← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

لَا أَكذِبُكَ، خَشِيتُ وَللَّهِ أَن أُحَدِّثَكَ فَأَكذِبَكَ، وَأَن أَعِدَكَ فَأُخلِفَكَ، وَكُنتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَكُنتُ وَاللَّهِ مُعسِرًا. قَالَ قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قُلتُ: آللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهِ. قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ، فَقَالَ: إِن وَجَدتَ قَضَاءً فَاقضِنِي، وَإِلَّا فأَنتَ فِي حِلٍّ. فَأَشهَدُ بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، - وَوَضَعَ إِصبَعَيهِ عَلَى عَينَيهِ - وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، ــ و(قول المدين: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ ) كان هذا الغريم صادقًا في حاله، متقيًّا على دينه، محترمًا لأصحاب رسول الله ﷺ فلما علم منه ربُّ الدَّين ذلك كلَّه محا عنه صحيفته، وأنظره إلى الميسرة، كما قال تعالى (١). وفيه ما يدلّ على أن ربَّ الدَّين إذا علم بعُسرة غريمه، أو ظنَّها حرمت عليه مطالبته، وإن لم تثبت عسرته عند الحاكم. و(قوله: آلله؟ قال: الله هو ممدود لأنها همزة الاستفهام دخلت على الهمزة المعوضة من باء القسم. و(قوله: فأشهد بصر عيني هاتين، وسمع أذني هاتين) هكذا رواية العذري بفتح الصاد، ورفع الراء على المصدر المضاف إلى ما بعده، وكذلك سمع أذني بتسكين الميم، ورواهما الطبري بصُرَ - بضم الصاد، وفتح الراء - على الفعل الماضي، وعيناي مرفوع على الفاعل، وكذلك: سَمِع أذناي غير أنه كسر الميم، وكذا عند أبي علي الغساني، ورواية الطبري أوضح، وأقل كلفة، فإنَّ رواية العذري يحتاج فيها إلى إضمار خبر للمبتدأ الذي هو: بصر. تقديره: بصر عيني حاصل، أو متعلق، ثم إنه بعد هذا يعطف على هذه الجملة الاسمية جملة فعليَّة التي هي قوله: ووعاه قلبي، والأحسن في عطف الجمل مراعاة المجانسة في المعطوف، والمعطوف عليه، فرواية الطبري أولى.

стр. 3362

وَوَعَاهُ قَلبِي - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: مَن أَنظَرَ مسلمًا أَو وَضَعَ عَنهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. قَالَ فَقُلتُ لَهُ أَنَا: يَا عَمِّ، لَو أَنَّكَ أَخَذتَ بُردَةَ غُلَامِكَ وَأَعطَيتَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعطَيتَهُ بُردَتَكَ، فَكَانَت عَلَيكَ حُلَّةٌ وَعَلَيهِ حُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِك فِيهِ، يَا ابنَ أَخِي، بَصَرُ عَينَيَّ هَاتَينِ، وَسَمعُ أُذُنَيَّ هَاتَينِ، وَوَعَاهُ قَلبِي هَذَا - وَأَشَارَ إِلَى نياطِ قَلبِهِ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: أَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَاكسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ. وَكَانَ أَن أَعطَيتُهُ مِن مَتَاعِ الدُّنيَا أَهوَنَ عَلَيَّ مِن أَن يَأخُذَ مِن حَسَنَاتِي يَومَ القِيَامَةِ. ــ و(قوله: ووعاه قلبي رسول الله ﷺ ) الضمير في وعاه قلبي: عائد على [غير] (١) مذكور قبله، فهو مما يفسره الحال والمشاهدة. وأبدل منه رسول الله ﷺ للبيان، فهو بدل الظاهر من المضمر. ونياط القلب: هو معلَّقه، ويروى: مناط، وهو موضع تعلُّقه. وإنظار المعسر: تأخيره إلى أن يوسر، والوضع عنه: إسقاط الدَّين عن ذمته، وقد جمع هو بينهما لهذا المعسر حيث محا عنه الصحيفة، وقال له: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل. وقد مضى تفسير الحُلَّة، وأنها ثوبان من جنس واحد، ليسا بلِفقَين. و(قوله: أطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون) ظاهر هذا: وجوب تشريك السيِّد عبده في نوع ما يأكله، ويلبسه، وهو ليس بواجب اتفاقًا، وقد بيَّنَّا ذلك فيما تقدم. لكن خاف أبو اليَسَر أن يكون ترك ذلك منقصًا من حسناته، فسوَّى بينه وبين عبده في اللباس، وكذلك فعل أبو ذر ﵁، كما تقدم. والاشتمال: الالتفاف بالشملة. وهذا الاشتمال الذي اشتمله جابر هو الذي أذن له فيه النبي ﷺ كما تقدَّم في كتاب: الصلاة، وهو أن يضع وسط الشملة

стр. 3363

ثُمَّ مَضَينَا حَتَّى أَتَينَا جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ فِي مَسجِدِهِ وَهُوَ يُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ مُشتَمِلًا بِهِ، فَتَخَطَّيتُ القَومَ حَتَّى جَلَستُ بَينَهُ وَبَينَ القِبلَةِ، فَقُلتُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ، أَتُصَلِّي فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي صَدرِي: هَكَذَا، وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أَرَدتُ أَن يَدخُلَ عَلَيَّ الأَحمَقُ مِثلُكَ فَيَرَانِي كَيفَ أَصنَعُ فَيَصنَعُ مِثلَهُ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسجِدِنَا هَذَا، وَفِي يَدِهِ عُرجُونُ ابنِ طَابٍ، فَرَأَى فِي قِبلَةِ المَسجِدِ نُخَامَةً فَحَكَّهَا بِالعُرجُونِ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا فَقَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قَالَ: فَخَشَعنَا، قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ قَالَ: فَخَشَعنَا، ثُمَّ ــ على ظهره، ويخرجها من تحت ضِبعَيه، ويخالف بين طرفيها، ويعقدها على قفاه. ووضعه يده على صدره، إنما كان ليوقظه من غفلته، ويستحضر فهمه. و(قوله: إنما فعلته ليراني أحمق مثلك) إنما شافهه بهذا اللفظ الجافي مقابلة له على ما صدر منه من الحركة الجافية، والسؤال الذي أورده مورد الإنكار، فلو تلطف في السؤال لما سمع هذا المقال. والعرجون واحد العراجين: وهي الشماريخ، وتسمى أيضًا: الكباسة. ورطب ابن طاب: نوع من الرطب. وقد تقدم القول على البزاق في المسجد. و(قوله: أيكم يحبُّ أن يُعرض الله عنه) أي: يعامله معاملة المعرض عنه فلا يثيبه إن قلنا: إن البزاق في المسجد مكروه، وإن تنزلنا: على أن البزاق في المسجد محرَّم - كما تقدم - كان الإعراض كناية عن تعذيبه على ذلك، وترك رحمته إياه في وقت العذاب، والله تعالى أعلم. و(قوله: فخشعنا) الرواية الصحيحة فيه بالخاء المعجمة. من الخشوع، وهو الخضوع والتذلل، يعني: أنه ظهرت عليهم أحوال المنكسرين الخائفين، ومن قيده بالجيم فقد أبعد، إذ ليس هذا موضع الجشع، لأنَّه عبارة عن أشد الحرص.

стр. 3364

قَالَ: أَيُّكُم يُحِبُّ أَن يُعرِضَ اللَّهُ عَنهُ؟ . قُلنَا: لَا أَيُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَامَ يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ قِبَلَ وَجهِهِ، فَلَا يَبصُقَنَّ قِبَلَ وَجهِهِ، وَلَا عَن يَمِينِهِ، وَليَبصُق عَن يَسَارِهِ تَحتَ رِجلِهِ اليُسرَى، فَإِن عَجِلَت بِهِ بَادِرَةٌ فَليَقُل بِثَوبِهِ هَكَذَا، ثُمَّ طَوَى ثَوبَهُ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ. فَقَالَ: أَرُونِي عَبِيرًا. ثار الفَتى مِن الحَيِّ يَشتَدُّ إِلَى أَهلِهِ، فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأسِ العُرجُونِ، ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ: فَمِن هُنَاكَ جَعَلتُم الخَلُوقَ فِي مَسَاجِدِكُم. وسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ بَطنِ بُوَاطٍ وَهُوَ يَطلُبُ المَجدِيَّ بنَ عَمرٍو الجُهَنِيَّ، وَكَانَ النَّاضِحُ يَعتقُبُهُ مِنَّا الخَمسَةُ وَالسِّتَّةُ وَالسَّبعَةُ، فَدَارَت عُقبَةُ رَجُلٍ مِن الأَنصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ، فَأَنَاخَهُ فَرَكِبَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيهِ بَعضَ التَّلَدُّنِ، فَقَالَ لَهُ: شَأ، لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن ــ يقال منه: جشع الرجل - بكسر الشين - وتجشَّع: إذا اشتدَّ حرصه. والخلوق والعبير: ضروب من الطيب يجمع بالزعفران. وثار الفتى أي: وثب يجري، والنخامة والنخاعة: ما يخرج من أقصى الفم. وبواط: موضع من ناحية رضوى. وكانت هذه الغزوة على رأس سنة من مقدمه المدينة، خرج فيها يطلب المجديَّ بن عمرو، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق حربا. وتلدَّن: تثبط وتلكأ، ولم ينبعث. وشَأ: صوت تزجر به الإبل. واللعن: الطرد والبعد. ولما دعا هذا الرجل على بعيره باللعنة أجيب، فأُبعد البعير عنه، وحيل بينه وبينه، وهذا من باب العقوبة في المال لربه، لا من باب عقوبة ما لا يعقل، وفيه ما يدل على أن الدعاء في حالة الضجر والغضب قد يستجاب. وعشيشية: تصغير عشية على غير قياس، ويمدر الحوض: يُطيِّنه ويسدُّ خلله ليمسك الماء. ونزعنا: استقينا. والسَّجل: الدلو. وأفهقناه: ملأناه.

стр. 3365

هَذَا اللَّاعِنُ بَعِيرَهُ؟ . قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: انزِل عَنهُ، فَلَا يَصحَبنَا مَلعُون، لَا تَدعُوا عَلَى أَنفُسِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَولَادِكُم، وَلَا تَدعُوا عَلَى أَموَالِكُم، لَا تُوَافِقُوا مِن اللَّهِ سَاعَةً يُسأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَستَجِيبُ لَكُم. وسِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كَانَ عُشَيشِيَةٌ، وَدَنَونَا مَاءً مِن مِيَاهِ العَرَبِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن رَجُلٌ يَتَقَدَّمُنَا فَيَمدُرُ الحَوضَ، فَيَشرَبُ وَيَسقِينَا؟ . قَالَ جَابِرٌ: فَقُمتُ فَقُلتُ: هَذَا رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟ . فَقَامَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ، فَانطَلَقنَا إِلَى البِئرِ فَنَزَعنَا فِي الحَوضِ سَجلًا أَو سَجلَينِ، ثُمَّ مَدَرنَاهُ، ثُمَّ نَزَعنَا فِيهِ حَتَّى أَفهَقنَاهُ، فَكَانَ أَوَّلَ طَالِعٍ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَتَأذَنَانِ؟ . قُلنَا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَشرَعَ نَاقَتَهُ فَشَرِبَت، شَنَقَ لَهَا، فَشَجَت فَبَالَت، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحَوضِ فَتَوَضَّأَ مِنهُ، ثُمَّ قُمتُ فَتَوَضَّأتُ مِن مُتَوَضَّأ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَهَبَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ يَقضِي حَاجَتَهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَت عَلَيَّ بُردَةٌ فذَهَبتُ أُخَالِفَ بَينَ طَرَفَيهَا فَلَم تَبلُغ لِي، وَكَانَت لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّستُهَا، ثُمَّ خَالَفتُ بَينَ طَرَفَيهَا، ثُمَّ ــ و(قوله: أتأذنان) [دليل على أن من حاز شيئًا من المباح ملكه، وأن الماء المحوز يملك. وفيه] (١) دليلٌ على أنه لا يكتفى في إباحة ملك الغير بالسكوت. بل لا بدَّ من إذن المالك. وشنق لها الزمام أي: قبضه إليه لتنقطع عن الشرب. وشجت - مخففة الجيم -: قطعت الشرب. يقال: شججت المفازة، أي: قطعتها بالسير. والذباذب: الأطراف، سُمِّيت بذلك لتذبذبها، أي: تحركها، وكل شيء معلَّق فحركته: ذبذبته.

стр. 3366

تَوَاقَصتُ عَلَيهَا، ثُمَّ جِئتُ حَتَّى قُمتُ عَن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَن يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بنُ صَخرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَن يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدَينَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشعُرُ، ثُمَّ فَطِنتُ بِهِ، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ، يَعنِي شُدَّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا جَابِرُ. قُلتُ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِف بَينَ طَرَفَيهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشدُدهُ عَلَى حَقوِكَ. سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا فِي كُلِّ يَومٍ تَمرَةً، فَكَانَ يَمَصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوبِهِ، وَكُنَّا نَختَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَنَأكُلُ حَتَّى قَرِحَت أَشدَاقُنَا، فَأُقسِمُ خطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَومًا، فَانطَلَقنَا بِهِ نَنعَشُهُ، فَشَهِدنَا له أَنَّهُ لَم يُعطَهَا، فَأُعطِيَهَا، فَقَامَ فَأَخَذَهَا. ــ و(قوله: وتواقَصتُ) أي: أمسكت عليها بعنقي لئلا تسقط، أي: حنى عليها بعنقه. وقد تقدَّم القول على مواقف المأموم مع الإمام، وهذا الحديث يدلُّ على أن المشروع في حق الإمام: إذا قام رجل عن يمينه، ثم جاء آخر أنه يدفعهما خلفه، لا يتقدم ويتركهما، فإنَّ النبي ﷺ فعل ذلك بجابر وجبَّار ﵄. والحَقو: معقد الإزار من الوسط، وقد سُمِّي الإزار حَقوًا، كما تقدم في قول أم عطية: فأعطانا حقوه، أي: إزاره. ونختبط: نفتعل، من الخبط، وهو ضرب الورق بالعصا ليسقط. والقرح: الجراح. وتقرحت: انجرحت. والشدق: جانب الفم. وهذا الحديث يدلُّ على قوة صبرهم، وعظيم جلدهم، وعلى أن الله تعالى خرق لهم العادة إكرامًا لهم، لأنَّ إمساك القوة على السفر، والسير مع الاغتذاء بتمرة في كل يومٍ أمرٌ خارق للعادة، وقد وضح ذلك في الرجل الذي أخطأته التمرة

стр. 3367

سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَزَلنَا وَادِيًا أَفيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقضِي حَاجَتَهُ، فَاتَّبَعتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِن مَاءٍ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَم يَرَ شَيئًا يَستَتِرُ بِهِ، فَإِذَا شَجَرَتَانِ بِشَاطِئِ الوَادِي، فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى إِحدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا فَقَالَ: انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَانقَادَت مَعَهُ كَالبَعِيرِ المَخشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى فَأَخَذَ بِغُصنٍ مِن أَغصَانِهَا فَقَالَ: انقَادِي عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَانقَادَت مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالمَنصَفِ مِمَّا بَينَهُمَا، لَأَمَ بَينَهُمَا، يَعنِي جَمَعَهُمَا، فَقَالَ: التَئِمَا عَلَيَّ بِإِذنِ اللَّهِ. فَالتَأَمَتَا. قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجتُ أُحضِرُ مَخَافَةَ أَن يُحِسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُربِي فَيَبتَعِدَ. فَجَلَستُ أُحَدِّثُ نَفسِي، فَحَانَت مِنِّي لَفتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقبِلًا، وَإِذَا الشَّجَرَتَانِ قَد افتَرَقَتَا، فَقَامَت كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا عَلَى سَاقٍ، فَرَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ وَقفَةً، فَقَالَ بِرَأسِهِ هَكَذَا - وَأَشَارَ ابن إِسمَاعِيلَ بِرَأسِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا - ثُمَّ أَقبَلَ فَلَمَّا انتَهَى إِلَيَّ قَالَ: يَا جَابِرُ، هَل رَأَيتَ مَقَامِي؟ . قُلتُ: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَانطَلِق إِلَى الشَّجَرَتَينِ فَاقطَع مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا غُصنًا، فَأَقبِل بِهِمَا حَتَّى إِذَا قُمتَ مَقَامِي، فَأَرسِل غُصنًا عَن يَمِينِكَ وَغُصنًا عَن يَسَارِكَ. ــ فسقط، ثم إنه لما أعطيها قوي في الحال. والعادة قاضية بأن من سقطت قواه لا ترجع إليه إلا بعد معالجة وترتيب، واستدامة ذلك على تدريج. ونَنعَشُه: نرفعه وندعمه ليقوم، وكأنه سقط من الضعف. وقد فسَّر بعض الشارحين ننعشه بـ: نسعى في رفعه بالشهادة له في أنه ما أُعطي التمرة، وما ذكرناه أولى، لأنه قال بعد ذلك: فأعطيها فقام، فيعني: أنه سقط من الضعف، فحاولوا رفعه فلم يقدروا حتى أكل التمرة، فقوي وقام. فتأمله. والأفيح: الواسع المنبطح، وشاطئ

стр. 3368

قَالَ جَابِرٌ: فَقُمتُ فَأَخَذتُ حَجَرًا فَكَسَرتُهُ وَحَشَرتُهُ فَانذَلَقَ لِي، فَأَتَيتُ الشَّجَرَتَينِ فَقَطَعتُ مِن كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا غُصنًا، ثُمَّ أَقبَلتُ بهما أَجُرُّهُمَا حَتَّى قُمتُ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَرسَلتُ غُصنًا عَن يَمِينِي وَغُصنًا عَن يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقتُهُ فَقُلتُ: قَد فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنِّي مَرَرتُ بِقَبرَينِ يُعَذَّبَانِ، فَأَحبَبتُ بِشَفَاعَتِي أَن يُرَفَّهَ عَنهُمَا، مَا دَامَ الغُصنَانِ رَطبَينِ. قَالَ: فَأَتَينَا العَسكَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا جَابِرُ، نَادِ بِوَضُوءٍ. فَقُلتُ: أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ أَلَا وَضُوءَ؟ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا وَجَدتُ فِي الرَّكبِ مِن قَطرَةٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ يُبَرِّدُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ الوادي: جانبه. والمخشوش: هو الذي جعل في أنفه الخشاش - بكسر الخاء -: وهو عود، أو وتد ليذل. والمنصف: ملتقى النصفين. وحديث الشجرتين هذا يدلّ على أن الله تعالى مكَّن نبيَّه ﷺ من انخراق ما شاء من العادات، وأن الجمادات كانت سخرت له، فيتصرف فيها كيف شاء، وهذا من أكمل الكرامات، وأعظم الدلالات. وحشرته - بالحاء المهملة-: رققته، وحدَّدته، وحكى الأخفش: سهم حشر، وسهام حشر، أي: محدَّدة. و(قوله: فعمَّ ذاك؟ [وروي: فلم ذاك؟ ] (١) هو استفهام، وذاك إشارة إلى ما أمره رسول الله ﷺ به من غرس الغصنين. وفيه دليلٌ على جواز السؤال عن العلل والحكم، وقد تقدَّم القول على القبرين المعذبين في كتاب: الطهارة. والأشجاب: جمع شجب، وهو ما خلق من الأسقية، وقدم، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجُدَد.

стр. 3369

المَاءَ فِي أَشجَابٍ لَهُ عَلَى حِمَارَةٍ مِن جَرِيدٍ، قَالَ فَقَالَ لِيَ: انطَلِق إِلَى فُلَانِ بنِ فُلَانٍ الأَنصَارِيِّ، فَانظُر هَل فِي أَشجَابِهِ مِن شَيءٍ؟ قَالَ: فَانطَلَقتُ إِلَيهِ فَنَظَرتُ فِيهَا، فَلَم أَجِد فِيهَا إِلَّا قَطرَةً فِي عَزلَاءِ شَجبٍ مِنهَا، لَو أَنِّي أُفرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَم أَجِد فِيهَا إِلَّا قَطرَةً فِي عَزلَاءِ شَجبٍ مِنهَا، لَو أَنِّي أُفرِغُهُ لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: اذهَب فَائتِنِي بِهِ. فَأَتَيتُهُ بِهِ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ بِشَيءٍ لَا أَدرِي مَا هُوَ، وَيَغمِزُهُ بِيَدَيهِ، ثُمَّ أَعطَانِيهِ فَقَالَ: يَا جَابِرُ، نَادِ بِجَفنَةٍ. فَقُلتُ: يَا جَفنَةَ الرَّكبِ، فَأُتِيتُ بِهَا تُحمَلُ، فَوَضَعتُهَا بَينَ يَدَيهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فِي الجَفنَةِ: هَكَذَا، فَبَسَطَهَا، وَفَرَّقَ بَينَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعرِ الجَفنَةِ، وَقَالَ: خُذ يَا جَابِرُ فَصُبَّ عَلَيَّ وَقُل بِاسمِ اللَّهِ. فَصَبَبتُ عَلَيهِ وَقُلتُ: بِاسمِ اللَّهِ، فَرَأَيتُ المَاءَ يَفُورُ مِن بَينِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ــ و(قوله: على حِمَارة من جريد) [صحيح الرواية فيه بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم، وهي جرائد] (١) النخل أو عيدان يجمع أعلاها بالربط، ويفتح أسفلها، تُعلَّق فيها الأسقية، وقد رواها بعض الرواة: جمارة بجيم مضمومة، وميم مشددة، وفيه بُعد. والعَزلاء: مخرج الماء من الراوية أو القربة. و(قوله: لو أني أفرغه لشربه يابسه) أي: لقلَّته، وأعاد الضمير مذكَّرًا على معنى العزلاء، لا على لفظها، أراد به المخرج، أو الجلد. يعني: أن الماء كان قليلًا، فلو صبَّه لذهب، ويغمزه: يعضه. والغمز: العض والطعن. وجفنة الركب: هي قصعة كبيرة يستصحبها أصحاب الإبل يأكلون فيها مجتمعين. و(قوله: فرأيت الماء يفور من بين أصابعه) أي: فجَّر الله تعالى من أصول

стр. 3370

ثُمَّ فَارَت الجَفنَةُ وَدَارَت حَتَّى لَ: يَا جَابِرُ، نَادِ مَن امتَلَأَت، فَقَاكَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءٍ. قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ فَاستَقَوا حَتَّى رَوُوا. قَالَ فَقُلتُ: هَل بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ مِن الجَفنَةِ وَهِيَ مَلأَى. وَشَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الجُوعَ، فَقَالَ: عَسَى اللَّهُ أَن يُطعِمَكُم، فَأَتَينَا سِيفَ البَحرِ، فَزَخَرَ البَحرُ زَخرَةً، فَأَلقَى دَابَّةً، فَأَورَينَا عَلَى شِقِّهَا النَّارَ، فَاطَّبَخنَا وَاشتَوَينَا، وأكلنَا حَتَّى شَبِعنَا. قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلتُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، حَتَّى عَدَّ خَمسَةً فِي حِجَاجِ عَينِهَا، مَا يَرَانَا أَحَدٌ حَتَّى خَرَجنَا، فَأَخَذنَا ضِلَعًا مِن أَضلَاعِهِ فَقَوَّسنَاهُ، ثُمَّ دَعَونَا بِأَعظَمِ رَجُلٍ فِي الرَّكبِ، وَأَعظَمِ جَمَلٍ فِي الرَّكبِ، وَأَعظَمِ كِفلٍ فِي الرَّكبِ، فَدَخَلَ تَحتَهُ مَا يُطَأطِئُ رَأسَهُ. رواه مسلم (٣٠٠٦ - ٣٠١٤). * * * ــ الأصابع الماء، كما يفجِّره من الحجر، وقد بيَّنَّا أن هذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى ﵇ في نبع الماء من الحجر. وسِيفُ البحر: ساحله. وزخر البحر: هاج وارتجَّ. وأَورَينا: أوقدنا. والشق: الجانب. وحجاج العين بكسر الحاء وفتحها: هو العظم الذي فيه المقلة، وعلى طرفه الأعلى، هو الحاجب. ويطأطئ رأسه: يخفضه. * * *

стр. 3371

(٥) باب مثل ما بعث به النبي ﷺ من الهدى والعلم [٢٢٠٢] عَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ مِن الهُدَى وَالعِلمِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَت مِنهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَت المَاءَ فَأَنبَتَت الكَلَأَ وَالعُشبَ الكَثِيرَ، وَكَانَ مِنهَا أَجَادِبُ أَمسَكَت ــ (٥) ومن باب مثل ما بعث به النبي ﷺ الغيث: المطر. والطائفة من الأرض: القطعة منها، ومن الناس: الجماعة. والطيبة: المنبتة. وقبلت: لم يختلف رواة مسلم في هذا الحرف أنه بالباء بواحدة من القبول، أي: شربت الماء فانتفعت به، وقيَّده بعض رواة البخاري: قيَّلت - بياء مثناة من تحت -. وقال الأصيلي: إنه تصحيف، وقال غيره: ليس كذلك، ومعناه: جمعت، تقول العرب: تقيَّل الماء في الموضع المنخفض: إذا اجتمع فيه. قلت: وهذا ليس بشيء، لأنَّه قد ذكر بعد هذا الطائفة الممسكة الماء، الجامعة له، فعلى ما قاله تكون الطائفتان واحدة، ويفسد معنى الخبر والتشبيه، وقيل: يكون معنى: قيلت: شربت. قال: والقيل: شرب نصف النهار، وقيلت الإبل: إذا شربت قائلة. قلت: وهذا أيضًا ليس بشيء، لأنَّ مقصود الحديث لا يخص شرب القائلة من غيرها. والأظهر: ما قاله الأصيلي. والكلأ: المرعى، وهو العشب. والرَّطب: يسمى: الخلى. واليابس يسمى: الحشيش. و(قوله: وكانت منها أجادب) لم أرو هذا إلا بالجيم، والدال المهملة،

стр. 3372

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو الصحيح. قال الأصمعي: الأجادب من الأرض: ما لا ينبت الكلأ. ومعناه: أنها جردة بارزة لا يسترها شيء، وقد رواها بعضهم أجاذب - بالذال المعجمة -. وقال بعضهم: إنما هي أخاذات بالخاء والذال المعجمتين، جمع أخاذة، وهي الماسكة للماء، وقد قال بعضهم: أحازه - بالحاء المهملة والزاي - وليس بشيء. وبعضهم قالها: أجارد بالجيم والراء، جمع أجرد، وهو الذي لا نبات فيه. قلت: والصحيح الواضح: الأول رواية ومعنى - إن شاء الله -، ومقصود هذا الحديث: ضرب مثل لما جاء به النبي ﷺ من العلم والدِّين، ولمن جاءهم بذلك، فشبَّه ما جاء به بالمطر العام الذي يأتي الناس في حال إشرافهم على الهلاك يحييهم، ويغيثهم. ثم شبَّه السامعين له: بالأرض المختلفة، فمنهم: العالم العامل المعلِّم (١)، فهذا بمنزلة الأرض الطيبة شربت، فانتفعت في نفسها، وأنبتت، فنفعت غيرها. ومنهم الجامع للعلم، الحافظ له، المستغرق لزمانه في جمعه ووعيه، غير أنه لم يتفرغ للعمل بنوافله، ولا ليتفقه فيما جمع، لكنه أدَّاه (٢) لغيره كما سمعه، فهذا بمنزلة الأرض الصَّلبة التي يستقر فيها الماء فينتفع الناس بذلك الماء، فيشربون ويسقون، وهذا القسم: هو الذي قال فيه النبي ﷺ : نضَّر الله امرأً سمع مني حديثًا، فبلَّغه غيره، فربَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقه ليس بفقيه (٣). لا يقال: فتشبيه هذا القسم بهذه الأرض التي أمسكت على غيرها، ولم تشرب في نفسها يقتضي ألا تكون عملت بما لزمها من العلم ولا من الدِّين، ومن لم يقم بما وجب عليه من أمور الدِّين، فلا ينسب للعلماء، ولا للمسلمين، لأنَّا نقول: القيام بالواجبات ليس خاصًّا بالعلماء. بل: يستوي فيها العلماء

стр. 3373

المَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا مِنهَا وَسَقَوا وَرَعَوا، وَأَصَابَ طَائِفَةً مِنهَا أُخرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمسِكُ مَاءً، وَلَا تُنبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ بِمَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَن لَم يَرفَع بِذَلِكَ رَأسًا، وَلَم يَقبَل هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرسِلتُ بِهِ. رواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، والبخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) (١٥). ــ وغيرهم. ومن لم يقم بواجبات علمه كان من الطائفة الثالثة التي لم تشرب، ولم تمسك، لأنَّه لما لم يعمل بما وجب عليه لم ينتفع بعلمه، ولأنه عاص فلا يصلح للأخذ عنه. و(قوله: وأصاب طائفة أخرى) هذا مثل للطائفة الثالثة التي بلغها الشرع فلم تؤمن، ولم تقبل، وشبهها بالقيعان، السَّبخة التي لا تقبل الماء في نفسها وتفسده على غيرها، فلا يكون منها إنبات، ولا يحصل بما حصل فيها نفع. والقيعان جمع قاع، وهو ما انخفض من الأرض، وهو المستنقع أيضًا. وهذا يعم ما يفسد فيه الماء، وما لا يفسد، لكن مقصود الحديث: ما يفسد فيه الماء. و(قوله: سقوا ورعوا) يقال: سقى وأسقى بمعنى واحد. وقيل: سقيته: ناولته ما يشرب، وأسقيته: جعلت له سقيا. ورعوا: من الرعي، وقد رويته عن بعض المقيَّدين: زرعوا، من الزرع وكلاهما صحيح. و(قوله: فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني الله به فعلم وعلَّم) هذا مثال الطائفة الأولى. و(قوله: ومثل من لم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) مثال الطائفة الثالثة، وسكت عن الثانية إما لأنها قد دخلت في الأولى بوجه، لأنَّها قد حصل منها نفع في الدين، وإمَّا لأنه أخبر بالأهم فالأهم، وهما الطائفتان المتقابلتان: العليا، والسفلى. والله تعالى أعلم.

стр. 3374

[٢٢٠٣] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَومَهُ فَقَالَ: يَا قَومِ إِنِّي رَأَيتُ الجَيشَ بِعَينَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ العُريَانُ فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِن قَومِهِ فَأَدلَجُوا فَانطَلَقُوا عَلَى مُهلَتِهِم، وَكَذَّبَت طَائِفَةٌ مِنهُم فَأَصبَحُوا مَكَانَهُم فَصَبَّحَهُم الجَيشُ فَأَهلَكَهُم وَاجتَاحَهُم، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَن عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئتُ بِهِ مِن الحَقِّ. رواه البخاريُّ (٦٤٨٢)، ومسلم (٢٢٨٣) (١٦). ــ وقوله في الحديث الآخر: إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه، فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني) هذا ضرب مثل لحاله في الإنذار، ولأحوال السَّامعين لإنذاره، فإنَّه أنذرهم بما علمه من عقاب الله، وبما يتخوف عليهم من فجأته، فمن صدَّقه نجا، ومن أعرض عنه هلك. وهذا بخلاف التمثيل في الحديث الأوَّل، فإنَّ ذلك بالنسبة إلى تحصيل العلم والانتفاع به، وإلى الإعراض عنه، فهما مثلان مختلفان. و(قوله: وإنِّي أنا النذير العُريان) هذا مثل، قيل كان أصله: أن رجلًا مُعيَّنًا سلبه العدو، فانفلت منهم، فأنذر قومه عريانًا. وقيل: كان الرَّجُل من العرب إذا رأى ما يوجب إنذار قومه تجرَّد من ثيابه، وأشار إليهم ليعلمهم بما دهمهم، وهذا أشبه، وأليق بمقصود الحديث. والنجاء: السرعة، وهو منصوب على المصدر، وهو بالمد، وقيل: بالقصر. حكاه أبو زيد (١)، ولو تكرر لفظه لوجب نصبه. وأدلجوا: ساروا من أول الليل إدلاجًا، والاسم: الدَّلج، والدَّلجة - بفتح الدال - والادلاج: الخروج من آخر الليل، والمصدر: الادلاج، والاسم: الدُّلجة

стр. 3375

[٢٢٠٤] وعن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ استَوقَدَ نَارًا، فَجَعَلَت الدَّوَابُّ وَالفَرَاشُ يَقَعنَ فِيهِ فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُم وَأَنتُم تَقَحَّمُونَ فِيهِ. رواه البخاريُّ (٦٤٨٣)، ومسلم (٢٢٨٤) (١٧)، والترمذيُّ (٢٨٧٧). [٢٢٠٥] وعن جابر مثله، وقال: وأنتم تفلتون من يدي. رواه مسلم (٢٢٨٥) (١٩). * * * ــ - بضم الدال - قال ابن قتيبة: ومن الناس من يجيز الوجهين في كل واحد منهما، كما يقال: بَرهةً من الدَّهر، وبُرهة. واجتاحهم: أهلكهم، واستأصلهم. يقال: جاحَتهُم السَّنَةُ، تجوحهم جَوحًا، وجياحة. واجتاحتهم، تجتاحهم، اجتياحة. و(قوله: استوقد نارًا) أي: أوقدها، والسِّين والتاء زائدتان. والجَنَادِب (١): جمع جُندَب - بفتح الدَّال وضمها - وهي: الجرادة. هذا هو المعروف من اللغة. وقال أبو حاتم: الجندب على خلقة الجرادة، له أربعة أجنحة يصرر بالليل صرًّا شديدًا. والفراش قال الفراء: هو غوغاء الجراد التي تنفرش وتتراكب. وقال غيره: هو الطير الذي يتساقط في النار وفي السراج. قلت: وهذا أشبه بما في الحديث. والحجز جمع حجزة، وهي معقد الإزار والسراويل. ويقال: تحاجز القوم، إذا أخذ بعضهم بحجزة بعض، وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. والتقحُّم: هو التهجُّم على الشيء من غير

стр. 3376

(٦) باب مثل النبي ﷺ مع الأنبياء [٢٢٠٦] عَن جَابِرٍ قال قال رسول الله ﷺ : مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَتَمَّهَا، وَأَكمَلَهَا إِلَّا مَوضِعَ لَبِنَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَدخُلُونَهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنهَا، وَيَقُولُونَ: لَولَا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَأَنَا مَوضِعُ اللَّبِنَةِ جِئتُ فَخَتَمتُ الأَنبِيَاءَ. رواه أحمد (٣/ ٣٦١)، والبخاريُّ (٣٥٣٤)، ومسلم (٢٢٨٧) (٢٣)، والترمذيُّ (٢٨٦٦). [٢٢٠٧] ونحوه عن أبي هريرة، غير أنه قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين. رواه أحمد (٢/ ٣٩٨)، والبخاريُّ (٣٥٣٥)، ومسلم (٢٢٨٦) (٢٠ - ٢٢). * * * ــ تروٍّ، ولا تبصُّر، وهذا مثل لاجتهاد نبينا ﷺ في نجاتنا، وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا، ولجهلنا بقدر ذلك، وغلبة شهواتنا علينا، وظفر عدوِّنا اللعين بنا، حتى صرنا أحقر من الفراش والجنادب، وأذل من الطين اللَاّزب. [(٦) ومن باب: مثل النبي ﷺ مع الأنبياء] (١) (قوله ﷺ : مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا، فأتَمَّها وأكملها، إلا موضع لبنة) اللَّبنة الطوبة التي يبنى بها، وفيها لغتان:

стр. 3377

(٧) باب إذا رحم الله أمة قبض نبيها قبلها [٢٢٠٨] عَن أَبِي مُوسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تعالى - إِذَا أَرَادَ رَحمَةَ أُمَّةٍ مِن عِبَادِهِ قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَينَ يَدَيهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ، فَأَهلَكَهَا وَهُوَ يَنظُرُ، فَأَقَرَّ عَينَهُ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوا أَمرَهُ. رواه مسلم (٢٢٨٨) (٢٤). ــ إحداهما: فتح اللام وكسر الباء، وتجمع: لبن، غير أنك تسقط الهاء من الجمع. كنبقة ونبق. والثانية: كسر اللام وسكون الباء، وتجمع: لبن - بكسر اللام وفتح الباء، كسدرة وسدر. ومقصود هذا المثل: أن يبيِّن به ﷺ أن الله تعالى ختم به النبيين والمرسلين، وتَمَّم به ما سبق في علمه إظهاره من مكارم الأخلاق، وشرائع الرسل، فيه كمل النظام، وهو ختم الأنبياء، والرسل الكرام، صلى الله عليه وعلى آله أفضل صلاة، وسلَّم عليه أبلغ سلام. (٧) ومن باب: إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها إنما كان موت النبي ﷺ قبل أمته رحمة لأمته، لأنَّ الموجب لبقائهم بعده إيمانهم به، واتباعهم لشريعته، ثم إنهم يصابون بموته، فتعظم أجورهم بذلك، إذ لا مصيبة أعظم من فقد الأنبياء، فلا أجر أعظم من أجر من أصيب بذلك، ثم يحصل لهم أجر التمسك بشريعته بعده، فتتضاعف الأجور، فتعظم الرحمة، ولهذا

стр. 3378

[٢٢٠٩] وعن سَهل قال: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: أَنَا فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ، مَن وَرَدَ شَرِبَ، وَمَن شَرِبَ لَم يَظمَأ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقوَامٌ أَعرِفُهُم وَيَعرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَينِي وَبَينَهُم. رواه البخاريُّ (٧٠٥٠)، ومسلم (٢٢٩٠) (٢٦). [٢٢١٠] ومن حديث أبي سعيد، فيقول: إِنَّهُم مِنِّي فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا عَمِلُوا بَعدَكَ فَأَقُولُ: سُحقًا سُحقًا لِمَن بَدَّلَ بَعدِي. رواه البخاري (٧٠٥١)، ومسلم (٢٢٩١). * * * ــ قال ﷺ : حياتي لكم رحمة، ومماتي لكم رحمة (١)، وأما إذا أهلكها قبله فذلك لا يكون إلا لأنهم لم يؤمنوا به، وخالفوه، وعصوا أمره، فإذا استمروا على ذلك من عصيانهم، وتمرُّدهم أبغضهم نبيهم، فربما دعا عليهم فأجاب الله دعوته فأهلكهم، فأقرَّ عينه فيهم، كما فعل بقوم نوح وغيره من الأنبياء، وقد تقدَّم القول في الفرط، وأنه المتقدِّم. قلت: وحديث أبي موسى: هو من الأربعة عشر حديثًا المنقطعة. الواقعة في كتاب مسلم، لأنَّه قال في أول سنده: حُدِّثت عن أبي أسامة، وممن روى عنه: إبراهيم بن سعيد الجوهري. قال: حدثنا أبو أسامة، ثم ذكر السند متصلًا إلى أبي موسى ﵁. * * *

стр. 3379

(٨) باب ما خص به النبي ﷺ من الحوض المورود ومن أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض [٢٢١١] عن عَبد اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : حَوضِي مَسِيرَةُ شَهرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبيَضُ مِن الوَرِقِ، وَرِيحُهُ ــ (٨ و ٩) ومن باب حوض النبي ﷺ وأوانيه (١) قد تقدَّم القول على كثير من معاني أحاديث هذا الباب في كتاب الطهارة. ومما يجب على كل مكلف أن يعلمه، ويصدِّق به: أن الله تعالى قد خصَّ نبيه محمدًا ﷺ بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، واليقين التواتري، إذ قد روى ذلك عن النبي ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين. في الصحيحين منهم نيف على العشرين، وباقيهم في غيرهما، مما صح نقله، واشتهرت روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم، ثم لم تزل تلك الأحاديث مع توالي الأعصار، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار، تتوفر همم الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات، وتدوينها، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامت به حجة الله علينا، فلزمنا الإيمان بذلك، والتصديق به، كما أجمع عليه السلف، وأهل السنة من الخلف، وقد أنكرته طائفة من المبتدعة، وأحالوه عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقلية، ولا عادية، تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعية، ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريف صدر عن عقل سخيف خرق به إجماع السلف، وفارق به مذهب أئمة الخلف. والحوض:

стр. 3380

أَطيَبُ مِن المِسكِ، كِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَن شَرِبَ مِنهُ فَلَا يَظمَأُ بَعدَهُ أَبَدًا قَالَ: وَقَالَت أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي عَلَى الحَوضِ حَتَّى أَنظُرَ مَن يَرِدُ عَلَيَّ مِنكُم، وَسَيُؤخَذُ أُنَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ مِنِّي وَمِن أُمَّتِي فَيُقَالُ: أَمَا شَعَرتَ مَا عَمِلُوا بَعدَكَ؟ وَاللَّهِ مَا بَرِحُوا بَعدَكَ يَرجِعُونَ عَلَى أَعقَابِهِم. قَالَ: فَكَانَ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نَرجِعَ عَلَى أَعقَابِنَا أَو أَن نُفتَنَ عَن دِينِنَا. رواه البخاريُّ (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢ و ٢٢٩٣). ــ مجتمع الماء. يقال: استحوض الماء، إذا اجتمع. ويجمع: أحواضًا وحياضًا. و(قوله: من شرب منه لم يظمأ أبدًا) أي: لم يعطش آخر ما عليه (١). وظاهر هذا وغيره من الأحاديث: أن الورود على هذا الحوض، والشرب منه، إنما يكون بعد النجاة من النار، وأهوال القيامة، لأنَّ الوصول إلى ذلك المحل الشريف، والشرب منه، والوصول إلى موضع يكون فيه النبي ﷺ ولا يمنع عنه، من أعظم الإكرام، وأجل الإنعام، ومن انتهى إلى مثل هذا كيف يعاد إلى حساب، أو يذوق بعد ذلك تنكيل خزي وعذاب؟ ! فالقول بذلك أوهى من السراب. و(قوله ﷺ : حوضي مسيرة شهر، زواياه سواء) أي: أركانه معتدلة، يعني:

стр. 3381

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن ما بين الأركان متساوٍ، فهو معتدل التربيع، وقد اختلفت الألفاظ الدَّالة على مقدار الحوض، كما هو مبيَّن في الروايات المذكورة في الأصل. وقد ظن بعض القاصرين: أن ذلك اضطراب، وليس كذلك، وإنما تحدَّث النبي ﷺ بحديث الحوض مرات عديدة، وذكر فيها تلك الألفاظ المختلفة إشعارًا بأن ذلك تقدير، لا تحقيق، وكلها تفيد أنه كبير متسع، متباعد الجوانب والزوايا، ولعل سبب ذكره للجهات المختلفة في تقدير الحوض: أن ذلك إنما كان بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات، فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها، والله أعلم. و(قوله: ماؤه أبيض من الورق) جاء أبيض - هاهنا - في هذا الحديث على الأصل المرفوض (١)، كما قد جاء في قولهم: . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فأنت أبيَضُهم سِربال طَبَّاخ (٢) وكما قد جاء قوله ﷺ : توافون سبعين أمَّة أنتم أخيرهم (٣)، أي: خيرهم، وكما قد جاء عنه ﷺ : لينتهين أقوامٌ عن ودعهم الجمعات (٤)، وكل ذلك جاء منبهة على الأصل المرفوض، والمستعمل الفصيح كما جاء في الرواية الأخرى: أشد بياضًا من الثلج (٥)، ولا معنى لقول من قال من مُتعسِّفة النحاة: لا يجوز التلفظ بهذه الأصول المرفوضة، مع صحَّة هذه الروايات، وشهرة تلك الكلمات.

стр. 3382

[٢٢١٢] وعَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَصَلَّى عَلَى أَهلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ انصَرَفَ إِلَى المِنبَرِ فَقَالَ: إِنِّي فَرَطٌ لَكُم، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيكُم، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنظُرُ إِلَى حَوضِي الآنَ، وَإِنِّي قَد أُعطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرضِ - أَو مَفَاتِيحَ الأَرضِ - وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيكُم أَن تُشرِكُوا بَعدِي، وَلَكِن أَخَافُ عَلَيكُم أَن تَتَنَافَسُوا فِيهَا. ــ و(قول عقبة: إن رسول الله ﷺ خرج فصلى على أهل أحد صلاته على الميت) أي: دعا لهم بدعاء الموتى، وكأنه ﷺ كان قد استقبل القبلة، ودعا لهم، واستغفر، وهذا كما فعل حيث أمره الله تعالى أن يستغفر لأهل البقيع، فقام عليهم ليلًا، واستغفر لهم، ثم انصرف، كما تقدم في الجنائز. و(قوله: أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) أي: بُشر بفتح البلاد، وإظهار الدين، وإعلاء كلمة المسلمين، وتمليكه جميع ما كان في أيدي ملوكها من الصفراء، والبيضاء، والنفائس، والذخائر، فقد ملَّكه الله ديارهم، ورقابهم، وأرضيهم، وأموالهم. كل ذلك وفاءً بمضمون: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾ و(قوله: إني والله لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي) يعني: أنه قد أمن على جملة أصحابه أن يُبدِّلوا دين الإسلام بدين الشرك. ولا يلزم من ذلك ألا يقع ذلك من آحادٍ منهم، فإنَّ الخبر عن الجملة لا يلزم صدقه على كل واحد من آحادها دائمًا، كيف لا؟ ! وهو الذي أخبر بأن منهم من يرتد بعد موته ﷺ كما جاء نصًّا في غير ما موضع من أحاديث الحوض وغيرها، وقد ظهر في الوجود ردَّة كثيرٍ ممن صحب النبي ﷺ وصلَّى معه، وجاهد، ثم كفر بعد موته. وقد تقدم قول ابن إسحاق وحكايته: أنه لم يبق بعد موت النبي ﷺ مسجد من مساجد المسلمين إلا كان في أهله ردَّة، إلا ما كان من ثلاثة مساجد. وقتال أبي بكر ﵁ لأهل الردة معلوم متواتر، وإذا كان كذلك فيتعيَّن حمل هذا الحديث على ما ذكرناه.

стр. 3383

وفي رواية: ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ كَالمُوَدِّعِ لِلأَحيَاءِ وَالأَموَاتِ، فَقَالَ: إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الحَوضِ، وَإِنَّ عَرضَهُ كَمَا بَينَ أَيلَةَ إِلَى الجُحفَةِ، إِنِّي لَستُ أَخشَى عَلَيكُم أَن تُشرِكُوا بَعدِي، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم الدُّنيَا أَن تتَنَافَسُوا فِيهَا وَتَقتَتِلُوا، فَتَهلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم. قَالَ عُقبَةُ: فَكَانَت آخِرَ مَا رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ. رواه أحمد (٤/ ١٤٩)، والبخاريُّ (١٣٤٤)، ومسلم (٢٢٩٦) (٣٠ و ٣١)، وأبو داود (٣٢٢٣)، والنسائيُّ (٤/ ٦١). * * * ــ ويحتمل أن يكون هذا خبرًا عن خصوص أصحابه الذين أعلمه الله تعالى بمآل حالهم، وأنهم لا يزالون على هدي الإسلام وشرعه إلى أن يلقوا الله ورسوله على هديه، إذ قد شهد رسول الله ﷺ لكثير منهم بذلك، وشوهدت استقامة أحوالهم حتى توفاهم الله تعالى عليه، ويحتمل أن يحمل هذا الخبر على جميع الأمة، فيكون معناه: الإخبار عن دوام الدين، واتصال ظهوره إلى قيام الساعة، وأنه لا ينقطع بغلبة الشرك على جميع أهله، ولا بارتدادهم، كما قد شهد بذلك الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمة. والأول أظهر من الحديث، والله أعلم. و(قوله: ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها، وتقتتلوا فتهلكوا) هذا الذي توقعه النبي ﷺ هو الذي وقع بعده، فعمَّت الفتن، وعظمت المحن، ولم ينج منها إلا من عصم، ولا يزال الهرج إلى يوم القيامة، فنسأل الله تعالى عاقبة خير وسلامة. وجرباء: صحيح روايته بفتح الجيم وسكون الراء والمد، وقد وقع عند بعض رواة البخاري بالقصر وهو خطأ، وأذرح: بفتح الهمزة، وذال معجمة ساكنة، وراء مضمومة، وحاء مهملة، وهو الصواب. ووقع في رواية العذري بالجيم، وهو خطأ، وقد فسَّرهما في الأصل: بأنهما قريتان من قرى الشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام، وقال ابن وضاح في أَذرُح: أنها فلسطين، وهذا يدل على صحة

стр. 3384

(٩) باب في عظم حوض النبي ﷺ ومقداره وكبره وآنيته [٢٢١٣] عَن حَارِثَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يقول: حَوضُهُ مَا بَينَ صَنعَاءَ وَالمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ المُستَورِدُ: أَلَم تَسمَعهُ قَالَ: الأَوَانِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ المُستَورِدُ: تُرَى فِيهِ الآنِيَةُ مِثلَ الكَوَاكِبِ. رواه البخاريُّ (٦٥٩٢)، ومسلم (٢٢٩٨). [٢٢١٤] وعَن ابنِ عُمَرَ أن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال: إِنَّ أَمَامَكُم حَوضًا كَمَا بَينَ جَربَاءَ وَأَذرُحَ، فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَن وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنهُ لَم يَظمَأ بَعدَهَا أَبَدًا. قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: فَسَأَلتُهُ فَقَالَ: قَريَتَينِ بِالشَّامِ بَينَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ. رواه أحمد (٢١/ ٢)، والبخاريُّ (٦٥٧٧)، ومسلم (٢٢٩٩) (٣٤ و ٣٥)، وأبو داود (٤٧٤٥). [٢٢١٥] وعن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا آنِيَةُ الحَوضِ؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَآنِيَتُهُ أَكثَرُ مِن عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، ــ ما قلناه: إنه كان يقدر الحوض لكل طائفة بما كانت تعرف من مسافات مواضعها، فيقول هذا لأهل الشام، ويقول لأهل اليمن: من صنعاء إلى عدن. وتارة أخرى يقدره بالزمان، فيقول مسيرة شهر. وعَمَّان: بفتح العين، وتشديد الميم، وهي قرية من عمل دمشق، وهي من البلقاء، وقد جاء في الترمذي: من عدن إلى عمَّان البلقاء، وقيل فيها: عمان: بضم العين، وتخفيف الميم وليس بصحيح، وإنما التي هي كذلك: عمان التي باليمن، بلا خلاف فيها وهي مدينة كبيرة.

стр. 3385

أَلَا فِي اللَّيلَةِ المُظلِمَةِ المُصحِيَةِ آنِيَةُ الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ مِنهَا لَم يَظمَأ آخِرَ مَا عَلَيهِ، يَشخَبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِن الجَنَّةِ، مَن شَرِبَ مِنهُ لَم يَظمَأ، عَرضُهُ مِثلُ طُولِهِ مَا بَينَ عَمَّانَ إِلَى أَيلَةَ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِن اللَّبَنِ، وَأَحلَى مِن العَسَلِ. رواه مسلم (٢٣٠٠)، والترمذيُّ (٢٤٤٧). [٢٢١٦] وعن ثَوبَانَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي لَبِعُقرِ حَوضِي أَذُودُ النَّاسَ لِأَهلِ اليَمَنِ ــ و(قوله: إني لَبِعُقرِ حوضي) هو بضم العين، وسكون القاف، وهو مؤخره حيث تقف الإبل إذا وردته، وتُسكَّن قافه وتضم، فيقال: عُقر وعُقُر، كعُسر وعُسُر، قاله في الصحاح. قال غيره: عُقر الدار: أصلها - بفتح العين وقد تضم -. و(قوله: أذود الناس لأهل اليمن) يعني: السابقين من أهل اليمن الذين نصره الله بهم في حياته، وأظهر الدِّين بهم بعد وفاته، وقد تقدَّم أن المدينة من اليمن، وأنهم أحق بهذا الإكرام من غيرهم، لما ثبت لهم من سابق النُّصرة، والأثرة، (١) ولذلك قال للأنصار: اصبروا حتى تلقوني على الحوض (٢). وأذود: أدفع، فكأنه يطرِّق لهم مبالغة في إكرامهم حتى يكونوا أوَّل شارب، كما يفعل بفقراء المهاجرين، إذ ينطلق بهم إلى الجنة، فيدخلهم الجنة قبل الناس كلهم، كما قد ثبت في الأحاديث، ولا يظن: أن النبي ﷺ يلازم المقام عند الحوض دائمًا، بل يكون عند الحوض تارة، وعند الميزان أخرى، وعند الصراط أخرى، كما قد صحَّ عنه: أن رجلًا قال: أين أجدك يا رسول الله يوم القيامة؟ قال: عند الحوض، فإن لم تجدني، فعند الميزان، فإن لم تجدني، فعند الصراط، فإني لا أخطئ هذه

стр. 3386

أَضرِبُ بِعَصَايَ حَتَّى يَرفَضَّ عَلَيهِم، فَسُئِلَ عَن عَرضِهِ فَقَالَ: مِن مَقَامِي إِلَى عَمَّانَ، وَسُئِلَ عَن شَرَابِهِ، فَقَالَ: أَشَدُّ بَيَاضًا مِن اللَّبَنِ، وَأَحلَى مِن العَسَلِ يَشخب فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِن الجَنَّةِ أَحَدُهُمَا مِن ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِن وَرِقٍ. رواه أحمد (٥/ ٢٨٠)، ومسلم (٢٣٠١)، والترمذيُّ (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣). ــ المواطن الثلاث (١). وكأنه ﷺ لا يفارق أصحابه، ولا أمته في تلك الشدائد سعيًا في تخليصهم منها، وشفقة عليهم ﷺ ، ولا حالَ بيننا وبينه في تلك المواطن! و(قوله: أضرب بعصاي حتى يرفضَّ) بالمثناة من تحت، أي: يضرب من أراد من الناس الشرب من الحوض قبل أهل اليمن، ويدفعهم عنه حتى يصل أهل اليمن، فيرفضُّ الحوض عليهم، أي: يسيل، يقال: ارفضَّ الدمع: إذا سال. و(قوله: يشخب فيه ميزابان من الجنة) أي: يسيل، وهو بالشين والخاء المعجمتين، والشخب - بالفتح في الشين - المصدر، وهو السيلان، وبالضم: الاسم. يقال في المثل: شُخب في الأرض وشُخب في الإناء. وأصل ذلك في الحالب المفرط. وفي الرواية الأخرى: يَغُتُ بالغين المعجمة، وبالمثناة فوق، هي الرواية المشهورة، ومعناه: الصبُّ المتوالي، المتتابع. وأصله: إتباع الشيء الشيء، يعني: أنه يصب دائمًا متتابعًا صبًا شديدًا سريعًا، وقد رواه العذري: يَعُبُّ بالعين المهملة، وبالموحدة، وكذا ذكره الحربي، وفسَّره بالعَبِّ، وهو شرب الماء جرعة بعد جرعة، ورواه ابن ماهان: [يثعب - بثاء مثلثة قبل العين المهملة - ومعناه: تتفجَّر وتسيل، ومنه: وجرحه] (٢) يثعب دمًا.

стр. 3387

[٢٢١٧] وعن أَنَسَ بنَ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَدرُ حَوضِي كَمَا بَينَ أَيلَةَ وَصَنعَاءَ مِن اليَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِن الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ. وفي رواية: تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ. رواه أحمد (٣/ ٢٣٨)، ومسلم (٢٣٠٣) (٣٩ و ٤٣)، وابن ماجه (٤٣٠٥). [٢٢١٨] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَا إِنِّي فَرَطٌ لَكُم عَلَى الحَوضِ، وَإِنَّ بُعدَ مَا بَينَ طَرَفَيهِ كَمَا بَينَ صَنعَاءَ وَأَيلَةَ. رواه مسلم (٢٣٠٥). * * * ــ و(قوله: يَمُدَّانه من الجنة) فصيحه: يمدانه بفتح الياء، وضم الميم ثلاثيًّا من مدَّ النهر، ومدَّه نهرٌ آخر. فأمَّا الرباعي فقولهم: أمددت الجيش بمدد، وقد جاء الرباعي في الأول. ومعناه: الزيادة على الأول فيهما. واختُلِجُوا (١): أخرجوا من بين الواردين. وأصيحابي: تصغير أصحاب على غير قياس. ولابتا الحوض: جانباه اللذان من خارجه حيث يكون شدَّة الحر والعطش، وأصل اللابة: الحَرَّة، وهي أرض ألبست حجارة سودًا، ومنه: لابتا المدينة، كما تقدَّم. وسُحقًا سُحقًا: بُعدًا بُعدًا. والسحيق: المكان البعيد. * * *

стр. 3388

(١٠) باب شجاعة النبي ﷺ وإمداده بالملائكة [٢٢١٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشجَعَ النَّاسِ، وَلَقَد فَزِعَ أَهلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَانطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوتِ، فَتَلَقَّاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَاجِعًا، وَقَد سَبَقَهُم إِلَى الصَّوتِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلحَةَ عُريٍ فِي عُنُقِهِ السَّيفُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَم تُرَاعُوا لَم تُرَاعُوا، قَالَ: وَجَدنَاهُ بَحرًا أَو إِنَّهُ لَبَحرٌ، وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ. ــ (١٠ و ١١ و ١٢) ومن باب: شجاعة النبي ﷺ وجوده وحُسن خلقه (١) (قوله: فزع أهل المدينة) أي: ذعروا من عدوٍّ دهمهم، وقد قدمنا أن الفزع يقال على أوجه متعددة، ولم تراعوا أي: لم يصبكم روعٌ، أو لا روع عليكم. و(قوله: وجدناه بحرًا) يعني: الفرس، أي: وجدناه يجري كثيرًا جريًا متتابعًا كالبحر. وقد تقدَّم: أن أصل البحر: السَّعة، والكثرة. ويقال: فرس سحبٌ، وبحرٌ، وسكب، وفيض، وغمر: إذا كان سريعًا، كثير الجري، شديد العدو. و(قوله: وكان فرسًا يُبَطَّأ) أي: يُنسب البطء إليه، ويعرف به، فلما ركبه رسول الله ﷺ أدركته بركته، فسابق الجياد، وصار نعم العتاد (٢). والرواية

стр. 3389

قال في رواية: فَاستَعَارَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَسًا لِأَبِي طَلحَةَ يُقَالُ لَهُ: مَندُوبٌ فَرَكِبَهُ فَقَالَ: مَا رَأَينَا مِن فَزَعٍ وَإِن وَجَدنَاهُ لَبَحرًا. رواه أحمد (٣/ ١٧١)، والبخاريُّ (٢٦٢٧)، ومسلم (٢٣٠٧) (٤٨ و ٤٩)، وأبو داود (٤٩٨٨)، والترمذيُّ (١٦٨٥). [٢٢٢٠] وعن سَعد بن أبي وقاص قَالَ: رَأَيتُ عَن يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَن شِمَالِهِ يَومَ أُحُدٍ رَجُلَينِ، عَلَيهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ مَا رَأَيتُهُمَا ــ المشهورة: يبطأ بالمثناة تحت والموحدة، من البطء: ضد السرعة، وعند الطبري: ثبطا أي: ثقيلًا. وهو بمعنى الأول. والفرس العري الذي لا سرج عليه، يقال: فرس عري وخيل أعراء. ويقال: رجل عريان، ورجال عرايًا. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن النبي ﷺ كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل، والشجاعة، والشهامة، والانتهاض الغائي في الحروب، والفروسية وأهوالها، ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس، وأجرأ الناس في حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به، فإنَّه ما ولَّى قطٌّ منهزمًا، ولا تحدَّث أحد عنه قط بفرار. ومندوب: اسم علم لذلك الفرس. وقيل: إنه سُمِّي بذلك لأنه كان يسبق، فيجوز النَّدب، وهو: الخطر (١) الذي يجعل للسابق، وكأنه إنما حدث له هذا الاسم بعد أن ركبه رسول الله ﷺ . وقد ذكر أنه كان لرسول الله فرس يسمى مندوبًا، ويحتمل أن يكون هذا الفرس انتقل من ملك أبي طلحة إلى ملك النبي ﷺ إما بالهبة، وإما بالابتياع، ويحتمل أن يكون فرسًا آخر وافقه في ذلك الاسم، والله أعلم. و(قول سعد: رأيت عن يمين رسول الله ﷺ وعن شماله رجلين يوم أحد عليهما ثياب بياض، يقاتلان عليه كأشدِّ القتال). قال، يعني: جبريل وميكائيل

стр. 3390

قَبلُ وَلَا بَعدُ، يَعنِي: جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉. وفي رواية: يُقَاتِلَانِ عَنهُ كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيتُهُمَا قَبلُ وَلَا بَعدُ. رواه أحمد (١/ ١٧١)، والبخاريُّ (٤٠٥٤)، ومسلم (٢٣٠٦) (٤٦ و ٤٧). * * * (١١) باب كان رسول الله ﷺ أجود الناس وأحسن الناس خلقا [٢٢٢١] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ ــ - صلَّى الله عليهما وسلم -. رؤية سعد ﵁ لهذين الملكين في ذلك اليوم: كرامة من الله تعالى خصَّه بها، كما قد خصَّ عمران بن حصين بتسليم الملائكة عليه، وأسيد بن حضير برؤية الملائكة الذين تنزلوا لقراءة القرآن، وقتال الملائكة للكفار يوم بدر، ويوم أحد لم يخرج عن عادة القتال المعتاد بين الناس، ولو أذن الله تعالى لملك من أولئك الملائكة بأن يصيح صيحة واحدة في عسكر العدو لهلكوا في لحظة واحدة، أو لخسف بهم موضعهم، أو أسقط عليهم قطعة من الجبل المطل عليهم، لكن لو كان ذلك: لصار الخبر عيانًا، والإيمان بالغيب مشاهدة، فيبطل سر التكليف، فلا يتوجَّه لوم، ولا تعنيف، كما قد صرَّح الله تعالى بذلك قولًا وذكرًا، إذ قال: ﴿يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ و(قوله: إن رسول الله ﷺ كان أجود الناس) أي: أكثرهم جودًا وسخاءً.

стр. 3391

بِالخَيرِ، وَكَانَ أَجوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهرِ رَمَضَانَ، إِنَّ جِبرِيلَ ﵇ كَانَ يَلقَاهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنسَلِخَ، فَيَعرِضُ عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ هذا هو المعلوم من خُلُقِه؟ فإنَّه ما سئل شيئًا فمنعه إذا كان مما يصح بذله وإعطاؤه. و(قوله: وكان أجود ما يكون في رمضان) إنما كان ذلك لأوجه: أحدها: رغبة في ثواب شهر رمضان، فإنَّ أعمال الخير فيه مضاعفة الأجر، وليعين الصائمين على صومهم، وليفطرهم، فيحصل له مثل أجورهم كما قال، ولأنه كان يلقى فيه جبريل لمدارسة القرآن، فكان يتجدد إيمانه، ويقينه، وتعلو مقاماته، وتظهر عليه بركاته، فيا له من لقاء ما أكرمه، ومن مشهد ما أعظمه! وقيل: إنما كانت عطاياه تكثر في رمضان، لأنَّه كان يقدَّم الصدقات بين يدي مناجاة الرسول (١) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجوَاكُم صَدَقَةً﴾ وفيه بُعد، لأنه قد كان نسخ ذلك، ولاستبعاد دخول النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولبُعد دخول جبريل في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ﴾ وأجود: قيل بالنصب على أنه خبر كان، وفيه بُعد، لأنَّه يلزم منه: أن يكون خبرها هو اسمها، وذلك: لا يصح إلا بتأويل بعيد، والرفع أولى، لأنَّه يكون مبتدأ مضافًا إلى المصدر، وخبره: في رمضان، وتقديره: أجود أكوانه في رمضان، ويعني بالأكوان: الأحوال، والله أعلم. و(قوله: إن جبريل ﷺ كان يلقاه في كل سنة في رمضان) يصلح الكسر في إن على الابتداء، والفتح فيه (٢) أولى، فيكون تعليلًا لجود النبي ﷺ في رمضان، وكان هذا الوجه أولى. والله أعلم. ولا أذكر الآن كيف قيَّدتها على من قرأتُه عليه.

стр. 3392

القُرآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجوَدَ بِالخَيرِ مِن الرِّيحِ المُرسَلَةِ. رواه أحمد (١/ ٣٦٣)، والبخاريُّ (١٩٠٢)، ومسلم (٢٣٠٨) (٢٣٠٨). [٢٢٢٢] وعَن أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَخَذَ أَبُو طَلحَةَ بِيَدِي، فَانطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَنَسًا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَليَخدُمكَ، قَالَ: فَخَدَمتُهُ فِي السَّفَرِ وَالحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ صَنَعتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيءٍ لَم أَصنَعهُ: لِمَ لَم تَصنَع هَذَا هَكَذَا؟ . وفي رواية: وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي أُفًّا قَطُّ، ولا عاب علي شيئا قط. رواه أحمد (٣/ ١٩٥)، والبخاري (٦٠٥٨)، ومسلم (٢٣٠٩) (٥١ - ٥٣)، وأبو داود (٤٧٧٤). [٢٢٢٣] وعنه، قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن أَحسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرسَلَنِي يَومًا لِحَاجَةٍ فَقُلتُ: وَاللَّهِ لَا أَذهَبُ وَفِي نَفسِي أَن أَذهَبَ لِمَا ــ و(قوله: كان أجود من الريح المرسلة) أي: بالمطر، وفيه جواز المبالغة، والإغياء في الكلام. وأف كلمة ذم وتحقير واستقذار، وأصل الأفِّ والتفِّ: وسخ الأظفار، وفيها عشر لغات: أفّ بغير تنوين بالفتح والضم والكسر، وبالتنوين للتنكير مع الأوجه الثلاثة، وبكسر الهمزة وفتحها، ويقال: أُفِّي وأُفِّه. وفي الصحاح، يقال: كان ذلك على إفّ ذلك، وإفَّانِه - بكسرها - أي: في حينه وأوانه. و(قول أنس: والله لا أذهب! وفي نفسي أن أذهب) هذا القول: صدر عن

стр. 3393

أَمَرَنِي بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبيَانٍ وَهُم يَلعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد قَبَضَ بِقَفَايَ مِن وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرتُ إِلَيهِ وَهُوَ يَضحَكُ، فَقَالَ: يَا أُنَيسُ ذَهَبتَ حَيثُ أَمَرتُكَ؟ قَالَ قُلتُ: نَعَم أَنَا أَذهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَقَد خَدَمتُهُ تِسعَ سِنِينَ مَا عَلِمتُهُ قَالَ لِشَيءٍ صَنَعتُهُ: لِمَ فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا، أَو لِشَيءٍ تَرَكتُهُ: هَلَّا فَعَلتَ كَذَا وَكَذَا. وفي رواية: قال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين. رواه مسلم (٢٣٠٩ و ٢٣١٠) (٥٤). * * * ــ أنس في حال صغره، وعدم كمال تمييزه، إذ لا يصدر مثله ممن كمل تمييزه. وذلك: أنه حلف بالله على الامتناع من فعل ما أمره به رسول الله ﷺ مشافهة، وهو عازمٌ على فعله، فجمع بين مخالفة رسول الله ﷺ وبين الإخبار بامتناعه، والحلف بالله على نفي ذلك مع العزم على أنه كان يفعله، وفيه ما فيه، ومع ذلك فلم يلتفت النبي ﷺ لشيء من ذلك، ولا عرَّج عليه، ولا أدبه. بل داعبه، وأخذ بقفاه، وهو يضحك رفقًا به، واستلطافًا له، ثم قال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، فقال له: أنا أذهب. وهذا كله مقتضى خلقه الكريم، وحلمه العظيم. وقد اختلفت الروايات في خدمة أنس رسول الله ﷺ فقيل: عشر. وقيل: تسع، وذلك بحسب اختلافهم في سَنَةِ مقدم النبي ﷺ المدينة. فقال الزهري: عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر، وتوفي وأنا ابن عشرين سنة (١). قلت: فعلى هذا خدمه عشر سنين، إن قلنا: أنه خدمه من أول مقدم النبي ﷺ المدينة، ويحتمل أن تكون تأخرت خدمته عن ذلك سنة فتكون مدة

стр. 3394

(١٢) باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا وقال: لا. وفي كثرة عطائه [٢٢٢٤] عن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا. رواه البخاريُّ (٦٠٣٤)، ومسلم (٢٣١١) (٥٦). [٢٢٢٥] وعن أنس، قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الإِسلَامِ شَيئًا إِلَّا أَعطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَأَعطَاهُ غَنَمًا بَينَ جَبَلَينِ، فَرَجَعَ إِلَى قَومِهِ فَقَالَ: يَا قَومِ أَسلِمُوا فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعطِي عَطَاءً لَا يَخشَى الفَاقَةَ. قَالَ أَنَسٌ: إِن كَانَ الرَّجُلُ لَيُسلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنيَا، فَمَا يُسلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسلَامُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن الدُّنيَا وَمَا عَلَيهَا. رواه مسلم (٢٣١٢) (٥٧ و ٥٨). ــ خدمته له: تسع سنين. وقيل: قدم النبي ﷺ وأنس ابن ثماني سنين. و(قوله: فأعطاه غنمًا بين جبلين) يعني: ملء ما بين جبلين كانا هنالك، وكان هذا - والله أعلم - يوم حنين لكثرة ما كان هنالك من غنائم الإبل، والبقر، والغنم، والذراري، ولأن هذا الذي أعطي هذا القدر كان من المؤلفة قلوبهم، ألا ترى أنه رجع إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام لأجل العطاء. و(قوله: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا) يعني: أنهم كان منهم من ينقادُ فيدخلُ في الإسلام لكثرة ما كان يعطي النبي ﷺ من يتألفه على الدخول فيه، فيكون قصده بالدخول فيه الدنيا، وهذا كان حال الطلقاء يوم حنين على ما مرَّ. و(قوله: فما يسلم حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها) ظاهر

стр. 3395

[٢٢٢٦] عَن ابنِ شِهَابٍ قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَزوَةَ الفَتحِ - فَتحِ مَكَّةَ - ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِن المُسلِمِينَ، فَاقتَتَلُوا بِحُنَينٍ، فَنَصَرَ اللَّهُ دِينَهُ وَالمُسلِمِينَ، وَأَعطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ صَفوَانَ بنَ أُمَيَّةَ مِائَةً مِن النَّعَمِ، ثُمَّ مِائَةً، ثُمَّ مِائَةً. قَالَ ابنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ أَنَّ صَفوَانَ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَد أَعطَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَعطَانِي، وَإِنَّهُ لَأَبغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ. رواه مسلم (٢٣١٣) (٥٩). [٢٢٢٧] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو قَد جَاءَنَا مَالُ البَحرَينِ لَقَد أَعطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَقَالَ بِيَدَيهِ ــ مساق هذا الكلام أن إسلامه الأول لم يكن إسلامًا صحيحًا، لأنَّه كان يبتغي به الدنيا، وإنما يصحُّ له الإسلام إذا استقر الإسلام بقلبه، فكان آثر عنده، وأحبّ إليه من الدنيا وما عليها، كما قال تعالى: ﴿قُل إِن كَانَ آبَاؤُكُم وَأَبنَاؤُكُم وَإِخوَانُكُم وَأَزوَاجُكُم وَعَشِيرَتُكُم وَأَموَالٌ اقتَرَفتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ وهذا معنى صحيح، ولكنه ليس بمقصود الحديث، وإنما مقصود أنس من الحديث: أن الرجل كان يدخل في دين الإسلام رغبة في كثرة العطاء، فلا يزال يُعطى حتى ينشرح صدره للإسلام، ويستقر فيه، ويتنور بأنواره، حتى يكون الإسلام أحبَّ إليه من الدنيا وما فيها، كما صرَّح بذلك صفوان حيث قال: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحبُّ الناس إليَّ. وهكذا اتفق لمعظم المؤلفة قلوبهم. وقوله ﷺ لجابر: لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا، وهكذا،

стр. 3396

جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبلَ أَن يَجِيءَ مَالُ البَحرَينِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكرٍ بَعدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَن كَانَت لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَو دَينٌ فَليَأتِ، فَقُمتُ فَقُلتُ: إِنَّ نبي الله ﷺ قَالَ: لَو جَاءَنَا مَالُ البَحرَينِ أَعطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَحَثَى أَبُو بَكرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمسُ مِائَةٍ، فَقَالَ: خُذ مِثلَيهَا. رواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، والبخاريُّ (٢٥٩٨)، ومسلم (٢٣١٤) (٦٠). * * * ــ وهكذا وقال بيديه جميعًا، هذا يدلّ على سخاوة نفس النبي ﷺ بالمال، وأنه ما كان لنفسه به تعلق، فإنَّه كان لا يعدُّه بعدد، ولا يقدره بمقدار، لا عند أخذه، ولا عند بذله. وهذا منه ﷺ كان وعدًا لجابر ﵁، وكان المعلوم من خلقه الوفاء بالوعد، ولذلك نفذه له أبو بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ . وهكذا كان خلق أبي بكر، وخلق الخلفاء الأربعة ﵃، ألا ترى أبا بكر كيف نفذ عدة رسول الله ﷺ لجابر بقول جابر، ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير؟ ! وأخبارهم في ذلك معروفة، وأحوالهم موصوفة، وكفى بذلك ما سار مسير المثل (١) الذي لم يزل يجري على قول علي ﵁: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري. * * *

стр. 3397

(١٣) باب في رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال والرقيق [٢٢٢٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَدِمَ نَاسٌ مِن الأَعرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبيَانَكُم؟ فَقَالُوا: نَعَم، قَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَملِكُ أن كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنكُم الرَّحمَةَ؟ ! . وفي رواية: من قلبك. رواه البخاريُّ (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٦٦٥). ــ (١٣) ومن باب: رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال قوله: وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام، وهي مرادة، تقديره: أو أملك؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها، وهو الأحسن، لقلة حذف همزة الاستفهام. وأن مفتوحة، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، تقديرها: أو أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! وقد أبعد من كسرها، ولم تصح رواية الكسر. ومعنى الكلام: نفي قدرته ﷺ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة. والرحمة في حقِّنا: هي رقَّة وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى، أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق، والسعي في كشف ما به. وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها. وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير. وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في

стр. 3398

[٢٢٢٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ أَبصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشرَةً مِن الوَلَدِ مَا قَبَّلتُ وَاحِدًا مِنهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ مَن لَا يَرحَم لَا يُرحَم. رواه البخاريُّ (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨)، وأبو داود (٥٢١٨)، والترمذيُّ (١٩١١). ــ هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها، وشدائدها حتى يخلصَهم منها، ويدخلهم في جنته، وكرامته. ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي رقَّة وحُنُو، كما هي في حقِّنا، لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث، والله تعالى منزه ومقدَّس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة، والغلظ، وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة، وفائدتها، وفي اللطف بالمبتلى، والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذا هي في حقه من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطن. وإذا تقرر هذا، فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلى، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سلب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : الراحمون يرحمهم الرحمن (١). وقال: لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء (٢). وقال: لا تنزع

стр. 3399

[٢٢٣٠] وعَن أَنَس قَالَ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا كَانَ أَرحَمَ بِالعِيَالِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ إِبرَاهِيمُ مُستَرضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي المَدِينَةِ، فَكَانَ يَنطَلِقُ وَنَحنُ مَعَهُ فَيَدخُلُ البَيتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، ــ الرحمة إلا من شقي (١)، وقال: من لا يَرحم لا يُرحم (٢). وفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة، والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة. وهذه القبلة هي على الفم، ويكره مثل ذلك في الكبار، إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدل على شفقة. فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم. وأما تقبيل اليد فكرهه مالك، ورآه من باب الكبر، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى في الرِّجل، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس، مستدلًا بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ﷺ ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها (٣)، ولا حجة في ذلك، لأنَّ النبي ﷺ قد نزهه الله عن الكبر، وأمن ذلك عليه، وليس كذلك غيره، ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه، واعتقادهم صدقه، فأقرَّهم على ذلك ليتبين للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد. ولو فهمت الصحابة ﵃ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك، فيفعلون ذلك به دائمًا وفي كل وقت، كما كانوا يتبركون ببزاقه، ونخامته (٤)، ويدلكون بذلك وجوههم، ويتطيبون بعرقه، ويقتتلون على وضوئه، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدًا ولا رجلًا، فصحَّ ما قلناه، والله ولي التوفيق.

стр. 3400

وَكَانَ ظِئرُهُ قَينًا فَيَأخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرجِعُ. قَالَ عَمرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ إِبرَاهِيمَ ابنِي مَاتَ فِي الثَّديِ، ــ و(قوله: وكان ظئره قينا) الظئر: أصله اسم للمرضعة. ثم قد يقال على زوجها صاحب اللَّبن ذلك. قال الخليل: ويقال للمذكر والمؤنث. وقال أبو حاتم: الظُئر من الناس والإبل: إذا عَطَفَت على ولد غيرها، والجمع: ظُؤَار. وقال ابن السكيت: لم يأت فُعال بضم الفاء جمعًا إلا تُؤام جمع تَوأَم، وظؤار جمع ظئر، وعراق جمع عرق، ورُخال جمع رِخل (١)، وفُرارٌ جمع فَرِير: وهو ولد الظبية. وغنمٌ رُبابٌ: جمع شاة رُبَّاء. قال ابن ولاد: وهي حديثة عهد بنتاج. وقال ابن الأنباري: تجمع الظئر: ظُؤَارًا، أظؤرًا، ولا يقال: ظؤرة. وحكى أبو زيد في جمعه: ظؤرة. قال الهروي: ولا يجمع على فُعلةٍ إلا أربعة أحرف: ظِئرٌ، وظُؤرة، وصاحبٌ، وصحبة، وفارِهٌ وفُرهةٌ، ورائق وروقة. وفي الصحاح: الظئر - مهموز - والجمع ظُؤار على فعال بالضم. وظؤور وأظآر. والقين: الحداد. والقَين: العبد. والقينة: الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية. وقد غلط من ظنها: المغنية فقط. والجمع: القيان. قال زهير: ردَّ القِيانُ جِمال الحيِّ فاحتَمَلُوا ... إلى الظَّهِيرة أَمر بينهم لَبِكُ قلت: وأصل هذه اللفظة من: اقتان النبت اقتنانًا، أي: حَسُنَ، واقتانت الروضة: أخذت زخرفها، ومنه قيل للماشطة: قينة، ومُقيِّنَة، لأنَّها تزيِّن النساءَ، شُبهت بالأمة، لأنَّها تُصلح البيت وتزينه. و(قوله: إن إبراهيم ابني قد مات في الثدي) أي: في حال رضاعه، أي:
следующие страницы →