← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

[٢٢٩٨] وعن عَائِشَةَ وَسُئِلَت: مَن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُستَخلِفًا لَو استَخلَفَ؟ قَالَت: أَبُو بَكرٍ، ــ أنَّه وقع، ولا بدَّ من وقوعه. وقد قيده بعض اللغويين بسكون الباء، وليست برواية صحيحة، ولكن اختلف في معنى ذلك على أقوال يطول ذكرها، ولا معنى لأكثرها، وأشبه ما قيل في ذلك، ما حكاه الحربي: أن سكون الباء لغة فيه، وقرأ الحسن: (وما أكل السَّبعُ) بسكونها. و(قول السائل لعائشة ﵂: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف؟ ) يدلّ على: أن من المعلوم عندهم أن النبي ﷺ لم يستخلف أحدًا، وكذلك قال عمر ﵁ لما طعن، وقيل له: ألا تستخلف؟ فقال: إن أتركهم؛ فقد تركهم رسول الله ﷺ ، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر ﵁، وهذا بمحضر من الصحابة، وعلي والعباس ﵃ ولم ينكر أحدٌ منهم على عمر، ولا ذكر أحدٌ من الناس نصًّا باستخلاف (١) على أحد، فكان ذلك دليلًا على كذب من ادَّعى شيئًا من ذلك، إذ العادات تحيل أن يكون عندهم نصٌّ على أحد في ذلك الأمر العظيم المهم، فيكتموه، مع تَصَلُّبِهم (٢) في الدِّين، وعدم تقيَّتهم، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، وكذلك اتفق لهم عند موت النبي ﷺ فإنَّهم اجتمعوا لذلك، وتفاوضوا فيه مفاوضة من لا يتقي شيئًا، ولا يخاف أحدًا، حتى قالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، ولم يذكر أحدٌ منهم نصًّا، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نصَّ عليه، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحق بمعرفته، ونقله، ولَمَا اختلفوا في شيء من ذلك. ومن العجب ألا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك، ولا يذكره مع قرب العهد، وتوفر الدِّين والجدّ، ودعاء الحاجة الشديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمان متطاولة، وأوقات

стр. 3537

فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَن بَعدَ أَبِي بَكرٍ؟ قَالَت: عُمَرُ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا: مَن بَعدَ عُمَرَ؟ قَالَت: أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ. رواه مسلم (٢٣٨٥). [٢٢٩٩] وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، أَنَّ امرَأَةً سَأَلَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيئًا، فَأَمَرَهَا أَن تَرجِعَ إِلَيهِ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ إِن جِئتُ فَلَم أَجِدكَ؟ قَالَ أَبِي: كَأَنَّهَا تَعنِي المَوتَ، قَالَ: فَإِن لَم تَجِدِينِي فَائتِي أَبَا بَكرٍ. رواه أحمد (٤/ ٨٢)، والبخاريُّ (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦). ــ مختلفة، وقلة علم، وعدم فهم من يدَّعي: أن عنده من العلم بالنصِّ على واحد معين ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سمع منهم. هذا محض الكذب الذي لا يقبله سليم العقل، لكن غلبة التعصُّب والأهواء تورِّط صاحبها في الظلماء، وقد ذهبت الشيعة على اختلاف فرقها إلى: أنه نصَّ على خلافة علي ﵁ وذهبت الراوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس ﵁ واختلق كل واحد منهما من الكذب، والزور، والبهتان ما لا يرضى به من في قلبه حبة خردل من الإيمان، وما ذكرناه من عدم النَّص على واحد بعينه هو مذهب جمهور أهل السُّنَّة من السَّلف والخلف، لا على أبي بكر، ولا غيره، غير أنهم استندوا في استحقاق أبي بكر ﵁ للخلافة إلى أصول كليِّة، وقرائن خالية، ومجموع ظواهر جليِّة حصلت لهم العلم بأنه أحق بالخلافة، وأولى بالإمامة، يعلم ذلك من استقرأ أخباره، وخصائصه، وسيقع التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى. و(قول عائشة ﵂ في جواب السَّائل: أبو بكر، ثم عمر، ثم أبو عبيدة) هذا قالته عن نظرها، وظنها، لا أن ذلك كان بنصٍّ عندها عن النبي ﷺ ، ولعلها استندت في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السقيفة: رضيت

стр. 3538

[٢٣٠٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: ادعِي لِي أَبَا بَكرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَن يَتَمَنَّى ــ لكم أحد هذين الرَّجُلَين عمر وأبي عبيدة. وفي حق أبي عبيدة شهادة النبي ﷺ بأنه أمين هذه الأمة، ولذلك قال عمر ﵁ حين جعل الأمر شورى: لو أن أبا عبيدة حيٌّ لما تخالجني فيه شك، فلو سألني ربي عنه قلت: سمعت نبيك يقول: لكل أمة أمين، وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح (١)، ويفهم من قول عمر وعائشة: جواز انعقاد الخلافة للفاضل مع وجود الأفضل، فإنَّ عثمان وعليًّا ﵄ أفضل من أبي عبيدة ﵁ بالاتفاق، ومع ذلك فقد حكما بصحَّة إمامته عليهما - أن لو كان حيًّا -. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، ومذهب الجمهور: أنها تنعقد له - أعني للمفضول - وخالف في ذلك: عباد بن سلمان، والجاحظ، فقالا: لا ينعقد للمفضول على الفاضل، ولا يعتد بخلافهما لما ذكرنا في الأصول، والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور. و(قوله ﷺ للمرأة: إن لم تجديني فائتي أبا بكر) زعم من لا تحقيق عنده من المتأخرين: أن هذا نصٌّ على خلافة أبي بكر ﵁ وليس كذلك، وإنَّما يتضمن الخبر عن أنَّه يكون هو الخليفة بعده، لكن بأي طريق تنعقد له؟ هل بالنصِّ عليه، أو بالاجتهاد؟ هذا هو المطلوب، ولم ينص عليه في الحديث، وكذلك قوله ﷺ : ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتى أكتب كتابًا. . . الحديث إلى قوله: يأبى الله والمؤمنون: إلا أبا بكر ليس نصًّا في استخلافه، وإنما يدل على إرادة استخلافه، ولم ينص عليه، ألا ترى أنه لم يكتب، ولم ينص. والحاصل: أن هذه الأحاديث ليست نصوصًا في ذلك، لكنها ظواهر قوية إذا انضاف إليها استقراء ما في الشريعة مِمَّا يدلّ على ذلك المعنى علم استحقاقه

стр. 3539

مُتَمَنٍّ، وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَولَى، وَيَأبَى اللَّهُ وَالمُؤمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكرٍ. رواه أحمد (٦/ ١٤٤)، والبخاريُّ (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧). * * * ــ للخلافة، وانعقادها له ضرورة شرعية، والقادح في خلافته مقطوع بخطئه، وتفسيقه. وهل يكفر أم لا؟ مختلف فيه، والأظهر: تكفيره لمن استقرأ ما في الشريعة، مما يدلّ على استحقاقه لها، وأنه: أحق وأولى بها، سيما وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك، ولم يبق منهم مخالف في شيء مِمَّا جرى هنالك. وكانت وفاة أبي بكر ﵁ على ما قاله ابن إسحاق: يوم الجمعة لسبع ليالٍ (١) بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنه مات عشية يوم الاثنين. وقيل: عشية يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. هذا قول أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله ﷺ . وقال غيره: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يومًا. ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليال. وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليال. واختلف في سبب موته، فقال الواقدي: أنه اغتسل في يوم بارد فحُمَّ، ومرض خمسة عشر يومًا. وقال الزبير بن بكار: كان به طرف من السِّلِّ. وروي عن سلام بن أبي مطيع: أنه سُمَّ. والله أعلم. وقد تقدَّم أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة. * * *

стр. 3540

(٣٦) باب فضائل عمر بن الخطاب [٢٣٠١] عن ابنَ عَبَّاسٍ قال: وُضِعَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدعُونَ وَيُثنُونَ، وَيُصَلُّونَ عَلَيهِ قَبلَ أَن يُرفَعَ وَأَنَا فِيهِم. قَالَ: ــ (٣٦) ومن باب فضائل عمر بن الخطاب ﵁ ويُكنَّى: أبا حفص، وهو ابن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كعب. أسلم سنه ست من النبوَّة. وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلًا، وإحدى عشرة امرأة. وقيل: بعد ثلاث وثلاثين رجلًا. وقيل: إنه تمام الأربعين. وسُمِّي الفاروق، لأنَّه فرَّق بإظهار إسلامه بين الحق والباطل. وقتال الكفار عليه يوم أسلم، ونزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! استبشر أهل السماء بإسلام عمر. حُفِظ له من الحديث خمسمائة وتسعة (١) وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين أحد وثمانون حديثًا، توفي ﵁ مقتولًا. قتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شعبة، لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه العلج بسكين في يده ذات طرفين، وطعن فيه اثني عشر رجلًا، مات منهم تسعة، ثم رَمَى على العلج رجلٌ من أهل العراق برنسًا (٢)، فحبسه، فوجأ نفسه، وكانت خلافة عمر ﵁ عشر سنين وستة أشهر، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة كما تقدَّم. و(قوله: ووضع عمر ﵁ على سريره، فتكنفه النَّاس) يعني: بعد موته وتجهيزه للدَّفن. والسَّرير هنا: هو النَّعش، وتكنَّفه الناس: أي صاروا

стр. 3541

فَلَم يَرُعنِي إِلَّا بِرَجُلٍ قَد أَخَذَ بِمَنكِبِي مِن وَرَائِي، فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ، فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: مَا خَلَّفتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَن أَلقَى اللَّهَ بِمِثلِ عَمَلِهِ مِنكَ، وَايمُ اللَّهِ! إِن كُنتُ لَأَظُنُّ أَن يَجعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيكَ، وَذَاكَ أَنِّي كُنتُ أُكَثِّرُ أَسمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: جِئتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ، فَإِن كُنتُ لَأَرجُو أَو لَأَظُنُّ أَن يَجعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا. رواه أحمد (١/ ١١٢)، والبخاريُّ (٣٦٧٧)، ومسلم (٢٣٨٩). [٢٣٠٢] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَينَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ النَّاسَ يُعرَضُونَ، وَعَلَيهِم قُمُصٌ مِنهَا مَا يَبلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنهَا مَا ــ بكنفيه، أي: جانبيه. والكنف والكنيف: الجانب. ويصلون عليه أي: يترحمون عليه. ولم يرعني أي: يفزعني فينبهني. وأصل الروع: الفزع. وهذا الحديث ردٌّ من عليّ ﵁ على الشيعة فيما يتقوَّلونه عليه من بُغضه للشيخين، ونسبته إياهما إلى الجور في الإمامة، وأنهما غصباه. وهذا كله كذب وافتراء؛ عليٌّ ﵁ منه براء. بل المعلوم من حاله معهما تعظيمه ومحبَّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره. وحديثه هذا ينصُّ على هذا المعنى، وقد تقدَّم ثناء عليٍّ على أبي بكر ﵄، واعتذاره عن تخلفه عن بيعته، وصحَّة مبايعته له، وانقياده له مختارًا طائعًا سرًّا وجهرًا، وكذلك فعل مع عمر ﵃ أجمعين -، وكل ذلك يُكذِّب الشيعة والروافض في دعواهم، لكن الأهواء (١) والتعصب أعماهم. و(قوله: بينا أنا نائم، والناس يعرضون عليّ. . . الحديث. هؤلاء الناس

стр. 3542

يَبلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَمَرَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلَيهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ، قَالُوا: مَاذَا أَوَّلتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينَ. رواه أحمد (٣/ ٨٦)، والبخاريُّ (٢٣)، ومسلم (٢٣٩٠)، والترمذيُّ (٢٢٨٦). [٢٣٠٣] عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَا أَنَا نَائِمٌ، إِذ رَأَيتُ قَدَحًا أُتِيتُ بِهِ، فِيهِ لَبَنٌ فَشَرِبتُ مِنهُ، حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَجرِي فِي أَظفَارِي، ثُمَّ أَعطَيتُ فَضلِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ. قَالُوا: فَمَا أَوَّلتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: العِلمَ. رواه أحمد (٢/ ٨٣)، والبخاريُّ (٣٦٨١)، ومسلم (٢٣٩١)، والترمذيُّ (٢٢٨٤). ــ المعروضون على رسول الله ﷺ في النوم هم من دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عرض أبو بكر ﵁ عليه في هذه الرواية لكان قميصه أطول، فإنَّ فضله أعظم، ومقامه أكبر على ما تقدَّم. وتأويل القميص بالدين مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالثياب، كما قال شاعرهم (١): ثياب بني عوف طهارى نقيَّة ... . . . . . . . . . . . (٢) وقد قال النبي ﷺ لعثمان ﵁: إن الله سيلبسك قميصًا، فإنَّ أرادوك أن تخلعه فلا تخلعه (٣). فعبَّر عن الخلافة بالقميص. وهي استعارة حسنة

стр. 3543

[٢٣٠٤] وعنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُرِيتُ كَأَنِّي أَنزِعُ بِدَلوِ بَكرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ، فَجَاءَ أَبُو بَكرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَو ذَنُوبَينِ فَنَزَعَ نَزعًا ضَعِيفًا، وَاللَّهُ ﵎ يَغفِرُ لَهُ، ــ معروفة. وتأويله ﷺ اللبن بالعلم تأويل حسن ظاهر المناسبة، وذلك: أن اللبن غذاء مستطاب، به صلاح الأبدان، ونموها من أول فطرتها ونشوئها، خلا عن الأضرار والمفاسد. والعلم كذلك يحصل به صلاح الأديان والأبدان، ومنافع الدنيا والآخرة مع استطابته في نفسه. وقد يدل في التعبير على دوام الحياة، إذ به كانت. وقد يدلّ على الثواب، لأنَّه مذكور في أنهار الجنَّة. و(قوله ﷺ : أريت أني أنزع في دلو بكرة على قليب) أنزع: أستقي. وأصل النزع: الجذب. والقليب: البئر غير المطويَّة، وهي التي عبر عنها في الرواية الأخرى بالحوض. والحوض: مجتمع الماء. والبكرة: الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل. و(قوله: فجاء أبو بكر فنزع ذنوبًا أو ذنوبين فنزع وفي نزعه ضعف، والله يغفر له) الذَّنوب: الدَّلو، والغرب أكبر منها. و(قوله: ذنوبًا أو ذنوبين) هو شك من بعض الرُّواة، وقد جاء بغير شك: ذنوبين في الرواية الأخرى. وهي أحسن. وهذه الرُّؤيا هي مثال لما فتح الله تعالى على يدي النبي ﷺ ويدي الخليفتين بعده من الإسلام والبلاد والفيء، فالنبي ﷺ هو مبدأ الأمر وممكَّن منه، وأبو بكر ﵁ بعده، غير أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل، لأن مدَّة خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر، اشتغل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة، ثم لما فرغ منها أخذ في قتال أهل الكفر، ففتح (١) في تلك المدَّة بعض العراق وبعض الشام، ثمَّ مات ﵁، ففتح الله على يدي عمر ﵁ سائر

стр. 3544

ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاستَقَى فَاستَحَالَت غَربًا، فَلَم أَرَ عَبقَرِيًّا مِن النَّاسِ يَفرِي فَريَهُ ــ البلاد، واتَّسعت خطَّة الإسلام شرقًا وغربًا وشامًا (١)، وعظمت الفتوحات، وكثرت الخيرات والبركات التي نحن فيها حتى اليوم. فعبَّر عن سنتي خلافة أبي بكر ﵁ بالذَّنوبين، وعن قلَّة الفتوحات فيها بالضعف، وليس ذلك وهنًا في عزيمته، ولا نقصًا في فضله على ما هو المعروف من همَّته، والموصوف من حالته. و(قوله: والله يغفر له) لا يظن جاهل بحال أبي بكر ﵁: أن هذا الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه، أو لتقصير حصل منه، إذ ليس في المنام ما يدلّ على شيء من ذلك، وإنما هذا دعامٌ للكلام، وسنادٌ، وصلة، وقد تقدَّم في الحديث: أنها كانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك. وهذا نحو قولهم: تربت يمينك، وألَّت! وقاتله الله! ونحو ذلك مما تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدَّم. و (قوله: فاستحالت في يده غربًا) أي: الدَّلو الصغيرة عادت في يده دلوًا كبيرة. و(قوله: فلم أَرَ عبقريًّا من الناس يفري فريه) قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال: يقال: هذا عبقري قومه، كقولهم: سيد قومه وكبيرهم وقويُّهم. قال أبو عبيد: وأصله: أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجن، فصارت مثلًا لكل منسوب لشيء رفيع. ويقال: بل هي أرض يعمل فيها الوشي والبرود، ينسب إليها الوشي العبقري، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ وقال أبو عبيد: العبقري: الرجل الذي ليس فوقه شيء. ويفري فريه: الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء، وتروى بتسكين الراء وتخفيف

стр. 3545

حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وَضَرَبُوا العَطَنَ. رواه البخاريُّ (٣٦٨٢)، ومسلم (٢٣٩٣)، والترمذيُّ (٢٢٩٠). [٢٣٠٥] وفي رواية: حتى ضرب الناس بعطن. هذه الرواية من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٦٨)، والبخاريُّ (٧٠٢١)، ومسلم (٢٣٩٢). [٢٣٠٦] وعن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَا أَنَا نَائِمٌ أُرِيتُ أَنِّي أَنزِعُ عَلَى حَوضِ أَسقِي النَّاسَ، فَجَاءَنِي أَبُو بَكرٍ فَأَخَذَ الدَّلوَ مِن يَدِي لِيُرَوِّحَنِي، فَنَزَعَ دَلوَينِ؛ وَفِي نَزعِهِ ضَعفٌ، وَاللَّهُ يَغفِرُ لَهُ، فَجَاءَ ابنُ الخَطَّابِ فَأَخَذَ مِنهُ، فَلَم أَرَ نَزعَ رَجُلٍ قَطُّ أَقوَى مِنهُ، حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالحَوضُ مَلآنُ يَتَفَجَّرُ. رواه البخاريُّ (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢) (١٨). ــ الياء، وأنكر الخليل التثقيل، وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوته، وأصل الفري: القطع. يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَد جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: عظيمًا بالغًا في فنِّه. يقال: فريت الأديم إذا قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد. و(قوله: حتى روي الناس، وضربوا العطن) روي - بكسر الواو وفتح الياء -: فعل ماض، ومضارعه يروى - بفتح الواو - من الرِّي: وهو الامتلاء من الشراب، ومعناه: أنهم رووا في أنفسهم. وضربوا العطن، أي: رووا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يعطنونها، أي: يتركونها حول الحياض لتستريح، ثم يعيدون شربها، يقال منه: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن، وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباري. وفي الصحاح: عطنت الجلد، أعطنه عطنًا، فهو معطون: إذا

стр. 3546

[٢٣٠٧] وعَن جَابِرٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَخَلتُ الجَنَّةَ فَرَأَيتُ فِيهَا دَارًا - أَو قَصرًا - فَقُلتُ: لِمَن هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فَأَرَدتُ أَن أَدخُلَ فَذَكَرتُ غَيرَتَكَ، فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَي رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ عَلَيكَ يُغَارُ؟ . رواه أحمد (٣/ ٣٠٩)، والبخاري (٧٠٢٤)، ومسلم (٢٣٩٤). ــ ألقيته في الماء والملح والعَلقى (١) ليتفسخ صوفه ويسترخي، وعطن الإهاب - بالكسر- يعطن عطنًا فهو عطن: إذا أنتن وسقط في العطن وقد انعطن. والعَطن والمُعطِن واحد الأعطان والمعاطن، وهي مَبَارِك الإبل عند الماء لتشرب عَلَلًا بعد نهل، وعَطَنت الإبل - بالفتح - تَعطُن، وتَعطِن عُطُونًا: إذا رَوِيَت ثم بَرَكَت، فهي: إبل عَاطِنة، وعَوَاطِن، وقد ضَرَب بعطن، أي: بركت إبله. قال ابن السِّكيت: وكذلك تقول: هذا عطن الغنم ومعطنها: لمرابضها حول الماء. قلت: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسَّرًا في الرواية الأخرى التي قال فيها: فجاء عمر فأخذه منِّي، يعني: الدلو، فلم أَرَ نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآنٌ يتفجر. وفي هذه من الزيادة ما يدلّ على أن عمر ﵁ يُتَوَفَّى ويبقى النصر والفتح بعده متصلًا، وكذلك كان ﵁. وقوله في الأصل: دخلت الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصرها (٢)، كذا الرواية الصَّحيحة المعروفة، وقد ذكره ابن قتيبة، وقال: امرأة (شوهاء) مكان (تتوضأ) وفسَّرها بالحسنة. وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي: أن الشوهاء: الحسنة والقبيحة، فهو من الأضداد. ووضوء هذه المرأة في الجنة إنما هو لتزداد حسنًا

стр. 3547

[٢٣٠٨] وفي حديث أبي هريرة: أعليك أغار؟ رواه أحمد (٢/ ٣٣٩)، والبخاريُّ (٣٢٤٢)، ومسلم (٢٣٩٥)، وابن ماجه (١٠٧). [٢٣٠٩] وعن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: استَأذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَعِندَهُ نِسَاءٌ مِن قُرَيشٍ يُكَلِّمنَهُ وَيَستَكثِرنَهُ، عَالِيَةً أَصوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا استَأذَنَ عُمَرُ قُمنَ يَبتَدِرنَ الحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضحَكُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَضحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَجِبتُ مِن هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِندِي، فَلَمَّا سَمِعنَ صَوتَكَ ابتَدَرنَ الحِجَابَ. قَالَ عُمَرُ: فَأَنتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقُّ أَن يَهَبنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَي عَدُوَّاتِ أَنفُسِهِنَّ أَتَهَبنَنِي وَلَا تَهَبنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ ! قُلنَ: نَعَم؛ أَنتَ أَغلَظُ وَأَفَظُّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي ــ ونورًا، لا لتزيل وسخًا، ولا قذرًا، إذ الجنة منزهة عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: أمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوَّة (١) على ما يأتي. و(قوله: استأذن عمر ﵁ على رسول الله ﷺ ونسوة من قريش يكلِّمنه، ويستكثرنه) أي: من مكالمته، ويحتمل: أنهن يسألنه حوائج كثيرة. و(قوله: عالية أصواتهنَّ) قيل: يحتمل أن يكون هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ وقيل: يحتمل أن ارتفاع أصواتهن لكثرتهن، واجتماع كلامهن، لا أنهن رفعن أصواتهن. قلت: ويحتمل أن يكون فيهنَّ من كنَّ جهوريات الأصوات، لا يقدرنَّ على خفضها، كما كان ثابت بن قيس بن شماس، والله أعلم.

стр. 3548

بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ. رواه أحمد (١/ ١٧١)، والبخاريُّ (٣٦٨٣)، ومسلم (٢٣٩٦). [٢٣١٠] وعَن عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَد كَانَ يَكُونُ فِي الأُمَمِ قَبلَكُم مُحَدَّثُونَ، ــ و(قوله: ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجِّك) الفج: الطريق الواسع، وهو أيضًا: الطريق بين جبلين، والظاهر: بقاء هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أن الشيطان يهابه ويجانبه، لما يعلم من هيبته، وقوَّته في الحق، فيفرُّ منه إذا لقيه، ويكون هذا مثل قوله ﷺ في الحديث الآخر: إن الشيطان ليفرق منك يا عمر (١). ويعني بالشيطان: جنس الشياطين، ويحتمل أن يكون ذلك مثلًا لبُعده عنه، وأنه لا سبيل له عليه، والأوَّل أولى. و(قوله: قد كان يكون في الأمم قبلكم محدِّثون) كان الأولى: بمعنى الأمر والشأن، أي: كان الأمر والشأن، وهي نحو ليس في قولهم: ليس خلق الله مثله. وتكون الثانية ناقصة، واسمها محدَّثون، وخبرها في المجرور، ويصح أن تكون تامَّة، وما بعدها أحوال. ومحدَّثون - بفتح الدال - هي الرواية اسم مفعول، وقد فسَّر ابن وهب المحدَّثين بالملهمين، أي: يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث صحيحة، هي من نوع الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامة يكرم الله تعالى بها من يشاء من صالحي عباده، ومن هذا النوع ما يقال عليه: فراسة وتوسُّم، كما قد رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنَّه ينظر بنور الله، ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلمُتَوَسِّمِينَ﴾ (٢)، وقد تقدَّم القول في نحو هذا، وقد قال

стр. 3549

فَإِن يَكُن فِي أُمَّتِي مِنهُم أَحَدٌ فَإِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ مِنهُم. قال ابن وهب: تفسيرُ محدَّثون: مُلْهَمُونَ. رواه أحمد (٦/ ٥٥)، ومسلم (٢٣٩٨)، والترمذيُّ (٣٦٩٣)، والنسائي في الكبرى (٨١٢٠). ــ بعضهم: إن معنى محدَّثين: مكلَّمون، أي: تكلِّمهم الملائكة. قلت: وهذا راجعٌ لما ذكرته، غير أن ما ذكرته أعم، فقد يخلق الله تعالى الأحاديث بالغيب في القلب ابتداء من غير واسطة ملك، وقال بعضهم: إن معناه أنهم مصيبون فيما يظنونه، وإليه ذهب البخاري، وهذا نحو من الأول، غير أن الأوَّل أعم، والله أعلم. و(قوله: فإنَّ يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر (١)) دليلٌ على قلَّة وقوع هذا وندوره، وعلى أنه ليس المراد بالمحدَّثين المصيبين فيما يظنون، لأنَّ هذا كثير في العلماء والأئمة الفضلاء، بل: وفي عوام الخلق كثير ممن يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر، وخصوصية عمر ﵁ بذلك، ومعنى هذا الخبر قد تحقق، ووجد في عمر قطعًا، وإن كان النبي ﷺ لم يجزم فيه بالوقوع، ولا صرَّح فيه بالأخبار، لأنَّه إنما ذكره بصيغة الاشتراط، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكايات كثيرة عنه، كقصَّة: الجبل يا سارية (٢)، وغيره، وأصح ما يدلّ على ذلك: شهادة النبي ﷺ له بذلك، كما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعًا: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وقال ابن عمر ﵄: ما

стр. 3550

[٢٣١١] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ فِي مَقَامِ إِبرَاهِيمَ، وَفِي الحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدرٍ. رواه مسلم (٢٣٩٩). * * * ــ نزل بالناس أمرٌ قط قالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل القرآن على نحو ما قال فيه عمر (١). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك قول عمر ﵁: وافقت ربي في ثلاث. . . الحديث. وقد ادعى هذا الحال كثير من أهل المحال (٢)، لكن تشهد بالفضيحة شواهد صحيحة. و(قوله: وافقت ربي في ثلاث) يعني: أنَّه وقع له في قلبه حديث عن تلك الأمور، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع له، وذلك: أنَّه وقع له: أن مقام إبراهيم ﵇ محل شرَّفه الله تعالى وكرَّمه، بأن قام فيه إبراهيم ﵇ للدُّعاء والصَّلوات، وجعل فيه آيات بينات، وغفر لمن قام فيه الخطيئات، وأجاب فيه الدَّعوات، وقد تقدَّم في الحج ذكر الخلاف فيه، وكذلك وقع له شرف أزواج النبي ﷺ وعلوِّ مناصبهنَّ، وعظيم حرمتهنَّ، وأن الذي يناسب حالهنَّ: أن يحتجبن عن الأجانب، فإنَّ اطلاعهم عليهنَّ ابتذال لهنَّ، ونقصٌ من حرمة النبي ﷺ وحرمتهن، فقال للنبي ﷺ : احجب نساءك، فإنَّهن يراهنَّ البر والفاجر. وقد استوفينا الكلام على هذا في النكاح. ووقع له أيضًا قتل أسارى بدر، وأشار على النبي ﷺ به، وأشار عليه أبو بكر بالإبقاء والفداء، فمال النبي ﷺ إلى ما قال أبو بكر ﵁، فأنزل الله تعالى القرآن على نحو ما وقع لعمر ﵁ في الأمور الثلاثة، فكان ذلك دليلًا قاطعًا على: أنه محدَّث

стр. 3551

(٣٧) باب فضائل عثمان ﵁ - [٢٣١٢] عن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضطَجِعًا فِي بَيتِي كَاشِفًا عَن فَخِذَيهِ أَو سَاقَيهِ، - وفي رواية: وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة - فَاستَأذَنَ أَبُو بَكرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأذَنَ عُثمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَت عَائِشَةُ: ــ بالحق، ملهم لوجه الصَّواب، وقد تقدَّم القول في الصلاة على عبد الله بن أبي، وفي قضية بدر في الجهاد. (٣٧) ومن باب فضائل عثمان ﵁ وهو عثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، يُكنى أبا عمرو، وأبا عبد الله، وأبا ليلى بأولادٍ وُلِدوا له، وأشهر كناه أبو عمرو، ولقب بذي النُّورين، لأنَّ النبي ﷺ زوَّجه ابنتيه، رقية، وأم كلثوم واحدة بعد أخرى، وقال ﷺ : لو كانت عندي أخرى لزوَّجتها له (١)، أسلم قديمًا قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة، ولما خرج رسول الله ﷺ إلى بدر خلفه على ابنته رقية يمرضها، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه، وأجره، فكان كمن شهدها، وقيل: كان هو في نفسه مريضًا بالجدري، وبايع عنه رسول الله ﷺ بيده في يده في بيعة الرضوان، وقال: هذه لعثمان (٢)، وكان النبي ﷺ قد وجهه إلى أهل مكة ليكلمهم في أن يُخلُّوا بين

стр. 3552

دَخَلَ أَبُو بَكرٍ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثمَانُ فَجَلَستَ وَسَوَّيتَ ثِيَابَكَ! فَقَالَ: أَلَا أَستَحيِي مِن رَجُلٍ تَستَحيِي مِنهُ المَلَائِكَةُ. وفي رواية: فَقَالَت عَائِشَةُ: مَا لِي لَم أَرَكَ فَزِعتَ لِأَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعتَ لِعُثمَانَ؟ ! قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ عُثمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِن أَذِنتُ لَهُ عَلَى تِلكَ الحَالِ أَن لَا يَبلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ. رواه أحمد (٦/ ١٥٥ و ١٦٧)، ومسلم (٢٤٠١ و ٢٤٠٢). ــ النبي ﷺ وبين العمرة، فأُرجف بأن قريشًا قتلته، فبايع النبي ﷺ أصحابه بسبب ذلك. وفي بقاء النبي ﷺ منكشف الفخذ حتى اطلع عليه أبو بكر وعمر دليلٌ على أن ليس بعورة، وقد تقدَّم الكلام فيه، وفيه دليل على جواز معاشرة كل واحد من الأصحاب بحسب حاله. ألا ترى انبساطه، واسترساله مع العمرين على الحالة التي كان عليها مع أهله، لم يُغيِّر منها شيئًا، ثم إنه لما دخل عثمان ﵁ غيَّر تلك التي كان عليها، فغطى فخذيه، وتهيَّأ له، ثم لما سُئل عن ذلك، قال: إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال ألا يَبلُغ إليَّ في حاجته. وفي الرواية الأخرى: ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة؟ ! أي: حياء التوقير والإجلال، وتلك منقبة عظيمة، وخصوصيَّة شريفة ليست لغيره، أعرض قَتَلَةُ عثمان عنها، ولم يُعرِّجوا عليها. و(قولها: دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له، ولم تباله) يروى: تهتش بالتاء باثنتين من فوقها، ويروى بحذفها، وفتح الهاء، وهو من الهشاشة، وهي الخفة والاهتزاز والنشاط عند لقاء من يفرح بلقائه. يقال: هشَّ وبشَّ، وتبشبش: كلها بمعنى. ولم تباله، أي: لم تعتن بأمره، وأصله من البال، وهو الاحتفال بالشيء، والاعتناء به، والفكر فيه. يقول: جعلته من بالي وفكري، وهو المعبَّر عنه في الرواية الأخرى

стр. 3553

[٢٣١٣] وعن أبي مُوسَى الأَشعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: لَأَلزَمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَأَكُونَنَّ مَعَهُ يَومِي هَذَا، قَالَ: فَجَاءَ المَسجِدَ فَسَأَلَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: خَرَجَ وَجَّهَ هَاهُنَا، قَالَ: فَخَرَجتُ عَلَى إثَرِهِ أَسأَلُ عَنهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئرَ أَرِيسٍ، قَالَ: فَجَلَست عِندَ البَابِ - وَبَابُهَا مِن جَرِيدٍ - حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، فَقُمتُ إِلَيهِ فَإِذَا هُوَ قَد جَلَسَ عَلَى بِئرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكَشَفَ عَن سَاقَيهِ وَدَلَّاهُمَا فِي البِئرِ. قَالَ: فَسَلَّمتُ عَلَيهِ ثُمَّ انصَرَفتُ، فَجَلَستُ عِندَ البَابِ فَقُلتُ: لَأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اليَومَ، فَجَاءَ أَبُو بَكرٍ فَدَفَعَ البَابَ، فَقُلتُ مَن هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبتُ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أَبُو بَكرٍ يَستَأذِنُ، فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، قَالَ: فَأَقبَلتُ حَتَّى قُلتُ لِأَبِي بَكرٍ: ادخُل وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُكَ ــ بقولها: لم أرك فزعت له، أي: لم تقبل عليه، ولم تتفرغ له. و(قوله: خرج وجَّه هاهنا) الرواية المشهورة: وجَّه بفتح الجيم مشدَّدة على أنه فعل ماضٍ، وضبطه أبو بحر: وجه - بسكون الجيم - على أن يكون ظرفًا، والعامل فيه خرج، أي: خرج في هذه الجهة. و(قوله: فإذا هو قد جلس على بئر أريس، وتوسط قُفَّها، وكشف عن ساقيه، ودلَاّهما في البئر) والقف - بضم القاف -: أصله: الغليظ من الأرض، قاله ابن دريد وغيره، وعلى هذا: القف: الذي يتمكن الجماعة أن يجلسوا عليه، ويدلوا أرجلهم في البئر، وهو جانبها المرتفع عن الأرض، وكل ما قيل فيه خلاف هذا فيه بُعد، ولا يناسب مساق الحديث. و(قوله: على رِسلك) هو بكسر الراء، وهو المعروف، ويقال بفتحها، أي: اسكن وارفق، كما يقال: على هينتك.

стр. 3554

بِالجَنَّةِ، قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكرٍ، فَجَلَسَ عَن يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي القُفِّ، وَدَلَّى رِجلَيهِ فِي البِئرِ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَكَشَفَ عَن سَاقَيهِ، ثُمَّ رَجَعتُ فَجَلَستُ وَقَد تَرَكتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ وَيَلحَقُنِي، فَقُلتُ: إِن يُرِد اللَّهُ بِفُلَانٍ - يُرِيدُ أَخَاهُ - خَيرًا يَأتِ بِهِ فَإِذَا إِنسَانٌ يُحَرِّكُ البَابَ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، ثُمَّ جِئتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمتُ عَلَيهِ وَقُلتُ: هَذَا عُمَرُ يَستَأذِنُ، فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ، فَجِئتُ عُمَرَ، فَقُلتُ: أَذِنَ وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ. قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي القُفِّ عَن يَسَارِهِ، وَدَلَّى رِجلَيهِ فِي البِئرِ، ثُمَّ رَجَعتُ فَجَلَستُ فَقُلتُ: إِن يُرِد اللَّهُ بِفُلَانٍ خَيرًا - يَعنِي: أَخَاهُ - يَأتِ بِهِ، فَجَاءَ إِنسَانٌ، فَحَرَّكَ البَابَ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالَ: عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ، فَقُلتُ: عَلَى رِسلِكَ، قَالَ: وَجِئتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرتُهُ فَقَالَ: ائذَن لَهُ وَبَشِّرهُ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلوَى تُصِيبُهُ قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: ادخُل ــ و(قوله: فجلس وِجَاهه) هو بكسر الواو، ويقال بضمها، أي: مقابله وقبالته، وهذا الحديث نصٌّ في أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ في الجنة، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة يفيد مجموعها القطع بأن الخلفاء الأربعة مقطوع لهم بأنهم من أهل الجنة. و(قوله: على بلوى تصيبه) هذا من النبي ﷺ إعلام لعثمان ﵁ بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره، فمن ذلك ما خرَّجه الترمذي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنه قال: يا عثمان! لعل الله يقمِّصك قميصًا، فإنَّ أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم (١). وقال: حديثًا حسن غريب. وفيه عن

стр. 3555

وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ مَعَ بَلوَى تُصِيبُكَ - وفي رواية: فقال: ــ ابن عمر ﵄ قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنةً، فقال: يقتل فيها مظلومًا لعثمان ﵁، وقال: حديث حسن غريب (١). وروى أبو عمر بن عبد البر عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ادعوا لي بعض أصحابي فقلت: أبو بكر؟ فقال: لا، فقلت: فعمر؟ فقال: لا، قالت: قلت: ابن عمك عليًّا؟ فقال: لا، فقلت له: عثمان؟ فقال: نعم، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنحَّيت، فجعل رسول الله ﷺ يساره، ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار وحصر قيل له: ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدًا وأنا صابرٌ عليه (٢). فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبعه: تدل على أن النبي ﷺ أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه سلَّم نفسه لما علم من أن ذلك قدر سبق وقضاء وجب، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه، والدفع عنه - ممن كان معه في الدار، وفي المدينة - من نصرته. وتفصيل كيفية قتله، وما جرى لهم معه مذكور في التواريخ. وجملة الأمر أن قومًا من أهل مصر وغيرهم غلب عليهم الجهل، والهوى، والتعصب، فنقموا عليه أمورًا أكثرها كذب، وسائرها له فيها أوجه من المعاذير، وليس فيها شيء يوجب خلعه، ولا قتله، فتحزَّبوا، واجتمعوا بالمدينة، وحاصروه في داره، فقيل: شهران، وقيل: تسعة وأربعون يومًا، وهو في كل ذلك يعظهم، ويذكرهم بحقوقه، ويتنصل مما نسبوه إليه، ويعتذر منه، ويصرح بالتوبة، ويحتج عليهم بحجج صحيحة لا مخلص لهم عنها، ولا جواب عليها، لكن أعمتهم الأهواء ليغلب القضاء، فدخلوا عليه وقتلوه مظلومًا كما شهد له النبي ﷺ وجماعة أهل السنة، وألقي على مزبلة، فأقام فيها ثلاثة أيام لم يقدر أحدٌ على دفنه حتى جاء جماعة بالليل خفية، وحملوه على لوح، وصلوا عليه،

стр. 3556

اللهم صبرا والله المستعان - قَالَ: فَدَخَلَ فَوَجَدَ القُفَّ قَد مُلِئَ، ــ ودفن في موضع من البقيع يسمى: حوش كوكب وكان مما حبَّسه هو، وزاده في البقيع، وكان إذا مر فيه يقول: يدفن فيك رجل صالح، فكان هو المدفون فيه، وعُمِّي قبره لئلا يعرف، وقد نسب أهل الشام قتله إلى علي ﵄، وهي نسبة كذب وباطل، فقد صحَّ عنه: أنه كان في المسجد، وقت دُخِل عليه في الدار، ولما بلغه ذلك قال لقتلته: تبًا لكم آخر الدهر، ثم إنه قد تبرأ من ذلك، وأقسم عليه، وقال: من تبرأ من دين عثمان، فقد تبرأ من الإيمان، والله ما أعنت على قتله، ولا أمرت، ولا رضيت. لكنه لم يقدر على المدافعة بنفسه. وقد كان عثمان منعهم من ذلك. وكان مقتل عثمان في أوسط أيام التشريق على ما قاله أبو عثمان النهدي. قال ابن إسحاق: على رأس إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، واثنين وعشرين يومًا من مقتل عمر بن الخطاب ﵄، وعلى رأس خمس وعشرين سنة من متوفى رسول الله ﷺ . وقال الواقدي: قتل يوم الجمعة لثمان ليالٍ خلت من ذي الحجة، يوم التروية سنة خمس وثلاثين، وقيل: لليلتين بقيتا من ذي الحجة. قال ابن إسحاق: وبويع له بالخلافة يوم السبت غرَّة محرم سنة أربع وعشرين، بعد دفن عمر بثلاثة أيام، فكانت خلافته إحدى عشرة سنة إلا أيامًا اختلف فيها حسب ما بيَّناه. وقد كان انتهى من الفضل، والعلم، والعبادة إلى الغاية القصوى، كان يصوم الدهر، ويقوم الليل يقرأ القرآن كله في ركعة الوتر. وروى الترمذي (١)، عن ابن عمر ﵁ قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أبو بكر وعمر وعثمان، وقال فيه: حديث صحيح حسن، وقد شهد له رسول الله ﷺ بأنه شهيد، ومن أهل الجنة، وقتلته مخطئون قطعًا، وقد قدموا على ما قدموا عليه. و(قول عثمان: اللهم صبرًا، والله المستعان) أي: اللهم صبَّرني صبرًا، وأعني

стр. 3557

فَجَلَسَ وِجَاهَهُم مِن الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: فَأَوَّلتُهَا قُبُورَهُم. رواه أحمد (٤/ ٣٩٣ و ٤٠٦ - ٤٠٧)، والبخاريُّ (٣٦٩٣ و ٣٦٩٥ و ٦٢١٦)، ومسلم (٢٤٠٣) (٢٨ و ٢٩)، والترمذيُّ (٣٧١٠). * * * (٣٨) باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ - [٢٣١٤] عن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: أَنتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعدِي. ــ على ما قدرت علي، فيه: استسلام لأمر الله تعالى، ورضا بما قدره الله تعالى. و(قوله: فجلس وجاههم من الشق الآخر) الشق: الجانب، يعني: أنه جلس في مقابلة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر. و(قول سعيد: فأوَّلت ذلك قبورهم) هذا من سعيد من باب الفراسة، ومن باب ما يقع في قلوب المحدَّثين الذين قدَّمنا ذكرهم لا من باب تأويل الرؤيا، إذ كان ذلك في اليقظة، وذلك أنه لما حدَّث بكيفية جلوس الثلاثة في جهة واحدة من القُفِّ، وعثمان في مقابلتهم وقع في قلبه: أن ذلك كان إشعارًا بكيفية دفنهم، كما كان. والله تعالى أعلم. (٣٨) ومن باب فضائل علي بن أبي طالب ﵁ هو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول الله ﷺ ، ويكنى: أبا الحسن، واسم أبي طالب: عبد مناف، وقيل: اسمه كنيته، واسم

стр. 3558

رواه أحمد (١/ ١٨٥)، والبخاريُّ (٣٧٠٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٠)، والترمذيُّ (٣٧٢٤). ــ هاشم عمرو، وسُمِّي هاشِمًا، لأنَّه أوَّل من هشم الثريد، وأم علي فاطمة بنت أسد بن هاشم، وهي أوَّل هاشمية ولدت لهاشمي، توفيت مسلمة قبل الهجرة، وقيل: إنها هاجرت، وكان علي أصغر ولد أبي طالب، كان أصغر من جعفر بعشر سنين، وكان جعفر أصغر من عقيل بعشر سنين. وكان عقيل أصغر من طالب بعشر سنين. وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم: أن علي بن أبي طالب ﵁ أول من أسلم - يعنون من الرجال - وإلا فقد اتفق الجمهور على أن أول من أسلم وأطاع النبي ﷺ خديجة بنت خويلد، وقد تقدَّم من قال: إن أول من أسلم أبو بكر ﵃. وقد روى أبو عمر بن عبد البر عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : أولكم واردًا على الحوض أولكم إسلامًا: علي بن أبي طالب (١). قيل: أسلم وهو ابن سبع سنين، وقيل: ابن ثمان. وقيل: ابن عشر. وقيل: ابن ثلاث عشرة. وقيل: ابن خمس عشرة. وقيل: ابن ثمان عشرة. وروى سلمة بن كهيل عن حبة بن جوين العرني قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: أنا أوَّل مَن صلَّى مع رسول الله ﷺ ، ولقد عبدت الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة خمس سنين. وروي عن علي ﵁، أنه قال: مكثت مع رسول الله كذا وكذا، لا يصلِّي معه أحد غيري إلا خديجة. وأجمعوا: على أنه ﵁ صلَّى إلى القبلتين، وأنه شهد بدرًا وأحدًا، ومشاهد رسول الله ﷺ كلها، إلا غزوة تبوك، فإنَّ النبي ﷺ أمره أن يتخلَّف في أهله، وقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ . وزوَّجه رسول الله ﷺ سيدة نساء أهل الجنة،

стр. 3559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاطمة، وآخى بينه وبينه، وقال ﷺ : لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق (١). وقال فيه النبي ﷺ : إنه يحبُه الله ورسوله، وإنَّه يحبُّ الله ورسوله. وكان ﵁ قد خُصَّ من العلم، والشجاعة، والحلم، والزهد، والورع، ومكارم الأخلاق ما لا يسعه كتاب، ولا يحويه حصر حساب. بويع له بالخلافة يوم مقتل عثمان، واجتمع على بيعته أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار، إلا نفرًا منهم، فلم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم خذلوا الحق، ولم يعضدوا الباطل. وتخلف عن بيعته معاوية ومن معه من أهل الشام، وجرت عند ذلك خطوب لا يمكن حصرها، والتحمت حروب لم يسمع في المسلمين بمثلها، ولم تزل ألويته (٢) منصورة عالية على الفئة الباغية إلى أن جرت قضيه التحكيم، وخدع فيها ذو القلب السليم، وحينئذ خرجت الخوارج، فكفَّروه وكلَّ من معه، وقالوا: حكَّمت الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الحُكمُ إِلا لِلَّهِ﴾ ثم اجتمعوا وشقُّوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبيل، فخرج إليهم علي بمن معه، ورام رجوعهم فأبوا إلا القتال، فقاتلهم بالنهروان، فقتلهم واستأصل جميعهم، ولم ينج منهم إلا اليسير، وقد تقدَّم قوله ﷺ : يقتلهم أولى الطائفتين بالحق (٣) ثم انتدب إليه رجل من بقايا الخوارج يقال له: عبد الرحمن بن ملجم. قال الزبير: كان من حِمير فأصاب دماء فيهم، فلجأ إلى مراد، فنسب إليهم، فدخل (على علي) (٤) في

стр. 3560

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسجده بالكوفة. فقتله ليلة الجمعة، [وقيل: في صلاة صبحها] (١)، وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت من رمضان. [وقيل: لثلاث عشرة. وقيل: لثمان عشرة. وقيل: في أول ليلة من العشر الآخر من رمضان] (٢) سنة أربعين. واختلف في موضع قبره اختلافًا كثيرًا يدلّ على عدم العلم به، وأنه مجهول. وكذلك اختلف في سِنِّه يوم قتل. فقيل: ابن سبع وخمسين إلى خمس وستين سنة. وكانت مدة خلافته أربع سنين وستة أشهر، وستة أيام. وقيل: ثلاثة. وقيل: أربعة عشر يومًا. فأُخِذ عبد الرحمن بن ملجم، فقُتِل أشقى هذه الأمة. وكان علي ﵁ إذا رآه يقول: أريدُ حَيَاتَهُ ويُرِيدُ قَتلِي ... عَذِيرَكَ مِن خَلِيلِكَ مِن مُرادِ (٣) وكان يقول: ما يمنع أشقاها، أو: ما ينتظر أشقاها أن يخضبَ هذه من هذا، والله ليخضبنَّ هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه - خضاب دمٍ، لا خضاب حناء ولا عبير. وقد روى النسائي وغيره من حديث عمار بن ياسر ﵄ عن النبي ﷺ : أنه قال لعلي ﵁: أشقى الناس الذي عقر الناقة، والذي يضربك على هذا- ووضع يده على رأسه - حتى يخضب هذه (٤) يعني: لحيته. وتأخر موته ﵁ ولا رضي عن قاتله - عن ضربه نحو الثلاثة الأيام. جملة ما حفظ له عن رسول الله ﷺ خمسمائة حديث وسبعة وثلاثون حديثًا،

стр. 3561

[٢٣١٥] وعنه قال: أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفيَانَ سَعدًا فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَن تَسُبَّ أَبَا التُّرَابِ؟ فَقَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرتُ ثَلَاثًا قَالَهُنَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَن أَسُبَّهُ، لَأَن تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن حُمرِ النَّعَمِ، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهُ - وخَلَّفَهُ فِي بَعضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَلَّفتَنِي مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبيَانِ؟ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ــ مثل أحاديث عمر ﵄ أخرج له منها في الصحيحين أربعة وأربعون حديثًا. و(قول معاوية لسعد بن أبي وقاص: ما منعك أن تسبَّ أبا تراب) يدل: على أن مقدم بني أميَّة كانوا يسبُّون عليًّا وينتقصونه، وذلك كان منهم لما وقر في أنفسهم من أنه أعان على قتل عثمان، وأنه أسلمه لمن قتله، بناء منهم على أنه كان بالمدينة، وأنه كان متمكنًا من نصرته. وكل ذلك ظن كذب، وتأويل باطل غطَّى التعصُّب منه وجه الصَّواب. وقد قدمنا: أن عليًّا ﵁ أقسم بالله: أنه ما قتله، ولا مالأ على قتله، ولا رضيه. ولم يقل أحدٌ من النقلة (١) قط، ولا سمع من أحد: أن عليًّا كان مع القتلة، ولا أنه دخل معهم الدَّار عليه. وأما ترك نصرته، فعثمان ﵁ أسلم نفسه، ومنع من نصرته، كما ذكرناه في بابه. ومِمَّا تشبَّثوا به: أنهم نسبوا عليًّا إلى ترك أخذ القصاص من قتلة عثمان، وإلى أنه منعهم منهم، وأنَّه قام دونهم. وكل ذلك أقوال كاذبة أنتجت ظنونًا غير صائبة، ترتب عليها ذلك البلاء كما سبق به القضاء. و(قوله: في بعض مغازيه) قد قلنا: إنها كانت غزوة تبوك خلَّفه النبي ﷺ في أهله، واستخلفه على المدينة، فيما قيل. ولما صعب على علي ﵁ تخلَّفه عن رسول الله ﷺ وشق عليه، سكَّنه النبي ﷺ وآنسه بقوله: أما ترضى أن

стр. 3562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ وذلك: أن موسى ﵇ لما عزم على الذهاب لما وعده الله به من المناجاة قال لهارون: ﴿اخلُفنِي فِي قَومِي وَأَصلِح﴾ وقد استدل بهذا الحديث الرَّوافض، والإمامية، وسائر فرق الشيعة: على أن النبي ﷺ استخلف عليًّا ﵁ على جميع الأمة. فأمَّا الرَّوافض فقد كفَّروا الصَّحابة كلهم، لأنَّهم عندهم تركوا العمل بالحق الذي هو النَّصُّ على استخلاف علي ﵁ واستخلفوا غيره بالاجتهاد. ومنهم من كفَّر عليًّا ﵁ لأنه لم يطلب (١) حقَّه. وهؤلاء لا يشك في كفرهم، لأنَّ من كفر الأمَّة كلها والصَّدر الأول، فقد أبطل نقل الشريعة، وهدم الإسلام. وأما غيرهم من الفرق فلم يرتكب أحدٌ منهم هذه المقالة الشنعاء القبيحة القصعاء (٢)، ومن ارتكبها منهم ألحقناه بمن تقدَّم في التكفير ومأواه جهنم وبئس المصير، وعلى الجملة فلا حجَّة لأحدٍ منهم في هذا الحديث، فإنَّ النبي ﷺ إنما استنابه في أمر خاص وفي وقت خاص، كما استناب موسى هارون ﵉ في وقت خاص، فلما رجع موسى ﵇ من مناجاته، عاد هارون إلى أول حالاته، على أنه قد كان هارون شُرك مع موسى في أصل الرسالة، فلا تكون لهم فيما راموه (٣) دلالة. وغاية هذا الحديث أن يدلّ على أن النبي ﷺ إنما استخلف عليًّا ﵁ على المدينة فقط، فلما رجع النبي ﷺ من تبوك قعد مقعده، وعاد علي ﵁ إلى ما كان عليه قبل. وهذا كما استخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وغيره، ولا يلزم من ذلك استخلافه دائمًا بالاتفاق.

стр. 3563

أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هَارُونَ مِن مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نُبُوَّةَ بَعدِي، وَسَمِعتُهُ يَقُولُ يَومَ خَيبَرَ: لَأُعطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَتَطَاوَلنَا لَهَا فَقَالَ: ادعُوا لِي عَلِيًّا، فَأُتِيَ بِهِ أَرمَدَ، فَبَصَقَ فِي عَينِيهِ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَيهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيهِ، وَلَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُل تَعَالَوا نَدعُ أَبنَاءَنَا وَأَبنَاءَكُم﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَينًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ! هَؤُلَاءِ أَهلِي. رواه أحمد (١/ ١٨٢)، والبخاريُّ (٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) (٣٢). [٢٣١٦] وعن سَهلُ بنُ سَعدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَومَ خَيبَرَ: لَأُعطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ ــ و(قوله: غير أنه لا نبي بعدي) إنما قاله النبي ﷺ تحذيرًا مما وقعت فيه طائفة من غلاة الرَّافضة، فإنَّهم قالوا: إن عليًّا نبي يوحى إليه. وقد تناهى بعضهم في الغلو إلى أن صار في علي إلى ما صارت إليه النصارى في المسيح، فقالوا: إنه الإله. وقد حرَّق علي ﵁ من قال ذلك، فافتتن بذلك جماعة منهم، وزادهم ضلالًا، وقالوا: الآن تحققنا: أنه الله، لأنَّه لا يعذب بالنار إلا الله. وهذه كلها أقوال عوام، جهَّال، سخفاء العقول، لا يُبالي أحدهم بما يقول، فلا ينفع معهم البرهان، لكن السَّيف والسَّنان. و(قوله: لأعطين الرَّاية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله) الكلام إلى آخره فيه دليلان على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وهي: إخباره عن فتح خيبر، ووقوعه على نحو ما أخبر. وبرء رمد عين علي ﵁ على (١)

стр. 3564

وَرَسُولُهُ قَالَ: فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيلَتَهُم أَيُّهُم يُعطَاهَا، فَلَمَّا أَصبَحَ النَّاسُ غَدَوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُم يَرجُونَ أَن يُعطَاهَا، فَقَالَ: أَينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقَالُوا: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشتَكِي عَينَيهِ، قَالَ: فَأَرسِلُوا إِلَيهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَينَيهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَن لَم يَكُن بِهِ وَجَعٌ، فَأَعطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُم حَتَّى يَكُونُوا مِثلَنَا؟ ! قَالَ: انفُذ عَلَى رِسلِكَ حَتَّى تَنزِلَ بِسَاحَتِهِم، ــ فور دعاء النبي ﷺ . وفي غير كتاب مسلم: أنه ﷺ مسح على عيني علي ﵁ ورقاه. وفيه من الفقه: جواز بالحق إذا لم تخش على الممدوح فتنة. وقد تقدَّم القول في محبة الله. وفيه ما يدل: على أن الأولى بدفع الراية إليه من اجتمع له الرئاسة، والشجاعة، وكمال العقل. و(قوله: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها) أي: يتفاوضون بحيث اختلطت أقوالهم (١) فيمن يعطاها. يقال: بات القوم يدوكون دوكًا، أي: في اختلاط ودوران، ووقعوا في دوكة - بفتح الدَّال وضمها - وإنما فعلوا ذلك حرصًا على نيل هذه الرتبة الشريفة، والمنزلة الرَّفيعة، التي لا شيء أشرف منها. و(قول علي ﵁: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ معناه: حتى يدخلوا في ديننا فيصيروا مثلنا فيه. و(قوله: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم) أي: امض لوجهك مُترفقًا متثبِّتًا. وقد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيه: امش ولا تلتفت وقد تقدَّم القول في رَسلك. والسَّاحة: الناحية.

стр. 3565

ثُمَّ ادعُهُم إِلَى الإِسلَامِ، وَأَخبِرهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيهِم مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَن يَهدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيرٌ لَكَ مِن أَن يَكُونَ لَكَ حُمرُ النَّعَمِ. رواه أحمد (٥/ ٣٣٣)، والبخاري (٣٠٠٩)، ومسلم (٢٤٠٦)، وأبو داود (٣٦٦١). ــ و(قوله: ثمَّ ادعهم إلى الإسلام، وأعلمهم (١) بما يجب عليهم من حق الله فيه) هذه الدَّعوة قبل القتال، التي تقدَّم القول فيها في الجهاد، وقد فسَّرها في الرواية الأخرى في الأم قال: فصرخ علي: يا رسول الله! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله، فإذا فعلوا فقد منعوا منا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله فهذا هو حق الله المذكور في الرواية المتقدِّمة. و(قوله: فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حمر النَّعم) حض عظيم على تعليم العلم وبثه في الناس، وعلى الوعظ والتذكير بالدار الآخرة والخير، وهذا كما قال ﷺ في الحديث الآخر: إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير (٢). والهداية: الدَّلالة والإرشاد. والنَّعم: هي الإبل، وحمرها هي خيارها حسنًا وقوة ونفاسة، لأنَّها أفضل عند العرب، ويعني به - والله أعلم - أن ثواب تعليم رجل واحد، وإرشاده للخير أعظم من ثواب هذه الإبل النفيسة لو كانت لك فتصدقت بها، لأنَّ ثواب تلك الصدقة ينقطع بموتها، وثواب العلم والهدى لا ينقطع إلى يوم القيامة، كما قال ﷺ : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة فذكر منها: علم ينتفع به (٣). وفي نوم علي ـ رضي الله

стр. 3566

[٢٣١٧] وعنه قَالَ: استُعمِلَ عَلَى المَدِينَةِ رَجُلٌ مِن آلِ مَروَانَ قَالَ: فَدَعَا سَهلَ بنَ سَعدٍ فَأَمَرَهُ أَن يَشتِمَ عَلِيًّا، قَالَ: فَأَبَى سَهلٌ، فَقَالَ لَهُ: أَمَّا إِذ أَبَيتَ فَقُل: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا التُّرَابِ، فَقَالَ سَهلٌ: مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسمٌ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن أَبِي التُّرَابِ، وَإِن كَانَ لَيَفرَحُ إِذَا دُعِيَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: أَخبِرنَا ــ عنه ـ في المسجد، وإقرار النبي ﷺ له على ذلك: دليل على جواز ذلك للمتأهل الذي له منزل، وبه قال بعضُ أهل العلم، وكرهه مالك من غير ضرورة، وأجازه للغرباء، لأنَّهم في حاجة وضرورة، وقد تقدَّم ذلك في كتاب الصلاة. ومسح النبي ﷺ جَنب علي من التراب، وهو يقول: قم أبا التراب، قم أبا التراب دليل على محبته له، وشفقته عليه، ولطفه به، ولذلك كان ذلك الاسم أحب إلى علي ﵁ من كل ما يدعى به، فيا عجبًا من بني أمية كيف صيَّروا الفضائل رذائل، والمناقب معايب، لكن غلبة الأهواء تعوِّض الظلمة من الضياء، وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى ضرار الصُّدائي: وقال له معاوية: صف لي عليًّا، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين! قال: صفه. قال: أما إذ ولا بد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلًا، ويحكم عدلًا، يتفجَّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس من الليل ووحشته، وكان غزير الدَّمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويفتينا إذا استفتيناه، ونحن - والله - مع تقريبه إيانا، وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يُعظم أهل الدِّين، ويُقرب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته يتملل تملل السَّليم (١)، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري،

стр. 3567

عَن قِصَّتِهِ لِمَ سُمِّيَ أَبَا تُرَابٍ؟ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيتَ فَاطِمَةَ ف لَم يَجِد عَلِيًّا فِي البَيتِ، فَقَالَ: أَينَ ابنُ عَمِّكِ؟ فَقَالَت: كَانَ بَينِي وَبَينَهُ شَيءٌ فَغَاضَبَنِي فَخَرَجَ فَلَم يَقِل عِندِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِإِنسَانٍ: انظُر أَينَ هُوَ؟ فَجَاءَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ فِي المَسجِدِ رَاقِدٌ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ قَد سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَن شِقِّهِ فَأَصَابَهُ تُرَابٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمسَحُهُ عَنهُ، وَيَقُولُ: قُم أَبَا التُّرَابِ! قُم أَبَا التُّرَابِ! رواه البخاريُّ (٦٢٨٠)، ومسلم (٢٤٠٩). * * * ــ ألي تعرضت؟ أم إلي تشوَّفت، هيهات هيهات! قد بتتك ثلاثًا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه قلة الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية، وقال: رحم الله أبا حسن! كان والله كذلك، كيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح واحدها في حجرها. قلت: وهذا الحديث: يدل على معرفة معاوية بفضل علي ﵁ ومنزلته، وعظيم حقه، ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لما كان معاوية موصوفًا به من الفضل والدين، والحلم، وكرم الأخلاق، وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح. وأصح ما فيها قوله لسعد بن أبي وقاص: ما يمنعك أن تسب أبا التراب؟ وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنَّما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج ما عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت، وأذعن، وعرف الحق لمستحقه، ولو سلمنا: أن ذلك من معاوية حمل على السَّب، فإنَّه يحتمل أن يكون طلب منه أن يسبَّه بتقصير في اجتهاد، في إسلام عثمان لقاتليه، أو في إقدامه على الحرب والقتال للمسلمين، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يقصر بمثله من أهل الفضل، وأما

стр. 3568

(٣٩) باب فضائل سعد بن أبي وقاص [٢٣١٨] عن عَائِشَةَ قَالَت: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقدَمَهُ المَدِينَةَ لَيلَةً فَقَالَ: لَيتَ رَجُلًا صَالِحًا مِن أَصحَابِي يَحرُسُنِي اللَّيلَةَ قَالَت: ــ التصريح باللعن، وركيك القول، كما قد اقتحمه جهَّال بني أمية وسفلتهم، فحاش معاوية منه، ومن كان على مثل حاله من الصحبة، والدين، والفضل، والحلم، والعلم، والله تعالى أعلم. (٣٩) ومن باب: فضائل سعد بن أبي وقاص ﵁ واسمه: مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة، يكنى: أبا إسحاق، أسلم قديمًا، وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: مكثت ثلاثة أيام، وأنا ثلث الإسلام. وقال: أنا أول من رمى بسهم في سبيل الله. شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وولي الولايات العظيمة من قبل عمر وعثمان ﵃. وهو أحد أصحاب الشورى، وأحد المشهود لهم بالجنة. توفي في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم، ومروان إذ ذاك والي المدينة، ثم صلى عليه أزواج النبي ﷺ ودخل بجنازته في المسجد، فصلين عليه في حجرهن، وكفن في جبة صوف، لقي المشركين فيها يوم بدر، فوصى أن يكفن فيها، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين، ويقال سنة خمسين، وهو ابن بضع وسبعين سنة، ويقال: ابن اثنين وثمانين، وروي عنه من الحديث مائتان وسبعون، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وثلاثون. و(قوله: أرق (١) رسول الله ﷺ مقدمه المدينة ليلة) أي: سهر عند أول

стр. 3569

فَبَينَا نَحنُ كَذَلِكَ سَمِعنَا خَشخَشَةَ سِلَاحٍ فَقَالَ: مَن هَذَا؟ قَالَ: سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: وَقَعَ فِي نَفسِي خَوفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجِئتُ أَحرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نَامَ. رواه أحمد (٦/ ١٤١)، والبخاريُّ (٢٨٨٥)، ومسلم (٢٤١٠) (٣٩ و ٤٠)، والترمذي (٣٧٥٦)، والنسائي في الكبرى (٨٦٦٧). ــ قدومه على المدينة في ليلة من الليالي، فقال: ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة. قيل: كان هذا من النبي ﷺ في أول الأمر، قبل أن ينزل عليه: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قلت: ويحتمل أن يقال: إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس فيه ما يناقض احتراسه من الناس، ولا ما يمنعه، كما أن إخبار الله تعالى عن نصره، وإظهاره لدينه ليس فيه ما يمنع الأمر بالقتال، وإعداد العَدَد والعُدَد، والأخذ بالجد والحزم، والحذر، وسر ذلك: أن هذه أخبار عن عاقب الحال، ومآله، لكن هل تحصل تلك العاقبة عن سبب معتاد، أو غير سبب؟ لم يتعرض ذلك الأخبار له، فليبحث عنه في موضع آخر، ولما بحثت عن ذلك وجدت الشريعة طافحة بالأمر له ولغيره بالتحصن، وأخذ الحذر، ومدافعتهم بالقتل والقتال، وإعداد الأسلحة والآلات، وقد عمل النبي ﷺ بذلك، وأخذ به، فلا تعارض في ذلك، والله الموفق لفهم ما هنالك. وخشخشة السَّلاح وقعقعته: صوت ضرب بعضه في بعض. و(قول سعد: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه) دليل على مكانة نبينا ﷺ وكرامته على الله، فإنَّه قضى أمنيته، وحقق في الحين طِلبَته. وفيه دليل على أن سعدًا ﵁ من عباد الله الصالحين المحدَّثين الملهمين، وتخصيصه بهذه الحالة كلها، وبدعاء رسول الله ﷺ له من أعظم

стр. 3570

[٢٣١٩] وعن سعد قال: كَانَ رَجُلٌ مِن المُشرِكِينَ قَد أَحرَقَ المُسلِمِينَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ارمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: فَنَزَعتُ لَهُ بِسَهمٍ لَيسَ فِيهِ نَصلٌ فَأَصَبتُ جَنبَهُ، فَسَقَطَ فَانكَشَفَت عَورَتُهُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نَظَرتُ إِلَى نَوَاجِذِهِ. رواه البخاريُّ (٤٠٥٥)، ومسلم (٢٤١٢). [٢٣٢٠] وعنه: أَنَّهُ نَزَلَت فِيهِ آيَاتٌ مِن القُرآنِ قَالَ: حَلَفَت أُمُّ سَعدٍ ــ الفضائل، وأشرف المناقب، وكذلك جَمعُ رسول الله ﷺ له أبويه، وفداؤه بهما خاصَّةٌ مِن خصائصه، إذ لم يُروَ ولا سُمع أن النبي ﷺ فدى أحدًا من الناس بأبويه جميعًا غير سعد هذا (١)، وغير ما يأتي في حديث ابن الزبير، وقد تقدَّم أن النَّواجذَ آخر الأضراس، وأنها تقال على الضواحك، وأنها المعنيَّة في هذا الحديث، فإنها هي التي يمكنُ أن ينظر إليها غالبًا في حال الضحك، وكان ﷺ جُلّ ضحكه التبسُّم، فإذا استغرب (٢)، فغايةُ ما يظهر منه ضواحكه مع ندور ذلك منه وقِلَّته. و(قوله: كان رجل من المشركين قد أحرق في المسلمين) أي: أصاب منهم كثيرًا، وآلمهم، حتى كأنه فعل فيهم ما تفعله النار من الإحراق. و(قوله: فنزعت له بسهم ليس فيه نصل) أي: رميتُه بسهم لا حديدة فيه، وقد تقدَّم: أن أصلَ النَّزع: الجذب والجبذ، وكان ضحك النبي ﷺ بإصابة العدو سرورًا، لا بانكشاف العورة، فإنه المنزَّهُ عن ذلك. و(قوله: فأصبتُ جنبه) بالجيم والنون، كذا لأكثر الرواة، وكذا رؤيته، وقيَّده القاضي الشهيد حبَّته - بالحاء المهملة والموحدة -، يعني به: حبة قلبه، وفيه بُعد.

стр. 3571

ألَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأكُلَ، وَلَا تَشرَبَ قَالَت: زَعَمتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَت ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيهَا مِن الجَهدِ - وفي رواية قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصى ثم أوجروها - فَقَامَ ابنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَت تَدعُو عَلَى سَعدٍ فَأَنزَلَ اللَّهُ فِي القُرآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَوَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشرِكَ بِي﴾ وَفِيهَا: ﴿فَلا تُطِعهُمَا وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾ قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيفٌ فَأَخَذتُهُ، فَأَتَيتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلتُ: نَفِّلنِي هَذَا السَّيفَ، فَأَنَا مَن قَد عَلِمتَ حَالَهُ، فَقَالَ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، فَانطَلَقتُ حَتَّى إِذَا أَرَدتُ أَن ــ و(قوله: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها) - بالشين والجيم -، أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا، لئلا تغلقه حتى يوجروها الغذاء. والوَجُور: - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود - بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم. ويقال: وجرته، وأوجرته - ثلاثيًّا ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم: شحُّوا فاها - بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول، أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو. ويقال: شحا فاه، وشحا فوه - معدًى ولازمًا -، أي: فتحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين، وحريصين على حمل الولد على الكفر. ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُد حقوقهم. و(قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُمَا﴾ أي: إن حاولاك (١) على الشرك والكفر، فلا تطعهما، وإن بالغا في

стр. 3572

أُلقِيَهُ فِي القَبَضِ لَامَتنِي نَفسِي، فَرَجَعتُ إِلَيهِ فَقُلتُ: أَعطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوتَهُ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ قَالَ: وَمَرِضتُ فَأَرسَلتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانِي فَقُلتُ: دَعنِي أَقسِم مَالِي حَيثُ شِئتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالنِّصفَ! قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ فَكَانَ بَعدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ: وَأَتَيتُ عَلَى نَفَرٍ مِن الأَنصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطعِمكَ وَنَسقِكَ خَمرًا - وَذَلِكَ قَبلَ أَن تُحَرَّمَ الخَمرُ - قَالَ: فَأَتَيتُهُم فِي حَشٍّ - وَالحَشُّ البُستَانُ - فَإِذَا رَأسُ جَزُورٍ مَشوِيٌّ عِندَهُم وَزِقٌّ مِن خَمرٍ، قَالَ: فَأَكَلتُ وَشَرِبتُ مَعَهُم، قَالَ: فَذَكَرتُ الأَنصَارَ وَالمُهَاجِرونَ عِندَهُم، فَقُلتُ: المُهَاجِرُونَ خَيرٌ مِن الأَنصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحيَي الرَّأسِ، فَضَرَبَنِي فَجَرَحَ بِأَنفِي - وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورا - فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرتُهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ فِيَّ - يَعنِي ــ ذلك، وأتعبا أنفسهما فيه، فإن الشرك بالله تعالى باطل ليس له حقيقة فتعلم، كما قال تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرضِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ والقَبَضُ - بفتح الباء -: اسم لما يُقبض، وكذلك هو هنا، والقَبض بسكونها: مصدر قبضت. وقد تقدم في الجهاد الكلامُ على قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ وفي الوصايا على وصية سعدِ، وما يتعلق بها. والحُشُ: بستان النخل، ويقال: بضم الحاء وفتحها، ويُجمع على حشَّان، وقد يُكنى بالحش عن موضع الخلاء، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين. وحائش النخل: جماعة النخل. و(قوله: ففزره، وكان أنفُه مفزورًا هو بتقديم الزاي مخفَّفةً، أي: شقَّه،

стр. 3573

نَفسَهُ - شَأنَ الخَمرِ: ﴿إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ في الفضائل (٤٣ و ٤٤)، والترمذيُّ (٣١٨٨). [٢٣٢١] وعنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطرُد هَؤُلَاءِ لَا يَجتَرِئُونَ عَلَينَا، قَالَ: وَكُنتُ أَنَا وَابنُ مَسعُودٍ وَرَجُلٌ مِن هُذَيلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَستُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ــ والمفزور: المشقوق، ولَحيُ الجمل- بفتح اللام-: هو أحَدُ فكي فمه، وهما: لحيان، أعلى وأسفل، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به: هو الأسفل، وقد تقدم القولُ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ﴾ الآية في الأشربة. و(قول المشركين للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا) كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم، وقيل: كان منهم: عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبي ﷺ كصهيب، وسلمان، وعمار، وبلال، وسالم، ومِهجَع، وسعد هذا، وابن مسعود، وغيرهم ممن كان على مثل حالهم استصغارًا لهم، وكِبرًا عليهم، واستقذارًا لهم، فإنهم قالوا: يُؤذوننا بريحهم، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي ﷺ أبى، فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك، فهمَّ النبي ﷺ بذلك، ودعا عليًّا ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا ناحية، فأنزل الله تعالى الآية. قلتُ: ولهذا أشار سعد بقوله: فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. وكان النبي ﷺ إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئًا، ولا ينقصُ لهم قدرًا، فمال إليه، فأنزل

стр. 3574

﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ رواه مسلم (٢٤١٣) (٤٦)، والنسائي في الكبرى (١١١٦٣)، وابن ماجه (٤١٢٨). * * * ــ الله تعالى: ﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ فنهاه عما همَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله: ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾ فكان رسول الله ﷺ إذا رآهم بعد ذلك يقول: مرحبًا بقوم عاتبني الله فيهم (١)، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام. و(قوله: ﴿يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾، قيل معناه: يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي: قيل معناه: بطلب العفو عن التقصير، وقيل معناه: يذكرون الله بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر. وقيل: يصلون الصبح والعصر، وقال ابن عباس ﵄: يصلون الصلوات الخمس، وقال يحيى بن أبي كثير: هي مجالس الفقه بالغداة والعشي، وقيل يعني به: دوام أعمالهم وعباداتهم، وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذكر؛ لأنَّ من عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. و(قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى. ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره، ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم، أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين.

стр. 3575

(٤٠) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح ﵃ - [٢٣٢٢] عَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: لَم يَبقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ تِلكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيرُ طَلحَةَ وَسَعدٍ، عَن حَدِيثِهِمَا. رواه البخاري (٣٧٢٢ و ٣٧٢٣)، ومسلم (٢٤١٤). ــ و(قوله: ﴿مَا عَلَيكَ مِن حِسَابِهِم مِن شَيءٍ﴾ أي: من جزائهم، ولا كفاية رزقهم، أي: جزاؤهم ورزقهم، وجزاؤك ورزقك على الله تعالى، لا على غيره، فكأنه يقول: وإذا كان الأمر كذلك: فأقبل عليهم وجالسهم، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل. فإن فعلت كنت ظالِمًا، وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنَّما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقد علم الله منه: أنه لا يشرك، ولا يحبط عمله. و(قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نصب بالفاء في جواب النفي، وقد تقدم: أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويحصل من فوائد الآية والحديث: النهي عن أن يُعظم أحدٌ لجاهه، وأثوابه، وعن أن يحتقر أحد لخموله، ورثاثة أثوابه. (٤٠) ومن باب: فضائل طلحة بن عبيد الله. . . طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها إلا بدرًا، فإنَّ رسول الله ﷺ كان بعثه
следующие страницы →