← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

رواه أحمد (٢/ ٣١٩)، والبخاريُّ (٣٤٤٣)، ومسلم (٢٣٦٥) (١٤٥). ــ لله تعالى، واتباعهم لشرائعه، والقيام بالحق، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية، ولم يُرِد فروع الشرائع، فإنَّهم مختلفون فيها كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾ و(قوله: ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخًا من نخسة الشيطان) يعني به: أول وقت الولادة حين يستهل أوَّل استهلال، بدليل قوله في الرواية الأخرى: يوم يولد أي: حين يولد. والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين. كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَم يَلبَثُوا﴾ أي: حين يرون، كما تقدَّم في الحديث قبل هذا: ليأتين على أحدكم يوم لا يراني (١) أي: زمن ووقت، وهو كثير. وكأن النَّخس من الشيطان إشعار منه بالتمكن والتسليط، وحفظ الله تعالى لمريم وابنها من نخسته تلك التي هي ابتداء التسليط ببركة إجابة دعوة أمها حين قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها لما حضرها في ذلك الوقت من صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وصحة التوكل، وأمها هي امرأة عمران، واسمها حنَّة بنت فاقود، وكانت لما حملت نذرت، وأوجبت على نفسها أن تجعل ما تلده منزهًا منقطعًا للعبادة، لا يشتغل بشيء مما في الوجود، على شريعتهم في الرهبانية، وملازمتهم الكنائس، وانقطاعهم فيها إلى الله تعالى بالكلية. ولذلك لما ولدتها أنثى قالت: ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾ أي: فيما نذرته له من الرهبانية.

стр. 3467

[٢٢٧٨] وعنه: أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيطَانُ، فَيَستَهِلُّ صَارِخًا مِن نَخسَةِ الشَّيطَانِ إِلَّا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ. ثُمَّ ــ و(قوله: كل مولود (١) وما من مولود) ظاهر قوي في العموم والإحاطة، ولما استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص لا سيما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا: أن الشيطان ينخس جميع ولد آدم حتى الأنبياء، والأولياء، إلا مريم وابنها، وإن لم يكن كذا بطلت الخصوصية بهما، ولا يفهم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال المنخوس وإغواؤه، فإنَّ ذلك ظن فاسد، وكم قد تعرض الشيطان للأنبياء، والأولياء بأنواع الإفساد، والإغواء، ومع ذلك يعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكِّل به قرينُه من الشياطين (١)، كما قال رسول الله ﷺ ، وعلى هذا فمريم وابنها - وإن عصما من نخسه - فلم يعصما من ملازمته لهما ومقارنته. وقد خصَّ الله تعالى نبينا ﷺ بخاصيَّة كمل عليه بها إنعامه بأن أعانه على شيطانه حتى صحَّ إسلامه (٢)، فلا يكون عنده شرٌّ، ولا يأمره إلا بخير، وهذه خاصَّة لم يؤتها أحدٌ غيره، لا عيسى، ولا أمه. وفي غير كتاب مسلم: فذهب الشيطان ليطعن في خاصرته فطعن في الحجاب (٣)، أي: في الحجاب الذي حجب به عيسى ﵇، فإمَّا حجاب مهده، وإما حجاب بيته. و(قوله: صياح المولود نزغة من الشيطان (٤)) الرواية المعروفة: نزغة

стр. 3468

قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: اقرَؤوا إِن شِئتُم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي رواية: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيطَانُ يَومَ وَلَدَتهُ أُمُّهُ إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا. رواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريّ (٣٥٤٨)، ومسلم (٢٣٦٦) (١٤٦ و ١٤٧). [٢٢٧٩] وعنه: قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَى عِيسَى ابنُ مَريَمَ رَجُلًا يَسرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبتُ نَفسِي. رواه أحمد (٢/ ٣١٤)، والبخاريّ (٣٤٤٤)، ومسلم (٢٣٦٨)، والنسائي (٨/ ٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٠٢). * * * ــ - بالنون والزاي ساكنة والغين المعجمة - من النزغ: وهو الوسوسة، والإغراء بالفساد، ووقع لبعض الرواة: فزعة - بالفاء والعين المهملة -: من الفزع. و(قوله: رأى عيسى ابن مريم رجلًا يسرق فقال: سرقت. قال: كلا والذي لا إله إلا هو) ظاهر قول عيسى لهذا الرجل: سرقت أنه خبر عما فعل الرجل من السرقة، وكأنه حقق السرقة عليه، لأنَّه رآه قد أخذ مالًا لغيره من حرز في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك، فحذف همزة الاستفهام، وحذفها قليل. و(قول الرجل: كلا) أي: لا. نفى ذلك، ثم أكده باليمين. و(قول عيسى: آمنت بالله، وكذبت نفسي) أي: صدَّقت من حلف بالله،

стр. 3469

(٢٩) باب في ذكر إبراهيم ﵇ [٢٢٨٠] عَن أَنَسِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا خَيرَ البَرِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ذَاكَ إِبرَاهِيمُ ﵇. رواه أحمد (٣/ ١٧٨)، ومسلم (٢٣٦٩)، وأبو داود (٤٦٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٤٩). ــ وكذبت ما ظهر من ظاهر السَّرقة، فإنَّه يحتمل: أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو يكون صاحبه قد أذن له في ذلك، ويحتمل أن يكون أخذه ليقلبه، وينظر إليه. ويستفاد من هذا الحديث درء الحد بالشبهة. (٢٩) ومن باب ذكر إبراهيم ﵇ قوله ﷺ للذي قال له: يا خير البرية: ذاك إبراهيم البرية: الخلق، وتهمز، ولا تهمز، وقد قرئ بهما، واختلف في اشتقاقها، فقيل: هي مأخوذة من البراء، وهي: التراب. فعلى هذا لا يهمز. وقيل: هي مأخوذة من برأ الله الخلق - بالهمز -، أي: خلقهم، وعلى هذا فيهمز، وقد يكون من هذا، وتسهل همزتها، كما سهلوا همزة خابية، وهي من: خبأت مهموزًا. والبرية في الوجهين: فعيلة بمعنى مفعولة، وقد عارض هذا الحديث قوله ﷺ : أنا سيِّد ولد آدم (١). وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة، وأقوال السلف والأمَّة: أنه أفضل ولد آدم، وقد انفصل عن هذا بوجهين: أحدهما: أن ذلك من النبي ﷺ على جهة التواضع، وترك التطاول على الأنبياء، كما قال: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم ولد آدم على

стр. 3470

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ربي يوم القيامة ولا فخر (١). وخصوصًا على إبراهيم، الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم. وثانيهما: أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل، فأخبر به كما أمر، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة، والبركة، والخلة، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال: إن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا (٢) ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه، وكرَّمه، وفضله على جميع خلقه، وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد. قال: رُدَّ على الأول، أن قيل: كيف يصح من الصادق المعصوم أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب، والوارد على الثاني: أن ذلك خبر عن أمر وجودي، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ. والجواب عنهما: أن يقال (٣): إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه، وتأدب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرض للمعنى، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ علي، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه، واحترامًا له. ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد، لا عقلًا، ولا نقلًا، وهذا كما قال: لا تفضلوني على موسى (٤) أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول، كما قدَّمناه ويأتي. بهذا أظهر هذا اللفظ أن ذلك راجع إلى

стр. 3471

[٢٢٨١] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اختَتَنَ إِبرَاهِيمُ ﵇ وَهُوَ ابنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالقَدُومِ. رواه أحمد (٢/ ٣٢٢)، والبخاري (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠). ــ منع إطلاق لفظ وإباحته، فذلك خبر عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى الوجودي، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه، ووضعه، وصحَّ الحكم به، ونسخه من غير تعرُّض للمعنى، والله أعلم. سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجودي، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل، بل: منها ما يتبدل، ولا يلزم من تبدله تناقض، ولا محال، ولا نسخ، كالإخبار عن الأمور الوضعية. وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرَّما مفضلًا، إنما ذلك بحسب ما يُكرَّم به، ويُفضل على غيره، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره، وفي وقت يزاد على ذلك الغير، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد، فيقال: غلبه في المنزلة الأولى مُكرَّم مُقرَّب، وفي الثانية مُفضل بقيد. وفي الثالثة، مُفضل مطلقًا، ولا يلزم من ذلك تناقض، ولا نسخ، ولا مُحال، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط عليه (١)، وشدَّ عليه يدًا. و(قوله: اختتن إبراهيم ﵇ بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة) اختلف الرواة في تخفيف دال القدوم وتشديدها، واختلفوا أيضًا في معناها. فالذي عليه أكثر الرواة التخفيف، ويعني به: آلة النَّجَّار، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة النجارة. ورواه بعضهم مشدَّدًا. وفسَّره بعض اللغويين: بأنه موضع معروف بالشام، ومنهم من قال: بالسَّرَاة، وحكي عن أبي جعفر اللُّغوي: قدُّوم: المكان مشدَّد، معرفة، لا تدخله الألف واللام، قال: ومن رواه في حديث إبراهيم ﵇ مخففًا فإنما يعني بها الآلة التي ينجر بها، وفي الصحاح: القدوم:

стр. 3472

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الذي ينحت به مخففًا. قال ابن السِّكيت: لا تقل: قدُّوم بالتشديد، والجمع: قدم. قال الأعشى: أقام به شاهَبُورُ الجنُو ... د حَولَين يَضرِب فيه القُدُم وجمع القُدُم: قدائم، مثل: قُلُص وقلائص، والقدوم أيضًا: اسم موضع مخفَّف. قلت: ويحصل من أقوالهم: أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفف، وإذا أريد به الموضع ففيه التشديد والتخفيف، ويحتمل أن يراد بالقدوم في الحديث: الآلة والموضع. و(قوله: وهو ابن ثمانين سنة) وفي غير كتاب مسلم: أنه اختتن وهو ابن ثمانين سنة، وعاش مائة وعشرين سنة. قال القاضي عياض ﵀: قد جاء هذا الحديث من رواية مالك، والأوزاعي، وفيه: اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة. ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. إلا أن مالكًا ومن تابعه وقفوه على أبي هريرة. قلت: قد تقدَّم: أن إبراهيم أوَّل من اختتن، وأن ذلك لم تزل سُنَّة عامة معمولًا بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه. وهو حكم التوراة على بني إسرائيل كلهم، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى ﵇ غير أن طوائف من النصارى تأوَّلوا ما جاء في التوراة من ذلك، بأن المقصود زوال غُلفَة القلب، لا جلدة الذكر، فتركوا المشروع من الختان بضرب من الهذيان، وليس هذا بأوَّل جهالاتهم، فكم لهم منها وكم! ويكفيك من ذلك: أنّهم زادوا على أنبيائهم في الفهم، وغلَّطوهم فيما عملوا عليه، وقضوا به من الحكم. وقد أسبغنا القول في هذا في كتاب الإعلام.

стр. 3473

[٢٢٨٢] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَم يَكذِب إِبرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ ثِنتَينِ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَولُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وَقَولُهُ: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾ ــ و(قوله: لم يكذب إبراهيم النبي ﵇ قط إلا ثلاث كذبات، ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾ وواحدة في شأن سارة) قد تقدَّم الكلام على هذه الكذبات في كتاب الإيمان، وذكرنا هناك: أنها أربع، زيد فيها قوله للكوكب: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ ولم يذكرها في هذا الحديث، مع أنه قد جاء بلفظ الحصر، فينبغي ألا يقال عليها: كذبة في حق إبراهيم، إذ قد نفاها الرسول ﷺ بهذا الحصر، وإنَّما لم تعد عليه كذبة وهي أدخل في الكذب من هذه الثلاث، لأنَّه - والله أعلم - حين قال ذلك في حال الطفولية، وليست حال تكليف، ويقوي هذا المعنى قول من حكى عنه ذلك، كما تقدَّم في الإيمان. و(قوله: اثنتين في ذات الله) أي: في الدفع عن وجود الله، وبيان حجته على أن المستحق للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج معهم بأنه سقيم، فورى بهذا اللفظ، وهو يريد خلاف ما فهموا عنه - كما بيَّناه في الإيمان - حتى يخلو بالأصنام فيكسرها، ففعل ذلك، وترك كبير الأصنام لينسب إليه كسرها بذلك (١)، قولًا يقطعهم به، فإنَّهم لما رجعوا من عيدهم فوجدوا الأصنام مكسَّرة: ﴿قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فقال بعضهم: ﴿سَمِعنَا فَتًى يَذكُرُهُم يُقَالُ لَهُ إِبرَاهِيمُ﴾ وكان هذا الذكر هو قول إبراهيم لهم: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصنَامَكُم بَعدَ أَن تُوَلُّوا مُدبِرِينَ﴾ فلما أحضروه: قَالُوا: ﴿أَأَنتَ فَعَلتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبرَاهِيمُ﴾ فأجابهم بقوله:

стр. 3474

وَوَاحِدَةٌ فِي شَأنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ، وَكَانَت أَحسَنَ النَّاسِ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الجَبَّارَ إِن يَعلَم أَنَّكِ امرَأَتِي يَغلِبنِي عَلَيكِ، ــ ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا فَاسأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِم﴾ أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجَّة المتفطِّن لحجَّة خصمه: ﴿فَقَالُوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعبادة من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، فكيف ينفع عابديه، ويدفع عنهم البأس من لا يردُّ عن رأسه الفأس: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِم﴾ أي: عادوا إلى جهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ فقال قاطعًا لما به يهذون، ومفحمًا لهم فيما يتقولون: ﴿أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم * أُفٍّ لَكُم وَلِمَا تَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلُونَ﴾ و(قوله: ذات الله) يعني به: وجود الله المنزه عن صفات المخلوقات، والمقدَّس عن ذوات المحدثات، وفيه دليل على جواز إطلاق لفظ الذات على وجود الله تعالى، فلا يُلتفت لإنكار من أنكر إطلاقه على المتكلمين. و(قوله: وواحدة في شأن سارة) هذه الواحدة هي من إبراهيم ﵇ مدافعة عن حكم الله تعالى الذي هو: تحريم سارة على الجبَّار، والثنتان المتقدِّمتان مدافعة عن وجود الله تعالى، فافترقا، فلذلك فرَّق في الإخبار بين النوعين. و(قوله: إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك) قيل: إن ذلك الجبَّار كانت سيرته: أنه لا يغلبُ الأخ على أخته، ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدلّ مساق (١) هذا الحديث، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حق جبَّار ظالم؟

стр. 3475

فَإِن سَأَلَكِ فَأَخبِرِيهِ أَنَّكِ أُختِي فَإِنَّكِ أُختِي فِي الإِسلَامِ، فَإِنِّي لَا أَعلَمُ فِي الأَرضِ مُسلِمًا غَيرِي وَغَيرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرضَهُ رَآهَا بَعضُ أَهلِ الجَبَّارِ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَد قَدِمَ أَرضَكَ امرَأَةٌ لَا يَنبَغِي لَهَا أَن تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا فَأُتِيَ بِهَا فَقَامَ إِبرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَخَلَت عَلَيهِ لَم يَتَمَالَك ــ و(قوله: فإنَّ سألك فأخبريه: أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام) هذا صحيح ليس فيه من الكذب شيء، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ لكن لما كان الأسبق للفهم من لفظ الأخوة إنما هي أخوَّة النسب، كان من باب المعاريض، لأنَّ ظاهر اللفظ يوهم شيئًا، ومراد المتكلم غيره. وقيل عليه كذب توسُّعًا، وأطلق النبي ﷺ عليها كذبًا، لأنَّ الله تعالى قد أعلمه: أن إبراهيم يطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدم في كتاب الإيمان، وأيضًا: فليُنبَّه بذلك على أن الأنبياء منزهون عن الكذب الحقيقي، لأنَّهم إذا كانوا يَفرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يجادلون بها عن الله تعالى، وعن دينه، وهي من باب الواجب وتعد عليهم، كان أحرى وأولى أن لا يصدر عنهم شيء من الكذب الممنوع، وفي هذا ما يدلّ على جواز المعاريض والحيل في التخلص من الظَّلمة. بل نقول: إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصَّراح جاز أن يكذبَه، بل قد يجب في بعض الصور بالاتفاق بين الفِرَق، ككذبة تنجي نبيًّا، أو وليًّا ممن يُريد قتله، أو أمنًا من المسلمين من عدوهم. وفيه: ما يدل على أن العمل بالأسباب المعتادة التي يرجى بها دفع مضرَّة، أو جلب منفعة لا يقدح في التوكل، خلافًا لما ذهب إليه جُهَّال المتوكِّلة، وقد تقدَّم كثير من نحو هذا. وقول الجبَّار لسارة حين قبضت يده عنها: ادعي الله لي (١) يدلّ على أن هذا الجبَّار كان عنده معرفة بالله تعالى، وبأن لله من عباده من إذا دعاه أجابه، ومع

стр. 3476

أَن بَسَطَ يَدَهُ إِلَيهَا فَقُبِضَت يَدُهُ قَبضَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ لَهَا: ادعِي اللَّهَ أَن يُطلِقَ يَدِي وَلَا أَضُرُّكِ فَفَعَلَت، فَعَادَ فَقُبِضَت أَشَدَّ مِن القَبضَةِ الأُولَى فَقَالَ لَهَا مِثلَ ذَلِكَ فَفَعَلَت، فَعَادَ فَقُبِضَت أَشَدَّ مِن القَبضَتَينِ الأُولَيَينِ، فَقَالَ: ادعِي اللَّهَ أَن يُطلِقَ يَدِي فَلَكِ اللَّهَ أَن لَا أَضُرَّكِ فَفَعَلَت وَأُطلِقَت يَدُهُ، وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيتَنِي بِشَيطَانٍ وَلَم تَأتِنِي بِإِنسَانٍ، فَأَخرِجهَا مِن أَرضِي، وَأَعطِهَا هَاجَرَ، قَالَ: فَأَقبَلَت تَمشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبرَاهِيمُ ﵇ انصَرَفَ فَقَالَ لَهَا: مَهيَم؟ قَالَت: خَيرًا كَفَّ اللَّهُ ــ ذلك فلم يكن مسلمًا، لأنَّ إبراهيم ﵇ قد قال لسارة: ما أعلم على الأرض مسلمًا غيري وغيرك. وقول الجبَّار: لك الله ألا أضرك الرواية فيه بالنصب، لا يجوز غيره، وهو قسم، ومقسم به، ومقسم عليه، وفيه حذف يتبيَّن بالتقدير، وتقدير ذلك: أقسم بالله على ألا أضرك، فحذف الخافض، فتعدَّى الفعل فنصب، ثم حذف فعل القسم، وبقي المقسم به - وهو الله تعالى - منصوبًا، وكذلك المقسم عليه وهو: ألا أضرك، يعني مفتوح همزة ألا، ويجوز في أضرك رفع الراء على أن تكون أن مخففة من الثقيلة، ويجوز فيها النصب على أن تكون أن الناصبة للفعل المضارع. وقول الجبَّار للذي جاءه بسارة: إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان) كلام يناقض قوله: ادعي الله لي فيكون ذمُّه لها عنادًا، بعد أن ظهر له كرامتها على الله، أو إخفاء لحالها لئلا يتحدث بما ظهر عليها من الكرامة، فتعظم في نفوس الناس وتُتَّبع، فلبَّس على السامع بقوله: إنما أتيتني بشيطان. و(قول إبراهيم ﵇: مهيم) قال الخليل: هي كلمة لأهل اليمن خاصة. معناها: ما هذا؟ وفي الصحاح: هي كلمة يستفهم بها، معناها: ما حالك؟ وما شأنك؟ ونحوه قال الطبري. و(قوله: قالت: خيرًا) هو منصوب بفعل مضمر، أي: فعل الله خيرًا. ثم

стр. 3477

يَدَ الفَاجِرِ وَأَخدَمَ خَادِمًا، قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: فَتِلكَ أُمُّكُم يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. رواه أحمد (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤)، والبخاري (٢٢١٧)، ومسلم (٢٣٧١)، وأبو داود (٢٢١٢). * * * ــ فسَّرت الخير بقولها: كبت (١) الله يد الفاجر، وأخدم خادمًا) أي: عصمها الله منه بما أظهر من كرامتها، وأعطاها الله خادمًا، وهي: هاجر. ويقال: آجر - بالهمزة يبدلونها من الهاء -. وفيه: جواز قبول هدية المشرك، وقد تقدم القول فيها. وقول أبي هريرة ﵁: فتلك أُمُّكم يا بني ماء السَّماء، فتلك: إشارة إلى هاجر، والمخاطب: العرب. قال الخطابي: سُمُّوا بذلك لانتجاعهم المطر، وماء السماء للرعي. وقال غيره: سُمُّوا بذلك لخلوص نسبهم، وصفائه. وشبَّهه بماء السماء. قال القاضي أبو الفضل: والأظهر عندي: أن المراد به الأنصار. نسبهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، وكان يعرف بماء السماء، وهو مشهور. والأنصار كلهم بنو حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم. * * *

стр. 3478

(٣٠) باب [٢٢٨٣] عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَانَت بَنُو إِسرَائِيلَ يَغتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنظُرُ بَعضُهُم إِلَى سَوأَةِ بَعضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغتَسِلُ وَحدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمنَعُ مُوسَى ﵇ أَن يَغتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوبَهُ عَلَى حَجَرٍ، ــ (٣٠) ومن باب ذكر موسى ﵇ قوله: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى سوأة بعض إنما كانت بنو إسرائيل تفعل ذلك معاندة للشرع، ومخالفة لموسى ﵇، وهو من جملة عتوِّهم، وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى، ألا ترى أن موسى ﵇ كان يستتر عند الغسل، فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه، ثم لم يكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُدرة، فأظهر الله تعالى براءته مما قالوا بطريق خارق للعادة، زيادة في أدلة صدق موسى ﵇ ومبالغة في قيام الحجة عليهم. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على أن الله تعالى كمَّل أنبياءه خلقًا وخُلُقًا، ونزههم في أول خلقهم من المعايب، والنقائص المنفرة عن الاقتداء بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خلقه الله تعالى أعمى، ولا أعور (١)، ولا أقطع، ولا أبرص، ولا أجذم، ولا غير ذلك من العيوب والآفات التي تكون نقصًا، ووصمًا يوجب لمن اتَّصف بها شينًا وذمًّا، ومن تصفَّح أخبارهم، وعلم أحوالهم علم ذلك على القطع. وقد ذكر القاضي ﵀ في الشفاء من هذا جملة وافرة، ولا يعترض عليها بعمى يعقوب، وبابتلاء أيوب، فإنَّ ذلك كان طارئًا عليهم محبَّةً لهم، وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم

стр. 3479

فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوبِهِ. قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأثرِهِ يَقُولُ: ثَوبِي حَجَرُ. ثَوبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَت بَنُو إِسرَائِيلَ إِلَى سَوأَةِ مُوسَى، فقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِن بَأسٍ. فَقَامَ الحَجَرُ بعد حَتَّى نُظِرَ إِلَيهِ. قَالَ: فَأَخَذَ ثَوبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَربًا. ــ وصبرهم، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربهم. ثم إن الله تعالى أظهر كرامتهم، ومعجزاتهم بأن أعاد يعقوب بصيرًا عند وصول قميص يوسف له، وأزال عن أيوب جذامه وبلاءه عند اغتساله من العين التي أنبع الله تعالى له عند رَكضِه الأرض برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكينا في كمالهم، ومنزلتهم. والآدر - بمد الهمزة -: هو ذو الأُدرة، بضم الهمزة، وسكون الدال، وهي عظم الخصيتين، وانتفاخهما. و(قوله: فجمح موسى بأثره) أي: أسرع في مشيه خلف الحجر ليأخذ ثوبه. والجموح من الخيل: هو الذي يركب رأسه في إسراعه، ولا يَثنيه شيء، وهو عيب فيها، وإنَّما أطلق على إسراع موسى خلف الحجر جماحًا، لأنَّه اشتدَّ خلفه اشتدادًا لا يثنيه شيء عن أخذ ثوبه، وهو مع ذلك ينادي: ثوبي حجر! ثوبي حجر! كل ذلك استعظام لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى، وكذبهم الله في قولهم، وقامت حجته عليهم. وقول موسى ﵇: ثوبي حجر! ثوبي حجر! منصوب بفعل مضمر، وحجر مناد مفرد محذوف حرف النداء، وتقدير الكلام: أعطني ثوبي يا حجر! أو: اترك ثوبي يا حجر! فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. وحذف حرف النداء هنا استعجالًا للمنادى، وقد جاء في كلام العرب حذف حرف النداء مع النكرة، كما قالوا: اطرق كرا، وافتدِ مخنوق، وهو قليل. وإنما نادى موسى ﵇ الحجر نداء من يعقل، لأنَّه صدر عن الحجر فعل من يعقل. وفي وضع موسى ثوبه على الحجر، ودخوله في الماء عريانًا: دليلٌ على جواز ذلك،

стр. 3480

قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ بِالحَجَرِ نَدَبٌ سِتَّةٌ أَو سَبعَةٌ، ضَربُ مُوسَى ﵇ بِالحَجَرِ. وفي رواية: قال أبو هريرة: كَانَ مُوسَى ﵇ رَجُلًا حَيِيًّا. قال: فَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا وذكر نحوه. قال: ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ رواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريُّ (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩) في الفضائل (١٥٥)، والترمذي (٣٢١٩). ــ وهو مذهب الجمهور. ومنعه ابن أبي ليلى، واحتج بحديث لم يصح، وهو قوله ﷺ : لا تدخلوا الماء إلا بمئزر، فإنَّ للماء عامرًا (١). قال القاضي: وهو ضعيف عند أهل العلم. وجاء في الأم قال: فاغتسل عند مُوَيه (٢) وهو تصغير ماء، هكذا في رواية العذري، ورواها أكثر الرواة: المشربة - بفتح الميم والراء - وأصله: موضع الشرب، وأراد به الماء. والمشربة - بفتحها أيضًا -: الأرض اللَّينة، فأمَّا المشربة التي هي الغرفة فتقال: بفتح الراء وضمها، كما تقدم. وطفق من أفعال المقاربة، كجعل وأخذ، ويقال: بفتح الفاء وكسرها، والندب: الأثر وهو بفتح الدال.

стр. 3481

[٢٢٨٤] وعن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَرَرتُ عَلَى مُوسَى لَيلَةَ أُسرِيَ بِي عِندَ الكَثِيبِ الأَحمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبرِهِ. رواه أحمد (٣/ ١٢٠)، ومسلم (٢٣٧٥) (١٦٤)، والنسائي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦). * * * ــ و(قوله: مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو يصلِّي في قبره (١)) الكثيب: هو الكوم من الرمل ويجمع كثبًا، وهذا الكثيب هو بطريق بيت المقدس، كما سيأتي. وهذا الحديث يدلّ بظاهره على: أنه ﷺ رأى موسى رؤية حقيقية في اليقظة، وأن موسى كان في قبره حيًّا، يصلي فيه الصلاة التي كان يصليها في الحياة، وهذا كله ممكن لا إحالة في شيء منه، وقد صحَّ أن الشهداء أحياء يرزقون، ووجد منهم من لم يتغير في قبره من السنين كما ذكرناه. وإذا كان هذا في الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأولى، فإنَّ قيل: كيف يصلون بعد الموت وليس تلك الحال حال تكليف؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف وإنَّما ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّبت لهم عبادة الله. والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توفوا وهم على ذلك، فشرَّفهم الله تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يحبون، وما عُرفوا به، فتكون عبادتهم إلهاميِّة كعبادة الملائكة، لا تكليفية، وقد وقع مثل هذا لثابت البناني ﵁، فإنَّه حُبِّبت الصلاة إليه حتى كان يقول: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا يصلِّي لك في قبره، فأعطني ذلك. فرآه مُلحِدُه، بعدما سوَّى عليه لحده قائمًا يصلِّي في قبره، وقد دلَّ على صحة ذلك كله قول نبينا ﷺ : يموت المرء على ما عاش

стр. 3482

(٣١) باب قصة موسى مع الخضر ﵇ [٢٢٨٥] عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوفًا البِكَالِيَّ يَزعُمُ أَنَّ مُوسَى ﵇ صَاحِبَ بَنِي إِسرَائِيلَ لَيسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الخَضِرِ ﵇، فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، سَمِعتُ أُبَيَّ بنَ كَعبٍ ــ عليه، ويحشر على ما مات عليه (١). وقد جاء في الصحيح: أن أهل الجنَّة يلهمون التسبيح كما تلهمون النَّفس (٢). (٣١) ومن باب قصَّة موسى مع الخضر ﵉ قوله: إن نَوفًا البكالي، لم يختلف في أن نوفًا هو بفتح النون، وإسكان الواو وفتح الفاء منوَّنة، وأما البكالي: فروايتي فيه بكسر الباء، وفتح الكاف وتخفيفها على كل من قرأتُه عليه في البخاري ومسلم، وهي المعروفة، وقد ضبطها الخشني، وأبو بكر - بفتح الباء والكاف، وتشديد الكاف - والأول الصواب. وبكال: بطن من حِميَر، وقيل من هَمدان، وإليهم ينسب نوف هذا، وهو نوف بن فضالة على ما قاله ابن دريد، وغيره. يكنى بأبي زيد، وكان عالِمًا فاضلًا، وإمامًا لأهل دمشق، وقيل: هو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته. و(قول ابن عباس: كذب عدو الله) قول أصدره غضب على من يتكلم بما لم يصح، فهو إغلاظ، وردع، وقد صار غير نوفٍ إلى ما قاله نوف، لكن الصحيح ما قاله ابن عباس على ما حكاه في الحديث.

стр. 3483

يَقُولُ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَامَ مُوسَى ﵇ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسرَائِيلَ فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعلَمُ. قَالَ: فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِ إِذ لَم يَرُدَّ العِلمَ إِلَيهِ، ــ و(قوله: قام موسى خطيبًا، فسُئِل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا (١)، فعَتَب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه) مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق الحديث عليه فلنبحث فيه، وظاهر هذا اللفظ: أن الذي عتب الله تعالى على موسى إنما هو أن قال: أنا أعلم. فأضاف الأعلمية إليه، ولم يقل: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، فيفوَّض ذلك إلى الله، فيكون هذا من نوع ما عتبه النبي ﷺ على لوط ﵇ حيث قال: ﴿قَالَ لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وسيأتي تكميل هذا المعنى في كتاب التفسير - إن شاء الله تعالى -. فكان الأولى بموسى ﵇ أن يقول: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، لكن لما لم يعلم في زمانه رسولًا آتاه الله كتابًا فيه علم كل شيء وتفصيل الأحكام سواه، قال ذلك حسب ما كان في علمه. لكنه تعالى لم يرض منه بذلك لكمال معرفته بالله تعالى، ولعلوِّ منصبه. وفي بعض طرق البخاري: أن السائل قال لموسى: هل في الأرض أعلم منك؟ قال: لا، فعتب الله عليه إذ لم يردَّ العلم إليه. قلت: وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما، وقد روي بألفاظ أخر، يبعد توجُّه العتب عليها، فقد روي أنه قال: لا أعلم في الأرض خيرًا ولا أعلم مني. وفي أخرى قيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فقال: لا. فهذان اللفظان قد نفى فيهما العلم فيما سئل عنه عن نفسه، وهو حق صحيح وتبرؤ صريح، فكيف يتوجه على من قال مثل ذلك عتب، أو ينسب إلى تقصير؟ فالصحيح من حيث المعنى الذي صدر من موسى ﵇ معنى اللفظين السابقين، فإنَّه جزم فيهما بأنه أعلم أهل الأرض، وهذا محل العتب على مثله،

стр. 3484

فَأَوحَى اللَّهُ إِلَيهِ أَنَّ عَبدًا مِن عِبَادِي بِمَجمَعِ البَحرَينِ هُوَ أَعلَمُ مِنكَ، ــ فإنَّه كان الأولى به أن يفوِّض علم ذلك إلى الله تعالى، وهذا يدل على صحة ما قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوب المنسوبة إلى الأنبياء المعدَّدة عليهم إنما هي من باب ترك الأولى، وعوتبوا عليها بحسب مقاديرهم، فإنَّ حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين. و(قوله تعالى (١): إن عبدًا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك، وفي الرواية الأخرى: بل عبدنا الخضر) اسم الخضر: بليا بن مَلكان على ما قاله بعض المفسرين، وسُمِّي الخضر، لأنه كان أينما صلَّى اخضر ما حوله، وفي الترمذي من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : إنما سُمِّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء (٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومجمع البحرين: ملقاهما. قال قتادة: هما بحرا فارس والروم. السُّدِّي: هي الكر. والرس بأرمينية (٣)، أبي: وهما بإفريقية. القرطبي (٤): بطنجة. وحُكي عن ابن عباس: إن بحري العلم: الخضر وموسى، وكأنَّ هذا لا يصح عنه، والله أعلم. و(قوله: هو أعلم منك) أي: بأحكام مفصَّلة، وحكم نوازل معيَّنة، لا مطلقًا، بدليل قول الخضر لموسى: إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم علَّمنيه الله لا تعلمه أنت. وعلى هذا فيصدق على كل واحد منهما: أنه أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمه كل واحد منهما، ولا يعلمه الآخر. فلما سمع موسى هذا تشوَّفت نفسه الفاضلة، وهمَّته العالية لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء

стр. 3485

قَالَ مُوسَى ﵇: أَي رَبِّ! كَيفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احمِل حُوتًا - في رواية: مالحا - فِي مِكتَلٍ، فَحَيثُ تَفقِدُ الحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ، فَانطَلَقَ وَانطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ - وَهُوَ يُوشَعُ بنُ نُونٍ - فَحَمَلَ مُوسَى ﵇ حُوتًا فِي مِكتَلٍ وَانطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمشِيَانِ، حَتَّى أَتَيَا الصَّخرَةَ فَرَقَدَ مُوسَى ﵇ وَفَتَاهُ، فَاضطَرَبَ الحُوتُ فِي المِكتَلِ حَتَّى خَرَجَ مِن المِكتَلِ، ــ من قيل فيه: إنه أعلم، فعزم فسأل سؤال الذَّليل: كيف السبيل؟ فأمر بالارتحال على كل حال، وقيل له: احمل معك حوتًا مالِحًا في مِكتل، وهو الزنبيل. فحيث يحيا وتفقده فثمَّ السبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهدًا طلبًا قائلًا: ﴿لا أَبرَحُ حَتَّى أَبلُغَ مَجمَعَ البَحرَينِ أَو أَمضِيَ حُقُبًا﴾ والحُقُب: بضم الحاء والقاف: الدهر، والجمع أحقاب، وبضم الحاء وسكون القاف، ثمانون سنة، ويقال أكثر من ذلك، والجمع حقاب، والحقبة بكسر الحاء، واحدة الحقب، وهي: السنون. من الصحاح. وفيه من الفقه: رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم، والصَّاحب، واغتنام لقاء الفضلاء، والعلماء، وإن بَعُدَت أقطارهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت في العلوم لهم أقدام، وصحَّ لهم من الذكر والأجر أفضل الأقسام. ثم إن موسى أزعجه القلق، فانطلق مغمورًا بما عنده من الشوق والحرق، يمشي مع فتاه على الشط، ولا يبالي بمن حطَّ، لا يجد نصبًا، ولا يخطئ سببًا. إلى أن أويا إلى الصخرة فناما في ظِلِّها. قال بعض المفسرين: وكانت على مجمع البحرين، وعندها ماء الحياة - حكى معناها الترمذي عن سفيان بن عيينة - فانتضح منه على الحوت فحيي واضطرب، فخرج من المكتل يضطرب حتى سقط في الماء، فأمسك الله جرية الماء عن موضع دخوله حتى كان مثل الطاق، وهو النَّقب الذي يدخل منه.

стр. 3486

فَسَقَطَ فِي البَحرِ، قَالَ: وَأَمسَكَ اللَّهُ عَنهُ جِريَةَ المَاءِ حَتَّى كَانَ مِثلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلحُوتِ سَرَبًا، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانطَلَقَا بَقِيَّةَ يَومِهِمَا وَلَيلَتِهِمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَن يُخبِرَهُ، فَلَمَّا أَصبَحَ مُوسَى ﵇ قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ــ و(قوله: فكان للحوت سربًا) أي: مسلكًا. عن مجاهد قال قتادة: جمد الماء فصار كالسِّرب. و(قوله: وكان لموسى وفتاه عجبًا) لما تذكرا، فرجعا، فعجبا من قدرة الله على إحياء الحوت، ومن إمساك جري الماء حتى صار بحيث يسلك فيه. و(قوله: فانطلقا بقية يومهما وليلتهما) يعني: بعد أن قاما من نومهما، ونسيا حوتهما، أي: غفلا عنه، ولم يطلباه لاستعجالهما. وقيل: نسي يوشع الحوت، وموسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: نسي يوشع فنسب النسيان إليهما للصحبة، كقوله تعالى: ﴿يَخرُجُ مِنهُمَا اللُّؤلُؤُ وَالمَرجَانُ﴾ وعلى هذا القول يدل قوله في الحديث: ونسي صاحب موسى أن يخبره، ويظهر منه: أن يوشع أبصر ما كان من الحوت ونسي أن يخبر موسى في ذلك الوقت. و(قوله: فلما أصبح قال موسى: ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَد لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ هذا يدلّ على أنهما كانا تزوَّدا، وقيل: كان زادهما الحوت، وكان مملَّحًا. قلت: والظاهر من الحديث: أنه إنما حمل الحوت معه، ليكون فقده دليلًا على موضع الخضر، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى: احمل معك حوتًا في مكتل، فحيث تفقد الحوت فهو ثمَّ، وعلى هذا فيكون تزوَّدا شيئًا آخر غير الحوت. والنصب: التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا: الجوع. وفيه دليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في الرّضا، ولا في التسليم للقضاء، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر ولا تسخُّط.

стр. 3487

قَالَ: وَلَم يَنصَب موسى حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ﴿قَالَ أَرَأَيتَ إِذ أَوَينَا إِلَى الصَّخرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلا الشَّيطَانُ أَن أَذكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا﴾ قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبغِ فَارتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا ــ و(قوله: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به) أي: لم يجد موسى ألم النَّصب إلا بعد أن جاوز موضع فقد الحوت، وكأن الله تعالى جعل وجدان النصب بسبب طلب الغداء سبب تذكر ما كان من الحوت. ومن هنا قيل: إن النَّصب هنا هو الجوع. و(قوله: أرأيت إذ أوينا إلى الصَّخرة فإني نسيت الحوت) هذا قول يوشع جوابًا لموسى، وإخبارًا له عما جرى. ومعنى ﴿أَوَينَا﴾ انضممنا، وهي هنا بقصر الهمزة لأنه لازم، وقد تقدَّم ذكر الخلاف في المتعدي في قصره ومده. ونسبة الفتى النسيان إلى نفسه نسبة عادية لا حقيقية. و(قوله: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلا الشَّيطَانُ أَن أَذكُرَهُ﴾ أن مع الفعل بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه، وهو بدل الظاهر من المضمر، وهذا إنما ذكره يوشع في معرض الاعتذار، وذلك أن في البخاري: أن موسى قال لفتاه: لا أُكلِّفك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوت، فاعتذر بذلك القول، ويعني بذلك: أن الشيطان سبب للنسيان، والغفلة، بما يورده على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان لا صنع فيه للإنسان، وأنه مغلوب عليه، ولذلك لم يؤاخذ الله تعالى به، وإنَّما محل المؤاخذة الإهمال والتفريط. والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهم حتى ينسى المهم، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يُشغل ذكر الإنسان بما ليس بمهم، ويزينه له حتى ينصرف عن المهم فيذم على ذلك ويُعاقب، فيحصل مقصود الشيطان من الإنسان. و(قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحرِ عَجَبًا﴾ أي: اتخذ الحوت

стр. 3488

قَصَصًا﴾ قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى أَتَيَا الصَّخرَةَ فَرَأَى رَجُلًا مُسَجًّى عَلَيهِ بِثَوبٍ - وفي رواية: مستلقيا على القفا، أو قال: على حلاوة القفا - فَسَلَّمَ عَلَيهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: أَنَّى بِأَرضِكَ السَّلَامُ من ــ طريقه في البحر سربًا، تعجب منه يُوشع، ويتعجب به غيره ممن شاهده، أو سمع قضيته. و﴿نَبغِ﴾ نطلب. وارتدا: رجعا. و ﴿قَصَصًا﴾ تتبعًا لآثار طريقهما. و ﴿الصَّخرَةِ﴾ هي التي كان أويا إليها. والمسجَّى: المغطى. ومُستلقيًا على القفا أي: مباشرًا بظهره وقفاه الأرض مستقبلًا بوجهه السماء كهيئة الميت. و(قوله: أو على حلاوة القفا) شك من بعض الرواة. وحلاوة القفا يعني بها - والله أعلم -: أن هذه الضجعة مما تستحلى، لأنَّها ضجعة استراحة، فكأنه قال: أو حلاوة ضجعة القفا، ويقال بضم الحاء وفتحها، وحلاء بالضم والمد، وبه وبالقصر، وكأن هذه الضجعة من الخضر كانت بعد تعب عبادة. وآثر هذه الضجعة لما فيها من تردُّد البصر في المخلوقات، ورؤية عجائب السماوات، فكأن الخضر في هذه الضجعة متفرغ عن الخليقة، مملوء بما لاح له من الحق والحقيقة، ولذلك لما سلَّم عليه موسى ﵇ كشف الثوب عن وجهه، وقال: وعليك السلام، من أنت؟ و(قوله: أنَّى بأرضك السَّلام) معناه: من أين تعرف السلام بهذه الأرض التي أنت فيها؟ ! وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أن ذلك الموضع كان قفرًا لم يكن به أحدٌ يصحبه، ولا أنيس فيكلمه، ويحتمل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلم به موسى، إما لأنهم ليسوا على دين موسى، وإما لأنه ليس من كلامهم. وأنى تأتي بمعنى: حيث، وكيف، وأين، ومتى. حكاه القاضي. وفي هذا من الفقه: تسليم القائم على المضطجع، وهذا القول من الخضر كان بعد أن ردَّ ﵇،

стр. 3489

أنت؟ ! قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَم - وفي رواية: قال: مجيء ما جاء بك؟ ! قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدا، ــ لا قبله، كما قد ذكرناه، ومساق هذه الرواية يدل: على أن اجتماع موسى ﵇ بالخضر كان في البر عند الصخرة، وهو ظاهر قوله: حتى إذا أتى الصخرة فرأى رجلًا مسجَّى، وفي بعض طرق البخاري: حتى أتى الصخرة، فإذا رجل مسجَّى فعطفه بالفاء المعقبة، وإذا المفاجئة، غير أنه قد ذكر البخاري ما يقتضي أنه رآه في كبد البحر، وذلك أنه قال فيها: فوجد خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجَّي بثوبه، وجعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه (١). وكبد البحر: وسطه. وهذا يدلّ على أنه اجتمع به في البحر، ويحتمل أن موسى مشى على الماء، وتلاقيا عليه، وهذا لا يستبعد على موسى والخضر، فإنَّ الذي خرق لهما من العادة أكثر من هذا وأعظم. وعلى هذا فهذه الزيادة تُضم إلى الرواية المتقدِّمة، ويجمع بينهما بأن يقال: إن وصول موسى للصخرة، واجتماعه مع الخضر كان في زمان متقارب، أو وقت واحد لطيِّ الأرض، وتسخير البحر، والقدرة صالحة، وهذه الحالة خارقة للعادة، ولما كان كذلك عبَّر عنها بصيغ التعقيب والاتصال، والله تعالى أعلم. و(قوله: نعم) هو حرف جواب في الإيجاب، فكأنه قال: أنا موسى بني إسرائيل، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ، وعلى من قال بقوله: وهم أكثر اليهود. و(قوله: مجيء ما جاء بك) قيَّدها ابن ماهان بالهمز والتنوين، وعلى هذا تكون ما نكرة صفة لمجيء، وهي التي تكون للتفخيم والتعظيم، كقولهم: لأمر ما تسوَّدَ من تسوَّدَ، ولأمر ما تدرَّعت الدروع. فيكون معناه: مجيءٌ عظيمٌ، وأمرٌ مهمٌ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل، واقتحمت الأسفار،

стр. 3490

قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعلَمُهُ، ــ وقطعَ المفاوز والقفار. وقد زاد فيه بعض الرواة: أن الخضر قال له: وعليك السلام، أنَّى بأرضنا يا نبي بني إسرائيل، أما كان لك فيهم شغل؟ ! قال: بلى ولكني أمرت أن أصحبك، مستفيدًا منك. فأجاب بجواب المتعلم المسترشد بين يدي العالم المرشد ملازمًا للأدب والحرمة، ومعظمًا لمن شرَّفه الله بالعلم، وأعلى رسمه فقال: جئتُك لتعلمني مما عُلمت رُشدًا. قرأه الجماعة بضم الراء وسكون الشين، وقرأه يعقوب وأبو عمرو بالفتح فيهما، وهما لغتان، ويقال: رَشَدَ: بالفتح يرشد رُشدًا بالضم، ورَشِد بالكسر يرشَد رَشدًا بالفتح، ومعنى الرشد: الاستقامة في الأمور، وإصابة وجه السداد، والصواب فيها، وضده الغي. وهو منصوب على المصدر، ويكون في موضع الحال، ويصح أن يكون مفعولًا من أجله، وفيه من الفقه التذلل، والتواضع للعالم، وبين يديه، واستئذانه في سؤاله، والمبالغة في احترامه وإعظامه، ومن لم يفعل هكذا فليس على سنة الأنبياء، ولا على هديهم، كما قال نبينا ﷺ : ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه (١). و(قوله: إنك على علم من علم الله علَّمكه الله، لا أعلمه، وأنا على علم من علم الله علَّمنيه لا تعلمه أنت) ظاهر هذا: أن الخضر كان لا يعلم التوراة، ولا ما علمه موسى من الأحكام، وقد جاء هذا الكلام في بعض روايات البخاري بغير هذا اللفظ، وبزيادة فيه، فقال: أما يكفيك أن التوراة بين يديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه (٢).

стр. 3491

قَالَ لَهُ مُوسَى ﵇: ﴿هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمتَ رُشدًا * قَالَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا * وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِط بِهِ خُبرًا * قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعصِي لَكَ أَمرًا﴾ ــ قلت: ولا بعد فيما ظهر من رواية مسلم، لأنَّ الخضر إن كان نبيًا فقد اكتفى بما تعبَّده الله به من الأحكام، وإن كان غير نبي فليس متعبدًا بشريعة بني إسرائيل، إذ يمكن أن لا يكون منهم. والله أعلم، وسيأتي القول في نبوته. وأما مساق رواية البخاري، فهو مساق حسن لا يرد عليه من هذا الاستبعاد شيء، لأنَّ مقتضاه: أن لكل واحد منهما علما خاصا به لا يعلمه الآخر، ويجوز أن يشتركا في علم التوراة، وغيرها مما شاء الله أن يشركهما فيه من العلوم، ويظهر لي أن الذي خصَّ به موسى ﵇: العلم بالأحكام، والمصالح الكلية التي تنتظم بها مصالح الدنيا، لأنَّه أرسل إلى عامة بني إسرائيل. وقول موسى: ﴿هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِي﴾، سؤال ملاطفة، أي: هل يمكن كوني معك حتى أتعلم منك؟ فأجابه بما يقتضي أن ذلك ممكن لولا المانع الذي من جهتك، وهو عدم صبرك، فقال جازمًا في قضيته، لما علمه من حالته: ﴿إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾، ثم بيَّن وجه عذره عن ذلك بقوله: ﴿وَكَيفَ تَصبِرُ عَلَى مَا لَم تُحِط بِهِ خُبرًا﴾، معناه: إنك لا تصبر عن الإنكار والسؤال، وأنت في ذلك كالمعذور، لأنَّك تشاهد أمورًا ظاهرة، ولا تعرف بواطنها وأسرارها. وانتصبت خبرًا على التمييز المنقول عن الفاعل، وقيل على المصدر الملاقي في المعنى، لأنَّ قوله: لم تحط معناه: لم تُخبر، فكأنه قال: لم تخبره خبرًا، وإليه أشار مجاهد. والخبير بالأمور: هو العالم بخفاياها، وبما يختبر منها. وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعصِي لَكَ أَمرًا﴾،

стр. 3492

قَالَ لَهُ الخَضِرُ ﴿فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلا تَسأَلنِي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا﴾ قَالَ: نَعَم، فَانطَلَقَ الخَضِرُ وَمُوسَى يَمشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحرِ، فَمَرَّت بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُم أَن يَحمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيرِ نَولٍ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوحٍ مِن أَلوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ، ــ هذا تفويض إلى الله تعالى في الصبر، وجزمٌ بنفي المعصية، وإنما كان منه ذلك، لأن الصبرَ أمر مستقبل، ولا يدري كيف يكون حاله فيه، ونفي المعصية معزومٌ عليه حاصل في الحال، فالاستثناء فيه يُنافي العزمَ عليه والله تعالى أعلم. ويُمكن أن يفرَّق بينهما بأن الصبرَ ليس مُكتسبًا لنا بخلاف فعل المعصية وتركها، فإن ذلك كله مكتسب لنا. وقوله: ﴿فَإِنِ اتَّبَعتَنِي فَلا تَسأَلنِي عَن شَيءٍ حَتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرًا﴾، هذا من الخَضِر تأديبٌ، وإرشادٌ لما يقتضي دوامَ الصُّحبة، ووعدٌ بأنه يُعرِّفه بأسرار ما يراه من العجائب، فلو صبرَ ودَأبَ لرأى العجبَ، لكنَّه أكثر من الاعتراض، فتعيَّن الفِراق والإعراض. و(قوله: فانطلقا (١) يمشيان على ساحل البحر) يعني: الخضر وموسى، ولم يذكر معهما فتى موسى، فدلَّ على أنه لم يكن معهما، أو أنه تخلَف عنهما، ويحتمل أنه اكتفى بذكر المتبوع عن التابع. و(قوله: فعرفوا الخَضِر، فحملوهما بغير نَول) أي: بغير شيء ناله أصحابُ السفينة منهما، أي: بغير جُعل، والنَّولُ والنَّالُ والنَّيلُ: العطاء. وفيه ما يدلُ على قَبُول الرجل الصالح ما يُكرمُه به من يعتقدُ فيه صلاحًا، ما لم يتسبَّب هو بإظهار صلاحه لذلك، فيكون قد أَكَلَ بدينه وذلك مُحرَّم وربا.

стр. 3493

فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَومٌ حَمَلُونَا بِغَيرِ نَولٍ عَمَدتَ إِلَى سَفِينَتِهِم فَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا، قَالَ: ﴿قَالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾ ثُمَّ خَرَجَا مِن السَّفِينَةِ، فَبَينَمَا هُمَا يَمشِيَانِ ــ وقوله: ﴿لِتُغرِقَ أَهلَهَا﴾، قرأه حمزة والكسائي بالمثناة تحت مفتوحة. وأصلُها بالرفع على أنه فاعل يَغرَق، والباقون بمثناة فوق مضمومة. أهلَها: بالنصب، فعلى الأول تكون اللام للمآل، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرعَونَ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ وعليها: فلم يَنسب له أنه أراد الإغراق، وعلى القراءة الثانية: تكون اللام: لام كي، ويكون نَسبَ إليه: أنه قصد بفعله ذلك إغراقهم، وحملَه على ذلك فرطُ الشفقة عليهم، ولأنهم قد أحسنوا فلا يُقابلون بالإساءة، ولم يقل: لتغرقني، لأن الذي غلبت عليه في الحال: فَرطُ الشفقة عليهم، ومراعاة حقهم. وقوله: ﴿لَقَد جِئتَ شَيئًا إِمرًا﴾، أي: ضعيف الحجة، يُقال: رجل إمرٌ: أي: ضعيف الرأي ذاهبُه، يحتاج إلى أن يُؤمر، قال معناه أبو عبيد. مجاهد: منكرًا. مقاتل: عجبًا. الأخفش: يُقال أَمِرَ أَمرُهُ، يأمر أمرًا، أي: اشتد، والاسم: الإمرُ. قال الراجز: قَد لَقِيَ الأقرَانُ مِنِّي نُكرًا ... داهِيَةَ دَهيَاءَ إِدًّا إِمرا وفيه من الفقه: العمل بالمصالح، إذا تحقق وجهها، وجواز إصلاح كل المال بفساد بعضه. وقوله: ﴿لا تُؤَاخِذنِي بِمَا نَسِيتُ﴾، أي: من عهدك، فتكون ما مع الفعل بتأويل المصدر، أي: سهوي وغفلتي. وصدقَ، ولذلك قال رسول الله ﷺ : كانت الأولى من موسى نسيانًا. وقوله: ﴿وَلا تُرهِقنِي مِن أَمرِي عُسرًا﴾، أي: لا تفندني فيما

стр. 3494

عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأسِهِ، فَاقتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ - وفي رواية: فذعر عندها موسى ﵇ ذعرة منكرة - فَقَالَ مُوسَى: ﴿أَقَتَلتَ نَفسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئًا نُكرًا﴾ ــ تركته، قاله الضحَّاك. وقال مقاتل: لا تكلِّفني ما لا أقدر عليه من التحفُّظ عن السهو. و(قوله: فإذا غلام يلعب مع الغلمان) قد تقدم: أن الغلام في الرجال يقال على من لم يبلغ، ويُقابله الجارية في النساء. قال الكلبي: اسم هذا الغلام: شمعون. وقال الضحَّاك: حيسون. وقال وهب: اسم أبيه سلاس، واسم أمه: رُحمى، وقال ابن عباس: كان شابًّا يقطع الطريق. قلت: ويظهر من كلام ابن عباس هذا: أنه كان بالغًا، وأنه بلغ سن التكليف، وليس هذا معروفًا في إطلاق اسم الغلام في اللغة، ومساق الحديث يدلّ على أنه لم يبلغ سن التكليف، فلعل هذا القول لم يصح عن ابن عباس. بل الصحيح عنه: أنه كان لم يبلغ، كما يأتي. و(قوله: فذُعِرَ موسى عندَ هذا ذَعرَةً شديدة (١)) أي: فَزِعَ فَزَعًا شديدًا عند هذه الفعلة التي هي قتله الغلام، وعند ذلك لم يتمالك موسى أن بادر بالإنكار، تاركًا للاعتذار، فقال: (أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا)، هذه قراءة العامة (٢)، وقرأه الكوفيون، وابن عامر: زكيَّة بغير ألف، وتشديد الياء. قال ثعلب: الزكية أبلغ. قال أبو عبيد: الزكية في الدين، والزاكية في البدن. قال الكسائي: هما بمعنى واحد، كقاسية وقسيَّة. ابن عباس: مسلمة. أبو عمرو: التي

стр. 3495

﴿قَالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾ قَالَ: وَهَذِهِ ــ ما حلَّ ذنبها (١). ابن جبير: يريد على الظاهر. وقوله: بغير نفس، يعني: لم تقتل نفسًا فتستحق القتل والنُّكر: أشدُّ المنكر، وأفحشه، قاله قتادة. وفيه لغتان: ضم الكاف، وسكونها، وقرئ بهما. وهذه بادرة من موسى ترك بها كل ما كان التزم له من الصبر، وترك المخالفة، لكن حمله على ذلك: استقباح ظاهر الحال، وتحريم ذلك في شرعه، ولذلك قال النبي ﷺ : وهذه أشدُّ من الأولى. و(قوله: رحمة الله علينا وعلى موسى) قال الراوي: وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه. هذا إنما كان يفعله النبي ﷺ في الأدعية وأشباهها، مما يعود عليه بالثواب والأجر الأخروي، حرصًا على تحصيل المنازل الرفيعة عند الله تعالى، كما قال في الوسيلة: إنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو (٢). وحاصله: أن القرب من الله تعالى، وثوابه ليس مما يُؤثر الغير به بل تنبغي المنافسة فيه، والمسابقة إليه، بخلاف أمور الدنيا، وحظوظها، فإنَّ الفضل في تركها، وإيثار الغير بما يحوز منها. و(قوله: ولكنه أخذته ذمامةٌ من صاحبه) هو بالذال المعجمة مفتوحة، وهي بمعنى: المذمَّة - بفتح الذال وكسرها - وهي: الرقة، والعار من ترك الحرمة. يُقال: أخذتني منه مذمّةٌ ومذِمَّة، وذمامة، بمعناه، وكأنه استحيا من تكرار مخالفته، ومما صدر عنه من تغليظ الإنكار. وقوله: ﴿قَالَ أَلَم أَقُل لَكَ إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا﴾، إنما

стр. 3496

أَشَدُّ مِن الأُولَى، ﴿قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهلَ قَريَةٍ﴾ - وفي رواية: لئاما - ــ ذكر لك في هذه المرة، ولم يذكرها في الأولى مقابلة له على قلَّة احترامه في هذه الكرَّة، فإنَّ مقابلته بـ لك مع كاف خطاب المفرد يشعر بقلة احترامه. والله أعلم. وقوله: ﴿إِن سَأَلتُكَ عَن شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي﴾، هذا القول أبرزه من موسى استحياؤه من كثرة المخالفة، وتهديده لنفسه عند معاودتها للاعتراض بالمفارقة. وقوله: ﴿قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا﴾، أي: قد صرت عندي معذورًا، وقد تقدَّم الفرق بين لدنِّي وعندي، وأن في لدنِّي لغات، وقرئت: (من لَدنِي) بضم الدال، [وتخفيف النون، وسكون الدال، وإشمامها الضم، وتخفيف النون لأبي بكر عن عاصم. وبضم الدال] (١)، وتشديد النون، والأولى لنافع والثالثة للباقين. وقوله: ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهلَ قَريَةٍ﴾ لئام فـ ﴿استَطعَمَا أَهلَهَا﴾ قال قتادة: القرية أيلة. وقيل: أنطاكية. ولئام هنا: بخلاء، واللؤم في الأصل: هو البخل مع دناءة الآباء. والاستطعام: سؤال الطعام، والمراد به هنا: أنهما سألا الضيافة بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ فاستحق أهل القرية أن يُذمُّوا وينسبوا إلى اللؤم كما وصفهم بذلك نبينا ﷺ ، ويظهر من ذلك: أن الضيافة كانت عليهم واجبة، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما يجب لهما من الضيافة. وهذا هو الأليق بحال الأنبياء والفضلاء، وبعيد أن يذم من ترك المندوب هذا الذم، مع أنه يحتمل أن يقال: إن الضيافة لما كانت من المكارم المعروفة المعتادة عند أهل البوادي، ذم المتخلف عنها عادة، كما قد قالوا: شرٌّ

стр. 3497

فطافا في المجالس فـ ﴿استَطعَمَا أَهلَهَا فَأَبَوا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ يَقُولُ: مَائِلٌ ــ القُرى التي تبخل بالقِرى ويحتمل أن يكون سؤالهما الضيافة عند حاجتهما إلى ذلك، وقد بيَّنَّا: أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد به جوعه، ففيه ما يدل: على جواز المطالبة بالضيافة، كما قال ﷺ : إذا نزلتم بقوم فلم يضيفوكم فاطلبوا منهم حق الضيف (١). وقد تقدَّم القول في الضيافة وأحكامها، ويعفو الله عن الحريري، فإنَّه تسخَّف في هذه الآية وتمَجَّن، فاستدل بها على الكُديَةِ (٢) والإلحاح فيها، وأن ذلك ليس بعيب على فاعله ولا منقصة عليه فقال: فإنَّ رُددت فما بالردِّ منقَصَةٌ ... عليك قد رُدَّ موسى قبل والخضر وهذا لعبٌ بالدِّين، وانسلال عن احترام النبيين، فهي: شنشنة أدبية وهفوة سخافية، ويرحم الله السَّلف الصالح فإنَّهم بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح، فقالوا: مهما كنت لاعبًا بشيء، فإياك أن تلعب بدينك. وقوله: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، الجدار: الحائط. وينقض: يسقط. ووصفه بالإرادة مجاز مستعمل، وقد فسره في الحديث بقوله: يقول: مائل فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن، وهو مذهب الجمهور، ومما يدلّ على استعمال ذلك المجاز وشهرته، قول الشاعر: يُريد الرُّمح صَدرَ أبي بَراءٍ ... ويَرغَبُ عن دِماء بَنِي عَقِيل وقال آخر: إنَّ دَهرًا يَلُفُّ شَملِي بِسَلمى (٣) ... لَزَمانٌ يَهُمُّ بالإحسانِ

стр. 3498

قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَومٌ أَتَينَاهُم فَلَم يُضَيِّفُونَا، وَلَم يُطعِمُونَا ﴿لَو شِئتَ لاتَّخَذتَ عَلَيهِ أَجرًا * قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا﴾ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَرحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدتُ أَنَّهُ كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يُقَصَّ عَلَينَا مِن أَخبَارِهِمَا قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَانَت الأُولَى مِن مُوسَى نِسيَانًا قَالَ: وَجَاءَ عُصفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِي البَحرِ فَقَالَ لَهُ الخَضِرُ: مَا نَقَصَ عِلمِي وَعِلمُكَ مِن عِلمِ اللَّهِ إِلَّا مِثلَ مَا نَقَصَ هَذَا العُصفُورُ مِن البَحرِ. ــ وقال آخر: في مَهمَهٍ فُلِقَت به هاماتُنَا ... فَلقَ الفُؤوسِ إذا أردنا نُصُولا والنصول هنا: الثبوت في الأرض، من قولهم: نصل السَّهم: إذا ثبت في الرَّميَّة، فشبَّه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض الشديدة، فإنَّ الفأس يقع فيها ويثبت، ولا يكاد يخرج. والمجاز موجود في القرآن والسُّنَّة كما هو موجودٌ في كلام العرب، وقد استوفينا مباحث هذه المسألة في الأصول. و(قوله: قال الخضر بيده - هكذا - فأقامه) يعني به أنه أشار إليه بيده، فقام. فيه دليل على كرامات الأولياء، وكذلك كل ما وصف عن أحوال الخضر في هذا الحديث، وكلها أمور خارقه للعادة. هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي، وقد اختلف فيه أئمة أهل السُّنَّة. والظاهر من مساق قصته واستقراء أحواله، مع قوله: ﴿وَمَا فَعَلتُهُ عَن أَمرِي﴾ أنه نبي يوحى إليه بالتكاليف والأحكام، كما أوحي إلى الأنبياء، غير أنه ليس برسول. وقوله: (لو شئت لَتخِذتَ عليه أجرًا) هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو ويعقوب (*)، وقراءة غيرهم: ﴿لاتَّخَذتَ﴾ وهما لغتان بمعنى واحد من

стр. 3499

قَالَ سَعِيدُ بنُ جُبَيرٍ: وَكَانَ يَقرَأُ: وَكَانَ أَمَامَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ ــ الأخذ، وهذه صدرت من موسى سؤالًا على جهة العرض، لا الاعتراض، فعند ذلك قال له الخضر: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾، أي: هذا وقت ذلك، بحكم ما شرطتَه على نفسكَ، ثم وعدَه بأن يُخبرَه بحكم تلك الأحكام، فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾، القراءة المتواترة بتخفيف السين، جمع مسكين. سُمُّوا بذلك على جهة الشفقة والترحُّم، وقيل: كانوا فيها أجراء، وروي عن ابن عباس أنه قرأها: (مسَّاكين) بتشديد السين، جمع مسَّاك، لإمساكهم السفينة، قيل: كانوا عشرة، خمسة منهم يعملون في البحر، وخمسة منهم زَمنى (١)، وقد تقدَّم الفرق بينَ المسكين والفقير في كتاب الزكاة. وقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصبًا﴾، وراء في أصلها: بمعنى خلف، فقال بعض المفسرين: إنه كان خلفهم، وكان رجوعهم عليه، والأكثر على أن معنى وراءَ هنا: أمام، وهذا القول أولى لقراءة سعيد: (وكان أمامَهم)، ولما يأتي في بقية الحديث، وقال بعضهم: وراء: يكون من الأضداد. قال الشاعر: أَترجُو بَنُو مَروَانَ سَمعِي وَطَاعَتي ... وقَومِي تَمِيمٌ وَالفَلاةُ وَرَائيا أي: أمامي. وأصل هذا: أن كل ما يوارى عنك فهو وراء، وقيل: اسم هذا المَلِك: هدد بن بدد بن جُريج. وقال الكلبيُّ: الجَلَندى (٢). والغصب: أخذ مال الغير على جهة القهر والغلبة والمجاهرة. وقد بيَّن وجهَ الحكمة في خرق السفينة في الرواية الأخرى بقوله: فإذا جاءَ الذي يُسَخِّرُها وجدَها منخرقةً فيجاوزها، فأصلحوها بخشبةٍ، ويحصلُ من هذا: الحضُّ على الصبر في الشدائد، فكم في

стр. 3500

صَالِحَةٍ غَصبًا، وَكَانَ يَقرَأُ: وَأَمَّا الغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا. وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى مُوسَى لَولَا أَنَّهُ عَجَّلَ لَرَأَى العَجَبَ، وَلَكِنَّهُ أَخَذَتهُ مِن صَاحِبِهِ ذَمَامَةٌ ﴿قَالَ إِن سَأَلتُكَ عَن ــ ضمن ذلك المكروه من الفوائد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُم﴾ و(قوله: وأما الغلام فكان كافرًا) هذا حديث مرفوع من رواية أُبَيِّ، كما قال في الرواية الأخرى: طُبِع يوم طُبِع كافرًا، وقد روي أن أبيًّا كان يقرأ: (أما الغلام فكان كافرًا، وكان أبواه مؤمنين)، وهذا محمول على أن أبيًّا فسَّر، لا أنه قرأ كذلك، لأنَّه لم يثبتها في المصحف، وهو من جُملة كَتَبتِه. والجمهور على أن هذا الغلام لم يكن بلغ سن التكليف، وقد ذهب ابن جبير إلى أنه بلغ سن التكليف، وقد حكي ذلك عن ابن عباس كما تقدَّم. والصحيح عنه أنه كان صغيرًا لم يبلغ كما تقدَّم من كتابه إلى نجدة الحروري، كما ذكرناه في الجهاد، وهذا هو المعروف من اسم الغلام كما قد تقدَّم. وإنما صار ابن جبير إلى ذلك لقوله ﷺ كان كافرًا، والكفر والإيمان من صفات المكلَّفين، ولا يطلق على غير مكلَّف إلا بحكم التبعية لأبويه، وأبوا الغلام كانا مؤمنين بالنص، فلا يصدق عليه اسم الكافر إلا بالبلوغ، فتعيَّن أن يصار إليه، وقد يُطلق الغلام على الكبير إذا كان قريبًا من زمان الغلومية توسُّعًا، وهو موجود في كلام العرب، كما قالت ليلى الأخيلية: شفاها من الداءِ العضال الذي بها ... غلامٌ إذا هَزَّ القَنَاةَ شَفَاها (١) وقال صفوان لحسَّان: تلق ذُبابَ السَّيف عنِّي فإنَّنِي ... غلامٌ إذا هُوجيت لست (٢) بشاعر

стр. 3501

شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا﴾ وَلَو صَبَرَ لَرَأَى العَجَبَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِن الأَنبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفسِهِ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا. وقال بعد قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ أَخَذَ بِثَوبِهِ قَالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾ فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبِعَ يَومَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَد عَطَفَا عَلَيهِ، ــ قلت: وما صار إليه الجمهور أولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله ﷺ : وأما الغلام فطبع يوم طُبع كافرًا أي: خلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسَّوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا أي: لو بلغ. ولَمَّا علم الله تعالى ذلك منه، أعلم الخضر بذلك، وأمره بقتله، فيكون قتله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه، فإن الله تعالى الفعَّالُ لما يريد، القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حق، ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يلتفت إليها، ولا يُعرج عليها، لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول. و(قوله: وكان أبواه قد عطفا عليه) أي: أحباه، وأقبلا عليه بشفقتهما، وحنوِّهما، فخاف الخضر، لما أعلمه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاش لهما حتى

стр. 3502

فَلَو أَنَّهُ أَدرَكَ أَرهَقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا * وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. رواه أحمد (٥/ ١١٧)، والبخاريُّ (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤)، وأبو داود (٤٧٠٥ - ٤٧٠٧)، والترمذي (٣١٤٨). * * * ــ يكبر ويستقل بنفسه جبلهما بحكم محبتهما له أن يُطيعاه ويُوافقاه على ما يصدر عنه من الكفر والفساد، فيكفران بذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا﴾ وعلى هذا فيكون: فخشينا من كلام الخضر، وهو الذي يشهد له مساق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين، وذهب بعضهم إلى أنه من كلام الله تعالى، وفسَّر فخشينا بمعنى: علمنا، وحكى أن أُبيا قرأها: (فعلم ربُّك). ومعنى ﴿يُرهِقَهُمَا﴾ يلحق بهما ما يشق عليهما، ويتعبهما، والطغيان هنا: الزيادة في المفاسد. وقوله: ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا﴾، وهذا قول الخضر قطعًا، وهو يشهد بأن قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ من قوله، و ﴿يُبدِلهُمَا﴾ قرئ مشدَّدًا ومخففًا، وهما لغتان. وزكاة: منصوب على التمييز، يعني: نماءً وصلاحًا، ودينًا. و ﴿رُحمًا﴾ معطوف على زكاة، أي: رحمة، يقال: رحمة، ورحمَا، وألفه للتأنيث، ومذكَّرُه رحيم، وقيل: إن الرُّحمى هنا بمعنى: الرَّحم، قرأها ابن عباس، وأوصل رُحمًا، أي: رَحِمًا. وحكي عنه: أنهما رزقا جارية ولدت نبيًّا. وقيل: كان من نسلها سبعون نبيًا، ويفيد هذا تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعًا من الأكباد، ومن سلم للقضاء سفرت عاقبته عن اليد البيضاء. وقوله: ﴿وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾، قيل:

стр. 3503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسمهما أصرم وأُصيرم، وقد تقدَّم: أن اليُتم في الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم. وقوله: ﴿وَكَانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ أي: تحت الجدار، وظاهر الكنز أنه مال مكنوز، أي مجموع. وقال ابن جبير: كان صحف العلم. وقال ابن عبَّاس: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن! عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب! عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل! عجبت لمن يعرف الدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال أهل التفسير: إنه كان جدَّهما السابع، وكان يُسمَّى كاسحًا. ففيه ما يدلّ: على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بَعُدوا عنه، وقد روي: أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذويه. وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: قوتهما وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. واختلف النحويون، هل هو واحد على بناء الجمع، كأنعم، ولا نظير لهما من لفظهما. وكان سيبويه يقول: هو جمع، واحده: شدة. قال الجوهري: وهو صحيح في المعنى، لأنَّه يقال: بلغ الغلام شدَّته. ولكنه لا تجمع فِعلةٌ على أَفعل، وأما أنعم: فهو جمع: نعم من قولهم: يومٌ بُؤسٌ، ويومٌ نُعمٌ. وأما قول من قال: واحده شَدّ مثل كَلبٍ وأَكلَب، فإنما هو قياس، كما قالوا في واحد الأبابيل: أبُّول، قياسًا على: عَجُّول، وليس هو شيء سمع من العرب. وقد أضاف الخضر ﵇ قضية استخراج كنز الغلامين لله تعالى، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسه تنبيهًا على التأدُّب في إطلاق الكلمات

стр. 3504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الله تعالى، فيضاف إليه ما يستحسن منها، ويطلق عليه، ولا يضاف ما يستقبح منها إليه، وهذا كما قاله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيرُ﴾ واقتصر عليه، ولم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشَّر، والنَّفع والضر، إذ هو على كل شيء قدير، وبكل شيء خبير. و(قوله: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السَّفينة، ثم نقر في البحر، فقال الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر) وحرف السفينة: طرفها. وحرف كل شيء: طرفه، وشفيره، وحدُّه. ومنه حرف الجبل: وهو أعلاه المحدَّد. والحرف: واحد حروف التَّهجي. والحرف: الكلمة. والحرف: اللغة، كما تقدَّم. والحرف: الناقة الضامرة. والحرف: الجهة الواحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرفٍ﴾ أي: يعبده في الرَّخاء، ولا يعبده في الشدَّة. والحرف: مأخوذ من الانحراف، وهو الميل. والعلم هاهنا: بمعنى: المعلوم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ﴾ أي: من معلوماته. وهذا من الخضر ﵇ تمثيل، أي: معلوماتي ومعلوماتك في علم الله تعالى لا أثر لها، كما أن ما أخذ هذا العصفور من البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر. وإنما مثل له ذلك بالبحر (١)، لأنه أكبر ما نشاهده مما بين أيدينا. وهذا نحو مما قاله تعالى: ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ وإطلاق لفظ النقص هنا تجوُّز قصد به التمثيل، والتَّفهم، إذ لا نقص في علم الله تعالى ولا نهاية لمعلوماته. وقد أورد البخاري هذا اللفظ من رواية ابن جريج على لفظ أحسن مساقًا من هذا وأبعد عن الإشكال، فقال: ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا

стр. 3505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر وهو مفسِّر للفظ كتاب مسلم (١). والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث تنبيه على أصول عظيمة: منها: أن لله تعالى بحكم مِلكه ومُلكه أن يفعل ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفعنا، أو يضرنا، فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإنَّ إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم، فلا يتوجه عليه في فعله لِمَ؟ وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين، وحيث. ومنها: أن لا يحسن، ولا يقبح، وأن ذلك راجع إلى الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حسن، وما قبَّحه بالذم عليه فهو القبيح. ومنها: أن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها. كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقلي يتوجَّه إليه، بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذ حكمه، فما اطلع عليه من تلك الأسرار عرف، وما لا فالعقل عنده يقف. وحذار من الاعتراض والإنكار! فإنَّ مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النَّار. ومنها: أنَّه عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون. وفوائد هذا الحديث كثيرة، وعلومه غزيرة، وفيما ذكرناه كفاية. والله الموفق للهداية. تنبيه على مَغلَطتين: الأولى: وقع لبعض الجهَّال: أن الخضر أفضل من موسى ﵉، متمسِّكًا بهذه القصة، وبما اشتملت عليه. وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة، ولم ينظر في شيء من أحوال موسى ﵇، ولا فيما خصَّه الله تعالى من الرسالة، وسماع كلام الله تعالى المنزه عن الحروف والأصوات، وإعطائه التوراة التي فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطبون بأحكام توراته حتى عيسى
следующие страницы →