(٢١) باب كم كان سن رسول الله ﷺ يوم قبض؟
وكم أقام بمكة ؟
[٢٢٥٩] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
رواه مسلم (٢٣٤٨).
[٢٢٦٠] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشرًا، وَمَاتَ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.
رواه أحمد (١/ ٢٤٩)، والبخاريُّ (٣٨٥١)، ومسلم (٢٣٥١)(١١٨)، والترمذيُّ (٣٦٥١) و (٣٦٥٢).
[٢٢٦١] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابنُ خَمسٍ وَسِتِّينَ.
ــ
البضع أنه من الثلاث إلى التسع، فيصلح البضع هنا لقول ابن عباس الثلاث عشرة والخمس عشرة، فأنكر عروة ذلك.
و(قوله: فغَفَّرَ من المغفرة، وهي رواية الجلودي، أي: قال غفر الله له. وفي رواية ابن ماهان: فصغَّره من الصغر، أي: أشار إلى أن ابن عباس كان صغيرًا في ذلك الوقت، فلم يضبطه لصغره، وقيل: إنه ولد في الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وهذا هو المناسب لقول عروة.
و(قوله: إنما أخذه من قول الشاعر) يعني به: قول أبي قيس بن صَرمَة:
ثَوَى في قريش بِضعَ عَشرَةَ حِجَّة ... يُذَكِّر لَو يَلقَى صَدِيقًا مُواتِيًا
стр. 3432
وفي رواية: أَربَعِينَ بُعِثَ لَهَا خَمسَ عَشرَةَ بِمَكَّةَ يَأمَنُ وَيَخَافُ وَعَشرا مُهَاجَره إِلَى المَدِينَةِ.
وفي أخرى: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمسَ عَشرَةَ سَنَةً يَسمَعُ الصَّوتَ، وَيَرَى الضَّوءَ سَبعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيئًا، وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى إِلَيهِ، وَأَقَامَ بِالمَدِينَةِ عَشرًا.
رواه أحمد (١/ ٢١٥)، ومسلم (٢٣٥٣) (١٢١ و ١٢٢ و ١٢٣).
ــ
و(قول ابن عباس ﵄: خمس عشرة سنة، يأمن، ويخاف) يعني: أنه كان في تلك الحال غير مستقل لإظهار أمره، فكان إذا أخفى أمره تركوه، فأمن على نفسه، وإذا أعلن أمره وأفشاه، بأن يدعوهم إلى الله، ويفتح عليهم، تكالبوا عليه، وهمُّوا بقتله، فيخاف على نفسه إلى أن أخبره الله تعالى بعصمته منهم، فلم يكن يبالي بهم كما قدمناه.
و(قوله: يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين) أي: أصوات الملائكة والجمادات والحجارة، فيسلمون عليه بالرسالة، كما خرَّجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر، إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. قال: هذا حديث حسن غريب (١). ويعني بالضوء: نور الملائكة، ويحتمل أن يكون أنوارًا تنوِّر بين يديه في أوقات الظلمة، يحجب عنها غيره. ولذلك نقل: أنه كان يبصر بالليل كما يبصر بالنهار، ويعني: أن هذه الحالة ثبتت عليه سبع سنين، ثم بعد ذلك أوحى الله إليه، أي: جاءه الوحي، وشافهه بالخطاب ثماني سنين، وعلى هذا: فكمل له بمكة خمس عشرة سنة.
стр. 3433
[٢٢٦٢] وعن جَرِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يَخطُبُ فَقَالَ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكرٍ، وَعُمَرُ وَأَنَا ابنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.
رواه أحمد (٤/ ٩٦ و ٩٧)، ومسلم (٢٣٥٢)(١٢٠)، والترمذيّ (٣٨٥٤).
* * *
ــ
وقول معاوية: مات رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين سنة، وأبو بكر وعمر ﵄) معطوفان على رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن يرفعا بالابتداء، وخبرهما محذوف، أي: وهما كذلك.
و(قوله: وابن ثلاث وستين) الواو للحال، فيحتمل أن يريد أنه كان وقت توفي رسول الله ﷺ ابن ثلاث وستين، ويحتمل أن يكون كذلك وقت حدث بهذا الحديث، والحاصل: أنه وصل إلى ثلاث وستين سنة، وقد قيل في هذا: إن معاوية استشعر أنه يوافقهم في السن فيموت وهو ابن ثلاث وستين سنة، وليس بصحيح عند أحد من علماء التاريخ، فإنَّ أقل ما قيل في عمره يوم توفي: أنه كان ثمانيًا وسبعين سنة، وأكثر ما قيل فيه: ست وثمانون، وقيل: اثنان وثمانون سنة، وكانت وفاته بدمشق، وبها دفن سنة ستين في النصف من رجبها. قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة (١)، وكان خليفة عشرين سنة، وقال غيره: كانت خلافته تسع عشرة سنة وستة أشهر وثمانية وعشرين يومًا.
* * *
стр. 3434
(٢٢) باب عدد أسماء النبي ﷺ
[٢٢٦٣] عن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يُمحَى بِيَ الكُفرُ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي، وَأَنَا العَاقِبُ
ــ
(٢٢) ومن باب عدد أسماء رسول الله ﷺ
(قوله ﷺ : أنا محمد، وأنا أحمد) كلاهما مأخوذ من الحمد، وقد تكلَّمنا على الحمد في أول الكتاب. فمحمَّد: مفعل من حَمَّدت الرجل مشددًا: إذا نسبت الحمد إليه، كما يقال: شجَّعت الرجل، وبخَّلته: إذا نسبت ذلك إليه، فهو بمعنى المحمود. والنبي ﷺ أحق الخلق بهذا الاسم، فإنَّ الله تعالى قد حمده بما لم يحمد به أحدًا من الخلق، وأعطاه من المحامد ما لم يعط مثله أحدًا من الخلق، ويلهمه يوم القيامة من محامده ما لم يلهمه أحدًا من الخلق، وقد حمده أهل السماوات والأرض والدنيا والآخرة، حمدًا لم يحمد به أحدا من الخلق، فهو أحمد المحمودِين، وأحمد الحامدِين.
و(قوله: وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر) أي: من الأرض التي زويت له، وأري أن ملك أمته سيبلغه، أو يعني بذلك: أنه محي به معظم الكفر وغالبه بظهور دينه على كل الأديان بالحجج الواضحة، والغلبة العامة الفادحة، كما قد صرَّح به الحق بقوله: ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
و(قوله: وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي (١)) الحاشر: اسم
стр. 3435
وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيسَ بَعدَهُ نَبِيٌّ.
وفي رواية: الذي يحشر الناس على قدمي، وقد سماه الله رءوفا رحيما.
رواه أحمد (٤/ ٨٠)، والبخاري (٣٥٣٢)، ومسلم (٢٣٥٤) (١٢٤ و ١٢٥)، والترمذيُّ (٢٨٤٠).
ــ
فاعل من حشر، أي: جمع. فيعني به: أنه الذي يحشر الخلق يوم القيامة على أثره، أي: ليس بينه وبين القيامة نبي آخر، ولا أمة أخرى، وهذا كما قال: بعثت أنا والساعة كهاتين وقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى (١).
وقوله في الرواية الأخرى: على قدمي قيل فيه: على سابقتي، كما قال تعالى: ﴿أَنَّ لَهُم قَدَمَ صِدقٍ عِندَ رَبِّهِم﴾ أي: سابقة خير وإكرام. وقيل: على سُنَّتي. وقيل: بعدي، أي: يتبعوني إلى يوم القيامة. وهذا أشبهها، لأنَّه يكون معناه معنى عقبي، لأنَّه وقع موقعه في تلك الرواية، ووجه توسعه فيه: كأنه قال: يحشر الناس على أثر قدمي، أي: بعدي. والله أعلم.
و(قوله ﷺ : وأنا العاقب) وفي الرواية الأخرى: المقفي ومعناهما واحد، وهو أنه ﷺ آخر الأنبياء، وخاتمهم، وأكرم أعقابهم، وأفضل من قبلهم. وقفاهم، أي: كان بعدهم، واتبع آثارهم. قال ابن الأنباري: المقفي: المتَّبع للنبيين قبله، يقال: قَفَوتُه، أَقفُوه، وقَفَيتُه: إذا تبعته، ومثله: قُفتُه، أقُوفُه، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ﴾، ﴿وَلا تَقفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ﴾ وقافية كل شيء: آخره.
стр. 3436
[٢٢٦٤] عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمِّي لَنَا نَفسَهُ أَسمَاءً فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحمَدُ وَالمُقَفِّي وَالحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحمَةِ.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٥)، ومسلم (٢٣٥٥)(١٢٦).
* * *
ــ
و(قوله: ونبي التوبة) أي: الذي تكثر التوبة في أمته، وتعم حتى لا يوجد فيما ملكته أمته إلا تائب من الكفر، فيقرب معناه على هذا من الماحي إلا أن ذلك يشهد بمحو ما ظهر من الكفر، وهذا يشهد بصحَّة ما يخفى من توبة أمته منه، ويحتمل أن يكون معناه: أن أمته لما كانت أكثر الأمم كانت توبتهم أكثر من توبة غيرهم، ويحتمل أن تكون توبة أمته أبلغ حتى يكون التائب منهم كمن لم يذنب، ولا يؤاخذ لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ويكون غيرهم يؤاخذ في الدنيا، وإن لم يؤاخذ في الآخرة، والله أعلم. والذي أحوج إلى هذه الأوجه: اختصاص نبينا ﷺ بهذا الاسم مع أن كل نبي جاء بتوبة أمته، فيصدق أنه نبي التوبة، فلا بدَّ من إبداء مزيِّة لنبينا يختصُّ بها كما بيَّنا.
و(قوله: ونبي الرحمة) وفي أخرى: المرحمة وفي أخرى: الملحمة فأمَّا الرحمة، والمرحمة فكلاهما بمعنى واحد، وقد تقدَّم أن الرحمة إفاضة النعم على المحتاجين، والشفقة عليهم، واللطف بهم، وقد أعطى الله نبينا ﷺ وأمته منها ما لم يُعطِه أحدًا من العالمين، ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ فهو أعظم كل رحمة، وأمته القابلة لما جاء به قد حصلت على أعظم حظ من هذه الرحمة، وشفاعته يوم القيامة لأهل الموقف أعمُّ كل رحمة، ولأهل الكبائر أجل كل نعمة، وخاتمة ذلك شفاعته في ترفيع منازل أهل الجنة.
وأما رواية من روى: نبي الملحمة: فهذا صحيح في نعته، ومعلوم في الكتب القديمة من وصفه، فإنَّه قد جاء فيها: أنه نبي الملاحم،
стр. 3437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأنه يجيء بالسيف والانتقام ممن خالفه من جميع الأنام، فمنها ما جاء في صحف حبقوق (١)، قال: جاء الله من التين، وتقدس من فاران، وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه، وملأ الأرض من هيبته. وفيها أيضًا: تضيء الأرض بنورك، وستنزع في قوسك إغراقًا، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء. ويعني بالتين الجبال التي تنبته، وهي جبال بيت المقدس، ومجيء الله تعالى منها عبارة عن إظهار كلامه الذي هو الإنجيل على لسان عيسى ﵇. وفاران: مكة، كما قال تعالى في التوراة: إن الله أنزل هاجر وابنها إسماعيل فاران يعني: مكة بلا خلاف بينهم. وفي التوراة قال: قد جاء الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلى من فاران فمجيئه تعالى من سيناء: كناية عن ظهور موسى ﵇ بها، وإشراقه من ساعير: وهي جبال الروم من أدوم: كناية عن ظهور عيسى ﵇. واستعلاؤه من فاران: كناية عن القهر الذي يقهر به نبيِّنا ﷺ الكفر كله بالقتل والقتال. وقال في التوراة: يا موسى! إني أقيم لبني إسرائيل من إخوتهم نبيًا مثلك، أجعل كلامي على فيه، فمن عصاه انتقمت منه، وإخوة بني إسرائيل (٢) العرب، فإنَّهم ولد إسماعيل ﵇، وهم المعنيون هنا. و (قوله: أجعل كلامي على فيه) يعني به: القرآن، والانتقام ممن عصاه: هو القتل والقتال الذي جاء به، ومثل هذا كثير. وقد ذكرنا منه مواضع كثيرة جاءت في كتب أنبياء بني إسرائيل في كتاب الأعلام (٣).
стр. 3438
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد قال النبي ﷺ : يا معشر قريش! لقد جئتكم بالذبح (١). وقال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به (٢) فهو نبي الملحمة التي بسببها عمَّت الرحمة وثبتت المرحمة. وقد تتبَّع القاضي أبو الفضل ما جاء في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله ﷺ ، ومما نقل في الكتب القديمة. وإطلاق الأمَّة أسماء كثيرة، وصفات عديدة للنبي ﷺ صدقت عليه مسمَّياتها، ووجدت فيه معانيها، وعرَّف في كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى. وقد ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب الأحكام من أسماء النبي ﷺ سبعة وستين اسمًا، من أرادها وجدها هنالك (٣).
و(قوله: وقد سَمَّاه الله رؤوفًا رحيمًا) ليس هذا من قول النبي ﷺ بل من قول غيره، وهو الصحابي، والله أعلم، ألا تراه كيف أخبر عنه بخطاب (٤) الغيبة، ولو كان من قوله ﷺ لقال: وقد سماني الله: رؤوفًا رحيمًا. هذا الظاهر، ويحتمل أن يكون ذلك من قوله. وقد يخرج المتكلم من الحضور إلى الغيبة كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم﴾ وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والرؤوف: الكثير الرأفة. والرحيم: الكثير الرحمة، فإنَّها للمبالغة. وقد جاء في الصحيح: لي خمسة أسماء (٥) فحصرها بالعدد، وذكر الأسماء المتقدِّمة. وقد يقال: ما وجه تخصيص هذه الأسماء الخمسة بالذكر مع أن أسماءه أكثر من ذلك، فيجاب عنه: بأن هذه
стр. 3439
(٢٣) باب كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية
[٢٢٦٥] عَن عَائِشَةَ قَالَت: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمرًا فَتَرَخَّصَ فِيهِ،
ــ
الخمسة الأسماء هي الموجودة في الكتب المتقدِّمة، وأعرف عند الأمم السالفة، ويحتمل أن يقال: إنه في الوقت الذي أخبر بهذه الأسماء الخمسة لم يكن أوحي إليه في غيرها بشيء، فإنَّ أسماءه إنَّما تلقاها من الوحي، ولا يسمَّى إلا بما سَمَّاه الله به، وهذا أسدُّ الجوابين إن شاء الله تعالى.
(٢٣) ومن باب كون النبي ﷺ أعلم الناس بالله وأشدهم له خشية
إنما كان النبي ﷺ أعلم الناس بالله، لما خصَّه الله تعالى به في أصل الخلقة من كمال الفطنة، وجودة القريحة، وسداد النظر، وسرعة الإدراك، ولما رفع الله عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه، ومن اجتمعت له هذه الأمور سهل عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقه كالضرورية، ثم إن الله تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه، وأحوال العالم كله على ما لم يطَّلع عليه غيره، وهذا كله معلوم من حاله ﷺ بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس لزم أن يكون أخشى الناس لله تعالى، لأنَّ الخشية منبعثة عن العلم، وبحسبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ وقد أشار بعض المتصوفة إلى أن علوم الأنبياء ضرورية، وسماها: كشفًا، وهذا كلام فيه إجمالٌ، ويحتاج إلى استفصال، فيقال لقائله: إن أردت بكونها ضرورية أنها حاصلة في أصل فطرتهم، وأنهم جبلوا عليها، بحيث
стр. 3440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لم يستعملوا في شيء منها (١) أفكارهم، ولا حدقوا نحوها بصائرهم، ولا أنظارهم، فهو قول باطل، لما يعلم قطعًا أنهم مكلفون بمعرفة الله، ومعرفة صفاته وأحكامه، ومأمورون بها، والضروري لا يكلف به، لأنَّه حاصل، والحاصل لا يطلب، ولا يبتغى، ولأن الإنسان لا يتمكن من ترك ما جبل عليه، ولا من فعله، وما كان كذلك لم يقع في الشريعة التكليف به بالنص والإجماع. وإنما الخلاف في جوازه عقلًا، وإن أراد به أن تلك العلوم تصير في حقهم ضرورية بعد تحصيلها بالطرق النظرية، والقيام بالوظائف التكليفية، فتتوالى عليهم تلك العلوم، فلا يتأتى لهم التشكك فيها، ولا الانفكاك عنها، فنقول: ذلك صحيح في حق الأنبياء قطعًا، وخصوصًا في حق النبي ﷺ كما هو المعلوم من حاله وحالهم صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وأما غيرهم فيجوز أن يكرم الله تعالى بعض أوليائه بشيء من نوع من ذلك، لكن على وجه الندور والقلة، وليس مُطردًا في كل الأولياء، ومن فُتِح له بشيء من ذلك في بعض الأوقات وبعض المعلومات، ويكون ذلك خرقًا للعادات، فإنَّ سنة الله تعالى في العلوم النظرية: أنها لا تتوالى، ولا تدوم، ويمكن أن يُتشكِّكَ فيما كان منها معلومًا، هذه سنة الله الجارية، وحكمته الماضية، ولن تجد لسنة الله تبديلًا ولا تحويلًا.
و(قول عائشة ﵂: صنع رسول الله ﷺ أمرًا فترخص فيه) أي: فعل أمرًا ترك فيه التشديد لأنه رخص له فيه، كما قال في طريق آخر: ما بال رجال يرغبون عما رُخِّص لي فيه (٢) ولعل هذا من عائشة ﵂ إشارة لحديث النَّفر الذين استقلوا عبادة النبي ﷺ ، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: وأنا أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا لا أنكح النساء، فلما بلغ
стр. 3441
فَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِن أَصحَابِهِ، فَكَأَنَّهُم كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُم عَنِّي أَمرٌ تَرَخَّصتُ فِيهِ، فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنهُ فَوَاللَّهِ لَأَنَا أَعلَمُهُم بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُم لَهُ خَشيَةً.
رواه مسلم (٢٣٥٦)(١٢٧).
* * *
ــ
النبي ﷺ ذلك، قال: وأما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (١). وقد تقدَّم في النكاح.
و(قوله: ما بال رجال بلغهم عني أني ترخصت في أمر فكرهوه (٢)، وتنزهوا عنه) هذا منه ﷺ عدول عن مواجهة هؤلاء القوم بالعتاب، وكانوا معينين عنده، لكنه فعل ذلك لغلبة الحياء عليه، ولتلطُّفه في التأديب، ولسَتر المعاتب. وتنزه هؤلاء عما ترخص فيه النبي ﷺ غلط أوقعهم فيه ظن أن المغفور له يسامح في بعض الأمور، ويسقط عنه بعض التكاليف، والأمر بالعكس لوجهين:
أحدهما: أن المغفور له يتعيَّن عليه وظيفة الشكر، كما قال ﷺ : أفلا أكون عبدًا شكورًا (٣).
وثانيهما: أن الأعلم بالله وبأحكامه: هو الأخشى له، كما قال ﷺ : إني لأعلمكم بالله تعالى، وأشدكم له خشية وقال في موضع آخر: وأعلمكم بما أتقي الله.
ويُستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد
стр. 3442
(٢٤) باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ﷺ والانتهاء عما نهى عنه
[٢٢٦٦] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيرَ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسقُونَ بِهَا النَّخلَ، فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: سَرِّح المَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيهِم فَاختَصَمُوا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
في جميع الأمور، فإنَّ دين الله يسر، وهو: الحنيفية السَّمحة، فإنَّ الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه.
وحاصل الأمر: أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبي ﷺ ، فما شدَّد فيه التزمناه على شدَّته، وفعلناه على مشقته، وما ترخص فيه أخذنا برخصته، وشكرنا الله تعالى على تخفيفه ونعمته، ومن رغب عن هذا، فليس على سُنَّته، ولا على منهاج شريعته.
وفيه حجَّة على القول بمشروعية الاقتداء به في جميع أفعاله، كما نقوله في جميع أحواله، إلا ما دلَّ دليل على أنه من خصوصياته، وقد أوضحنا هذا في الأصول.
(٢٤) ومن باب وجوب الإذعان لحكم رسول الله ﷺ
(قوله: إن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرَّة) قيل: إن هذا الرَّجل كان من الأنصار نسبًا، ولم يكن منهم نصرة ودينًا، بل كان منافقًا، لما صدر عنه من تهمة رسول الله ﷺ بالجوَّر في الأحكام لأجل قرابته، ولأنه لم يرض بحكمه، ولأن الله تعالى قد أنزل فيه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم﴾ الآية. هذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل: أنه لم يكن منافقًا، ولكن أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفس، وزلَّةُ شيطان، كما قد اتَّفق لحاطب بن أبي بلتعة، ولحسَّان، ومسطح، وحَمنَة في قضية الإفك، وغيرهم مِمَّن
стр. 3443
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيرِ: اسقِ يَا زُبَيرُ ثُمَّ أَرسِل المَاءَ إِلَى جَارِكَ فَغَضِبَ الأَنصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَن كَانَ ابنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: يَا زُبَيرُ اسقِ ثُمَّ احبِس المَاءَ حَتَّى يَرجِعَ إِلَى
ــ
بدرت منهم بوادر شيطانية، وأهواء نفسانية، لكن لطف بهم حتى رجعوا عن الزَّلة، وصحَّت لهم التوبة، ولم يؤاخذوا بالحوبة.
والشِّراج بالشين والجيم المعجمتين، جمع شَرِجَة، وهي مسيل الماء إلى النخل والشجر. وإضافتها إلى الحرَّة لكونها فيها.
والمخاصمة إنما كانت في السَّقي بالماء الذي يسيل فيها، وكان الزبير يتقدم شربه على شرب الأنصاري، فكان الزبير يمسك الماء لحاجته، فطلب الأنصاري أن يسرحه له قبل استيفاء حاجته، فلما ترافعا إلى النبي ﷺ سلك النبي ﷺ معهما مسلك الصُّلح، فقال له: اسق يا زبير! ثمَّ أرسل الماء إلى جارك، أي: تساهل في سقيك، وعجل في إرسال الماء إلى جارك، يحضه على المسامحة والتيسير. فلما سمع الأنصاري بهذا لم يرض بذلك، وغضب لأنه كان يريد ألا يمسك الماء أصلًا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة، فقال: آن كان ابن عمتك؟ ! بمدِّ همزة أن المفتوحة، لأنَّه استفهام على جهة الإنكار، أي: أتحكم له علي لأجل أنَّه قرابتك؟ ! وعند ذلك تلوَّن وجه رسول الله ﷺ غضبًا عليه وتألُّمًا من كلمته. ثمَّ إنَّه بعد ذلك حكم للزبير باستيفاء حقه، فقال: اسق يا زبير، ثم أمسك (١) الماء حتى يرجع إلى الجدر. وفي غير هذه الرواية: فاستوعى للزبير حقَّه (٢).
стр. 3444
الجَدرِ، فَقَالَ الزُّبَيرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَت فِي ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ﴾
ــ
والجَدر بفتح الجيم وسكون الدال هي روايتي، ويجمع: جُدورًا. وهو الأصل، ويعني به: حتى يصل الماء إلى أصول النَّخل والشجر، وتأخذ منه حقها. وفي بعض طرقه: حتى يبلغ الماء إلى الكعبين (١) فيعني به- والله أعلم-: حتى يجتمع الماء في الشَّرِبات، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل والشجر إلى أن تصل من الواقف فيها إلى الكعبين.
وقد روي الِجدر بكسر الجيم، وهو الجدار، ويجمع على جدر ويعني به: جدران الشَّربات، فإنَّها تُرفع حتى تكون تشبه الجدار. فإنَّ قيل: كيف كان حكم النبي ﷺ للزبير على الأنصاري في حال غضبه وقد قال ﷺ : لا يقضي القاضي وهو غضبان؟ (٢)
فالجواب: أنا قدَّمنا أن هذا النهي معلَّل بما يخاف على القاضي من التشويش المؤدي به إلى الغلط في الحكم، والخطأ فيه، والنبي ﷺ معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدَّالِّ على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى وفي أحكامه، ولذلك قالوا: أنكتب عنك في الرضا والغضب؟ قال: نعم (٣). فدلَّ ذلك: على أن المراد بالحديث: من يجوز عليه الخطأ من القضاة، فلم يدخل النبي ﷺ في ذلك العموم.
و(قوله: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُم﴾، هذا أحدُ ما قيل في سبب نزول هذه الآية.
стр. 3445
رواه أحمد (٤/ ٤ - ٥)، والبخاريُّ (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧)، وأبو داود (٣٦٣٧)، والترمذيُّ (١٣٦٣)، والنسائي (٨/ ٢٤٥)، وابن ماجه (١٥ و ٢٤٨٠).
ــ
وقيل: نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي ﷺ فحكم على أحدهما فقال له (١): ارفعني إلى عمر بن الخطاب، وقيل: إلى أبي بكر، وقيل: حكم النبي ﷺ ليهودي على منافق، فلم يرض المنافق، وأتيا عمر بن الخطاب فأخبراه، فقال: أمهلاني حتى أدخل بيتي، فدخل بيته فأخرج السيف، فقتل المنافق، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: إنه ردَّ حكمك، فقال له رسول الله ﷺ : فرَّقت بين الحق والباطل (٢). وقال مجاهد نحوه، غير أنه قال: إن المنافق طلب أن يردَّ إلى حكم الكاهن، ولم يذكر قضية قتل عمر بن الخطاب المنافق، وقال الطبري: لا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع، والله تعالى أعلم.
وفي هذا الحديث أبواب من الفقه، فمنها: الاكتفاء من الخصوم بما يفهم عنه مقصودهم، وألا يكلَّفوا النص على الدعاوي، ولا تحديد المدعى فيه، ولا حصره بجميع صفاته، كما قد تنطَّع في ذلك قضاة الشافعية.
ومنها: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم، فإنَّ اصطلحوا، وإلا استوفي لذي الحق حقه، وبتَّ الحكم.
ومنها: أن الأولى بالماء الجاري: الأول فالأول حتى يستوفي حاجته. وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان يمرُّ عليه.
ومنها: عن جفاء الخصوم ما لم يؤد إلى هتك حرمة الشرع، والاستهانة بالأحكام، فإنَّ كان ذلك فالأدب، وهذا الذي صدر من خصم
стр. 3446
[٢٢٦٧] وعن أبي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا نَهَيتُكُم عَنهُ فَاجتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرتُكُم بِهِ فَافعَلُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم فَإِنَّمَا أَهلَكَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم كَثرَةُ مَسَائِلِهِم، وَاختِلَافُهُم عَلَى أَنبِيَائِهِم.
وفي رواية: ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُم فَإِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم لِكَثرَةِ مسَائلِهِم ... الحديث.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٧)، ومسلم (١٣٣٧) (١٣٠ و ١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٩)، والنسائي (٥/ ١١٠ - ١١١)، وابن ماجه (١ و ٢).
* * *
ــ
الزبير أذى للنبي ﷺ ولم يقتله النبي ﷺ لما قدَّمناه من عظم حلمه وصفحه، ولئلا يكون قتله منفرًا لغيره عن الدخول في دين الإسلام، فلو صدر اليوم مثل هذا من أحد في حق النبي ﷺ لقتل قتلة زنديق، وقد أشبعنا القول في ذلك.
ومنها: أن القَدر الذي يستحق الأعلى من الماء: كفايته، وغاية ذلك: أن يبلغ الماء إلى الكعبين، فقيل: في الشَّرَبَة (١)، كما قلنا، وقيل: في أرض الحائط، وفيه بُعد.
و(قوله ﷺ : ما نهيتكم عنه فاجتنبوه) أي: لا تقدموا على فعل شيء من المنهي عنه، وإن قلَّ، لأنَّه تحصل بذلك المخالفة، لأنَّ النهي: طلب الانكفاف المطلق، والأمر المطلق على النقيض من ذلك، لأنَّه يحصل الامتثال بفعل أقل ما ينطلق عليه الاسم المأمور به على أي وجه فعل، وفي أي زمان فعل، ويكفيك من ذلك مثال بقرة بني إسرائيل، فإنَّهم لما أمروا بذبح بقرة، فلو بادروا وذبحوا بقرة - أي بقرة كانت - لحصل لهم الامتثال، لكنهم كثَّروا الأسئلة فكثرت أجوبتهم، فقل الموصوف، فعظم الامتحان عليهم، فهلكوا، فحذر النبي ﷺ أمته عن أن يقعوا في
стр. 3447
(٢٥) باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﷺ توقيرا له واحتراما
[٢٢٦٨] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا النَبِيَّ ﷺ حَتَّى أَحفَوهُ في المَسأَلَةِ فَخَرَجَ ذَاتَ يَومٍ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقَالَ: سَلُونِي لَا تَسأَلُونِي عَن شَيءٍ إِلَّا بَيَّنتُهُ لَكُم - وفي رواية: ما دمت في مقامي هذا، فَلَمَّا سَمِعَ
ــ
مثل ما وقعوا فيه، فلذلك قال: إنما أهلك الذين قبلكم كثرة سؤالهم (١)، ولذلك قال ﷺ للذي سأله عن تكرار الحج بقوله: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم (٢)، وذكر نحو ما تقدَّم، فالواجب على هذا الأصل أن على السامع لنهي الشارع الانكفاف مطلقًا، وإذا سمع الأمر: أن يفعل فيه ما يصدق عليه ذلك الأمر، ولا يتنطَّع، فيكثر من السؤال، فيحصل على الإصر والأغلال، وقد استوفينا هذا المعنى في الأصول.
(٢٥) ومن باب ترك الإكثار من مساءلة رسول الله ﷺ توقيرا له واحتراما
(قوله: سألوا رسول الله ﷺ حتى أحفوه في المسألة) أي: حتى ألحوا عليه. يقال: أحفى في المسألة، وألَحَّ بمعنى واحد. وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم في حديث أبي موسى ﵁.
стр. 3448
ذَلِكَ القَومُ أَرَمُّوا، وَرَهِبُوا أَن يَكُونَ بَينَ يَدَي أَمرٍ قَد حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ:
ــ
و(قوله: فلما أُكثِرَ عليه غضب) يحتمل أن يكون غضب النبي ﷺ من إكثارهم عليه من المسائل، فإنَّ ذلك: يُقلِّل حرمة العالم، ويُجرئ على الإقدام عليه، فتذهب أبهة العالم، ووقاره، فإنَّه إذا كثرت المسائل: كثرت الأجوبة، فحصل جميع ما ذكرناه من المفاسد. ويحتمل أن غضبُه بسبب أنه تحقَّق أنَّه كان هنالك من يسأل تعنيتًا وتبكيتًا، قصدًا للتعجيز والتنقيص، كما كان يفعل المنافقون، واليهود، ويدلُّ على هذا قوله: سلوني، سلوني (١)، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا، فإنَّ هذا يصلح أن يكون جوابًا لمن قصد التعجيز والتبكيت حتى يبطل زعمه (٢)، ويظهر خرقه وذمه، ويحتمل أن يكون من تلك المسائل ما يكره، كما قال في حديث أبي موسى: سئل رسول الله ﷺ عن أشياء كرهها، وكما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم﴾ ويحتمل أن يكون غضبه لمجموع تلك الأمور كلها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فأرمَّ القوم (٣)) أي: سكتوا، وأصله من المرمَّة، وهي: الشَّفة، فكأنهم أطبقوا مرمَّاتهم فلم يحركوها بلفظة.
و(قوله: ورهبوا أن يكون من أمرٍ (٤) قد حضر) أي: خافوا أن تقع بهم عقوبة عند غضبه.
стр. 3449
فَجَعَلتُ أَلتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأسَهُ فِي ثَوبِهِ يَبكِي،
ــ
و(قوله: فجعلت ألتفت يمينًا وشمالًا، فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي) هذه حالة العارفين بالله تعالى، الخائفين من سطوته وعقوبته، لا كما تفعله جُهَّال العوام، والمبتدعة الطَّغام من الزعيق والزفير، ومن النهيق الذي يشبه نهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجد وخشوع: إنك لم تبلغ ذلك، أي تساوي حال رسول الله ﷺ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله تعالى، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله تعالى، والبكاء خوفًا من الله، والوقار حياءً من الله، وكذلك وصف الله تعالى أحوال أهل المعرفة فقال: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَت قُلُوبُهُم وَإِذَا تُلِيَت عَلَيهِم آيَاتُهُ زَادَتهُم إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ﴾ فصدَّر الله تعالى الكلام في هذه الآية بـ إنما الحاصرة لما بعدها، المحققة له، فكأنه قال: المؤمنون على التحقيق هم الذين تكون أحوالهم هكذا عند سماع ذكر الله، وتلاوة كتابه، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، وكذلك قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعيُنَهُم تَفِيضُ مِنَ الدَّمعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكتُبنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ فهذا وصف حالهم، وحكاية مقالهم، فمن كان مُستنًّا فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والمجون، فهو من أخسَّهم حالًا، والجنون فنون. فإن قيل: فقد صحَّ عن جماعة من السلف أنهم صرخوا عند سماع القرآن، والمواعظ، فقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع قارئًا يقرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾، فصاح صيحة خرَّ مغشيًا عليه، فحمل إلى أهله، فلم يزل مريضًا شهرًا. وروي أن زرارة بن أوفى قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ فصعق ومات في محرابه. وقرأ صالح المرِّي (١) على أبي جهين (١) فمات (٢)، وسمع الشافعي قارئًا يقرأ:
стр. 3450
فَأَنشَأَ رَجُلٌ مِن المَسجِدِ كَانَ يُلَاحَى فَيُدعَى لِغَيرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ
ــ
﴿هَذَا يَومُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤذَنُ لَهُم فَيَعتَذِرُونَ﴾ فغشي عليه.
وسمع علي بن الفضل قارئًا يقرأ: ﴿يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ فسقط مغشيًّا عليه.
فالجواب: أين الدرُّ من الصدف، والمسك من الجيف؟ هيهات قياس الملائكة بالحدَّادين، والمحقِّقين بالممخرقين (١). فإنَّ كنت - يا من لُبِّس عليه - تدَّعي أنك على نعتهم فمت كموتهم، فتنبَّه لبهرجتك، فإنَّ الناقد بصير، والمحاسب خبير. ثم يقال لمن صرخ في حال خطبة الجمعة: إن كنت قد ذهب عقلك حال صعقتك، فقد خسرت في صفقتك، إذ قد سلب عقلك، وذهب فهمك، ولحقت بغير المكلفين، وصرت كالصبيان والمجانين، وحُرِمت سماع الموعظة، وشهود الخطبة. وقد قال مشايخ الصوفية: مهما كان الوارد مانعًا من القيام بفرض، ومانعًا من الخير فهو من الشيطان. ثم يلزم من ذهب عقله أن ينتقض وضوؤه، فإنَّ صلى بعد تلك الغشية الجمعة ولم يتوضأ، كان كمن يشهد (٢) الخطبة ولا صلى، فأي صفقة أخسر ممن هذه صفقته؟ وأي مصيبة أعظم ممن هذه مصيبته؟ وإن كان وقت صراخه في غفلة فقد تكلم في حال الخطبة، وشوش على الحاضرين سماعها، وأظهر بدعة في مجتمع الناس، وعرضهم لأن يجب عليهم تغييرها، فإنَّ لم يفعلوا عصوا، فقد عصى الله من جهات متعددة، وحمل الناس على المعصية، إلى ما ينضاف إلى ذلك من رياء كامنٍ في القلب، وفِسق ظاهر على الجوارح. فنسأل الله تعالى الوقاية من الخذلان، وكفاية أحوال الجهَّال والمجَّان.
و(قوله: ثم أنشأ (٣) رجل من المسجد كان يُلاحَى فَيُدعَى لغير أبيه) أنشأ: أخذ في الكلام، وشرع فيه، ويُلاحَى: يُعيَّرُ ويُذَّم، بأن يُنسَبَ إلى غير أبيه، ويُنفى
стр. 3451
مَن أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ ثُمَّ أَنشَأَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، عَائِذ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ،
ــ
عن أبيه - وسببُ هذا ما كانت أنكحة الجاهلية عليه، فإنَّها كانت على ضروب كما ذكرناه في النكاح، وكان منها: أن المرأة يطؤها جماعة، فإذا حملت، فولدت دُعي لها كل من أصابها، فتُلحق الولد بمن شاءت، فيَلحق به. فربما يكون الولد من خسيس القدر، فتلحقه بكبير القدر، فإذا نفي عمن له مقدار، وألحق بمن لا مقدار له لحقه من ذلك نقص وعار. وكانوا يسألون رسول الله ﷺ عن تحقيق ذلك لينسب لأبيه الحقيقي الذي ولد من نطفته، وتزول عنه تلك المعرَّة. فسأل هذان الرجلان النبيَّ ﷺ عن تحقيق (١) ذلك، فقال لأحدهما: أبوك حذافة، وقال للآخر: أبوك سالم، فتحقَّق نسبهما، وزالت معرَّتهما.
و(قول عمر ﵁: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) كلام يقتضي إفراد الحق بما يجب له تعالى من الربوبية، ولرسوله من الرسالة اليقينية، والتسليم لأمرهما، وحكمهما بالكلية، والاعتراف لدين الإسلام بأنه أفضل الأديان. وإنما صدَّر عمر ﵁ كلامه بنون الجمع، لأنه متكلِّم عن نفسه، وعن كل من حضر هنالك من المسلمين.
و(قوله: عائذٌ بالله من سوء (٢) الفتن) كذا صحَّت الرواية عائذٌ بالرفع، أي أنا عائذ، أي: مستجير. والفتن: جمع فتنة، وقد تقدَّم: أن أصلها الاختبار، وأنها تنصرف على أمور متعددة، ويعني بها هنا: المحن، والمشقات، والعذاب ولذلك قال: من سوء الفتن أي: من سيئها ومكروهها. ولما قال ذلك عمر وضم إلى ذلك قوله: إنا نتوب إلى الله كما جاء في الرواية الأخرى،
стр. 3452
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَم أَرَ كَاليَومِ قَطُّ فِي الخَيرِ وَالشَّرِّ إِنِّي صُوِّرَت لِي الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَرَأَيتُهُمَا دُونَ هَذَا الحَائِطِ.
ــ
سكن غضب رسول الله ﷺ (١). ثم أخذ يُحدِّثهم بما أطلعه الله عليه من أمور الآخرة، فقال: لم أر كاليوم قطّ في الخير والشر، هذا الكلام محمول على الحقيقة لا التوسع والمجاز فإنَّه: لا خير مثل خير الجنَّة، ولا شرَّ مثل شرِّ النار. وقط: هي الظرفية الزمانية، وروينا هاهنا مفتوحة القاف، مضمومة الطاء مشدَّدة، وهي إحدى لغاتها، وتقال بالتخفيف، وتقال: بضم القاف على إتباع حركتها لحركة الطاء، وذلك مع التشديد والتخفيف، فأمَّا قط بمعنى حسب فبتخفيف الطاء وسكونها، وقد تزاد عليها نون بعدها. فيقال: قطني، وقد تحذف النون فيقال: قطي، وقد تحذف الياء، فيقال: قط، بكسر الطاء، وقد يبدل من الطاء دال مهملة، فيقال: قد، ويقال على تلك الأوجه كلها، كله من الصحاح.
و(قوله: إني صوِّرت لي الجنة والنار فرأيتهما دون هذا الحائط) وفي البخاري: لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، وفي البخاري في هذا الحديث: لقد رأيت الآن - منذ صليت بكم الصلاة - الجنة والنار ممتثلتين في قبلة هذا الجدار ظاهر هذه الروايات - وإن اختلفت ألفاظها -: أنه ﷺ رأى مثال الجنة والنار في الجدار الذي استقبله مصوَّرتين فيه، وهذا لا إحالة فيه، كما تتمثل المرئيات في الأجسام الصقلية. يبقى أن يقال: فالحائط ليس بصقيل. ويجاب: بأن اشتراط الصقالة في ذلك: ليس بشرط عقلي، بل: عادي، وذلك محل خرق العادة ووقتها، فيجوز أن يمثلها الله فيما ليس بصقيل (٢)، هذا
стр. 3453
وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَولَى وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَد عُرِضَت عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرضِ هَذَا الحَائِطِ.
وفي أخرى: فَنَزَلَت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم﴾
رواه أحمد (٣/ ١٦٢)، والبخاري (٩٢)، ومسلم (٢٣٥٩) (١٣٦ و ١٣٧).
ــ
على مقتضى ظاهر هذا الحديث، وأما على مقتضى ظاهر أحاديث الكسوف فيكون رآهما حقيقة، ومد يده ليأخذ قطفًا من الجنة، ورأى النار وتأخر مخافة أن يصيبه لفحها، ورأى فيها فلانًا وفلانة. وبمجموع الحديثين تحصل أن الله تعالى أطلع نبيَّه ﷺ على الجنة والنار مرتين:
إحداهما: في صلاة الكسوف إطلاع رؤية كما فصلناه في الكسوف.
وثانيهما: هذه الإطلاعة، وكانت في صلاة الظهر، كما قد جاء في بعض طرق حديث أنس: أنه ﷺ خرج إليهم بعدما زاغت الشمس، فصلَّى بهم الظهر، ثم قام فخطب (١)، وذكر نحو ما تقدَّم. وقد نصَّ عليه البخاري كما نقلته عنه آنفا.
وعُرض الشيء - بالضم-: جانبه، وصفحه. والعَرض -بالفتح -: خلاف الطول.
و(قوله: أولى) هي كلمة تهديد ووعيد، وإذا كررت كان التهديد أعظم، كما قال تعالى: ﴿أَولَى لَكَ فَأَولَى﴾ وهذا المقام الذي قامه النبي ﷺ كان مقامًا هائلًا مخوفًا، ولذلك قال أنس في بعض الطرق الواقعة في الأم (٢): بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء، فخطب فقال: عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا.
стр. 3454
[٢٢٦٩] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَن أَشيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكثِرَ عَلَيهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: سَلُونِي عَمَّ شِئتُم فَقَالَ رَجُلٌ: مَن أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَن أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَبُوكَ سَالِمٌ مَولَى شَيبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ.
رواه البخاريُّ (٩٢)، ومسلم (٢٣٦٠)(١٣٨).
ــ
قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشدُّ (١) منه. قال: غطوا رؤوسهم، ولهم خنين، والرواية المشهورة بالخاء المعجمة، وقد رواه العذري بالحاء المهملة، فالمعجمة: معناها البكاء مع تردُّد الصوت، وقال أبو زيد: الخنين: ضرب من الحنين، وهو الشديد من البكاء.
وقوله في هذه الرواية: إنه بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء أي: عن بعض أصحابه، وذلك أنه بلغه - والله تعالى أعلم -: أن بعض من دخل في أصحابه، ولم يتحقق إيمانه: همَّ أن يمتحن النبي ﷺ بالأسئلة، ويكثر عليه منها ليعجزه، وهذا كان دأب المنافقين وغيرهم من المعادين له ولدين الإسلام، فإنَّهم كانوا: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَيَأبَى اللَّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ﴾ ولذلك لما فهم النبي ﷺ ذلك قال لهم في هذا المجلس: سلوني، سلوني، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به، فكل من سأله في ذلك المقام عن شيء أخبره به - أحبَّه أو كرهه - ولذلك أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وَإِن تَسأَلُوا عَنهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرآنُ تُبدَ لَكُم عَفَا اللَّهُ عَنهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ فأدَّبهم الله تعالى بترك السؤال عما ليس بِمُهم، وخصوصًا عما تقدَّم من أحوال الجاهلية التي قد عفا الله عنها، وغفرها، ولما سمعت الصحابة
стр. 3455
[٢٢٧٠] وعن عَامِرِ بنِ سَعدٍ، عَن أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَعظَمَ المُسلِمِينَ فِي المُسلِمِينَ جُرمًا مَن سَأَلَ عَن شَيءٍ لَم يُحَرَّم عَلَى المُسلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيهِم مِن أَجلِ مَسأَلَتِهِ.
رواه أحمد (١/ ١٧٩)، والبخاريُّ (٧٢٨٩)، ومسلم (٢٣٥٨) (١٣٢ و ١٣٣)، وأبو داود (٤٦١٠).
* * *
ــ
﵃ هذا كله انتهت عن سؤال رسول الله ﷺ إلا في أمر لا يجدون منه بدًّا، ولذلك قال أنس - فيما تقدم -: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع (١).
و(قوله ﷺ : إن أعظم المسلمين جُرمًا في المسلمين من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرِّم عليهم من أجل مسألته) قال أبو الفرج الجوزي: هذا محمولٌ على أن من سأل عن الشيء عنتًا وعبثًا، فعوقب لسوء قصده بتحريم ما سأل عنه، والتحريم يعم.
قلت: والجرم والجريمة: الذنب. وهذا صريحٌ في أن السؤال الذي يكون على هذا الوجه، ويحصل للمسلمين عنه هذا الحرج: هو من أعظم الذنوب، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3456
(٢٦) باب عصمة رسول الله ﷺ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى .
[٢٢٧١] عَن مُوسَى بنِ طَلحَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: مَرَرتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَومٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخلِ فَقَالَ: مَا يَصنَعُ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا:
ــ
(٢٦) ومن باب: عصمة رسول الله ﷺ عن الخطأ فيما يبلغه عن الله تعالى
معنى هذه الترجمة معلوم من حال النبي ﷺ قطعًا بدليل المعجزة، وذلك أن النبي ﷺ لما قال للناس: أنا رسول الله إليكم، أبلغكم ما أرسلني به إليكم من الأحكام والأخبار عن الدار الآخرة وغيرها، وأنا صادق في كل ما أخبركم به عنه، ويشهد لي على ذلك ما أيَّدني به من المعجزات. ثم وقعت المعجزات مقرونة بتحدِّيه، علمنا على القطع والبتات استحالة الخطأ والغلط عليه فيما بلغه عن الله، إما لأن المعجزة تنزلت منزلة قول الله تعالى لنا: صدق، أو لأنها تدل على أن الله تعالى أراد تصديقه فيما قاله عنه، دلالة على قرائن الأحوال، وعلى الوجهين فيحصل العلم الضروري بصدقه، بحيث لا يجوز عليه شيء من الخطأ في كل ما يبلغه عن الله تعالى بقوله، وأما أمور الدنيا التي لا تعلق لها بالدِّين فهو فيها واحد من البشر، كما قال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون (١)، وكما قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بدينكم (٢). وقد تقدم القول في الإبار.
ويلقِّحون مضارع
стр. 3457
يُلَقِّحُونَهُ يَجعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الأُنثَى فَتَلقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغنِي شَيئًا، قَالَ: فَأُخبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: إِن كَانَ يَنفَعُهُم ذَلِكَ فَليَصنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ،
ــ
ألقحَ الفحلُ الناقة، والريحُ السحابَ، و: رياحٌ لواقحُ، ولا يقال: ملاقح، وهو من النوادر، وقد قيل: الأصل فيه: ملقحة، ولكنها لا تلقح إلا وهي في نفسها لاقح، ويقال: لقحت الناقة - بالكسر - لقحًا ولَقَاحًا بالفتح، فهي لاقح، واللقاحُ أيضًا - بالفتح - ما تُلقَحُ به النخل.
و(قوله: ما أظن ذلك يغني شيئًا) يعني به الإبار، إنما قال النبي ﷺ هذا، لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنَّه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئًا من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسك بالقاعدة الكلية المعلومة التي هي: أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل، ولا خالق، ولا مؤثر إلا الله تعالى، فإذا نسب شيء إلى غيره نسبة التأثير فتلك النسبة مجازية عرضيَّة لا حقيقيَّة، فصدق قوله ﷺ : ما أظن ذلك يغني شيئًا؛ لأن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطاة بها ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب، وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل، والرَّيب: ﴿لِيَهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَا مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾
و(قوله: إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن) وقوله في الأخرى: إنما أنا بشر، هذا كله منه ﷺ اعتذار لمن ضعف عقله مخافة أن يزيله (١) الشيطان فيكذب النبي ﷺ فيكفر، وإلا فما جرى شيء يحتاج فيه إلى عذر، غاية ما جرى:
стр. 3458
وَلَكِن إِذَا حَدَّثتُكُم عَن اللَّهِ شَيئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَن أَكذِبَ عَلَى اللَّهِ .
رواه مسلم (٢٣٦١)(١٣٩).
[٢٢٧٢] وعن رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ قَالَ قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وَهُم يَأبُرُونَ النَّخلَ يَقُولُ: يُلَقِّحُونَ النَّخلَ فَقَالَ: مَا تَصنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصنَعُهُ قَالَ: لَعَلَّكُم لَو لَم تَفعَلُوا كَانَ خَيرًا! قال: فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَت - أَو فَنَقَصَت - قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن دِينِكُم فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ مِن رَأييٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.
رواه مسلم (٢٣٦٢)(١٤٠).
ــ
مصلحة دنيوية، خاصَّة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها، ولا كان من أهلها المباشرين لعملها، وأوضح ما في هذه الألفاظ المعتذر بها في هذه القصة قوله: أنتم أعلم بأمر دنياكم، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم.
و(قوله: إذا حدثتكم عن الله فخذوا به) أمر جزم بوجوب الأخذ عنه في كل أحواله: من الغضب والرضا، والمرض والصحة.
و(قوله: فلن أكذب على الله) أي: لا يقع منه فيما يبلغه عن الله كذب، ولا غلط، لا سهوًا ولا عمدًا، وقد قلنا: إن صدقه في ذلك هو مدلول المعجزة، وأما الكذب العمد المحض فلم يقع قط منه في خبر من الأخبار، ولا جرب عليه شيء من ذلك منذ أنشأه الله تعالى، وإلى أن توفاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل الكذب، والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين، يشهد له بذلك كل من عرفه وإن كان من أعدائه، وقد خالفه.
و(قوله: إذا أمرتكم بشيء من رأيي) يعني به في مصالح الدنيا كما دل
стр. 3459
[٢٢٧٣] وعَن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَومٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَو لَم تَفعَلُوا لَصَلُحَ قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِم فَقَالَ: مَا لِنَخلِكُم؟ قَالُوا: قُلتَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنتُم أَعلَمُ بِأَمرِ دُنيَاكُم.
رواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (٢٣٦٣)(١٤١)، وابن ماجه (٢٤٧١).
* * *
ــ
عليه بساط هذه القصة، ونصُّه على ذلك، ولم يتناول هذا اللفظ ما يحكم فيه باجتهاده إذا تنزلنا على ذلك، لأنَّ ذلك أمر ديني تجب عصمته فيه، كما إذا بلغه نصًّا، إذ كل ذلك تبليغ شرعه، وبيان حكم دينه، وإن اختلفت مآخذ الأحكام، كما قد أوضحناه في الأصول.
و(قوله: فإنما أنا بشر) أي: واحد منهم في البشرية، ومساوٍ لهم فيما ليس من الأمور الدينية، وهذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثلُكُم يُوحَى إِلَيَّ﴾ فقد ساوى البشر في البشرية، وامتاز عنهم بالخصوصية الإلهية التي هي: تبليغ الأمور الدينية.
و(قوله: فنفضت أو نقصت) ظاهره أنه شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال: ويحتمل أن يكون أو بمعنى الواو، أي: نفضت ثمرها ونقصت في حملها، وقد دلَّ على هذا قوله في الرواية الأخرى: فخرج شيصًا وهو البلح الذي لا ينعقد نواه، ولا يكون فيه حلاوة إذا أبسر، ويسقط أكثره فيصير حشفًا.
* * *
стр. 3460
(٢٧) باب كيف كان يأتيه الوحي ؟
[٢٢٧٤] عَن عَائِشَةَ أَنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ كَيفَ يَأتِيكَ الوَحيُ؟
ــ
(٢٧) ومن باب كيف كان يأتيه الوحي
قد تقدَّم الكلام على الوحي لغة.
و(قوله: كيف يأتيك الوحي؟ سؤال عن كيفية تلقي النبي ﷺ الوحي عن الملَك، والمراد بالوحي هنا: ما يُلقى للنبي ﷺ من القرآن والأحكام، فأجاب ﷺ بأن ذلك يأتيه على حالتين:
إحداهما: أن يسمع صوتًا شديدًا متتابعًا يشبه صلصلة الجرس، وهو الناقوس، أو شبهه، وهو الذي تعلقه العرب في أعناق الإبل لصوته، وقال بعض العلماء: وعلى هذا النحو تتلقى الملائكة الوحي عن الله تعالى، كما جاء في الحديث الصحيح: إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة الأرض (١) بأجنحتها خَضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان (٢).
قلت: والذي عندي في هذا الحديث: أن هذا تشبيه لأصوات خفق أجنحة الملائكة، فيعني: أنها متتابعة متلاحقة، لا أن الله تعالى يتكلم بصوت، فإنَّ كلامه تعالى ليس بحرف، ولا صوت، كما هو مبرهن عليه في موضعه، فإنَّ أراد هذا القائل: أن كلام الله تعالى القائم به صوت يُسمع بحاسة الأذن، فهو غلط فاحش، وما هذا اعتقاد أهل الحق، وإن أراد: أن الملائكة تسمع كلام ملك آخر يبلغهم عن
стр. 3461
قَالَ: أَحيَانًا يَأتِينِي فِي مِثلِ صَلصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،
ــ
الله بصوتٍ فصحيحٌ، كما تقرر ذلك في حق جبريل، فيما كان يبلغه النبي ﷺ .
و(قوله: وهو أشدُّه عليَّ) إنما كان أشد عليه لسماعه صوت الملك الذي هو غير معتاد، وربما كان شاهد الملك على صورته التي خلق عليها، كما أخبر بذلك عن نفسه في غير هذا الموضع، وكان يشتد عليه أيضًا، لأنَّه كان يريد أن يحفظه ويفهمه مع كونه صوتًا متتابعًا مزعجًا، ولذلك كان يتغيَّر لونه (١)، ويتفصَّد عرقا، ويعتريه مثل حال المحموم، ولولا أن الله تعالى قوَّاه على ذلك، ومكنه منه بقدرته لما استطاع شيئًا من ذلك، ولهلك عند مشافهة الملك، إذ ليس في قوى البشر المعتادة تحمل ذلك بوجه.
والحالة الثانية: وهي أن يتمثل له الملَك في صورة رجل، فيكلمه بكلامه المعتاد، فلا يجد إلى ذلك شيئًا من المشقات، والشدائد، وهذا كما اتَّفق له معه حيث تمثل له في صورة الأعرابي، فسأله عن الإيمان، والإسلام، والإحسان، وكما كان يأتيه في صورة دحية بن خليفة، وكانت صورته حسنة، والحاصل من هذا الحديث، ومن قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ومن غير ذلك من الكتاب والسنة: أن الله تعالى قد مكَّن الملائكة، والجن من التشكل في الصور المختلفة، والتمثيل بها، مع أن للنوعين في أنفسهما خلقًا خاصة بهما، خلقهما الله تعالى عليها، كما قال ﷺ : لم أر جبريل على صورته التي خلق عليها غير (٢) مرتين (٣). والبحث عن كيفية ذلك التمثيل بحث ليس وراءه تحصيل، والواجب التصديق بما جاء من ذلك، ومن أنكر وجود الملائكة والجن وتمثلهم في الصور فقد كفر.
стр. 3462
ثُمَّ يَفصِمُ عَنِّي وَقَد وَعَيتُهُ، وَأَحيَانًا مَلَكٌ فِي صُورَةِ رجُل فَأَعِي مَا يَقُولُ.
رواه أحمد (٦/ ٢٥٧)، والبخاريّ (٢)، ومسلم (٢٣٣٣)(٨٧)، والترمذي (٣٦٣٨)، والنسائي (٢/ ١٤٦).
[٢٢٧٥] وعَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أُنزِلَ عَلَيهِ الوحي كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجهُهُ ونَكَسَ رَأسَهُ، وَنَكَسَ أَصحَابُهُ
ــ
و(قوله: فيفصم عني، وقد وعيت عنه) أي: يذهب عني، ويقلع. يقال منه: فصم، وأفصم بالفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: لا انقطاع، والفصم - بالفاء -: انصداع من غير بينونة، وبالقاف: (١) انصداع مع بينونة. هذا أصلهما، ثم قد يتوسَّع في كل واحد منهما.
ووعيت: فهمت وحفظت. تقول العرب: وعيت العلم- ثلاثيًّا - وأوعيت المتاع في الوعاء - رباعيًّا - وأصلهما: من جعلت الشيء في الوعاء، غير أن استعمالهم فرق بينهما كما قلناه.
وقد اقتصر في هذا الحديث على ذكر طريقي الوحي، ولم يذكر الرؤيا، وهي من الوحي كما تقدم، لأنَّه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن كيفية تلقيه الوحي من الملك، والله أعلم.
و(قوله: كان إذا أنزل عليه الوحي كرب لذلك) وجدناه بتقييد من يوثق بتقييده مبنيًا لما لم يسم فاعله، أي: أصيب بالكرب، وهو الألم والغم. وتربَّد وجهه: علته رُبدة وهي: لون بين السواد والغبرة، ومنه قيل للنعام: رُبدٌ، وجمع ربداء، كحمراء وحُمر. وتنكيس النبي ﷺ رأسه لثقل ما يلقى عليه، ولشدة ما يجده من الكرب. وتنكيس أصحابه رؤوسهم عند ذلك استعظام لذلك الأمر، وهيبة له.
стр. 3463
رُؤوسَهُم، فَلَمَّا أُتلِيَ عَنهُ رَفَعَ رَأسَهُ.
رواه أحمد (٥/ ٣١٧)، ومسلم (٢٣٣٤ و ٢٣٣٥).
[٢٢٧٦] وعن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لَيَأتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُم يَومٌ لَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَن يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيهِ مَن أَهلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُم.
ــ
و(قوله: فلما أُتلِي عنه رفع رأسه) اختلف الرواة في هذا الحرف. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قيَّده شيخنا أبو عبد الله محمد بن عيسى الجياني بضم الهمزة، وتاء باثنتين من فوقها ساكنة، ولام مكسورة، مثل: أُعطِي، وعند الفارسي مثله، إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخه الأسدي: بكسر الثاء المثلثة: أُثِلَ مثل: ضرب. وكان عند شيخنا الحافظ أبي علي: أُجلِي بالجيم مثل: أُعطِي، وعند ابن ماهان: انجلى بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان لهما وجه، أي: انكشف عنه وذهب، وفُرِّج عنه. يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته، أي: فرجته فتفرج، وأجلوا عن قتيل، أي: برحوا عنه وتركوه، ورواه البخاري في كتاب الاعتصام: فلما صعد الوحي (١). وهو صحيح، وفي البخاري في سورة سبحان (٢): فلما نزل الوحي (٣). وكذا في مسلم في حديث سؤال اليهودي (٤)، وهذا وهم بين، ورواه ابن أبي خيثمة: فلما أعلى عنه، أي: نَحَّي عنه. كما قال أبو جهل: اعلُ عني، أي: تنحَّ. نقلته من كتاب مشارق الأنوار للقاضي.
و(قوله: والذي نفس محمد بيده! ليأتين على أحدكم يوم لا يراني، ثم لأن
стр. 3464
رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاريُّ (٣٥٨٩)، ومسلم (٢٣٦٤)(١٤٢).
* * *
(٢٨) باب في ذكر عيسى ابن مريم ﵉
[٢٢٧٧] عن أبي هريرة قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَنَا أَولَى النَّاسِ بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ
ــ
يراني أحبَّ إليه من أهله وماله معهم (١)) (٢) كذا صحيح الرواية، ومعنى هذا الحديث: إخباره ﷺ بأنه إذا فُقِد تغيَّرت الحال على أصحابه من عدم مشاهدته، وفقد عظيم فوائدها، ولِما طرأ عليهم من الخلاف والمحن، والفتن. وعلى الجملة: فساعةَ موته اختلفت الآراء، ونجمت الأهواء، وكاد النظام ينحل لولا أن الله ﵎ تداركه بثاني اثنين، وأهل العقد والحل، وقد عبَّر الصحابة عند مبدأ ذلك التغيُّر لنا بقولهم: ما سوينا التراب على رسول الله ﷺ حتى أنكرنا قلوبنا، فكلما حصل واحدٌ منهم في كربة من تلك الكرب، ودَّ أنه رأى رسول الله ﷺ بكل ما معه من مال وأهل ونشب، وذلك لتذكره ما فات من بركات مشاهدته، ولما حصل بعده من فساد الأمر، وتغيُّر حالته. والله أعلم.
(٢٨) ومن باب ذكر عيسى ﵇
قوله ﷺ : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم أي: أخص، وأقرب، وأقعد، كقوله ﷺ : فَلِأولى عصبة (٣) أي: أقرب، وأحقّ.
стр. 3465
فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ قَالُوا: كَيفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الأَنبِيَاءُ إِخوَةٌ مِن عَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُم شَتَّى، وَدِينُهُم وَاحِدٌ ولَيسَ بَينَنَا نَبِيٌّ.
ــ
و(قوله: في الأولى والآخرة) أي: في الدنيا وفي الدار الآخرة.
و(قوله: كيف يا رسول الله؟ سؤال عن وجه الأولوية. فقال في الجواب: الأنبياء إخوة من عَلَاّت، أُمَّهاتهم شتى، ودينهم واحد، وليس بيني وبينه نبي (١). وفي لفظ آخر: أولاد عَلَاّت (٢). وفي الصحاح: بنو العلَاّت: هم أولاد الرجل من نسوة شتى، سميت بذلك لأن الذي يتزوجها على أولى كانت قبلها، ثم علَّ من هذه، والعَلَلُ: الشرب الثاني. يقال: عَلَلٌ بعد نهلٍ، وعله يعله: إذا سقاه السَّقية الثانية، وقال غيره: سُمُّوا بذلك لأنهم أولاد ضرائر، والعلَاّت الضرائر. وشتَّى: مختلفون، ومنه قوله تعالى: ﴿تَحسَبُهُم جَمِيعًا وَقُلُوبُهُم شَتَّى﴾
قال القاضي أبو الفضل عياض: معناه أن الأنبياء مختلفون في أزمانهم، وبعضهم بعيد الوقت من بعض، فهم أولاد علَاّت، إذ لم يجمعهم زمان واحد، كما لم يجمع أولاد العلَاّت بطن واحد، وعيسى ﵇ لما كان قريب الزمان منه ﷺ ، ولم يكن بينهما نبي، كانا كأنهما في زمان واحد، فكانا بخلاف غيرهما.
قلت: هذا أشبه ما قيل في هذا الحديث، ويستفاد منه: إبطال قول من قال: إنه كان بعد عيسى أنبياء ورسل، فقد قال بعض الناس: إن الحواريين كانوا أنبياء، وأنهم أرسلوا إلى الناس بعد عيسى، وهو قول أكثر النصارى، كما ذكرناه في كتاب الإعلام.
و(قوله: ودينهم واحد) أي: في (٣) توحيدهم، وأصول أديانهم، وطاعتهم
стр. 3466
رواه أحمد (٢/ ٣١٩)، والبخاريُّ (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥)(١٤٥).
ــ
لله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية، ولم يُرِد فروع الشرائع، فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾
و(قوله: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان) يعني به: أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى: يوم يولد أي: حين يولد. والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين. كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلبَثُوا﴾ أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: ليأتين على أحدكم يوم لا يراني (١) أي: زمن ووقت، وهو كثير. وكأن النَّخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط، وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران، واسمها حنَّة بنت فاقود، وكانت لما حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية. ولذلك لما ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ أي: فيما نذرته له من الرهبانية.
стр. 3467
[٢٢٧٨] وعنه: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيطَانُ، فَيَستَهِلُّ صَارِخًا مِن نَخسَةِ الشَّيطَانِ إِلَّا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ. ثُمَّ
ــ
و(قوله: كل مولود (١) وما من مولود) ظاهر قوي في العموم والإحاطة، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه، فإنَّ ذلك ظن فاسد، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين (١)، كما قال رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عصما من نخسه - فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. وقد خصَّ الله تعالى نبينا ﷺ بخاصيَّة كمل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صحَّ إسلامه (٢)، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمه. وفي غير كتاب مسلم: فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب (٣)، أي: في الحجاب الذي حجب به عيسى ﵇، فإمَّا حجاب مهده، وإما حجاب بيته.
و(قوله: صياح المولود نزغة من الشيطان (٤)) الرواية المعروفة: نزغة
стр. 3468
قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: اقرَؤوا إِن شِئتُم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾
وفي رواية: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيطَانُ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريّ (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) (١٤٦ و ١٤٧).
[٢٢٧٩] وعنه: قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَى عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبتُ نَفسِي.
رواه أحمد (٢/ ٣١٤)، والبخاريّ (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨)، والنسائي (٨/ ٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٠٢).
* * *
ــ
- بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء بالفساد، ووقع لبعض الرواة: فزعة - بالفاء والعين المهملة -: من الفزع.
و(قوله: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق فقال: سرقت. قال: كلا والذي لا إله إلا هو) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: سرقت أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه، لأنَّه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرز في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك، فحذف همزة الاستفهام، وحذفها قليل.
و(قول الرجل: كلا) أي: لا. نفى ذلك، ثم أكده باليمين.
و(قول عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي) أي: صدَّقت من حلف بالله،
стр. 3469
(٢٩) باب في ذكر إبراهيم ﵇
[٢٢٨٠] عَن أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَاكَ إِبرَاهِيمُ ﵇.
رواه أحمد (٣/ ١٧٨)، ومسلم (٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٤٩).
ــ
وكذبت ما ظهر من ظاهر السَّرقة، فإنَّه يحتمل: أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو يكون صاحبه قد أذن له في ذلك، ويحتمل أن يكون أخذه ليقلبه، وينظر إليه.
ويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة.
(٢٩) ومن باب ذكر إبراهيم ﵇
قوله ﷺ للذي قال له: يا خير البرية: ذاك إبراهيم البرية: الخلق، وتهمز، ولا تهمز، وقد قرئ بهما، واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من البراء، وهي: التراب. فعلى هذا لا يهمز. وقيل: هي مأخوذة من برأ الله الخلق - بالهمز -، أي: خلقهم، وعلى هذا فيهمز، وقد يكون من هذا، وتسهل همزتها، كما سهلوا همزة خابية، وهي من: خبأت مهموزًا. والبرية في الوجهين: فعيلة بمعنى مفعولة، وقد عارض هذا الحديث قوله ﷺ : أنا سيِّد ولد آدم (١). وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف والأمَّة: أنه أفضل ولد آدم، وقد انفصل عن هذا بوجهين:
أحدهما: أن ذلك من النبي ﷺ على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على
стр. 3470
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ربي يوم القيامة ولا فخر (١). وخصوصًا على إبراهيم، الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم.
وثانيهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة، والبركة، والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا (٢) ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه، وكرَّمه، وفضله على جميع خلقه، وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد. قال: رُدَّ على الأول، أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب، والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ. والجواب عنهما: أن يقال (٣): إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه، وتأدب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ علي، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد، لا عقلًا، ولا نقلًا، وهذا كما قال: لا تفضلوني على موسى (٤) أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدَّمناه ويأتي. بهذا أظهر هذا اللفظ أن ذلك راجع إلى