الصَّالِحِ - وهكَذَا قَالَ إِبرَاهِيمُ، وَسَائِرُ الأَنبِيَاءِ يَقُولُونَ: مَرحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ -. قَالَ: قُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَن هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسوِدَةُ عَن يَمِينِهِ وَعَن شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهلُ اليَمِينِ أَهلُ الجَنَّةِ، وَالأَسوِدَةُ الَّتِي عَن شِمَالِهِ أَهلُ النَّارِ. فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى. . الحديث.
سبق تخريجه برقم (١٢٩).
[١٣٢] وَمِن حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي حَبَّةَ الأَنصَارِيِّ؛ قَالا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرتُ لمُستَوًى أَسمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقلامِ.
رواه أحمد (٥/ ١٤٤)، والبخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣).
ــ
و(قوله: حتّى ظهرتُ لمُستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام) ظهرتُ: علوتُ، والمستوَى: موضعٌ مشرفٌ يُستوَى عليه، وقد يكون المستوى يراد به هنا حيث يظهر عدلُ الله وحُكمه لعباده هناك، والسواء والاستواء العدل. وصريف الأقلام: تصويتها فيما يُكتب بها فيه، ومن ذلك صريف الفحل بأنيابه، وهو صوت حَكِّ بعضها ببعض، وهذا المكتوب فيه هو اللوح المحفوظ، والله أعلم.
ولعلّ الأقلام المصوِّتة هنا هي المعبَّر عنها بالقلم المُقسَم به في قوله تعالى: ن وَالقَلَمِ ويكون القلم هنا للجنس. وكيفية الأقلام واللوح لا يعلمها إلاّ الله تعالى أو من أعلمه بذلك. وأمّا تخصيص موسى بأمره للنبيّ ﷺ بمراجعة الله تعالى في الحطّ من الصلوات، فلعلّه إنّما كان لأنّ أمّة موسى (١) كانت
стр. 387
[١٣١ / م] وَمِن حَدِيثِ أَنَسٍ: فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وَهِيَ خَمسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ. وَفِيهِ: ثُمَّ أُدخِلتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسكُ.
سبق تخريجه برقم (١٣١).
ــ
قد كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكَلَّف غيرها من الأمم، فثقُلَت عليهم، فخاف موسى ﵇ على أمّة محمّد ﷺ مثل ذلك. وعلى هذا يدلّ قوله: فإنّي قد بلوتُ بني إسرائيل قبلك، والله أعلم. وقيل: لأنّ موسى كان في السماء السابعة، فكان أوّل من لقي من الأنبياء، وليس بصحيح، فإنّ هذا الحديث نصّ في أنّ موسى ﵇ كان في السادسة وإبراهيم في السابعة، فكان يكون إبراهيم أولى بذلك. والأشبه الأوّل، والله أعلم.
وهذا الحديث نصّ في وقوع النسخ قبل التمكّن من الامتثال، وهو ردّ على من خالف في ذلك، وهم المعتزلة.
و(قوله: مَا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ) دليل على استقرار هذا العدد، فلا يُزاد فيه ولا ينقص منه، وهو ردّ على أبي حنيفة في حكمه بوجوب صلاة سادسة وهي الوِتر، سيّما وقد جُعِلت هذه الخمس بمنزلة الخمسين، فلو استقرّت في علم الله ستًّا، لبُدِئ فرضها ستّين، ثمّ نقص على ستٍّ؛ إذ كلّ صلاة بعشر.
و(قوله: ثمّ أُدخِلتُ الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ) قال ابن الأعرابيّ: الجَنبَذَةُ: القبّة، وجمعها جَنَابِذ. وقال ثابت عن يعقوب: هو ما ارتفع من البناء. ووقع في كتاب البخاريّ في كتاب الصلاة (١) حبائل اللؤلؤ، وهو تصحيف، والصحيح الأوّل على ما قاله جماعة من العلماء.
стр. 388
[١٣٠ / م] وَمِن حَدِيثِ مَالِكِ بنِ صَعصَعَةَ: قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزتُهُ - يعني: موسى - بَكَى، فَنُودِيَ: مَا يُبكِيكَ؟ قَالَ: رَبِّ! هَذَا غُلامٌ بَعَثتَهُ بَعدِي، يَدخُلُ مِن أُمَّتِهِ الجَنَّةَ أَكثَرُ مِمَّا يَدخُلُ مِن أُمَّتِي. وَفِيهِ: وَحَدَّثَ رسول اللهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى أَربَعَةَ أَنهَارٍ يَخرُجُ مِن أَصلِهَا نَهرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنهرَانِ بَاطِنَانِ، فَقُلتُ: يَا جِبرِيلُ! مَا هَذِهِ الأَنهَارُ؟ ، فقَالَ: أَمَّا النَّهرَانِ البَاطِنَانِ: فَنَهرَانِ فِي الجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ: فَالنِّيلُ وَالفُرَاتُ.
سبق تخريجه برقم (١٣٠).
ــ
وأبو حبّةَ الأنصاريّ صحح اسمه بالباء بواحدة من أسفلَ، وقد رواه الفارسيّ عن المروزيِّ باثنتين، وليس بشيء. واسمه مالك بن عمرو البدريّ، وقال الغسّانيّ: اسمه عامر، وقيل: زيد، وهو يشتبه بحيّةَ بالياء، وهو حيي بن حيّةَ الثقفيّ.
وبكاء موسى ﵇ إشفاق وحزن على أمّته؛ لما تقدّم من ضلالهم ولأجل ما فاته من كثرة ثواب من عساه أن يؤمنَ من أمّته به لو آمن.
وفي حديث أنس ما يقتضي أنّ السدرة في السماء السابعة أو فوقها؛ لقوله: ثمّ ذهب بي إلى السدرة بعد أن استفتح السماء السابعة، ففتح له فدخل، وفي حديث عبد الله أنّها في السماء السادسة. وهذا تعارض لا شكّ فيه، وما في حديث أنس أصحّ، وهو قول الأكثر، والذي يقتضيه وصفُها بأنّها التي ينتهي إليها علمُ كلّ مَلَكٍ مقرَّب وكلّ نبيّ مرسل على ما قاله كعب، وقال: وما خلفها غيبٌ لا يعلمه إلاّ الله، وكذلك قال الخليل بن أحمد.
وقيل: إليها تنتهي أرواح الشهداء. وقال ابن عبّاس: هي عن يمين العرش، وأيضًا فإنّ حديث أنس مرفوع وحديث عبد الله موقوف عليه من قوله، والمُسنَدُ المرفوعُ أولى.
стр. 389
[١٣٣] وَعَن عَبدِ اللهِ؛ قَالَ: لَمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، انتهي به إِلَى سِدرَةِ المُنتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُعرَجُ بِهِ مِنَ الأَرضِ، فَيُقبَضُ مِنهَا، وَإِلَيهَا يَنتَهِي مَا يُهبَطُ بِهِ مِن فَوقِهَا، فَيُقبَضُ مِنهَا. قَالَ: إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى. قَالَ: فَرَاشٌ مِن ذَهَبٍ. قَالَ: فَأُعطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثًا: أُعطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ، وَأُعطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَن لَم يُشرِك بِاللهِ مِن أُمَّتِهِ شَيئًا المُقحِمَاتُ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٧)، ومسلم (١٧٣)، والترمذي (٣٢٧٢)، والنسائي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
* * *
ــ
و(قوله: إذ يغشى السدرةَ ما يغشى) يُغَطِّي ويعلو. والفراش: كلّ ما يطير من الحشرات والديدان. وفي حديث ابن جُرَيج: وأُرخِيَت عليها ستورٌ من لؤلؤٍ وياقوتٍ وزَبَرجَد.
و(قوله: وغفر لمن لم يشرك بالله شيئًا المُقحَماتِ) أي: الذنوب العظام التي تقحِمُهم في النار؛ أي: تُدخِلهم فيها بمشقّةٍ وكُرهٍ وشِدَّةٍ، يقال: اقتحم يقتحم؛ أي: دخل في أمر شاقّ، وأقحَمتُه أنا: أدخلتُهُ فيه.
و(قوله: وأعطي خواتيم سورة البقرة) إنّما خصّت بذلك؛ لما تضمّنته من التخفيف عنهم والثناءِ على رسول الله ﷺ والمؤمنين، وإجابةِ دعواتهم ونُصرتِهم، وقد تقدَّم القول فيهما.
* * *
стр. 390
(٥٧) باب رؤية النبي ﷺ للأنبياء، ووصفه لهم وصلاتهم وذكر الدجال
[١٣٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: سِرنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَمَرَرنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ فَقَالُوا: وَادِي الأَزرَقِ، فقالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى مُوسَى - فَذَكَرَ مِن لَونِهِ وَشَعَرِهِ شَيئًا لَم يَحفَظهُ دَاوُدُ - وَاضِعًا إِصبَعَيهِ فِي أُذُنَيهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلبِيَةِ، مَارًّا بِهَذَا الوَادِي. قَالَ: ثُمَّ سِرنَا حَتَّى أَتَينَا عَلَى ثَنِيَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَرشَى أو لِفتٌ، فَقَالَ: كَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمرَاءَ، عَلَيهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ لِيفٌ خُلبَةٌ مَارًّا بِهَذَا الوَادِي مُلَبِّيًا.
رواه أحمد (١/ ٢١٥ و ٢٣٢)، ومسلم (١٦٦)، وابن ماجه (٢٨٩١).
ــ
(٥٧) ومن باب رؤيته ﵊ للأنبياء
(قوله ﵊: كأنّي أنظرُ إلى موسى؛ يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره، وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي، ويحتمل أن يكون ذلك كله مناما. ورؤيا الأنبياء وحيٌ، وهو نص حديث ابن عمر.
والجؤار رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى: فَإِلَيهِ تَجأَرُونَ. وهَرشِى بفتح الهاء وسكون الراء. جبل من بلاد تهامة على طريق الشام والمدينة قريب من الجحفة. ولَفت روي عن أبي بحرٍ أنه قاله بفتح اللام وسكون الفاء، وقاله ابن سراج بكسر اللام وسكون الفاء. وأنشد بعضهم:
مررت بلفتٍ والثريا كأنها ... قلائد درٍ حلّ عنها نظامها
стр. 391
[١٣٥] وَعَن جَابِرٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ الأَنبِيَاءُ. فَإِذَا مُوسَى ضَربٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنوءَةَ، وَرَأَيتُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ، وَرَأَيتُ إِبرَاهِيمَ، فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ - وَرَأَيتُ جِبرِيلَ فَإِذَا أَقرَبُ مَن رَأَيتُ بِهِ شَبَهًا دِحيَةُ بنُ خَلِيفَةَ.
رواه مسلم (١٦٧)، والترمذي (٣٦٥١).
ــ
بالكسر. وقاله القاضي الشهيد بفتح اللام والفاء، والخلبة وهو بضم الخاء: الليف، وفيها لغتان: ضم اللام، وسكونها. والضَّرب من الرجال الذي له جسم بين جسمين، ليس بالضخم ولا الضئيل. قال طرفة:
أنا الرجل الضرب الذي تعرفونه (١) ... . . . . . . . . . . . . . .
وأزد شنوءة حي من اليمن، شُبّه بهم موسى في كيفية خِلقتهم، وسموا شنوءة؛ لِشنوءتهم، وهي تباعدهم من الأنجاس، يقال: رجل فيه شنوءة؛ أي: تقزز في المباعدة عن الأقذار، حكاه الجوهري. وقال القتبي: سُموا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا؛ أي: تباغضوا.
تنبيه: إن تنزلنا على أن رؤيته ﷺ للأنبياء حقيقة في اليقظة فصلاته وصلاتهم وطوافهم (٢) بالبيت كذلك، فلا يستبعد من حيث إنهم قد ماتوا، أو من حيث إن ما بعد الموت ليس بمحل تكليف؛ لأنا نجيب عن الأول بأنهم أحياء كالشهداء، بل هم أولى.
وعن الثاني: أنهم يُحبب إليهم ذلك ويلهمونه، فيتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون كما يحمده ويسبّحه أهل
стр. 392
[١٣٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقَد رَأَيتُنِي فِي الحِجرِ، وَقُرَيشٌ تَسأَلُنِي عَن مَسرَايَ، فَسَأَلَتنِي عَن أَشيَاءَ مِن بَيتِ المَقدِسِ لَم أُثبِتهَا، فَكُرِبتُ كَربة مَا كُرِبتُ مِثلَهُ قَطُّ. قَالَ: فَرَفَعَهُ اللهُ لِي أَنظُرُ إِلَيهِ، مَا يَسأَلُونِي عَن شَيءٍ إِلا أَنبَأتُهُم بِهِ. وَقَد رَأَيتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَربٌ جَعدٌ كَأَنَّهُ مِن رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقرَبُ النَّاسِ شَبَهًا بهِ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُم - يَعنِي نَفسَهُ -، فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمتُهُم، فَلَمَّا فَرَغتُ مِنَ الصَّلاةِ، قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّم عَلَيهِ: فَالتَفَتُّ إِلَيه، فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ.
رواه مسلم (١٦٨)، والبخاري (٣٣٩٤)، والترمذي (٣٨٢٩) بنحوه.
ــ
الجنة، ولذلك قال ﵊: يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس (١).
والمسيح ابن مريم لا خلاف أنه بفتح الميم، وكسر السين مخففة. وأما المسيح الدجّال، فتقييده عند أكثر العلماء مثل الأول، وقيّده أبو إسحاق بن جعفر: بكسر الميم وتشديد السين، وقاله كذلك غير واحد. وبعضهم يقوله كذلك بالخاء المنقوطة (٢)، وبعضهم يقول: مَسيحٌ بفتح الميم وبالحاء والتخفيف. واختُلِف في المسيح ابن مريم ممّاذا أُخِذ؟ فقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: ذهب فيها، فلم يسكن بكن (٣). وقيل: لأنه ممسوح بدهن البركة. وقيل: لأنه كان ممسوح الأخمصين.
стр. 393
[١٣٧] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا بَينَ ظَهرَانَيِ النَّاسِ - المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لَيسَ بِأَعوَرَ، أَلا إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعوَرُ العَينِ اليُمنَى، كَأَنَّ عَينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قَالَ: وَقَالَ
ــ
وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهةٍ إلا برأ. وقيل: لأن الجمال مسحه؛ أي: أصابه وظهر عليه. وقال ابن الأعرابي: المسيح: الصدّيق، وبه سُمي عيسى، وقيل: هو اسم سمّاه الله تعالى به؛ أي: أنه غير مشتق. وأما الدجّال، فسمّي مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين اليُمنى، وقيل: لأنه مسح الأرض؛ أي: قطعها بالذهاب. ومن قاله بالخاء فمن المسخ.
و(قوله: بين ظهراني الناس) أي: في الناس ومعهم، يقال: ظهراني بنون وبغير نون، وظهور، كلها بمعنى واحد.
و(قوله في هذا الحديث: أعور العين اليُمنى) هذا هو الصحيح والمشهور، وقد وقع في رواية: اليسرى، وكأنه وهمٌ، ويمكن أن يحمل هذا على ما يتخيله بعض العامة من أن العوراء هي الصحيحة؛ إذ قد بقيت منفردة عديمة قرينتها (١)، وليس بشيء، بل العوراء التي أصابها العور؛ أي: العيب.
و(قوله: طافية) بغير همز، وعليه أكثر الروايات، وهكذا قال الأخفش، ومعناه أنها ممتلئة قد طفت (٢) وبرزت، وقد روي بالهمز؛ أي: قد ذهب ضوؤها وتقبّضت، ويؤيد هذه الرواية قوله في أخرى: أنه ممسوح العين، وأنها ليست جحرا ولا ناتئة وأنها مطموسة، وهذه صفة حبة العنب إذا طفئت وزال ماؤها، وبهذا فسره عيسى بن دينار.
стр. 394
رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَرَانِي اللَّيلَةَ فِي المَنَامِ عِندَ الكَعبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحسَنِ مَا تَرَى مِن أُدمِ الرِّجَالِ، تَضرِبُ لِمَّتُهُ بَينَ مَنكِبَيهِ، رَجِلُ الشَّعرِ، يَقطُرُ رَأسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى مَنكِبَي رَجُلَينِ وهو بَينَهُمَا يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ فَقَالُوا: المَسِيحُ ابنُ مَريَمَ. وَرَأَيتُ وَرَاءَهُ رَجُلاً جَعدًا قَطَطًا، أَعوَرَ العَينِ اليُمنَى، كَأَشبَهِ مَن رَأَيتُ مِنَ النَّاسِ بِابنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيهِ عَلَى
ــ
وقوله في وصف عيسى: آدم من الأدمة، وهو لون فوق السُّمرة ودون السحمة (١) بالسين المهملة، وكأن الأدمة يسير سوادٍ يضرب إلى الحمرة، وهو غالب ألوان العرب. ولهذا جاء في أخرى في وصف عيسى: إنه أحمر مكان آدم وعلى هذا يجتمع ما في الروايتين. وقد روى البخاري من رواية أبي هريرة في صفة عيسى: أنه أحمر، كأنما خرج من ديماس (٢)، وقد أنكر ابن عمر هذا وحلف أن النبي ﷺ لم يقله.
واللمة بكسر اللام: الشعر الواصل إلى المنكب، كأنه ألمّ به؛ أي: نزل. والجُمة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن، وهو أيضا الوفرة. والرَّجِلُ: فوق السبط ودون الجعد، وهو الذي فيه يسير تكسُّر. والجعد الكثير التكسر والتقبّض. والقطط - بفتح الطاء وكسرها -: هو الشديد الجعودة الذي لا يطول إلا إذا جبذ، كشعور غالب السودان، وهو من وصف الدجّال.
و(قوله: يقطر رأسه ماءً) يعني: أنه قريب عهد بغسل، وكأنه اغتسل للطواف. وفي الرواية الأخرى: ينطف، ومعناه. يقطر. وفي رواية: قد رجّلها أي: مشّطها، وشعر مرجّل؛ أي: ممشوط مسرّح. والشعر الرَّجِل منه.
стр. 395
مَنكِبَي رَجُلَينِ، يَطُوفُ بِالبَيتِ، فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧ و ١٣١)، والبخاري (٣٤٣٩) و (٧٤٠٧)، ومسلم (١٦٩).
* * *
(٥٨) باب هل رأى محمد ﷺ ربه ؟
١٧٧ - [١٣٨] عَن مَسرُوقٍ؛ قَالَ: كُنتُ مُتَّكِئًا عِندَ عَائِشَةَ، فَقَالَت: يَا أَبَا
ــ
(٥٨) ومن باب هل رأى محمد ﷺ ربّه؟
(قول عائشة للذي سألها عن رؤية النبي ﷺ ربّه: لقد قفّ شعري لِما قلت) أي: قام من الفزع. قال أبو زيد: قفّ الرجل من البرد قفّةً، والقفوف. القشعريرة. قال الخليل بن أحمد: القفقفة. الرعدة. قال ابن الأعرابي: تقول العرب عند إنكار الشيء. قفّ شعري واقشعرّ جلدي واشمأزّت نفسي.
واختلف قديمًا وحديثًا في جواز رؤية الله تعالى، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأهل السلف والسنة على جوازها فيهما ووقوعها في الآخرة، ثم هل رأى نبينا ﷺ ربّه أم لا؟ اختلف في ذلك السلف والخلف، فأنكرته عائشة وأبو هريرة وجماعة من السلف، وهو المشهور عن ابن مسعود، وإليه ذهب (١) جماعة من المتكلمين والمحدثين. وذهبت طائفة أخرى من السلف إلى
стр. 396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوعه وأنه رأى ربّه بعينيه، وإليه ذهب ابن عبّاس، وقال: اختُصّ موسى بالكلام وإبراهيم بالخلّة ومحمد ﷺ بالرؤية. وأبو ذرّ وكعب (١) والحسن وأحمد بن حنبل. وحُكي عن ابن مسعود وأبي هريرة في قول لهما آخر، ومثل ذلك حُكي عن أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه.
وذهبت طائفة من المشايخ إلى الوقف (٢)، وقالوا: ليس عليه قاطع نفيًا ولا إثباتًا، ولكنه جائز عقلاً، وهذا هو الصحيح؛ إذ رؤية الله تعالى جائزة كما دلّت عليها الأدلة العقلية والنقلية، فأما العقلية، فتعرف في علم الكلام. وأما النقلية فمنها سؤال موسى رؤية ربه، ووجه التمسّك بذلك علم موسى بجواز ذلك، ولو علم استحالة ذلك، لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك؛ إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة، وانتهائه إلى أن يصطفيه الله على الناس، وأن يُسمعه كلامه بلا واسطة، جاهلاً بما يجب لله تعالى ويستحيل عليه ويجوز، ومجوز هذا كافر.
ومنها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ووجه التمسك بها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه تعالى في الدار الآخرة، وإذا جاز أن يروه فيها، جاز أن يروه في الدنيا؛ لتساوي الوقتين بالنظر إلى الأحكام العقلية.
ومنها: ما تواترت جملته في صحيح الأحاديث من أخباره ﷺ لوقوع ذلك؛ كرامةً للمؤمنين في الدار الآخرة، فهذه الأدلة تدلّ على جواز رؤية الله تعالى في الدار الآخرة والدنيا. ثم هل وقعت رؤية الله تعالى لمحمد ﷺ ليلة الإسراء أو لم تقع؟ ليس في ذلك دليل قاطع، وغاية المستدل على نفي ذلك أو إثباته التمسّك
стр. 397
عَائِشَةَ! ثَلاثٌ مَن تَكَلَّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنهُنَّ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. قُلتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَت: مَن زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. قَالَ: وَكُنتُ مُتَّكِئًا فَجَلَستُ، فَقُلتُ: يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ! أَنظِرِينِي وَلا تَعجَلِيني. أَلَم يَقُلِ اللهُ : وَلَقَد رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ، وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى. فَقَالَت: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَن ذَلِكَ رسولَ الله ﷺ فقال: إِنَّمَا هو جِبرِيلُ، لَم أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيهَا غَيرَ هَاتَينِ المَرَّتَينِ، رَأَيتُهُ مُنهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ، سَادًّا عِظَمُ خَلقِهِ مَا
ــ
بظواهر متعارضة معرضة للتأويل، والمسألة ليست من باب العمليات، فيكتفى فيها بالظنون، وإنما هي من باب المعتقدات، ولا مدخل للظنون فيها؛ إذ الظنّ من باب الشك؛ لأن حقيقته تغليب أحد المُجَوَّزَين، وذلك يناقض العلم والاعتقاد.
واختلفوا أيضا هل كلّم محمد ﷺ ربّه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟ فذهب ابن مسعود وابن عبّاس وجعفر بن محمد وأبو الحسن الأشعري في طائفة من المتكلمين إلى أنه كلّم الله بغير واسطة (١)، وذهبت جماعة إلى نفي ذلك. والكلام على هذه المسألة كالكلام على مسألة الرؤية سواء.
و(قول عائشة: فقد أعظم الفِرية على الله تعالى) الفرية هي الافتراء، وهو اختلاق الكذب وما يقبُح التحدّث به.
و(قوله تعالى: بِالأُفُقِ المُبِينِ) الأفق: الجانبُ والناحية، وجمعه آفاقٌ، ويقال: أفق بضم الفاء وسكونها. والمبين: البيّن الواضح. والضمير في وَلَقَد رَآهُ عائد إلى رسولٍ، وهو جبريل. وكذلك في قوله: وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى وقد روت ذلك عائشة مرفوعًا مفسّرا على ما يأتي،
стр. 398
بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ. فَقَالَت: أولَم تَسمَع أَنَّ اللهَ يَقُولُ: لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ وَهُوَ يُدرِكُ الأَبصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ. أولَم تَسمَع أَنَّ اللهَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحيًا أَو مِن وَرَاءِ
ــ
فلا يلتفت إلى ما يقال في الآية غير هذا. وأما استدلال عائشة بقوله تعالى: لَا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ ففيه بُعد؛ إذ قد يقال بموجبه، إذ يفرق بين الإدراك والإبصار، فيكون معنى لا تدركه لا تحيط به، مع أنها تبصره، قاله سعيد بن المسيب. وقد بقيَ الإدراك مع وجود الرؤية في قول الله تعالى: فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمعَانِ قَالَ أَصحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدرَكُونَ قَالَ كَلَّا؛ أي: لا يدركونكم. وأيضًا فإن الإبصار عموم وهو قابل للتخصيص، فيخصص بالكافرين، كما قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجُوبُونَ ويُكرَّم المؤمنون أو من شاء الله منهم بالرؤية، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وبالجملة فالآية ليست نصا ولا من الظواهر الجلية، فلا حجة فيها.
واللطيف الكثير اللطف، وهو في حق الله تعالى رفقُه بعباده وإيصاله لهم ما يصلحهم بحيث لا يشعرون، كما قال: إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ وأصله من اللطف في العمل وهو الرفق فيه، وضده العنف، والاسم منه اللطَف بتحريك الطاء، يقال: جاءتنا لطَفَةٌ من فلان؛ أي: هدية. والخبير العليم بخبرة الأمور؛ أي: ببواطنها وما يختبر منها، يقال: صدَّق الخَبر الخُبر بضم الخاء، ومنه قول أبي الدرداء. وجدت الناس اخبرُ تَقلِه (١).
وأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا﴾
стр. 399
حِجَابٍ أَو يُرسِلَ رَسُولًا إلى قَولِهِ: عَلِيٌّ حَكِيمٌ؟ قَالَت: وَمَن زَعَمَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَتَمَ شَيئًا مِن كِتَابِ اللهِ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ، وَاللهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ. قَالَت: وَمَن زَعَمَ أَنَّهُ يُخبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَد أَعظَمَ عَلَى اللهِ الفِريَةَ. وَاللهُ يَقُولُ: قُل لَا يَعلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الغَيبَ إِلَّا اللَّهُ.
ــ
فلا حجة فيه على نفي الرؤية؛ إذ يقال بموجبها، فإن مقتضاها نفي كلامِ الله على غير هذه الأحوال الثلاثة، وإنما يصلح أن يستدل بها على نفي تكليم الله تعالى لمحمد ﷺ مشافهةً على ضعفٍ في ذلك لا يخفى على متأمّل، بل قد استدل بعض المشايخ بهذه الآية على أن محمدا رأى ربه وكلّمه دون واسطة، فقال: هي ثلاثة أقسام. من وراء حجاب، كتكليم موسى، وبإرسال الملائكة، كحال جميع الأنبياء. ولم يبق من تقسيم المكالمة إلا كونها مع المشاهدة، وهذا أيضا فيه نظر.
و(قوله تعالى: ﴿فَيُوحِيَ بِإِذنِهِ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: بأمره، كما قال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشفَعُ عِندَهُ إِلا بِإِذنِهِ﴾ وفي يوحي ضمير يعود على الرسول، وفي يَشَاءُ ضمير يعود على الله تعالى، ومعناه. فيُلقي الرسول إلى الموحَى إليه ما يشاؤه الله تعالى. والعَلِيّ ذو العلو، وهو الرفعة المعنويَّة في حقّه تعالى لا المكانيّة. والحكيم المُحكِم الأمور، أو الكثير الحكمة. ومعنى مساق الآية. أنّه تعالى مُنزَّه عن أن يتَنزل كلامَهُ أسماعُ كلّ السامعين، بل يُحكِمُ الله كيفية إيصاله إلى النبيّين والمرسلين.
стр. 400
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ، قالت: وَلَو كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ كَاتِمًا شَيئًا مِمَّا أَنزَلَ اللهُ عَلَيهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخفِي فِي نَفسِكَ مَا اللَّهُ مُبدِيهِ وَتَخشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخشَاهُ.
رواه البخاري (٤٨٥٥)، ومسلم (١٧٧)، والترمذي (٣٠٧٠).
ــ
وقولها: ولو كان محمّد كاتمًا شيئًا لكتم هذه الآية: وَإِذ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنعَمتَ عَلَيهِ أَمسِك عَلَيكَ زَوجَكَ، قد اجترأ بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية ونسب إلى رسول الله ﷺ ما لا يليق به ويستحيل عليه؛ إذ قد عصمه الله منه، ونزّهه عن مثله، فقال: إن النبي ﷺ هَوِيَ زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المُجّان لفظ عشق. ثم جاء زيد يريد تطليقها، فقال له: أمسك عليك زوجك واتَّقِ الله، وهو مع ذلك يحبُّ أن يطلقها ليتزوجها. وهذا القول إنما يصدر عن جاهل بعصمته ﵊ عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته. والذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين أن ذلك القول الشنيع ليس بصحيح، ولا يليق بذوي المروءات، فأحرى بخير البريات، وأن تلك الآية إنما تفسيرها ما حكي عن علي بن حسين: أن الله تعالى أعلم نبيه بكونها زوجةً له، فلما شكاها زيدٌ له وأراد أن يطلقها، قال له: أمسك عليك زوجَك واتَّقِ الله، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به مما هو مبديه بطلاق زيدٍ لها وتزويج النبي ﷺ لها. ونحوه عن الزهري والقاضي بكر بن العلاء القشيري وغيرهم.
والذي خشيه النبي ﷺ إنما هو إرجاف المنافقين، وأنه نَهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه، ومساق الآية يدل على صحة هذا الوجه بقوله تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ولو كان ما ذكر أولئك، لكان فيه أعظم الحرج ولقوله: لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى المُؤمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزوَاجِ أَدعِيَائِهِم إِذَا قَضَوا مِنهُنَّ وَطَرًا وبالله التوفيق.
стр. 401
[١٣٩] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ؛ وَأَبِي هُرَيرَةَ؛ فِي تَفسير: وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى: أنَّهُ جِبرِيلُ.
رواه مسلم (١٧٣) عن ابن مسعود، و (١٧٥) عن أبي هريرة.
[١٤٠] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ: مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى، وَلَقَد رَآهُ نَزلَةً أُخرَى قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَينِ.
رواه مسلم (١٧٦)، والترمذي (٣٢٧٥) و (٣٢٧٦) و (٣٢٧٧).
[١٤١] وَعَن أَبِي ذَرٍّ؛ قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله ﷺ : هَل رَأَيتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيتُ نُورًا.
رواه مسلم (١٧٨)، والترمذي (٣٢٧٨).
ــ
و(قوله ﵊: نور أَنَّى أراه) هكذا رويناه وقيدناه برفع نور وتنوينه، وفتح أَنَّى التي بمعنى كيف الاستفهامية، ورواية من زعم أنه رواه: نورٌ إني ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل، ولعلها تصحيف. وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى، حيث قال: رأيت نورًا، ورفع نور على فعل مضمر تقديره: غلبني نورٌ، أو حجبني نورٌ.
وأَنَّى أراه استفهام على جهة الاستبعاد؛ لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس، فإنه يُعشي البصر، ويحيره (١) إذا حدّق نحوه، ولا يعارض هذا: رأيتُ نورًا، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه، ثم غلب عليه بعد، فضعُف عنه بصره. ولا يصح أن يُعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة ممن قال: هو نور لا كالأنوار؛ لأن النور لون قائم بالهواء، وذلك على الله تعالى محال عقلاً ونقلا.
стр. 402
[١٤٢] وَعَن أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِخَمسِ
ــ
فأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا، لجاز عليه ما يجوز عليهما، ويلزم تغيّره وحدثُه. وأما النقل فقوله تعالى: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلاً له.
وقول هذا (١) القائل: جسم لا كالأجسام، أو نور لا كالأنوار متناقض، فإن قوله: جسم أو نور، حاكم عليه بحقيقة ذلك، وقوله: لا كالأجسام يعني لما أثبته من الجسمية والنورية، وذلك متناقض، فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصفٌ آخر ينفرد به، لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص؛ إذ الأعمّ من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنطقية، وتتميم هذا في علم الكلام.
و(قول ابن عباس: أنه ﵊ رآه بفؤاده مرتين) الفؤاد: القلب. ولا يريد بالرؤية هنا: العلم، فإنه ﵊ (٢) كان عالِمًا بالله على الدوام، وإنما أراد أن الرؤية التي تخلق في العين خلقت للنبي ﷺ في القلب. وهذا على ما يقوله أئمتنا: إن الرؤية لا يُشترط لها محل مخصوص عقلا، بل يجوز أن يخلق في أي محل كان، وإنما العادة جارية بخلقها في العين. وقول ابن عباس هذا خلاف ما حكيناه عنه من أنه رآه بعينه.
ولا يبعد الجمع بينهما في مذهبه، فيقول: إنه رآه بقلبه وعينه. فأما اسم الله تعالى: النور، فمعناه أنه هادٍ من ظلمات الجهالات، كما أن النور المحسوس هادٍ في محسوس الظلمات. وقيل: معناه أنه منوّر السماوات والأرض وخالق الأنوار فيهما.
стр. 403
كَلِمَاتٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ، وَلا يَنبَغِي لَهُ أَن يَنَامَ، يَخفِضُ القِسطَ
ــ
و(قوله: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام) النوم عليه محال؛ لأن النوم موت، كما قال ﷺ حين سئل عن نوم أهل الجنة، فقال: النوم أخو الموت (١)، والجنة لا موت فيها، وأيضًا فإن النوم راحة من تعب التصرف، وذلك من تعب الأجسام.
و(قوله: يخفض القسط ويرفعه) قال ابن قتيبة: القِسط: الميزان، وسمي بذلك؛ لأن القسط هو العدل، وذلك إنما يحصل ويُعرف بالميزان في حقوقنا، وأراد به هاهنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم الواصلة إليهم، كما قال الله تعالى: وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعلُومٍ.
والقسطاس - بضم القاف وكسرها -: هو أقوام الموازين، وقيل: أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق، يخفضه فيقتره، ويرفعه فيوسّعه. وقيل: إن القسط هو العدل نفسُهُ، ويراد به الشرائع والأحكام، كما قال الله تعالى: لَقَد أَرسَلنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنزَلنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسطِ؛ أي: النصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله: إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ فتارة يرفعه بمعنى: يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به، وتارة يخفضه بمعنى أنّه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها. ويحتمل أن يكون رفعها: قبضها، كما قال ﵊ في الأمانة: إنها ترفع من القلوب (٢)، وكما قال: أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون منه الصلاة (٣)، بل كما قال:
стр. 404
وَيَرفَعُهُ، يُرفَعُ إِلَيهِ عَمَلُ اللَّيلِ قَبلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبلَ عَمَلِ اللَّيلِ، حِجَابُهُ النُّورُ. . . . . . . . .
ــ
عليكم بالعلم قبل أن يرفع (١)، وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها، والله أعلم.
و(قوله: يرفع إليه عمل النهار قبل الليل) يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم، فترفعه في آخره لقرب الليل، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار، ولذلك جاء في الرواية الأخرى: يرفع إليه عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل، فجعل الباء مكان قبل. وهذا الحديث كقوله: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار (٢). والهاء في إليه عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد، ولعلّه سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء. وهذا كما تقول: رفع المال إلى الملك؛ أي إلى خزائنه. وعلى هذا يحمل قوله تعالى: إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ.
و(قوله: تَعرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ) أي: مقاماتهم في حضرته، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل؛ لئلا يتخيل الجاهل أنه مختصّ بجهة فوق فيلزمه التجسيم، ويكفيك مما يدل على نفي الجهة في حقه تعالى: وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم وما في معناه.
و(قوله: حجابه النور أو النار) الحجاب: هو المانع والساتر، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملكٍ
стр. 405
وَفِي رِوَايَةٍ: النَّارُ، لَو كَشَفَه لأَحرَقَت سُبُحَاتُ وَجهِهِ مَا انتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِن خَلقِهِ.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٥ و ٤٠٥)، ومسلم (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٦).
* * *
ــ
واختراع (١)، أو إضافة تشريف، والمحجوب به العباد. وهو النور الذي بهر بصر النبي ﷺ ، حيث قال: نورٌ أَنَّى أراه، وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى: فغشيها ألوان لا أدري ما هي. وأما البارئ تعالى، فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب؛ إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا، فيحتاج إلى مُقدّر ومخصّص، ويلزم منه حدوثه. وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل؛ كالجسم الكثيف والشديد النور.
و(قوله: لو كشفها) الضمير عائد على النار أو الأنوار، والحجاب؛ بمعنى: الحجب، والسبحات جمع سُبحة، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه، ثم يُعبّر عنها عن العظمة والجلال، وفي العين والصِحاح: سبُحات وجه ربّنا جلاله. والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال، وهو الذي عاد عليه ضمير وجهه، وكذلك ضمير خلقه.
ومعنى الكلام: أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته، ولهلكوا من عند آخرهم، كما قال الله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا. ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها، فإذا أنشأهم الله للبقاء وقوّاهم، حملوا ذلك.
وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا، لا سيما من قال: إن الهاء في وجهه تعود على المخلوق، فإنه يحيل مساق الكلام ويُخلّ بالمعنى. والأشبه ما ذكرناه، أو التوقف كما قال السلف: اقرؤوها كما جاءت)، يعنون المشكلات، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
стр. 406
(٥٩) باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
[١٤٣] عَن أَبِي بَكرِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ، عَن أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: جَنَّتَانِ مِن فِضَّةٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِن ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَينَ القَومِ وَبَينَ أَن يَنظُرُوا إِلَى رَبِّهِم إِلا رِدَاءُ الكِبرِيَاءِ عَلَى وَجهِهِ،
ــ
(٥٩) ومن باب ما جاء في رؤية الله تعالى في الدار الآخرة
(قوله: ما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكِبرياء على وجهه) الرداء هُنا: استعارة كَنى بها عن كبريائه وعظمته، كما قال في الحديث الآخر: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري (١) وليست العظمة والكبرياء من جنس الثياب المحسوسة، وإنّما هي توسُّعات، ووجه المناسبة أنّ الرداء والإزار لَمّا كانا ملازمين للإنسان مخصوصين به لا يشاركه فيهما غيره، عبّر عن عظمة الله وكبريائه بهما؛ لأنّهما ممّا لا يجوز مشاركة الله فيهما. ألا ترى آخرَ الحديث: فمن نازَعَني واحدًا منهما قَصَمتُه ثمّ قذفتُه في النار.
ومعنى حديث أبي موسى أنّ مقتضى جَبَرُوت الله تعالى وكبريائه وعزّته واستغنائه ألا يراه أحدٌ ولا يعبأ بأحد ولا يلتفت إليه، لكن لطفه وكرمه بعباده المؤمنين ورحمته لهم، وعوده عليهم، يقتضي أن يمنّ عليهم بأن يُريهم وجهه؛ إبلاغًا في الإنعام وإكمالاً للامتنان، فإذا كشف عنهم الموانع وأراهم وجهه الكريم، فقد فعل معهم خلاف مقتضى الكبرياء، فكأنه قد رفع عنهم حجابًا يمنعهم.
стр. 407
فِي جَنَّةِ عَدنٍ.
رواه أحمد (٤١١)، والبخاري (٤٨٧٨) و (٧٤٤٤)، ومسلم (١٨٠)، والترمذي (٢٥٣٠)، وابن ماجه (١٨٦).
[١٤٤] وَعَن صُهَيبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ أهلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ ﵎: تُرِيدُونَ شَيئًا أَزِيدُكُم؟ فَيَقُولُونَ: أَلَم تُبَيِّض وُجُوهَنَا؟ أَلَم تُدخِلنَا الجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعطُوا شَيئًا أَحَبَّ إِلَيهِم مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِم.
ــ
ووجه الله تعالى هل هو عبارة عن وجوده المقدّس، أو عن صفة شريفة عظيمة معقولة؟ في ذلك، لأئمتنا قولان، وكذلك القول في اليد والعين والجنب المضافة إلى الله تعالى.
و(قوله: في جنة عدن) متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم، فكأنه قال: كائنين في جنة عدن، ولا يكون من الله تعالى؛ لاستحالة المكان والزمان عليه.
و(قول من يسأله الله من أهل الجنة بقوله: هل تريدون شيئًا أزيدكم؟ ألم تبيضَّ وجوهُنا وتدخلنا الجنّة وتنجِنا من النار؟ ) لا يليق بمن مات على كمال المعرفة والمحبة والشوق، وإنما يليق ذلك بمن مات بين الخوف والرجاء، فلما حصل على الأمن من المخوف والظفر بالمرجو الذي كان تَشَوُّقه إليه، قنِع به، ولها عن غيره. وأما من مات محبًّا لله مشتاقًا لرؤيته، فلا يكون همّه، إلا طلب النظر لوجهه الكريم لا غير. ويدلّ على صحة ما قلته أن المرء يحشر على ما يموت عليه كما علم من الشريعة، بل أقول: إن من مات مشتاقًا لرؤية الله تعالى لا ينبّه بالسؤال، بل يعطيه أمنيته ذو الفضل والإفضال، ومذهب أهل السنة بأجمعهم: أن الله تعالى ينظر إليه المؤمنون في الآخرة بأبصارهم، كما نطق بذلك الكتاب، وأجمع
стр. 408
وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ.
رواه أحمد (٤/ ٣٣٢ و ٣٣٣)، ومسلم (١٨١)، والترمذي (٢٥٥٥)، وابن ماجه (١٨٧).
[١٤٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ نَاسًا قَالُوا لِرَسُولِ اللهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَل تُضَارُّونَ فِي رؤية القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ؟ قَالُوا: لا، يَا رسولَ الله! قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي الشَّمسِ لَيسَ
ــ
عليه سلف الأمة (١)، ورواه بضعة عشر من الصحابة عن النبي ﷺ . ومنع ذلك فِرَقٌ من المبتدعة منهم المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة؛ بناءً منهم على أن الرؤية يلزمها شروط اعتقدوها عقلية، كاشتراط البنية المخصوصة والمقابلة، واتصال الأشعة، وزوال الموانع من القرب المفرط والبعد المفرط والحجب الحائلة في خبط لهم وتحكم. وأهل الحق لا يشترطون شيئًا من ذلك عقلاً سوى وجود المرئيّ، وأنّ الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي، فيرى المرئي لكن يقترن بالرؤية بحكم جريان العادة أحوال يجوز في العقل شرعا تبدلها، والله أعلم، وتفصيل ذلك وتحقيقه في علم الكلام.
و(قوله: هل تضارّون) يُروى بضم التاء وفتحها وتشديد الراء وبتخفيفها، وضم التاء والتشديد أكثر، وكلها له معنى صحيح، ووجه الأكثر أنه مضارع مبني لما لم يسمَّ فاعله. أصله تضاررون، أسكنت الراء الأولى وأدغِمت في الثانية. وأصل ماضيه ضورر، ويجوز أن يكون مبنيًّا للفاعل بمعنى: تُضارِرون، بكسر الراء، إلاّ أنّها سكنت الراء وأدغمت. وكلّه من الضرّ المشدّد. وأمّا التخفيف، فهو من ضاره، يضيره، ويضوره ضيرًا مخفّفةً، فإذا بُني لما لم يُسمَّ فاعله، قلت فيه:
стр. 409
دُونَهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. قَالَ: فَإِنَّكُم تَرَونَهُ كَذَلِكَ؛ يَجمَعُ اللهُ النَّاسَ
ــ
يُضَار مخفَّفة، وأمّا رواية فتح التاء، فهي مبنيّة للفاعل بمعنى تتضارون، وحُذِفت إحدى التاءين؛ استثقالا لاجتماعهما، ومعنى هذا اللفظ: أن أهل الجنة إذا امتنّ الله عليهم برؤيته سبحانه تجلّى لهم ظاهرًا، بحيث لا يحجب بعضهم بعضًا ولا يضره ولا يزاحمه ولا يجادله، كما يفعل عند رؤية الأهلّة، بل كالحال عند رؤية الشمس والقمر ليلة تمامه.
وقد حُكي: ضاررته مضارة؛ إذا خالفته، وقد رُوي: تضامّون بالميم. والقول فيه روايةً ومعنًى كالقول في تضارون، غير أن تضامّون بالتشديد من المضامّة، وهي الازدحام؛ أي: لا تزدحمون عند رؤيته تعالى كما تزدحمون عند رؤية الأهلّة. وأما بالتخفيف، فمن الضيم، وهو الذل؛ أي: لا يذلّ بعضكم بعضا بالمزاحمة والمنافسة والمنازعة.
و(قوله: فإنكم ترونه كذلك) هذا تشبيه للرؤية ولحالة الرائي، لا المرئي. ومعناه: أنكم تستوون في رؤية الله تعالى من غير مضارّة ولا مزاحمة، كما تستوون في رؤية الشمس والبدر عِيانًا، وقد تأوّلت المعتزلة الرؤية في هذه الأحاديث بالعلم، فقالوا: إن معنى رؤيته تعالى أنه يُعلم في الآخرة ضرورة. وهذا خطأ لفظًا ومعنى.
وأما اللفظ: فهو أنّ الرؤية بمعنى العلم تتعدّى إلى مفعولين، ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، وهي قد تعدّت هنا إلى مفعول واحد، فهي للإبصار، ولا يصحّ أن يقال: إن الرؤية بمعنى المعرفة؛ لأن العرب لم تستعمل رأيت بمعنى عرفت، لكن بمعنى علمت أو أبصرت، واستعملت علمت بمعنى عرفت، لا رأيت بمعنى عرفت.
وأما المعنى، فمن وجهين:
أحدهما: أنه ﵊ شبّه رؤية الله تعالى بالشمس، وذلك التشبيه لا يصح إلا بالمعاينة.
стр. 410
يَومَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَن كَانَ يَعبُدُ شَيئًا فَليَتَّبِعهُ، فَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ الشَّمسَ الشَّمسَ، وَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتَّبِعُ مَن كَانَ يَعبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأتِيهِمُ اللهُ ﵎ فِي صُورَةٍ غَيرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ
ــ
وثانيهما: أن الكفّار يعلمونه تعالى في الآخرة بالضرورة، فترتفع خُصوصية المؤمنين بالكرامة وبلذة النظر، وذلك التأويل منهم تحريف حملهم عليه ارتكاب الأصول الفاسدة.
والطواغيت جمع طاغوت، وهو الكاهن والشيطان وكل رأسٍ في الضلال، والمراد به في الحديث الأصنام. ويكون واحدًا، كقوله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَد أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ وقد يكون جمعًا، كقوله تعالى: أَولِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجُونَهُم. وطاغوت وإن جاء على وزن لاهوت، فهو مقلوب؛ لأنه من طغى، ولاهوت غير مقلوب؛ لأنه من لاهٍ، بمنزلة الرغبوت والرهبوت والرحموت، قاله في الصحاح.
و(قوله: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، ظنّ المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم وينجيهم كما نفعهم في الدنيا، جهلا منهم بأن الله تعالى عالم بهم، ومطلع على ضمائرهم. وهذا كما قد أقسمت طائفة من المشركين أنهم ما كانوا مشركين، توهمًا منهم أنّ ذلك يُنجيهم. ويحتمل أن يكون حشرهم مع المسلمين لِما كانوا يُظهرونه من الإسلام، فحفظ عليهم ذلك، حتّى يميِّز الله الخبيث من الطيّب. ويحتمل أنّه لمّا قيل: تتّبعَ كلُّ أمّةٍ ما كانت تعبدُ، فاتّبع الناس معبوداتِهم، ولم يكونوا عبدوا شيئًا، فبقوا هنالك حتّى مُيِّزوا ممّن كان يعبد الله.
و(قوله: فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) هذا المقام مقام هائل يمتحن الله تعالى فيه عبادَه؛ ليُميِّز المُحِقّ من المُبطِل، وذلك أنّه لمّا بقي المنافقون والمُراءون متلبّسين بالمؤمنين والمخلصين، زاعمين أنّهم منهم، وأنّهم
стр. 411
مِنكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفنَاهُ، فَيَأتِيهِمُ اللهُ فِي
ــ
عملوا مثل أعمالهم وعرفوا اللهَ مثل معرفتهم، امتحنهم الله بأن أتاهم بصورة هائلة قالت للجميع: أنا ربُّكم، فأجاب المؤمنون بإنكار ذلك، والتعوُّذ منه؛ لما قد سبق لهم من معرفتهم بالله تعالى، وأنّه منزَّه عن صفات هذه الصورة؛ إذ سماتها سمات المُحدَثات، ولذلك قال في حديث أبي سعيد: فيقولون نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا مرّتين أو ثلاثًا، حتّى إنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب. وهذا البعض الذي همّ بالانقلاب لم يكن لهم رسوخ العلماء ولا ثبوت العارفين، ولعلّ هذه الطائفة هي التي اعتقدت الحق، وجزمت عليه من غير بصيرة، ولذلك كان اعتقادهم قابلاً للانقلاب. ثم يقال بعد هذا للمؤمنين: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقٍ؛ أي: يوضح الحقّ ويتجلّى لهم الأمر، فيرونه حقيقة معاينة.
وكشف الساقِ: مَثَلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حقّ ووضح واستقر، تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها، إذا زالت مخارقها (١) وحقّت حقائقها، وقال (٢):
وكنتُ إذا جاري دَعا لِمَضُوفةٍ ... أُشَمِّرُ حتى يَنصُفَ الساقَ مِئزَري
وعند هذا يسجد الجميع، فمن كان مخلصًا في الدنيا، صحّ له سجوده على تمامه وكماله، ومن كان منافقًا أو مرائيًا، عاد ظهره طبقةً واحدةً، كلما رام السجود، خرّ على قفاه. وعند هذا الامتحان يقع امتياز المحقّ من المبطل، فعلى هذا تكون الصورة التي لا يعرفونها مخلوقة.
والفاء التي دخلت عليها بمعنى الباء، ويكون معنى الكلام: إن الله تعالى يجيئهم بصورة، كما قيل في قوله تعالى: هَل يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ أي: بظلل. ويكون معنى الإتيان
стр. 412
صُورَتِهِ الَّتِي يَعرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم، فَيَقُولُونَ: أَنتَ رَبُّنَا، فَيَتَّبِعُونَهُ،
ــ
هنا: يحضر لهم تلك الصورة. وأما الصورة الثانية التي يعرفون عندما يتجلّى لهم الحقّ، فهي صفته تعالى التي لا يشاركه فيها شيء من الموجودات، ولا يشبهه بشبهها شيء من المصوّرات. وهذا الوصف هو الذي كانوا قد عرفوه في الدنيا، وهو المعبّر عنه بـ: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، ولذلك قالوا: إذا جاء ربّنا عرفناه. وفي حديث آخر يقال: وكيف تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير. ولا يستبعد إطلاق الصورة بمعنى الصفة، فمن المتداول أن يقال: صورة هذا الأمر كذا؛ أي: صفته.
والإتيان والمجيء المضاف إلى الله تعالى ثانيًا هو عبارة عن تجليه لهم، فكأنه كان بعيدًا فقرُبَ، أو غائبًا فحضر. وكل ذلك خطابات مستعارة جارية على المتعارف من توسعات العرب، فإنهم يسمّون الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو قاربه، أو كان منه بسبب.
و(قوله في حديث أبي سعيد (١): ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة) يعني: أن المؤمنين إذا رفعوا رؤوسهم، رأوا الحقّ مرة ثانية؛ إذ كانوا قد رأوه حالة قولهم: أنت ربنا، قبل السجود.
والتحوّل المنسوب إلى الله تعالى هنا عبارة عن إزالة تلك الصورة الأولى المتعوّذ منها، وعن إظهاره تعالى وجوده المقدّس للمؤمنين، فيكون قوله: وقد تحوّل حالاً متقدمة قبل سجودهم، بمعنى: وقد كان تحوّل؛ أي: حوّل تلك الصورة وأزالها، وتجلّى هو بنفسه، فيكون المراد بهذا الكلام. أن الحقّ سبحانه لمّا تجلّى لعباده المؤمنين أوّل مرة رأوه فيها لم يزل كذلك، لكنهم انصرفوا عن رؤيته عند سجودهم، ثم لَمّا فرغوا منه عادوا إلى رؤيته مرة ثانية.
و(قوله في حديث أبي هريرة الأول: فيتبعونه) أي: يتبعون أمره، كما
стр. 413
وَيُضرَبُ الصِّرَاطُ بَينَ ظَهرَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَن يُجِيزُ، وَلا
ــ
يقال: اتبعت فلانًا على رأيه، واتبعت أمره؛ أي: انقَدتُ إليه وامتَثَلتُه، فيكون من باب الاستعارة. ويجوز أن يكون من باب حذف المضاف؛ أي: يتبعون ملائكته ورسله الذين يسوقونهم إلى الجنة، فكأنهم يتقدّمون بين أيديهم دلالة وخدمة وتأنيسًا، والله تعالى أعلم.
تنبيه: اعلم أن الناس قد أكثروا في تأويلات هذه الأحاديث، فمِن مبعدٍ ومن محوّم، وما ذكرناه أحسنها وأقربها لمنهاج كلام العرب، ولأن يكون هو المراد. ومع ذلك فلا نقطع بأنه هو المراد. والتحقيق أن يقال: الله ورسوله أعلم. والتسليم الذي كان عليه السلف أسلم، لكن مع القطع بأن هذه الظواهر الواردة في الكتاب والسنة الموهمة للتجسيم والتشبيه يستحيل حملها على ظواهرها؛ لما يعارضها من ظواهر أخر، كما قرره أئمتنا في كتبهم، ولما دلّ العقل الصريح عليه، وقد أشرنا إلى نبذٍ من ذلك.
و(قوله: ثم يضرب الصراط بين ظهري جهنم) الصراط في اللغة: هو الطريق، وفيه لغات: الصاد والسين والزاي، وهو هنا: الطريق من أرض المحشر إلى الجنة، وهو منصوب على متن جهنم أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، وهو المسمى بالجسر في الحديث الآخر (١).
وجهنّم اسم من أسماء النار التي يُعذَّب بها في الآخرة. قال الجوهري: هو ملحقٌ بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، ولا ينصرف للتعريف والتأنيث، وهو فارسي معرَّب. وركية جِهِنَّامٌ؛ أي: بعيدة القعر.
و(قوله: فأكون أنا وأمتي أوّل من يُجيز) بضمّ أوّله رباعيًا من أجاز
стр. 414
يَتَكَلَّمُ يَومَئِذٍ إِلا الرُّسُلُ، وَدَعوَى الرُّسُلِ يَومَئِذٍ: اللهُمَّ! سَلِّم، سَلِّم. وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثلُ شَوكِ السَّعدَانِ، هَل رَأَيتُمُ السَّعدَانَ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رسولَ الله! قَالَ: فَإِنَّهَا مِثلُ شَوكِ السَّعدَانِ، غَيرَ أَنَّهُ لا يَعلَمُ مَا قَدرُ عِظَمِهَا إِلا اللهُ، تَخطَفُ النَّاسَ بِأَعمَالِهِم، فَمِنهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنهُمُ
ــ
أي: يمضي عليه ويقطعه، يقال: أجزت الوادي وجُزتُه لغتان فصيحتان. وحُكي عن الأصمعي أنه قال: أجزته قطعته، وجُزته مشيت فيه.
ويحتمل أن يقال: إن الهمزة في أجاز هنا للتعدية من قولهم: أجيزي صوفة؛ أي: أجزنا، وذلك أن صوفة كان رجلاً معظمًا في قريش يُقتدى به في مناسك الحج، فلا يجوز أحدٌ في شيء من مواقفه حتى يجوز، فكان الناس يستعجلونه فيقولون: أجِز صوفةُ؛ أي: ابتدِئ بالجواز حتّى نجوز بعدك، فكان يمنعهم بوقوفه ويجيزهم بجوازه، ثمّ بقي ذلك في ولده فقيل للقبيلة: أجيزي صوفة. فكذلك الرسول ﷺ وأمّته على الصراط، فلا يجوز أحد حتّى يجوز هو وأمّته، فكأنّه يجيز الناسَ. ودعوى الرسل دعاؤها، جاء بالمصدر مؤنّثًا.
و(قوله: يومئذٍ) إشارة إلى حين الجواز على الصراط، وإلا ففي وقت آخر تجادل كلّ نفس عن نفسها. والسَّعدان نبت كثير الشوك، شوكه كالخطاطيف والمحاجن.
و(قوله: لا يعلم ما قدر عظمها إلاّ الله) قيّدناه عن بعض شيوخنا برفع الراء على أن تكون ما استفهامًا خبرًا مقدَّمًا، وقدر مبتدأ، أو بنصبها على أن تكون ما زائدة، وقدر مفعول يعلم.
و(قوله: فمنهم الموبق بعمله) بالباء بواحدة من أسفل كذا للعذري، ومعناه: المُهلَك بعمله السيئ، وللطبري: الموثق بعمله بالثاء المثلثة من الوثاق، وللسمرقندي: المؤمن بقي بعمله وكلها صحيح، والأول أوضحها.
стр. 415
المُجَازَى حَتَّى يُنَجَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَينَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَن يُخرِجَ بِرَحمَتِهِ مَن أَرَادَ مِن أهل النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَن يُخرِجُوا مِنَ النَّارِ مَن كَانَ لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا مِمَّن أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَن يَرحَمَهُ، مِمَّن يَقُولُ: لا إِلهَ إِلا اللهُ، فَيَعرِفُونَهُم فِي النَّارِ، يَعرِفُونَهُم بِأَثَرِ السُّجُودِ؛ تَأكُلُ النَّارُ مِنِ ابنِ آدَمَ إِلا أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَن تَأكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ. فَيُخرَجُونَ مِنَ النَّارِ وقَدِ امتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيهِم مَاءُ الحَيَاةِ، فَيَنبُتُونَ مِنهُ كَمَا تَنبُتُ الحِبَّةُ
ــ
وروى العذري وغيره: ومنهم المخردل (١) مكان المجازى، ومعناه الذي تقطع الكلاليب لحمه، يقال: خردلت اللحم خراديل؛ أي: قطعته قطعًا، وهو بالدال المهملة. وحكى يعقوب أنه يقال بالذال المعجمة، وهو أيضًا بالخاء بواحدة من فوق، وقد قاله بعضهم بالجيم. والجردلة: الإشراف على الهلاك والسقوط فيه.
و(قوله: حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد) أي: تمم عليهم حسابهم وكمّله وفصل بينهم، لا أن الله يشغله شأن عن شأن، يعني: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وشفع كل من له شفاعة. ألا ترى قوله: وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار. واقتصاره على لا إله إلا الله، ولم يذكر معها الشهادة بالرسالة؛ إما لأنهما لما تلازمتا في النطق، اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، وإما لأنه لَمّا كانت الرسل كثيرين، ويجب على كل أحد أن يعرف برسالة رسوله، كان ذكر جميعهم يستدعي تطويلاً، فسكت عن ذكرهم؛ علمًا بهم واختصارًا لذكرهم، والله أعلم.
و(قوله: قد امتَحَشوا) صوابه بفتح التاء والحاء، ومعناه: احترقوا، يقال: امتحش الخبز؛ أي: احترق، ويقال: محشته النارُ وأمحشته، والمعروف:
стр. 416
فِي حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفرُغُ اللهُ مِنَ القَضَاءِ بَينَ العِبَادِ، وَيَبقَى رَجُلٌ مُقبِلٌ بِوَجهِهِ عَلَى النَّارِ، وهو آخِرُ أهل الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! اصرِف وَجهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَدعُو اللهَ
ــ
أمحشه. قال صاحب العين: وقد رواه بعضهم: امتُحِشوا مبنيًا لما لم يسم فاعله؛ أي: أُحرِقوا، والصواب الأول. والحُمم (١) الفحم، واحده حممة. والحِبة - بكسر الحاء -: نور العشب، والحَبة بفتحها: من الحنطة وغيرها مما يزرع.
وماء الحياة هو الذي من يشربه أو يطهر به لم يمت أبدًا. وحميل السيل ما يحمله من طين وغثاء، فإذا اتفق أن يكون فيه حبة، فإنها تنبت في يوم وليلة، وهي أسرع نابتة نباتا، فشبّه ﵊ سُرعة نبات أجسادهم بسرعة نبات تلك الحبة، وهذا معنى ما قاله الإمام أبو عبد الله (١). وبقي عليه من التشبيه المقصود بالحديث نوع آخر دلّ عليه ما في حديث أبي سعيد، حيث قال: ألا ترونها تكون إلى الحجر ما يكون منها إلى الشمس أصيفر وأخيضر، وما يكون منها إلى الظلّ يكون أبيض، وهو تنبيه على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي الجنة منهم يسبق إليه البياض المستحسن. وما يكون منهم إلى جهة النار، يتأخر ذلك النصوع عنه، فيبقى أصيفر وأخيضر إلى أن يتلاحق البياض ويستوي الحُسن والنور ونضارة النعمة عليهم. ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن ما يباشر الماء، تشتدّ سرعةُ نصوعه، وأنّ ما فوق ذلك يتأخر عنه البياض، لكنه يسري إليه سريعًا، والله أعلم.
و(قوله: ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد ثانيًا) يعني: يكمل خروجَ الموحدين من النار.
و(قوله: قَشَبني ريحها) أي: غيّر جلدي وصورتي وسوّدني وأحرقني، قاله الحربي. وقال الخطابي: قشبه الدخانُ، إذا (٢) ملأ خياشيمه وأخذ بكَظمه.
стр. 417
مَا شَاءَ أَن يَدعُوَهُ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ ﵎: هَل عَسَيتَ إِن فَعَلتُ ذَلِكَ بِكَ أَن تَسأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا أَسأَلُكَ غَيرَهُ، وَيُعطِي رَبَّهُ مِن عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ مَا شَاءَ الله، فَيَصرِفُ اللهُ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقبَلَ عَلَى الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَسكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ! قَدِّمنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيسَ قَد أَعطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ لا تَسأَلُنِي غَيرَ الَّذِي أَعطَيتُكَ؟ وَيلَكَ يَا ابنَ آدَمَ! مَا أَغدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! يَدعُو اللهَ تعالى حَتَّى يَقُولَ لَهُ: فَهَل عَسَيتَ إِن أَعطَيتُكَ ذَلِكَ أَن تَسأَلَ غَيرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ! فَيُعطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ الله مِن عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، انفَهَقَت لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الخَيرِ وَالسُّرُورِ، فَيَسكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَسكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدخِلنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: أَلَيسَ قَد أَعطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَلا تَسأَلَ
ــ
وقال الجوهري: قشبني يقشبني؛ أي: أذابني، كأنه قال: سمّني ريحه. قال: والقشيب السمُّ، والجمع أقشاب عن أبي عمرو. وذكاء النار شدة حرِّها بفتح الذال مقصور، وهو المشهور. وقد حكى أبو حنيفة اللغوي فيه المد، وخطأه علي بن حمزة، وقد روي هنا بالوجهين مقصورًا وممدودا.
و(قوله: انفهقت له الجنة) أي: اتسعت وانفتحت، والمتفيهِق: المتوسع في كلامه المتكلِّف فيه.
و(قوله: فيرى ما فيها من الخير كذا مشهور الرواية فيه (١)، وقد روي الحَبر بالحاء المهملة مفتوحة والباء بواحدة، وهي إفراط التنعم، ومنه: فَهُم فِي رَوضَةٍ يُحبَرُونَ؛ أي: يُنعمون ويسرّون. والحِبر بكسر الحاء الذي يكتب به والعالم والجمال، ومنه: ذهب حِبره وسِبره؛ أي: جماله وبهاؤه. ويقال في العالم بفتح الحاء.
стр. 418
غَيرَ مَا أُعطِيتَ؟ وَيلَكَ يَا ابنَ آدَمَ! مَا أَغدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! لا أَكُونُ أَشقَى خَلقِكَ، فَلا يَزَالُ يَدعُو اللهَ حَتَّى يَضحَكَ اللهُ مِنهُ، فَإِذَا ضَحِكَ اللهُ مِنهُ، قَالَ لَهُ: ادخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللهُ لَهُ: تَمَنَّه، فَيَسأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِنَّ اللهَ لَيُذَكِّرُهُ مِن كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انقَطَعَت بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ.
ــ
وقوله: فلا يزال يدعو الله حتى يضحكَ الله منه، فإذا ضحك الله منه قال له: ادخل الجنة، الضحك من خواص البشر، وهو تغيُّرٌ أوجَبَه سرورُ القلب بحصول كمال لم يكن حاصلاً قبل، فتثور من القلب حرارةٌ ينبسط لها الوجهُ، ويضيق عنها الفمُ، فينفتح، وهو التبسّم، فإذا زاد ولم يضبط الإنسان نفسه قهقه. وذلك كله على الله تعالى محال (١)، لكن لما كان دلالة عندنا على الرضا ومظهرًا له غالبًا، عُبّر عن سببه به، وقد قالوا: تضحك الأرض من بكاء السماء؛ أي: يظهر خيرها. وفي بعض الحديث: فيبعث الله سحابًا يضحك أحسن الضحك (٢) يعني: السحاب، ومنه قولهم:
. . . . . . . . . . . ... ضحك المشيب برأسه فبكى (٣)
وقال:
في طعنة تضحك عن نجيع
فالضحك في هذه المواضع بمعنى الظهور، فيكون معناه في هذا الحديث: أن الله تعالى رضي عن هذا العبد، وأظهر عليه رحمتَه وفضلَه ونعمته، ولهذا حمله قوم هنا على أنّه تجلّى لهذا العبد وظهر له.
و(قوله في الحديث الآخر: أتسخر مني؟ ) وفي رواية: أتستهزئ مني؟ (٤)،
стр. 419
قَالَ عَطَاءُ بنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ مَع أَبِي هُرَيرَةَ لا يَرُدُّ عَلَيهِ مِن حَدِيثِهِ شَيئًا، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أبو هُرَيرَةَ: إنَّ اللهَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ، قَالَ أبو سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: وَعَشَرَةُ أَمثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! قَالَ أبو هُرَيرَةَ: مَا حَفِظتُ إِلا قَولَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَمِثلُهُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشهَدُ أَنِّي حَفِظتُ مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَولَهُ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمثَالِهِ مَعَهُ. قَالَ أبو هُرَيرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أهل الجَنَّةِ دُخُولاً الجَنَّةَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٦٨)، والبخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢)، والترمذي (٢٥٥٧).
* * *
ــ
قد أكثر الناس في تأويله، ومن أشبه ما قيل فيه: إن هذا الرجل استخفّه الفرح وأدهشه، فقال ذلك غير ضابط لما يقول، كما جاء في الحديث الآخر في الذي وجد راحلته وقد أشرف على الهلاك من العطش والجوع: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، قال رسول الله ﷺ : أخطأ من شدّة الفرح (١).
وقيل: إنما قال هذا الرجل ذلك على جهة أنّه خاف أن يقابله على ما كان منه في الدنيا من التساهل في الطاعات والتشبه بأحوال الساخرين والمستهزئين، فكأنه قال: أتجازيني على ما كان مني؟ وهذا كما قال تعالى: اللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم، وسَخِرَ اللَّهُ مِنهُم؛ أي: يجازيهم جزاء استهزائهم وسخريتهم على أحد التأويلات.
و(قوله في حديث ابن مسعود: فيقول الله: يا ابن آدم ما يصريني منك؟ ) (٢) قال الحربي: إنّما هو: يصريك منّي، قال: يقال: صريتُ الشيء، إذا قطعتُه. الجوهريّ: صرى الله عنه شره: رفعه، وصريته: منعته، وصر قوله صريا: قطعه.
стр. 420
(٦٠) باب ما خُصَّ به نبينا محمد ﷺ من الشفاعة العامة لأهل المحشر
[١٤٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَومًا بِلَحمٍ، فَرُفِعَ إِلَيهِ الذِّرَاعُ وَكَانَت تُعجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنهَا نَهسَةً، فَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَومَ
ــ
(٦٠) ومن باب ما خصّ به نبينا ﷺ من الشفاعة العامة
(قوله (١): فنهس منها نهسة) النهس بالسين المهملة أخذ اللحم بمقدم الأسنان، وقد يقال عليه أيضًا نهش بالمثلثة (٢)، حكاه الجوهري، وقيل: النهش بالأضراس، قاله أبو العباس، وقال غيره: هو نثر (٣) اللحم.
و(قوله: أنا سيّد الناس) أي: المقدم عليهم. والسيّد هو الذي يسود قومه؛ أي: يفوقهم بما جمع من الخصال الحميدة، بحيث يلجأون إليه ويعوّلون عليه في مهماتهم، قال الشاعر (٤):
فإن كنتَ سيِّدَنا سدتَنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخِل
وقد تحقق كمال تلك المعاني كلها لنبيِّنا محمّد ﷺ في ذلك المقام الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون، ويشهد له بذلك النبيُّون والمرسلون. وهذه حكمة عرض الشفاعة على خيار الأنبياء، فكلّهم تبرّأ منها. ودلّ على غيره، إلى أن بلغت محلّها، واستقرَّت في نصابها.
ومحبّة رسول الله ﷺ للذراع؛ لنضج لحمها وسُرعة استمرائها وزيادة
стр. 421
القِيَامَةِ. وَهَل تَدرُونَ بِمَ ذلكَ؟ يَجمَعُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدنُو الشَّمسُ، فَيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَربِ مَا لا يُطِيقُونَ وَما لا يَحتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: أَلا تَرَونَ مَا أَنتُم فِيهِ؟ أَلا تَرَون مَا قَد بَلَغَكُم؟ أَلا تَنظُرُونَ مَن يَشفَعُ لَكُم إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: ائتُوا آدَمَ، فَيَأتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ،
ــ
لذتها، ولبعدها عن موضع الأثفال (١).
والصعيد المستوي من الأرض. الثرى هو التراب. ثعلب: هو وجه الأرض.
و(قوله: فيسمعهم الداعي وينفُذهم البصر) معناه: أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم. ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر، كقوله تعالى: يَومَ يَدعُو الدَّاعِي إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ.
و(قوله: خلقك الله بيده) اعلم أنّ الله تعالى منزّه عن يد الجارحة كما قد قدمناه. واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملُها على القدرة (٢)، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنّه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قلبه فيها، وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرّفه بالإضافة إليه، كما قال: بَيتِيَ. وقد قدّمنا أن التسليم في المشكلات أسلم.
و(قوله: ونفخ فيك من روحه) الروح هنا هو المذكور في قوله: تَنَزَّلُ
стр. 422
وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيتُهُ، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّنا، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن
ــ
المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ونَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ وشرّفه بالإضافة كما قال: ﴿فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ وهو جبريل على قول أكثر المفسرين؛ أي: كان كل واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا يلتفت إلى ما يقال غير هذا. وقد تقدم أنّ غضب الله عبارة عن انتقامه وحلول عذابه.
والشفاعة أصلها: الضم والجمع، ومنه ناقة شَفُوع، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضمُّ واحدٍ إلى واحدٍ. والشفعة ضمُّ ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال منفعةٍ إلى المشفوع له، وسيأتي ذكر أقسامها.
والشكور الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصل الشكر الظهور، ومنه دابة شَكور، إذا كانت يظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف، وأشكر الضرع، إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر، فكأنّ الشاكر يظهر القيام بحق المنعم، ولذلك قيل: الشكور هو: الذي ظهر منه الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة.
стр. 423
يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ.
وَإِنَّهُ قَد كَانَت لِي دَعوَةٌ دَعَوتُ بِهَا عَلَى قَومِي، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى إِبرَاهِيمَ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِن أهل الأَرضِ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد
ــ
و(قوله: كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) يريد قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وإبراهيم بالسريانية هو الأب الرحيم، حكاه المفسرون.
والخليل الصديق المخلص، والخُلَّة بضم الخاء الصداقة والمودة، ويقال فيها أيضًا. خلالة بالضم والفتح والكسر، والخَلة بفتح الخاء. الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال.
واختُلِف في الخليل اسم إبراهيم ﵇ من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنّه مأخوذ من الخُلّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان، وجسده للنيران. وقيل: من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك، فلا. وقيل: من الخَلَل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك. وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال:
قد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلاً
ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والغنى عن الأغيار.
و(قوله: إنما كنت خليلاً من وراء وراء) أي: إنما كنت خليلاً متأخرًا عن
стр. 424
بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم إِبرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ
ــ
غيري؛ إشارة إلى أن كمالَ الخلّة، إنما تصح لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون، وذلك لم يصح ولا يصح إلَاّ لنبينا محمد ﷺ . وراءَ وراءَ صحيح الرواية فيه بالمد والفتح، وكأنه مبني على الفتح (١)؛ لتضمنه الحرف، كما قالت العرب: هو جاري بيتَ بيتَ؛ أي: بيته إلى بيتي، فكأنه قال في الحديث: من ورائي إلى ورائي. ونحوه: خمسة عشر، وسائر الأعداد المركبة، ومنه قولهم: هي همزة بين بين، وأتيتك صباح مساء، ويوم يوم، وتركوا البلاد حيثَ بيث، وحاث باث؛ ونحو ذلك.
وقد زعم بعض النحويين المتأخرين أن الصواب الضم فيهما، واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصحاح:
إذا أنا لم أُومن عليك ولم يكُن ... لِقاؤُكَ إلَاّ من وَراءُ وراءُ
قلت: ولا شك أن السماع في هذا البيت بالضم فيهما، ووجهه ما نبّه عليه الأخفش؛ حيث قال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية، كقولك: من قبلُ ومن بعدُ، فنبّه على أن: وراء الأولى، إنما بنيت لقطعها عن الإضافة، وأما الثانية: فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من لدلالة الأولى عليها، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيدًا لفظيًّا للأولى. ويجوز أن تكون بدلاً منها، أو عطف بيان عليها. كما قالوا: يا نصرُ نصرٌ على تكلف. وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي: مِن وراءَ، مِن وراءَ بتكرار مِن وفتح الهمزتين. وكان رحمه الله تعالى قد اعتنى بهذا الكتاب غاية الاعتناء، وقيده تقييدًا حسنًا.
فلا يصح أن يقال: إن ذلك بناء على الوجه الأول، لوجود من المضمنة في الوجه الأول، وإنما محمله على أن وراء قطعت عن الإضافة، ولم تقصد قصد مضاف بعينه، فصارت كأنها اسم علم، وهي مؤنثة، فيجتمع فيها
стр. 425
مِثلَهُ، وَلا يَغضَبُ بَعدَهُ مِثلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفسِي. نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى
ــ
التعريف والتأنيث، فيمتنع الصرف. وإنما قلنا: إن وراء مؤنثة؛ لما قال الجوهري: إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها: وُريِّئة. وعلى هذا: فهمزتها ليست للتأنيث، ولأن همزة التأنيث لا تقع ثالثة. وقد وجدت في بعض المعلقات بخط معتبر. قال الفراء: تقول العرب: فلان يكلمني من وراءَ وراءَ، بالنصب على الظرف، ومن وراء وراء، بجعل الأولى ظرفًا والثانية غاية. ومن وراء وراء بجعلهما غايتين. ومِن وراءِ وراء تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر. ومن وراءِ وراءِ على البناء. وحكى ثعلب عن بعض الناس: أنهم قالوا: من وراء وراء بالتنوين فيهما (١).
و(قوله: وذكر كذباته) قد فسّرها في الرواية الأخرى، بما ليس كذبًا على التحقيق، ونحن نذكرها ونبيّنها إن شاء الله تعالى. فمنها قوله في الكوكب: هَذَا رَبِّي ذكر المفسرون أنّ ذلك كان منه في حال الطفولية في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره؛ وتمّ على السداد وضح له الحق، قال: وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا.
قال الشيخ ﵀: وهذا لا يليق بالأنبياء؛ لأن الله تعالى خصهم بكمال العقل والمعرفة بالله ، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله تعالى والكفر من أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم، إذ لم يُسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلَهًا آخر، ولا اعتقد محالاً على الله تعالى، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أممهم الذين أرسلوا إليهم، لا قبل النبوة ولا بعدها. ولو كان شيء من ذلك لقَرَّعهم بذلك أممهم لَمَّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجوا عليهم بذلك، ولم ينقل شيء من ذلك. وأما بعد إرسالهم فكل (٢) ذلك محال عليهم عقلاً على ما نبينه.