← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

يُحِبَّ ابنُ أَبِي طَالِبٍ أَن يُطَلِّقَ ابنَتِي وَيَنكِحَ ابنَتَهُم، فَإِنَّمَا ابنَتِي بَضعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤذِينِي مَا آذَاهَا. ــ نعشُها في الإسلام، وذلك أنها لما احتضرت قالت لأسماء بنت عُميس: إني قد استقبحتُ ما يُفعَلُ بالنساء، إنه يُطرَحُ على المرأة الثوبُ يصفها، فقالت أسماء: يا ابنة رسول الله! ألا أريكِ شيئًا رأيتُه في الحبشة؟ ! فدعت بجرائد رطبةٍ، فَحَنَتها، ثم طرحت عليها ثوبًا، فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله، تُعرف به المرأة من الرجل، فإذا أنا مِتُّ، فاغسليني أنت وعليٌّ، ولا تُدخلي أحدًا. فلما توفيت جاءت عائشة لتدخل، فقالت أسماء: لا تدخلي. فشكت إلى أبي بكر فقالت: إن هذه الخثعمية (١) تحول بيننا وبين بنت رسول الله ﷺ ، وقد جعلت لها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر فوقف على الباب، فقال: يا أسماء! ما حَمَلَكِ على أن منعت أزواج النبي ﷺ يدخلن على بنت رسول الله ﷺ ، وجعلت لها مثل هودج العروس؟ فقالت: أمرتني ألَاّ يدخل عليها أحد، وأريتها هذا الذي صنعتُ، فأمرتني أن أصنع ذلك بها. قال أبو بكر ﵁: اصنعي ما أمرتك، ثم انصرف. وغسَّلها عليٌّ، وأشارت أن يدفنها ليلًا، وصلَّى عليها العباس، ونزل في قبرها هو وعلي والفضل، وتوفيت وهي بنت ثلاثين سنة، وقيل: بنت خمس وثلاثين. و(قوله ﷺ : إن فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها) البضعة - بفتح الباء -: القطعة من اللحم، وتجمع بضاع، كقصعة وقصاع، وهي مأخوذة من البضع، وهو القطع، وقد سَمَّاها في الرواية الأخرى: مُضغَة، وهي قَدرُ ما يمضغها الماضغ، ويعني بذلك: أنَّها كالجزء منه يؤلمه ما آلمها. ويريبني ما رابها: أي يشق علي ويؤلمني. يقال: رابني فلان: إذا رأيت منه ما تكرهه - ثلاثيًّا - والاسم منه: الرِّيبة.

стр. 3642

وفي رواية: أنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنتَ أَبِي جَهلٍ وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ ، فلما سمعت بذلك فَاطِمَةَ أَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ قَومَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابنَةَ أَبِي جَهلٍ، قَالَ: المِسوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ . وفي رواية: يَخطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ عَلَى مِنبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَومَئِذٍ مُحتَلِمٌ فَسَمِعتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، قَالَ: أَمَّا بَعدُ، فَإِنِّي أَنكَحتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي. وفي رواية: ووعدني، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنتَ مُحَمَّدٍ مُضغَةٌ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَكرَهُ أَن يَفتِنُوهَا. وفي رواية: في دينها، وَإِنِّي لَستُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، ــ وهذيل تقول فيه: أرابني - رباعيًّا- والمشهور: أن أراب: إنما هو بمعنى صار ذا ريبة، فهو مريب، وارتاب بمعنى: شك، والرَّيب: الشك. و(قولها: هذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل) كذا الرواية: ناكحًا بالنصب على الحال، لأنَّ الكلام قبله مستقل بنفسه، لأنَّ قولها: هذا علي، كقولك: هذا زيد، لكن رفعه أحسن لو روي، لأنَّه هو المقصود بالإفادة، وعلي توطئة له. و(قوله ﷺ : لا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن) تأكيد لمنع الجمع بين فاطمة، وبين ابنة أبي جهل، لما خاف النبي ﷺ على فاطمة من الفتنة من أجل الغَيرة، ولما توقع من مناكدة هذه الضَّرَّة، لأنَّ عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء. و(قوله: وإني لست أحرم حلالًا، ولا أحل حرامًا) صريح في أن الحكم بالتحليل والتحريم من الله تعالى، وإنَّما الرسول مُبلغ، ويُستدلُ به في منع اجتهاد النبي ﷺ في الأحكام، ومن منع جواز تفويض الأحكام إلى النبي ﷺ ولا حُجَّة فيه، لأنَّ اجتهاد المجتهد لا يوجب الأحكام، ولا ينشئها، وإنَّما هو مُظهِر لها،

стр. 3643

وإنها والله لَا تَجتَمِعُ بِنتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنتُ عَدُوِّ اللَّهِ عند رجل واحد أبدا. قال: فترك علي الخطبة. رواه أحمد (٤/ ٣٢٨)، والبخاريّ (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩) (٩٣ - ٩٦)، وأبو داود (٢٠٧١)، والترمذيُّ (٣٨٦٧)، وابن ماجه (١٩٩٨). ــ كما أوضحناه في الأصول. ويفيد هذا: أن حكم الله على عليٍّ، وعلى غيره التخيير في نكاح ما طاب له من النساء إلى الأربع، ولكن النبي ﷺ إنما منع عليًّا من ذلك لما خاف على ابنته من المفسدة في دينها من ضرر عداوةٍ تَسري إليها، فتتأذى في نفسها، فيتأذى النبي ﷺ بسببها، وأذى النبي ﷺ حرام، فيحرم ما يؤدي إليه. ففيه القول بسد الذرائع، وإعمال المصالح، وأن حرمة النبي ﷺ أعظم من حرمة غيره، وتظهر فائدة ذلك: بأن من فعل مِنَّا فعلا يجوز له فعله لا يمنع منه، وإن تأذى بذلك الفعل غيره، وليس ذلك حالنا مع النبي ﷺ بل يحرم علينا مطلقًا فعل كل شيء يتأذى به النبي ﷺ وإن كان في أصله مباحًا، لكنه إن أدَّى إلى أذى النبي ﷺ ارتفعت الإباحة، ولزم التحريم. وفيه: ما يدلّ على جواز غضب الرَّجل لابنته وولده وحرمه، وعلى الحرص في دفع ما يؤدي لضررهم، إذا كان ذلك بوجه جائز. وفيه ما يدلّ على جواز خطبة الإمام الناس وجمعهم لأمر يحدث. و(قوله: والله لا تجتمع ابنة نبي الله وابنة عدوِّ الله عند رجل واحد أبدًا) دليل على أن الأصل أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدوّ، إلى أن يتيقن خلاف ذلك، وقد استنبط بعض الفقهاء من هذا منع نكاح الأَمَة على الحرَّة، وليس بصحيح، لأنَّه يلزم منه منع نكاح الحرَّة الكتابية على المسلمة، ومنع نكاح ابنة المرتد على من ليس أبوها كذلك، ولا قائل به فيما أعلم. فدلَّ ذلك على أن ذلك الحكم مخصوص بابنة أبي جهل وفاطمة ﵂. و(قوله: فترك عليٌّ الخطبة) يعني: لابنة أبي جهل وغيرها، ولم يتزوَّج عليها، ولا تسرَّى حتى ماتت ﵂.

стр. 3644

[٢٣٥٩] وعن عَائِشَةَ قَالَت: كُنَّ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ عِندَهُ لَم يُغَادِر مِنهُنَّ وَاحِدَةً، فَأَقبَلَت فَاطِمَةُ تَمشِي مَا تُخطِئُ مِشيَتُهَا مِشيَة رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ــ و(قوله ﷺ : إن أبا العاص بن الربيع حدَّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (١)) أبو العاص هذا: هو زوج ابنة رسول الله ﷺ زينب ﵂، واسمه: لقيط -على الأكثر -. وقيل: هشيم (٢) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة لأبيها، وكان النبي ﷺ قد أنكحه زينب، وهي أكبر بناته وذلك بمكة فأحسن عشرتها، وكان مُحِبَّا لها، وأرادت منه قريش أن يطلقها فأبى، فشكر له النبي ﷺ ذلك، ثم إنَّه حضر مع المشركين ببدر فأُسِر، وحُمل إلى المدينة، فبعثت فيه زينبُ قلادتها، فردت عليها، وأُطلق لها، وكان وعد النبي ﷺ أن يرسلها إليه ففعل، وهاجرت زينب، وبقي هو بمكة على شِركِه إلى أن خرج في عير لقريش تاجرًا، وذلك قبيل الفتح بيسير، فعرض لتلك العير زيد بن حارثة في سرية من المسلمين من أصحاب رسول الله ﷺ فأخذها، وأفلت أبو العاص هاربًا إلى أن جاء إلى المدينة، فاستجار بزينب فأجارته، وكلم النبي ﷺ الناس في رد جميع ما أُخذ من تلك السَّرية، ففعلوا، وقال: إنه يردُّ أموال قريش، ويسلم، ففعل ذلك، فلذلك شكره النبي ﷺ وقال: حدَّثني فصدقي، ووعدني فوفى لي. وقول عائشة: كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة) أي: لم يترك، ولم يغفل عن واحدة منهن، وهذا كان لما اشتدَّ مرضُه، ومُرِّض في بيت عائشة. والسِّرار: السرُّ. يقال: سارره يسارره سرًّا، وسرارًا، ومُسارَّة. وبكاء فاطمة في أول مرَّة كان حزنًا على النبي ﷺ لما أعلمها بقرب أجله، وضحكها ثانية

стр. 3645

شَيئًا، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا، فَقَالَ: مَرحَبًا بِابنَتِي، ثُمَّ أَجلَسَهَا عَن يَمِينِهِ - أَو عَن شِمَالِهِ - ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَت بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَت، فَقُلتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن بَينِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنتِ تَبكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَت: مَا كُنتُ أُفشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرَّهُ. قَالَت: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: عَزَمتُ عَلَيكِ بِمَا لِي عَلَيكِ مِن الحَقِّ لَمَا حَدَّثتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَت: أَمَّا الآنَ فَنَعَم، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي المَرَّةِ الأُولَى فَأَخبَرَنِي أَنَّ جِبرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ القُرآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَينِ، وَإِنِّي لَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَد اقتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصبِرِي، فَإِنَّهُ نِعمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ، قَالَت: فَبَكَيتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرضَي أَن تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ المُؤمِنِينَ - أَو سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ -؟ قَالَت: فَضَحِكتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيتِ. وزاد في رواية: وإنك أول أهل بيتي لحوقا بي. رواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاريُّ (٦٢٨٥ - ٦٢٨٦)، ومسلم (٢٤٥٠) (٩٨ - ٩٩). * * * ــ فرحًا بما بشرها به من السلامة من هذه الدار، ولقرب الاجتماع به، وبالفوز بما لها عند الله من الكرامة، وكفى بذلك أن قال لها: إنها سيدة نساء أهل الجنة، وقد تقدَّم الكلام على هذا في باب: خديجة. وكونه ﷺ كان جبريل يعارضه كل سنة مرَّة، يدل على استحباب عرض القرآن على الشيوخ ولو مرَّة في السَّنة، ولما عارضه جبريل القرآن في آخر سنة مرتين استدل النبي ﷺ بذلك على قرب أجله من

стр. 3646

(٤٩) باب فضائل أم سلمة وزينب زوجي النبي ﷺ [٢٣٦٠] عن أبي عُثمَانَ، عَن سَلمَانَ قَالَ: لَا تَكُونَنَّ إِن ــ حيث مخالفة العادة المتقدِّمة، والله تعالى أعلم. وكان النبي ﷺ كثر عليه الوحي في السنة التي توفي فيها حتى كمَّل الله من أمره ووحيه ما شاء أن يكمله. (٤٩) ومن باب فضائل أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبيها: حذيفة، يعرف بزاد الراكب، وكان أحد أجواد العرب المشهورين بالكرم، وكانت قبل النبي ﷺ تحت أبي سلمة بن عبد الأسد، وأسلمت هي وزوجها، وكان أول من هاجر إلى أرض الحبشة، ويقال: إن أم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة مهاجرة. قال أبو عمر: تزوج بها رسول الله ﷺ بعد سنتين من الهجرة، بعد وقعة بدر، وعقد عليها في شوال، وابتنى بها في شوال. قال أبو محمد عبد الله بن علي الرَّشاطي: [هذا وَهمٌ شنيع] (١)، وذلك: أن زوجها أبا سلمة شهد أحدًا، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث، فجرح فيها جرحًا اندمل، ثم انتقض به فتوفي منه لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة أربع، وانقضت عدَّة أم سلمة منه في شوال سنة أربع، وبنى بها عند انقضائها. قال: وقد ذكر أبو عمر هذا في صدر الكتاب، وجاء به على الصواب. وتوفيت أم سلمة في أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين. وقيل: توفيت في شهر رمضان، أو شوال سنة تسع وخمسين، وصلَّى عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، ودفنت بالبقيع. وأما زينب: فهي ابنة جحش بن رِئاب بن يعمر بن صَبِرة بن مرة بن كبير بن

стр. 3647

استَطَعتَ أَوَّلَ مَن يَدخُلُ السُّوقَ وَلَا آخِرَ مَن يَخرُجُ مِنهَا، فَإِنَّهَا مَعرَكَةُ ــ غنم بن دُودان بن أسد بن خزيمة، وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ وقد أثنت عليها عائشة بأوصافها الحسنة المذكورة في باب عائشة (١)، وكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول لهنَّ: أنكحكن أولياؤكن، وإن الله أنكحني بنبيه ﷺ من فوق سبع سماوات، تعني بذلك قوله تعالى: ﴿زَوَّجنَاكَهَا﴾ توفيت سنة عشرين في خلافة عمر ﵁، وفي هذا العام استفتحت مصر. وقيل: توفيت سنة إحدى وعشرين، وفيها فتحت الإسكندرية، وكانت زينب هذه أوَّل أزواجه اللائي توفي عنهنَّ لحاقًا به، وكان للنبي ﷺ زوجة أخرى تسمَّى زينب بنت خزيمة الهلالية، وتدعى أم المساكين لحنوِّها عليهم، وهي من بني عامر، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا، شهرين أو ثلاثة، وتوفيت في حياة النبي ﷺ وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، قتل عنها يوم أحد. و(قول سلمان: لا تكونن إن استطعت أول من تدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنَّها معركة الشيطان). كذا روى مسلم هذا الحديث موقوفًا على سلمان من قوله. وقد رواه أبو بكر البزار مرفوعًا للنبي ﷺ من طريق صحيح، وهو الذي يليق بمساق الخبر، لأنَّ معناه ليس مما يدرك بالرأي والقياس، وإنما يدرك بالوحي، وأخرجه الإمام أبو بكر البرقاني في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم بن أبي عثمان النَّهدي عن سلمان. قال: قال رسول الله ﷺ : لا تكن أوَّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، فإنَّها معركة الشيطان، فيها باض الشيطان وفرَّخ (٢). والمعركة: موضع القتال، سُمِّي بذلك لتعارك الأبطال فيه، ومصارعة بعضهم بعضا، فشبه

стр. 3648

الشَّيطَانِ وَبِهَا يَنصِبُ رَايَتَهُ، قَالَ: وَأُنبِئتُ أَنَّ جِبرِيلَ ﵇ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ وَعِندَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ: مَن هَذَا؟ أَو كَمَا قَالَ. قَالَت: هَذَا دِحيَةُ، قَالَ: فَقَالَت أُمُّ سَلَمَةَ: ايمُ اللَّهِ مَا حَسِبتُهُ إِلَّا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعتُ خُطبَةَ النَبِيِّ ﷺ يُخبِرُ خَبَرَنَا، أَو كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلتُ لِأَبِي عُثمَانَ: مِمَّن سَمِعتَ هَذَا؟ قَالَ: مِن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ. رواه مسلم (٢٤٥١). ــ السوقَ، وفعل الشيطان بأهلها ونيله منهم بما يحملهم عليه من المكر، والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة والكذب، والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات، وغير ذلك بمعركة الحرب، وبمن يصرع فيها. و(قوله: وبها ينصب رايته) إعلام بإقامته في الأسواق، وجمع أعوانه إليه فيها. ويفيد هذا الحديث: أن الأسواق إذا كانت موطن الشياطين ومواضع لهلاك الناس، فينبغي للإنسان ألا يدخلها إلا بحكم الضرورة، ولذلك قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها، ولأن من كان أول داخل فيها أو آخر خارج منها كان ممن استحوذ عليه الشيطان، وصرفه عن أمور دينه، وجعل همَّه السوق، وما يُعمل فيها فأهلكه. فحق من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله: أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هنالك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته، وبليته. وقد تقدَّم القول في تمثل الملائكة والجن في الصور المختلفة، وأن لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأن الإيمان بذلك كله واجب، لما دل عليه من السمع الصادق، وكان دحية بن خليفة رجلًا حسن الصورة، فلذلك تمثل بصورته جبريل ﵇ وهو دحية بن خليفة بن فروة الكلبي، وكان من كبار

стр. 3649

[٢٣٦١] وعن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَسرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطوَلُكُنَّ يَدًا، قَالَت: فَكُنَّ يَتَطَاوَلنَ أَيَّتُهُنَّ أَطوَلُ يَدًا. قَالَت: فَكَانَت أَطوَلَنَا يَدًا زَينَبُ؛ لِأَنَّهَا كَانَت تَعمَلُ بِيَدِيهَا، وَتَصَدَّقُ. رواه أحمد (٦/ ١٢١)، والبخاريُّ (١٤٢٠)، ومسلم (٢٤٥٢)، والنسائي (٥/ ٦٦). * * * ــ الصحابة، لم يشهد بدرًا، شهد أحدًا وما بعدها، وبقي إلى خلافة معاوية، وأرسله رسول الله ﷺ إلى قيصر في سنة ست من الهجرة فآمن قيصر، وأبت بطارقته أن تؤمن، فأخبر دحية بذلك النبي ﷺ فقال: ثبت ملكه (١). و(قوله ﷺ : أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا) هذا خطاب منه لزوجاته - خاصة، ألا ترى أنه قال لفاطمة ﵂: أنت أوَّل أهل بيتي لحوقًا بي (٢)، وكانت زينب أوَّل أزواجه وفاة بعده، وفاطمة أوَّل أهل بيته وفاة، ولم يرد باللحاق به الموت فقط، بل: الموت والكون معه في الجنة والكرامة. وتطاول أزواجه بأيديهنَّ مقايسة أيديهن بعضهن ببعض، لأنَّهن حملن الطول على أصله وحقيقته، ولم يكن مقصود النبي ﷺ ذلك، وإنَّما كان مقصوده: طول اليد بإعطاء الصدقات، وفعل المعروف، وبيَّن ذلك أنه: لما كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا للمعروف والصدقات كانت أولهن موتًا، فظهر صدقه، وصح قوله ﷺ . * * *

стр. 3650

(٥٠) باب فضائل أم أيمن مولاة النبي ﷺ وأم سليم، أم أنس بن مالك [٢٣٦٢] عَن أَنَسٍ قَالَ: انطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُمِّ أَيمَنَ وَانطَلَقتُ مَعَهُ، فَنَاوَلَتهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ، قَالَ: فَلَا أَدرِي أَصَادَفَتهُ صَائِمًا أَو لَم يُرِدهُ، فَجَعَلَت تَصخَبُ عَلَيهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيهِ. رواه مسلم (٢٤٥٣). [٢٣٦٣] وعنه قال: قَالَ أَبُو بَكرٍ بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُمَرَ: انطَلِق بِنَا إِلَى أُمِّ أَيمَنَ نَزُورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا، فَلَمَّا انتَهَينَا إِلَيهَا بَكَت، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبكِيكِ؟ مَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَت: مَا ــ (٥٠) ومن باب: فضائل أم أيمن ﵂ واسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، كنيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي، تزوجت بعد عبيدَ، زيد بن حارثة، فولدت له أسامة بن زيد، كانت لأمِّ رسول الله ﷺ ، ثم صارت له بالميراث، وكان ﷺ يقول: أم أيمن أمي بعد أمي (١)، وكان ﷺ يُكرِمها ويبرها مَبَرَّة الأم، ويكثر زيارتها، وكان ﷺ عندها كالولد، ولذلك كانت تصخبُ عليه، أي: ترفع صوتها عليه. وتذمر، أي: تغضب وتضجر، فِعل الوالدة بولدها، وقال الأصمعي: تذمَّر الرجل: إذا تغضب، وتكلم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمَّر الرجل: إذا لام نفسه. وزيارة النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر ﵄ لها، دليل على فضلها، ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة.

стр. 3651

أَبكِي أَن لَا أَكُونَ أَعلَمُ أَنَّ مَا عِندَ اللَّهِ خَيرٌ لِرَسُولِهِ ﷺ ، وَلَكِن أَبكِي أَنَّ الوَحيَ قَد انقَطَعَ مِن السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتهُمَا عَلَى البُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبكِيَانِ مَعَهَا. رواه مسلم (٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥). [٢٣٦٤] وعنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِن النِّسَاءِ إِلَّا عَلَى أَزوَاجِهِ إِلَّا أُمِّ سُلَيمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدخُلُ عَلَيهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَرحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي. رواه مسلم (٢٤٥٥). ــ و(قول أم أيمن ﵂: أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء) أن مفتوحة، لأنَّها معمولة لأبكي بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأن، أو: من أجل أن، تعني: أن الوحي لما انقطع بعد رسول الله ﷺ عمل الناس بآرائهم، فاختلفت مذاهبهم، فوقع التنازع والفتن، وعظمت المصائب والمحن، ولذلك نجم بعده ﷺ النفاق، وفشا الارتداد والشقاق، ولولا أن الله تعالى تدارك الدِّين بثاني اثنين لما بقي منه أثر ولا عين. و(قول أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ لا يدخل على النساء [إلا على أزواجه إلا أم سليم) إنما كان النبي ﷺ لا يدخل على النساء] (١)، عملًا بما شرع من المنع من الخلوة بهنَّ، وليُقتدَى به في ذلك، ومخافة أن يقذف الشيطان في قلب أحد من المسلمين شرًّا فيهلك، كما قال في حديث صفية المتقدِّم، ولئلا يجد المنافقون، وأهل الزيغ مقالًا، وإنما خصَّ أم سليم بالدُّخول عندها، لأنها كانت منه ذات محرمٍ بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبها من فجعتها بأخيها، إذ كان

стр. 3652

[٢٣٦٥] وعنه، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: دَخَلتُ الجَنَّةَ فَسَمِعتُ خَشفَةً ــ قد قُتِل معه في بعض حروبه، وأظنه يوم أحد (١)، ولما علم النبي ﷺ من فضلها، كما دلَّ عليه رؤية النبي ﷺ إياها في الجنة. وأم سليم هذه هي: ابنةُ ملحان بن زيد بن حرام من بني النجار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمت مع قومها، فغضب مالك لذلك، فخرج إلى الشام فهلك هنالك كافرًا، وقيل: قتل، ثم خطبها بعده أبو طلحة، وهو على شِركه، فأَبَت حتى يُسلِم، وقالت: لا أريد منه صداقًا إلا الإسلام، فأسلم وتزوَّجها، وحسن إسلامه. فولدت له غلامًا كان قد أعجب به فمات صغيرًا، ويقال: إنه أبو عمير صاحب النُّغير، وكان أبو طلحة غائبًا حين مات، فغطته أم سليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه، فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعت له فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشق ذلك عليه، ثم إنه أتى النبي ﷺ فأخبره، فدعا لهما النبي ﷺ : وقال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما (٢)، كما ذكر في الأصل، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له: عبد الله بن أبي طلحة، وهو والد إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلهم حمل عنه العلم، وإسحاق هو شيخ مالك، واختلف في اسم أم سليم. فقيل: سهلة. وقيل: رملة. وقيل: مليكة. وهي الغميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إن بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس. والغميصاء: مأخوذ من الغمص، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يقال بالصاد والسين، والرمص - بالراء -: ما تجمَّد منه، قاله يعقوب وغيره. وكانت أم سليم من عقلاء النساء وفضلائهن، شهدت مع رسول الله ﷺ أحدًا وحنينًا، روت عن النبي ﷺ أحاديث، خرج لها في الصحيحين أربعة أحاديث. و(قوله: دخلتُ الجنة فسمعت خشفة) هي بفتح الخاء وسكون الشين

стр. 3653

فَقُلتُ: مَن هَذَا؟ قَالُوا: هَذِهِ الغُمَيصَاءُ بِنتُ مِلحَانَ، أُمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ. رواه مسلم (٢٤٥٦). [٢٣٦٦] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أُرِيتُ الجَنَّةَ فَرَأَيتُ امرَأَةَ أَبِي طَلحَةَ، ثُمَّ سَمِعتُ خَشخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا بِلَالٌ. رواه مسلم (٢٤٥٧). * * * (٥١) باب فضائل أبي طلحة الأنصار ي [٢٣٦٧] عَن أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ ابنٌ لِأَبِي طَلحَةَ مِن أُمِّ سُلَيمٍ، فَقَالَت لِأَهلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلحَةَ بِابنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ، قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَت إِلَيهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، قَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَت لَهُ أَحسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبلَ ــ المعجمتين، وهي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة، كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوت الشيء اليابس يحك بعضه بعضًا، ويتراجع، وكان هذا الدخول في الجنة من النبي ﷺ في النوم، كما قاله في حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌ، فهي ﵂ من أهل الجنة. (٥١) ومن باب: فضائل أبي طلحة ﵁ هو زيد بن سهل من بني النجار، شهد المشاهد كلها، وكان أحد الرُّماة المذكورين من الصحابة ﵃، وكان من الأبطال، قَتَل يوم حنين عشرين، وأخذ أسلابهم، وكان أبو طلحة يتطاول بصدره يوم أحد يقي

стр. 3654

ذَلِكَ فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَت أَنَّهُ قَد شَبِعَ وَأَصَابَ مِنهَا، قَالَت: يَا أَبَا طَلحَةَ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ قَومًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُم أَهلَ بَيتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُم أَلَهُم أَن يَمنَعُوهُم؟ قَالَ: لَا، قَالَت: فَاحتَسِب ابنَكَ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَرَكتِنِي حَتَّى تَلَطَّختُ، ثُمَّ أَخبَرتِنِي بِابنِي، فَانطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيلَتِكُمَا. قَالَ: فَحَمَلَت، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى المَدِينَةَ مِن سَفَرٍ لَا يَطرُقُهَا طُرُوقًا، فَدَنَوا مِن المَدِينَةِ فَضَرَبَهَا المَخَاضُ، فَاحتُبِسَ عَلَيهَا أَبُو طَلحَةَ، وَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلحَةَ: إِنَّكَ لَتَعلَمُ يَا رَبِّ إِنَّهُ يُعجِبُنِي أَن أَخرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ، وَأَدخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ، وَقَد احتَبَستُ بِمَا تَرَى، ــ رسول الله ﷺ من النبل، ويقول: صدري دون صدرك، ونفسي لنفسك الفداء، ووجهي لوجهك الوقاء، وكان ﷺ يقول: لصوت أبي طلحة في الجيش خيرٌ من مائة رجل (١). واختلف في وقت وفاته فقيل: سنة إحدى وثلاثين. وقيل: سنة أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وروى حماد بن سلمة عن ثابت البناني، وعلي بن زيد، عن أنس: أن أبا طلحة سرد الصَّوم (٢) بعد رسول الله ﷺ أربعين سنة، وأنه ركب البحر، فمات فدفن في جزيرة، وقال المدائني: مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. روى عن رسول الله ﷺ ستَّةً وعشرين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين أربعة أحاديث. و(قوله: بارك الله لكما في غابر ليلتكما) أي: في ماضيها، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد. يقال: غبر الشيء: إذا ذهب، وغبر: إذا بقي. وصنيع أم سليم،

стр. 3655

قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيمٍ: يَا أَبَا طَلحَةَ، مَا أَجِدُ الَّذِي كُنتُ أَجِدُ انطَلِق، فَانطَلَقنَا، قَالَ: وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَت غُلَامًا، فَقَالَت لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ، لَا يُرضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصبَحَ احتَمَلتُهُ فَانطَلَقتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَصَادَفتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: لَعَلَّ أُمَّ سُلَيمٍ وَلَدَت؟ فقُلتُ: نَعَم، فَوَضَعَ المِيسَمَ، قَالَ: وَجِئتُ بِهِ فَوَضَعتُهُ فِي حَجرِهِ، قال: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَجوَةٍ مِن عَجوَةِ المَدِينَةِ فَلَاكَهَا فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَت ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِي الصَّبِيِّ، فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انظُرُوا إِلَى حُبِّ الأَنصَارِ التَّمرَ، قَالَ: فَمَسَحَ وَجهَهُ وَسَمَّاهُ عَبدَ اللَّهِ. رواه أحمد (٣/ ١٨٨)، والبخاري (٦١٢٩ و ٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٤٤) في فضائل الصحابة (١٠٧)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذيُّ (٣٣٣ و ١٩٨٩)، وابن ماجه (٣٧٢٠). * * * ــ ووعظها له يدلّ على كمال عقلها وفضلها وعلمها. وملازمة أبي طلحة للكون مع رسول الله ﷺ في سفره وحضره، ومدخله ومخرجه: دليل على كمال محبته للنبي ﷺ وصدق رغبته في الجهاد، والخير وتحصيل العلم. ورفع وجع المخاض - وهو الولادة - عن أم سليم عند دعاء أبي طلحة دليل على كرامات الأولياء، وإجابة دعواتهم، وأن أبا طلحة وأم سليم منهم. والطَّروق: هو المجيء بالليل. والميسم: المكوى الذي تُوسَم به الإبل، أي: تُعلَّم. وفي هذا الحديث أحكام واضحة قد تقدَّم التنبيه على أكثرها. * * *

стр. 3656

(٥٢) باب فضائل بلال بن رباح [٢٣٦٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ صَلَاة ــ (٥٢) ومن باب: فضائل بلال بن رباح ﵁ وتُسمَّى أمُّه: حمامة، واختلف في كنيته، فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو عبد الكريم، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عمرو، وكان حبشيًّا. قال ابن إسحاق: كان بلال لبعض بني جُمَح مُوَلَّدًا من مولّديهم، وقيل من مُولَّدي مكة، وقيل: من مولدي السّراة، وقال ابن مسعود: أول من أظهر الإسلام رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمار، وأمه سُمَيَّة، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وأتاهم على ما أرادوه منه إلا بلالًا، فإنَّه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد، أحد، وفي رواية: وجعلوا الحبل في عنقه، وقال سعيد بن المسيِّب: كان بلال شحيحًا على دينه، وكان يعذب على دينه، فإذا أراد المشركون أن يقاربهم قال: الله، الله. فاشتراه أبو بكر بخمس أواق، وقيل: بسبع. وقيل: بتسع، فأعتقه، فكان يؤذن لرسول الله ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ أراد أن يروح إلى الشام، فقال له أبو بكر ﵁: بل تكون عندي، فقال: إن كنت أعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله فذرني أذهب إليه، فقال: اذهب، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات ﵁. قلت: وظاهر هذا: أنَّه لم يؤذن لأبي بكر، وقد ذكر ابن أبي شيبة عن حسين بن علي، عن شيخ يقال له: الحفصي، عن أبيه، عن جده قال: أذن بلال حياة رسول الله ﷺ ، ثم أذَّن لأبي بكر حياته، ولم يؤذِّن في زمان عمر، فقال له

стр. 3657

الغَدَاةِ: يَا بِلَالُ حَدِّثنِي بِأَرجَى عَمَلٍ عَمِلتَهُ عِندَكَ فِي الإِسلَامِ مَنفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعتُ اللَّيلَةَ خَشفَ نَعلَيكَ بَينَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ. قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلتُ عَمَلًا فِي الإِسلَامِ أَرجَى عِندِي مَنفَعَةً مِن أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا فِي سَاعَةٍ ــ عمر: ما منعك أن تؤذن؟ قال: إني أذنت لرسول الله ﷺ حتى قبض، وأذنت لأبي بكر ﵁ حتى قبض، لأنَّه كان ولي نعمتي، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: يا بلال ليس عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله (١). فخرج فجاهد. ويقال: إنه أذن لعمر ﵁ إذ دخل الشام، فبكى عمر، وبكى المسلمون. وكان بلال خازنًا لرسول الله ﷺ ، وقال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق بلالًا سيدنا. وتوفي بلال بدمشق، ودفن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وهو ابن سبعين. و(قول النبي ﷺ لبلال: حدِّثني بأرجى عمل عملته (٢) في الإسلام منفعة) هذا السُّؤال إنما أخرجه من النبي ﷺ ما اطَّلع عليه من كرامة بلال ﵁ بكونه أمامه في الجنة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك. وقد جاء هذا الحديث في كتاب الترمذي بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الحصيب، قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالًا، فقال: يا بلال! بم سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي، دخلت البارحة الجنَّة فسمعت خشخشتك أمامي. . .، وذكر الحديث. فقال بلال: يا رسول الله! ما أذنت قط إلا صليت ركعتين، ولا أصابني حدث قط إلا توضأت عنده، ورأيت أن لله تعالى علي ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : بهما. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (٣)، فلنبحث في هذا الحديث.

стр. 3658

مِن لَيلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي أَن أُصَلِّيَ. رواه أحمد (٢/ ٣٣٣)، والبخاريُّ (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨). * * * ــ و(قوله: بم سبقتني إلى الجنة؟ لا يفهم من هذا أن بلالًا يدخل الجنة قبل النبي ﷺ ، فإنَّ ذلك ممنوع بما قد علم من أن النبي ﷺ هو السابق إلى الجنة، وبما قد تقدَّم أنَّه أوَّل من يستفتح باب الجنة، فيقول الخازن: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) (١)، وإنما هذه رؤيا نام أفادت أن بلالًا من أهل الجنة، وأنه يكون فيها مع النبي ﷺ ومن ملازميه، وهذا كما قال في الغميصاء: سمعت خشخشتك أمامي، وقد لا يبعد أن يقال في أسبقية بلال أنها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم. وفيه ما يدلّ على أن استدامة بعض النوافل، وملازمتها في أوقات وأحوال فيه فضل عظيم، وأجر كبير، وإن كان النبي ﷺ لم يدم عليها، ولا لازمها، ولا اشتهر العمل بها عند أصحابه ﵃، وأن ذلك لا ينكر على من لازمه ما لم يعتقد أن ذلك سنة راتبة له ولغيره، وهذا هو الذي منعه مالك حتى كره اختصاص شيء من الأيام، أو الأوقات بشيء من العبادات، من الصوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلا أن يعينه الشارع، ويدوم عليه، فأمَّا لو دام الإنسان على شيء من ذلك في خاصة نفسه، ولم يعتقد شيئًا من ذلك، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كل أذان، وفي ملازمة الطهارة دائمًا، لكان ذلك يفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثواب عظيم. و(قوله ﷺ : بهما) أي: بسبب ثواب فعل ذينك الأمرين وصلت إلى ما رأيت من كونك معي في الجنة.

стр. 3659

(٥٣) باب فضائل عبد الله بن مسعود [٢٣٦٩] عَن عَلقَمَةَ، عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ــ و(قوله ﷺ : حدِّثني بأرجى عمل عملته) أي: بعمل يكون رجاؤك بثوابه أكثر، ونفسك به أوثق. وفيه تنبيه على: أن العامل لشيء من القرب ينبغي له أن يأتي بها على أكمل وجوهها ليعظم رجاؤه في قبولها، وفي فضل الله عليها، فيحسن ظنه بالله تعالى، فإنَّ الله تعالى عند ظن عبده به، ويتضح لك هذا بمثل - ولله المثل الأعلى - أن الإنسان إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهدية أو تُحفة، فإنَّ أتى بها على أكمل وجوهها وأحسن حالاتها، قوي رجاؤه في قبولها، وحسن ظنه في إيصاله إلى ثوابها، لا سيما إذا كان المهدى له موصوفًا بالفضل والكرم، وإن انتقص شيء من ثوابها ضعف رجاؤه للثواب، وقد يتوقع الرد، لا سيما إذا علم أن المهدى له غني عنها، فأمَّا لو أتى بها واضحة النقصان، لكان ذلك من أوضح الخسران، إذ قد صار المهدى له كالمستصغر المهان. (٥٣) ومن باب فضائل عبد الله بن مسعود ﵁ هو ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن مازن بن مخزوم الهذلي، يُكنى: أبا عبد الرحمن، وأمه: أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضًا، أسلم قديمًا وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمرَّ به رسول الله ﷺ فقال: يا غلام! هل من لبن؟ قال: نعم! ولكني مؤتمن. قال: فهل من شاة حائل لم ينز عليها الفحل؟ فأتيتهُ بشاة شصوص (١)، فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص فقلص، فقلت: يا رسول الله!

стр. 3660

﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنُوا﴾ إلى آخر الآية، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قِيلَ لِي: أَنتَ مِنهُم. رواه مسلم (٢٤٥٩) (١٠٩). ــ علمني من هذا القول. فقال: رحمك الله! إنك غُلَيِّمٌ معلَّمٌ (١) فأسلم، وضمَّه رسول الله ﷺ إليه. فكان يلج عليه، ويلبسه نعله، ويمشي أمامه ومعه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وقال له: إذنك علي أن يرفع الحجاب، وأن تسمع سِوَادي حتى أنهاك (٢)، وكان يعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، قاله الجوزي. وصلَّى القبلتين، وشهد مع رسول الله ﷺ مشاهده كلها، وكان يشبه في هديه وسمته برسول الله ﷺ ، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وشهد له كبراء أصحاب رسول الله ﷺ بأنه من أعلمهم بكتاب الله قراءة وعلمًا، وفضائله كثيرة. توفي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبير ليلًا بوصيته، ولم يعلم عثمان بذلك، فعاتب عثمان الزبير على ذلك، والله أعلم. روى عن رسول الله ﷺ ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين: مائة وعشرون حديثًا. و(قوله: لما نزلت: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾. . . الآية، قد ذكرنا سبب نزول الآية، وتكلمنا على معناها في الأشربة. و(قوله ﷺ : قيل لي: أنت منهم) الخطاب لابن مسعود، أي: أوحي إلي

стр. 3661

[٢٣٧٠] وعن أبي موسى قال: قَدِمتُ أَنَا وَأَخِي مِن اليَمَنِ فَكُنَّا حِينًا وَمَا نُرَى ابنَ مَسعُودٍ وَأُمَّهُ إِلَّا مِن أَهلِ بَيتِ النبي ﷺ مِن كَثرَةِ دُخُولِهِم وَلُزُومِهِم لَهُ. رواه البخاري (٣٧٦٣)، ومسلم (٢٤٦٠) (١١٠)، والترمذي (٣٨٠٨). [٢٣٧١] وعَن أَبِي الأَحوَصِ قَالَ: كُنَّا فِي دَارِ أَبِي مُوسَى مَعَ نَفَرٍ مِن أَصحَابِ عَبدِ اللَّهِ وَهُم يَنظُرُونَ فِي مُصحَفٍ، فَقَامَ عَبدُ اللَّهِ، فَقَالُ أَبُو مَسعُودٍ: مَا أَعلَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ بَعدَهُ أَعلَمَ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن هَذَا القَائِمِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَمَا لَئِن قُلتَ ذَاكَ، لَقَد كَانَ يَشهَدُ إِذَا غِبنَا، ــ أنك يا بن مسعود من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكية عظيمة، ودرجة رفيعة، قلَّ من ظفر بمثلها. و(قول أبي موسى: مكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ﷺ ) هذا يدلّ على صحَّة ما ذكرنا: من أن رسول الله ﷺ ضمَّه إليه، واختصَّه بخدمته (١) وملازمته، وذلك لما رأى من صلاحيته لقبول العلم وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه: إنك غُلَيمٌ مُعَلَّم (٢)، وفي رواية أخرى: لَقِنٌ مُفهَم، أي: أنت صالح لأن تُعَلَّم فتَعلم، وتُلَقن فتفهم، ولما رأى النبي ﷺ ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عداد أهل بيته فلازمه حضرًا وسفرًا، وليلًا ونهارًا ليتعلَّم منه، وينقل عنه. و(قول أبي موسى: كان يشهد إذا غبنا) أي: يحضر مع رسول الله ﷺ إذا غاب الناس عنه.

стр. 3662

وَيُؤذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبنَا. رواه مسلم (٢٤٦١) (١١٣). [٢٣٧٢] وعَن عَبدِ اللَّهِ: أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ ــ و(قوله: ويؤذن له إذا حُجِبنا) يعني: أنه كان النبي ﷺ يأذن له في الوقت الذي يحجب عنه الناس، وذلك في الوقت الذي كان فيه مشتغلًا بخاصته. و(قول عبد الله: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ الحديث إلى آخره). قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في الأم مختصر مبتور، إنما ذكر منه أطرافًا لا تشرح مقصد الحديث، وبيانه في سياق آخر، ذكره ابن أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائل، وهو شقيق راوي الحديث في الأم، قال: لما أمر في المصاحف بما أمر، يعني: أمر عثمان بتحريقها ما عدا المصحف المجتمع عليه، الذي وجَّه منه النسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصحابة ﵃: أن بقاء تلك المصاحف يدخل اللبس والاختلاف، ذكر ابن مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يَغلَّ مصحفه فليفعل، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَغلُل يَأتِ بِمَا غَلَّ يَومَ القِيَامَةِ﴾ ثم قال: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟ على قراءة زيد بن ثابت؟ لقد أخذت القرآن من في رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبي من الصبيان (١)، فتمام هذا الحديث يظهر كلام عبد الله. قلت: و (قوله: غلوا مصاحفكم. . . إلى آخره)، أي: اكتموها ولا تسلموها، والتزموها إلى أن تلقوا الله تعالى بها، كما يفعل من غل شيئًا فإنه يأتي به يوم

стр. 3663

ثُمَّ قَالَ: عَلَى قِرَاءَةِ مَن تَأمُرُونِي أَن أَقرَأَ؟ فَلَقَد قَرَأتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضعًا وَسَبعِينَ سُورَةً، ــ القيامة، ويحمله، وكان هذا رأيًا منه انفرد به عن الصحابة ﵃ ولم يوافقه أحد منهم عليه، فإنَّه كتم مصحفه، ولم يظهره، ولم يقدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحف التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابة في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وترك مصحف عبد الله، وخفي إلى أن وجد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعز، فأمر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين، على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأحرق. و(قوله: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟ ) إنكار منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد مع أنه سابق له إلى حفظ القرآن، وإلى أخذه عن رسول الله ﷺ ، فصعب عليه أن يترك قراءة قرأها على رسول الله ﷺ ويقرأ بما قرأه زيد أو غيره، فتمسك بمصحفه وقراءته، وخفي عليه الوجه الذي ظهر لجميع الصحابة ﵃ من المصلحة التي هي من أعظم ما حفظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخل به، والتغيير بالزيادة والنقصان. وقد تقدَّم القول في الأحرف السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود ﵁: أن الصحابة ﵃ لما عزموا على كتب المصحف بِلُغَةِ قريش عيَّنوا لذلك أربعة لم يكن منهم ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعَرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لحفظ القرآن، ومن أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنه ﵁ كان هُذليًا كما تقدم، وكانت قراءته على لغتهم، وبينها وبين لغة قريش تباين عظيم، فلذلك لم يدخلوه معهم، والله تعالى أعلم. قلت: قد تقدَّم أن أصل البضع ما بين الثلاثة إلى التسعة، وذكر اشتقاقه، والخلاف فيه. والحلق: بفتح الحاء واللام: جمع حلقة بفتح الحاء واللام على

стр. 3664

وَلَقَد عَلِمَ أَصحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَعلَمُهُم بِكِتَابِ اللَّهِ، وَلَو أَعلَمُ أَنَّ أَحَدًا أَعلَمُ مِنِّي لَرَحَلتُ إِلَيهِ. قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَستُ فِي حَلَقِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَا سَمِعتُ أَحَدًا يَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيهِ، وَلَا يَعِيبُهُ. رواه مسلم (٢٤٦٢) (١١٤). [٢٣٧٣] وعنه قال: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ مَا مِن كِتَابِ اللَّهِ سُورَةٌ إِلَّا أَنَا أَعلَمُ حَيثُ نَزَلَت، وَمَا مِن آيَةٍ إِلَّا أَنَا أَعلَمُ فِيمَا أُنزِلَت، وَلَو أَعلَمُ أَحَدًا هُوَ أَعلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبلُغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبتُ إِلَيهِ. رواه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥). [٢٣٧٤] وعن مَسرُوقٍ قَالَ: كُنَّا نَأتِي عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرٍو فَنَتَحَدَّثُ إِلَيهِ، فَذَكَرنَا يَومًا عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، فَقَالَ: لَقَد ذَكَرتُم رَجُلًا لَا أَزَالُ أُحِبُّهُ ــ ما حكاه يونس عن أبي عمرو بن العلاء، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حلقة، للذين يحلقون الشعر، جمع حالق، وقال الجوهري: الحلقة للدروع - بالسكون - وكذلك حلقة الباب، وحلقة القوم، والجمع: الحلق على غير قياس. و(قوله: لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله) يعني: أنه أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى: ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا وأعلم فيما أُنزلت، وسَبَبُ ذلك: ملازمته للنبي ﷺ ومباطنته إيَّاه سفرًا وحضرًا، كما قدَّمنا. وأما في القراءة فأُبيٌّ أقرأ منه، بدليل قول النبي ﷺ : أقرؤكم أُبَيّ) (١)، والخطابُ للصحابة كلُّهم.

стр. 3665

بَعدَ شَيءٍ سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خُذُوا القُرآنَ مِن أَربَعَة نفر: مِن ابنِ أُمِّ عَبدٍ - فَبَدَأَ بِهِ - وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بنِ كَعبٍ، وَسَالِمٍ مَولَى أَبِي حُذَيفَةَ. ــ وقوله ﷺ : خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد) - فبدأ به - ليس فيه دليل على أنه أقرأ من أُبي، فإنَّه قد بيَّن ﷺ بالنص الجلي: أن أبيًّا أقرأ منه ومن غيره، فيحتمل أن يقال: إن الموجب لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه، لا أنه أقرأ الأربعة. والله تعالى أعلم. وهذا كله بناء على أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَّة على المتأخر، وفيه نظر قد تقدَّم في الطهارة وفي الحج. وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ممن حفظ القرآن من الصحابة ﵃ وهم عدد كثير كما يأتي، لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن وتعليمه دون غيرهم ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك من النبي ﷺ لأنه علم أنهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآن بعده، وليؤخذ عنهم، فأحال عليهم لما علم من مآل أمرهم، كما قد أظهر الموجود من حالهم، إذ هم أئمة القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيد الفضلاء، والله أعلم. ومعاذ المذكور في الحديث: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاري الخزرجي، يُكنى: أبا عبد الرحمن، قيل: بولد كان له كبر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزدي البصري في فتوح الشام وغيره. وقال الواقدي: إنه لم يولد لمعاذ قط، وقاله المدائني. أسلم معاذ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة مع السبعين، وشهد بدرًا، وجميع المشاهد، وولَاّه رسول الله ﷺ على عمل من أعمال اليمن، وخرج معه النبي ﷺ مودِّعًا ماشيًا، ومعاذ راكبًا، منعه من أن ينزل، وقال فيه ﷺ :

стр. 3666

وفي رواية: ثنى بأبي وأخر معاذا. رواه أحمد (٢/ ١٩٠)، والبخاري (٣٨٠٨)، ومسلم (٢٤٦٤) (١١٦ و ١١٧)، والترمذيُّ (٣٨١٠). * * * ــ أعلمكم بالحلال والحرام معاذ (١). وقال: إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة (٢) بحجر (٣)، وقال فيه ابن مسعود: إنه كان أمة قانتًا لله، وقال: الأمة: هو الذي يعلم الناس الخير، والقانت: هو المطيع لله ، وكان عابدًا، مجتهدًا، وَرِعًا، محققًا، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى، وماتتا بالطاعون في وقت واحد، فحفر لهما حفرة فأسهم بينهما أيتهما يُقدَّم في القبر، وكان مجاب الدعوة، ولما كان طاعون عمواس - وعمواس قرية من قرى الشام، وكأنها إنما نسب الطاعون إليها، لأنَّه أول ما نزل فيها - فقال بعض الناس: هذا عذابٌ، فبلغ ذلك معاذًا فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس! إن هذا الوجع رحمةُ بكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم. اللهم آت آل معاذ من هذه الرحمة النصيب الأوفى. فما أمسى حتى طُعِن ابنه عبد الرحمن، وماتت زوجتاه، ثم طُعِن من الغد من دفن ولده، فاشتد وجعه فمات منه، وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسنُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، روي عنه من الحديث: مائة حديث، وسبعة وخمسون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث. وسالم المذكور في الحديث، هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، يُكنى سالم: أبا عبد الله، وكان من أهل فارس من إصطخر، وكان من

стр. 3667

(٥٤) باب فضائل أبي بن كعب [٢٣٧٥] عن أنس قال: جَمَعَ القُرآنَ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَربَعَةٌ - كُلُّهُم مِن الأَنصَارِ -: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ، وَزَيدُ بنُ ــ فضلاء الموالي، ومن خيار الصحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين، لأنَّه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة، وهي عمرة بنت يعار. وقيل: سلمى، وقيل: غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنَّاه أبو حذيفة، وهو أيضًا معدودٌ في الأنصار، لعتق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرَّاء، قيل: إنه هاجر مع عمر بن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة ﵃، فكان يؤمهم، لأنَّه كان أكثرهم قرآنًا، وكان يؤم المهاجرين بقباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد سالم بدرًا، وقتل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوجد رأس أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة. (٥٤) ومن باب: فضائل أبي بن كعب ﵁ هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن النجار الخزرجي ﵁ أسلم قديمًا، وشهد العقبة الثانية، وبايع النبي ﷺ فيها، ثم شهد بدرًا، وجميع المشاهد، وهو أول من كتب الوحي لرسول الله ﷺ وكان من فقهاء الصحابة وقرائهم ﵃، وكفى بذلك أن الله تعالى: أمر نبيَّه ﷺ أن يقرأ عليه القرآن، وقد بيَّنَّا وجه ذلك فيما تقدَّم، وقد تقدَّم قوله ﷺ : أقرؤكم أبي. وقال فيه عمر بن الخطاب ﵁: إنه سيد المسلمين، وتوفي في خلافة عمر على الأكثر. قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقد قيل: إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. وجملة ما روي عنه عن رسول الله ﷺ مائة حديث وأربعة وستون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة عشر. و(قول أنس ﵁: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة

стр. 3668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قد استشكل ظاهر هذا الحديث كثير من الناس حتى ظنوا أنه مما يطرق الطعن والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظن أن لهذا الحديث دليل خطاب، فإنَّه لا يتم له ذلك حتى يقول بتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر يدلّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القول بدليل الخطاب قد سلم من ذلك، ومن (١) يقول به فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداد لا دليل خطاب لها، فإنَّها تجري مجرى الألقاب، والألقاب لا دليل خطاب لها باتفاق أئمة أهل الأصول. ولا يلتفت لقول الدقاق في ذلك فإنَّه واضح الفساد كما بيَّنَّاه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليل خطاب، فدليل الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضه منطوق به، فإنه أضعف وجوه الأدلة عند القائلين به، وهنا أمران هما أولى منه - بالاتفاق -: أحدهما: النقل الصحيح. والثاني: ما يعلم من ضرورة العادة. فأمَّا النقل فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ منهم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة. وقد سَمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر. وقد تواترت الأخبار بأنه قتل يوم اليمامة سبعون ممن جمع القرآن، [وكان ذلك في سنة وفاة النبي ﷺ وأول سني خلافة أبي بكر ﵁، وإذا قتل في جيش واحد سبعون ممن جمع القرآن] (٢) فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافًا. وإذا كان ذلك في جيش واحد! فانظر كم بقي في مدن الإسلام - إذ ذاك - وفي عساكر أخر من الصحابة ﵃ ممن جمع القرآن. فيظهر

стр. 3669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من هذا أن الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ لا يُحصيهم أحد، ولا يضبطهم عدد. وأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمع العدد الكثير، والجم (١) الغفير على حِفظه ونقله، وذلك أن القرآن على نظم عجيب، وأسلوب غريب، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظمهم مع ما تضمَّنه من العلوم والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار، والنبي ﷺ مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا سبيله فالعادة تقتضي: أن تتوفر الدواعي على حفظ جميعه، والوقوف على ما تضمنه من أنواع حكمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، ويحيل انفراد الآحاد بحفظه كما يحيل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أن ذلك الحديث ليس له دليل خطاب، فإنَّ قيل: فإذا لم يكن له دليل خطاب فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم؟ فالجواب من أوجه: أحدها: أنه يحتمل أن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم كالحال في ذكر الألقاب. وثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم. وثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتهروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يحفظ جميعه. ورابعها: لأن أنسًا سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن، ولم يسمع مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك محتمل، والله تعالى أعلم.

стр. 3670

ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيدٍ. قَالَ قَتَادَةُ: قُلتُ لِأَنَسٍ: مَن أَبُو زَيدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي. رواه أحمد (٣/ ٢٧٧)، والبخاريُّ (٣٨١٠)، ومسلم (٢٤٦٥) (١١٩ و ١٢٠)، والترمذيُّ (٣٧٩٤). [٢٣٧٦] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بنِ كَعبٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَن أَقرَأَ عَلَيكَ ﴿لَم يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أَهلِ الكِتَابِ﴾ قَالَ: وَسَمَّانِي! ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَبَكَى. رواه أحمد (٣/ ١٣٠)، والبخاريُّ (٣٨٠٩)، ومسلم (٧٩٩) في فضائل الصحابة (١٢٢)، والترمذيُّ (٣٧٩٢)، والنسائي في الكبرى (١١٦٩١). * * * ــ و(قول قتادة: قلت لأنسٍ: من أبو زيد؟ قال: أحد عُمومتي) أبو زيد هذا هو سعيد بن عبيد بن النعمان الأوسي من بني عمرو بن عوف، يعرف بسعد القارئ، توفي شهيدًا بالقادسية سنة خمس عشرة. قال أبو عمر: هذا قول أهل الكوفة، وخالفهم غيرهم، فقال أبو زيد: هذا هو قيس بن السكن الخزرجي من بني عدي بن النجار بدري. قال ابن شهاب: قُتِل أبو زيد قيس بن السَّكن الخزرجي (١) يوم جِسر أبي عبيد على رأس خمس عشرة. وقد تقدَّم القول على حديث قراءة النبي ﷺ على أبي ﵁ في كتاب الصلاة في باب: ترتيل القراءة وكيفية الأداء.

стр. 3671

(٥٥) باب فضائل سعد بن معاذ [٢٣٧٧] عن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَنَازَةُ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ بَينَ أَيدِيهِم -: اهتَزَّ لَهَا عَرشُ الرَّحمَنِ. وفي رواية: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. ــ (٥٥) ومن باب: فضائل سعد بن معاذ ﵁ هو ابن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الخزرجي الأنصاري ﵁ أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية على يدي مصعب بن عمير، وشهد بدرًا وأحدًا، ورمي يوم الخندق بسهم، فعاش شهرًا، ثم انتقض جرحه فمات منه. توفي سنة خمس من الهجرة، وقد تقدَّم حديثه في حكمه في بني قريظة، وقوله ﷺ للحاضرين من أصحابه: قوموا إلى سيدكم (١) وقالت عائشة ﵂: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة، لم يكن بعد النبي ﷺ من المسلمين أحدٌ أفضل منهم: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعبَّاد بن بشر، تعني: من الأنصار، والله أعلم. وقال ابن عباس: قال سعد بن معاذ: ثلاثة أنا فيهن رجل كما ينبغي، وما سوى ذلك فأنا رجل من المسلمين. ما سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا إلا علمت أنه حق من الله، ولا دخلت في صلاة قط فشغلت نفسي بغيرها حتى قضيتها، ولا كنت في جنازة قط فحدَّثت نفسي بغير ما تقول، وما يُقال لها حتى أنصرفَ عنها. و(قوله: اهتز عرش الرحمن لجنازة سعد بن معاذ) حمل بعض العلماء

стр. 3672

رواه أحمد (٣/ ٢٩٦) و (٣/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٣٨٠٣)، ومسلم (٢٤٦٦) (١٢٣ و ١٢٤)، والترمذي (٣٨٤٨)، وابن ماجه (١٥٨). [٢٣٧٨] وعن البراء قال: أُهدِيَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُلَّةُ حَرِيرٍ فَجَعَلَ ــ هذا الحديث على ظاهره من الاهتزاز والحركة، وقال: هذا ممكن، لأنَّ العرش جسم، وهو قابل للحركة والسُّكون، والقدرة صالحة، وكانت حركته علمًا على فضله، وحمله آخرون على حملة العرش، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاهتزاز منهم استبشارًا بقدوم روحه الطيبة، وفرحًا به، وحمله آخرون على تعظيم شأن وفاته، وتفخيمه على عادة العرب في تعظيمها الأشياء، والإغياء في ذلك، فيقولون: قامت القيامة لموت فلان، وأظلمت الأرض، وما شاكل ذلك مِمَّا المقصود به التعظيم والتفخيم لا التحقيق، وإليه صار الحربي. وكل هذا مُنزَّل على: أن العرش هو المنسوب لله تعالى في قوله: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ وهو ظاهر قوله: اهتز عرش الرحمن لموت سعد. وقد روي عن ابن عمر: أن العرش هنا سرير الموت. قال القاضي: وكذلك جاء في حديث البراء في الصحيح: اهتز السَّرير (١)، وتأوله الهروي: فَرِح بحمله عليه. و(قوله: أُهديت لرسول الله ﷺ حلَّةُ حرير) كذا جاء في حديث البراء: حلَّة بالحاء المهملة واللام، وفي حديث أنس: أن أُكَيدر دومة الجندل أهدى لرسول الله ﷺ جُبَّة من سندس (٢). وهذه أوجه وأصوب، لأنَّ الحلة لا تكون عند العرب ثوبًا واحدًا، وإنما هي لباس ثوبين، يحل أحدهما على الآخر، وأن الثوب الفرد لا يُسمَّى حلة. وقد جاء في السِّير أنها: قباء من ديباج مخوَّص بالذهب وقد تقدَّم الكلام على الحرير في اللباس. وأكيدر: بضم الهمزة وفتح الكاف

стр. 3673

أَصحَابُهُ يَلمِسُونَهَا، وَيَعجَبُونَ مِن لِينِهَا، فَقَالَ: أَتَعجَبُونَ مِن لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ فِي الجَنَّةِ خَيرٌ مِنهَا وَأَليَنُ. رواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، والبخاريّ (٣٨٠٢)، ومسلم (٢٤٦٨) (١٢٦)، والترمذي (٣٨٤٧)، وابن ماجه (١٥٧). * * * ــ وياء التصغير بعدها: تصغير: أكدر، والكدرة: لون بين السواد والبياض، وهو الأغبر، وهو: أكيدر بن عبد الملك الكندي. ودومة: بفتح الدال وضمها، وأنكر ابن دريد الفتح، وقال: أهل اللغة يقولونه بالضم، والمحدِّثون بالفتح، وهو خطأ، وقال: ودومة الجندل: مجتمعه ومستداره، وهو من بلاد الشام قرب تبوك، كان أكيدر ملكها، وكان خالد بن الوليد قد أسره في غزوة تبوك وسلبه قباء من ديباج مخوَّصًا بالذهب. فأمَّنَه النبي ﷺ وردَّه إلى موضعه، وضرب عليه الجزية. و(قوله: لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين) هذه إشارة إلى أدنى ثياب سعد، لأنَّ المناديل إنما هي ممتهنة متخذة لمسح الأيدي بها من الدَّنس والوسخ، وإذا كان هذا حال المنديل، فما ظنُّك بالعمامة والحلة؟ ! ولا يظنُّ أن طعام الجنة وشرابها فيهما ما يدنس يد المتناول حتى يحتاج إلى منديل، فإنَّ هذا ظن من لا يعرف الجنة ولا طعامها ولا شرابها، إذ قد نزه الله الجنة عن ذلك كله، وإنما ذلك إخبارٌ بأن الله أعدَّ في الجنة كل ما كان يحتاج إليه في الدُّنيا، لكن هي على حالة هي أعلى وأشرف، فأعدَّ فيها أمشاطًا، ومجامر، وأُلُوَّة، ومناديل، وأسواقًا وغير ذلك مما تعارفناه في الدُّنيا، وإن لم نحتج له في الجنة، إتمامًا للنعمة، وإكمالًا للمنَّة. * * *

стр. 3674

(٥٦) باب فضائل أبي دجانة سماك بن خرشة، وعبد الله بن عمرو بن حرام [٢٣٧٩] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ سَيفًا يَومَ أُحُدٍ فَقَالَ: مَن يَأخُذُ مِنِّي هَذَا؟ فَبَسَطُوا أَيدِيَهُم كُلُّ إِنسَانٍ مِنهُم يَقُولُ: أَنَا، أَنَا! قَالَ: فَمَن يَأخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحجَمَ القَومُ، فَقَالَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ أَبُو دُجَانَةَ: أَنَا آخُذُهُ بِحَقِّهِ! قَالَ: فَأَخَذَهُ، فَفَلَقَ بِهِ هَامَ المُشرِكِينَ. رواه مسلم (٢٤٧٠). ــ (٥٦) ومن باب: فضائل أبي دجانة ﵁ هو سماك بن خرشة بني لوذان الخزرجي الأنصاري، وهو مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأُحُدًا، ودافع عن رسول الله ﷺ يومئذ هو ومصعب بن عمير، وكثرت فيه الجراحة، وقُتِل مصعب. وكان أبو دُجانة أحد الشجعان، له المقامات المحمودة مع رسول الله ﷺ في مغازيه، استشهد يوم اليمامة، وقال أنس: رمى أبو دجانة بنفسه في الحديقة فانكسرت رجله، فقاتل حتى قُتل، وقيل: إنه شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة. وقد قيل: إنه عاش حتى شهد مع علي صفِّين - والله تعالى أعلم. قال أبو عمر: إسناد حديثه في الحرز المنسوب إليه فيه ضعف. وقوله ﷺ من يأخذ مني هذا السَّيف بحقه؟ ، يعني بالحق هنا أنه يقاتل بذلك السيف إلى أن يفتح الله تعالى على المسلمين أو يموت، فلما سمعوا هذا أحجموا، أي: تأخروا، يقال: أحجم وأجحم بتقديم الحاء وتأخيرها. فأخذه أبو دجانة وقام بشرطه، ووَفَّى بحقه. وهام المشركين مخففًا، يعني رؤوسهم، قال: نضرب بالسُّيوف رؤوس قومٍ ... أَزَلنا هامَهُنَّ عن المقيل المقيل: أصول الأعناق.

стр. 3675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأما جابر فهو عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن كعب بن غنم (١) بن كعب بن سَلَمَة الأنصاري السلمي، وهو أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا، وقُتِل يوم أحُد وَمُثِّل به. وروى بقي بن مَخلَد عن جابر ﵁ قال: لقيني رسول الله ﷺ فقال: يا جابر، ما لي أراك منكسًا مهتمًا (٢)؟ ، قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا، وعليه دين! قال: أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك؟ ، قلت: بلى يا رسول الله! قال: إن الله أحيا أباك وكلمه كفاحًا، وما كلَّم أحدًا قط إلا من وراء حجاب، فقال له: يا عبدي، تَمَنَّ أعطك! قال: يا رب، تردّني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية فأبلِّغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَموَاتًا بَل أَحيَاءٌ﴾ الآية (٣). قلت: وقد تضمَّن هذا الحديث فضيلة عظيمة لعبد الله لم يُسمَع بمثلها لغيره، وهي: أن الله تعالى كلَّمه مشافهة بغير حجاب حجبه به ولا واسطة قبل يوم القيامة، ولم يفعل الله تعالى ذلك مع غيره في هذه الدَّار، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا أَو مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرسِلَ رَسُولا﴾ وكما قال رسول الله ﷺ في هذا الحديث: وما كلَّم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وظاهر هذه الآية وهذا الحديث أن الله تعالى لم يفعل هذا في هذه الدَّار لحيٍّ ولا لميت إلا لعبد الله هذا خاصَّة، فيلزم على هذا العموم أنه قد خُصَّ من ذلك بما لم يُخَصّ به أحدٌ من الأنبياء، وهذا مشكل بالمعلوم من ضرورة الشرع ومن إجماع المسلمين على أن درجة الأنبياء وفضيلتهم أعظم من درجة الشهداء والأولياء كما تقدم، فوجه التَّلفيق أن

стр. 3676

[٢٣٨٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قالُ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَد مُثِلَ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، ثُمَّ أَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَو أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ - فَسَمِعَ صَوتَ بَاكِيَةٍ أَو صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَن هَذِهِ؟ فَقَالُوا: ابِنة عَمرٍو - أَو أُختُ عَمرٍو. فَقَالَ: وَلِمَ تَبكِي؟ فَمَا زَالَت المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ! ــ قوله ﷺ وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب إنما يعني به - والله أعلم - أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته - وقيل يوم القيامة - إلا عبد الله، ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السُّنَّة من أن يرون الله تعالى في الجنة ويُكلِّمهم بغير حجاب ولا واسطة. وأما الآية فإنما مقصودها حَصر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله تعالى، فمنه ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيِّ وروعه، ومنه ما يُسمعه الله تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى، ومنه ما يبلغه له الملك، وحاصلها الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحدٌ من البشر في هذه الدَّار نبيًا كان أو غير نبي، ويشهد لهذا قوله ﷺ في الصحيح: اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت (١). وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ﷺ لربِّه، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم. وقوله وجيء بأبي مُسجًّى، وقد مُثِّل به؛ أي: مُغطى بثوب ومُثِّل به، أي جُدِع أنفه وأذناه، فعل ذلك به المشركون. وقوله ولِمَ تبكي؟ ، كذا صحَّت الرواية بـ لم التي للاستفهام، تبكي

стр. 3677

رواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٤٠٨٠)، ومسلم (٢٤٧١) (١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٢). * * * (٥٧) باب فضائل جليبيب [٢٣٨١] عَن أَبِي بَرزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيهِ، فَقَالَ لِأَصحَابِهِ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا. ــ بغير نون، لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة لقال: ولم تبكين؟ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى أولا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها (١) هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة سواء بُكِي عليه أو لم يُبكَ، وكون الملائكة تظله بأجنحتها إنما ذلك لاجتماعهم عليه وتراحمهم على مبادرة لقائه والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى أعلم. (٥٧) ومن باب: فضائل جليبيب ﵁ وكان رجلا من ثعلبة، وكان حليفًا في الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك. روى أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، فقال: إذن

стр. 3678

ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَكِنِّي أَفقِدُ جُلَيبِيبًا، فَاطلُبُوهُ! فَطُلِبَ فِي القَتلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنبِ سَبعَةٍ قَد قَتَلَهُم ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاه النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: قَتَلَ سَبعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا ــ تجدني كاسدًا يا رسول الله! فقال: إنك عند الله لست بكاسد (١). وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: يا فلان، زوجني ابنتك، قال: نعم، ونعمة عين! قال: إني لست لنفسي أريدها، قال: فلمن؟ قال: لجليبيب، قال: حتى أستأمرَ أمَّها! فأتاها وأخبرها بذلك، فقالت: حلقى، ألجليبيب؟ ! لا لَعَمرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيبًا! فلما قام أبوها ليأتي رسول الله ﷺ قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله ﷺ . قالت: أفتردَّان على رسول الله أمره؟ ! ادفعاني إلى رسول الله ﷺ فإنَّه لن يُضيِّعني! فذهب أبوها للنبي ﷺ فأخبره بذلك وقال: شأنك بها. فزوَّجها جُليبيبًا، ودعا لهما النبي ﷺ فقال: اللهم صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا (٢) - ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم. وقوله كان رسول الله ﷺ في مغزًى له؛ أي في غزوة. وقوله هل تفقدون أحدًا؟ ، هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلام كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقده، إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يحفلوا به ولا التفتوا إليه لكونه كان غامضًا في الناس،

стр. 3679

مِنهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيهِ، لَيسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبرِهِ - وَلَم يَذكُر غَسلًا. رواه أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم (٢٤٧٢)، والنسائي في الكبرى (٨٢٤٦). * * * (٥٨) باب فضائل أبي ذر الغفاري [٢٣٨٢] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجنَا مِن قَومِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهرَ الحَرَامَ، فَخَرَجتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكرَمَنَا خَالُنَا وَأَحسَنَ إِلَينَا، فَحَسَدَنَا قَومُهُ فَقَالُوا: ــ ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه أو حبيبه فكان مشغولًا بمصابه لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطَّلع الله نبيَّه ﷺ على ما كان من حال جليبيب من قتله السَّبعة الذين وجدوا إلى جنبه نوَّه باسمه وعرَّف بقدره، فقال: لكني أفقدُ جُليبيبًا؛ أي: فقده أعظم من فقد كل من فقد، والمصاب به أشد - ثم إنه أقبل بإكرامه عليه ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته. وجليبيب: تصغير جِلباب، سُمِّي به الرجل. (٥٨) ومن باب: فضائل أبي ذر الغفاري ﵁ واسمه جندب - على الأصح والأكثر - ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن قصي بن نزار. هو من كبار الصحابة ﵁ وعنهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة

стр. 3680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق، ويدل على كيفية إسلامه وتفصيل أحواله حديثه المذكور في الأصل، وكان قد غلب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فضل عن الحاجة كنز وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبي ﷺ فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾. . . الآية، فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة فقدمها، فزهد أبو ذر في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة فأذن له، وقد كان رسول الله ﷺ أذن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في ركب، ولم يوجد له شيء يُكفن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غزل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفنه أحدٌ ولي شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف. روى عن رسول الله ﷺ مائتي حديث وواحدًا وثمانين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثًا. غريب حديث أبي ذر ﵁: الشنة: السقاء البالي، والشنان: الأسقية، واحدها شنٌّ، وكل جلد بال فهو شنٌّ. ويقال للقربة البالية: شنَّة، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجدد. وقوله ما أنى للرجل؛ أي: ما كان، يقال: أنى وآن - بمعنى واحد، وتقفوه: تتبعه. وقوله لأصرخن بها؛ أي: بكلمة التوحيد. بين ظهرانيهم: يعني المشركين بمكة.
следующие страницы →