← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

[٢٣٤٣] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: مَا غِرتُ عَلَى امرَأَةٍ مَا غِرتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَد هَلَكَت قَبلَ أَن يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ لِمَا كُنتُ أَسمَعُهُ يَذكُرُهَا، وَلَقَد أَمَرَهُ رَبُّهُ أَن يُبَشِّرَهَا بِبَيتٍ مِن قَصَبٍ فِي الجَنَّةِ، وَإِن كَانَ لَيَذبَحُ الشَّاة، ثُمَّ يُهدِيهَا إِلَى خَلَائِلِهَا. زاد في أخرى: قَالَت عائشة: فَأَغضَبتُهُ يَومًا فَقُلتُ: خَدِيجَةَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي رُزِقتُ حُبَّهَا. رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، والبخاريُّ (٣٨١٦)، ومسلم (٢٤٣٥) (٧٤ و ٧٥)، والترمذيُّ (٣٨٨٥ و ٣٨٨٦)، وابن ماجه (١٩٩٧). [٢٣٤٤] وعنها قالت: استَأذَنَت هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ أُختُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَرَفَ استِئذَانَ خَدِيجَةَ، فَارتَاحَ لِذَلِكَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَالَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ! فَغِرتُ ــ و(قول عائشة ﵂: ما غِرتُ على امرأة ما غِرت على خديجة، لِمَا كنت أسمعه يذكرها) أي: يمدحها ويثني عليها، ويذكر فضائلها، وذلك لفرط محبته إياها، ولِما اتصل له من الخير بسببها، وفي بيتها، ومن أحبَّ شيئًا أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ : إني رزقت حبها، وكونه ﷺ يُهدي لخلائل خديجة: دليل على كرم خلقه، وحسن عهده، ولذلك كان يرتاح لهالة بنت خويلد إذا رآها، وينهض (١) إكرامًا لها، وسرورًا بها. و(قولها: فعرف استئذان خديجة) أي تذكر - عند استئذان هالة - خديجة، وكأن نَغمةَ هالة كانت تشبه نَغمةَ خديجة، وأصلُ هذا كله: أن من أحب محبوبًا أحبَّ محبوباته، وما يتعلق به وما يشبهه. و(قوله: اللهم! هالة) يجوز في هالة الرفع على خبر الابتداء، أي: هذه

стр. 3607

فَقُلتُ: وَمَا تَذكُرُ مِن عَجُوزٍ مِن عَجَائِزِ قُرَيشٍ، حَمرَاءِ الشِّدقَينِ، هَلَكَت فِي الدَّهرِ، فَأَبدَلَكَ اللَّهُ خَيرًا مِنهَا! . رواه مسلم (٢٤٣٧) (٧٨). ــ هالة فأكرمها وأحسن إليها. والنَّصب على إضمار فعل، أي: أَكرِم هالة واحفظها، وما أشبه ذلك من التقدير الذي يليقُ بالمعنى. و(قول عائشة ﵂: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش. . . الحديث، قولٌ أخرجه من عائشة فرط الغيرة، وخِفَّة الشباب، والدَّلال، ولذلك لم ينكر عليها النبي ﷺ شيئًا مما قالت، وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث: أن الغَيرى لا تُؤاخذ بما يصدرُ عنها في حال غيرتها، وليس ذلك أخذًا صحيحًا، لأنَّ الغيرة هنا جزءُ السَّبب، لا كل السَّبب، وذلك أن عائشة ﵂ اجتمع فيها تلك الأمور الثلاثة: الغيرة والشباب - ولعل ذلك كان قبل بلوغها - والدَّلال، وذلك أنها: كانت أحب نسائه إليه بعد خديجة، فإحالة الصَّفح عنها على بعض هذه الأمور تحكُّم، لا يقال: إنما يصحُّ إسناد الصَّفح إلى الغيرة، لأنَّها هي التي نصَّت عليها عائشة فقالت: فغرت، لأنَّا نقول: لو سلمنا أن غيرتها وحدها أخرجت منها ذلك القول لما لزم أن تكون غيرتها وحدها هي الموجبة للصفح عنها، بل يحتمل: أن تكون الغيرة وحدها، ويحتمل أن تعتبر باقي الأوصاف، لا سيما ولم ينص النبي ﷺ على المسقط ما هو، فبقي الأمر محتملًا للأمرين، فلا تكون فيه حجَّة على ذلك، والله تعالى أعلم. و(قولها: حمراء الشِّدقين) قيل معناه: أنها بيضاء الشدقين، والعرب تسمي الأبيض: أحمر، كراهة في اسم البياض، لأنَّه يشبه البرص، وهذا كما قاله النبي ﷺ لعائشة: يا حميراء! لا تأكلي الطين فإنَّه يذهب بهاء الوجه (١) يعني: يا بيضاء.

стр. 3608

[٢٣٤٥] وعنها قالت: لَم يَتَزَوَّج النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَت. رواه مسلم (٢٤٣٦) (٧٧). * * * ــ قلت: وهذا فيه بُعدٌ في هذا الموضع، فلو كان الأمر كذلك لقالت عائشة بدل: حمراء الشدقين: بيضاء الشدقين، فإنه كان يكون أبلغ في التقبيح، وعائشة إنما ذكرت هذا الكلام تقبيحًا لمحاسن خديجة وتزهيدًا فيها، وإنَّما معنى هذا عندي - والله أعلم - أنها نسبتها إلى حمراء الشدقين من الكِبَر، وذلك: أن من جاوز سن الكهولة، ولحق سن الشيخوخة، وكان قويًّا في بدنه صحيحًا غلب على لونه الحمرة المائلة إلى السُّمرة، والله تعالى أعلم. و(قولها: قد أبدلك الله خيرًا منها) تعني بخير: أجمل وأشب - وتعني نفسها -، لا أنها خير منها عند الله، وعند رسوله؛ لما تقدَّم من الأحاديث التي ذكرناها في صدر الكلام، وكونه ﷺ لم يتزوج على خديجة إلى أن ماتت: يدلّ على عظيم قدرها عنده، ومحبته لها، وعلى فضل خديجة أيضًا، لأنها اختصَّت برسول الله ﷺ ، ولم يشاركها فيه أحد، صيانة لقلبها من التَّغيير والغَيرة، ومن مناكدة (١) الضرة. * * *

стр. 3609

(٤٦) باب فضائل عائشة زوج النبي ﷺ ومريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون [٢٣٤٦] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أُرِيتُكِ فِي ــ (٤٦) ومن باب فضائل عائشة بنة أبي بكر الصديق ﵄ تكنى: بأم عبد الله - ابن الزبير، وهو ابن أختها: أسماء - أباح لها النبي ﷺ أن تكتنيَ به. تزوجها النبي ﷺ بمكة بعد موت خديجة، وقبل الهجرة بثلاث سنين، وهو أولى ما قيل في ذلك، وهي بنت ست سنين. وابتنى بها بالمدينة، وهي بنت تسع سنين. وقال ابن شهاب: إن رسول الله ﷺ تزوج بها في شوال قبل الهجرة بثلاث سنين، وأعرس بها في المدينة في شوال على رأس ثمانية عشر شهرًا من مهاجره إلى المدينة، وقد روي عنها أنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست، وبنى بي وأنا بنت تسع، وقُبِض عني، وأنا بنت ثماني عشرة (١). وتوفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا، فدفنت بعد الوتر بالبقيع، وصلَّى عليها أبو هريرة ﵁. ونزل في قبرها خمسة: عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم ومحمد ابنا محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكانت فاضلة، عالمة، كاملة. قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر يسألونها عن الفرائض، وقال عطاء: كانت عائشة أفقه الناس، وأحسن الناس رأيًا في العامَّة، وقال عروة: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه، ولا طبٍّ، ولا شعرٍ من عائشة، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى لشعرٍ من عروة، فقيل له: ما أرواك يا أبا عبد الله! قال: وما

стр. 3610

المَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِن حَرِيرٍ فَيَقُولُ: هَذِهِ امرَأَتُكَ فَأَكشِفُ عَن وَجهِكِ، فَإِذَا أَنتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِن يَكُ مِن عِندِ اللَّهِ يُمضِهِ. رواه البخاريُّ (٣٨٩٥)، ومسلم (٢٤٣٨)، والترمذي (٣٨٧٥). ــ روايتي في رواية عائشة؟ ! ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا. قال الزهري: لو جُمع علم عائشة إلى علم أزواج النبي ﷺ وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وجملة ما روت عن النبي ﷺ ألفا حديث، ومائتا حديث، وعشرة أحاديث. أخرج منها في الصحيحين ثلاثمائة إلا ثلاثة أحاديث. و(قوله: جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك): السَّرَقة - بفتح الراء -: واحدة السَّرق، وهي شقق الحرير البيض. وقيل: الجيد من الحرير. وقال أبو عبيد: وأحسنها فارسيه، وأصلها سَرَه، وهو: الجيد. وأنشد غير أبي عبيد للعجاج: ونَسَجَت لَوَامِعُ الحَرُورِ ... سَبَائِبًا كَسَرَقِ الحَرير والسَّبائب - بالهمز والباء-: هي ما رَقَّ من الثياب والخُمُر، ونحوها. قال المهلَّب: السَّرَقَةُ: كالكلَّة والبرقع، والأول: هو المعروف، وفيه دليل على أن للرؤيا ملكًا يمثل الصور في النوم، كما قد حكيناه عن بعض العلماء. و(قوله: إن يك من عند الله يُمضِه) ظاهره: الشَّك في صحة هذه الرؤيا، فإنَّ كان هذا منه ﷺ قبل النبوة، فلا إشكال فيه، لأنَّ حكمه حكم البشر، وأما إن كان بعد النبوة فهو مشكل، إذ رؤيا الأنبياء وحي كما تقدَّم، والوحي لا يشك فيه، وقد انفصل عن هذا: بأن قيل: إن شكه لم يكن في صحة أصل الرؤيا، وإن ذلك من الله، ولكن في كون هذه الرؤيا على ظاهرها، فلا تحتاج إلى تعبير، أو في كونها امرأته في الدنيا، أو في الآخرة. وقيل: لم يكن عنده شك في ذلك، بل:

стр. 3611

[٢٣٤٧] وعنها قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعلَمُ إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنتِ عَلَيَّ غَضبَى، قَالَت: فَقُلتُ: وَمِن أَينَ تَعرِفُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ! وَإِذَا كُنتِ غَضبَى قُلتِ: لَا وَرَبِّ إِبرَاهِيمَ، قَالَت: قُلتُ: أَجَل وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهجُرُ إِلَّا اسمَكَ. ــ محققًا له، لكنه أتى به على صورة الشك، وهو غير مراد، كما قال الشاعر: أيا ظَبيَة الوَعساءِ بَينَ حَلاحِل ... وبَينَ النَّقا آنتِ أَم أُمُّ سَالِمِ؟ وهذا نوع من أنواع البلاغة معروف عند أهلها يسمى: تجاهل العارف، وقد سُمِّي مزج الشك باليقين، ونحو منه قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلنَا إِلَيكَ فَاسأَلِ الَّذِينَ يَقرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبلِكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِن أَدرِي لَعَلَّهُ فِتنَةٌ لَكُم وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾، فإنه ﷺ لم يشك في شيء من ذلك، لكن أتى به على التقدير لا التحقيق. و(قوله: فإذا هي أنت) أي: إنه رآها في النوم كما رآها في اليقظة، فكان المراد بالرؤيا ظاهرها. و(قوله: إني لأعلم إذا كنت عليَّ راضية، وإذا كنت علي غضبى) غضب عائشة على النبي ﷺ للأسباب التي ذكرناها في حديث خديجة، أو لبعضها، والغالب: أنها كانت للغيرة التي لا تتمالك المرأة فيها (١). قال القاضي عياض: يعفى عن النساء في كثير من الأحكام لأجل الغيرة، حتى قد ذهب مالك وغيره من علماء المدينة إلى إسقاط الحد عن المرأة إذا رمت زوجها بالزنى. و(قولها: أجل والله! ما أهجر إلا اسمك) أجل: يعني: نعم. وتعني بذلك

стр. 3612

رواه أحمد (٦/ ٦١ و ٢١٣)، والبخاريُّ (٥٢٢٨)، ومسلم (٢٤٣٩). [٢٣٤٨] وعنها قالت: كُنتُ أَلعَبُ بِالبَنَاتِ - وَهُنَّ اللُّعَبُ - فِي بَيتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالت: وَكَانَت تَأتِينِي صَوَاحِبِي فَكُنَّ يَنقَمِعنَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَت: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ. رواه أحمد (٦/ ١٦٦)، والبخاريُّ (٦١٣٠)، ومسلم (٢٤٤٠)، وأبو داود (٤٩٣١)، والنسائي (٦/ ١٣١)، وابن ماجه (١٩٨٢). ــ أنها، وإن أعرضت عن ذكر اسمه في حالة غضبها، فقلبها مغمور بمحبته ﷺ لم يتغيَّر منها شيء. وفي هذا ما يدلّ على ما كانا عليه من صفاء المحبة وحُسن العشرة، وفيه ما يدلّ على: أن الاسم غير المسمَّى، وهي مسألة اختلف فيها أهل اللسان والمتكلمون، وللكلام فيها مواضع أخر. و(قولها: كنت ألعب بالبنات - وهن اللعب - في بيت رسول الله ﷺ ) اللُّعَبُ: جمع لُعبة، وهو ما يُلعَبُ به. والبنات: جمع بنت، وهنَّ الجواري، وأضيفت اللُّعب للبنات، لأنهنَّ هنَّ اللواتي يصنعنها، ويلعبن بها، وقد تقدَّم القول في جواز ذلك، وفي فائدته، وأنه مستثنى من الصور الممنوعة، لأنَّ ذلك من باب تدريب النساء من صغرهن على النظر لأنفسهن وبيوتهن، وقد أجاز العلماء بيعهن وشراءهن غير مالك فإنَّه كره ذلك، وحمله بعض أصحابه على كراهية الاكتساب بذلك. و(قولها: فكن ينقمعن من رسول الله ﷺ ) تعني: صواحبها كنَّ ينقبضن ويستترن بالبيت حياءً من رسول الله ﷺ وهيبة له. و(قولها: وكان يُسرِّبهنَّ إلي) أي: يرسلهن إليها، ويسكِّنهنَّ، ويؤنسهنَّ

стр. 3613

[٢٣٤٩] وعن عروة، عن عائشة: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّونَ بِهَدَايَاهُم يَومَ عَائِشَةَ، يَبتَغُونَ بِذَلِكَ مَرضَاتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاريُّ (٢٥٨٠)، ومسلم (٢٤٤١)، والترمذيُّ (٣٨٧٩)، والنسائي (٧/ ٦٩). [٢٣٥٠] وعنها، قَالَت: أَرسَلَ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ بِنتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَاستَأذَنَت عَلَيهِ وَهُوَ مُضطَجِعٌ مَعِي فِي مِرطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَكَ أَرسَلنَنِي إِلَيكَ يَسأَلنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، - وَأَنَا سَاكِتَةٌ - قَالَت: فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَي بُنَيَّةُ أَلَستِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ فَقَالَت: بَلَى، قَالَ: أَحِبِّي هَذِهِ، قَالَت: فَقَامَت فَاطِمَةُ حِينَ سَمِعَت ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَجَعَت إِلَى أَزوَاجِ رسول الله ﷺ فَأَخبَرَتهُنَّ بِالَّذِي قَالَت، وَبِالَّذِي قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلنَ لَهَا: مَا نُرَاكِ أَغنَيتِ عَنَّا مِن شَيءٍ، فَارجِعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُولِي لَهُ: إِنَّ أَزوَاجَكَ يَنشُدنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَت فَاطِمَةُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ فِيهَا أَبَدًا. قَالَت عَائِشَةُ: فَأَرسَلَ أَزوَاجُ ــ حتى يزول عنهنَّ ما كان أصابهنَّ منه، فيرجعنَّ يلعبن معها كما كنَّ. ودخول فاطمة وزينب على رسول الله ﷺ وهو مع عائشة في مرطها، دليل على جواز مثل ذلك، إذ ليس فيه كشف عورة، ولا ما يستقبح على من فعل ذلك مع خاصته وأهله. وطلب أزواج النبي ﷺ منه العدل بينهن وبين عائشة ﵂، ليس على معنى أنه جار عليهن، فمنعهن حقًّا هو لهنَّ، لأنَّه ﷺ منزه عن ذلك، ولأنه لم يكن العدل بينهن واجبًا عليه كما قدَّمناه في كتاب النكاح. لكن صدر ذلك منهنَّ بمقتضى الغيرة والحرص على أن يكون لهنَّ مثل ما كان لعائشة ﵂، من إهداء الناس له إذا كان في بيوتهنَّ، فكأنهنَّ أردن أن يأمر من أراد أن يهدي له شيئًا ألا يتحرى يوم عائشة ﵂ ولذلك قال: وكان الناس يتحرون

стр. 3614

النَّبِيِّ ﷺ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ - زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي مِنهُنَّ فِي المَنزِلَةِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَم أَرَ امرَأَةً قَطُّ خَيرًا فِي الدِّينِ مِن زَينَبَ، وَأَتقَى لِلَّهِ، وَأَصدَقَ حَدِيثًا، وَأَوصَلَ لِلرَّحِمِ، وَأَعظَمَ صَدَقَةً، وَأَشَدَّ ابتِذَالًا لِنَفسِهَا فِي العَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ، وَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَدَا سَورَةً مِن حِدَّةٍ كَانَت فِيهَا، تُسرِعُ مِنهَا الفَيئَةَ - قَالَت: فَاستَأذَنَت عَلَى ــ بهداياهم يوم عائشة، ويحتمل أن يقال: إنهنَّ طلبن منه أن يسوي بينهن في الحب، ولذلك قال ﷺ لفاطمة ﵂: ألست تحبين من أحب؟ قالت: بلى. قال: فأحبي هذه، وكلا الأمرين لا يجب العدل فيه بين النساء. أما الهدية فلا تطلب من المهدي، فلا يتعين لها وقت، وأما الحب: فغير داخل تحت قدرة الإنسان ولا كسبه. و(قولها: وهي التي تساميني في المنزلة عند رسول الله ﷺ ) تعني: زينب. وتساميني، أي: تطاولني وترافعني، وهو مأخوذ من السُّموِّ، وهو العلو والرفعة. تعني: أنها كانت تتعاطى أن يكون لها من الحظوة والمنزلة عند رسول الله ﷺ مثل ما كان لعائشة عنده وقيل: إنه مأخوذ من قولهم: سامه حظه خسف، أي: كلفه ما يشق عليه ويذله، وفيه بُعد من جهة اللسان والمعنى. و(قولها: ولم أر امرأة خيرًا في الدين من زينب. . . الكلام إلى قولها: . . . ولا أشد ابتذالًا لنفسها في العمل) الابتذال: مصدر ابتذل من البذلة، وهي الامتهان بالعمل والخدمة، فكانت تعمل زينب ﵂ بيديها عمل النساء من الغزل والنسيج، وغير ذلك مما جرت عادة النساء بعمله، والكسب به، وكانت تتصدق بذلك، وتصل به ذوي رحمها، وهي التي كانت أطولهن يدًا بالعمل والصَّدقة، وهي التي قال النبي ﷺ : أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا، وسيأتي. وفيه ما يدلّ على جواز صدقة المرأة مما تكسبه في بيت زوجها من غير أمره. و(قولها: ما عدا سورة من حدَّة كانت فيها، تسرع منها الفيئة) ما عدا

стр. 3615

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَائِشَةَ فِي مِرطِهَا عَلَى الحَالَ الَّتِي دَخَلَت فَاطِمَةُ عَلَيهَا وَهُوَ بِهَا - فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَزوَاجَكَ أَرسَلنَنِي إِلَيكَ يَسأَلنَكَ العَدلَ فِي ابنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَت: ثُمَّ وَقَعَت بِي فَاستَطَالَت عَلَيَّ وَأَنَا أَرقُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَأَرقُبُ طَرفَهُ هَل يَأذَنُ لِي فِيهَا، قَالَت: فَلَم تَبرَح زَينَبُ حَتَّى عَرَفتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَكرَهُ أَن أَنتَصِرَ، قَالَت: فَلَمَّا وَقَعتُ بِهَا لَم أَنشَبهَا حين أَنحَيتُ عَلَيهَا، قَالَت: ــ وما خلا: من صيغ الاستثناء، وهما مع ما فعلان ينصبان ما بعدهما في المشهور والأفصح. ومع عدم ما) يخفضان ما بعدهما، لأنَّهما حرفان من حروف الخفض على الأعرف الأشهر، والسَّورة - بفتح السين -: الشِّدَّة، والثوران، ومنه: سَورَةُ الشراب، أي: قوته وحِدَّته، أي: يعتريها ما يعتري الشارب من الشراب، ويروى هذا الحرف: ما عدا سَورَة حَدٍّ - بفتح الحاء من غير تاء تأنيث -، أي: سرعة غضب. والفيئة: الرجوع، ولأجل هذه الحدَّة، وقعت بعائشة، واستطالت عليها، أي: أكثرت عليها من القول والعتب، وعائشة ﵂ ساكتة تنتظر الإذن من رسول الله ﷺ في الانتصار، فلما علمت أنه لا يكره ذلك من قرائن أحواله انتصرت لنفسها فجاوبتها، وردَّت عليها قولها حتى أفحمتها، وكانت زينب لما بدأتها بالعتب واللَّوم، كانت كأنها ظالمةٌ، فجاز لعائشة أن تنتصر، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ و(قولها: وقعت فيَّ) هو مأخوذ من الوقيعة التي هي: معركة الحرب، وقيل: هو مأخوذ من الوقع، وهو ألم الرَّجل من المشي، ومنه قولهم: كل الحِذَا يحتذي الحافي الوَقِع - بكسر القاف -. و(قولها: فلم أنشب أن أنحيت عليها) كذا الرواية الثابتة هنا بالنون والحاء المهملة، والياء باثنتين من تحتها، ومعناه: إني أصبت منها بالذمِّ ما يُؤلمها،

стр. 3616

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبَسَّمَ -: إِنَّهَا ابنَةُ أَبِي بَكرٍ. وفي رواية: فلم أنشبها أن أثخنتها غلبة. رواه أحمد (٦/ ٨٨)، والبخاريُّ (٢٥٨١)، ومسلم (٢٤٤٢)، والنسائي (٧/ ٦٤ - ٦٦). [٢٣٥١] وعنها قالت: إِن كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَتَفَقَّدُ، يَقُولُ: أَينَ أَنَا اليَومَ؟ أَينَ أَنَا غَدًا؟ استِبطَاءً لِيَومِ عَائِشَةَ، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ يَومِي قَبَضَهُ اللَّهُ بَينَ سَحرِي وَنَحرِي. ــ فكأنها أصابت منها مقتلًا. وفي الصحاح: أنحيت على حلقه بالسكين، أي: عَرَضتُ، وحينئذ يرجع معنى هذه الرواية لمعنى الرواية الأخرى التي هي: أثخنتها، أي: أثقلتها بجراح الكلم. وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثخَنتُمُوهُم فَشُدُّوا الوَثَاقَ﴾ أي: أثقلتموهم بالجراح، أو أكثرتم فيهم القتل، ولم أنشبها، أي: لم أمهلها، ولم أتلبث حتى أوقعت بها، وأصله: من نَشِب بالشيء، أو في الشيء إذا نَشِبَ به، واحتبس فيه أو بسببه. و(قوله: إنها ابنة أبي بكر) تنبيه على أصلها الكريم الذي نشأت عنه، واكتسبت الجزالة والبلاغة، والفضيلة منه، وطيب الفروع بطيب عروقها. وغذاؤها من عروقها. كما قال: طِيبُ الفُرُوع من الأصُولِ وَلَم يُرَ ... فرعٌ يَطِيبُ وأصلُهُ الزَّقُّومُ ففيه مدح عائشة وأبيها ﵄. و(قولها: فلما كان يوم توفي (١)، قبضه الله بين سَحري ونحري) الرواية

стр. 3617

رواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٥٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٣) (٨٤). [٢٣٥٢] وعنها أنها سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ قَبلَ أَن يَمُوتَ وَهُوَ مُستنِدٌ إِلَى صَدرِهَا وَأَصغَت إِلَيهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَارحَمنِي وَأَلحِقنِي بِالرَّفِيقِ. رواه أحمد (٦/ ٢٣١)، والبخاريُّ (٤٤٤٠)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٥)، والترمذيُّ (٣٤٩٦). [٢٣٥٣] وعنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: إِنَّهُ لَم يُقبَض نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقعَدُهُ من الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ. قَالَت عَائِشَةُ: فَلَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَأسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، ــ الصحيحة: سَحري بسين مفتوحة غير معجمة، والسَّحر: الرئة، والنَّحر: أعلى الصدر. وأرادت أنه ﷺ توفي وهو مستند إلى موضع سحرها، وهو الصدر، كما جاء في الرواية الأخرى: وهو مستند إلى صدرها. وحكي عن عمارة بن عقيل بن بلال أنه قال: إنما هو شَجري - بالشين المعجمة والجيم - وشبَّك بين أصابعه، وأومأ إلى أنها ضمَّته إلى صدرها مشبِّكة يديها عليه. وقد تقدَّم القول في الرفيق، وأن الأولى فيه: أنه الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وتخيير الله للأنبياء عند الموت مبالغة في إكرامهم، وفي ترفيع مراتبهم (١) عند الله تعالى، وليستخرج منهم شدَّة شوقهم، ومحبتهم له تعالى، ولما عنده. وقد تقدَّم من هذا شيء في باب ذكر موسى ﵇.

стр. 3618

فَأَشخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقفِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الأَعلَى. قَالَت عَائِشَةُ: قُلتُ: إِذًا لَا يَختَارُنَا. قَالَت عَائِشَةُ: وَعَرَفتُ الحَدِيثَ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَولِهِ: إِنَّهُ لَم يُقبَض نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يَرَى مَقعَدَهُ مِن الجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرُ. قَالَت عَائِشَةُ: فَكَانَت تِلكَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَولَهُ: اللَّهُمَّ! الرَّفِيقَ الأَعلَى. رواه أحمد (٦/ ٨٩)، ومسلم (٢٤٤٤) (٨٧). [٢٣٥٤] وعنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ أَقرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَطَارَت القُرعَةُ عَلَى عَائِشَةَ وَحَفصَةَ، فَخَرَجَنَا مَعَهُ جَمِيعًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا كَانَ بِاللَّيلِ سَارَ مَعَ عَائِشَةَ يَتَحَدَّثُ مَعَهَا، فَقَالَت حَفصَةُ ــ و(قولها: فأشخص بصره) أي: حدَّد نظره إلى سقف البيت كما تفعل الموتى. و(قولها: كان رسول الله ﷺ إذا خرج أقرع بين نسائه) تعني: إذا خرج إلى سفر، وإنَّما كان النبي ﷺ يفعل ذلك مبالغة في تطييب قلوبهن إذ لم يكن القسم عليه واجبًا على الخلاف المتقدِّم، وليست القرعة في هذا واجبة عند مالك، لأنَّه قد يكون لبعض النساء من الغَنَاء في السفر والمنفعة، والصلاحية ما لا يكون لغيرها. فتتعين الصالحة لذلك، ولأن من وقعت القرعة عليها لا تجبر على السفر مع الزوج إلى الغزو والتجارة، وما أشبه ذلك، وإنَّما القرعة بينهن من باب تحسين العشرة إذا أردن ذلك، وكن صالحات له، وقال أبو حنيفة بإيجاب القرعة في هذا، وهو أحد قولي الشافعي ومالك أخذًا بظاهر هذا الحديث. و(قولها: وكان رسول الله ﷺ إذا كان بالليل سار مع عائشة ﵂ ظاهره: أنه لم يكن يقسم بين عائشة وحفصة في المسير والحديث، وأن ذلك كان مع عائشة دائمًا دون حفصة، ولذلك تحيَّلت حفصة حتى سار وتحدَّث

стр. 3619

لِعَائِشَةَ: أَلَا تَركَبِينَ اللَّيلَةَ بَعِيرِي وَأَركَبُ بَعِيرَكِ فَتَنظُرِينَ وَأَنظُرُ؟ قَالَت: بَلَى، فَرَكِبَت عَائِشَةُ عَلَى بَعِيرِ حَفصَةَ، وَرَكِبَت حَفصَةُ عَلَى بَعِيرِ عَائِشَةَ، ــ معها، فيحتمل أن هذا القدر [لا يجب القسم فيه، إذ الطريق ليس محلَّ خَلوة، ولا يحصل لها به اختصاص، ويحتمل أن يقال: إن القدر] (١) الذي يقع به التسامح من السير والحديث مع إحداهما هو الشيء اليسير، كما يفعل في الحضر، فإنَّه يتحدث ويسأل وينظر في مصلحة بيت التي لا يكون في يومها، ولكن لا يُكثر من ذلك، ولا يُطيله، وعلى هذا فيكون النبي ﷺ إنما أدام ذلك، لأنَّ أصل القسم لم يكن عليه واجبًا، والله أعلم. ولم يختلف الفقهاء في أن الحاضرة لا تحاسب المسافرة فيما مضى لها مع زوجها في السفر، وكذلك لا يختلفون في: أنه يقسم بين الزوجات في السفر كما يقسم بينهن في الحضر. وقد ذكرنا الاحتمال الذي في السير والحديث، وقول حفصة لعائشة ﵄: ألا تركبين بعيري، وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر. حيلة منها تمت لها على عائشة لصغر سنِّ عائشة، وسلامة صدرها عن المكر والحيل، إذ لم تجرب الأمور بعد، ولا دَرك (٢) على حفصة فيما فعلت من جهة أنها أخذت حقًّا هو لعائشة، لأنَّ السير والحديث، إن لم يدخل في القسم فهي وعائشة فيه سواء، فأرادت حفصة أن يكون لها حظ من الحديث والسير معه، وإن كان ذلك واجبًا فقد توصلت إلى ما كان لها، وإنَّما يكون عليها الدَرك من حيث إنها خالفت مراد النبي ﷺ في حديثه، فقد يريد أن يحدِّث عائشة حديثًا يُسِرُّ به إليها، أو يختص بها فتسمعه حفصة، وهذا لا يجوز بالاتفاق، لكن حملها على اقتحام ذلك الغيرة التي تورث صاحبها الدَّهَشَ والحَيرة.

стр. 3620

فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَمَلِ عَائِشَةَ وَعَلَيهِ حَفصَةُ فَسَلَّمَ، ثُمَّ سَارَ مَعَهَا حَتَّى نَزَلُوا، فَافتَقَدَتهُ عَائِشَةُ فَغَارَت، فَلَمَّا نَزَلُوا جَعَلَت تَجعَلُ رِجلَهَا بَينَ الإِذخِرِ وَتَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّط عَلَيَّ عَقرَبًا أَو حَيَّةً تَلدَغُنِي! رَسُولُكَ وَلَا أَستَطِيعُ أَن أَقُولَ لَهُ شَيئًا. رواه أحمد (٦/ ١١٤)، والبخاريُّ (٥٢١١)، ومسلم (٢٤٤٥)، وابن ماجه (١٩٤٠) مختصرًا. [٢٣٥٥] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَمَلَ مِن الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَم يَكمُل مِن النِّسَاءِ غَيرُ مَريَمَ بِنتِ عِمرَانَ وَآسِيَةَ امرَأَةِ فِرعَونَ، وَإِنَّ فَضلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ. رواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاريُّ (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١)، والنسائي (٧/ ٦٨). ــ و(قول عائشة: يا رب! سلِّط عليَّ عقربًا يلدغني) دعاءٌ منها على نفسها بعقوبة لما لحقها من النَّدم على ما فعلت، ولما تم عليها من الحيلة، ولما حصل لها من الغَيرة، وهو دعاء باللسان غير مراد بالقلب. وقولها: رسولك، ولا أستطيع أن أقول له شيئًا) ظاهره أن النبي ﷺ لم يعرف القصة، وإنَّما تمَّت لحفصة حيلتها عليها، والله أعلم، مع أنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ علم ذلك بالوحي أو بالقرائن، وتغافل عمَّا جرى من ذلك، إذ لم يجر منهما شيء يترتب عليه حكم، ولا يتعلق به إثم، والله تعالى أعلم. ورسولك: منصوب بإضمار فعل تقديره: انظر رسولك، ويجوز الرفع على الابتداء، وإضمار الخبر. و(قوله: كَمَل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء غير مريم وآسية) الكمال: هو التناهي والتمام، ويقال في ماضيه كمل بفتح الميم وضمها، ويكمُل

стр. 3621

[٢٣٥٦] عن عائشة قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا عَائِشُ هَذَا جِبرِيلُ يَقرَأُ عَلَيكِ السَّلَامَ، ــ في مضارعه بالضم، وكمال كل شيء بحسبه، والكمال المطلق: إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان: الأنبياء، ثم تليهم الأولياء، ويعني بهم: الصديقين والشهداء الصالحين. وإذا تقرر هذا، فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث، يعني به: النبوة، فيلزم أن تكون مريم وآسية نبيَّتين، وقد قيل بذلك، والصحيح: أن مريم نبيَّة، لأنَّ الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين، وأما آسية، فلم يرد ما يدلّ على نبوتها دلالة واضحة. بل على صديقيتها وفضيلتها. فلو صحَّت لها نبوتها لما كان في الحديث إشكال. فإنَّه يكون معناه: أن الأنبياء في الرجال كثير، وليس في النساء نبي إلا هاتين المرأتين. ومن عداهما من فضلاء النساء صديقات لا نبيَّات، وحينئذ يصحُّ أن تكونا أفضل نساء العالمين. والأولى أن يقال: إن الكمال المذكور في الحديث ليس مقصورًا على كمال الأنبياء، بل يندرج معه كمال الأولياء، فيكون معنى الحديث: إن نوعي الكمال وجد في الرجال كثيرًا، ولم يوجد منه في النساء المتقدِّمات على زمانه ﷺ أكمل من هاتين المرأتين، ولم يتعرض النبي ﷺ في هذا الحديث لأحد من نساء زمانه، إلا لعائشة خاصة، فإنَّه فضلها على سائر النساء، ويُستثنى منهن الأربع المذكورات في الأحاديث المتقدِّمة، وهنَّ: مريم بنت عمران، وخديجة، وفاطمة، وآسية، فإنَّهن أفضل من عائشة، بدليل الأحاديث المتقدِّمة في باب خديجة، وبهذا يصحُّ الجمع، ويرتفع التعارض إن شاء الله تعالى. وإنما كان الثريد أفضل الأطعمة ليسارة مؤنته، وسهولة إساغته، وعظيم بركته، ولأنه كان جلَّ أطعمتهم، وألذَّها بالنسبة إليهم ولعوائدهم، وأما غيرهم فقد يكون غير الثريد عنده أطيب وأفضل، وذلك بحسب العوائد في الأطعمة، والله تعالى أعلم. و(قوله: إن جبريل يقرأ عليك السلام) يقال: أقرأته السلام، وهو يقرئك

стр. 3622

فقالت: وَعَلَيهِ السَّلَامُ وَرَحمَةُ اللَّهِ، قَالَت: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى. رواه البخاريُّ (٣٢١٧)، ومسلم (٢٤٤٧) (٩١)، والترمذيُّ (٣٨٨١)، والنسائي (٧/ ٧٠). * * * (٤٧) باب ذكر حديث أم زرع [٢٣٥٧] عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: جَلَسَ إِحدَى عَشرَةَ امرَأَةً فَتَعَاهَدنَ، وَتَعَاقَدنَ أَن لَا يَكتُمنَ مِن أَخبَارِ أَزوَاجِهِنَّ شَيئًا، قَالَت الأُولَى: زَوجِي لَحمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأسِ جَبَلٍ وَعرٍ، لَا سَهلٌ فَيُرتَقَى، وَلَا سَمِينٌ ــ السلام - رباعيًّا - فبضم ياء المضارعة منه، فإذا قلت: يقرأ عليك السلام - كان مفتوح عين مضارعه، لأنَّه ثلاثي، وهذه فضيلة عظيمة لعائشة، غير أن ما ذكر من تسليم الله على خديجة أعظم، لأنَّ ذلك سلام من الله، وهذا سلام من جبريل. و(قولها: وعليه السلام ورحمة الله) حجَّة لمن اختار أن يكون رد السَّلام هكذا، وإليه ذهب ابن عمر ﵄. (٤٧) ومن باب: حديث أم زرع الصَّحيح في هذا الحديث: أنه كله من قول عائشة ﵂ إلا قول النبي ﷺ لها: كنت لك كأبي زرع لأم زرع. هذا هو المتفق عليه عند أهل التَّصحيح. وقد رواه سعيد بن مسلم المديني، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع

стр. 3623

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأم زرع. ثم أنشأ يحدِّث بحديث أم زرع وصواحبها، قال: اجتمع إحدى عشرة امرأة. . . وذكر الحديث. فتوهم بعض الناس: أن هذا الحديث كلُّه مرفوعٌ إلى النبي ﷺ ، فنسبه إليه، وجعله من قوله. وهو وهم محض، فإنَّ القائل: ثم أنشأ يحدِّث، هو: هشام يخبر بذلك، عن أخيه، عن أبيه: أنه أنشأ بعد ذلك القول المتقدِّم: يحدَّث بالحديث. و(قولها: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن، وتعاقدن ألا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا) هكذا صحيح الرواية ومشهورها، وعند الطبري: جلسن إحدى عشرة امرأة) بالنون التي هي علامة المؤنث على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وعليها قوله ﷺ : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار (١). وقد حُمِل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُم﴾ وعليها قول الشاعر (٢): ولكن دِيَافِيٌّ أَبُوه وأُمُّه ... بِحَورَانَ يِعصِرنَ السَّلِيطَ أَقَاربُه وقد تكلف بعض النحويين ردَّ هذه اللغة إلى اللغة [الفصيحة، وهي ألا تلحق هذه العلامة في الفعل إذا تقدَّم الأسماء، وردَّ هذه اللغة] (٣)، ولا معنى لهذا كله، ولا يحتاج إليه، إذ قد صحَّت هذه اللغة نقلًا واستعمالًا، ثم إنها جارية على قياس إلحاق علامة تأنيث الفاعل بالفعل على ما تحقق بعلم النحو. و(قول الأولى: زوجي لحم جمل غَثٌّ على رأس جبل وَعرٍ - في غير كتاب مسلم: وعث - لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتَقَل - وفي غير كتاب مسلم: فيُنتَقَى

стр. 3624

فَيُنتَقَلَ، قَالَت الثَّانِيَةُ: زَوجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، إِنِّي أَخَافُ أَن لَا أَذَرَهُ، إِن أَذكُرهُ أَذكُر عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، ــ بدل: فينتقل -) الرواية الصحيحة بخفض غثّ على الصِّفة للجمل، وقد قيَّده بعضهم بالرفع على الصِّفة لِلَّحم، والغَثُّ: الشديد الهزال، الذي يُستغثُّ [من هزاله، أي: يُستترك ويُستكره، مأخوذٌ من غث الجرح غثًّا وغثيثًا] (١) إذا سال منه المِدَّة (٢) والقيح، واستغث صاحبه. والوعث من الجبال: الصَّعب المرتقى لوعوثته، وهو أن يكون بحيث توحل فيه الأقدام، فلا يكاد يتخلَّص منه. وقد فسَّرته بقولها: لا سهل فيرتقى، أي: لا يصعدُ فيه لصعوبته. وينتقل: من الانتقال، أي: هذا الجمل لهزالته لا ينقله أحدٌ زهدًا فيه، ولكونه بموضع لا يتخلَّص منه، ويُنتقى، أي: لا نِقيَ له، والنِّقيُ: المخ. يقال منه: نقوت العظم، ونقيته، وانتقيته، إذا استخرجت مُخَه. قال الخطابي: وصفت زوجها بسوء الخلق، وقلة الخير، ومنع الرِّفد، وبالأذى في المعاشرة. و(قول الثانية: زوجي لا أبث خبره، إني أخاف ألا أذره، إن أذكره، أذكر عجره وبجره) بثُّ الخبر: نشره وإظهاره. ومعنى أذره: أدعه، ولم تستعمل العرب من هذين الفعلين إلا مضارعهما، فلا يقال منهما: فعل ولا أَفعَلَ، ولا فَاعَلَ، ولا فَعلَى. استغنوا عن ذلك بـ ترك غير أنه قد سمع: وَدَعَ، وَوَدعٌ، وهو قليل. والعُجَر: جمع عُجرَة. والبُجَر: جمع بُجرَةٍ، تعني بذلك: عيوبه. قال الأصمعي في تفسير قول علي ﵁: أشكو إلى الله عُجَرِي وبُجَرِي أي: همومي وأحزاني، وأصل البُجَر: العروق المنعقدة في البطن خاصَّة، وقال ابن الأعرابي: العُجَرة: نفخةٌ في الظهر، فإذا كانت في السُّرَةِ فهي: البُجرة، ثم يُنقَلان إلى الهموم والأحزان، والضمير في خَبَره. وفي أَذَرَهُ: على الزوج، وكذلك هو ظاهر الضميرين

стр. 3625

قَالَت الثَّالِثَةُ: زَوجِي العَشَنَّقُ إِن أَنطِق أُطَلَّق، وَإِن أَسكُت أُعَلَّق، قَالَت الرَّابِعَةُ: زَوجِي كَلَيلِ تِهَامَةَ، لَا حَرَّ وَلَا قُرَّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ، ــ في عجره وبجره. وتعني: أنها إن وصفت حال زوجها ذكرت عيوبه، وإن فعلت ذلك خافت من فراقه، وهي تكره فراقه للعِلَق التي بينهما. وعلى هذا فتكون لا التي في أن لا أذره زائدة، كما زيدت في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾ ويحتمل أن يقال: لا ليست بزائدة، وإنها تخاف ألا تتركه معها ممسكًا لها في صحبتها. وقيل: إن الضمير في عجره وبجره عائدٌ إلى الخبر، تعني: أن حديثه حديث طويل، فيه عقد لو تحدَّث به، لكنها لم تتحدَّث به لخوفها، ولم تسكت عن حال زوجها بالجملة للعقد الذي جعلت على نفسها، لكنها أومأت إلى شيء من ذلك، وعلى القول الأول: صرحت بأن له أمورًا تعاب. و(قول الثالثة: زوجي العشنَّق، إن أنطق أُطلَّق، وإن أَسكُت أُعَلَّق) العشنَّقُ: الطويل الخارج بطوله إلى الحد المستكره، ويقال أيضًا عليه: العشنّط - بالطاء - تقول: ليس عنده أكثر من طول بلا نفع، فهو منظرٌ بلا مخبر، إن ذكرت عيوبه طلقني، وإن سكت عن ذلك، تركني مُعَلَّقة، لا أيِّمًا، ولا ذات زوج، كما قال تعالى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالمُعَلَّقَةِ﴾ و(قول الرابعة: زوجي كلَيلِ تِهامة، لا حرٌّ، ولا قرٌّ) هو مدح منها لزوجها، لأنَّها ضربت له مثلًا بليل تهامة، لأنَّه معتدل، إذ ليس فيه حرٌّ يؤذي، ولا بردٌ يُردِي. وكذلك كان زوجها. والقرُّ: البرد. و(قولها: ولا مخافة، ولا سآمة) أي: لا أخاف منه أذى، وليس فيه سآمة، أي: قلال. والرواية المشهورة: فتح ما بعد لا وبناء ما بعدها معها، وقد رواه أبو عبيد برفع ما بعدها وتنوينه في المواضع كلها على الابتداء وإضمار الخبر، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا بَيعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ وكنحو

стр. 3626

قَالَت الخَامِسَةُ: زَوجِي إِن دَخَلَ فَهِدَ، وَإِن خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسأَلُ عَمَّا عَهِدَ، قَالَت السَّادِسَةُ: زَوجِي إِن أَكَلَ لَفَّ، وَإِن شَرِبَ اشتَفَّ، وَإِن اضطَجَعَ التَفَّ، وَلَا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعلَمَ البَثَّ، ــ قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنَّه يجوز فتحهما ورفعهما، وفتح الأول، ورفع الثاني، وعكس ذلك، وبسط ذلك في كتب النحو. و(قول الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد) الرواية فهد وأسد - بكسر العين وفتح اللام - على أنهما فعلان ماضيان مأخوذان من اسم الفهد والأسد، تريد أن حاله إذا دخل بيته نام نوم الفهد، تصفه بكثرة النوم. يقال في المثل: هذا أنوم من فهد، وأما إذا خرج للحرب، ف فعل فعل الأسد تصفه بالشجاعة. يقال: أسد الرجل واستأسد إذا تشجَّع، وقال إسماعيل بن أبي أويس: إن دخل فهد، أي: وثب عليّ كما يثب الفهد، فيحتمل أن تريد بذلك ضربها، أو المبادرة لجماعها. قلت: والأول أظهر. و(قولها: ولا يسأل عما عهد) أي: لا يبحث عما له من مال ولا طعام في بيته، فيحتمل أن يكون ذلك عن كرم نفس، وحسن خلق فيكون مدحًا، ويحتمل أن يكون ذلك عن غفلة وقلة مبالاة فيكون ذمًّا. و(قول السادسة: زوجي إن أكل لف، وإن شرب اشتف) تصفه بكثرة الأكل مع التخليط في المأكول، فهو يلف كل ما يجده من الأطعمة، ويشرب كل ما يجده من الأشربة. يقال: اشتف ما في الإناء إذا شرب ما فيه، من الشفافة وهي: البقية، وهذا وصف ذم. و(قولها: وإذا (١) اضطجع التف) تعني: أنه ينام وحده ملتفًا في ثوبه،

стр. 3627

قَالَت السَّابِعَةُ: زَوجِي غَيَايَاءُ - أَو عَيَايَاءُ - طَبَاقَاءُ ــ فيحتمل أن يكون ذلك منه إعراضًا عنها، إذ لا أرب له فيها، فهي لذلك كئيبة حزينة، ويناسبه قولها بعده: ولا يولج الكف ليعلم البث أي: لا يمد يده إلي ليعلم ما أنا عليه من الحزن لإعراضه عنها فيزيله. ويحتمل أنه: إنما يفعل ذلك فشلًا وعجزًا، فإنَّ هذه نومة العجزان الكسلان، وعلى هذا فيجتمع فيه: أنه أكول، شروب، نؤوم، لا رغبة له في شيء غير ذلك. واختلف في معنى قولها: ولا يولج الكفّ ليعلم البث، فأشار ابن الأعرابي إلى الأول، فإنَّه قال: إنما أرادت أنه إذا رقد التفّ في ناحية من البيت، ولم يضاجعني ليعلم ما عندي من محبتي لقربه. ولا بثَّ لها إلا محبَّتُها الدنوِّ منه، فسمته ذلك بثًّا، لأنَّ البث من جهته يكون. قال أبو عبيد: أحسب أنها كان بجسدها عيب، فكان لا يدخل يده في ثوبها كرمًا. وقال غيره: لا يمس عورتها، لأن ذلك قد يشق عليها في بعض الأوقات، ولذلك قال ﷺ في الحديث: حتى تستحدَّ المغيبة (١)، وقال أحمد بن عبيد: معناه: لا يتفقد أموري فيعلم ما أكرهه فيزيله، يقال: ما أدخل يده في هذا الأمر، أي: لم يتفقَّده. قلت: وقول ابن الأعرابي: أشبهها، وما ذكرته أنسبها، وعلى هذه الأقوال كلها فحديثها كله ذمٌّ، وأما على قول أبي عبيد، فإنَّها تكون قد مدحته بالإعراض والتغافل عن الاطلاع على ما يحزنها من عيب جسدها، وقد استبعد ابن قتيبة أن تكون تذمُّه بالوصفين المتقدِّمين وتمدحه بثالث. قلت: وهذا لا بُعد فيه، فإنَّهن تعاقدن ألا يكتمن من أحوال أزواجهن شيئًا، فمنهن من كان زوجها مذموم الأحوال كلها، ومنهن من كان زوجها ممدوح الأوصاف كلها، ومنهم من جمع الأمرين، فأخبرت كل واحدة بما علمت. و(قول السَّابعة: زوجي غياياء - أو عياياء- طباقاء) الرواية التي لا يعرف

стр. 3628

كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ ــ غيرها بالعين المهملة، وغياياء: بالغين المعجمة، وأو للشك، وهو شك وقع من بعض الرواة، وقد أنكر أبو عبيد وغيره الغين المعجمة، وقالوا: صوابه: عياياء. وقالوا: هو العنين: وهو الذي تغلبه مباضعة النساء، وكذلك هو في الإبل التي لا تضرب ولا تلقح. قلت: ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة: أنهم قصروا عياياء على الذي يعجز عن الجماع والضِّراب، والصحيح من اللسان: أنه يقال على ذلك، وعلى من لم يقم بأموره. ففي الصحاح: يقال جمل عياياء، أي: لم يهتد إلى الضراب، ورجل عياياء: إذا أعَيا بالأمر والمنطق، وعلى هذا فتكون هذه المرأة قد وصفته بكل ذلك، وأما إنكار غياياء فليس بصحيح. قال القاضي أبو الفضل: وقد يظهر له وجهٌ حسن، ولا سيما أكثر الرواة أثبتوه، ولم يشكُّوا فيه، وهو أن يكون مأخوذًا من الغياية، وهو كل ما أظل الإنسان فوق رأسه، فكأنه غطي عليه وسترت أموره، ويكون من الغي: وهو الانهماك في الشر، أو الغي: وهو الخيبة. قال الله تعالى: ﴿فَسَوفَ يَلقَونَ غَيًّا﴾ أي: خيبة. والمعروف في الطباقاء: أنه بمعنى: العياياء، وهو الذي تنطبق عليه الأمور، وأنشد الجوهري قول جميل بن مَعمَر: طباقاء لم يشهد خُصُوًا ولم يَقُد ... رِكابًا إلى أَكوارِها حين تُعكف (١) قال: ويُروى عياياء، وهو بمعنى واحد. قال القاضي: وحكى أبو علي - وأظن البغدادي - عن بعضهم أنه قال: الثقيل الصدر، الذي ينطبق صدره على صدر المرأة عند الحاجة إليها، وهو من مذام الرجال. وقال الجاحظ: عياياء، طباقاء: أخبرت عن جهله بإتيان النساء، وعيِّه، وعجزه، وأنه إذا سقط عليها انطبق عليها، والنساء يكرهن صدور الرجال على صدورهن. و(قولها: كل داء له داء) أي: هو موصوف بجميع الأدواء مع عيه وعجزه.

стр. 3629

شَجَّكِ أَو فَلَّكِ أَو جَمَعَ كُلًّا لَكِ، قَالَت الثَّامِنَةُ: زَوجِي الرِّيحُ رِيحُ زَرنَبٍ، وَالمَسُّ مَسُّ أَرنَبٍ، قَالَت التَّاسِعَةُ: زَوجِي رَفِيعُ العِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، ــ و(قولها: شجَّك، أو فلَّك، أو جمع كلًا لكِ) الشجاج: الجراح في الرأس، وتعني بفلَّك، أي: أثَّر في جسدك بالضرب، مأخوذ من فلَّ السيف فلولًا إذا تثلم، وقيل معناه: كسر أسنانها، وأو هنا للتقسيم، تعني: أنه في وقت يضربها فيشج رأسها، وفي وقت يؤثر في جسدها، وفي آخر يجمع كل ذلك عليها. و(قول الثامنة: الريح ريح زرنب، والمس مس أرنب) الأرنب: واحد الأرانب، تعني به: أنه لين الجسد عند المس، ناعمه كمسِّ جلد الأرنب، ويحتمل: أن يُكنى بذلك عن طيب خلقه، وحسن معاشرته. والزرنب: بتقديم الزاي على الراء: ضرب من النبات طيب الرائحة، ووزنه: فعلل. وأنشدوا: يا بأبي أنت وفوكِ الأشنبُ ... كأنَّما ذُرَّ عليه الزَّرنبُ أو زنجبيلٌ عاتقٌ مُطيَّب وظاهره: أنها أرادت: أن تستعمل الطيب كثيرًا تظرُّفًا ونظافة، ويحتمل أن تكني بذلك عن طيب الثناء له، أو عن طيب حديثه، وحسن معاشرته. و(قول التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النجاد)، وظاهره: أنها وصفته بطول البيت وعلوه، فإنَّ بيوت الأشراف والكرماء كذلك، فإنَّهم يعلونها، ويضربونها في المواضع المرتفعة ليقصدهم الطارقون والمعتفون (١)، وبيوت غيرهم: قصار، وربما هُجي بذلك فقيل: قِصارُ البيوتِ لا تُرى صهواتها ... من اللُّؤمِ حشَّامُون عندَ الشدائد وقيل: كنت بذلك عن شرفه ورفعة قدره. والنجاد: حمالة السيف، تُريد: أنه طويل القامة، كما قال شاعرهم:

стр. 3630

عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ البَيتِ مِن النَّادِي، قَالَت العَاشِرَةُ زَوجِي مَالِكٌ، فما مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيرٌ مِن ذَلِكَ ــ قَصُرَت حَمائِلُهُ عَلَيهِ فَقَلَصَت ... ولَقَد تَمَطَّطَ بَينَها فَأَطَالَها وكانت العرب تتمادح بالطول وتذم بالقصر، وذلك موجود في أشعارهم. و(قولها: عظيم الرَّماد) تعني: أن نار قِراه للأضياف لا تُطفأ، فرماد ناره كثير عظيم، كما قال: مَتَى تَأتِه تَعشُو إلى ضَوءِ نارِه ... تَجِد حَطَبًا جَزلًا ونارًا تَأَجَّجا وقال آخر: لَهُ نارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ ... إِذَا النِّيرانُ أُلبِسَتِ القِنَاعا و(قولها: قريب البيت من النادي) النادي، والنديُّ، والمنتدى: مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾ أي: أهل مجلسه. تصفه بالشرف والسؤدد في قومه، فهم إذا تشاوروا أو تفاوضوا في أمر أتوه فجلسوا قريبًا من بيته، فاعتمدوا على رأيه، وامتثلوا أمره. ويحتمل أن تريد: أن النادي إذا أتوه لم يصعب عليهم لقاؤه، أي: لا يحتجب عنهم، ولا يتباعد منهم، بل: يقرب منهم، ويتلقاهم مرحبًا بهم، ومبادرًا لإكرامهم. ومقتضى حديثها: أنها وصفته بالسيادة والكرم، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة. و(قول العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ ) هذا تعظيم لزوجها، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ﴾ و: ﴿الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ﴾ و(قولها: مالك خير من ذلك) أي: هو أجل من أن أصفه لشهرة فضله، وكثرة خيره.

стр. 3631

لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، إِذَا سَمِعنَ صَوتَ المِزهَرِ أَيقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، قَالَت الحَادِيَةَ عَشرَةَ: زَوجِي أَبُو زَرعٍ، فَمَا أَبُو زَرعٍ؟ أَنَاسَ مِن حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِن شَحمٍ عَضُدَيَّ ــ و(قولها: له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح) مبارك الإبل: مواضع بروكها. واحدها: مبرك، ومسارحها: مواضع رعيها، واحدها مسرح، واختلف في معناه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أكثر بروكها وأقل تسريحها مخافة أن ينزل به ضيف وهي غائبة، ذكره أبو عبيد. والثاني: أنها إذا بركت كانت كثيرة لتوفر عددها، وإذا سرحت كانت قليلة لكثرة ما يجزر منها للضيفان. قاله ابن أبي أويس. وثالثها: أنها إذا بركت كانت كثيرة لكثرة من ينضم إليها ممن يلتمس لحمها ولبنها، وإذا سرحت كانت قليلة لقلة من ينضم إليها منهم. و(قولها: إذا سمعن صوت المِزهَر أيقن أنهن هوالك) المزهر - بكسر الميم -: هو عود الغناء، وهو معروف عند العرب ومذكور في أشعارها، وقد أخطأ من قال: إنه مُزهِر بضم الميم وكسر الهاء، وفسَّره: بموقد النار في الرواية والمعنى. أما الرواية: فلا يصحُّ منها إلا ما ذكرناه، وهو كسر الميم، وفتح الهاء، وأما المعنى، فقيل فيه قولان: أحدهما: أنه يتلقى ضيفانه بالغناء مبالغة في الترحيب والإكرام، وإظهار الفرح. والثاني: أنه يأتي ضيفانه بالشراب والغناء، فإذا سمعت الإبل صوت الِمِزهر والغناء أيقنَّ بنحرهنَّ للأضياف، وكلا القولين: أمدح، ومعناهما أوضح. و(قول الحادية عشرة: أناس من حُليِّ أذني) تريد: حلاني قِرَطَةً وشنوفًا تنوسُ بأذني، أي: تتحرك، والنَّوسُ: حركة كل شيء متدلٍّ، يقال فيه: ناسَ ينوسُ نوسًا، وأناسَه غيرَه إناسةً، وسُمِّي ملكُ اليمن ذا نُواس، لضفيرتين كانتا له تنوسان على عاتقه. و(قولها: ملأ من شحم عضدي) أي: سَمَّنني بالإحسان، وكثرة المأكل،

стр. 3632

وَبَجَّحَنِي فَبَجَحَت إِلَيَّ نَفسِي، وَجَدَنِي فِي أَهلِ غُنَيمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، ــ وخصَّت العضدين، لأنهما إذا سمنا سَمِنَ جميع الجسد. و(قولها: فبجَحني فبجحت إليَّ نفسي) الرواية المعروفة: فبَجَحَت بفتح الجيم والحاء وسكون تاء الفرق، وإلي مشدد الياء، وتكون نفسي فاعلة بجحت، وقد رواه أبو عبيد: فَبَجُحتُ بضم الجيم، وسكون الحاء وتاء مضمومة، هي ضمير المتكلم الفاعل، وإلى ساكنة: حرف جر، نفسي: مجرورة، ومعنى: بجحني: فرحني ورفعني، ففرحت، وترفعت. يقال: فلان يتبجَّح بكذا، أي: يترفع ويفتخر، قال الشاعر وهو الراعي: وَما الفَقرُ من أَرضِ العَشِيرَةِ سَاقَنا ... إِلَيك وَلكنَّا بِقُربِكَ نَبجَحُ أي: نترفع، ونفتخر. و(قولها: وجدني في أهل غنيمة بشِقّ) الأكثر الأعرف في الرواية بكسر الشين، وقد ذكره أبو عبيد بفتح الشين. قال: والمحدِّثون يقولونه بالكسر، والفتح الصواب، وهو موضع. وقال ابن الأنباري: هو بالفتح والكسر، واختلف الذين كسروه، فمنهم من قال: هو شق جبل، أي: غنمهم قليلة، ومنهم من قال: هو الجهد والمشقة. كما قال تعالى: ﴿إِلا بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ و(قولها: فجعلني في أهل صهيل وأطيط) الصهيل: حمحمة الخيل، والأطيط: صوت الرَّحل والإبل من ثقل أحمالها. يقال: لا آتيك ما أطَّت الإبل، وكذلك صوت الجوف من الجَوَى (١). و(قولها: ودائسٍ ومُنقٍّ) دائس: اسم فاعل من داس الطعام يدوسه دياسة فانداس هو، والموضع: مداسة. والمدوس: ما يداس به، أي: يدق ويُدرَس.

стр. 3633

فَعِندَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ، وَأَرقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشرَبُ فَأَتَقَنَّحُ، أُمُّ أَبِي زَرعٍ، فَمَا أُمُّ أَبِي زَرعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، ــ ويقال: داس الشيء برجله يدوسه دوسًا إذا وطئه. ومُنق: صحيح الرواية فيه بضم الميم وفتح النون: اسم فاعل من نقى الطعام والشيء ينقيه تنقية، وهو مُنَق، يعني: أن لهم زرعًا يداس وينقى، وقاله ابن أبي أويس بكسر النون، قال: وهو نقيق أصوات المواشي والأنعام. قلت: وهذا ليس بشيء، لأنَّه لا يقال لشيء من ذلك: نَقٌّ، وإنما يقال: نقُّ العقرب والضفدع والدجاجة، وقد يقال: نق الهر، وهو قليل، ولذلك قال النيسابوري: تريد الدجاج، وهو بعيد، لأنَّ الدجاج لا تمتدح بها العرب، ولا تذكرها في الأموال، ومقصود قولها هذا: أنها كانت في قوم ضعفاء فقراء، فنقلها إلى قوم أغنياء أقوياء. و(قولها: فعنده أقول فلا أُقَبِّح) أي: لا يعاب لها قول، ولا يرد بل يستحسن ويمتثل. و(قولها: وأرقد فأتصبح) أي: أديم النوم إلى الصباح، لا يوقظها أحدٌ، لأنَّها مكرَّمة، مكفية الخدمة والعمل. و(قولها: فأتقَنَّح) يروى بالميم والنون مكانها. والروايتان معروفتان، غير أن أبا عبيد لم يعرف رواية النون، فأمَّا أتقمح بالميم، فمعناه: أتروى حتى أمجَّ الشراب من الرِّي. يقال: ناقةٌ قامح، وإبل قماح: إذا رفعت رءوسها عند الشراب، ونحو قوله تعالى: ﴿فَهُم مُقمَحُونَ﴾. وأما بالنون فمعناه: الزيادة على الشرب بعد الرِّي. يقال: قنحت من الشراب، أقنح قنحًا إذا شربت بعد الرِّي، وقال ابن السكيت: معناه أقطع الشرب وأشرب قليلًا قليلًا. و(قولها: عكومها رداح) العكوم: جمع عكم، وهو العدل. ورداح:

стр. 3634

وَبَيتُهَا فَسَاحٌ، ابنُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا ابنُ أَبِي زَرعٍ؟ مَضجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطبَةٍ، وَتُشبِعُهُ ذِرَاعُ الجَفرَةِ، بِنتُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا بِنتُ أَبِي زَرعٍ؟ طَوعُ أَبِيهَا، وَطَوعُ أُمِّهَا، وَمِلءُ كِسَائِهَا، وصفر ردائها، ــ مملوءة من الأمتعة، تعني: أنها كثيرة القماش والأثاث. ويقال: امرأة رداح، إذا كانت عظيمة الكفل. و(قولها: وبيتها فساح) أي: واسع. يقال: بيت فسيح، وفساح، وظاهره: أنه فسيح الفناء، ويحتمل أن يكون كناية عمَّا يفعل فيه من الخير والمعروف. و(قولها: مضجعه كمسل شطبة) الشَّطبة: هي بفتح الشين، وأصلها ما شطب من جريد النخل، وذلك: أنه يُشَقُّ منه قضبان دقاق تنسج منها الحصر. وقال ابن الأعرابي وغيره: الشَّطبة هنا: السيف يسل من غمده. و(قولها: وتشبعه ذراع الجفرة) وهي: الأنثى من ولد المعز، والذكر: جفر، وإذا أتى على ولد المعز أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وأخذ في الرعي قيل عليه: جفر. مدحته بقلَّة أكله، وقلَّة لحمه، وهما وصفان ممدوحان. قال الشاعر: تَكفِيه حُزَّةُ فِلذٍ إن أَلَمَّ بِهَا ... مِنَ الشِّواءِ ويُروِي شُربَهُ الغُمَرُ و(قولها: ملء كسائها) أي: ممتلئة الجسم. و(قولها: صفر ردائها) (١) أي: خاليته، والصفر: الشيء الفارغ. قال الهروي: أي: ضامرة البطن، والرداء ينتهي إلى البطن. وقال غيره: يريد أنها خفيفة أعلى البدن، وهو موضع الرداء ممتلئة أسفله، وهو موضع الكساء والأزرة، ويؤيده قولها في بعض روايات الحديث: مِلءُ إزارها. قال القاضي: والأولى: أنه أراد:

стр. 3635

وَغَيظُ جَارَتِهَا، ــ أن امتلاء منكبيها، وقيام نهديها يرفضان الرداء عن أعلى جسدها (١)، فهو لا يمسه كالفارغ منها بخلاف أسفلها، كما قال الشاعر: أَبَتِ الرَّوادِفُ والثُّدِيُّ لِقُمصِها ... مَسَّ البُطُونِ وأَن تَمَسَّ ظُهُورا و(قولها: وغيظ جارتها) تريد أن ضرتها يغيظها ما تراه من حسنها، وجمالها، وعفافها. و(قولها: وعقر جارتها (٢)) الرواية الصحيحة: بعين مهملة مفتوحة، وقاف من العقر، وهو الجرح، أو الهلاك، تعني: أن ضرتها (٣) تموت من أجلها حسدًا وغيظًا، أو ينعقر قلبها، وفي قولها: ملء كسائها، وصفر ردائها، وغيظ جارتها دليل لسيبويه: على صحة ما أجازه من قول: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وجهه، وهو ردٌّ على المبرّد والزجَّاج، فإنَّهما منعا ذلك، وعلَّل الزجاجي المنع بإضافة الشيء إلى نفسه، وخطَّأَ سيبويه في إجازة ذلك، وقال: إنما أجازه سيبويه وحده، وقد أخطأ الزجَّاجي في هذا النقل في مواضع، أخطأ في المنع، وأخطأ في التعليل، وفي تخطئته سيبويه، وفي قوله: إنه لم يقل به غير سيبويه. وقد قال أبو الحسن بن خروف: أنَّه قال به طائفة لا يحصون، وفي قوله: إن جميع الناس خطَّئوا سيبويه، وليس بصحيح. وكيف يخطأ باللسان من تمسك بالسَّماع بالصحيح، كما جاء في هذا الحديث المتفق على صحته. وقد جاء عن بعض الصَّحابة ﵃ في وصف النبي ﷺ فقال: شَثَنٌ أصابعه (٤)، وقد اتفق أهل اللسان على صحة قول الشاعر:

стр. 3636

جَارِيَةُ أَبِي زَرعٍ، فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنقِيثًا، وَلَا تَملَأُ بَيتَنَا تَعشِيشًا، ــ أَمِن دِمِنتين عرَّج الركبُ فيهما ... بحقل الرُّخامى قد عفا طللاهُما أقامَت عَلَى رَبعَيهِما جارَتا صَفًا ... كُميتا الأعالي جونتا مصطلاهما وقد تعسَّف المانع في تأويل هذا السماع بما تمجُّه الأسماع، ولتفصيل ذلك مبسوطات النحو، ومن تمسك بالسماع فرد حجَّته لا يستطاع. و(قولها: لا تبثُّ حديثنا تبثيثًا) يُروى بالباء بواحدة، من البث: وهو الإظهار والإشاعة، فتصفها بكتمان ما تسمعه من الحديث، وهذا يدلّ على عقلها، وأمانتها، ويُروى بالنون، وهو بمعنى الأول. يقال: نثَّ الحديث إذا أنثاه، وفي الصحاح: بث الخبر، وأبثه: إذا أفشاه، ونثَّه بالنون ينثّه بالضم كذلك، وأنشد: إذا جاوَزَ الاثنين سرٌّ فإنَّهُ ... بِنَثٍّ وتكثِيرِ الوُشَاةِ قَمينُ و(قولها: ولا تنقَّث ميرتنا تنقيثًا) أصل التنقيث: الإسراع. يقال: خرجت أنقث - بالضم -، أي: أسرع السير، وكذلك أنتقث. والميرة: ما يمتار من موضع إلى موضع من الأطعمة، وأرادت: أنها أمينةٌ على حفظ طعامنا وحافظة له. و(قولها: ولا تملأ بيتنا تعشيشًا) يُروى هذا بالعين المهملة والمعجمة، فعلى المهملة فسَّره الخطابي بأنها لا تفسد الطعام المخبوز، بل تتعهده بأن تطعمنا منه أولًا فأولًا، وتلاه على هذا التفسير المازري، وهذا إنما يتمشَّى على رواية من رواه: ولا تفسد ميرتنا تعشيشًا. وأما على رواية ما صح هنا من قولها: ولا تملأ، فلا يستقيم، وإنَّما معناه: أنها تتعهَّد بيتها بالنظافة والكَنس، ولا تترك كناسة في البيت، حتى يصير كعش الطائر، وأما رواية الغين المعجمة فهو من الغش والخيانة، أي: لا تخوننا في شيء من ذلك، ولا تترك النصيحة في صنعة. والأوطاب: جمع وطب، وهو من الجموع النادرة، فإنَّ فَعلًا في الصحيح قياسه

стр. 3637

قَالَت: خَرَجَ أَبُو زَرعٍ وَالأَوطَابُ تُمخَضُ فَلَقِيَ امرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالفَهدَينِ يَلعَبَانِ مِن تَحتِ خَصرِهَا بِرُمَّانَتَينِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحتُ بَعدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعطَانِي مِن كُلِّ رَائِحَةٍ زَوجًا، ــ أن يأتي في القلة على أفعل، وفي الكثرة على فُعُول، وفِعَال، وهي: أسقية اللبن، وتُمَخَّض: تحرِّك ليخرج زبدها. و(قولها: يلعبان من تحت خصرها برمَّانتين) قال ابن أبي أويس: تعني بالرمانتين: ثدييها. قال أبو عبيد: ليس هذا موضعه، وإنَّما معناه: أنها عظيمة الكفل، فهي إذا استلقت صار بينها وبين الأرض فجوة يجري فيها الرُّمان، قال القاضي: وما أنكره أبو عبيد أظهر وأشبه، لا سيما وقد روي: من تحت صدرها، ومن تحت درعها، ولأن العادة لم تجر برمي الصبيان الرمان تحت أصلاب أمهاتهم، ولا باستلقاء النساء كذلك، حتى يشاهد ذلك منهن الرجال، والأشبه: أنهما رمانتا الثديين، شبههما بذلك لنهودهما، ودلَّ على ذلك صغر سنها. و(قولها: فنكحتُ بعده رجلًا سريًا، ركب شريًا، وأخذ خطيًا، وأراح عليَّ نَعَمًا ثريًا) السري - بالسين المهملة -: هو السيِّد الشريف، ومنه قوله تعالى: ﴿قَد جَعَلَ رَبُّكِ تَحتَكِ سَرِيًّا﴾ على قول الحسن، وسراة كل شيء: خياره، وسروات الناس: كبراؤهم، وحكى يعقوب فيها الشين المعجمة. وركب شريًّا أي: فرسًا سريعًا. يُقال: استشرى الفرس، إذا لَجَّ في سيره ومضى فيه، وقال يعقوب: فرس شري: خيارٌ، وهو بالمعجمة لا غير. والخطي: الرمح، منسوب إلى موضع بالبحرين يقال له: الخط. والنعم: الإبل. وثريًّا: كثيرة كالثرى، وهو التراب. وأراحها: أتى بها إلى مراحها، وهو موضع مبيتها. و(قولها: وأعطاني من كل رائحة زوجًا) رائحة - بالراء -: هو اسم فاعل من

стр. 3638

قَالَ: فكُلِي أُمَّ زَرعٍ، وَمِيرِي أَهلَكِ، فَلَو جَمَعتُ كُلَّ شَيءٍ أَعطَانِي مَا بَلَغَ أَصغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرعٍ، قَالَت عَائِشَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرعٍ لِأُمِّ زَرعٍ. ــ راح، تعني: أنه أعطاها من كل صنف من الإبل، والغنم، والبقر. والزوج: الصِّنف (١)، كما قال تعالى: ﴿وَكُنتُم أَزوَاجًا ثَلاثَةً﴾ وقد يراد بالزوج: اثنان. يقال فرد وزوج، وزوج المرأة: بعلها، وهي زوجٌ له. وقد جاء زوجه، ويقال: هما زوجان للاثنين، وهما زوج، كما يقال: هما سيّان، وهما سواء، قاله الجوهري. وقال غيره: ولا يوضع الزوج على الاثنين أبدًا. قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوجَينِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ وقد رويت هذه الكلمة: ذابحة بالذال المعجمة من الذبح، وتكون فاعلة بمعنى مفعولة، كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية، يعني: أنه أعطاها من كل شيء يذبح. و(قوله: فكلي أم زرع، ومِيري أَهلَكِ) أباح لها أن تأكل ما شاءت من طعامه، وأن تبعث منه بما شاءت لأهلها، مبالغة في إكرامها، وفي الاحتفال بها، ومع ذلك كله، فكانت أحواله كلها عندها محتقرة بالنسبة إلى أبي زرع، ولذلك قالت: فلو جمعت كل شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، وسبب ذلك: أن أبا زرع كان الحبيب الأول. كما قال الشاعر (٢): نقِّل فؤادَك حيث شئتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأوَّلِ وقوله ﷺ لعائشة: كنت لك كأبي زرع لأم زرع تطييب لقلبها، ومبالغة في حسن عشرتها، ومعناه: أنا لك، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ﴾ أي: أنتم، ويمكن بقاؤها على ظاهرها، أي: كنت لك في علم الله

стр. 3639

وفي رواية، قال: عياياء طباقاء - ولم يشك - وقال: قليلات المسارح، وقال: وصفر ردائها، وخير نسائها، وعقر جارتها، وقال: ولا تنقث ميرتنا تنقيثا، وقال: وأعطاني من كل ذابحة زوجا. رواه البخاريُّ (٥١٨٩)، ومسلم (٢٤٤٨). * * * ــ السَّابق، ويمكن أن تكون مِمَّا أريد بها الدوام، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وحديث أم زرع هذا فيه أحكام: منها: جواز محادثة الأهل، ومباسطتهن بما لا ممنوع فيه. وفيه: جواز إعلام الزوج زوجته بمحبته إياها بالقول إذا لم يؤد ذلك إلى مفسدة في حاله بحيث تهجره، وتتجرَّأ عليه. وفيه: ما يدل على أن ذكر عيوب من ليس بمعين لا يكون غيبة، وفيه جواز الانبساط بذكر طُرَفِ الأخبار، ومُستطابات الأحاديث، وتنشيط النفوس بذلك، وجواز ذكر محاسن الرجال للنساء، ولكن إذا كانوا مجهولين بخلاف المعيَّن، فإنَّ ذلك هو المنهي عنه بقوله ﷺ : لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها (١). وفيه: ما يدل على جواز الكلام بالألفاظ الغريبة والأسجاع، وأن ذلك لا يكره، وإنَّما يكره تكلف ذلك في الدُّعاء. * * *

стр. 3640

(٤٨) باب فضائل فاطمة بنت النبي ﷺ [٢٣٥٨] عن المِسوَرَ بنَ مَخرَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ استَأذَنُونِي أَن يُنكِحُوا ابنَتَهُم عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُم، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُم، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُم، إِلَّا أَن ــ (٤٨) ومن باب فضائل فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ سيدة نساء العالمين ﵂، وقد اختلف في أصغر بنات رسول الله ﷺ . قال أبو عمر: والذي تسكن النفس إليه: أن زينب هي الأولى، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ولدت لرسول الله ﷺ سنة إحدى وأربعين من مولده ﷺ وتزوجها علي ﵄ بعد وقعة أحد. وقيل: بعد أن ابتنى النبي ﷺ بعائشة ﵂ بأربعة أشهر ونصف شهر، وبنى بها عليٌّ بعد تزويجها بسبعة (١) أشهر ونصف، وكان سِنُّها يوم تزوجها ﵄ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصفًا، وسِنُّ علي يومئذ: إحدى وعشرون سنة وستة أشهر، وولدت له الحسن والحسين، وأم كلثوم، وزينب، وتوفيت بعد رسول الله ﷺ بيسير. قيل: بثمانية أشهر. وقيل: بستة أشهر. وقيل: بثلاثة أشهر. وقيل: بسبعين يومًا. وقيل: بمائة يوم. وهي أحبُّ بناتِ رسول الله ﷺ إليه، وأكرمهن عنده، وسيدة نساء أهل الجنة على ما تقدَّم في باب خديجة. وكان رسول الله ﷺ إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيصلِّي فيه، ثم يبدأ ببيت فاطمة فيسأل عنها، ثم يدور على سائر نسائه، إكرامًا لها، واعتناء بها، وهي أوَّل من سُتِر

стр. 3641

يُحِبَّ ابنُ أَبِي طَالِبٍ أَن يُطَلِّقَ ابنَتِي وَيَنكِحَ ابنَتَهُم، فَإِنَّمَا ابنَتِي بَضعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤذِينِي مَا آذَاهَا. ــ نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفعَلُ بالنساء، إنه يُطرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله! ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة؟ ! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تُعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدخلي أحدًا. فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية (١) تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبي ﷺ يدخلن على بنت رسول الله ﷺ ، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألَاّ يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها. قال أبو بكر ﵁: اصنعي ما أمرتك، ثم انصرف. وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو وعلي والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين. و(قوله ﷺ : إن فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها) البضعة - بفتح الباء -: القطعة من اللحم، وتجمع بضاع، كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: مُضغَة، وهي قَدرُ ما يمضغها الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه يؤلمه ما آلمها. ويريبني ما رابها: أي يشق علي ويؤلمني. يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه - ثلاثيًّا - والاسم منه: الرِّيبة.

стр. 3642

وفي رواية: أنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنتَ أَبِي جَهلٍ وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ ، فلما سمعت بذلك فَاطِمَةَ أَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَومَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابنَةَ أَبِي جَهلٍ، قَالَ: المِسوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ . وفي رواية: يَخطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَومَئِذٍ مُحتَلِمٌ فَسَمِعتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، قَالَ: أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَنكَحتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وفي رواية: ووعدني، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ مُضغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكرَهُ أَن يَفتِنُوهَا. وفي رواية: في دينها، وَإِنِّي لَستُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، ــ وهذيل تقول فيه: أرابني - رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. و(قولها: هذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل) كذا الرواية: ناكحًا بالنصب على الحال، لأنَّ الكلام قبله مستقل بنفسه، لأنَّ قولها: هذا علي، كقولك: هذا زيد، لكن رفعه أحسن لو روي، لأنَّه هو المقصود بالإفادة، وعلي توطئة له. و(قوله ﷺ : لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) تأكيد لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لما خاف النبي ﷺ على فاطمة من الفتنة من أجل الغَيرة، ولما توقع من مناكدة هذه الضَّرَّة، لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء. و(قوله: وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا) صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنَّما الرسول مُبلغ، ويُستدلُ به في منع اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبي ﷺ ولا حُجَّة فيه، لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها، وإنَّما هو مُظهِر لها،

стр. 3643

وإنها والله لَا تَجتَمِعُ بِنتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنتُ عَدُوِّ اللَّهِ عند رجل واحد أبدا. قال: فترك علي الخطبة. رواه أحمد (٤/ ٣٢٨)، والبخاريّ (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣ - ٩٦)، وأبو داود (٢٠٧١)، والترمذيُّ (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨). ــ كما أوضحناه في الأصول. ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبي ﷺ إنما منع عليًّا من ذلك لما خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبي ﷺ بسببها، وأذى النبي ﷺ حرام، فيحرم ما يؤدي إليه. ففيه القول بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك: بأن من فعل مِنَّا فعلا يجوز له فعله لا يمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبي ﷺ بل يحرم علينا مطلقًا فعل كل شيء يتأذى به النبي ﷺ وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبي ﷺ ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم. وفيه: ما يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته وولده وحرمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي لضررهم، إذا كان ذلك بوجه جائز. وفيه ما يدلّ على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم لأمر يحدث. و(قوله: والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا) دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتيقن خلاف ذلك، وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا منع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح، لأنَّه يلزم منه منع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتد على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم. فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة ﵂. و(قوله: فترك عليٌّ الخطبة) يعني: لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت ﵂.

стр. 3644

[٢٣٥٩] وعن عَائِشَةَ قَالَت: كُنَّ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عِندَهُ لَم يُغَادِر مِنهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَت فَاطِمَةُ تَمشِي مَا تُخطِئُ مِشيَتُهَا مِشيَة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ و(قوله ﷺ : إن أبا العاص بن الربيع حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (١)) أبو العاص هذا: هو زوج ابنة رسول الله ﷺ زينب ﵂، واسمه: لقيط -على الأكثر -. وقيل: هشيم (٢) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، وكان النبي ﷺ قد أنكحه زينب، وهي أكبر بناته وذلك بمكة فأحسن عشرتها، وكان مُحِبَّا لها، وأرادت منه قريش أن يطلقها فأبى، فشكر له النبي ﷺ ذلك، ثم إنَّه حضر مع المشركين ببدر فأُسِر، وحُمل إلى المدينة، فبعثت فيه زينبُ قلادتها، فردت عليها، وأُطلق لها، وكان وعد النبي ﷺ أن يرسلها إليه ففعل، وهاجرت زينب، وبقي هو بمكة على شِركِه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا، وذلك قبيل الفتح بيسير، فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ فأخذها، وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء إلى المدينة، فاستجار بزينب فأجارته، وكلم النبي ﷺ الناس في رد جميع ما أُخذ من تلك السَّرية، ففعلوا، وقال: إنه يردُّ أموال قريش، ويسلم، ففعل ذلك، فلذلك شكره النبي ﷺ وقال: حدَّثني فصدقي، ووعدني فوفى لي. وقول عائشة: كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة) أي: لم يترك، ولم يغفل عن واحدة منهن، وهذا كان لما اشتدَّ مرضُه، ومُرِّض في بيت عائشة. والسِّرار: السرُّ. يقال: سارره يسارره سرًّا، وسرارًا، ومُسارَّة. وبكاء فاطمة في أول مرَّة كان حزنًا على النبي ﷺ لما أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية

стр. 3645

شَيئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: مَرحَبًا بِابنَتِي، ثُمَّ أَجلَسَهَا عَن يَمِينِهِ - أَو عَن شِمَالِهِ - ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَت بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَت، فَقُلتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَينِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنتِ تَبكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَت: مَا كُنتُ أُفشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ. قَالَت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: عَزَمتُ عَلَيكِ بِمَا لِي عَلَيكِ مِن الحَقِّ لَمَا حَدَّثتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَت: أَمَّا الآنَ فَنَعَم، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي المَرَّةِ الأُولَى فَأَخبَرَنِي أَنَّ جِبرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَينِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَد اقتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصبِرِي، فَإِنَّهُ نِعمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَت: فَبَكَيتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرضَي أَن تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤمِنِينَ - أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ -؟ قَالَت: فَضَحِكتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيتِ. وزاد في رواية: وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي. رواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاريُّ (٦٢٨٥ - ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠) (٩٨ - ٩٩). * * * ــ فرحًا بما بشرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: إنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد تقدَّم الكلام على هذا في باب: خديجة. وكونه ﷺ كان جبريل يعارضه كل سنة مرَّة، يدل على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرَّة في السَّنة، ولما عارضه جبريل القرآن في آخر سنة مرتين استدل النبي ﷺ بذلك على قرب أجله من
следующие страницы →