المخططة، وجمعها: برد وبرود. ومَعافِري: بفتح الميم، ثوب منسوب إلى معافر، وهي محلة بالفسطاط، [قاله أبو الفرج. وقيل: هو رجل كان يعملها] (١). والسُّفعة: تغيُّر اللون بسواد مشرب بحمرة، قاله الخليل. والجفر من الغلمان: الذي قوي منهم في نفسه، وقوي في أكله. يقال منه: استجفر الصبي: إذا صار كذلك، وأصله في أولاد الغنم، فإذا أتى عليه أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وأخذ في الرعي، قيل عليه جفر، والأنثى جفرة. والأريكة: واحدة الأرائك، وهي: السرير الذي عليه كِلَّة، وهي: الحَجَلَة.

стр. 3361

لَا أَكذِبُكَ، خَشِيتُ وَللَّهِ أَن أُحَدِّثَكَ فَأَكذِبَكَ، وَأَن أَعِدَكَ فَأُخلِفَكَ، وَكُنتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنتُ وَاللَّهِ مُعسِرًا. قَالَ قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِن وَجَدتَ قَضَاءً فَاقضِنِي، وَإِلَّا فأَنتَ فِي حِلٍّ. فَأَشهَدُ بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، - وَوَضَعَ إِصبَعَيهِ عَلَى عَينَيهِ - وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، ــ و(قول المدين: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ ) كان هذا الغريم صادقًا في حاله، متقيًّا على دينه، محترمًا لأصحاب رسول الله ﷺ فلما علم منه ربُّ الدَّين ذلك كلَّه محا عنه صحيفته، وأنظره إلى الميسرة، كما قال تعالى (١). وفيه ما يدلّ على أن ربَّ الدَّين إذا علم بعُسرة غريمه، أو ظنَّها حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم. و(قوله: آلله؟ قال: الله هو ممدود لأنها همزة الاستفهام دخلت على الهمزة المعوضة من باء القسم. و(قوله: فأشهد بصر عيني هاتين، وسمع أذني هاتين) هكذا رواية العذري بفتح الصاد، ورفع الراء على المصدر المضاف إلى ما بعده، وكذلك سمع أذني بتسكين الميم، ورواهما الطبري بصُرَ - بضم الصاد، وفتح الراء - على الفعل الماضي، وعيناي مرفوع على الفاعل، وكذلك: سَمِع أذناي غير أنه كسر الميم، وكذا عند أبي علي الغساني، ورواية الطبري أوضح، وأقل كلفة، فإنَّ رواية العذري يحتاج فيها إلى إضمار خبر للمبتدأ الذي هو: بصر. تقديره: بصر عيني حاصل، أو متعلق، ثم إنه بعد هذا يعطف على هذه الجملة الاسمية جملة فعليَّة التي هي قوله: ووعاه قلبي، والأحسن في عطف الجمل مراعاة المجانسة في المعطوف، والمعطوف عليه، فرواية الطبري أولى.

стр. 3362

وَوَعَاهُ قَلبِي - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: مَن أَنظَرَ مسلمًا أَو وَضَعَ عَنهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. قَالَ فَقُلتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَو أَنَّكَ أَخَذتَ بُردَةَ غُلَامِكَ وَأَعطَيتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعطَيتَهُ بُردَتَكَ، فَكَانَت عَلَيكَ حُلَّةٌ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ، يَا ابنَ أَخِي، بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، وَوَعَاهُ قَلبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ. وَكَانَ أَن أَعطَيتُهُ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا أَهوَنَ عَلَيَّ مِن أَن يَأخُذَ مِن حَسَنَاتِي يَومَ القِيَامَةِ. ــ و(قوله: ووعاه قلبي رسول الله ﷺ ) الضمير في وعاه قلبي: عائد على [غير] (١) مذكور قبله، فهو مما يفسره الحال والمشاهدة. وأبدل منه رسول الله ﷺ للبيان، فهو بدل الظاهر من المضمر. ونياط القلب: هو معلَّقه، ويروى: مناط، وهو موضع تعلُّقه. وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدَّين عن ذمته، وقد جمع هو بينهما لهذا المعسر حيث محا عنه الصحيفة، وقال له: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل. وقد مضى تفسير الحُلَّة، وأنها ثوبان من جنس واحد، ليسا بلِفقَين. و(قوله: أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون) ظاهر هذا: وجوب تشريك السيِّد عبده في نوع ما يأكله، ويلبسه، وهو ليس بواجب اتفاقًا، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم. لكن خاف أبو اليَسَر أن يكون ترك ذلك منقصًا من حسناته، فسوَّى بينه وبين عبده في اللباس، وكذلك فعل أبو ذر ﵁، كما تقدم. والاشتمال: الالتفاف بالشملة. وهذا الاشتمال الذي اشتمله جابر هو الذي أذن له فيه النبي ﷺ كما تقدَّم في كتاب: الصلاة، وهو أن يضع وسط الشملة

стр. 3363

ثُمَّ مَضَينَا حَتَّى أَتَينَا جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ فِي مَسجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ مُشتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيتُ القَومَ حَتَّى جَلَستُ بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ، فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ، أَتُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدرِي: هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أَرَدتُ أَن يَدخُلَ عَلَيَّ الأَحمَقُ مِثلُكَ فَيَرَانِي كَيفَ أَصنَعُ فَيَصنَعُ مِثلَهُ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرجُونُ ابنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبلَةِ المَسجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالعُرجُونِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا فَقَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قَالَ: فَخَشَعنَا، قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ قَالَ: فَخَشَعنَا، ثُمَّ ــ على ظهره، ويخرجها من تحت ضِبعَيه، ويخالف بين طرفيها، ويعقدها على قفاه. ووضعه يده على صدره، إنما كان ليوقظه من غفلته، ويستحضر فهمه. و(قوله: إنما فعلته ليراني أحمق مثلك) إنما شافهه بهذا اللفظ الجافي مقابلة له على ما صدر منه من الحركة الجافية، والسؤال الذي أورده مورد الإنكار، فلو تلطف في السؤال لما سمع هذا المقال. والعرجون واحد العراجين: وهي الشماريخ، وتسمى أيضًا: الكباسة. ورطب ابن طاب: نوع من الرطب. وقد تقدم القول على البزاق في المسجد. و(قوله: أيكم يحبُّ أن يُعرض الله عنه) أي: يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه إن قلنا: إن البزاق في المسجد مكروه، وإن تنزلنا: على أن البزاق في المسجد محرَّم - كما تقدم - كان الإعراض كناية عن تعذيبه على ذلك، وترك رحمته إياه في وقت العذاب، والله تعالى أعلم. و(قوله: فخشعنا) الرواية الصحيحة فيه بالخاء المعجمة. من الخشوع، وهو الخضوع والتذلل، يعني: أنه ظهرت عليهم أحوال المنكسرين الخائفين، ومن قيده بالجيم فقد أبعد، إذ ليس هذا موضع الجشع، لأنَّه عبارة عن أشد الحرص.

стр. 3364

قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قُلنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجهِهِ، فَلَا يَبصُقَنَّ قِبَلَ وَجهِهِ، وَلَا عَن يَمِينِهِ، وَليَبصُق عَن يَسَارِهِ تَحتَ رِجلِهِ اليُسرَى، فَإِن عَجِلَت بِهِ بَادِرَةٌ فَليَقُل بِثَوبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى ثَوبَهُ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ. فَقَالَ: أَرُونِي عَبِيرًا. ثار الفَتى مِن الحَيِّ يَشتَدُّ إِلَى أَهلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِ العُرجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِن هُنَاكَ جَعَلتُم الخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُم. وسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ بَطنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطلُبُ المَجدِيَّ بنَ عَمرٍو الجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعتقُبُهُ مِنَّا الخَمسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبعَةُ، فَدَارَت عُقبَةُ رَجُلٍ مِن الأَنصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيهِ بَعضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن ــ يقال منه: جشع الرجل - بكسر الشين - وتجشَّع: إذا اشتدَّ حرصه. والخلوق والعبير: ضروب من الطيب يجمع بالزعفران. وثار الفتى أي: وثب يجري، والنخامة والنخاعة: ما يخرج من أقصى الفم. وبواط: موضع من ناحية رضوى. وكانت هذه الغزوة على رأس سنة من مقدمه المدينة، خرج فيها يطلب المجديَّ بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حربا. وتلدَّن: تثبط وتلكأ، ولم ينبعث. وشَأ: صوت تزجر به الإبل. واللعن: الطرد والبعد. ولما دعا هذا الرجل على بعيره باللعنة أجيب، فأُبعد البعير عنه، وحيل بينه وبينه، وهذا من باب العقوبة في المال لربه، لا من باب عقوبة ما لا يعقل، وفيه ما يدل على أن الدعاء في حالة الضجر والغضب قد يستجاب. وعشيشية: تصغير عشية على غير قياس، ويمدر الحوض: يُطيِّنه ويسدُّ خلله ليمسك الماء. ونزعنا: استقينا. والسَّجل: الدلو. وأفهقناه: ملأناه.

стр. 3365

هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ . قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: انزِل عَنهُ، فَلَا يَصحَبنَا مَلعُون، لَا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَولَادِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَموَالِكُم، لَا تُوَافِقُوا مِن اللَّهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَستَجِيبُ لَكُم. وسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيشِيَةٌ، وَدَنَونَا مَاءً مِن مِيَاهِ العَرَبِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمدُرُ الحَوضَ، فَيَشرَبُ وَيَسقِينَا؟ . قَالَ جَابِرٌ: فَقُمتُ فَقُلتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟ . فَقَامَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ، فَانطَلَقنَا إِلَى البِئرِ فَنَزَعنَا فِي الحَوضِ سَجلًا أَو سَجلَينِ، ثُمَّ مَدَرنَاهُ، ثُمَّ نَزَعنَا فِيهِ حَتَّى أَفهَقنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَأذَنَانِ؟ . قُلنَا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَت، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَت فَبَالَت، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحَوضِ فَتَوَضَّأَ مِنهُ، ثُمَّ قُمتُ فَتَوَضَّأتُ مِن مُتَوَضَّأ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ يَقضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَت عَلَيَّ بُردَةٌ فذَهَبتُ أُخَالِفَ بَينَ طَرَفَيهَا فَلَم تَبلُغ لِي، وَكَانَت لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّستُهَا، ثُمَّ خَالَفتُ بَينَ طَرَفَيهَا، ثُمَّ ــ و(قوله: أتأذنان) [دليل على أن من حاز شيئًا من المباح ملكه، وأن الماء المحوز يملك. وفيه] (١) دليلٌ على أنه لا يكتفى في إباحة ملك الغير بالسكوت. بل لا بدَّ من إذن المالك. وشنق لها الزمام أي: قبضه إليه لتنقطع عن الشرب. وشجت - مخففة الجيم -: قطعت الشرب. يقال: شججت المفازة، أي: قطعتها بالسير. والذباذب: الأطراف، سُمِّيت بذلك لتذبذبها، أي: تحركها، وكل شيء معلَّق فحركته: ذبذبته.
следующие страницы →