جَمِيعًا، فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبلَ أَن يَجِيءَ مَالُ البَحرَينِ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكرٍ بَعدَهُ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَن كَانَت لَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَو دَينٌ فَليَأتِ، فَقُمتُ فَقُلتُ: إِنَّ نبي الله ﷺ قَالَ: لَو جَاءَنَا مَالُ البَحرَينِ أَعطَيتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَحَثَى أَبُو بَكرٍ مَرَّةً، ثُمَّ قَالَ لِي: عُدَّهَا، فَعَدَدتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمسُ مِائَةٍ، فَقَالَ: خُذ مِثلَيهَا.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، والبخاريُّ (٢٥٩٨)، ومسلم (٢٣١٤)(٦٠).
* * *
ــ
وهكذا وقال بيديه جميعًا، هذا يدلّ على سخاوة نفس النبي ﷺ بالمال، وأنه ما كان لنفسه به تعلق، فإنَّه كان لا يعدُّه بعدد، ولا يقدره بمقدار، لا عند أخذه، ولا عند بذله. وهذا منه ﷺ كان وعدًا لجابر ﵁، وكان المعلوم من خلقه الوفاء بالوعد، ولذلك نفذه له أبو بكر ﵁ بعد موت النبي ﷺ . وهكذا كان خلق أبي بكر، وخلق الخلفاء الأربعة ﵃، ألا ترى أبا بكر كيف نفذ عدة رسول الله ﷺ لجابر بقول جابر، ثم إنه دفعها له على نحو ما قال من غير تقدير؟ ! وأخبارهم في ذلك معروفة، وأحوالهم موصوفة، وكفى بذلك ما سار مسير المثل (١) الذي لم يزل يجري على قول علي ﵁: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري.
* * *
стр. 3397
(١٣) باب في رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال والرقيق
[٢٢٢٨] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَدِمَ نَاسٌ مِن الأَعرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبيَانَكُم؟ فَقَالُوا: نَعَم، قَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَأَملِكُ أن كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنكُم الرَّحمَةَ؟ ! .
وفي رواية: من قلبك.
رواه البخاريُّ (٥٩٩٨)، ومسلم (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٦٦٥).
ــ
(١٣) ومن باب: رحمة رسول الله ﷺ للصبيان والعيال
قوله: وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام، وهي مرادة، تقديره: أو أملك؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها، وهو الأحسن، لقلة حذف همزة الاستفهام. وأن مفتوحة، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، تقديرها: أو أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك؟ ! وقد أبعد من كسرها، ولم تصح رواية الكسر. ومعنى الكلام: نفي قدرته ﷺ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة. والرحمة في حقِّنا: هي رقَّة وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى، أو ضعيف، أو صغير، يحمله على الإحسان إليه، واللطف به، والرفق، والسعي في كشف ما به. وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها، وأولادها، فتحنو عليها، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها. وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه، وتتم مصلحته، وذلك تدبير اللطيف الخبير. وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في
стр. 3398
[٢٢٢٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ أَبصَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُ الحَسَنَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَشرَةً مِن الوَلَدِ مَا قَبَّلتُ وَاحِدًا مِنهُم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهُ مَن لَا يَرحَم لَا يُرحَم.
رواه البخاريُّ (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨)، وأبو داود (٥٢١٨)، والترمذيُّ (١٩١١).
ــ
هذه الدار، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها، وشدائدها حتى يخلصَهم منها، ويدخلهم في جنته، وكرامته. ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف الحق بها نفسه هي رقَّة وحُنُو، كما هي في حقِّنا، لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث، والله تعالى منزه ومقدَّس عن ذلك، وعن نقيضه الذي هو القسوة، والغلظ، وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة، وفائدتها، وفي اللطف بالمبتلى، والضعيف، والإحسان إليه، وكشف ما هو فيه من البلاء، فإذا هي في حقه من صفات الفعل لا من صفات الذات، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطن. وإذا تقرر هذا، فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق، وكشف ضر المبتلى، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل، ومن سلب الله ذلك المعنى منه، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ، ولم يلطف بضعيف، ولا أشفق على مبتلى، فقد أشقاه في الحال، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل، نعوذ بالله من ذلك، ولذلك قال النبي ﷺ : الراحمون يرحمهم الرحمن (١). وقال: لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء (٢). وقال: لا تنزع
стр. 3399
[٢٢٣٠] وعَن أَنَس قَالَ: مَا رَأَيتُ أَحَدًا كَانَ أَرحَمَ بِالعِيَالِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ إِبرَاهِيمُ مُستَرضِعًا لَهُ فِي عَوَالِي المَدِينَةِ، فَكَانَ يَنطَلِقُ وَنَحنُ مَعَهُ فَيَدخُلُ البَيتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ،
ــ
الرحمة إلا من شقي (١)، وقال: من لا يَرحم لا يُرحم (٢).
وفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة، والشفقة، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة. وهذه القبلة هي على الفم، ويكره مثل ذلك في الكبار، إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول، ولا يدل على شفقة. فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم. وأما تقبيل اليد فكرهه مالك، ورآه من باب الكبر، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى في الرِّجل، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس، مستدلًا بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ﷺ ورجليه حين سألوه عن مسائل، فأخبرهم بها (٣)، ولا حجة في ذلك، لأنَّ النبي ﷺ قد نزهه الله عن الكبر، وأمن ذلك عليه، وليس كذلك غيره، ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه، واعتقادهم صدقه، فأقرَّهم على ذلك ليتبين للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد. ولو فهمت الصحابة ﵃ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك، فيفعلون ذلك به دائمًا وفي كل وقت، كما كانوا يتبركون ببزاقه، ونخامته (٤)، ويدلكون بذلك وجوههم، ويتطيبون بعرقه، ويقتتلون على وضوئه، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدًا ولا رجلًا، فصحَّ ما قلناه، والله ولي التوفيق.
стр. 3400
وَكَانَ ظِئرُهُ قَينًا فَيَأخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرجِعُ.
قَالَ عَمرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ إِبرَاهِيمَ ابنِي مَاتَ فِي الثَّديِ،
ــ
و(قوله: وكان ظئره قينا) الظئر: أصله اسم للمرضعة. ثم قد يقال على زوجها صاحب اللَّبن ذلك. قال الخليل: ويقال للمذكر والمؤنث. وقال أبو حاتم: الظُئر من الناس والإبل: إذا عَطَفَت على ولد غيرها، والجمع: ظُؤَار. وقال ابن السكيت: لم يأت فُعال بضم الفاء جمعًا إلا تُؤام جمع تَوأَم، وظؤار جمع ظئر، وعراق جمع عرق، ورُخال جمع رِخل (١)، وفُرارٌ جمع فَرِير: وهو ولد الظبية. وغنمٌ رُبابٌ: جمع شاة رُبَّاء. قال ابن ولاد: وهي حديثة عهد بنتاج. وقال ابن الأنباري: تجمع الظئر: ظُؤَارًا، أظؤرًا، ولا يقال: ظؤرة. وحكى أبو زيد في جمعه: ظؤرة. قال الهروي: ولا يجمع على فُعلةٍ إلا أربعة أحرف: ظِئرٌ، وظُؤرة، وصاحبٌ، وصحبة، وفارِهٌ وفُرهةٌ، ورائق وروقة. وفي الصحاح: الظئر - مهموز - والجمع ظُؤار على فعال بالضم. وظؤور وأظآر.
والقين: الحداد. والقَين: العبد. والقينة: الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية. وقد غلط من ظنها: المغنية فقط. والجمع: القيان. قال زهير:
ردَّ القِيانُ جِمال الحيِّ فاحتَمَلُوا ... إلى الظَّهِيرة أَمر بينهم لَبِكُ
قلت: وأصل هذه اللفظة من: اقتان النبت اقتنانًا، أي: حَسُنَ، واقتانت الروضة: أخذت زخرفها، ومنه قيل للماشطة: قينة، ومُقيِّنَة، لأنَّها تزيِّن النساءَ، شُبهت بالأمة، لأنَّها تُصلح البيت وتزينه.
و(قوله: إن إبراهيم ابني قد مات في الثدي) أي: في حال رضاعه، أي:
стр. 3401
وَإِنَّ لَهُ لَظِئرَينِ يكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الجَنَّةِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٢)، ومسلم (٢٣١٦).
[٢٢٣١] وعن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن لَا يَرحَم النَّاسَ لَا يَرحَمهُ اللَّهُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٦٢)، والبخاريّ (٦٠١٣)، ومسلم (٢٣١٩).
[٢٢٣٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ المَدِينَةِ بِآنِيَتِهِم فِيهَا المَاءُ، فَمَا يُؤتَى بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا فَرُبَّمَا جَاؤوهُ فِي الغَدَاةِ البَارِدَةِ فَيَغمِسُ يَدَهُ فِيهَا.
رواه مسلم (٢٣٢٤).
ــ
لم يكمل مدَّة رضاعه. قيل: إنه مات وهو ابن ستة عشر شهرًا، وهذا القول: أخرجه فَرط الشفقة والرحمة والحزن.
و(قوله: إن له لظئرين يُكملان رضاعه في الجنة) هذا يدلُّ على أن حكمه حكم الشهيد، فإنَّ الله تعالى قد أجرى عليه رزقه بعد موته، كما قد أجرى ذلك على الشهيد (١)، حيث قال: ﴿بَل أَحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقُونَ﴾ وعلى هذا: فمن مات من صغار المسلمين بوجه من تلك الوجوه السبعة التي ذكرنا أنها أسباب الشهادة كان شهيدًا، ويلحق بالشهداء الكبار بفضل الله ورحمته إياهم، وإن لم يبلغوا أسنانهم، ولم يُكلَّفوا تكليفهم، قتل من الصغار في الحرب كان حكمه: حكم الكبير فلا يغسَّل، ولا يصلَّى عليه، ويدفن بثيابه كما يفعل بالكبير. وموافقة النبي ﷺ لمن يطلب منه غمس يده في الماء، وللجارية التي كلَّمته: دليل
стр. 3402
[٢٢٣٣] وعنه قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَادٍ حَسَنُ الصَّوتِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رُوَيدك يَا أَنجَشَةُ لَا تَكسِر القَوَارِيرَ، يَعنِي ضَعَفَةَ النِّسَاءِ.
رواه البخاريُّ (٦٢١١)، ومسلم (٢٢٢٣)(٧٣).
[٢٢٣٤] وعَنه أَنَّ امرَأَةً كَانَ فِي عَقلِهَا شَيءٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ انظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئتِ حَتَّى أَقضِيَ حَاجَتَكِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعضِ الطُّرُقِ، حَتَّى فَرَغَت مِن حَاجَتِهَا.
رواه أحمد (٣/ ٩٨)، والبخاريُّ (٦٠٧٢)، ومسلم (٢٣٢٦)، وأبو داود (٤٨١٩)، والترمذيُّ (٣٢٤) في الشمائل، وابن ماجه (٤١٧٧).
* * *
ــ
على كمال حسن خلقه وتواضعه، وإسعاف منه لمن طلب منه ما يجوز طلبه، وإن شق ذلك عليه، ويحصل لهم أجرٌ على نيَّاتهم، وبركة في أطعماتهم، وقضاء حاجاتهم، وقد كانت الأَمَة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت من المدينة، وهذا كمالٌ لا يعرفه إلا الذي خصَّه به.
و(قوله لأنجشة: رويدك) أي: رفقك، وهو منصوب نصب المصدر، أي: ارفق رفقَكَ.
وقوله في الأم (١): ويحك يا أنجشة! رويدًا سوقَكَ بالقوارير) ويحَ، قال سيبويه: ويحك: زجر لمن أشرف على الهلاك. وويل: لمن وقع فيه. وقال الفراء: ويح وويس بمعنى: ويل. وقال غيرهما: ويح: كلمة لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيرثى له ويرحم. وويل بضدِّه، وويس: تصغير.
стр. 3403
(١٤) باب في شدة حياء النبي ﷺ وكيفية ضحكه
[٢٢٣٥] عن أَبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِن العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيئًا عَرَفنَاهُ فِي وَجهِهِ.
رواه أحمد (٣/ ٧١)، والبخاريُّ (٣٥٦٢)، ومسلم (٢٣٢٠)(٦٧)، وابن ماجه (٤١٨٠).
ــ
قلت: وهي كلمات منصوبة بأفعال مقدَّرة لا يستعمل إظهارها. ويصح أن تكون رويدًا هنا: اسم فعل الأمر، أي: ارود، بمعنى: ارفق. وسوقك: مفعول به، أو بإسقاط حرف الجر، أي: في سوقك، وقد قال بعض الناس: إن القوارير يراد بها هنا الإبل، أمره بالرفق بها لئلا يعنف عليها في السير بطيب صوته فيهلكها، وتفسير الراوي أولى من تفسير هذا المتأخر، وقد تقدَّم أن الصحابي قال: يعني به ضعفة النساء، وشبَّهَهُنَّ بالقوارير لسرعة تأثرهنَّ، ولعدم تجلدهن، فخاف عليهن من حث السير وسرعته سقوط بعضهن، أو تألمهن بكثرة الحركة، والاضطراب الذي يكون عن السرعة والاستعجال. وقيل: إنه خاف عليهن الفتنة، وحسن الحدو وطيبه، كما قد قال سليمان بن عبد الملك: يا بني أمية! إياكم والغناء، فإنَّه رُقية الزنى، فإنَّ كنتم ولا بدَّ فاعليه فجنبوه النساء.
(١٤) ومن باب شدَّة حياء رسول الله ﷺ وحُسن خُلُقه
الحياء - ممدود -: انقباض يجده الإنسان من نفسه يحمله على الامتناع من ملابسة ما يعاب عليه، ويُستقبح منه، ونقيضه الصَّلَبُ: وهو التَّصَلُّبُ في الأمور، وعدم المبالاة بما يستقبح ويعاب عليه منها، وكلاهما جبلي ومكتسب، غير أن الناس منقسمون في القدر الحاصل منهما، فمن الناس من جبل على الكثير من
стр. 3404
[٢٢٣٦] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو قال: لَم يَكُن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاحِشًا
ــ
الحياء، ومنهم من جبل على القليل منه، ثم إن أهل الكثير من النوعين على مراتب، وكذلك أهل القليل، فقد يكبر أحد النوعين حتى يصير نقيضه كالمعدوم. ثم هذا الجبلِّي سبب في تحصيل المكتسب، وقد كان النبي ﷺ قد جبل من الحياء على الحظ الأوفر، والنصيب الأكثر، ولذلك قيل فيه: إنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، ثم إنه كان يأخذ نفسه بالحياء ويستعمله، ويأمر به، ويحضُّ عليه، فيقول: الحياء من الإيمان (١). والحياء لا يأتي إلا بخير (٢). والحياء خير كله (٣). ويقول لأصحابه: استحيوا من الله حق الحياء (٤). وكان يُعرف الحياء في وجهه لما يظهر عليه من الخفر والخجل. وكان إذا أراد أن يَعتِب رجلًا معينًا أعرض عنه، ويقول: ما بال رجال يفعلون كذا (٥)، ومع هذا كله فكان لا يمنعه الحياء من حقٍّ يقوله، أو أمر ديني يفعله، تمسُّكًا بقول الحق: ﴿وَاللَّهُ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ﴾ وهذا هو نهاية الحياء، وكماله، وحسنه، واعتداله، فإنَّ من يفرط عليه الحياء حتى يمنعه من الحق فقد ترك الحياء من الخالق، واستحيا من الخلق (٦)، ومن كان هكذا فقد حرم نافع الحياء، واتصف بالنفاق والرياء، والحياء من الله هو الأصل والأساس، فإنَّ الله تعالى أحق أن يستحيا منه من الناس.
والعذراء: البكر التي لم تنتزع عذرتها. والخدر: أصله الهودج، وهو هنا: كناية عن بيتها الذي هي ملازمة له إلى أن تخرج منه إلى
стр. 3405
وَلَا مُتَفَحِّشًا. وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِن خِيَارِكُم أَحَاسِنَكُم أَخلَاقًا.
رواه أحمد (٢/ ١٦١)، والبخاريُّ (٣٥٥٩)، ومسلم (٢٣٢١)(٦٨)، والترمذيُّ (١٩٧٥).
ــ
بيت زوجها.
والفاحش: هو المجبول على الفحش، وهو: الجفاء في الأقوال والأفعال. والمتفحش: هو المتعاطي لذلك، والمستعمل له. وقد برأ الله تعالى نبيَّه ﷺ عن جميع ذلك ونزَّهه، فإنَّه كان رحيمًا، رفيقًا، لطيفًا، سمحا (١)، متواضعًا، طَلِقًا، برًّا، وصولًا، محبوبًا، لا تقتحمه عين، ولا تمُّجه نفسٌ، ولا يصدر عنه شيء يكره ﷺ وشرَّف، وكرَّم.
و(قوله: إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا) هو جمع أحسن على وزن أفعل التي للتفضيل، وهي إن قرنت بـ من كانت للمذكر، والمؤنث، والاثنين، والجمع، بلفظ واحد. وإن لم تقترن بـ من وعرفتها بالألف واللام ذكرت، وأنثت وثنيت، وجمعت. وإذا أضيفت: ساغ فيها الأمران، كما جاء هنا: أحاسنكم وكما قال تعالى: ﴿أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا﴾ وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ وقد روي هذا الحديث: أحسنكم موحَّدًا.
والأخلاق: جمع خُلُق، وهي عبارة عن أوصاف الإنسان التي بها يعامل غيره، ويخالطه، وهي منقسمة: إلى محمود ومذموم. فالمحمود منها: صفات الأنبياء، والأولياء، والفضلاء، كالصبر عند المكاره، والحلم عند الجفاء، وتحمل الأذى، والإحسان للنَّاس، والتودُّد لهم، والمسارعة في حوائجهم، والرحمة، والشفقة، واللطف في المجادلة، والتثبت في الأمور، ومجانبة المفاسد والشرور.
стр. 3406
[٢٢٣٧] وعَن سِمَاكِ بنِ حَربٍ قَالَ: قُلتُ لِجَابِرِ بنِ سَمُرَةَ: أَكُنتَ تُجَالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَم كَثِيرًا، كَانَ لَا يَقُومُ مِن مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبحَ حَتَّى تَطلُعَ الشَّمسُ، فَإِذَا طَلَعَت قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ فِي أَمرِ الجَاهِلِيَّةِ فَيَضحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ ﷺ .
رواه مسلم (٢٣٢٢)(٦٩).
* * *
ــ
وعلى الجملة: فاعتدالها أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف منها، ولا تنتصف لها، فتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك. والمذموم منها: نقيض ذلك كله.
وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم بزيادة حسنة، فقال: خياركم أحاسنكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون (١). فهذه الخلق، وهؤلاء المتخلقون.
وقد قدَّمنا في غير موضع: أن أصل الخلق جبلَّة في نوع الإنسان، غير أن الناس في ذلك متفاوتون، فمن الناس من يغلب عليه بعضها ويقف عن بعضها، وهذا هو المأمور بالرِّياضة والمجاهدة حتى يقوى ضعيفها، ويعتدل شاذُّها، كما هو مفصل في كتب الرياضات.
وقد تقدَّم الكلام على كونه ﷺ كان يجلس في مصلَاّه حتى تطلع الشمس.
* * *
стр. 3407
(١٥) باب بعد النبي ﷺ من الإثم، وقيامه لمحارم الله ، وصيانته عما كانت عليه الجاهلية من صغره
[٢٢٣٨] عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ، عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَت: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَمرَينِ إِلَّا أَخَذَ أَيسَرَهُمَا مَا لَم يَكُن إِثمًا، فَإِن كَانَ إِثمًا كَانَ أَبعَدَ النَّاسِ مِنهُ، وَمَا انتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفسِهِ إِلَّا أَن تُنتَهَكَ حُرمَةُ اللَّهِ.
ــ
[(١٥) ومن باب: بُعد النبي ﷺ من الإثم وقيامه لمحارم الله ] (١)
(قول عائشة: ما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما) تعني: أنه كان ﷺ إذا خيَّره أحد في شيئين يجوز له فعل كل واحد منهما، أو عرضت عليه مصلحتان، مال للأيسر (٢) منهما، وترك الأثقل، أخذًا بالسُّهولة لنفسه، وتعليمًا لأمَّته. فإذا كان في أحد الشيئين إثم تركه، وأخذ الآخر، وإن كان الأثقل.
وكونه ﷺ سقط إلى الأرض لما جعل إزاره على عنقه، يدلّ: على أن الله تعالى حفظه من صغره، وتولى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كره له أحوال الجاهلية، وحماه عنها، حتى لم يجر عليه شيء منها. كل ذلك لطفٌ به، وعطفٌ عليه، وجمع للمحاسن لديه.
و(قولها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى) يعني: أنه كان يصبر على جهل من جهل عليه، ويحتمل جفاه، ويصفح عمَّن أذاه في خاصة نفسه، كصفحه عمَّن قال: يا محمد! اعدل، فإنَّ هذه قسمة ما أريد بها وجه
стр. 3408
رواه أحمد (٦/ ١٦٢)، والبخاريّ (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧)(٧٧)، وأبو داود (٤٧٨٥).
[٢٢٣٩] وعنها قَالَت: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَن يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
رواه أحمد (٦/ ٢٢٩)، ومسلم (٢٣٢٨)(٧٩)، وأبو داود (٤٧٨٦).
ــ
الله تعالى، وما عدلت منذ اليوم! وكصفحه عن الذي جبذ رداءه عليه حتى شقَّه، وأثر في عنقه. فإنَّ قيل: فأذاه انتهاك حرمة من حرم الله، فكيف يترك الانتقام لله تعالى فيها؟ وكيف وقد قال الله تعالى: ﴿يُؤذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فالجواب: أنه ﷺ ترك الانتقام مِمَّن آذاه استئلافًا وتركًا لما ينفِّر عن الدخول في دينه، كما قال ﷺ : لئلا يتحدث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه (١). وقد قال مالك: كان رسول الله ﷺ يعفو عمَّن شتمه، مشيرًا إلى ما ذكرنا. وإذا تقرر هذا فمراد عائشة ﵂ بقولها: إلا أن تنتهك حرمة الله: الحرمة التي لا ترجع لحق النبي ﷺ ، كحرمة الله، وحرمة محارمه، فإنَّه كان يقيم حدود الله على من انتهك شيئًا منها، ولا يعفو عنها، كما قال في حديث السَّارقة: لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها (٢)، لكن ينبغي أن يفهم: أن صفحه عمَّن آذاه كان مخصوصًا به وبزمانه لما ذكرناه، وأما بعد ذلك فلا يُعفى عنه بوجه.
قال القاضي عياض ﵀: أجمع العلماء على أن من سبَّ النبي ﷺ كفر. واختلفوا، هل حكمه حكم المرتد يُستتاب؟ أو حكم الزنديق لا يُستتاب؟ وهل قتله للكفر أو للحدِّ؟ فجمهورهم: على أن حكمه حكم الزنديق، لا تقبل
стр. 3409
[٢٢٤٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَنقُلُ مَعَهُم الحِجَارَةَ إلى الكَعبَةِ وَعَلَيهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ العَبَّاسُ: يَا ابنَ أَخِي، لَو حَلَلتَ إِزَارَكَ فَجَعَلتَهُ عَلَى مَنكِبِكَ دُونَ الحِجَارَةِ! فَجَعَلَهُ عَلَى مَنكِبِهِ فَسَقَطَ مَغشِيًّا عَلَيهِ. قَالَ: قال: فَمَا رُئِيَ بَعدَ ذَلِكَ اليَومِ عُريَانًا.
رواه أحمد (٣/ ٣١٠)، والبخاريُّ (٣٦٤)، ومسلم (٣٤٠)(٧٧).
* * *
ــ
توبته. وهو مشهور مذهب مالك، وقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق. ورأوا: أن قتله للحدِّ، ولا ترفعه التوبة، لكن تنفعه عند الله تعالى، ولا يسقط حد القتل عنه. وقال أبو حنيفة والثوري: هي كفر وردَّة، وتقبل توبته إذا تاب. وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك.
واختلفوا في الذمِّي إذا سبَّه بغير الوجه الذي به كَفَر، فعامَّة العلماء: على أنه يقتل لحق النبي ﷺ . وأبو حنيفة، والثوري، والكوفيون لا يرون قتله. قالوا: ما هو عليه من الكفر أشد.
واختلف أهل المدينة وأصحاب مالك في قتله إذا سبه بالوجه الذي به كَفَرَ، من تكذيبه، وجَحد نبوَّته، والأصح الأشهر قتله. واختلفوا في الكافر بعد سبِّه، هل يسقط ذلك القتل عنه أم لا؟ والأشهر عندنا: سقوطه، لأنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله. وحكى أبو محمد بن نصر في درء القتل (١) عنه روايتين.
ويستفاد من حديث عائشة ﵂ ترغيب الحكام، وولاة الأمور في الصفح عمن جهل عليهم، وجفاهم، والصبر على أذاهم، كما كان النبي ﷺ يفعل، وأن الحاكم لا يحكم لنفسه. وقد أجمع العلماء: على أن القاضي لا يحكم لنفسه، ولا لمن لا تجوز شهادته له، على ما حكاه عياض ﵀.
стр. 3410
(١٦) باب طيب رائحة النبي ﷺ وعرقه ولين مسه
[٢٢٤١] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهلِهِ، وَخَرَجتُ مَعَهُ فَاستَقبَلَهُ وِلدَانٌ، فَجَعَلَ يَمسَحُ خَدَّي أَحَدِهِم وَاحِدًا وَاحِدًا، قَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدِّي قَالَ: فَوَجَدتُ لِيَدِهِ بَردًا - أَو رِيحًا - كَأَنَّمَا أَخرَجَهَا مِن جُؤنَةِ عَطَّارٍ.
رواه مسلم (٢٣٢٩)(٨٠).
ــ
(١٦ و ١٧ و ١٨ و ١٩ و ٢٠ و ٢١) ومن باب: طيب رائحة رسول الله ﷺ
وحسن شعره وشيبه، وحسن خَلقِه (١)
قول جابر ﵁: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى هذا من باب إضافة الاسم إلى صفته، كما قالوا: مسجد الجامع. وقد تقدم القول فيه، يعني بالصلاة الأولى: صلاة الظهر، فإنَّها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ . ويحتمل أن يريد بها صلاة الصبح، لأنَّها أول صلاة النهار.
و(قوله: فوجدت ليده بردًا أو ريحًا) هذه أو الأَولَى أن تكون بمعنى الواو لا للشك، لأنَّها لو كانت شكًّا، فإذًا قدرنا إسقاط أو ريحًا لم يستقم تشبيه برودة يده بإخراجها من جُؤنة عطار، فإنَّ ذلك إنما هو تشبيه للرائحة، فإذا حملت أو على معنى الواو الجامعة استقام التشبيه للرائحة، والإخبار عن وجدان برودة اليد التي تكون عن صحة العضو، ويحتمل أن يريد بالبرودة برودة الطيب، فإنَّهم يصفونه
стр. 3411
[٢٢٤٢] وعن أَنَس قال: مَا شَمَمتُ عَنبَرًا قَطُّ وَلَا مِسكًا، وَلَا شَيئًا أَطيَبَ مِن رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا مَسِستُ شَيئًا قَطُّ دِيبَاجًا وَلَا حَرِيرًا أَليَنَ مَسًّا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَزهَرَ اللَّونِ كَأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤلُؤُ، إِذَا مَشَى مشى تَكَفّؤا، وذكر نحوه.
ــ
بالبرودة، كما قال الشاعر (١):
وتَبرُدُ بَردَ رِداءِ العَرُو ... سِ في الصَّيفِ رَقرَقت فيه العَبِيرا
والجؤنة: بضم الجيم، وفتح النون: هي سفط يُحمل فيه العطار متاعه، قاله الحربي، وهو مهموز وقد يسهل، وقال صاحب العين: هو سُليلةٌ مستديرة مُغشَّاة أُدمًا.
و(قوله: ما شممت عنبرًا، ولا مسكًا، ولا شيئًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ ) هذا يدلّ على أنه كان طيِّب الريح وإن لم يتطيب، ثم إنه كان يستعمل الطيب، ويعجبه رائحته، لأنَّه كان يناجي الملائكة، ولأنه مُستلذٌ لحس الشمِّ كالحلاوة لحسِّ الذوق، ولأنه مقوٍّ للدماغ، ومحرِّك لشهوة الجماع، ولأنه مما يرضي الله تعالى إذا قصد به القربة، والتهيؤ للصلاة.
و(قوله: كان أزهر اللون) يعني: أبيض اللون في صفاء، كما قال في الرواية الأخرى: ليس بالأبيض الأمهق، أي: المتألق البياض الذي صفته تشبه بياض الثلج والجصِّ.
و(قوله: إذا مشى مشى تكفؤًا) مهموزًا. قال شمر: أي: مال يمينًا وشمالًا. قال الأزهري: هذا خطأ، وهذه صفة المختال. ولم تكن صفته ﷺ ، وإنما معناه: أن
стр. 3412
رواه أحمد (٣/ ١٠٣)، والبخاريُّ (٦٢٨١)، ومسلم (٢٣٣٠) (٨١ و ٨٢)، والنسائي (٨/ ٢١٨).
[٢٢٤٣] وعنه قال: دَخَلَ عَلَينَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ عِندَنَا فَعَرِقَ، وَجَاءَت أُمِّي بِقَارُورَةٍ فَجَعَلَت تَسلِتُ العَرَقَ فِيهَا، فَاستَيقَظَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ مَا هَذَا الَّذِي تَصنَعِينَ؟ قَالَت: هَذَا عَرَقُكَ نَجعَلُهُ فِي طِيبِنَا وَهُوَ مِن أَطيَبِ الطِّيبِ.
وفي رواية: أنه ﵊ كَانَ يَأتِيهَا فَيَقِيلُ عِندَهَا، فَتَبسُطُ لَهُ نِطعًا فَيَقِيلُ عَلَيهِ، وَكَانَ كَثِيرَ العَرَقِ فَكَانَت تَجمَعُ عَرَقَهُ فَتَجعَلُهُ فِي الطِّيبِ وَالقَوَارِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا أُمَّ سُلَيمٍ مَا هَذَا؟ قَالَت: عَرَقُكَ أَدُوفُ بِهِ طِيبِي.
ــ
يميل إلى سمته، ويقصد في مشيته، كما قال في الرواية الأخرى: كأنما ينحط من صبب.
قلت: ويبيِّنه ما قد جاء في رواية ثالثةٍ: يمشي تقلعًا.
و(قولها: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال عندنا) أي: نام عندهم في القائلة، وفيه دليلٌ على الرجل على ذوات محارمه في القائلة، وتبسُّطه معهنَّ، ونومه على فراشهنَّ، وكانت أمُّ سليم ذات محرم له من الرَّضاعة. قاله القاضي عياض.
و(قولها: فجعلت أسلتُ (١) العرق فيها) أي: تجمعه في القارورة، كما قد جاء في الرواية الأخرى.
وقولها: أدوف به طيبي - بالدال المهملة - ثلاثيًّا أي: أخلطه، وهكذا صحيح الرواية فيه، وهو المشهور عند أهل اللغة، وحكي فيه: الذال المعجمة، ثلاثيًّا ورباعيًّا، وقد استوفيناه في كتاب الإيمان.
стр. 3413
وفي أخرى: نرجو بركته لصبياننا. قال: أصبت.
رواه أحمد (٣/ ١٣٦)، ومسلم (٢٣٣١) (٨٣ و ٨٤) و (٢٣٣٢)(٥).
[٢٢٤٤] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: إِن كَانَ لَيُنزَلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الغَدَاةِ البَارِدَةِ، ثُمَّ تَفِيضُ جَبهَتُهُ عَرَقًا.
رواه أحمد (٦/ ٥٨)، ومسلم (٢٣٣٣)(٨٦).
* * *
(١٧) باب في شعر رسول الله ﷺ وكيفيته
[٢٢٤٥] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهلُ الكِتَابِ يَسدِلُونَ أَشعَارَهُم، وَكَانَ المُشرِكُونَ يَفرُقُونَ رُؤوسَهُم،
ــ
و(قوله: كان أهل الكتاب يَسدلون أشعارهم، وكان المشركون يَفرُقُون رؤوسهم) قال القاضي: سدل الشعر: إرساله، والمراد به هنا عند العلماء: إرساله على الجبين واتخاذه كالقَصَّة. يقال: سدل شعره وثوبه: إذا أرسله، ولم يضم جوانبه. والفرق: تفريق الشعر بعضه عن بعض. والفرق: تفريقك بين كل شيئين. قال الحربي: والمفرق: موضع الفرق، والفرق في الشعر سُنَّة، لأنَّه الذي رجع إليه النبي ﷺ . والظاهر أنه بوحي، لقول أنس: أنه كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، فسدل، ثم فرق بَعدُ، فظاهره: أنه لأمر من الله تعالى، حتى جعله بعضهم نسخًا، وعلى هذا لا يجوز السَّدل، ولا اتِّخاذ الناصية والجُمَّة. وقد روي: أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره.
стр. 3414
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهلِ الكِتَابِ فِيمَا لَم يُؤمَر بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاصِيَتَهُ، ثُمَّ فَرَقَ بَعدُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٨٧)، والبخاري (٣٥٥٨)، ومسلم (٢٣٣٦)(٩٠)، وأبو داود (٤١٨٨)، وابن ماجه (٣٦٣٢).
ــ
قلت: وفيما قاله القاضي ﵀ وحكاه نظر. بل: الظاهر من مساق الحديث أن السَّدل إنما كان يفعله لأجل محبته استئلاف أهل الكتاب بموافقتهم، لكنه كان يوافقهم فيما لم يشرع له فيه، فلما استمروا على عنادهم، ولم ينتفعوا بالموافقة، أحبَّ مخالفتهم أيضًا فيما لم يشرع له، فصارت مخالفتهم محبوبة له لا واجبة عليه كما كانت موافقتهم.
و(قوله: فيما لم يؤمر) يعني: فيما لم يطلب منه، والطلب يشمل الواجب والمندوب كما قررناه في الأصول. وأما توهُّم النسخ في هذا، فلا يلتفت إليه لإمكان الجمع، كما قررناه، وهذا بعد تسليم أن محبة موافقتهم ومخالفتهم حكم شرعي، فإنَّه يحتمل أن يكون ذلك أمرًا مصلحيًّا، هذا مع أنه لو كان السَّدل منسوخًا بوجوب الفرق لصار الصحابة ﵃ إليه، أو بعضهم، وغاية ما روي عنهم: أنه كان منهم من فرق، ومنهم من سدل، فلم يعب السَّادل على الفارق، ولا الفارق على السَّادل، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه كان له لِمَّةٌ، فإنَّ انفرقت فرقها، وإلا تركها (١). وهذا يدلُّ على أن هذا كان غالب حاله، لأنَّ ذلك ذكره مع جملة أوصافه الدائمة، وحِليته التي كان موصوفًا معروفًا بها، فالصحيح: أن الفرق مستحبٌّ لا واجب، وهذا الذي اختاره مالك. وهو قول جل أهل العلم (٢). والله أعلم.
و(قوله: كان يحبُّ موافقة أهل الكتاب) قد قلنا: إن ذلك كان في أوَّل أمره
стр. 3415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عند قدومه على المدينة في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم، وإن ذلك كله كانت حكمته التأنيس لأهل الكتاب حتى يصغوا إلى ما جاء به، فيتبين لهم أنه الحق، والاستئلاف لهم ليدخلوا في الدين، فلما غلبت عليهم الشقوة، ولم ينفع معهم ذلك نسخ الله تعالى استقباله قبلتهم بالتوجه نحو الكعبة، وأمر النبي ﷺ بمخالفتهم في غير شيء، كقوله: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم (١). وذكر أبو عمر في التمهيد عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : اخضبوا وفرقوا، خالفوا اليهود (٢). قال: إسناده حسن، ورجاله كلهم ثقات، وكقوله في الحائض: اصنعوا كل شيء إلا النكاح (٣). حتى قالت اليهود: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فاستقر آخر أمره ﷺ على مخالفتهم فيما لم يحكم عليه فيه بحكم، فإذا ثبت هذا فلا حجَّة في قول عائشة ﵂: كان ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب على أن شرعهم شرع لنا) (٤) فتأمَّل ذلك. واختلاف هذه الأحاديث في كيفية شعر رسول الله ﷺ إنما هو اختلاف أحوال، إذ قد فعل ذلك كله، فقد سدل، وفرق، وكان شعره لِمَّة، ووفرة، وجُمَّة.
وقد روى الترمذي من حديث أم هانئ ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ مكة وله أربع غدائر (٥). قال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 3416
[٢٢٤٦] وعَن البَرَاءِ بن عازب قَالَ: مَا رَأَيتُ مِن ذِي لِمَّةٍ فِي حُلَّةٍ حَمرَاءَ أَحسَنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، شَعرُهُ يَضرِبُ مَنكِبَيهِ، بَعِيدَ مَا بَينَ المَنكِبَينِ، لَيسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالقَصِيرِ.
رواه مسلم (٢٣٣٧)(٩٢)، وأبو داود (٤١٨٣)، والترمذيُّ (١٧٢٤)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٥٩٩).
[٢٢٤٧] وعن أنس قال: كَانَ شَعَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَعَرًا رَجِلًا، لَيسَ بِالجَعدِ، وَلَا السَّبطِ، بَينَ أُذُنَيهِ وَعَاتِقِهِ.
وفي أخرى: كان يَضرِبُ شَعرُهُ مَنكِبَيهِ.
وفي أخرى: كان شعره إلى أنصاف أذنيه.
رواه أحمد (٣/ ١١٨)، والبخاري (٥٩٠٣ - ٥٩٠٦)، ومسلم (٢٣٣٨) (٩٤ - ٩٦)، وأبو داود (٤١٨٥ - ٤١٨٦)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٦٣٤).
* * *
ــ
قلت: والغدائر: الضفائر. قال امرؤ القيس:
غدائره مُستَشزِراتٌ إلى العُلا ... تَضِلُّ المدارى (١) في مُثَنًّى ومُرسَلِ
و(قول البراء ﵁: ما رأيت من ذي لِمَّةٍ في حلة حمراء أحسن من رسول الله ﷺ . قال شمر: الجُمَّة أكثر من الوفرة، والجُمَّة إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة التي ألمت بالمنكبين، وقد تقدم القول في الحلة.
وفيه دليل على جواز لباس الأحمر، وقد أخطأ من كره لباسه
стр. 3417
(١٨) باب في شيب رسول الله ﷺ وخضابه
[٢٢٤٨] عَن مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ: أَخَضَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَم يَرَ مِن الشَّيبِ إِلَّا قَلِيلًا.
رواه البخاريُّ (٥٨٩٤)، ومسلم (٢٣٤١)(١٠٢).
[٢٢٤٩] وعن ثَابِتٌ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بنُ مَالِكٍ، أخضَب رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: لَو شِئتُ أَن أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأسِهِ فَعَلتُ، وَقَالَ: لَم يَختَضِب، وَقَد اختَضَبَ أَبُو بَكرٍ بِالحِنَّاءِ وَالكَتَمِ، وَاختَضَبَ عُمَرُ بِالحِنَّاءِ بَحتًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٢٧)، والبخاري (٥٨٩٥)، ومسلم (٢٣٤١)(١٠٣).
[٢٢٥٠] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: يُكرَهُ أَن يَنتِفَ الرَّجُلُ الشَّعرَةَ البَيضَاءَ مِن رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ قَالَ: وَلَم يَخضِب رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا كَانَ البَيَاضُ فِي عَنفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدغَينِ، وَفِي الرَّأسِ نَبذة.
رواه مسلم (٢٣٤١)(١٠٤).
ــ
مطلقًا، غير أنه قد يختص بلباسه في بعض الأوقات أهل الفسق والدعارة والمجون، فحينئذ يكره لباسه، لأنَّه إذ ذاك تشبه بهم، وقد قال ﷺ : من تشبَّه بقومٍ فهو منهم (١) لكن ليس هذا مخصوصًا بالحمرة، بل هو جار في كل الألوان والأحوال، حتى لو اختص أهل الظلم والفسق بشيء مما أصله سُنَّة كالخاتم
стр. 3418
[٢٢٥١] وعنه: أَنَّهُ سُئِلَ عَن شَيبِ رسول الله ﷺ ؟ قَالَ: مَا شَانَهُ اللَّهُ بِبَيضَاءَ.
رواه مسلم (٢٣٤١)(١٠٥).
[٢٢٥٢] وعَن أَبِي جُحَيفَةَ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ مِنهُ بَيضَاءَ - وَوَضَعَ زُهَيرٌ بَعضَ أَصَابِعِهِ عَلَى عَنفَقَتِهِ - قِيلَ لَهُ: مِثلُ مَن أَنتَ يَومَئِذٍ؟ قَالَ: أَبرِي النَّبلَ وَأَرِيشُه.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٨)، ومسلم (٢٣٤٢)(١٠٦).
* * *
(١٩) باب في حسن أوصاف النبي ﷺ
[٢٢٥٣] عن البَرَاءَ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَربُوعًا، بَعِيدَ مَا بَينَ المَنكِبَينِ، عَظِيمَ الجُمَّةِ إِلَى شَحمَةِ أُذُنَيهِ، عَلَيهِ حُلَّةٌ حَمرَاءُ مَا رَأَيتُ شَيئًا قَطُّ أَحسَنَ مِنهُ ﷺ .
وفي رواية: كان أَحسَنَ النَّاسِ وَجهًا، وَأَحسَنَهُ خَلقًا، لَيسَ بِالطَّوِيلِ الذَّاهِبِ وَلَا بِالقَصِيرِ.
ــ
والخضاب والفرق لكان ينبغي لأهل الدين ألا يتشبهوا بهم، مخافة الوقوع فيما كرهه الشرع من التشبه بأهل الفسق، ولأنه قد يظن به من لا يعرفه أنه منهم، فيعتقد ذلك فيه، وينسبه إليهم، فيظن به ظن السوء، فيأثم الظان بذلك والمظنون بسبب المعونة عليه.
و(قوله: كان أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا) الرواية بتوحيد ضمير
стр. 3419
روه أحمد (٤/ ٢٩٠)، والبخاريُّ (٣٥٥١)، ومسلم (٢٣٣٧)(٩١)، وأبو داود (٤٠٧٢)، والترمذيّ (٣٦٣٥)، والنسائي (٨/ ١٨٣)، وابن ماجه (٣٥٩٩).
[٢٢٥٤] وعَن أَبِي الطُّفَيلِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا عَلَى الأَرضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيرِي، قَالَ: فَقُلتُ: فَكَيفَ رَأَيتَهُ؟ قَالَ: كَانَ أَبيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا.
ــ
أحسنه، وبفتح الخاء وسكون اللام من خَلقًا، فأما توحيد الضمير، فقال أبو حاتم: العرب تقول: فلان أجمل الناس وأحسنه، يريدون: أحسنهم، ولا يتكلمون به. قال: والنحويون يذهبون به إلى أنه أحسن مَن ثمَّة. وأما خَلقًا: فأراد به: حُسن الجسم، بدليل قوله بعده: ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير. وأما في حديث أنس، فروايته: بضم الخاء واللام، لأنَّه يعني به حسن المعاشرة بدليل سياق ما بعده من الحديث.
و(قوله: كان أبيض مليحًا مُقَصَّدًا) أبيض: يعني في صفاء، كما جاء أنه كان أزهر، وكما قال: ليس بالأبيض الأمهق. والملاحة: أصلها في العينين كما تقدَّم. والمقصَّد: القصد في جسمه وطوله، يعني: أنه لم يكن ضئيل الجسم، ولا ضخمه، ولا طويلًا ذاهبًا، ولا قصيرًا مترددًا، كان وسطًا فيهما.
و(قوله: كان شعره رَجِلًا) أي: ليس بالجعد، ولا بالسَّبط. الرواية في رَجِلًا، بفتح الراء وكسر الجيم، وهي المشهورة. وقال الأصمعي: يقال: شعر رَجِل: بفتح الراء وكسر الجيم، ورَجَل: بفتح الجيم، ورَجل: بسكونها، ثلاث لغات، إذ كان بين السُّبوطة، والجعُودة، قال غيره: شعر مرجَّل، أي: مسرح. وكان شعره ﷺ بأصل خِلقته مُسَرَّحًا (١).
стр. 3420
قال مسلم: مات أبو الطفيل سنة مائة، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله ﷺ .
رواه أحمد (٥/ ٤٥٤)، ومسلم (٢٣٤٠) (٩٨ و ٩٩).
ــ
و(قول أنس ﵁ وقد سئل عن خضاب رسول الله ﷺ : لم ير من الشيب إلا قليلًا. وفي الرواية الأخرى: لو شئت أن أَعُدَّ شمطاتٍ كن في رأسه فعلت ظاهره: أنه لم يكن ﷺ يختضب، كما قد نصَّ عليه في بقية الحديث. وبهذا الظاهر أخذ مالك فقال: لم يختضب رسول الله ﷺ ، وإليه ذهب أبو عمر بن عبد البر، وذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه خضب، متمسِّكين في ذلك بما رواه أبو داود عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ فإذا هو ذو وفرة، وبها ردعٌ من حنَّاء، وعليه بُردان أخضران (١). وروى أبو داود أيضًا عن زيد بن أسلم: أن ابن عمر ﵄ كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تمتلئ ثيابه من الصفرة. فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها، ولم يكن شيء أحبَّ إليه منها، وقد كان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته (٢). ويعتضد هذا بأمره ﷺ بتغيير الشيب، كما قال: غيروا هذا الشيب واجتنبوا السواد (٣)، وقال: غيروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود (٤). وما كان ﷺ يأمر بشيء إلا كان أول آخذ به. ومما يعتضد به لذلك ما رواه البخاري عن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة، فأخرجت لي شعرات من شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا (٥). زاد ابن أبي شيبة:
стр. 3421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالحناء والكتم. والإسناد واحد (١). ومما يعتضد به هؤلاء خضاب الخليفتين ﵄، فلو علما أن النبي ﷺ لم يختضب لما اختضبا، فإنَّهما ما كانا باللذين يعدلان عن سنَّته، ولا عن اتباعه، والفصل لهؤلاء من أحاديث أنس، وما في معناها بأن الخضاب لم يكن منه ﷺ دائمًا، ولا في كل حال، وإنَّما كان في بعض الأوقات، فلم يلتفت أنس لهذه الأوقات القليلة، وأطلق القول، وأولى من هذا أن يقال: إنه ﷺ لما لم يكن شيبه كثيرًا، وإنَّما كان في لحيته وصدغيه نحو العشرين شعرة بيضًا، لم يكن الخضاب يظهر فيها غالبًا، والله تعالى أعلم.
وقد اعتذر أصحاب القول الأول عن حديث أبي رمثة وابن عمر بأن ذلك لم يكن خضابًا بالحناء، وإنما كان تغييرًا بالطيب، ولذلك قال ابن عمر ﵄: كان يصبغ بالصفرة، ولم يقل: بالحناء، وهذه الصفرة هي التي قال عنها أبو رمثة: ردع من حناء، لأنَّه شبهها بها، وأما حديث أم سلمة فيحتمل أن يكون ذلك فعل بشعر رسول الله ﷺ بعده بطيب أو غيره احترامًا وإكرامًا. والله أعلم.
والشَّمَطات: جمع شمطة، ويعني بها: الشعرات البيض المخالطة للشعر الأسود. قال الأصمعي: إذا رأى الرجل البياض، فهو أَشمَط. وقد شَمِطَ. والكَتَم - بالتحريك -: نبت يخلط بالوسمة، يختضب به. قاله في الصحاح. والبحت - بالموحدة والحاء المهملة -: هو الخالص من الشيء، المنفرد عن غيره. وقال أبو حنيفة اللغوي: الوسمة: الحظر، والعِظلِم، والثبلج، والتَّنومة، وكله يصبغ به. والحناء ممدودة. قال أبو علي: جمع حناءة. والكتم -مخفف التاء -: هو المعروف. وأبو عبيد يقولها بالتشديد. ونُبَذ: الرواية فيه بفتح النون وسكون الباء، أي: شيء قليل متبدد. وبعض النَّاس يقوله: نبذ - بضم النون وفتح الباء -: جمع نُبذة، كغرفة وغرف، وظلمة وظلم. وهذا لا يستقيم هنا، لأنَّه كان يلزم منه أن
стр. 3422
[٢٢٥٥] وعن جَابِرَ بنَ سَمُرَةَ قالُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَد شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ،
ــ
يكون سببه نبذًا مجتمعة في أنفسها، متفرقة في مواضع عديدة، ويلزم عليه أن يكون سببه كثيرًا، فيكون هذا مخالفا لما قاله أنس في الأحاديث الأخر.
وكراهته ﷺ الشيب إنَّما كان لأنه وقارٌ، كما قد روى مالك: أن أوَّل من رأى الشيب إبراهيم ﵇، فقال: يا رب! ما هذا؟ فقال: وقار. قال: يا رب زدني وقارًا (١) أو لأنه نورٌ يوم القيامة، كما روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنتفوا الشيب! ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة. وفي أخرى: إلا كتب الله له حسنة، وحط عنه خطيئة (٢).
و(قول أنس ﵁: ما شانه الله بِبَيضاء) أي: لم يكن شيبه كثيرًا بيِّنًا حتى تزول عنه بهجة الشباب، ورونقه، ويلحق بالشيوخ، الذين يكون الشيبُ لهم عيبًا، فإنَّه يدلّ على ضعفهم، ومفارقة قوة الشباب ونشاطه. ويحتمل أن يريد: أن ما ظهر عليه من الشيب اليسير زاده ذلك في عين الناظر إليه أبهة، وتوقيرًا، وتعظيمًا.
والشَّين: العيب. وأبري النِّبل: أنحته، وأَرِيشُه: أجعل فيها الريش، ويعني: أنَّه قد كان كبر، وقوي، وعرف. وهذا حال المراهق.
و(قوله: قد شَمِطَ مُقَدَّمُ رأسه ولحيته) أي: خالط الشيب ذينك الموضعين. ومقدم اللحية: يعني به: العنفقة، كما قال أبو جحيفة: رأيت هذه منه بيضاء. يعني: عنفقته. ومقدمه يعني به: الصِّدغين، كما قال أنس: إنما كان البياض في عنفقته وصدغيه. وهذا يدلّ: على أن قول أنس في الرواية الأخرى: إنه كان في
стр. 3423
وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَم يَتَبَيَّن، وَإِذَا شَعِثَ رَأسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعرِ اللِّحيَةِ.
فَقَالَ رَجُلٌ: وَجهُهُ مِثلُ السَّيفِ؟ قَالَ: لَا بَل كَانَ مِثلَ الشَّمسِ وَالقَمَرِ، وَكَانَ مُستَدِيرًا،
ــ
لحية رسول الله ﷺ ورأسه عشرون شعرة بيضاء، إنَّما كان ذلك منه تقديرًا على جهة التقريب والتقليل لا التحقيق.
و(قوله: وكان إذا ادَّهن لم تتبيَّن، وإذا شعث تبيَّن) يعني: أنه كان إذا تطيَّب بطيب يكون فيه دهن فيه صفرة خفي شيبه، وهذه هي الصفرة التي رأى عليه ابن عمر، وأبو رمثة. والله أعلم.
وشعث الرأس: انتفاش شعره لعدم تسريحه، وأراد به هنا: إذا لم يتطيَّب.
و(قوله: كان وجهه مثل السيف) يحتمل هذا التشبيه وجهين:
أحدهما: أن السيوف كانت عندهم مستحسنة محبوبة يتجمَّلون بها، ولا يفارقونها، فشبه وجه النبي ﷺ به، لأنَّه مستحسن محبوب يُتجمل به حين المجالسة، ولا يُستغنى عنه.
وثانيهما: أنه كان ﷺ أزهر، صافي البياض، يبرق وجهه، وقد روي: أنه كان يتلألأ وجهه في الجدر (١)، فشبَّه وجهه بالسيف في صفاء بياضه وبريقه. والله أعلم.
و(قوله: لا! بل: مثل الشمس والقمر) هذا نفيٌ لتشبيه وجهه بالسيف، لما في السيف من الطول، فقد يحتمل أن وجهه كان طويلًا، وإنَّما كان مستديرًا في تمام الخَلق، ولأنه تقصير في التشبيه، فأضرب عن ذلك، وذكر من التشبيه ما هو أوقع، وأبلغ، فقال: بل مثل الشمس والقمر، وهذا التشبيه: هو الغاية في
стр. 3424
وَرَأَيتُ الخَاتَمَ عِندَ كَتِفِهِ مِثلَ بَيضَةِ الحَمَامَةِ يُشبِهُ جَسَدَهُ.
رواه أحمد (٥/ ٩٠ و ١٠٢)، ومسلم (٢٣٤٤) (١٠٨ و ١٠٩)، والترمذيُّ في الشمائل (٣٨ و ٤٣)، والنسائي (٨/ ١٥٠).
ــ
الحسن، إذ ليس فيما نشاهده من هذه الوجوه أحسن، ولا أرفع، ولا أنفع منهما، وهما اللذان جرت عادة الشعراء والبلغاء بأن يشبهوا بهما ما يستحسنونه.
و(قوله: وكان كثير شعر اللحية) لا يفهم من هذا أنه كان طويلها، فإنَّه قد صحَّ أنه كان كثَّ اللحية، أي: كثير شعرها غير طويلة، وكان يخلل لحيته.
و(قوله: ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة) الألف واللام في الخاتم لتعريف العهد، أي: خاتم النبوة الذي من علاماته المعروفة له في الكتب السابقة، وفي صدور علماء الملل السالفة، ولذلك لما حصل عند سلمان الفارسي ﵁ العلم بصفاته، وأحواله، وعلاماته وموضع مبعثه، ودار هجرته، جدَّ في الطلب حتى ظفر بما طلب، ولما لقيه جعل يتأمل ظهره، فعلم النبي ﷺ أنه يريد أن يقف على ما يعرفه من خاتم النبوة، فنزع رداءه من على ظهره، فلما رأى سلمان الخاتم أكبَّ عليه يقبله، وهو يقول: أشهد أنك رسول الله.
وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ لما خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، ونزلوا بصومعة راهب كان هنالك، وقد سُمِّي في غير هذا الخبر بحيرًا فخرج إليهم ذلك الراهب، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، ولا يلتفت إليهم، فلما خرج جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر، ولا شجر إلا خرَّ ساجدًا له، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروفه مثل التفاحة. . .، وذكر الحديث بطوله، وقال في آخره: حديث حسن
стр. 3425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غريب (١). وعلى هذا، فخاتم النبوة معناه: علامةُ نبوَّةِ نبينا محمد ﷺ ، وقد اختلفت ألفاظ النقلة في صفة ذلك الخاتم، فروى جابر بن سمرة، وأبو موسى ما ذكرناه آنفًا، وروى السائب بن يزيد: أنه مثل زرِّ الحجلة. وروى عبد الله بن سرجس: أنه رأى جُمعًا عليه خِيلان مثل الثآليل. وروى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: كان خاتم رسول الله ﷺ - يعني الذي بين كتفيه - غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقال: حسن صحيح (٢).
قلت: وهذه الكلمات كلها متقاربة المعنى مفيدة أن خاتم النبوة كان نتوءًا قاتمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل: بيضة الحمامة، وإذا كُثِّر: جمع اليد، وقد جاء في البخاري: كان بضعة ناشزة (٣)، أي: مرتفعة.
وقوله: زرِّ الحجلة الرواية المعروفة فيه: زر بتقديم الزاي. قال أبو الفرج الجوزي: الحجلة: بيت كالقبة يستر بالثياب، ويجعل له باب من جنسه، فيه زرّ وعروة، تشدُّ إذا أغلق. وقال القاضي أبو الفضل: الزرُّ: الذي يعقد به النساء عرى أحجالهن كأزرار القميص. والحجلة هنا: واحدة الحِجال، وهي ستور ذات سُجوف. وقال غيره: الحجلة: هي الطائر المعروف، وزرَّها: بيضتها، كما قال جابر: بيضة الحمامة.
قلت: والأول: أشهر في الزر، والثاني: أشبه بالمعنى، وقد أبعد الخطابي فرواه: رز الحجلة بتقديم الراء، أراد: بيضة الحجلة. يقال: أرزت الجرادة، أي: أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض.
قلت: وهذا لا يلتفت إليه، لأنَّ العرب لا تسمي البيضة رزة، ولا تؤخذ
стр. 3426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللغة قياسًا. قال القاضي أبو الفضل: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه.
قلت: هذه غفلة من هذا الإمام، فإنَّ الشق إنما كان في صدر النبي ﷺ وأثره إنما كان خطًّا واضحًا من صدره إلى مراق بطنه، كما هو منصوص عليه في الأحاديث السالفة في كتاب الإيمان من كتاب مسلم، وفي البخاري وغيرهما، ولم يثبت قط في رواية صحيحة، ولا حسنة، ولا غريبة أنه بلغ بالشق حتى نفذ من وراء ظهره، ولو قدرنا أن ذلك الشق كان نافذًا إلى ظهره، وأن تلك أثره، للزم عليه أن يكون مستطيلًا من بين كتفيه (١) إلى قطنته، لأنَّه الذي يحاذي الصدر من مسربته إلى مراق بطنه، فهذه غفلة منه ﵀. ولعل هذا غلط وقع من بعض الناسخين لكتابه، فإنَّه لم يُسمع عليه فيما علمت.
وناغض الكتف: هو ما رق منه ولان، سُمِّي بذلك لنغوضه، أي: حركته، يقال: نغض رأسه، أي: حركه. ونغضت القناة: هززتها. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُم﴾، أي: يحركونها استهزاء. ويُسمَّى الناغض: الغضروف، وكذا جاء في رواية أخرى.
و(قوله: جُمعًا عليه خيلان) هو منصوب على الحال، أي: نظرت إلى خاتم النبوة مثل الجمع. قال ابن قتيبة: هو جُمع الكف. يقال: ضربه بِجُمع كفه، إذا جمعها فضربه بها. وهو بالضم، ويقال بكسرها. والخِيلان: جمع خال، وهي نقط سودٌ كانت على الخاتم، شبهها لسعتها بالثآليل، لا أنها كانت ثآليل، وهي جمع ثؤلول: وهي حبيبات تعلو الجلد.
و(قوله: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم) (٢) فسَّره سماك في الأصل: بأنه
стр. 3427
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عظيم الفم، وهو بمعنى واسع الفم كما قاله ثعلب. والعرب تتمدَّح بسعة الفم، وتكره صغره.
قلت: وكأنهم يتخيَّلون أن سعة الفم يكون عنها: سعة الكلام، والفصاحة، وأن ضيق الفم يكون عنه قلَّة الكلام واللكنة، وقد وُصف النبي ﷺ بأنه كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، أي لسعة شدقيه، وعدم تصنعه، ومن هذا المعنى سُمي الرجل أشدق.
و(قوله: أشكل العينين) قال أبو عبيد: الشُّهلة: حمرة في سواد العين، والشُّكلة: حمرة في بياضها، وهو محمودٌ. قال الشاعر:
ولا عَيبَ فِيها غَيرَ شُكلَة عَينِها ... كذاك عِتاقُ الخَيلِ شُكلٌ عُيُونها
قال صاحب الأفعال: شَكِلَت العين - بكسر الكاف -، شُكلَة، وشُكلًا: إذا خالط بياضها حمرة.
قلت: ونحو هذا في الصحاح، وزاد: عين شَكلاء: بينة الشَّكَل. ورجل أشكل، ودمٌ أشكل: إذا كان فيه بياض وحمرة، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، فأمَّا ما فسَّره به سماك من أنه طويل شق العين، فغير معروف عندهم، ولم أقف على من قاله غيره.
و(قوله: منهوس العقبين) (١) يروى بالسين المهملة والمعجمة. قال ابن الأعرابي: يقال رجل منهوس القدمين، ومنهوش القدمين، أي: قليل لحمهما، كما قال سماك، وهو مأخوذ من النهس والنهش. قال أبو العباس: النهس أخذٌ بأطراف الأسنان، والنهش بالأضراس.
стр. 3428
[٢٢٥٦] وعَن أَنَسِ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالقَصِيرِ، وَلَيسَ بِالأَبيَضِ الأَمهَقِ، وَلَا بِالآدَمِ، وَلَا بِالجَعدِ القَطَطِ، وَلَا بِالسَّبِطِ،
ــ
و(قوله: ليس بالطويل البائن) أي: الذي يباين الناس بزيادة طوله، وهو الذي عبَّر عنه في الرواية الأخرى: بالمشذب وفي الأخرى: بالممعط بالعين والغين، أي: المتناهي في الطول، وهو عند العرب: العَشَنَّقُ، والعَشَنَّط.
و(قوله: ولا بالقصير المتردِّد (١)) أي: الذي تداخل بعضه في بعض، وهو المسمَّى عند العرب: بحنبل، وأقصر منه: الحنتل. وكلا الطرفين مستقبح عند العرب، وخير الأمور أوساطها. وكذلك كان النبي ﷺ في جميع أحواله.
و(قوله: ليس بالأبيض الأمهق) أي: الشديد البياض، الذي لا يخالط بياضه حمرة، ولا غيرها. والعرب تكرهه، لأنَّه يشبه البرص.
و(قوله: ليس بالآدم) أي: الذي تغلب سمرته السواد، فإنَّ السُّمرة بياضٌ يميل إلى سواد، والسَّحمُة - بالسين - فوقه، ثم الصَّحمة - بالصاد - فوقه، وهو غالب لون الحبشة، ثم الأدمة فوقه، وهو غالب ألوان العرب. والنبي ﷺ كان بياضه مشربًا بحمرة في صفاء، فصدق عليه أنه أزهر. وأنه مشرب، وهذا اللون: هو أعدل الألوان وأحسنها.
و(قوله: ولا بالجعد القطط) يروى بفتح الطاء وكسرها، وهو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا باليد، وهو حال شعور السودان.
و(قوله: ولا بالسَّبط) يعني المسترسل الذي لا تكسر فيه، وهو غالب شعور الروم، والرَّجِلُ هو الوسط بين ذينك.
стр. 3429
بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأسِ أَربَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشرَ سِنِينَ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيسَ فِي رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشرُونَ شَعرَةً بَيضَاءَ.
وفي رواية: كان أزهر.
رواه أحمد (٣/ ٢٤٠)، والبخاري (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٤٧)، والترمذيُّ (٣٦٢٣).
* * *
ــ
و(قول أنس: بعثه الله على رأس أربعين سنة) يعني: من مولده، أي عند كمالها بعثه الله رسولًا. وهذا هو أكثر الأقوال، وقد جاء عن ابن عباس ﵄: أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وهو قول سعيد بن المسيب.
و(قوله: فأقام بمكة عشرًا) يعني: بعد البعث وقبل الهجرة. وهذا مما اختلف فيه. فقيل: عشر، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، ولم يُختلف أنه أقام بالمدينة عشرًا.
و(قوله: وتوفَّاه الله على رأس ستين سنة) هذا أحد قولي أنس، وفي الرواية الأخرى عنه: ثلاث وستين. ووافقه على ذلك: عبد الله بن عباس ومعاوية وعائشة، وهو أصحُّ الأقوال، وأصحُّ الروايات على ما ذكره البخاري. وقد ذكر عن أنس: خمس وستين سنة، وهي الرواية الأخرى عن ابن عباس، ولا خلاف أنه ﷺ ولد عام الفيل.
و(قوله: وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء) قد قلنا إن هذا منه تقدير على جهة التقليل، وذكرنا: أن شيبه كان أكثر من هذا.
وقول عمرو في الأصل لعروة: كم كان رسول الله ﷺ بمكة؟ قال: عشرًا
стр. 3430
(٢٠) باب في خاتم النبوة
[٢٢٥٧] عن السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ قال: ذَهَبَت بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَ أُختِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأسِي، وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ فَشَرِبتُ مِن وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمتُ خَلفَ ظَهرِهِ، فَنَظَرتُ إِلَى خَاتَمِهِ بَينَ كَتِفَيهِ مِثلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
رواه البخاريُّ (٣٥٤١)، ومسلم (٢٣٤٥)، والترمذيُّ (٣٦٤٣).
[٢٢٥٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ سَرجِسَ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَكَلتُ مَعَهُ خُبزًا وَلَحمًا - أَو قَالَ: ثَرِيدًا - قَالَ: فَقُلتُ لَهُ: أَستَغفَرَ لَكَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَم وَلَكَ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَاستَغفِر لِذَنبِكَ وَلِلمُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ﴾
قَالَ: ثُمَّ دُرتُ خَلفَهُ فَنَظَرتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَينَ كَتِفَيهِ عِندَ نَاغِضِ كَتِفِهِ اليُسرَى جُمعًا عَلَيهِ خِيلَانٌ كَأَمثَالِ الثَّآلِيلِ.
رواه أحمد (٥/ ٨٢)، ومسلم (٢٣٤٦)، والترمذيُّ في الشمائل (٢٢).
* * *
ــ
كذا وقع لبعض الرواة، معناه: كم مدَّة كونه وإقامته بها، أي: بعد المبعث، وقد روي: لبثَ، بمعناه.
و(قوله: فإنَّ ابن عباس يقول: بضع عشرة) (١) قد تقدَّم أن الأشهر في
стр. 3431
(٢١) باب كم كان سن رسول الله ﷺ يوم قبض؟
وكم أقام بمكة ؟
[٢٢٥٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
رواه مسلم (٢٣٤٨).
[٢٢٦٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
رواه أحمد (١/ ٢٤٩)، والبخاريُّ (٣٨٥١)، ومسلم (٢٣٥١)(١١٨)، والترمذيُّ (٣٦٥١) و (٣٦٥٢).
[٢٢٦١] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابنُ خَمسٍ وَسِتِّينَ.
ــ
البضع أنه من الثلاث إلى التسع، فيصلح البضع هنا لقول ابن عباس الثلاث عشرة والخمس عشرة، فأنكر عروة ذلك.
و(قوله: فغَفَّرَ من المغفرة، وهي رواية الجلودي، أي: قال غفر الله له. وفي رواية ابن ماهان: فصغَّره من الصغر، أي: أشار إلى أن ابن عباس كان صغيرًا في ذلك الوقت، فلم يضبطه لصغره، وقيل: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا هو المناسب لقول عروة.
و(قوله: إنما أخذه من قول الشاعر) يعني به: قول أبي قيس بن صَرمَة:
ثَوَى في قريش بِضعَ عَشرَةَ حِجَّة ... يُذَكِّر لَو يَلقَى صَدِيقًا مُواتِيًا
стр. 3432
وفي رواية: أَربَعِينَ بُعِثَ لَهَا خَمسَ عَشرَةَ بِمَكَّةَ يَأمَنُ وَيَخَافُ وَعَشرا مُهَاجَره إِلَى المَدِينَةِ.
وفي أخرى: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً يَسمَعُ الصَّوتَ، وَيَرَى الضَّوءَ سَبعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيهِ، وَأَقَامَ بِالمَدِينَةِ عَشرًا.
رواه أحمد (١/ ٢١٥)، ومسلم (٢٣٥٣) (١٢١ و ١٢٢ و ١٢٣).
ــ
و(قول ابن عباس ﵄: خمس عشرة سنة، يأمن، ويخاف) يعني: أنه كان في تلك الحال غير مستقل لإظهار أمره، فكان إذا أخفى أمره تركوه، فأمن على نفسه، وإذا أعلن أمره وأفشاه، بأن يدعوهم إلى الله، ويفتح عليهم، تكالبوا عليه، وهمُّوا بقتله، فيخاف على نفسه إلى أن أخبره الله تعالى بعصمته منهم، فلم يكن يبالي بهم كما قدمناه.
و(قوله: يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين) أي: أصوات الملائكة والجمادات والحجارة، فيسلمون عليه بالرسالة، كما خرَّجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. قال: هذا حديث حسن غريب (١). ويعني بالضوء: نور الملائكة، ويحتمل أن يكون أنوارًا تنوِّر بين يديه في أوقات الظلمة، يحجب عنها غيره. ولذلك نقل: أنه كان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار، ويعني: أن هذه الحالة ثبتت عليه سبع سنين، ثم بعد ذلك أوحى الله إليه، أي: جاءه الوحي، وشافهه بالخطاب ثماني سنين، وعلى هذا: فكمل له بمكة خمس عشرة سنة.
стр. 3433
[٢٢٦٢] وعن جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخطُبُ فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
رواه أحمد (٤/ ٩٦ و ٩٧)، ومسلم (٢٣٥٢)(١٢٠)، والترمذيّ (٣٨٥٤).
* * *
ــ
وقول معاوية: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وعمر ﵄) معطوفان على رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يرفعا بالابتداء، وخبرهما محذوف، أي: وهما كذلك.
و(قوله: وابن ثلاث وستين) الواو للحال، فيحتمل أن يريد أنه كان وقت توفي رسول الله ﷺ ابن ثلاث وستين، ويحتمل أن يكون كذلك وقت حدث بهذا الحديث، والحاصل: أنه وصل إلى ثلاث وستين سنة، وقد قيل في هذا: إن معاوية استشعر أنه يوافقهم في السن فيموت وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس بصحيح عند أحد من علماء التاريخ، فإنَّ أقل ما قيل في عمره يوم توفي: أنه كان ثمانيًا وسبعين سنة، وأكثر ما قيل فيه: ست وثمانون، وقيل: اثنان وثمانون سنة، وكانت وفاته بدمشق، وبها دفن سنة ستين في النصف من رجبها. قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة (١)، وكان خليفة عشرين سنة، وقال غيره: كانت خلافته تسع عشرة سنة وستة أشهر وثمانية وعشرين يومًا.
* * *
стр. 3434
(٢٢) باب عدد أسماء النبي ﷺ
[٢٢٦٣] عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يُمحَى بِيَ الكُفرُ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا العَاقِبُ
ــ
(٢٢) ومن باب عدد أسماء رسول الله ﷺ
(قوله ﷺ : أنا محمد، وأنا أحمد) كلاهما مأخوذ من الحمد، وقد تكلَّمنا على الحمد في أول الكتاب. فمحمَّد: مفعل من حَمَّدت الرجل مشددًا: إذا نسبت الحمد إليه، كما يقال: شجَّعت الرجل، وبخَّلته: إذا نسبت ذلك إليه، فهو بمعنى المحمود. والنبي ﷺ أحق الخلق بهذا الاسم، فإنَّ الله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق، ويلهمه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة، حمدًا لم يحمد به أحدا من الخلق، فهو أحمد المحمودِين، وأحمد الحامدِين.
و(قوله: وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) أي: من الأرض التي زويت له، وأري أن ملك أمته سيبلغه، أو يعني بذلك: أنه محي به معظم الكفر وغالبه بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة، والغلبة العامة الفادحة، كما قد صرَّح به الحق بقوله: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
و(قوله: وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي (١)) الحاشر: اسم
стр. 3435
وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيسَ بَعدَهُ نَبِيٌّ.
وفي رواية: الذي يحشر الناس على قدمي، وقد سماه الله رءوفا رحيما.
رواه أحمد (٤/ ٨٠)، والبخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) (١٢٤ و ١٢٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).
ــ
فاعل من حشر، أي: جمع. فيعني به: أنه الذي يحشر الخلق يوم القيامة على أثره، أي: ليس بينه وبين القيامة نبي آخر، ولا أمة أخرى، وهذا كما قال: بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى (١).
وقوله في الرواية الأخرى: على قدمي قيل فيه: على سابقتي، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم﴾ أي: سابقة خير وإكرام. وقيل: على سُنَّتي. وقيل: بعدي، أي: يتبعوني إلى يوم القيامة. وهذا أشبهها، لأنَّه يكون معناه معنى عقبي، لأنَّه وقع موقعه في تلك الرواية، ووجه توسعه فيه: كأنه قال: يحشر الناس على أثر قدمي، أي: بعدي. والله أعلم.
و(قوله ﷺ : وأنا العاقب) وفي الرواية الأخرى: المقفي ومعناهما واحد، وهو أنه ﷺ آخر الأنبياء، وخاتمهم، وأكرم أعقابهم، وأفضل من قبلهم. وقفاهم، أي: كان بعدهم، واتبع آثارهم. قال ابن الأنباري: المقفي: المتَّبع للنبيين قبله، يقال: قَفَوتُه، أَقفُوه، وقَفَيتُه: إذا تبعته، ومثله: قُفتُه، أقُوفُه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ﴾، ﴿وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ وقافية كل شيء: آخره.