← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

ألَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأكُلَ، وَلَا تَشرَبَ قَالَت: زَعَمتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا. قَالَ: مَكَثَت ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيهَا مِن الجَهدِ - وفي رواية قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصى ثم أوجروها - فَقَامَ ابنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَت تَدعُو عَلَى سَعدٍ فَأَنزَلَ اللَّهُ فِي القُرآنِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَوَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشرِكَ بِي﴾ وَفِيهَا: ﴿فَلا تُطِعهُمَا وَصَاحِبهُمَا فِي الدُّنيَا مَعرُوفًا﴾ قَالَ: وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيفٌ فَأَخَذتُهُ، فَأَتَيتُ بِهِ الرَّسُولَ ﷺ فَقُلتُ: نَفِّلنِي هَذَا السَّيفَ، فَأَنَا مَن قَد عَلِمتَ حَالَهُ، فَقَالَ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، فَانطَلَقتُ حَتَّى إِذَا أَرَدتُ أَن ــ و(قوله: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا، ثم أوجروها) - بالشين والجيم -، أي: فتحوا فمها، وأدخلوا فيه العصا، لئلا تغلقه حتى يوجروها الغذاء. والوَجُور: - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم، واللَّدود - بفتح اللام -: ما يُصَبُّ من جانب الفم. ويقال: وجرته، وأوجرته - ثلاثيًّا ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم: شحُّوا فاها - بحاء مهملة، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول، أي: وسَّعوه بالفتح، والشحو: التوسع في المشي، والدابة الشحواء: الواسعة الخطو. ويقال: شحا فاه، وشحا فوه - معدًى ولازمًا -، أي: فتحه، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين، وحريصين على حمل الولد على الكفر. ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء، وتأكُد حقوقهم. و(قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ فَلا تُطِعهُمَا﴾ أي: إن حاولاك (١) على الشرك والكفر، فلا تطعهما، وإن بالغا في

стр. 3572

أُلقِيَهُ فِي القَبَضِ لَامَتنِي نَفسِي، فَرَجَعتُ إِلَيهِ فَقُلتُ: أَعطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوتَهُ: رُدُّهُ مِن حَيثُ أَخَذتَهُ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ قَالَ: وَمَرِضتُ فَأَرسَلتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَانِي فَقُلتُ: دَعنِي أَقسِم مَالِي حَيثُ شِئتُ، قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالنِّصفَ! قَالَ: فَأَبَى، قُلتُ: فَالثُّلُثَ قَالَ: فَسَكَتَ فَكَانَ بَعدُ الثُّلُثُ جَائِزًا. قَالَ: وَأَتَيتُ عَلَى نَفَرٍ مِن الأَنصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطعِمكَ وَنَسقِكَ خَمرًا - وَذَلِكَ قَبلَ أَن تُحَرَّمَ الخَمرُ - قَالَ: فَأَتَيتُهُم فِي حَشٍّ - وَالحَشُّ البُستَانُ - فَإِذَا رَأسُ جَزُورٍ مَشوِيٌّ عِندَهُم وَزِقٌّ مِن خَمرٍ، قَالَ: فَأَكَلتُ وَشَرِبتُ مَعَهُم، قَالَ: فَذَكَرتُ الأَنصَارَ وَالمُهَاجِرونَ عِندَهُم، فَقُلتُ: المُهَاجِرُونَ خَيرٌ مِن الأَنصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحيَي الرَّأسِ، فَضَرَبَنِي فَجَرَحَ بِأَنفِي - وفي رواية: ففزره، وكان أنف سعد مفزورا - فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخبَرتُهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ فِيَّ - يَعنِي ــ ذلك، وأتعبا أنفسهما فيه، فإن الشرك بالله تعالى باطل ليس له حقيقة فتعلم، كما قال تعالى: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرضِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ﴾ والقَبَضُ - بفتح الباء -: اسم لما يُقبض، وكذلك هو هنا، والقَبض بسكونها: مصدر قبضت. وقد تقدم في الجهاد الكلامُ على قوله تعالى: ﴿يَسأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ﴾ وفي الوصايا على وصية سعدِ، وما يتعلق بها. والحُشُ: بستان النخل، ويقال: بضم الحاء وفتحها، ويُجمع على حشَّان، وقد يُكنى بالحش عن موضع الخلاء، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين. وحائش النخل: جماعة النخل. و(قوله: ففزره، وكان أنفُه مفزورًا هو بتقديم الزاي مخفَّفةً، أي: شقَّه،

стр. 3573

نَفسَهُ - شَأنَ الخَمرِ: ﴿إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ في الفضائل (٤٣ و ٤٤)، والترمذيُّ (٣١٨٨). [٢٣٢١] وعنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشرِكُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اطرُد هَؤُلَاءِ لَا يَجتَرِئُونَ عَلَينَا، قَالَ: وَكُنتُ أَنَا وَابنُ مَسعُودٍ وَرَجُلٌ مِن هُذَيلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَستُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفسَهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ــ والمفزور: المشقوق، ولَحيُ الجمل- بفتح اللام-: هو أحَدُ فكي فمه، وهما: لحيان، أعلى وأسفل، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به: هو الأسفل، وقد تقدم القولُ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ﴾ الآية في الأشربة. و(قول المشركين للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا) كان هؤلاء المشركون أشرافَ قومهم، وقيل: كان منهم: عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، أنِفُوا من مجالسة ضعفاء أصحاب النبي ﷺ كصهيب، وسلمان، وعمار، وبلال، وسالم، ومِهجَع، وسعد هذا، وابن مسعود، وغيرهم ممن كان على مثل حالهم استصغارًا لهم، وكِبرًا عليهم، واستقذارًا لهم، فإنهم قالوا: يُؤذوننا بريحهم، وفي بعض كتب التفسير أنهم لما عرضوا ذلك على النبي ﷺ أبى، فقالوا له: اجعل لنا يومًا ولهم يومًا، وطلبوا أن يكتبَ لهم بذلك، فهمَّ النبي ﷺ بذلك، ودعا عليًّا ليكتب، فقام الفقراء وجلسوا ناحية، فأنزل الله تعالى الآية. قلتُ: ولهذا أشار سعد بقوله: فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع. وكان النبي ﷺ إنما مال إلى ذلك طمعًا في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوتُ أصحابه شيئًا، ولا ينقصُ لهم قدرًا، فمال إليه، فأنزل

стр. 3574

﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ رواه مسلم (٢٤١٣) (٤٦)، والنسائي في الكبرى (١١١٦٣)، وابن ماجه (٤١٢٨). * * * ــ الله تعالى: ﴿وَلا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ فنهاه عما همَّ به من الطرد، لا أنه أوقع الطرد، ووصف أولئك بأحسن أوصافهم، وأمره أن يصبر نفسه معهم بقوله: ﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾ فكان رسول الله ﷺ إذا رآهم بعد ذلك يقول: مرحبًا بقوم عاتبني الله فيهم (١)، وإذا جالسهم لم يقم عنهم حتى يكونوا هم الذين يبدؤون حوله بالقيام. و(قوله: ﴿يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾، قيل معناه: يدعون ربهم بالغداة بطلب التوفيق والتيسير، وبالعشي: قيل معناه: بطلب العفو عن التقصير، وقيل معناه: يذكرون الله بعد صلاة الصبح، وصلاة العصر. وقيل: يصلون الصبح والعصر، وقال ابن عباس ﵄: يصلون الصلوات الخمس، وقال يحيى بن أبي كثير: هي مجالس الفقه بالغداة والعشي، وقيل يعني به: دوام أعمالهم وعباداتهم، وإنَّما خصَّ طرفي النهار بالذكر؛ لأنَّ من عمل في وقت الشغل كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. و(قوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجهَهُ﴾ أي: يخلصون في عباداتهم وأعمالهم لله تعالى. ويتوجهون إليه بذلك لا لغيره، ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم رؤية وجهه الكريم، أي: وجوده المنزه المقدس عن صفات المخلوقين.

стр. 3575

(٤٠) باب فضائل طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأبي عبيدة بن الجراح ﵃ - [٢٣٢٢] عَن أَبِي عُثمَانَ قَالَ: لَم يَبقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ تِلكَ الأَيَّامِ الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيرُ طَلحَةَ وَسَعدٍ، عَن حَدِيثِهِمَا. رواه البخاري (٣٧٢٢ و ٣٧٢٣)، ومسلم (٢٤١٤). ــ و(قوله: ﴿مَا عَلَيكَ مِن حِسَابِهِم مِن شَيءٍ﴾ أي: من جزائهم، ولا كفاية رزقهم، أي: جزاؤهم ورزقهم، وجزاؤك ورزقك على الله تعالى، لا على غيره، فكأنه يقول: وإذا كان الأمر كذلك: فأقبل عليهم وجالسهم، ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدِّين والفضل. فإن فعلت كنت ظالِمًا، وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنَّما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل الإسلام. وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لَئِن أَشرَكتَ لَيَحبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقد علم الله منه: أنه لا يشرك، ولا يحبط عمله. و(قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ نصب بالفاء في جواب النفي، وقد تقدم: أن أصله وضع الشيء في غير موضعه، ويحصل من فوائد الآية والحديث: النهي عن أن يُعظم أحدٌ لجاهه، وأثوابه، وعن أن يحتقر أحد لخموله، ورثاثة أثوابه. (٤٠) ومن باب: فضائل طلحة بن عبيد الله. . . طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي. شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها إلا بدرًا، فإنَّ رسول الله ﷺ كان بعثه

стр. 3576

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسعيد بن زيد يتجسَّسان خبر عير قريش، فلقيا رسول الله ﷺ منصرفه من بدر، فضرب لهما رسول الله ﷺ بسهمهما وأجرهما، فكانا كمن شهدها، وسَمَّاه رسول الله ﷺ يومئذ: طلحة الخير، ويوم ذات العشيرة: طلحة الفياض، ويوم حنين: طلحة الجود. وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ووقى النبي ﷺ بيده فشلت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وجملة ما روي عنه من الحديث: ثمانية وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين سبعة، وقتل يوم الجمل، وكان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ويقال: إن سهمًا غَربًا (١) أتاه فوقع في حلقه فقال: بسم الله ﴿وَكَانَ أَمرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقدُورًا﴾ ويقال: إن مروان بن الحكم قتله. ودفن بالبصرة، وهو ابن ستين سنة، وقيل: ابن اثنتين وستين سنة، وقيل: ابن أربع. وأما الزبير ﵁ فيكنى أبا عبد الله بولده عبد الله، لأنَّه كان أكبر أولاده، وهو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أمه: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ أسلمت وأسلم الزبير، وهو ابن ثمان سنين، وقيل: ابن ست عشرة سنة، فعذَّبه عمُّه بالدخان لكي يرجع عن الإسلام فلم يفعل. هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يتخلف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، وهو أول من سل سيفًا في سبيل الله، وكان عليه يوم بدر ريطة (٢) صفراء قد اعتجر بها، وكان على الميمنة فنزلت الملائكة على سيماه، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وبايعه على الموت، فقتل يوم الجمل، وهو ابن خمس وسبعين سنة. وقيل: خمس وستين. وقيل: بضع وخمسون. قتله

стр. 3577

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ابن جرموز، وكان من (١) أصحاب علي، فأُخبر عليٌّ بذلك فقال: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار. وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وروي عنه من الحديث مثل ما روي عن طلحة، وله في الصحيحين مثل ما له سواء. وأما أبو عبيدة ﵁ فاسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبَّة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أسلم قديما مع عثمان بن عفان ﵄ وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا، والمشاهد كلها، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، ونزع يومئذ بثنيتيه الحلقتين اللتين دخلتا في وجنتي رسول الله ﷺ فوقعت ثنيتاه، فكان أهتم (٢)، وكان من أحسن الناس هتمًا، يزينه هتمه، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وولي فتح الشام وحروبها، ومات في طاعون عمواس بالأردن، وقبر ببيسان وهو ابن ثمان وخمسين سنة. و(قول أبي عثمان النهدي: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ غير طلحة وسعد) يعني بذلك: يوم أحد، وقد قدمنا: أن طلحة ثبت يومئذ، ووقى النبي ﷺ بيده فشلَّت أصبعاه، وجرح يومئذ أربعًا وعشرين جراحة. و(قوله: عن حديثهما) هذا من قول الراوي عن أبي عثمان، وهو: المعتمر بن سليمان، ويعني به: أن أبا عثمان إنما حدَّث بثبوت طلحة وسعد عنهما، لا أنه شاهد هو ثبوتهما، فإنَّه تابعي لا صحابي، ولا أنه حدَّث بذلك عن غيرهما، بل عنهما. هما حدَّثاه بذلك. واتفق لطلحة في ذلك اليوم أن النبي ﷺ أثقل بالجراح، وكان عليه درعان، فنهض ليصعد على صخرة كانت هنالك، فلم يستطع، فحنى

стр. 3578

[٢٣٢٣] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ يَومَ الخَندَقِ فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَهُم فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَهُم فَانتَدَبَ الزُّبَيرُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ. رواه أحمد (٣/ ٣١٤)، والبخاريُّ (٢٨٤٦)، ومسلم (٢٤١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٢١١)، وابن ماجه (١٢٢). [٢٣٢٤] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ قَالَ: كُنتُ أَنَا وَعُمَرُ بنُ أَبِي سَلَمَةَ يَومَ الخَندَقِ مَعَ النِّسوَةِ فِي أُطُمِ حَسَّانَ، فَكَانَ يُطَأطِئُ لِي مَرَّةً فَأَنظُرُ، وَأُطَأطِئُ لَهُ مَرَّةً فَيَنظُرُ، فَكُنتُ أَعرِفُ أَبِي إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى ــ طلحة ظهره لاصقًا بالأرض حتى صعد النبي ﷺ على ظهره حتى رقى على الصخرة، فقال النبي ﷺ : أوجب طلحة (١) أي: أوجب له ذلك الفعل الثواب الجزيل عند الله، والمنزلة الشريفة. وروى جابر عن النبي ﷺ أنه قال: من سرَّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله (٢). وقال النبي ﷺ : طلحة بن عبيد الله ممن قضى نحبه (٣) أي: ممن وفَّى بنذره، وقام بواجباته. و(قوله: ندب رسول الله ﷺ الناس فانتدب الزبير) أي: رغبهم في الجهاد، وحضهم عليه، فأجاب الزبير ثلاث مرات، وعند ذلك قال له النبي ﷺ : لكل نبي حواري، وحواري الزبير. أي: خاصتي، والمفضل عندي، وناصري، وقد تقدم إيعاب القول فيه في الإيمان. والأطم: بضم الهمزة، والطاء المهملة: هو االحِصن، ويجمع: آطام، بمد الهمزة، وبكسرها. مثل: آكام وإكام.

стр. 3579

بَنِي قُرَيظَةَ قَالَ: فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: وَرَأَيتَنِي يَا بُنَيَّ؟ قُلتُ: نَعَم. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَد جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومَئِذٍ أَبَوَيهِ فَقَالَ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. رواه أحمد (١/ ١٦٤)، والبخاريُّ (٣٧٢٠)، ومسلم (٢٤١٦)، والترمذيُّ (٣٧٤٣)، وابن ماجه (١٢٣). [٢٣٢٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى حِرَاءٍ هُوَ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلحَةُ وَالزُّبَيرُ فَتَحَرَّكَت الصَّخرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اهدَأ فَمَا عَلَيكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ. ــ و(قوله: لقد جمع لي رسول الله ﷺ أبويه يومئذ فقال: فداك أبي وأمي) هو بفتح الفاء والقصر، فعل ماض، فإن كسرت مَدَدت، وهذا الحديث يدل على أنَّ النبي ﷺ جمع أبويه لغير سعد بن أبي وقاص، وحينئذ يشكل بما رواه الترمذي من قول علي: إن رسول الله ﷺ ما جمع أبويه لأحد إلا لسعد، وقال له يوم أحد: فداك أبي وأمي (١). ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن عليًّا أخبر بما في علمه، ويحتمل أن يريد به أنه لم يقل ذلك في يوم أحد لأحد غيره، والله تعالى أعلم. وحراء: جبل بمكة، وهو بكسر الحاء ممدود، ويُذَكَّر فيصرف، ويؤنَّث فلا يصرف، وقد أخطأ من فتح حاءه، ومن قصره. و(قوله: فتحركت الصخرة، فقال: اهدأ فما عليك) كذا صحَّ هذا اللَّفظ هنا بسكون الهمزة على أنه أمر من هدأ المذكر، وعليك: بفتح كاف خطاب المذكر، مع أنه افتتح الكلام بذكر الصخرة، فكان حق خطابها أن يقال: اهدئي فما عليك، فتخاطب خطاب المؤنث، لكنه لما كانت تلك الصخرة جبلًا خاطبها خطاب المذكر، وقد تقدَّم مثل هذا كثيرًا. و(قوله: فما عليك إلا نبي، أو صدِّيق، أو شهيد) بأو التي هي للتقسيم

стр. 3580

وفي رواية: فَتَحَرَّكَ الجبل؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسكُن حِرَاءُ فَمَا عَلَيكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَو صِدِّيقٌ أَو شَهِيدٌ، وَعَلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلحَةُ وَالزُّبَيرُ وَسَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ. رواه أحمد (٢/ ٤١٩)، ومسلم (٢٤١٧)، والترمذيُّ (٣٦٩٦). [٢٣٢٦] وعَن عُروَةَ بن الزبير قَالَ: قَالَت لِي عَائِشَةُ: كَانَ أَبوكَ مِنَ الَّذِينَ استَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعدِ مَا أَصَابَهُم القَرحُ. رواه البخاريُّ (٤٠٧٧)، ومسلم (٢٤١٨) (٥٢). ــ والتنويع، فالنبي: رسول الله ﷺ ، والصِّدِّيق: أبو بكر، والشهيد: من بقي ﵃ وهذا من دلائل صحة نبوَّة رسول الله ﷺ ، فإنَّ هؤلاء كلهم قتلوا شهداء. فأمَّا عمر: فقتله العلج، وأما عثمان فقتل مظلومًا، وعلي: غيلة، وأما طلحة والزبير: فقتلا يوم الجمل منصرفين عنه تاركين له، وأما أبو عبيدة فمات بالطاعون، والموت فيه شهادة. و(قول عائشة لعروة: كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح) استجابوا: أجابوا، والسين والتاء: زائدتان، كما قال الشاعر: وداعٍ دعا يا من يُجيب إلى الندا ... فلم يَستجِبهُ عند ذاك مجيبُ أي: لم يجبه. والقرح: الجراح. وإشارة عائشة ﵂ إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد وهو موضع على نحو ثمانية أميال من المدينة، وكان من حديثها: أن النبي ﷺ لما رجع إلى المدينة من أحد بمن بقي من أصحابه، وأكثرهم جريح، وقد بلغ منهم الجهد، والمشقة نهايته، أمرهم بالخروج في أثر العدوِّ مرهبًا لهم، وقال: لا يخرجن إلا من كان شهد أحدًا (١) فخرجوا على ما بهم من الضَّعف

стр. 3581

[٢٣٢٧] وعن أَنَس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَإِنَّ أَمِينَنَا - أَيَّتُهَا الأُمَّةُ - أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ. ــ والجراح، وربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي، ولا يجد مركوبًا، فربما يحمل على الأعناق، كل ذلك امتثالٌ لأمر رسول الله ﷺ ورغبة في الجهاد والشهادة حتى وصلوا إلى حمراء الأسد، فلقيهم نعيم بن مسعود، فأخبرهم: أن أبا سفيان بن حرب، ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم، وأجمعوا رأيهم على أن يرجعوا إلى المدينة، فيستأصلوا أهلها، فقالوا ما أخبرنا الله به عنهم: ﴿حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾ وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك، إذ جاءهم معبد الخزاعي، وكانت خزاعة حلفاء النبي ﷺ وعيبة نُصحه، وكان قد رأى حال أصحاب النبي ﷺ وما هم عليه، ولما رأى عزم قريش على الرجوع، واستئصال أهل المدينة حمله خوف ذلك، وخالص نصحه للنبي ﷺ وأصحابه على أن خوَّف قريشًا بأن قال لهم: إني قد تركت محمدًا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم، قد اجتمع له كل من تخلف عنه، وهم قد تحرَّقوا عليكم، وكأنهم قد أدركوكم، فالنجاء النجاء، وأنشدهم شعرًا (١)، يعظِّم فيه جيش محمدٍ ﷺ ويكثرهم، وهو مذكور في كتب السير، فقذف الله في قلوبهم الرُّعب، ورجعوا إلى مكة مسرعين خائفين، ورجع النبي ﷺ في أصحابه إلى المدينة مأجورًا منصورًا، كما قال تعالى: ﴿فَانقَلَبُوا بِنِعمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضلٍ لَم يَمسَسهُم سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضلٍ عَظِيمٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم فَاخشَوهُم﴾ يعني به نعيم بن مسعود الذي خوَّف أصحاب النبي ﷺ ، وقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَد جَمَعُوا لَكُم﴾ يعني به: قريشًا. و(قوله ﷺ : إن لكل أمة أمينًا وأميننا - أيتها الأمة - أبو عبيدة بن الجراح) الأمانة: ضد الخيانة، وهي عبارة عن: قوَّة الرجل على القيام بحفظ ما يوكل إلى

стр. 3582

رواه أحمد (٣/ ١٣٣)، والبخاريُّ (٤٣٨٢)، ومسلم (٢٤١٩) (٥٣). ــ حفظه، ويخلّى بينه وبينه. وهي مأخوذة من قولهم: ناقة أمون، أي: قوية على الحمل والسير، فكأن الأمين هو الذي يوثق به في حفظ ما يوكل إلى أمانته حتى يؤدِّيه لقوَّته على ذلك. وكان أبو عبيدة قد خصَّه الله تعالى من هذا الحظ الأكبر، والنصيب الأكثر، بحيث شهد له بذلك المعصوم، وصار له ذلك الاسم، والعلم المعلوم، وقد ظهر ذلك من حاله للعيان حتى استوى في معرفته كل إنسان، وذلك أن عمر ﵁ لما قدم الشام متفقِّدًا أحوال الناس والأمراء، ودخل منازلهم، وبحث عنهم أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير على الشام، قد فتحت عليه بلاده وترادفت عليه فتوحاته، وخيراته، واجتمعت له كنوزه، وأمواله، فلما كلَّمه عمر ﵁ في ذلك، قال له: يا أمير المؤمنين! والله لئن دخلت منزلي لتعصرن عينيك، فلما دخل منزله لم يجد فيه شيئًا يردُّ البصر أكثر من سلاحه وأداة رحل بعيره، فبكى عمر ﵁ وقال: صدق رسول الله ﷺ : أنت أمين هذه الأمَّة أو كما قال. وكان النبي ﷺ قد أخبر عن كل واحد من أعيان أصحابه ﵃ بما غلب عليه من أوصافه، وإن كانوا كلهم فضلاء، علماء، حكماء، مختارين لمختار، فقال ﷺ فيما رواه الترمذي من حديث أنس بن مالك: أرحم أمتي بأمتي: أبو بكر، وأشدهم في أمر الله: عمر، وأصدقهم حياءً: عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام: معاذ، وأفرضهم: زيد، وأقرؤهم: أُبي، ولكل أمَّة أمين. وأمين هذه الأمَّة: أبو عبيدة (١). ومن حديث عبد الله بن عمرو: ما أظلت الخضراء، ولا أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر (٢). و(قوله: أيتها الأمَّة) هو منادى محذوف حرف النداء. والأمَّة: نعته

стр. 3583

[٢٣٢٨] وعنه: أَنَّ أَهلَ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: ابعَث مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمنَا السُّنَّةَ وَالإِسلَامَ. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيدَةَ فَقَالَ: هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ. رواه مسلم (٢٤١٩) (٥٤). [٢٣٢٩] وعَن حُذَيفَةَ قَالَ: جَاءَ أَهلُ نَجرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابعَث إِلَينَا رَجُلًا أَمِينًا، فَقَالَ: لَأَبعَثَنَّ إِلَيكُم رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. قَالَ: فَاستَشرَفَ لَهَا النَّاسُ، قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ. رواه أحمد (٥/ ٣٨٥)، والبخاريُّ (٣٧٤٥)، ومسلم (٢٤٢٠) (٥٥)، والترمذيُّ (٣٧٩٦)، وابن ماجه (١٣٥). * * * ــ مرفوعًا، والأفصح: نصبها على الاختصاص، وحكى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيتها العِصابةَ بالنصب. و(قوله: لأبعثن إليكم رجلًا أمينًا حق أمين) هو بنصب حق أمين على أنه مصدر مضاف، وهو في موضع الصِّفة تقديره أمينًا محققًا في أمانته. و(قوله: فاستشرف لها الناس) أي: تشوَّفوا، وتعرَّضوا لمن هو الموجَّه معهم، وكلُّهم يحرصُ على أن يكون هو المَعنِيُّ، إذ كل واحد منهم أمين. * * *

стр. 3584

(٤١) باب فضائل الحسن والحسين [٢٣٣٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِحَسَنٍ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحبِب مَن يُحِبُّهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٩)، ومسلم (٢٤٢١) (٥٦)، وابن ماجه (١٤٢). ــ (٤١) ومن باب: فضائل الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب ﵃ وأمهما: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، يُكنى الحسن: أبا محمد، والحسين: أبا عبد الله. ولد الحسن في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة. هذا أصحُّ ما قيل في ذلك، وولد الحسين لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. وقيل: سنة ثلاث، هذا قول الواقدي. وقال: علقت به فاطمة ﵂ بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، ومات الحسن مسمومًا في ربيع الأول من سنة خمسين بعدما مضى من خلافة معاوية عشر سنين. وقيل: بل مات سنة إحدى وخمسين، ودفن ببقيع الغرقد إلى جانب قبر أمه، وصلَّى عليه سعيد بن العاص، وكان أمير المدينة، قدَّمه الحسين، وقال: لولا أنَّها سُنَّة لما قدَّمتك، وقد كان وصى أن يدفن مع رسول الله ﷺ إن أذنت في ذلك عائشة فأذنت في ذلك، ومنع من ذلك مروان، وبنو أمية. وروى أبو عمر بإسناده إلى علي ﵁ قال: لما ولد الحسن جاءه رسول الله ﷺ فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حربًا. قال: بل هو: حسن، فلما ولد الحسين، قال: أروني ابني، ما سميتموه؟ ، قلت: حربًا، قال: بل هو: حسين، فلما ولد الثالث، قال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حربًا، قال: بل هو: محسِّن (١). وعقَّ

стр. 3585

[٢٣٣١] وعنه قَالَ: خَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِن ــ النبي ﷺ عن كل واحدٍ من الحسن والحسين يوم سابعه بكبش كبش، وأمر أن يحلق كل واحد منهما، وأن يتصدَّق بوزن شعرهما فضة (١). وقال علي ﵁: كان الحسين ﵁ أشبه الناس برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسن أشبه الناس للنبي ﷺ ما كان أسفل من ذلك (٢). وتواردت الآثار الصِّحاح عن النبي ﷺ أنه قال في الحسن: إن ابني هذا سيِّد، وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (٣). ولا أسود ممن سوَّده رسول الله ﷺ ، وشهد له بذلك، وكان حليمًا، ورِعًا، فاضلًا، دعاه ورعه وفضله إلى أن ترك المُلك والدنيا رغبة فيما عند الله. ومما يدلّ على صحة ذلك وعلى صدق النبي ﷺ ، وصحة نبوته ما قد اشتهر من حال الحسن، وتواتر من قضيَّة خلافته، وإصلاحه بين المسلمين، وذلك: أنه لما قُتِل علي ﵁ بايعه أكثر من أربعين ألفًا، وكثير ممن تخلَّف عن أبيه، وممن نكث بيعته، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إلى معاوية في أهل الحجاز والعراق، وما وراءها من خراسان، ثم سار إليه معاوية في أهل الشام، فلما تراءى الجمعان بموضع يقال له: مَسكَن، من أرض السواد بناحية الأنبار، كره الحسن القتال لعلمه أن إحدى الطائفتين لا تغلب حتى يهلكَ أكثر الأخرى، فيهلك المسلمون، فسلَّم الأمر لمعاوية على شروط شرطها عليه، منها: أن يكون الأمر له من بعد معاوية، فالتزم كل ذلك معاوية، واجتمع الناس على بيعته في النصف من جمادى الأولى من سنة إحدى وأربعين. هذا أصح ما قيل في ذلك، ولما فعل ذلك الحسن عتب عليه أصحابه، ولاموه على ذلك، حتى قال له بعض أصحابه: يا عار

стр. 3586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المؤمنين! فقال: العار خير من النار. وقال له شيخ من أهل الكوفة يكنى أبا عامر لما قدمها: السلام عليك يا مُذِل المؤمنين، فقال له: لا تقل ذلك يا أبا عامر! فإني لم أذل المؤمنين، ولكني كرهت أن أقتلهم في طلب الملك، فقد ظهر ما قاله سيد المرسلين من أن الحسن سيِّد، وأن الله أصلح به بين فئتين من المسلمين، لكن خُشي من طول عمره فسُمَّ فمات من فوره، ونقل الثقات: أنه لما سُمَّ لفظ قطعًا من كبده، وحينئذ قال: لقد سُقيتُ السُّمَّ ثلاث مرات لم أسق مثل هذه المرة، فقال له الحسين: يا أخي من سقاك؟ قال: وما تريد إليه؟ أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: لئن كان الذي أظن، فالله أشد نقمة، ولئن كان غيره فما أحب أن يقتل بي بريء. ولما ورد البريد بموته على معاوية قال: يا عجبًا من الحسن شرب شربة من عسل بماء رومة فقضى نحبه. وأما الحسين ﵁، فكان فاضلًا، ديِّنًا، كثير الصوم، والصلاة، والحج، قال مصعب الزبيري: حجَّ الحسين خمسًا وعشرين حجَّة ماشيًا، وقد قال النبي ﷺ فيه وفي الحسن: إنهما سيِّدا شباب أهل الجنة (١). وقال: هما ريحانتاي من الدنيا (٢). وكان النبي ﷺ إذا رآهما هشَّ لهما، وربما أخذهما، كما روى أبو داود: أنهما دخلا المسجد وهو يخطب فقطع خطبته ونزل فأخذهما، وصعد بهما، وقال: رأيت هذين، فلم أصبر (٣). وكان يقول فيهما: اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحِبَّ من يحبهما (٤). وقتل ﵀، ولا رحم قاتله يوم الجمعة لعشر خلون من محرم سنة إحدى وستين بموضع يقال له: كربلاء، بقرب موضع يقال له: الطفُّ بقرب من الكوفة. قال أهلُ التواريخ: لما مات معاوية،

стр. 3587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأفضت الخلافة إلى يزيد، وذلك في سنة ستين، وردت بيعته على الوليد بن عتبة بالمدينة ليأخذ البيعة على أهلها، أرسل إلى الحسين بن علي، وإلى عبد الله بن الزبير ليلًا فأُتي بهما فقال: بايعا. فقالا: مثلنا لا يبايع سرًّا، ولكنا نبايع على رؤوس الناس إذا أصبحنا، فرجعا إلى بيوتهما، وخرجا من ليلتهما إلى مكة، وذلك ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب، فأقام الحسين بمكة شعبان ورمضان وشوال وذا القعدة، ثم خرج يوم التروية يريد الكوفة، فبعث عبيد الله بن زياد خيلًا لقتل الحسين، وأمَّر عليهم عمر بن سعد، فأدركه بكربلاء فقتل الحسين، وقتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلًا، وسبي نساؤه، وذلك في يوم عاشوراء من السنة المذكورة. وكان من قضاء الله تعالى وتعجيل عقوبته لعبيد الله بن زياد: أن قتل يوم عاشوراء سنة سبع وستين. قتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، فبعث به إلى علي بن حسين. واختلف في سن الحسين يوم قتل. فقيل: سبع وخمسون. وقيل: ثمان. وقيل: أربع. وقال جعفر بن محمد: توفي علي بن أبي طالب وهو ابن ثمان وخمسين. وقتل الحسين وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي علي بن الحسين، وهو ابن ثمان وخمسين، وتوفي محمد بن علي، وهو ابن ثمان وخمسين. قال سفيان: قال لي جعفر بن محمد، وأنا بهذه السنة في ثمان وخمسين، وتوفي فيها، رحمة الله عليهم أجمعين. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: رأيت النبي ﷺ فيما يرى النائم نصف النهار، وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين، لم أزل ألقطه منذ اليوم، فوجد قد قتل في ذلك اليوم. وأما الحسن فكان سنَّه يوم مات ستًّا وأربعين سنة، وقيل: سبعًا وأربعين سنة (١). وروى الحسن عن النبي ﷺ [حديث

стр. 3588

النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جَاءَ سُوقَ بَنِي قَينُقَاعَ، ثُمَّ انصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ حتى جاء - يَعنِي حَسَنًا - ــ الدعاء في القنوت. و(قوله: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (١). وروى الحسين عن النبي ﷺ ] (٢): من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه (٣). وقوله ﷺ في ابن صائد: اختلفتم وأنا بين أظهركم؟ فأنتم بعدي أشدُّ اختلافًا. و(قوله: حتى أتى خباء فاطمة) أي: بيتها، وأصل الخباء: ما يخبأ فيه، وقد صار بحكم العرف العربي عبارة عن بيوت الأعراب. و(قوله ﷺ للحسن: أثمَّ لُكَع؟ ) يعني به: الصغير، وهي لغة بني تميم، وسئل ابن جرير عن اللكع، فقال: هو الصغير في لغتنا، وأصل هذه الكلمة: أنها تستعمل للتحقير، والتجهيل، واللكع: العبد الوغد، والقليل العقل، ويقال للأنثى: لكعاء، ويعدل به في النداء إلى لكاع، وقد تقدم القول فيه. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ مُمازحًا بذلك اللفظ، ومؤنسًا كما يقول الرجل لابنه الصغير: تعال يا كُليب، وكما قالت العربية لابنها وهي تُرَقِّصه: حُزُقَّة عين بقَّة (٤). والسِّخاب: خيط فيه خرز ينظم، ويجعل في عنق الصبيان، والسِّخاب مأخوذ من السَّخَب، وهو اختلاط الأصوات، وارتفاعها، وكأن هذه الخرزات لها أصوات مختلفة عند احتكاك بعضها مع البعض، وقيل: السِّخاب من القلائد: ما اتخذ من القرنفل، والمسك، والعود وشبهه، دون الجوهر. وفيه من الفقه: المحافظة على النظافة، وعلى تحسين الصغار، وتزيينهم، وخصوصًا عند لقاء من يُعظم ويحترم.

стр. 3589

فَظَنَنَّا أَنَّهُ إِنَّمَا تَحبِسُهُ أُمُّهُ لِأَن تُغَسِّلَهُ وَتُلبِسَهُ سِخَابًا، فَلَم يَلبَث أَن جَاءَ يَسعَى، حَتَّى اعتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحب مَن يُحِبُّهُ. رواه أحمد (٢/ ٣٣١)، والبخاريُّ (٢١٢٢)، ومسلم (٢٤٢١) (٥٧)، وابن ماجه (١٤٣). [٢٣٣٢] وعَن البَرَاءِ قَالَ: رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعًا الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ. رواه أحمد (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤) و (٤/ ٢٩٢)، والبخاريُّ (٣٧٤٩)، ومسلم (٢٤٢٢) (٥٩)، والترمذي (٣٧٨٣). ــ و(قوله: حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه) فيه ما يدل على تواضع النبي ﷺ ورحمته بالصغار، وإكرامه ومحبَّته للحسن، ولا خلاف - فيما أحسب - في جواز عناق الصِّغار كما فعل النبي ﷺ ، وإنَّما اختلف في عناق الكبير في حالة السلام، وكرهه مالك، وأجازه سفيان بن عيينة، وغيره، واحتج سفيان على مالك في ذلك بعناق النبي ﷺ جعفرًا لما قَدِم عليه، فقال مالك: ذلك مخصوصٌ بجعفر. وقال سفيان: ما يخص جعفرًا يعمَّنا، فسكت مالك، ويدل سكوت مالك على أنه ظهر له ما قاله سفيان من جواز ذلك. قال القاضي عياض: وهو الحق حتى يدلّ دليل على تخصيص جعفر بذلك. والعاتق: ما بين المنكب إلى العنق، وقيل: هو موضع الرداء من المنكب. وفيه من الفقه ما يدل على: جواز حمل الصِّبيان، وترك التعمُّق في التحفظ مما يكون منهم من المخاط والبول، وغير ذلك، فلا يجتنب من ذلك إلا ما ظهرت عينه، أو تحقق، أو تفاحش، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعملون على مقتضى الحنيفية السَّمحة، فيمشون حفاة في الطِّين، ويجلسون بالأرض، وتكون عليهم الثياب الوسخة التي ليست بنجسة،

стр. 3590

[٢٣٣٣] وعن إِيَاسٌ، عَن أَبِيهِ قَالَ: لَقَد قُدتُ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَالحَسَنِ وَالحُسَينِ بَغلَتَهُ الشَّهبَاءَ حَتَّى أَدخَلتُهُم حُجرَةَ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلفَهُ. رواه مسلم (٢٤٢٣)، والترمذي (٢٧٧٥). * * * (٤٢) باب فضائل أهل البيت ﵃ - [٢٣٣٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةٍ وَعَلَيهِ مِرطٌ مُرَحَّلٌ ــ ويلعقون أصابعهم، والقصعة عند الأكل، ولا يعيبون شيئًا من ذلك، ولا يتوسوسون فيه، وكل ذلك ردٌّ على غلاة متوسوسة الصوفية اليوم، فإنَّهم يبالغون في نظافة الظواهر والثياب، وبواطنهم وسخة خراب. و(قوله: لقد قدتُ برسول الله ﷺ والحسن والحسين بغلته) هذا يدل على جواز ركوب ثلاثة على دابة، لكن إذا لم يثقلوها، وقد روي عن علي وغيره: كراهة ذلك، وروي في ذلك نهي عن النبي ﷺ ، لكن محله - والله تعالى أعلم - على ما إذا أثقلها وفَدَحها (١). (٤٢) ومن باب: فضائل أهل البيت (قوله: مرط مُرَحَّل) المرط: الكساء، وجمعه: مروط. والمرحَّل: يروى بالحاء يعني: فيه صور الرّحال، ويُروى بالجيم، أي: فيه صور الرجال، أو صور

стр. 3591

مِن شَعَرٍ أَسوَدَ، فَجَاءَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ فَأَدخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الحُسَينُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَت فَاطِمَةُ فَأَدخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾ رواه مسلم (٢٤٢٤) (٦١). [٢٣٣٥] وعن يَزِيدُ بنُ حَيَّانَ قَالَ: انطَلَقتُ أَنَا وَحُصَينُ بنُ سَبرَةَ وَعُمَرُ بنُ مُسلِمٍ إِلَى زَيدِ بنِ أَرقَمَ، فَلَمَّا جَلَسنَا إِلَيهِ قَالَ لَهُ حُصَينٌ: لَقَد لَقِيتَ يَا زَيدُ خَيرًا كَثِيرًا؛ رَأَيتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَسَمِعتَ حَدِيثَهُ، وَغَزَوتَ مَعَهُ، وَصَلَّيتَ خَلفَهُ، لَقَد لَقِيتَ يَا زَيدُ خَيرًا كَثِيرًا، حَدِّثنَا يَا زَيدُ مَا سَمِعتَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! ــ المراجل، وهي: القدور، يقال: ثوب مراجل، أو ثوب مرجَّل: هذا قولُ الشارحين. قلت: ويظهر لي أن المرجَّل هنا: يُراد به الممشوط خَمَلُه وزُبرُه (١). قال امرؤ القيس: خَرَجتُ بها أمشي (٢) تَجُرُّ وراءَنا ... على أثَرَينا ذَيلَ مِرطٍ مُرحَّل وهذا أولى، لأنَّ النبي ﷺ كيف يلبس الثوب الذي فيه صور الرِّجال، مع أنه قد نهى عن الصور، وهتك السِّتر الذي كانت فيه، وغضب عند رؤيته، كما تقدَّم في اللباس. وقراءة النبي ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا﴾ دليل على: أن أهل البيت المعنيون (٣) في

стр. 3592

قَالَ: يَا ابنَ أَخِي وَاللَّهِ لَقَد كَبِرَت سِنِّي، وَقَدُمَ عَهدِي، وَنَسِيتُ بَعضَ الَّذِي كُنتُ أَعِي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا حَدَّثتُكُم فَاقبَلُوا، وَمَا لَا فَلَا تُكَلِّفُونِيهِ، ثُمَّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدعَى خُمًّا بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! فِإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَن يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُم ثَقَلَينِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، ــ الآية: هم المغطون بذلك المرط في ذلك الوقت. والرجس: اسم لكل ما يستقذر، قاله الأزهري. والمراد بالرجس الذي أُذهب عن أهل البيت: هو مستخبث الخلق المذمومة، والأحوال الركيكة، وطهارتهم: عبارة عن تجنبهم ذلك، واتصافهم بالأخلاق الكريمة، والأحوال الشريفة. و(قوله: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بماء يدعى خُمًّا) هو بضم الخاء المعجمة، وهو موضع معروف، وهو الذي أكثرت الشيعة وأهل الأهواء فيه من الكذب على رسول الله ﷺ في استخلافه عليًّا، ووصيته إياه، ولم يصح من ذلك كله شيء إلا هذا الحديث. و(قوله: وأنا تارك فيكم ثقلين) يعني: كتاب الله، وأهل بيته. قال ثعلب. سَمَّاهما ثقلين، لأنَّ الأخذ بهما، والعمل بهما ثقيل، والعرب تقول لكل شيء خطير نفيس: ثقيل. قلت: وذلك لحرمة الشيء النَّفيس، [وصعوبة روم الوصول إليه، فكأنه ﷺ إنما سمَّى كتاب الله، وأهل بيته: ثقلين لنفاستهما، وعظم حرمتهما] (١)، وصعوبة القيام بحقهما. و(قوله في كتاب الله: هو حبل الله) أي: عهد الله الذي عهده لعباده،

стр. 3593

وَاستَمسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهلُ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، أُذَكِّرُكُم اللَّهَ فِي أَهلِ بَيتِي، فَقَالَ لَهُ حُصَينٌ: وَمَن أَهلُ بَيتِهِ يَا زَيدُ؟ أَلَيسَ نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِن أَهلِ بَيتِهِ، وَلَكِن أَهلُ بَيتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعدَهُ، قَالَ: وَمَن هُم؟ قَالَ: هُم آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَم. ــ وسببه القوي الذي من تمسك به وصل إلى مقصوده، وقد ذكر هذا المعنى بأشبع من هذا فيما تقدَّم. و(قوله: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي - ثلاثا -، هذه الوصية، وهذا التأكيد العظيم يقتضي: وجوب احترام آل (١) النبي ﷺ وأهل بيته، وإبرارهم، وتوقيرهم، ومحبتهم وجوب الفروض المؤكدة التي لا عذر لأحد في التخلف عنها. هذا مع ما علم من خصوصيتهم بالنبي ﷺ وبأنَّهم جزء منه، فإنَّهم أصوله التي نشأ منها، وفروعه التي تنشأ عنه، كما قال ﷺ : فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها (٢)، ومع ذلك فقابل بنو أمية عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق، فسفكوا من أهل البيت دماءهم، وسبوا نساءهم، وأسروا صغارهم، وخرَّبوا ديارهم، وجحدوا شرفهم، وفضلهم، واستباحوا سَبَّهم، ولَعنَهم، فخالفوا رسول الله ﷺ في وصيته، وقابلوه بنقيض مقصوده وأمنيته، فواخجلهم إذا وقفوا بين يديه! ويا فضيحتهم يوم يعرضون عليه! و(قوله: من أهل بيته؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ ) هذا سؤال من تمسك

стр. 3594

وفي رواية: كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبلُ اللَّهِ، مَن اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَن تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ، وَفِيها فَقُلنَا: ومَن أَهلُ بَيتِهِ؟ نِسَاؤُهُ؟ قَالَ: لَا وَايمُ اللَّهِ، إِنَّ المَرأَةَ تَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ العَصرَ مِن الدَّهرِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا فَتَرجِعُ إِلَى أَبِيهَا وَقَومِهَا، أَهلُ بَيتِهِ أَصلُهُ وَعَصَبَتُهُ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ بَعدَهُ. رواه أحمد (٣/ ١٤ و ١٧)، ومسلم (٢٤٠٨) (٣٦ و ٣٧). * * * ــ بظاهر لفظ البيت، فإنَّ الزوجة: هي أصل بيت الرجل، إذ هي التي تعمره، وتلازمه، وتقوم بمصالحه، وكذلك إجابة زيد بأن قال: نساؤه من أهل بيته، أي: بيته المحسوس، وليس هو المراد هنا، ولذلك قال في الرواية الأخرى في جواب السائل: لا! أي: ليس نساؤه من أهل بيته، المعنى هنا: لكن هم أصله وعصبته، ثم عيَّنهم بأنهم: هم الذين حرموا الصدقة، أي الذين تحرم عليهم الصدقات الشرعية على الخلاف الذي ذكرناه في كتاب: الزكاة، وقد عينهم زيد تعيينًا يرتفع معه الإشكال، فقال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس ﵃، فقيل له: أكلَّ هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم. وقد ذهب بعض المتأولين البيت في هذا اللفظ إلى أن مراد زيد به: الذين منعهم خلفاء بني أمية صدقة النبي ﷺ بما كان خصَّه الله تعالى به التي كانت تقسم عليهم أيام الخلفاء الأربعة. وهذا فيه بُعد، فالأول أظهر. * * *

стр. 3595

(٤٣) باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد [٢٣٣٦] عَن ابن عمر أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَدعُو زَيدَ بنَ حَارِثَةَ إِلَّا زَيدَ بنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ فِي القُرآنِ: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ ــ (٤٣) ومن باب: فضائل زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي مولى رسول الله ﷺ ويكنى: أبا أسامة بابنه أسامة بن زيد، وكان أصابه سباءٌ في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لخديجة بنت خويلد ﵂، فوهبته للنبي ﷺ ، وذلك قبل النبوَّة بمكة، وزيد ابن ثماني سنين، فأعتقه، وتبناه النبي ﷺ فكان يطوف به على حلق قريش ويقول: هذا ابني وارثًا، وموروثًا (١) - يُشهدهم على ذلك -. وذكر عن الزهري: أنَّه قال: ما علمت أحدًا أسلم قبل زيد. وروي عن الزهري من وجوه: أن أوَّل من أسلم خديجة. وقُتِل زيد بمؤتة من أرض الشام سنة ثمان من الهجرة، وكان النبي ﷺ أمَّره في تلك الغزاة، وقال: إن قُتِل زيدٌ فجعفر، فإنَّ قُتِل جعفر فعبد الله بن رواحة (٢) فقُتِل الثلاثة في تلك الغزاة، ولما أتى رسول الله ﷺ نعي زيد، وجعفر بكى، وقال: أخواي، ومؤنساي، ومحدثاي (٣). و(قوله: ما كنَّا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد ابن محمَّد) كان التبنِّي معمولًا به في الجاهلية والإسلام، يُتوارث به، ويُتناصر، إلى أن نسخ الله ذلك كله بقوله: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي: أعدلُ. فرفع الله تعالى

стр. 3596

رواه أحمد (٢/ ٧٧)، والبخاريُّ (٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥)، والترمذي (٣٢٠٩). ــ حكم التبني، ومنع من إطلاق لفظه، وأرشد بقوله إلى الأولى والأعدل أن يُنسب الرَّجل إلى أبيه نسبًا، ولو نسب إلى أبيه من التبني، فإنَّ كان على جهة الخطأ - وهو أن يسبق اللسان إلى ذلك من غير قصد - فلا إثم، ولا مؤاخذة، لقوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُم جُنَاحٌ فِيمَا أَخطَأتُم بِهِ﴾، أي: لا إثم فيه، ولا يجري هذا المجرى إطلاق ما غلب عليه اسم التبني، كالحال في المقداد بن عمرو، فإنَّه قد غلب عليه نسب التبني، فلا يكاد يعرف إلا بالمقداد بن الأسود، فإنَّ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبناه في الجاهلية، وعرف به، فلما نزلت الآية قال المقداد: أنا ابن عمرو، ومع ذلك فبقي ذلك الإطلاق عليه، ولم يسمع فيمن مضى من عصَّى (١) مُطلِق ذلك عليه، وإن كان متعمدًا. وليس (٢) كذلك الحال في زيد بن حارثة، فإنَّه لا يجوز أن يقال فيه: زيد بن محمَّد، فإن قاله أحدٌ متعمِّدًا عَصَى، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِن مَا تَعَمَّدَت قُلُوبُكُم﴾ أي: فعليكم فيه الجناح. والله تعالى أعلم. ولذلك قال بعده: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: غفورًا للعمد ورحيمًا برفع إثم الخطأ. ومعنى قوله تعالى: ﴿ادعُوهُم لآبَائِهِم﴾ أي: انسبوهم إليهم، ولذلك عدَّاه باللام، ولو كان الدُّعاء بمعنى: النداء لعدَّاه بالباء. وقوله: ﴿فَإِن لَم تَعلَمُوا آبَاءَهُم فَإِخوَانُكُم فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُم﴾ فانسبوهم إليكم نسبة الأخوة الدينية التي قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ والمولويَّة التي قال فيها: ﴿وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَاتُ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ﴾ وقد تقدَّم: أنَّه يقال: مولى على المُعتِق، والمُعتَق، وابن العم، والناصر.

стр. 3597

[٢٣٣٧] وعنه قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعثًا، وَأَمَّرَ عَلَيهِم أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَطَعَنَ النَّاسُ فِي إِمرَتِهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِن تَطعَنُوا فِي إِمرَتِهِ فَقَد كُنتُم تَطعَنُونَ فِي إِمرَةِ أَبِيهِ مِن قَبلُ، وَايمُ اللَّهِ! إِن كَانَ لَخَلِيقًا ــ و(قوله: بعث رسول الله ﷺ بعثًا، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ﵄ هذا البعث - والله تعالى أعلم - هو الذي جهَّزه رسول الله ﷺ مع أسامة، وأمره عليهم، وأمره أن يغزو أُبنى، وهي القرية التي هي عند مؤتة - الموضع الذي قتل فيه زيد أبو أسامة -، فأمره أن يأخذ بثأر أبيه. وطعن من في قلبه ريبٌ في إمارته، من حيث: إنه من الموالي، ومن حيث: إنه كان صغير السِّن، لأنَّه كان إذ ذاك ابن ثماني عشرة سنة، فمات النبي ﷺ وقد برز هذا البعث عن المدينة، ولم ينفصل بعد عنها، فنفَّذَه أبو بكر ﵁ بعد موت رسول الله ﷺ . و(قوله: إن تطعنوا في إمرته، فقد كنتم طعنتم في إمرة أبيه قبل) هذا خطاب منه ﷺ لمن وقع له ذلك الطعن، لكنه على كريم خلقه لم يعيِّنهم سترًا لهم، إذ مَعتبتُه كانت كذلك، كما تقدَّم، وكان الطعن في إمارة زيد من حيث إنه كان مولًى، فشهد النبي ﷺ لأسامة وأبيه ﵄ بأنَّهما صالحان للإمارة، لما يعلم من أهليتهما لها، وأن كونهما موليين لا يغضُّ من مناصبهما، ولا يقدح في أهليتهما للإمارة. ولا خلاف أعلم في جواز المولى والمفضول، وقد تقدَّم القول في استخلاف المفضول. والإمرة رويناها بالكسر بمعنى: الولاية، وقال أبو عبيد: يُقال: لك عليَّ أمرةٌ مطاعة - بفتح الهمزة -، وكذلك حكاه القتبي، وهي واحدة الأمر. قلت: وهذا على قياس: جَلسة، وجِلسة - بالفتح للمصدر والكسر للهيئة -. والخليق، والحريُّ، والقَمِنُ، والحقيقُ: كلُّها بمعنى واحد.

стр. 3598

لِلإِمرَةِ، وَإِن كَانَ لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعدَهُ. ــ و(قوله: وإن كان لمن أحبِّ الناس إليَّ) إن عند البصريين مخففة من الثقيلة، واللام الداخلة بعدها هي المفرقة بين إن المخففة وبين إن الشرطية. وعند الكوفيين: إن نافية، واللام بمعنى: إلا. وهذا نحو قوله (١): شَلَّت (٢) يَمِينُك إن قَتَلتَ لَمُسلِمًا ... حَلَّت عَلَيك عقوبةُ المُتَعَمِّدِ تقديرها عند البصريين: إنك قتلت مسلمًا. وعند الكوفيين: ما قتلت إلا مسلمًا. وهذا من رسول الله ﷺ خبر عن محبته [لزيد ﵁، ثمَّ أخبر عن محبته] (٣) لأسامة فقال: وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده. فكان أسامة الحبُّ ابن الحبِّ. وبذلك كان يُدعى. ورضي الله عن عمر بن الخطاب، لقد قام بالحق، وعرفَه لأهله، وذلك: أنَّه فرض لأسامةَ في العطاء خمسة آلاف، ولابنه عبد الله ألفين. فقال له عبد الله: فضلت عليَّ أسامة، وقد شهدت ما لم يشهد؟ ! فقال ﵁: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله ﷺ منك، وأبوه كان أحب إلى رسول الله ﷺ من أبيك. ففضل محبوب رسول الله ﷺ على محبوبه، وهكذا يجب أن يحب ما أحب رسول الله ﷺ ويبغض ما أبغض، وقد قابل مروان هذا الحب الواجب بنقيضه، وذلك: أنَّه مرَّ بأسامة بن زيد وهو يصلي عند باب بيت رسول الله ﷺ ، فقال له مروان: إنَّما أردت أن يُرى مكانك فقد رأينا مكانك، فعل الله بك وفعل - قولًا قبيحًا - فقال له أسامة: إنَّك آذيتني، وإنَّك فاحش متفحش،

стр. 3599

زاد في أخرى: فأوصيكم به فإنه من صالحيكم. رواه أحمد (٢/ ١١٠)، والبخاريُّ (٦٦٢٧)، ومسلم (٢٤٢٦) (٦٣ و ٦٤)، والترمذيُّ بإثر حديث (٣٨١٦). * * * ــ وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يبغض الفاحش المتفحش (١). فانظر ما بين الفعلين، وقس ما بين الرَّجلين، فلقد آذى بنو أمية رسول الله ﷺ في أحبابه، وناقضوه في مَحابِّه. تنبيه: روى موسى بن عقبة عن سالم، عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: أحبُّ الناس إليَّ أسامة فما حاشا فاطمة ولا غيرها. وهذا يعارضه ما تقدَّم من قوله ﷺ إن أحبَّ الناس إليه عائشة، ومن الرِّجال أبوها (٢)، ويرتفع التعارض من وجهين: أحدهما: أن الأحاديث الصحيحة المشهورة إنما جاءت في حبِّه لأسامة بـ من التي للتبعيض، كما قد نصَّ عليه بقوله ﷺ : إنه لمن أحب الناس إلي. وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: إن أسامة بن زيد أحب الناس إليَّ أو من أحب الناس إلي (٣) فعلى هذا يحتمل أن يكون النبي ﷺ قال: إن من أحب الناس إلي أسامة فأسقطها بعض الرواة. والوجه الثاني: على تسليم أن صحيح الرواية بغير من فيرتفع التعارض بأن كل واحد من هؤلاء أحب بالنسبة إلى عالمه. وبيان ذلك: أنه ﷺ ما كان يحب هؤلاء من حيث الصورة الظاهرة، فإنَّ أسامة كان أسود أفطس، وإنَّما كان يحبهم من حيث المعاني، والخصائص التي كانوا موصوفين بها. فكان أبو بكر ـ رضي الله

стр. 3600

(٤٤) باب فضائل عبد الله بن جعفر [٢٣٣٨] عَن مُوَرِّقٍ العِجلِيِّ، عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ جَعفَرٍ قَالَ: كَانَ ــ عنه ـ أحب إليه من حيث إنه كان له من أهلية النيابة عنه، والخلافة في أمته ما لم يكن لغيره. وكانت عائشة ﵂ أحب النساء إليه من حيث إن لها من العلم والفضيلة ما استحقت به أن تفضل على سائر النساء، كما فضل الثريد على سائر الطعام. وكان أسامة ﵁ أيضًا أحب إليه من حيث إنه كان قد خص بفضائل ومناقب استحق بها أن يكون أحب الموالي إليه، فإنَّه أفضلهم وأجلهم، ولذلك قال ﷺ : أوصيكم به خيرًا، فإنَّه من صالحيكم فأكد الوصية به، ونبَّه على الموجب لذلك، وهو ما يعلمه من صلاحه وفضله، وقد ظهر ذلك عليه، فإنَّه لم يدخل في شيء من الفتن فسلَّمه الله تعالى من تلك المحن، إلى أن توفي في خلافة معاوية سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين ﵁. (٤٤) ومن باب: فضائل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵄ يكنى: أبا جعفر، وأمه: أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو أول مولود من المسلمين وُلد بها، وتوفي بالمدينة سنة ثمانين، وهو ابن تسعين سنة، وكان عبد الله كريمًا جوادًا، طريفًا، حليمًا، عفيفًا، سخيًّا، يُسمَّى: بحر الجود. يقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك فقال: إن الله عوَّدني عادة، وعوَّدت الناسَ عادة، وأنا أخاف إن قطعتها قُطِعَت عني. وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا. أخرج له منها في الصحيحين حديثان.

стр. 3601

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبيَانِ أَهلِ بَيتِهِ قَالَ: وَإِنَّهُ قَدِمَ مِن سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيهِ، فَحَمَلَنِي بَينَ يَدَيهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابنَي فَاطِمَةَ، فَأَردَفَهُ خَلفَهُ، قَالَ: فَأُدخِلنَا المَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. رواه أحمد (٤/ ٥)، ومسلم (٢٤٢٨) (٦٦ و ٦٧)، وأبو داود (٢٥٦٦)، وابن ماجه (٣٧٧٣). [٢٣٣٩] وعنه قال: أَردَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ خَلفَهُ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِن النَّاسِ. رواه مسلم (٢٤٢٩) (٦٨)، وأبو داود (٢٥٢٩). * * * ــ و(قوله: كان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر تُلُقِّيَ بصبيان أهل بيته) إنما كانوا يتلقونه بصبيان بيته لما يعلمونه من محبته لهم، ومن تعلق قلبه بهم، ولفرط فرح الصغار برؤيته، ولتنالهم بوادر بركته. و(قوله: فَسُبِق بي إليه، فحملني بين يديه) يدل على: أن عبد الله بن جعفر من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا، ويدل على محبة النبي ﷺ لعبد الله بن جعفر وعلى شدة تهممه به، وإكرامه له، وكان ﷺ يخصُّ ولد جعفر بزيادة احترام وإكرام جَبرًا لهم، وشفقة عليهم، إذ كان أبوهم جعفر قتل بمؤتة شهيدًا ﵁، وقد تقدَّم القول على ركوب ثلاثة على دابة. و(قوله: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرَّ إلي حديثًا لا أحدث به أحدًا) دليل على علو مكانته عند النبي ﷺ وكمال فضله، وأهليته لأن يتخذه النبي ﷺ موضع سرِّه، وهذه أهلية شريفة، وفضيلة منيفة.

стр. 3602

(٤٥) باب فضائل خديجة بنت خويلد [٢٣٤٠] عن علي قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَيرُ نِسَائِهَا مَريَمُ بِنتُ عِمرَانَ، وَخَيرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ. رواه البخاريُّ (٣٨١٥)، ومسلم (٢٤٣٠)، والترمذيّ (٣٨٧٧). ــ (٤٥) ومن باب: فضائل خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية ﵂ كانت تُدعى في الجاهلية: الطاهرة، تزوَّجها رسول الله ﷺ قبل النبوة ثيبًا بعد زوجين: أبي هالة، هند بن النباش التميمي، فولدت له هندًا، وعتيق بن عائذ المخزومي، ثم تزوَّجها رسول الله ﷺ وهي بنت أربعين سنة، وأقامت معه أربعًا وعشرين سنة، وتوفيت وهي بنت أربع وستين سنة وستة أشهر، وكان رسول الله ﷺ إذ تزوج خديجة ابن إحدى وعشرين سنة. وقيل: ابن خمس وعشرين سنة وهو الأكثر. وقيل: ابن ثلاثين. وأجمع أهل النقل: أنها ولدت له أربع بنات كلهن أدركن الإسلام، وأسلمن، وهاجرن: زينب، وفاطمة، ورقية، وأم كلثوم. وأجمعوا أنها ولدت له ابنًا يُسمَّى: القاسم، وبه كان يكنى، واختلفوا هل ولدت له ذكرًا غير القاسم؟ فقيل: لم تلد له ذكرًا غيره. وقيل: ولدت له ثلاثة ذكور: عبد الله، والطيب، والطاهر. وقيل: بل ولدت له: عبد الله، والطيب والطاهر اسمان له. والخلاف في ذلك كثير، والله تعالى أعلم. ومات القاسم بمكة صغيرًا. قيل: إنه بلغ إلى أن مشى، وقيل: لم يعش إلا أيامًا يسيرة، ولم يكن للنبي ﷺ ولد من غير خديجة إلا إبراهيم، ولدته مارية القبطية بالمدينة، وبها توفي وهو رضيع، ومات بنات النبي ﷺ كلهن قبل موته إلا فاطمة، فإنَّها توفيت بعده بستة أشهر. وكانت خديجة ﵂ امرأة شريفة عاقلة فاضلة حازمة ذات

стр. 3603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مال، وقد تقدَّم أنها أول من آمن بالنبي ﷺ ، وأنه ﷺ نُبِّئ يوم الإثنين فصلت آخر ذلك اليوم. وكانت عونًا للنبي ﷺ على حاله كله، وردءًا له تثبِّتُه على أمره، وتصدقه فيما يقوله، وتصبِّره على ما يلقى من قومه من الأذى والتكذيب، وسلَّم عليها جبريل ﵇ وبشرها بالجنة. وروي من طرق صحيحة أنه ﷺ قال فيما رواه عنه أبو هريرة ﵁: خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة ﵅ (١). ومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (٢). وفي طريق آخر عنه: سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم: فاطمة وخديجة (٣). وكان النبي ﷺ يحبها ويقول: رزقت حبها (٤). ولم يتزوج عليها إلى أن ماتت. قيل: كانت وفاتها قبل مهاجر النبي ﷺ إلى المدينة بسبع سنين. وقيل: بخمس سنين. وقيل: بأربع. وقيل: بثلاث، وهو أصحها، وأشهرها - إن شاء الله تعالى - وتوفيت هي وأبو طالب - عم رسول الله ﷺ في سنة واحدة. قيل: كان بينهما ثلاثة أيام، وتوفيت في رمضان، ودفنت بالحجون. و(قوله: خير نسائها: مريم ابنة عمران) هذا الضمير عائد على غير مذكور، لكنه تفسره الحال والمشاهدة، يعني به: الدنيا، وفي رواية: وأشار وكيع

стр. 3604

[٢٣٤١] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَى جِبرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَتكَ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ، ــ إلى السماء والأرض - يريد الدُّنيا - كأنه يفسر ذلك الضمير، فكأنه قال: خير نساء الدنيا: مريم بنت عمران. وهذا نحو حديث ابن عباس المتقدِّم، الذي قال فيه: خير نساء العالمين: مريم. ويشهد لهذه الأحاديث في تفضيل مريم: قول الله تعالى حكاية عن قول الملائكة لها: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ﴾ فظاهر القرآن والأحاديث يقتضي: أن مريم أفضل من جميع نساء العالم، من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، ويعتضد هذا الظاهر: بأنها صديقة ونبية بلَّغتها الملائكةُ الوحي عن الله تعالى بالتكليف، والإخبار، والبشارة، وغير ذلك، كما بلَّغته سائر الأنبياء، فهي إذًا نبيَّة، وهذا أولى من قول من قال: إنها غير نبيَّة، وإذا ثبت ذلك، ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين، إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع، وعلى هذا فهي أفضل مطلقًا، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة، ثم خديجة، ثم آسية، وكذلك رواه موسى بن عقبة عن كريب عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : سيدة نساء العالمين: مريم، وفاطمة، ثم خديجة، ثم آسية (١) وهذا حديث حسن، رافع لإشكال هذه الأحاديث، فأمَّا من يرى: أن مريم صديقة وليست بنبيَّة فلهم في تأويل هذه الأحاديث طريقان: أحدهما: أن معناها أن كل واحدة من أولئك النساء الأربع خير عالم زمانها، وسيدة وقتها. وثانيهما: أن هؤلاء النسوة الأربع هن أفضل نساء العالم، وإن كنَّ في

стр. 3605

فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ ﵍ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. رواه البخاري (٣٨٢٠)، ومسلم (٢٤٣٢). [٢٣٤٢] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوفَى، عن النبي ﷺ : أنه بَشَّرَ خَدِيجَةَ بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. رواه البخاريُّ (٣٨١٩)، ومسلم (٢٤٣٣). ــ أنفسهن على مزايا متفاوتة، ورتب متفاضلة، وما ذكرناه: أوضح وأسلم. والله أعلم. و(قوله: بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه، ولا نصب) قال الهروي وغيره: القصب - هنا -: اللؤلؤ المجوَّف المستطيل، والبيت: هو القصر. قلت: وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: إن في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوَّفة عرضها ستون ميلًا (١)، [وفي لفظ آخر: من درَّة بيضاء طولها ستون ميلًا] (٢) وسيأتي - إن شاء الله تعالى -. والصخب: اختلاط الأصوات، ويقال: بالسين والصاد، والنصب: التعب والمشقة. ويقال: نُصبٌ، ونَصَبٌ، كحُزن وحَزَن، أي: لا يصيبها ذلك، لأنَّ الجنة منزهة عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُم فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِنهَا بِمُخرَجِينَ﴾ وقيل: معناه أن هذا البيت خالص لها، لا تنازع فيه فيصخب عليها فيه، وذلك من فضل الله تعالى عليها لا بنصبها في العبادة، ولا اجتهادها في ذلك. وإبلاغ الملك لها: أن الله يقرأ ﵍، فضيلة عظيمة، وخصوصية شريفة لم يُسمع بمثلها لمن ليس بنبي إلا لعائشة ﵂ على ما يأتي.

стр. 3606

[٢٣٤٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا غِرتُ عَلَى امرَأَةٍ مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَد هَلَكَت قَبلَ أَن يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنتُ أَسمَعُهُ يَذكُرُهَا، وَلَقَد أَمَرَهُ رَبُّهُ أَن يُبَشِّرَهَا بِبَيتٍ مِن قَصَبٍ فِي الجَنَّةِ، وَإِن كَانَ لَيَذبَحُ الشَّاة، ثُمَّ يُهدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا. زاد في أخرى: قَالَت عائشة: فَأَغضَبتُهُ يَومًا فَقُلتُ: خَدِيجَةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي رُزِقتُ حُبَّهَا. رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، والبخاريُّ (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥) (٧٤ و ٧٥)، والترمذيُّ (٣٨٨٥ و ٣٨٨٦)، وابن ماجه (١٩٩٧). [٢٣٤٤] وعنها قالت: استَأذَنَت هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ أُختُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ استِئذَانَ خَدِيجَةَ، فَارتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ! فَغِرتُ ــ و(قول عائشة ﵂: ما غِرتُ على امرأة ما غِرت على خديجة، لِمَا كنت أسمعه يذكرها) أي: يمدحها ويثني عليها، ويذكر فضائلها، وذلك لفرط محبته إياها، ولِما اتصل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ : إني رزقت حبها، وكونه ﷺ يُهدي لخلائل خديجة: دليل على كرم خلقه، وحسن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خويلد إذا رآها، وينهض (١) إكرامًا لها، وسرورًا بها. و(قولها: فعرف استئذان خديجة) أي تذكر - عند استئذان هالة - خديجة، وكأن نَغمةَ هالة كانت تشبه نَغمةَ خديجة، وأصلُ هذا كله: أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به وما يشبهه. و(قوله: اللهم! هالة) يجوز في هالة الرفع على خبر الابتداء، أي: هذه

стр. 3607

فَقُلتُ: وَمَا تَذكُرُ مِن عَجُوزٍ مِن عَجَائِزِ قُرَيشٍ، حَمرَاءِ الشِّدقَينِ، هَلَكَت فِي الدَّهرِ، فَأَبدَلَكَ اللَّهُ خَيرًا مِنهَا! . رواه مسلم (٢٤٣٧) (٧٨). ــ هالة فأكرمها وأحسن إليها. والنَّصب على إضمار فعل، أي: أَكرِم هالة واحفظها، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. و(قول عائشة ﵂: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش. . . الحديث، قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغيرة، وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم ينكر عليها النبي ﷺ شيئًا مما قالت، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث: أن الغَيرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا، لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا كل السَّبب، وذلك أن عائشة ﵂ اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة، لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت: فغرت، لأنَّا نقول: لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل يحتمل: أن تكون الغيرة وحدها، ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبي ﷺ على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملًا للأمرين، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم. و(قولها: حمراء الشِّدقين) قيل معناه: أنها بيضاء الشدقين، والعرب تسمي الأبيض: أحمر، كراهة في اسم البياض، لأنَّه يشبه البرص، وهذا كما قاله النبي ﷺ لعائشة: يا حميراء! لا تأكلي الطين فإنَّه يذهب بهاء الوجه (١) يعني: يا بيضاء.

стр. 3608

[٢٣٤٥] وعنها قالت: لَم يَتَزَوَّج النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَت. رواه مسلم (٢٤٣٦) (٧٧). * * * ــ قلت: وهذا فيه بُعدٌ في هذا الموضع، فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل: حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين، فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها، وإنَّما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكِبَر، وذلك: أن من جاوز سن الكهولة، ولحق سن الشيخوخة، وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السُّمرة، والله تعالى أعلم. و(قولها: قد أبدلك الله خيرًا منها) تعني بخير: أجمل وأشب - وتعني نفسها -، لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله؛ لما تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام، وكونه ﷺ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت: يدلّ على عظيم قدرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضًا، لأنها اختصَّت برسول الله ﷺ ، ولم يشاركها فيه أحد، صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيرة، ومن مناكدة (١) الضرة. * * *

стр. 3609

(٤٦) باب فضائل عائشة زوج النبي ﷺ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون [٢٣٤٦] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ فِي ــ (٤٦) ومن باب فضائل عائشة بنة أبي بكر الصديق ﵄ تكنى: بأم عبد الله - ابن الزبير، وهو ابن أختها: أسماء - أباح لها النبي ﷺ أن تكتنيَ به. تزوجها النبي ﷺ بمكة بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بثلاث سنين، وهو أولى ما قيل في ذلك، وهي بنت ست سنين. وابتنى بها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين. وقال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ تزوج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة، وقد روي عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبِض عني، وأنا بنت ثماني عشرة (١). وتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا، فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة ﵁. ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلة، عالمة، كاملة. قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما

стр. 3610

المَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امرَأَتُكَ فَأَكشِفُ عَن وَجهِكِ، فَإِذَا أَنتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِن يَكُ مِن عِندِ اللَّهِ يُمضِهِ. رواه البخاريُّ (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨)، والترمذي (٣٨٧٥). ــ روايتي في رواية عائشة؟ ! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وجملة ما روت عن النبي ﷺ ألفا حديث، ومائتا حديث، وعشرة أحاديث. أخرج منها في الصحيحين ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث. و(قوله: جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك): السَّرَقة - بفتح الراء -: واحدة السَّرق، وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسنها فارسيه، وأصلها سَرَه، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج: ونَسَجَت لَوَامِعُ الحَرُورِ ... سَبَائِبًا كَسَرَقِ الحَرير والسَّبائب - بالهمز والباء-: هي ما رَقَّ من الثياب والخُمُر، ونحوها. قال المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن للرؤيا ملكًا يمثل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء. و(قوله: إن يك من عند الله يُمضِه) ظاهره: الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنَّ كان هذا منه ﷺ قبل النبوة، فلا إشكال فيه، لأنَّ حكمه حكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكل، إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يشك فيه، وقد انفصل عن هذا: بأن قيل: إن شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة. وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل:
следующие страницы →