← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

شَيءٍ بَعدَهَا فَلا تُصَاحِبنِي قَد بَلَغتَ مِن لَدُنِّي عُذرًا﴾ وَلَو صَبَرَ لَرَأَى العَجَبَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا مِن الأَنبِيَاءِ بَدَأَ بِنَفسِهِ رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا وَعَلَى أَخِي كَذَا رَحمَةُ اللَّهِ عَلَينَا. وقال بعد قوله: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾ أَخَذَ بِثَوبِهِ قَالَ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأوِيلِ مَا لَم تَستَطِع عَلَيهِ صَبرًا * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَت لِمَسَاكِينَ يَعمَلُونَ فِي البَحرِ﴾ فَإِذَا جَاءَ الَّذِي يُسَخِّرُهَا وَجَدَهَا مُنخَرِقَةً فَتَجَاوَزَهَا، فَأَصلَحُوهَا بِخَشَبَةٍ، وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبِعَ يَومَ طُبِعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَد عَطَفَا عَلَيهِ، ــ قلت: وما صار إليه الجمهور أولى تمسُّكًا بحقيقة لفظ الغلام، ولقوله ﷺ : وأما الغلام فطبع يوم طُبع كافرًا أي: خلق قلبه على صفة قلب الكافر من القسَّوة، والجهل، ومحبَّة الفساد، وضرر العباد، ولقوله: ولو أدرك لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا أي: لو بلغ. ولَمَّا علم الله تعالى ذلك منه، أعلم الخضر بذلك، وأمره بقتله، فيكون قتله من باب دفع الضرر، كقتل الحيَّات، والسِّباع العادية، لا من باب القتل المترتب على التكليف، وهذا لا إشكال على أصول أهل السُّنَّة فيه، فإن الله تعالى الفعَّالُ لما يريد، القادر على ما يشاء لا يتوجه عليه وجوبٌ، ولا حق، ولا يثبت عليه لوم ولا حكم، وأما على أصول أهل البدع القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين وما يتولَّد على ذلك من الأصول الفاسدة من التجويز، والتعديل، والإيجاب على الله تعالى، فلا يلتفت إليها، ولا يُعرج عليها، لظهور فسادها، كما بيَّنَّاه في الأصول. و(قوله: وكان أبواه قد عطفا عليه) أي: أحباه، وأقبلا عليه بشفقتهما، وحنوِّهما، فخاف الخضر، لما أعلمه الله تعالى بمآل حاله أنه إن عاش لهما حتى

стр. 3502

فَلَو أَنَّهُ أَدرَكَ أَرهَقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا * وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. رواه أحمد (٥/ ١١٧)، والبخاريُّ (٤٧٢٦)، ومسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤)، وأبو داود (٤٧٠٥ - ٤٧٠٧)، والترمذي (٣١٤٨). * * * ــ يكبر ويستقل بنفسه جبلهما بحكم محبتهما له أن يُطيعاه ويُوافقاه على ما يصدر عنه من الكفر والفساد، فيكفران بذلك، وهذا معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَن يُرهِقَهُمَا طُغيَانًا وَكُفرًا﴾ وعلى هذا فيكون: فخشينا من كلام الخضر، وهو الذي يشهد له مساق الكلام، وهو قول كثير من المفسرين، وذهب بعضهم إلى أنه من كلام الله تعالى، وفسَّر فخشينا بمعنى: علمنا، وحكى أن أُبيا قرأها: (فعلم ربُّك). ومعنى ﴿يُرهِقَهُمَا﴾ يلحق بهما ما يشق عليهما، ويتعبهما، والطغيان هنا: الزيادة في المفاسد. وقوله: ﴿فَأَرَدنَا أَن يُبدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبَ رُحمًا﴾، وهذا قول الخضر قطعًا، وهو يشهد بأن قوله: ﴿فَخَشِينَا﴾ من قوله، و ﴿يُبدِلهُمَا﴾ قرئ مشدَّدًا ومخففًا، وهما لغتان. وزكاة: منصوب على التمييز، يعني: نماءً وصلاحًا، ودينًا. و ﴿رُحمًا﴾ معطوف على زكاة، أي: رحمة، يقال: رحمة، ورحمَا، وألفه للتأنيث، ومذكَّرُه رحيم، وقيل: إن الرُّحمى هنا بمعنى: الرَّحم، قرأها ابن عباس، وأوصل رُحمًا، أي: رَحِمًا. وحكي عنه: أنهما رزقا جارية ولدت نبيًّا. وقيل: كان من نسلها سبعون نبيًا، ويفيد هذا تهوين المصائب بفقد الأولاد، وإن كانوا قطعًا من الأكباد، ومن سلم للقضاء سفرت عاقبته عن اليد البيضاء. وقوله: ﴿وَأَمَّا الجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَينِ يَتِيمَينِ فِي المَدِينَةِ﴾، قيل:

стр. 3503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسمهما أصرم وأُصيرم، وقد تقدَّم: أن اليُتم في الناس من قبل فقد الأب، وفي غيرهم من الحيوان من قبل الأم. وقوله: ﴿وَكَانَ تَحتَهُ كَنزٌ لَهُمَا﴾ أي: تحت الجدار، وظاهر الكنز أنه مال مكنوز، أي مجموع. وقال ابن جبير: كان صحف العلم. وقال ابن عبَّاس: كان لوحًا من ذهب مكتوبًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن! عجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب! عجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل! عجبت لمن يعرف الدنيا وتقليبها بأهلها كيف يطمئن إليها! لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال أهل التفسير: إنه كان جدَّهما السابع، وكان يُسمَّى كاسحًا. ففيه ما يدلّ: على أن الله تعالى يحفظ الصالح في نفسه وفي ولده وإن بَعُدوا عنه، وقد روي: أن الله تعالى يحفظ الصالح في سبعة من ذويه. وعلى هذا يدل قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ وقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: قوتهما وهو ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. واختلف النحويون، هل هو واحد على بناء الجمع، كأنعم، ولا نظير لهما من لفظهما. وكان سيبويه يقول: هو جمع، واحده: شدة. قال الجوهري: وهو صحيح في المعنى، لأنَّه يقال: بلغ الغلام شدَّته. ولكنه لا تجمع فِعلةٌ على أَفعل، وأما أنعم: فهو جمع: نعم من قولهم: يومٌ بُؤسٌ، ويومٌ نُعمٌ. وأما قول من قال: واحده شَدّ مثل كَلبٍ وأَكلَب، فإنما هو قياس، كما قالوا في واحد الأبابيل: أبُّول، قياسًا على: عَجُّول، وليس هو شيء سمع من العرب. وقد أضاف الخضر ﵇ قضية استخراج كنز الغلامين لله تعالى، وأضاف عيبَ السفينة إلى نفسه تنبيهًا على التأدُّب في إطلاق الكلمات

стр. 3504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الله تعالى، فيضاف إليه ما يستحسن منها، ويطلق عليه، ولا يضاف ما يستقبح منها إليه، وهذا كما قاله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الخَيرُ﴾ واقتصر عليه، ولم ينسب الشر إليه، وإن كان بيده الخير والشَّر، والنَّفع والضر، إذ هو على كل شيء قدير، وبكل شيء خبير. و(قوله: وجاء عصفورٌ حتى وقع على حرف السَّفينة، ثم نقر في البحر، فقال الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من البحر) وحرف السفينة: طرفها. وحرف كل شيء: طرفه، وشفيره، وحدُّه. ومنه حرف الجبل: وهو أعلاه المحدَّد. والحرف: واحد حروف التَّهجي. والحرف: الكلمة. والحرف: اللغة، كما تقدَّم. والحرف: الناقة الضامرة. والحرف: الجهة الواحدة. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرفٍ﴾ أي: يعبده في الرَّخاء، ولا يعبده في الشدَّة. والحرف: مأخوذ من الانحراف، وهو الميل. والعلم هاهنا: بمعنى: المعلوم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِن عِلمِهِ﴾ أي: من معلوماته. وهذا من الخضر ﵇ تمثيل، أي: معلوماتي ومعلوماتك في علم الله تعالى لا أثر لها، كما أن ما أخذ هذا العصفور من البحر لا أثر له بالنسبة إلى ماء البحر. وإنما مثل له ذلك بالبحر (١)، لأنه أكبر ما نشاهده مما بين أيدينا. وهذا نحو مما قاله تعالى: ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ وإطلاق لفظ النقص هنا تجوُّز قصد به التمثيل، والتَّفهم، إذ لا نقص في علم الله تعالى ولا نهاية لمعلوماته. وقد أورد البخاري هذا اللفظ من رواية ابن جريج على لفظ أحسن مساقًا من هذا وأبعد عن الإشكال، فقال: ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا

стр. 3505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما أخذ هذا العصفور بمنقاره من البحر وهو مفسِّر للفظ كتاب مسلم (١). والله تعالى أعلم. وفي هذا الحديث تنبيه على أصول عظيمة: منها: أن لله تعالى بحكم مِلكه ومُلكه أن يفعل ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء مما ينفعنا، أو يضرنا، فلا مدخل لعقولنا في أفعاله، ولا معارضة لأحكامه، بل يجب علينا الرضا والتسليم، فإنَّ إدراك العقل لأسرار أحكام الربوبية قاصر سقيم، فلا يتوجه عليه في فعله لِمَ؟ وكيف؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين، وحيث. ومنها: أن لا يحسن، ولا يقبح، وأن ذلك راجع إلى الشرع، فما حسَّنه بالثناء عليه فهو حسن، وما قبَّحه بالذم عليه فهو القبيح. ومنها: أن لله تعالى فيما يجريه حكمًا وأسرارًا راعاها، ومصالح راجعة إلى خلقه اعتبرها. كل ذلك بمشيئته وإرادته من غير وجوب عليه، ولا حكم عقلي يتوجَّه إليه، بل ذلك بحسب ما سبق في علمه، ونافذ حكمه، فما اطلع عليه من تلك الأسرار عرف، وما لا فالعقل عنده يقف. وحذار من الاعتراض والإنكار! فإنَّ مآل ذلك إلى الخيبة وعذاب النَّار. ومنها: أنَّه عالم بما كان، وبما يكون، وبما لا يكون: أن لو كان كيف كان يكون. وفوائد هذا الحديث كثيرة، وعلومه غزيرة، وفيما ذكرناه كفاية. والله الموفق للهداية. تنبيه على مَغلَطتين: الأولى: وقع لبعض الجهَّال: أن الخضر أفضل من موسى ﵉، متمسِّكًا بهذه القصة، وبما اشتملت عليه. وهذا إنما يصدر ممن قصر نظره على هذه القصة، ولم ينظر في شيء من أحوال موسى ﵇، ولا فيما خصَّه الله تعالى من الرسالة، وسماع كلام الله تعالى المنزه عن الحروف والأصوات، وإعطائه التوراة التي فيها علم كل شيء، وأن أنبياء بني إسرائيل كلهم داخلون تحت شريعته، ومخاطبون بأحكام توراته حتى عيسى

стр. 3506

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﵇، ألا ترى: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا التَّورَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ والإنجيل وإن كان هدى فليس فيه من الأحكام إلا قليل، ولم يجئ عيسى ﵇ ناسخًا لأحكام التوراة، بل معلمًا لها، ومبيِّنًا أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَالتَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ وعلى هذا فهو أَمَامَهم، وإِمامهم، وأعلمهم، وأفضلهم. ويكفي من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ وأن موسى من أولي العزم من الرسل، وأن أول من ينشق عنه القبر (١) نبينا ﷺ ، فيجد موسى ﵇ متعلقًا بساق العرش، وأنه ليس في محشر يوم القيامة أكثر من أمَّته بعد أمَّة نبينا ﷺ ، إلى غير ذلك من فضائله. فأما الخضر ﵇ فلم يُتَّفق على أنَّه نبي، بل هو أمرٌ مختلف فيه، هل هو نبي أو ولي، فإنَّ كان نبيًا فليس برسول بالاتفاق، إذ لم يقل أحدٌ: أن الخضر ﵇ أرسل إلى أمَّة، والرَّسول أفضل من نبي ليس برسول. وإن تنزلنا على أنه رسول، فرسالة موسى أعظم، وأمَّته أكثر، فهو أفضل. وإن قلنا: إن الخضر كان وليًا، فلا إشكال أن النبي أفضل من الولي. وهذا أمرٌ مقطوع به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر، فإنَّه أمرٌ معلوم من الشرائع بالضرورة، ولأنه واحد من أمَّة موسى، أو غيره من الأنبياء، ونبي كل أمَّة أفضل منها قطعًا، آحادًا أو جمعًا، وإنَّما كانت قصة موسى مع الخضر امتحانًا لموسى ليتأدَّب ويعتبر، كما قد ابتلي غيره من الأنبياء بأنواع من المحن والبلاء. المغلطة الثانية: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق يلزم منه هَدُّ الأحكام الشرعية، فقالوا: هذه الأحكام الشرعية إنما يحكم بها على الأغنياء

стр. 3507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعامة، وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص، بل: إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. قالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوّها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع والكليات، كما اتَّفق للخضر، فإنَّه استغنى بما تجلى له من تلك العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون. قلت: وهذا القول زندقة، وكفر يُقتل قائله، ولا يستتاب، لأنَّه إنكار ما علم من الشرائع، فإنَّ الله تعالى قد أجرى سُنَّته، وأنفذ حكمته، فإنَّ أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه، وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالاته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصَّهم بما هنالك، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿اللَّهُ أَعلَمُ حَيثُ يَجعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ﴾ وأمر بطاعتهم في كل ما جاؤوا به، وأخبر: أن الهدى في طاعتهم، والاقتداء بهم، في غير موضع من كتابه، وعلى ألسنة رسله، كقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وكقوله: ﴿وَمَا أَرسَلنَا مِن رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذنِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقتَدِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهتَدُوا﴾ وقال ﷺ : تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله، وسُنَّة نبيه (١). ومثل هذا لا يُحصى كثرة.

стр. 3508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعلى الجملة فقد حصل العلم القطعي، واليقين الضروري، وإجماع السَّلف، والخلف: على ألا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل الكرام. فمن قال: إن هناك طريقًا آخر يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل بحيث يُستغنى بها عن الرسل، فهو كافر، يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب، ثم هو قول بإثبات أنبياء (١) بعد نبينا ﷺ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول، وبيان ذلك: أنه من قال: يأخذ عن قلبه، وإن ما وقع فيه هو حكم الله، وأنه يعمل بمقتضاه، وإنه لا يحتاج في ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة، فإنَّ هذا نحو مما قاله رسول الله ﷺ : إن روح القدس نفث في روعي (٢) ولقد سمعنا عن بعض الممخرقين المتظاهرين بالدِّين أنه قال: أنا لا آخذ عن الموتى، وإنَّما آخذ عن الحي الذي لا يموت، وإنما أروي عن قلبي عن ربي، ومثل هذا كثير، فنسأل الله الهداية، والعصمة، وسلوك طريق سلف هذه الأمَّة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * * *

стр. 3509

(٣٢) باب في وفاة موسى ﵇ [٢٢٨٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أُرسِلَ مَلَكُ المَوتِ إِلَى مُوسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ وَفَقَأَ عَينَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرسَلتَنِي إِلَى عَبدٍ لَا يُرِيدُ المَوتَ، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيهِ عَينَهُ وَقَالَ: ارجِع إِلَيهِ فَقُل لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتنِ ثَورٍ فَلَهُ بِمَا غَطَّت يَدُهُ بِكُلِّ شَعرَةٍ سَنَةٌ قَالَ: أَي رَبِّ ثُمَّ مَه؟ قَالَ: ثُمَّ المَوتُ. قَالَ: فَالآنَ فَسَأَلَ اللَّهَ أَن يُدنِيَهُ مِن الأَرضِ المُقَدَّسَةِ رَميَةً بِحَجَرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَو كُنتُ ثَمَّ، لَأَرَيتُكُم قَبرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحتَ الكَثِيبِ الأَحمَرِ. وفي رواية: قال: جَاءَ مَلَكُ المَوتِ إِلَى مُوسَى ﵇ فَقَالَ لَهُ: أَجِب رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى ﵇ عَينَ مَلَكِ المَوتِ فَفَقَأَهَا. وذكر نحوه. رواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريُّ (٣٤٠٧)، ومسلم (٢٣٧٢) (١٥٧ و ١٥٨). * * * ــ (٣٢) ومن باب وفاة موسى ﵇ قوله: جاء ملك الموت إلى موسى ﵇ فقال: أجب ربَّك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، فرجع إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ظاهر هذا الحديث: أن ملك الموت تمثل لموسى في صورة لها عين، وأنه دعاه لقبض روحه، وأن موسى عرف أنه ملك الموت، وأنه لطمه بيده على عينه ففقأها، ولما ظهر هذا من هذا الحديث شنَّعته الملحدة، وقالوا: إن هذا

стр. 3510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كله محال، ولا يصح. وقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل هذا الحديث. فقال بعضهم: كانت عينًا متخيَّلة لا حقيقية. ومنهم من قال: هي عين معنوية. وإنما فقأها بالحجَّة، وهذان القولان لا يلتفت إليهما لظهور فسادهما، وخصوصًا الأول، فإنَّه يؤدي إلى: أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنصوص المنقولة، والأدلة المعقولة. ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاء وامتحانًا لملك الموت، فإنَّ الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء. وهذا ليس بجواب، فإنَّه إنما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز وقوع مثل هذا؟ وأشبه ما قيل فيه: ما قاله الشيخ الإمام أبو بكر بن خزيمة، وهو أن موسى ﵇ لم يعرف ملك الموت، وأنه رأى رجلًا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه، فدافع عن نفسه، فلطم عينه، ففقأها. وتجب المدافعة في مثل هذا بكل ممكن. وهذا وجه حسن، غير أن هذا اعترض عليه بما في الحديث، وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله قال: يا رب! أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فلو لم يعرفه موسى - وإنما دفعه عن نفسه - لما صدق هذا القول من ملك الموت. قلت: وقد أظهر لي ذو الطول والإفضال وجهًا حسنًا يحسم مادة الإشكال، وهو أن موسى عَرَف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه، لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ﷺ من: أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره (١)، فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي أعَلِم به، بادر بشهامته، وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت، فلطمه فانفقأت عينه امتحانًا لملك الموت، إذ لم يصرح له بالتخيير، ومما يدل على صحة هذا: أنه لما رجع إليه ملك الموت، فخيَّره بين الحياة والموت، اختار الموت واستسلم، وهذا الوجه - إن شاء الله - أحسن ما قيل فيه وأسلم، وقد تقدَّم القول

стр. 3511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في تمثل الملائكة في الصور المختلفة عقلًا، وثبوت وقوع ذلك نقلًا. و(قوله: قال: أي رب! ثم مه؟ قال؟ ثم الموت. قال: فالآن) مه: هي ما الاستفهامية، لما وقف عليها زاد هاء السكت وهي: لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام، نحو: عمه، ولمه، وفيمه، فإذا وصلوا حذفوها. وفالآن: ظرف زمان غير متمكن، وهو اسم لزمان الحال الذي يكون المتكلم عليها، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل، وهذا يدلّ على: أن موسى لما خيَّره الله بين الحياة والموت، اختار الموت شوقًا للقاء الله ، واستعجالًا لما له عند الله من الثواب والخير، واستراحة من الدنيا المكدرة. وهذا كما خُيِّر نبينا ﷺ عند موته، فقال: اللهم الرفيق الأعلى (١). و(قوله: فسأل الله تعالى أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر) أي: مقدار رمية بحجر، فهو منصوب على أنه ظرف مكان. والأرض المقدسة: هي البيت المقدَّس، وإنَّما سأل موسى ﵇ ذلك تبركًا بالكون في تلك البقعة، وليدفن مع من فيها من الأنبياء، والأولياء، ولأنها أرض المحشر على ما قيل. و(قوله: ولو كنت ثمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) ثمَّ - مفتوحة الثاء -: اسم يشار به إلى موضع، فأمَّا ثمَّ - بضم الثاء -: فحرف عطف. ويعني بالطريق: طريق بيت المقدس، وقد تقدم أن النبي ﷺ مرَّ في طريقه إلى بيت المقدس - ليلة أسري به - بقبر موسى وهو قائم يصلي فيه، وهذا يدل على أن قبر موسى أخفاه الله تعالى عن الخلق، ولم يجعله مشهورًا عندهم، ولعل ذلك لئلا يُعبَد، والله أعلم. وقد وقع في الرواية الأخرى: إلى جانب الطور

стр. 3512

(٣٣) باب في ذكر يونس ويوسف وزكريا ﵈ [٢٢٨٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ - يَعنِي: اللَّهَ ﵎: لَا يَنبَغِي لِعَبدٍ لِي وفي رواية: لِعَبدِي - أَن يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى. رواه أحمد (٢/ ٤٠٥)، والبخاري (٤٦٣١)، ومسلم (٢٣٧٦)، وأبو داود (٤٦٦٩). ــ مكان: الطريق. والطور: الجبل بالسريانية، وقال أيضًا في الرواية الأخرى: فما توارت يدك مكان: غطَّت يدك، وهو بمعناه. والتاء فيه زائدة، لأنَّ معناه: وارت، والله أعلم. (٣٣) ومن باب ذكر يونس ويوسف وزكريا ﵈ قوله: لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى أي لا يصلح، ولا يجوز. ولعبدٍ: منوَّن مُنكر، أي: لعبد من عباد الله، وفي الرواية الأخرى: لعبدي بإضافته إلى ياء المتكلم، وهو الله تعالى في هذه الرواية، فيحتمل أن يراد به النكرة (١)، فتكون إضافته غير محضة، كما قال الشاعر: وسائلي بمعجزي (٢) عن وطني ... ما ضاقَ بي جنابُه ولا نبا فأدخل ربَّ على سائلي مع أنه مضاف إلى ياء المتكلم، فدل على: أنه لم يرد به سائلًا واحدًا، فكأنه قال: ورب سائل، وكذلك الوطن في قوله: عن وطني،

стр. 3513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأن الجملة التي بعده صفة له، أي: عن وطن لم ينب بي جنابه، أي: غير ناب. ويصح أن تكون إضافة عبدي محضة ومعرفة، ويعني به: عبدي المكرم عندي، كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطَانٌ﴾ أي: عبادي المكرمون عندي، والمشرفون لدي، وقد شهد لهذا المعنى ما قد روي في كتاب أبي داود في هذا الحديث: لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا خير من يونس (١)، كما قد روي أيضًا ما يشهد بتنكير عبد في كتاب مسلم: لا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس (٢)، وعلى هذا فيقيد مطلق الرواية الأولى بمقيد هذه الرواية، فيكون معناه: لا ينبغي لعبد نبي أن يقول: أنا خير من يونس. وهذا هو الأولى، لأنَّه من ليس بنبي لا يمكنه بوجه أن يقول: أنا أفضل من النبي، لأنه من المعلوم الضروري عند المتشرعين: أن درجة النبي لا يبلغها ولي، ولا غيره، وإنما يمكن ذلك في الأنبياء، لأنهم صلوات الله وسلامه عليهم قد تساووا في النبوة، وتفاضلوا فيما بينهم بما خصَّ به بعضهم دون بعض، فإنَّ منهم من اتخذه الله خليلًا، ومنهم من اتخذه حبيبًا، ومنهم أولو العزم، ومنهم من كلَّم الله على ما هو المعروف من أحوالهم، وقد قال الله تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ فإن قيل: إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم فكيف ينهي عن التفضيل؟ وكيف لا يقول من هو في درجة عليا: أنا خير من فلان، لمن هو دونه، على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح؟ فالجواب: أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ، لا المنع من اعتقاد معناه أدبًا مع يونس، وتحذيرًا من أن يفهم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ. وإنما خصَّ يونس ﵇ بالذكر في هذا الحديث، لأنَّه لما دعا قومه للدخول في دينه، فأبطؤوا عليه ضجر، واستعجل بالدعاء عليهم، ووعدهم بالعذاب بعد

стр. 3514

[٢٢٨٨] وعن ابنَ عَبَّاسٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَا يَنبَغِي لِعَبدٍ أَن يَقُولَ: أَنَا خَيرٌ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى. وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. رواه أحمد (١/ ٢٤٢)، والبخاري (٣٤١٣)، ومسلم (٢٣٧٧). ــ ثلاث، وفرَّ منهم، فرأى قومه دخانًا، ومقدمات العذاب الذي وعدهم به، فآمنوا به، وصدَّقوه، وتابوا إلى الله تعالى، فردُّوا المظالم حتى ردُّوا حجارة مغصوبة كانوا بنوها، ثم إنهم فرقوا بين الأمهات وأولادهم، ودعوا الله تعالى، وضجُّوا بالبكاء والعويل، وخرجوا طالبين يونس فلم يجدوه، فلم يزالوا كذلك حتى كشف الله عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين، وهم أهل نينوى من بلاد الموصل على شاطئ دجلة، ثم إن يونس ركب في سفينة فسكنت ولم تجر، فقال أهلها: فيكم آبق. فقال: أنا هو. فأبوا أن يكون هو الآبق فقارعهم، فخرجت القرعة عليه، فرمي في البحر، فالتقمه حوت كبير، فأقام في بطنه ما شاء الله، وقد اختلف في عدد ذلك من يوم إلى أربعين، وهو في تلك المدة يدعو الله تعالى، ويسبحه إلى أن عفا الله عنه، فلفظه الحوت في ساحل لا نبات فيه، وهو كالفرخ، فأنبت الله تعالى عليه من حينه شجرة اليقطين، فسترته بورقها. وحكى أهل التفسير: أن الله تعالى قيض له أروية (١) ترضعه إلى أن قوي، فيبست الشجرة، فاغتم لها وتألم، فقيل له: أتغتم وتحزن لهلاك شجرة، ولم تغتم على هلاك مائة ألف أو يزيدون؟ وقد دلَّ على صحَّة ما ذكر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المُرسَلِينَ * إِذ أَبَقَ إِلَى الفُلكِ المَشحُونِ﴾ الآيات إلى آخرها، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن للنبوة أثقالًا، وإن يونس تفسخ تحتها تفسُّخَ الرُّبَع (٢) أو كما قال. قلت: ولما جرى هذا ليونس ﵇، وأطلق الله تعالى عليه: أنه

стр. 3515

[٢٢٨٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَن أَكرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَتقَاهُم، قَالُوا: لَيسَ عَن هَذَا نَسأَلُكَ. قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قَالُوا: لَيسَ عَن هَذَا نَسأَلُكَ قَالَ: فَعَن مَعَادِنِ العَرَبِ تَسأَلُونِي؟ خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقُهُوا. رواه أحمد (٢/ ٢٥٧)، والبخاريُّ (٣٣٥٣)، ومسلم (٢٣٧٨) (١٦٨). ــ مليم، أي: أتى بما يلام عليه. قال الله تعالى على لسان نبيه ﷺ : لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس؛ لأن ذلك يوهم نقصًا في نبوته، وقدحًا في درجته، وقد بيَّنَّا أن لعبد هنا بمعنى لنبي، وقد قيل: إنه محمول على غير الأنبياء، ويكون معناه: لا يظن أحد ممن ليس بنبي - وإن بلغ من العلم والفضل والمنازل الرفيعة، والمقامات الشريفة الغاية القصوى - أنه يبلغ مرتبة يونس ﵇، لأنَّ أقل مراتب النبوة لا يلحقها من ليس من الأنبيا، وهذا المعنى صحيح، والذي صدرنا به الكلام أحسن منه، والله تعالى أعلم. وقول السائل: من أكرم الناس؟ معناه: من أولى بهذا الاسم، ولذلك أجابه النبي ﷺ بجواب كُلِّي، فقال: أتقاهم، وهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم﴾ فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك، نزل عن ذلك إلى ما يقابله، وهو الخصوص بشخص معين، فقال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، لأنَّه نبي بن نبي بن نبي بن نبي (١)، فإنَّ هذا لم يجتمع لغيره من ولد آدم، فهو أحق الناس المعنيين بهذا الاسم. فلما قالوا: ليس عن هذا نسألك تبين له: أنهم سألوه عمن هو أحق بهذا الاسم من العرب، فأجابهم

стр. 3516

[٢٢٩٠] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا. رواه أحمد (٢/ ٢٩٦)، ومسلم (٢٣٧٩)، وابن ماجه (٢١٥٠). * * * ــ بقوله: فعن معادن العرب تسألوني؟ أي: عن أكرم أصولها، وقبائلها، وقد تقدَّم أن المعدن هو مأخوذ من عَدَن، أي: أقام، والعَدن: الإقامة، ولما كانت أصول قبائل العرب ثابتة سميت معادن. ثم قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، فمعنى هذا: أن من اجتمع له خصال شرف زمن الجاهلية من: شرف الآباء، ومكارم الأخلاق، وصنائع المعروف، مع شرف دين الإسلام، والتفقه فيه، فهو الأحق بهذا الاسم، وقد تقدَّم أن الكرم: كثرة الخير والنفع، ولما كان تقوى الله تعالى هو الذي حصل به خير الدنيا والآخرة مطلقًا كان المتصف به أحق، فإنَّه أكرم الناس، لكن هذه قضية عامة، فلما نظر النبي ﷺ فيمن تعين في الوجود بهذه الصفة، ظهر له أن الأنبياء أحق بهذا المعنى، إذ لا يبلغ أحد درجتهم، وإن أحقَّهم بذلك من كان مُعرِقًا في النبوة، وليس ذلك إلا ليوسف، كما ذكر. ويخرج منه الرد على من قال: إن إخوة يوسف كانوا أنبياء، إذ لو كانوا كذلك لشاركوا يوسف في ذلك المعنى، ثم إنه لما نظر النبي ﷺ بين الأعم والأخص ظهر أن الأحق بذلك المعنى: نوع من الأنواع المتوسطة بين الجنس الأعم، والنوع الأخص، وظهر له أنهم أشراف العرب، ورؤساؤهم إذا تفقهوا في الدين، وعلموا وعملوا، فحازوا كل الرتب الفاخرة، إذ اجتمع لهم شرف الدنيا والآخرة. وفيه ما يدلّ على شرف الفقه في الدين، وأن العالم يجوز له أن يجيب بحسب ما يظهر له، ولا يلزمه أن يستفصل السائل عن تعيين الاحتمالات، إلا إن خاف على السائل غلطًا، أو سوء فهم، فيستفصله، كما قررناه في الأصول. و(قوله: كان زكريا نجارًا) يدل: على شرف النجارة، وعلى أن التحرُّف بالصناعات لا يغض من مناصب أهل الفضائل، بل نقول: إن الحرف والصناعات

стр. 3517

(٣٤) باب في قول النبي ﷺ : لا تخيروا بين الأنبياء [٢٢٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: بَينَمَا يَهُودِيٌّ يَعرِضُ سِلعَةً لَهُ أُعطِيَ بِهَا شَيئًا، كَرِهَهُ - أَو لَم يَرضَهُ - قَالَ: لَا وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِن الأَنصَارِ فَلَطَمَ وَجهَهُ، قَالَ: تَقُولُ ــ غير الركيكة زيادة في فضيلة أهل الفضل، يحصل لهم بذلك التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان الذي هو خير المكاسب، كما قد نصَّ عليه النبي ﷺ حيث قال: إن خير ما أكل المرء من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده (١). وقد نقل عن كثير من الأنبياء أنهم كانوا يحاولون الأعمال. فأولهم آدم ﵇ علَّمه الله صناعة الحراثة، ونوح ﵇ علمه الله صناعة النجارة، وداود ﵇ علَّمه الله صناعة الحدادة، وقيل: إن موسى ﵇ كان كاتبًا، يكتب التوراة بيده، وكلهم قد رعى الغنم كما قال ﷺ وعليهم أجمعين. (٣٤) ومن باب قول النبي ﷺ : لا تخيروا بين الأنبياء. أي: لا تقولوا فلان خير من فلان، وفي الرواية الأخرى: لا تفضلوا (٢) أي: لا تقولوا فلان أفضل من فلان. يقال: خيَّر فلان بين فلان وفلان. وفضَّل - مشدَّدًا -: إذا قال ذلك. واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال، فمنهم من قال: إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، ويتضمَّن هذا الكلام: أن

стр. 3518

وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ أَظهُرِنَا؟ ! قَالَ: فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ! إِنَّ ــ الحديث معارض لقوله تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ ولِمَا في معنى ذلك من الأحاديث، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه، وحتى يُعرف التاريخ، وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي، فليس هذا القول بصحيح، ومنهم من قال: إنما قال ذلك النبي ﷺ على جهة التواضع، والأدب مع الأنبياء، وهذا فيه بُعد، لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك، فإنَّه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل. ألا ترى أنه قد غضب عليه حتى احمر وجهه، ونهى عن ذلك، فدلَّ على أن التفضيل يحرم. ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك. ومنهم من قال: إنما نهى عن الخوض في ذلك، لأنَّ ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر، ويقل احترامهم عند المماراة، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة. ومنهم من قال: مقتضى هذا النهي: إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من الأنبياء على معيَّن، أو على ما يقصد به معيَّن، وإن كان اللفظ عامًا، لأنَّ ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّاه، فيما تقدَّم. قلت: ويدلّ على ذلك: أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في الأم: لا تفضلوني على موسى (١)، وبدليل قوله: لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى فإنَّ قيل: فالحديث يدلّ على خلاف هذا، فإنَّ اليهودي فضل موسى على البشر. والمسلم قال: والذي اصطفى محمدًا على البشر. وعند ذلك قال النبي ﷺ : لا تفضلوا بين الأنبياء، ولا تخيروا بين الأنبياء فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا معينًا وغير معين، فالجواب: أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن

стр. 3519

لِي ذِمَّةً وَعَهدًا، وَقَالَ: فُلَانٌ لَطَمَ وَجهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِمَ لَطَمتَ وَجهَهُ؟ قَالَ: قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَالَّذِي اصطَفَى مُوسَى ﵇ عَلَى البَشَرِ، وَأَنتَ بَينَ أَظهُرِنَا! قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى عُرِفَ الغَضَبُ فِي ــ يصرح بأن موسى أفضل من محمد، لكنَّه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه، فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى، غير أنَّه قابل لفظ اليهودي بمثله، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله ﷺ : لا تفضلوني على موسى فنهاهم عن ذلك، ثم إنا قد وجدنا نبيَّنا ﷺ قال: أنا أكرم ولد آدم على ربي (١)، وأنا سيد ولد آدم، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ، ولا مرجوح. قلت: وهذا الوجه وإن كان حسنًا، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء، فلا يجوز في المعين منهم، ولا غيرهم، ولا يقال: فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم، ولا من فلان، ولا خير، كما هو ظاهر هذا النهي، لما ذكر من توهم النقص في المفضول، وإن كان غير معين، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب. ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى: ﴿تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلنَا بَعضَهُم عَلَى بَعضٍ﴾ وكما قد علمنا أن نبينا ﷺ قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصّ به أحدٌ منهم، ومع ذلك فلا نقول: نبينا خير من الأنبياء، ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهى عنه، وتأدبًا

стр. 3520

وَجهِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَينَ أَنبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصعَقُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَن يبعثَ - أَو: فِي أَوَّلِ مَن يبعثَ - ــ بأدبه، وعملًا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل، ورفعا لما يتوهم من المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل. و(قوله: إنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله) أصل الصعق، والصعقة: الصوت الشديد المنكر، كصوت الرعد، وصوت الحمار، وقد يكون معه موت لشدَّته. وهو المراد بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ﴾ وقد تكون معه غشية، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فإنَّ كان معه نار فهو الصاعقة، والعرب كلها تقدم العين على القاف إلا بني تميم، فإنَّهم يقدمون القاف على العين، فيقولون: الصاقعة، حكاها القاضي عياض. وقد اختلف في المستثنى: من هو؟ فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وقيل: الشهداء. والصحيح: أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل، والله أعلم. والصُّور قيل: إنه جمع صورة، والصحيح ما قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: الصُّور قرن ينفخ فيه (١). وسيأتي له مزيد بيان. واختلف في عدد النفخات، فقيل: ثلاثة: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة البعث. وقيل: هما نفختان: نفخة الفزع هي نفخة الصعق، لأنَّ الأمرين لازمان لها. والله تعالى أعلم. و(قوله: ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من يبعث، أو: من أول من يبعث) هذا شك من الراوي تزيله الرواية الأخرى التي قال فيها: فأكون أول من يفيق، وكذلك الحديث المتقدم الذي قال فيه: أنا أول من ينشق عنه القبر

стр. 3521

وفي رواية: أول من يفيق من غير شك - فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرشِ، فَلَا أَدرِي أَحُوسِبَ بِصَعقَتِهِ يَومَ الطُّورِ أَو بُعِثَ قَبلِي، وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفضَلُ مِن يُونُسَ بنِ مَتَّى ﵇. ــ ويبعث) (١) يعني به: يحيا بعد موته، وهو الذي عبر عنه في الرواية الأخرى بـ أفيق) وإن كان المعروف: أن الإفاقة إنما هي من الغشية، والبعث من الموت، لكنهما لتقارب معناهما أطلق أحدهما مكان الآخر، ويحتمل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. و(قوله: فإذا موسى متعلِّق بساق بالعرش (٢)) هذا من موسى تعلق فزع لهول المطلع، وكأنه متحرِّم بذلك (٣) المحل الشريف، ومتمسك بالفضل المنيف. و(قوله: فلا أدري أحوسب بصعقة الطور، أو بعث قبلي) هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى ﵇، قد توفي وأن النبي ﷺ قد رآه في قبره، وبأن المعلوم المتواتر: أنه توفي بعد أن ظهر دينه، وكثرت أمَّته، ودفن بالأرض، ووجه الإشكال: أن نفخة الصَّعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى، لأنَّ الحاصل لا يستحصل، ولا يبتغى، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى ممن صُعق، لأنَّ المستثنيين أحياء لم يموتوا، ولا يموتون، فلا يصحُّ استثناؤهم من الموتى، وقد

стр. 3522

وفي رواية: فَلَا أَدرِي أَكَانَ فِيمَن صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبلِي، أَم كَانَ مِمَّن استَثنَى اللَّهُ . رواه البخاريّ (٣٤١٤)، ومسلم (٢٣٧٣) (١٥٩ و ١٦٠)، وأبو داود (٤٦٧١)، والترمذيُّ (٣٢٤٥). * * * ــ رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال، فقال: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا قول باطل بما ذكرناه. قال القاضي عياض: يحتمل أن المراد بهذه الصعقة: صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون، قال: فتستقل الأحاديث والآيات. قلت: وهذه غفلة عن مساق الحديث، فإنَّه يدلّ على بطلان ما ذكر دلالة واضحة، فإنَّ النبي ﷺ قال: إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى، وهو متعلق بالعرش، وهذا كان عند نفخة البعث، ثم إن النبي ﷺ عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث، هل مات عند نفخة الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث، فيكون قد بعث قبله، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور، جعلت له تلك عوضًا من هذه، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصعق، ولم يصعق، ولم يمت، وحينئذ يبقى الإشكال إذ لم يحصل عنه انفصال. قلت: والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يقال: إن الموت ليس بعدم، وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه

стр. 3523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد صحَّ عن النبي ﷺ : أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء (١)، وأن النبي ﷺ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصًا بموسى ﵇. وقد أخبرنا النبي ﷺ بما يقتضي أن الله تعالى يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه (٢)، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى، وهو كثير بحيث يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة فإنَّهم موجودون أحياء، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماء والأرض، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله، فأمَّا صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث ممن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال ﷺ : فأكون أول من يفيق) وهي رواية صحيحة وحسنة. فهذا الذي ظهر لي، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. وقد تحصل من هذا الحديث: أن نبينا محمدًا ﷺ مُحَقَّقٌ أنه أول من يفيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم، الأنبياء وغيرهم، إلا موسى ﵇ فإنَّه حصل له فيه تردد: هل بعث قبله، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق، وعلى أي الحالين كان فهي فضيلة عظيمة لموسى ﵇ ليست لغيره، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين. حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. علَّقه الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن دريك عفا الله عنهم. نجز الجزء الثالث من المفهم بشرح كتاب مسلم، يتلوه - إن شاء الله تعالى كتاب: فضائل الصحابة، والحمد لله. اللهم يسر لنا طريقًا إلى العلم، وتوفيقًا إلى الفهم، وأصلح نياتنا فيهما، إنك لما تشاء فعَّال، وأنت حسبنا ونعم الوكيل (١). * * *

стр. 3525

(٣٥) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه ﵁ - [٢٢٩٢] عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرتُ إِلَى أَقدَامِ المُشرِكِينَ عَلَى رُؤوسِنَا، وَنَحنُ فِي الغَارِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَو أَنَّ أَحَدَهُم نَظَرَ إِلَى ــ (٣٥) ومن باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي. يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في مرَّة بن كعب، وسَمَّاه رسول الله ﷺ بالصِّدِّيق، رواه عنه علي بن أبي طالب ﵁، وسَمَّاه بذلك لكثرة تصديقه. ويُسمَّى بعتيق، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال: أحدها: أن النبي ﷺ قال: من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر (١) روته عائشة. والثاني: أنه اسم سمَّته به أمُّه، قاله موسى بن طلحة. والثالث: أنه سُمِّي به (٢) لجمال وجهه، [قاله الليث بن سعد، وقال ابن قتيبة: لقبه النبي ﷺ بذلك لجمال وجهه] (٣)،

стр. 3526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو أول من أسلم من الرجال، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵃. قال الإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي: جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول الله ﷺ مائة واثنان وأربعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا. قلت: ومن المعلوم القطعي، واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول الله ﷺ ما لم يحفظ أحدٌ من الصحابة، وحصل له (١) من العلم ما لم يحصل لأحد منهم، لأنَّه كان الخليل المباطن، والصَّفي الملازم، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا، ولا ليلًا ولا نهارًا، ولا شدَّة ولا رخاءً، وإنَّما لم يتفرغ للحديث، ولا للرواية، لأنَّه اشتغل بالأهم فالأهم، ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهم. وإذا تقرر ذلك فاعلم: أن الفضائل جمع فضيلة، كرغائب جمع رغيبة، وكبائر جمع كبيرة، وهو كثير، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل للإنسان شرف، وعلو منزلة وقدر، ثم ذلك الشَّرف، وذلك الفضل إما عند الخلق، وإما عند الخالق، فأمَّا الأول: فلا يلتفت إليه إن لم يوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق. فإذًا: الشرف المعتبر، والفضل المطلوب على التحقيق، إنما هو الذي هو شرف عند الله تعالى. وإذا تقرر هذا (٢)، فإذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ﵃ فاضل، فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا، فلا بدَّ أن يرجع ذلك إلى النقل، والنقل إنما يُتلقى من الرسول ﷺ ، فإذا أخبرنا

стр. 3527

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الرَّسول ﷺ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول، فإنَّ كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك، وإن لم يكن قطعيًا كان ذلك كسبيل المجتهدات على ما تقدَّم، وعلى ما ذكرناه في الأصول، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر، فلا يقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية وخصال محمودة، بأن ذلك قد بلَّغه عند الله منزلة الفضل والشرف، فإنَّ ذلك أمر غيب، والأعمال بالخواتيم، والخاتمة مجهولة، والوقوف على المجهول مجهول، لكنَّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير، ويسر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسُّكًا بقوله ﷺ : إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في الخير، ووفقه لعمل صالح (١). وبما جاء في الشريعة من ذلك، ومن كان كذلك: فالظَّنُّ أنه لا يخيب، ولا يقطع على (٢) المغيب، وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله، وأفضليته بعد رسول الله ﷺ عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يقطع به من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق، ثم عمر الفاروق، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السَّلف، ولا الخلف، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع، ولا أهل البدع، فإنهم بين مُكفَّر تُضرب رقبته، وبين مبتدع مُفسَّق لا تُقبل كلمته، وتدحض حُجَّته. وقد اختلف أئمة أهل السُّنَّة (٣) في علي وعثمان ﵄، فالجمهور منهم على تقديم عثمان، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور، وهو الأصح إن شاء الله، والمسألة (٤) اجتهادية لا قطعية، ومستندها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة: هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيَّه، ولإقامة دينه، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة، إلى ما ينضافُ إلى

стр. 3528

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك بما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبي ﷺ له بذلك تأصيلًا وتفصيلًا، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وهذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا يُنزف غمره، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. وقول أبي بكر ﵁: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار كان من قصته: أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله ﷺ ، فبيتوه في داره، فأمر عليًّا فرقد على فراشه، وقال له: إنهم لن يضروك، فخرج عليهم رسول الله ﷺ وهم على بابه، فأخذ الله أبصارهم عنه، ولم يروه، ووضع على رأس كل واحد منهم ترابًا، وانصرف عنهم خارجًا إلى غار ثور، فاختفى (١) فيه، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخبِرٌ أنه قد خرج عليهم، وأنه وضع على رؤوسهم التراب، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب، فدخلوا الدَّار، فوجدوا عليًّا على الفراش، فلم يتعرضوا له، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي ﷺ ويقتصون أثره بقائف (٢) كان معروفًا عندهم، إلى أن وصلوا إلى الغار، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه، وفرَّخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى، فلما رأوا ذلك قالوا: إن هذا الغار ما دخله أحدٌ، ثم إنهم صَعِدوا إلى (٣) أعلى الغار، فحينئذ رأى أبو بكر ﵁ أقدامهم، فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضعف حاله: لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا، فأجابه من تدلَّى فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى بقوله: ﴿لا تَحزَن إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: بالحفظ والسلامة، والصَّون والكرامة. ثم إن النبي ﷺ أقام في الغار ثلاثة أيام حتى تجهَّز. ومنه هاجر

стр. 3529

قَدَمَيهِ أَبصَرَنَا تَحتَ قَدَمَيهِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا بَكرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثنَينِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. رواه أحمد (١/ ٤)، والبخاريُّ (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١)، والترمذيُّ (٣٠٩٦). [٢٢٩٣] وعَن أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ فَقَالَ: عَبدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَينَ أَن يُؤتِيَهُ زَهرَةَ الدُّنيَا، وَبَينَ مَا عِندَهُ فَاختَارَ مَا عِندَهُ فَبَكَى أَبُو بَكرٍ وَبَكَى فَقَالَ: فَدَينَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ: فَكَانَ ــ إلى المدينة، وكل ذلك من النبي ﷺ ثقة بوعد الله تعالى، وتوكل، ودليل على خصوصيَّة أبي بكر من الخلَّة، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدة بما لم (١) يسبق إليه. و(قوله ﷺ : عبدٌ خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده) هذا قول فيه إبهام، قصد به النبي ﷺ اختبار أفهام أصحابه، وكيفية تعلق قلوبهم به، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم، ولما فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، ولذلك قالوا: فكان أبو بكر أعلمنا. وهذا يدلّ من أبي بكر ﵁ على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله ﷺ ومستغرق عنه، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم (٢) في ذلك. ولما علم النبي ﷺ ذلك منه، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصَّه بالخصوصيَّة العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأولى ولا في الآخرة. فقال: إن أَمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، فقد تضمن

стр. 3530

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ المُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ أَعلَمَنَا بِهِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحبَتِهِ أَبُو بَكرٍ، وَلَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلًا، وَلَكِن أُخُوَّةُ الإِسلَامِ لَا تُبقَيَنَّ فِي المَسجِدِ خَوخَةٌ إِلَّا خَوخَةَ أَبِي بَكرٍ. رواه أحمد (٣/ ١٨)، والبخاريُّ (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢). ــ هذا الكلام: أن لأبي بكر من الفضائل، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق. ووزن أمَنَّ: أفعل، من المنَّة بمعنى الامتنان، أي: أكثر منَّة، ومعناه: أن أبا بكر ﵁ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتن بها، وذلك: أنه ﵁ بادر النبي ﷺ بالتَّصديق، والناس كلهم مكذبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناس يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناس ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلم: أن لله ولرسوله الفضل والإحسان، والمنة والامتنان، لكن النبي ﷺ بكرم خُلقه، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه، وشكر الصنيعة لمن وجدت منه، عملًا بشكر المنعم، ليسن، وليعلم، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار، حيث جمعهم فذكَّرهم بما له عليهم من المنن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزكاة. وقد ذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر. . .، (١) وذكر الحديث، وقال: هو حسن غريب. و(قوله: ولو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا) متخذًا: اسم فاعل من اتَّخذ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجر، فيكون

стр. 3531

[٢٢٩٤] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَو كُنتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذتُ أَبَا بَكرٍ خَلِيلًا، وَلَكِن أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَد اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُم خَلِيلًا. ــ بمعنى: اختار واصطفى، كما قال: ﴿وَاتَّخَذَ قَومُ مُوسَى مِن بَعدِهِ مِن حُلِيِّهِم عِجلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها، وهو الذي دخل عليه حرف الجر، فكأنه قال: لو كنت متخذًا من النَّاس خليلًا لاتخذت منهم أبا بكر. ولبسط الكلام في ذلك علم النحو، وحاصله: أن اتَّخذ استعملت على ثلاثة أنحاء: أحدها: تتعدى لمفعولين بنفسها. وثانيها: تتعدى لأحدهما بحرف الجر. وثالثها: تتعدى لمفعول واحد، وكل ذلك موجود في القرآن. ومعنى هذا الحديث: أن أبا بكر ﵁ كان قد تأهل لأن يتخذه النبي ﷺ خليلًا، لولا المانع الذي منع النبي ﷺ وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى، ومحبته، ومراقبته، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة ﵄ أنهما أحب الناس إليه، ونفى عنهما الخلَّة، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك، فذهب الجمهور: إلى أن الخلَّة أعلى، تمسُّكًا بما ذكرناه، وهو متمسَّك قوي ظاهر، وذهب أبو بكر بن فورك (١) إلى أن المحبة أعلى، واستدل على ذلك: بأن الاسم الخاص بمحمد ﷺ : الحبيب، وبإبراهيم: الخليل. ودرجة نبينا ﷺ أرفع، فالمحبة أرفع. وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في كتاب الشفا (٢)، واستوفى فيها البحث، فلتنظر

стр. 3532

وفي رواية: أَلَا إِنِّي أَبرَأُ إِلَى كُلِّ خليل مِن خِلِّهِ، وَلَو كُنتُ ... وذكر نحوه. رواه أحمد (١/ ٣٧٧)، ومسلم (٢٣٨٣) (٣ و ٧)، والترمذيُّ (٣٦٥٥)، وابن ماجه (٩٣). ــ هناك، وقد ذكرنا اختلاف الناس في الخلة في كتاب الإيمان. و(قوله: إلا إني أبرأ إلى كل خليل من خلّته) الرواية المعروفة: بكسر الخاء من خِلَّة. قال القاضي: والصواب - إن شاء الله - فتحها، والخلَّة، والخلُّ، والمخاللة، والمخالَّة، والخلالة، والخلولة: الإخاء والصَّداقة. قلت: يعني: أن خَلَّة في الأصل: هي مصدر، ومصادر هذا الباب: هي التي ذكروها، وليس فيها ما يقال: بكسر الخاء، فتعين الفتح فيها، ومعنى هذا الكلام: قد جاء بلفظ آخر يفسره فقال: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل. . وهذا واضح. و(قوله: وقد اتَّخذ الله صاحبكم خليلًا) في غير كتاب مسلم: كما اتخذ إبراهيم خليلًا) وهذا يدلّ على أن الله تعالى بلغ درجة نبينا ﷺ في الخلة بإبراهيم ﵇ غير أنَّه مكَّنه فيها ما لم يمكَّن إبراهيم فيها، بدليل قول إبراهيم: إنما كنت خليلًا من وراء وراء (١) كما تقدَّم في الإيمان. و(قوله: لا تُبقَيَن في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر) الخوخة - بفتح الخاء المعجمة -: باب صغير بين مسكنين، وكان أصحاب النبي ﷺ قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات اغتنامًا لملازمة المسجد، وللكون فيه مع النبي ﷺ إذ كان فيه غالبًا، إلا أنه لما كان ذلك يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقًا، أمر النبي ﷺ بسدِّ كل خوخة كانت هنالك، واستثنى خوخة أبي بكر ـ رضي الله

стр. 3533

[٢٢٩٥] وعن عَمرُو بنُ العَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَتَيتُهُ فَقُلتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلتُ: مِن الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: عُمَرُ. فَعَدَّ رِجَالًا. رواه أحمد (٤/ ٢٠٣)، والبخاري (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤)، والترمذيُّ (٣٨٨٥). [٢٢٩٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن أَصبَحَ مِنكُم اليَومَ صَائِمًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن تَبِعَ مِنكُم اليَومَ جَنَازَةً؟ ــ عنه ـ إكرامًا له، وخصوصية به، لأنَّهما كانا لا يفترقان غالبًا، وقد استدل بهذا الحديث على صحَّة إمامته، واستخلافه للصلاة، وعلى خلافته بعده. و(قوله: من أحبُّ الناس إليك (١)؟ هذا السُّؤال: أخرجه الحرص على معرفة الأحب إليه، ليقتدي به في ذلك، فيحب ما أحب، فإنَّ المرء مع من أحب. و(قوله في الجواب: عائشة) يدلّ على جواز ذكر مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من ذكره إذا كان المقول له من أهل الخير والدِّين، ويقصد بذلك مقاصد الصَّالحين، وإنَّما بدأ النبي ﷺ بذكر محبة عائشة أولًا، لأنَّها محبة جبلية ودينية، وغيرها دينية لا جبلية، فسبق الأصلي على الطَّارئ. و(قوله: ثم أبو بكر (٢)، ثم عمر) يدلّ على: تفاوت ما بينهما في الرتبة والفضيلة، وهو يدلّ على صحَّة ما ذهب إليه أهل السُّنَّة. و(قوله: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا. . . الحديث يدلّ

стр. 3534

قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن أَطعَمَ مِنكُم اليَومَ مِسكِينًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، قَالَ: فَمَن عَادَ مِنكُم اليَومَ مَرِيضًا؟ قَالَ أَبُو بَكرٍ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا اجتَمَعنَ فِي امرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ. رواه مسلم (١٠٢٨) في الفضائل (١٢). [٢٢٩٧] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَينَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً لَهُ قَد حَمَلَ عَلَيهَا؛ التَفَتَت إِلَيهِ البَقَرَةُ فَقَالَت: إِنِّي لَم أُخلَق لِهَذَا، وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقتُ لِلحَرثِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبحَانَ اللَّهِ - تَعَجُّبًا وَفَزَعًا - أَبَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ ! ــ على ما كان النبي ﷺ عليه من التفقد لأحوال أصحابه، وإرشادهم إلى فعل الخير على اختلاف أنواعه، وعلى ما كان عليه أبو بكر من الحرص على فعل جميع أنواع الطاعات، وتتبعه أبوابها، واغتنام أوقاتها، وكأنه ما كان له هم إلا في طلب ذلك، والسَّعي في تحصيل ثوابه. و(قوله: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة) ظاهره: أن من اجتمع له فعل هذه الأبواب في يومٍ واحد دخل الجنة، فإنَّه قال فيها كلها: اليوم، اليوم، ولما أخبره أبو بكر ﵁ أنه فعل تلك الأمور كلها في ذلك اليوم بشَّره بأنه من أهل الجنة لأجل تلك الأمور، والمرجو من كرم الله تعالى أن من اجتمعت له تلك الأعمال في عمره، وإن لم تجتمع في يوم واحد أن يدخله الله الجنَّة بفضله، ووعده الصَّادق. و(قول البقرة للذي حمل عليها: إني لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحرث) دليل: على أن البقرة لا يحمل عليها ولا تركب، وإنَّما هي للحرث، وللأكل، والنسل، والرَّسلِ (١). وفيه ما يدلّ على وقوع خرق العوائد، على جهة الكرامة، أو

стр. 3535

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنِّي أُومِنُ بِهِ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَينَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيهِ الذِّئبُ، فَأَخَذَ مِنهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى استَنقَذَهَا مِنهُ، فَالتَفَتَ إِلَيهِ الذِّئبُ، فَقَالَ لَهُ: مَن لَهَا يَومَ السَّبُعِ يَومَ لَيسَ لَهَا رَاعٍ غَيرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبحَانَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، والبخاريُّ (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨). ــ على جهة التنبيه لمن أراد الله به الاستقامة، وفيه ما يدلّ على علم النبي ﷺ بصحَّة إيمان أبي بكر وعمر، ويقينهما، وأنه كان ينزلهما منزلة نفسه، ويقطع على يقينهما، وهذه خصوصية عظيمة، ودرجة (١) رفيعة. و(قول الذئب: من لها يوم السَّبُع) الرواية الصحيحة التي قرأناها وقيدناها على مشايخنا بضم الباء لا غير، ومعناه مفسَّر بباقي الحديث، إذ قال فيه: يوم ليس لها راعٍ غيري فإنه أبدل يوم ليس لها راع من يوم السَّبُع وكأنه قال: من يستنقذ هذه الشاة يوم ينفرد السَّبُع بها، ولا يكون معها راع، ولا يمنعها منه؟ ! وكأنه - والله أعلم - يشير إلى نحو مما تقدَّم في الحج من حديث أبي هريرة مرفوعًا. قال: يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريد السِّباع والطير -، ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة، فينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرَّا على وجوههما (٢). فحاصل هذا: أن أهل المدينة ينجلون عنها، فلا يبقى فيها إلا السِّباع، ويهلك من حولها من الرُّعاة فتبقى الغنم متوحشة منفردة، فتأكلُ الذئابُ ما شاءت، وتترك ما شاءت، وهذا لم يُسمع

стр. 3536

[٢٢٩٨] وعن عَائِشَةَ وَسُئِلَت: مَن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُستَخلِفًا لَو استَخلَفَ؟ قَالَت: أَبُو بَكرٍ، ــ أنَّه وقع، ولا بدَّ من وقوعه. وقد قيده بعض اللغويين بسكون الباء، وليست برواية صحيحة، ولكن اختلف في معنى ذلك على أقوال يطول ذكرها، ولا معنى لأكثرها، وأشبه ما قيل في ذلك، ما حكاه الحربي: أن سكون الباء لغة فيه، وقرأ الحسن: (وما أكل السَّبعُ) بسكونها. و(قول السائل لعائشة ﵂: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف؟ ) يدلّ على: أن من المعلوم عندهم أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر ﵁ لما طعن، وقيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أتركهم؛ فقد تركهم رسول الله ﷺ ، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ﵁، وهذا بمحضر من الصحابة، وعلي والعباس ﵃ ولم ينكر أحدٌ منهم على عمر، ولا ذكر أحدٌ من الناس نصًّا باستخلاف (١) على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذب من ادَّعى شيئًا من ذلك، إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نصٌّ على أحد في ذلك الأمر العظيم المهم، فيكتموه، مع تَصَلُّبِهم (٢) في الدِّين، وعدم تقيَّتهم، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي ﷺ فإنَّهم اجتمعوا لذلك، وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا، حتى قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، ولم يذكر أحدٌ منهم نصًّا، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نصَّ عليه، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته، ونقله، ولَمَا اختلفوا في شيء من ذلك. ومن العجب ألا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك، ولا يذكره مع قرب العهد، وتوفر الدِّين والجدّ، ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة، وأوقات

стр. 3537

فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَن بَعدَ أَبِي بَكرٍ؟ قَالَت: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَن بَعدَ عُمَرَ؟ قَالَت: أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ. رواه مسلم (٢٣٨٥). [٢٢٩٩] وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، أَنَّ امرَأَةً سَأَلَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيئًا، فَأَمَرَهَا أَن تَرجِعَ إِلَيهِ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ إِن جِئتُ فَلَم أَجِدكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعنِي المَوتَ، قَالَ: فَإِن لَم تَجِدِينِي فَائتِي أَبَا بَكرٍ. رواه أحمد (٤/ ٨٢)، والبخاريُّ (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦). ــ مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدَّعي: أن عنده من العلم بالنصِّ على واحد معين ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم. هذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبة التعصُّب والأهواء تورِّط صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى: أنه نصَّ على خلافة علي ﵁ وذهبت الراوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس ﵁ واختلق كل واحد منهما من الكذب، والزور، والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النَّص على واحد بعينه هو مذهب جمهور أهل السُّنَّة من السَّلف والخلف، لا على أبي بكر، ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة إلى أصول كليِّة، وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جليِّة حصلت لهم العلم بأنه أحق بالخلافة، وأولى بالإمامة، يعلم ذلك من استقرأ أخباره، وخصائصه، وسيقع التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى. و(قول عائشة ﵂ في جواب السَّائل: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة) هذا قالته عن نظرها، وظنها، لا أن ذلك كان بنصٍّ عندها عن النبي ﷺ ، ولعلها استندت في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السقيفة: رضيت

стр. 3538

[٢٣٠٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ادعِي لِي أَبَا بَكرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن يَتَمَنَّى ــ لكم أحد هذين الرَّجُلَين عمر وأبي عبيدة. وفي حق أبي عبيدة شهادة النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، ولذلك قال عمر ﵁ حين جعل الأمر شورى: لو أن أبا عبيدة حيٌّ لما تخالجني فيه شك، فلو سألني ربي عنه قلت: سمعت نبيك يقول: لكل أمة أمين، وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح (١)، ويفهم من قول عمر وعائشة: جواز انعقاد الخلافة للفاضل مع وجود الأفضل، فإنَّ عثمان وعليًّا ﵄ أفضل من أبي عبيدة ﵁ بالاتفاق، ومع ذلك فقد حكما بصحَّة إمامته عليهما - أن لو كان حيًّا -. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، ومذهب الجمهور: أنها تنعقد له - أعني للمفضول - وخالف في ذلك: عباد بن سلمان، والجاحظ، فقالا: لا ينعقد للمفضول على الفاضل، ولا يعتد بخلافهما لما ذكرنا في الأصول، والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور. و(قوله ﷺ للمرأة: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) زعم من لا تحقيق عنده من المتأخرين: أن هذا نصٌّ على خلافة أبي بكر ﵁ وليس كذلك، وإنَّما يتضمن الخبر عن أنَّه يكون هو الخليفة بعده، لكن بأي طريق تنعقد له؟ هل بالنصِّ عليه، أو بالاجتهاد؟ هذا هو المطلوب، ولم ينص عليه في الحديث، وكذلك قوله ﷺ : ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتى أكتب كتابًا. . . الحديث إلى قوله: يأبى الله والمؤمنون: إلا أبا بكر ليس نصًّا في استخلافه، وإنما يدل على إرادة استخلافه، ولم ينص عليه، ألا ترى أنه لم يكتب، ولم ينص. والحاصل: أن هذه الأحاديث ليست نصوصًا في ذلك، لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى علم استحقاقه

стр. 3539

مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَولَى، وَيَأبَى اللَّهُ وَالمُؤمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكرٍ. رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، والبخاريُّ (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧). * * * ــ للخلافة، وانعقادها له ضرورة شرعية، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه، وتفسيقه. وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لمن استقرأ ما في الشريعة، مما يدلّ على استحقاقه لها، وأنه: أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مِمَّا جرى هنالك. وكانت وفاة أبي بكر ﵁ على ما قاله ابن إسحاق: يوم الجمعة لسبع ليالٍ (١) بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنه مات عشية يوم الاثنين. وقيل: عشية يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. هذا قول أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله ﷺ . وقال غيره: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يومًا. ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليال. واختلف في سبب موته، فقال الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد فحُمَّ، ومرض خمسة عشر يومًا. وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السِّلِّ. وروي عن سلام بن أبي مطيع: أنه سُمَّ. والله أعلم. وقد تقدَّم أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة. * * *

стр. 3540

(٣٦) باب فضائل عمر بن الخطاب [٢٣٠١] عن ابنَ عَبَّاسٍ قال: وُضِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدعُونَ وَيُثنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيهِ قَبلَ أَن يُرفَعَ وَأَنَا فِيهِم. قَالَ: ــ (٣٦) ومن باب فضائل عمر بن الخطاب ﵁ ويُكنَّى: أبا حفص، وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كعب. أسلم سنه ست من النبوَّة. وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلًا، وإحدى عشرة امرأة. وقيل: بعد ثلاث وثلاثين رجلًا. وقيل: إنه تمام الأربعين. وسُمِّي الفاروق، لأنَّه فرَّق بإظهار إسلامه بين الحق والباطل. وقتال الكفار عليه يوم أسلم، ونزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! استبشر أهل السماء بإسلام عمر. حُفِظ له من الحديث خمسمائة وتسعة (١) وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين أحد وثمانون حديثًا، توفي ﵁ مقتولًا. قتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه العلج بسكين في يده ذات طرفين، وطعن فيه اثني عشر رجلًا، مات منهم تسعة، ثم رَمَى على العلج رجلٌ من أهل العراق برنسًا (٢)، فحبسه، فوجأ نفسه، وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة كما تقدَّم. و(قوله: ووضع عمر ﵁ على سريره، فتكنفه النَّاس) يعني: بعد موته وتجهيزه للدَّفن. والسَّرير هنا: هو النَّعش، وتكنَّفه الناس: أي صاروا
следующие страницы →