[٢٣٨٠] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قالُ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ جِيءَ بِأَبِي مُسَجًّى وَقَد مُثِلَ بِهِ. قَالَ: فَأَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، ثُمَّ أَرَدتُ أَن أَرفَعَ الثَّوبَ فَنَهَانِي قَومِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَو أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ - فَسَمِعَ صَوتَ بَاكِيَةٍ أَو صَائِحَةٍ، فَقَالَ: مَن هَذِهِ؟ فَقَالُوا: ابِنة عَمرٍو - أَو أُختُ عَمرٍو. فَقَالَ: وَلِمَ تَبكِي؟ فَمَا زَالَت المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ!
ــ
قوله ﷺ وما كلَّم الله أحدًا إلا من وراء حجاب إنما يعني به - والله أعلم - أنه ما كلَّم أحدًا من الشهداء وممن ليس بنبي بعد موته - وقيل يوم القيامة - إلا عبد الله، ولم يرد به الأنبياء ولا أراد بعد يوم القيامة لما قد علم أيضًا من الكتاب والسنة وإجماع أهل السُّنَّة من أن يرون الله تعالى في الجنة ويُكلِّمهم بغير حجاب ولا واسطة.
وأما الآية فإنما مقصودها حَصر أنواع الوحي الواصل إلى الأنبياء من الله تعالى، فمنه ما يقذفهُ الله تعالى في قلب النبيِّ وروعه، ومنه ما يُسمعه الله تعالى للنبي مع كون ذلك النبي محجوبًا عن رؤية الله تعالى، ومنه ما يبلغه له الملك، وحاصلها الإعلام بأن الله تعالى لم يره أحدٌ من البشر في هذه الدَّار نبيًا كان أو غير نبي، ويشهد لهذا قوله ﷺ في الصحيح: اعلموا أنه لا يرى أحدٌ ربَّه حتى يموت (١).
وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ﷺ لربِّه، والصحيح أنه لم يأت قاطع بذلك، والأصل بقاء ما ذكرناه على ما أصَّلناه، والله تعالى أعلم.
وقوله وجيء بأبي مُسجًّى، وقد مُثِّل به؛ أي: مُغطى بثوب ومُثِّل به، أي جُدِع أنفه وأذناه، فعل ذلك به المشركون.
وقوله ولِمَ تبكي؟ ، كذا صحَّت الرواية بـ لم التي للاستفهام، تبكي
стр. 3677
رواه أحمد (٣/ ٢٩٨)، والبخاري (٤٠٨٠)، ومسلم (٢٤٧١)(١٢٩)، والنسائي (٤/ ١٢).
* * *
(٥٧) باب فضائل جليبيب
[٢٣٨١] عَن أَبِي بَرزَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي مَغزًى لَهُ فَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيهِ، فَقَالَ لِأَصحَابِهِ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا. ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: نَعَم؛ فُلَانًا وَفُلَانًا.
ــ
بغير نون، لأنَّه استفهام لمخاطب عن فعل غائبة، ولو خاطبها بالاستفهام خطاب الحاضرة لقال: ولم تبكين؟ بإثبات النون، وكذلك جاء في رواية أخرى أولا تبكيه؟ ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها (١) هو إخبار عن غائبة، ولو كان خطاب الحاضرة لقال: تبكينه، أو لا تبكينه بنون فعل الواحدة المخاطبة، ويعني بهذا الكلام أن عبد الله مكرَّم عند الملائكة سواء بُكِي عليه أو لم يُبكَ، وكون الملائكة تظله بأجنحتها إنما ذلك لاجتماعهم عليه وتراحمهم على مبادرة لقائه والصُّعود بروحه الكريمة الطيبة، ولتبشِّره بما له عند الله تعالى من الكرامة والدَّرجة الرفيعة، والله تعالى أعلم.
(٥٧) ومن باب: فضائل جليبيب ﵁
وكان رجلا من ثعلبة، وكان حليفًا في الأنصار، قال ابن سعد: سمعت من يذكر ذلك. روى أنس بن مالك قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له جليبيب، وكان في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله ﷺ التزويج، فقال: إذن
стр. 3678
ثُمَّ قَالَ: هَل تَفقِدُونَ مِن أَحَدٍ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: لَكِنِّي أَفقِدُ جُلَيبِيبًا، فَاطلُبُوهُ! فَطُلِبَ فِي القَتلَى فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنبِ سَبعَةٍ قَد قَتَلَهُم ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَاه النَّبِيُّ ﷺ فَوَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: قَتَلَ سَبعَةً ثُمَّ قَتَلُوهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا
ــ
تجدني كاسدًا يا رسول الله! فقال: إنك عند الله لست بكاسد (١). وفي غير كتاب مسلم من حديث أبي برزة في تزويج جليبيب أن رسول الله ﷺ قال لرجل من الأنصار: يا فلان، زوجني ابنتك، قال: نعم، ونعمة عين! قال: إني لست لنفسي أريدها، قال: فلمن؟ قال: لجليبيب، قال: حتى أستأمرَ أمَّها! فأتاها وأخبرها بذلك، فقالت: حلقى، ألجليبيب؟ ! لا لَعَمرُ الله، لا أُزوِّج جُليبيبًا! فلما قام أبوها ليأتي رسول الله ﷺ قالت الفتاة من خدرها لأبويها: من خطبني إليكما؟ قالا: رسول الله ﷺ . قالت: أفتردَّان على رسول الله أمره؟ ! ادفعاني إلى رسول الله ﷺ فإنَّه لن يُضيِّعني! فذهب أبوها للنبي ﷺ فأخبره بذلك وقال: شأنك بها. فزوَّجها جُليبيبًا، ودعا لهما النبي ﷺ فقال: اللهم صُبَّ عليهما الرزقَ صبًّا صبًّا، ولا تجعل عيشهما كدًّا كدًّا (٢) - ثم ذكر باقي الحديث على ما في كتاب مسلم.
وقوله كان رسول الله ﷺ في مغزًى له؛ أي في غزوة.
وقوله هل تفقدون أحدًا؟ ، هذا الاستفهام ليس مقصوده استعلام كونهم فقدوا أحدًا ممن يعزّ عليهم فَقده، إذ ذاك كان معلومًا له بالمشاهدة، وإنما مقصوده التَّنويه والتَّفخيم بمن لم يحفلوا به ولا التفتوا إليه لكونه كان غامضًا في الناس،
стр. 3679
مِنهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنهُ. قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيهِ، لَيسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبرِهِ - وَلَم يَذكُر غَسلًا.
رواه أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم (٢٤٧٢)، والنسائي في الكبرى (٨٢٤٦).
* * *
(٥٨) باب فضائل أبي ذر الغفاري
[٢٣٨٢] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجنَا مِن قَومِنَا غِفَارٍ، وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهرَ الحَرَامَ، فَخَرَجتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيسٌ وَأُمُّنَا، فَنَزَلنَا عَلَى خَالٍ لَنَا فَأَكرَمَنَا خَالُنَا وَأَحسَنَ إِلَينَا، فَحَسَدَنَا قَومُهُ فَقَالُوا:
ــ
ولكون كل واحدٍ منهم أصيب بقريبه أو حبيبه فكان مشغولًا بمصابه لم يتفرَّغ منه إلى غيره، ولَمَّا أطَّلع الله نبيَّه ﷺ على ما كان من حال جليبيب من قتله السَّبعة الذين وجدوا إلى جنبه نوَّه باسمه وعرَّف بقدره، فقال: لكني أفقدُ جُليبيبًا؛ أي: فقده أعظم من فقد كل من فقد، والمصاب به أشد - ثم إنه أقبل بإكرامه عليه ووسَّده ساعديه مبالغة في كرامته، ولتناله بركة ملامسته.
وجليبيب: تصغير جِلباب، سُمِّي به الرجل.
(٥٨) ومن باب: فضائل أبي ذر الغفاري ﵁
واسمه جندب - على الأصح والأكثر - ابن جنادة بن قيس بن عمرو بن مليل بن حرام بن غفار، وغفار بن كنانة بن مدركة بن إلياس بن قصي بن نزار.
هو من كبار الصحابة ﵁ وعنهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة
стр. 3680
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان خامسًا، ثم انصرف إلى بلاد قومه فأقام بها حتى قدم على النبي ﷺ عام الحديبية بعد أن مضت بدر وأحد والخندق، ويدل على كيفية إسلامه وتفصيل أحواله حديثه المذكور في الأصل، وكان قد غلب عليه التعبُّد والزهد، وكان يعتقد أن جميع ما فضل عن الحاجة كنز وإمساكه حرام، ودخل الشام بعد موت النبي ﷺ فوقع بينه وبين معاوية نزاع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ﴾. . . الآية، فشكاه معاوية إلى عثمان فأقدمه عثمان المدينة فقدمها، فزهد أبو ذر في كل ما بأيديهم، واستأذن عثمان في سكنى الرَّبذة فأذن له، وقد كان رسول الله ﷺ أذن له في البدو، فأقام بالرَّبذة في موضع منقطع إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين على ما قاله ابن إسحاق، وصلى عليه عبد الله بن مسعود منصرفه من الكوفة في ركب، ولم يوجد له شيء يُكفن فيه، فكفَّنه رجل من أولئك الركب في ثوب من غزل أمه، وكان قد وصَّى ألا يكفنه أحدٌ ولي شيئًا من الأعمال السلطانية، وخبره بذلك معروف.
روى عن رسول الله ﷺ مائتي حديث وواحدًا وثمانين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة وثلاثون حديثًا.
غريب حديث أبي ذر ﵁:
الشنة: السقاء البالي، والشنان: الأسقية، واحدها شنٌّ، وكل جلد بال فهو شنٌّ. ويقال للقربة البالية: شنَّة، وهي أشدُّ تبريدًا للماء من الجدد.
وقوله ما أنى للرجل؛ أي: ما كان، يقال: أنى وآن - بمعنى واحد، وتقفوه: تتبعه.
وقوله لأصرخن بها؛ أي: بكلمة التوحيد.
بين ظهرانيهم: يعني المشركين بمكة.
стр. 3681
إِنَّكَ إِذَا خَرَجتَ عَن أَهلِكَ خَالَفَ إِلَيهِم أُنَيسٌ، فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَينَا الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقُلتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِن مَعرُوفِكَ فَقَد كَدَّرتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعدُ، فَقَرَّبنَا صِرمَتَنَا فَاحتَمَلنَا عَلَيهَا، وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوبَهُ فَجَعَلَ يَبكِي، فَانطَلَقنَا حَتَّى نَزَلنَا بِحَضرَةِ مَكَّةَ، فَنَافَرَ أُنَيسٌ عَن صِرمَتِنَا وَعَن مِثلِهَا، فَأَتَيَا الكَاهِنَ فَخَيَّرَ أُنَيسًا، فَأَتَانَا أُنَيسٌ بِصِرمَتِنَا وَمِثلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَد صَلَّيتُ يَا ابنَ أَخِي قَبلَ أَن أَلقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ! قُلتُ: لِمَن؟ قَالَ:
ــ
وقوله فنثا علينا خالنا الذي قيل له؛ أي: أظهر لنا بالقول، يقال: النثى - بتقديم النون والقصر - في الشِّر والكلام القبيح، وإذا قَدَّمتَ الثاء ومدَدَت فهو الكلام الحسن الجميل.
وقوله لا جماع لك؛ أي: لا اجتماع يبقى بيننا.
والصِّرمَةُ: القطعة من الإبل نحو الثلاثين، وقد تكون الصِّرمَة في غير هذا القطعة من النخل، والصّرم القطع.
وقوله فنافر أُنَيس عن صرمتنا، وعن مثلها؛ أي: التزم أن من قضي له بالغلبة أخذ ذلك، قال أبو عبيد: المنافرة أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ثم يحكما رجلًا بينهما، والنافر: الغالب، والمنفور: المغلوب. يقال: نفره، ينفره، وينفره، نفرًا - إذا غلب عليه.
وقوله فأتيا الكاهن فخيَّر أُنيسًا؛ أي غلبه وقضى له، وكانت منافرته في الشعر أيهما أشعر.
وقوله وقد صلَّيت قبل أن ألقى رسول الله ﷺ ، هذا إلهام للقلوب الطاهرة ومقتضى العقول السَّليمة (١)، فإنَّها توفق للصواب وتلهم للرشد.
стр. 3682
لِلَّهِ! قُلتُ: فَأَينَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي، أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِن آخِرِ اللَّيلِ أُلقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ حَتَّى تَعلُوَنِي الشَّمسُ. فَقَالَ أُنَيسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكفِنِي! فَانطَلَقَ أُنَيسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَرَاثَ عَلَيَّ، ثُمَّ جَاءَ، فَقُلتُ: مَا صَنَعتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ يَزعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرسَلَهُ! قُلتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ شَاعِرٌ، سَاحِرٌ، كَاهِنٌ - وَكَانَ أُنَيسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ، قَالَ أُنَيسٌ: لَقَد سَمِعتُ قَولَ الكَهَنَةِ فَمَا هُوَ بِقَولِهِم، وَلَقَد وَضَعتُ قَولَهُ عَلَى أَقرَاءِ الشِّعرِ فَمَا يَلتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ
ــ
وقوله: أُلقيت كأني خِفَاءٌ، الرواية في ألقيت بضم الهمزة وكسر القاف مبنيًا لما لم يسم فاعله. والخفاء بكسر الخاء والمد: هو الغطاء، وكل شيء غطيته بكساء أو ثوب فذلك الغطاء خفاء، ويجمع أخفية - قاله أبو عبيد. وقال ابن دريد: الخفاء كساء يطرح على السقاء.
و(قوله: فراث علي)؛ أي: أبطأ.
و(قوله: وضعت قوله على أقراء الشعر)، قال ابن قتيبة: يريد أنواعه وطُرقه، واحدها قَرء. فيقال: هذا الشعر على قرء هذا.
و(قوله: فتضعَّفتُ رجلًا)؛ أي: رأيته ضعيفًا فعلمت أنه لا ينالني بمكروه ولا يرتاب بمقصدي.
و(قوله: كأني نصب أحمر)؛ أي: قمت كأني لجريان دمي من الجراحة التي أُصبت بها أحد الأنصاب، وهي الحجارة التي كانوا يذبحون عليها فتحمر بالدماء.
فأمَّا زمزم فقال ابن فارس: هو من قولهم زمزمت الناقة إذا جعلت لها زمامًا تحبسها به، وذلك أن جبريل ﵇ لما همز الأرض بمقاديم جناحيه ففاض الماء زمتها هاجر، فسُمِّيت: زمزم.
و(قوله: ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر)، كذا الرواية الصحيحة أقراء
стр. 3683
بَعدِي أَنَّهُ شِعرٌ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلتُ: فَاكفِنِي حَتَّى أَذهَبَ فَأَنظُرَ.
وفي رواية: قال: نعم، وكن على حذر من أهل مكة، فإنهم قد شنفوا له وتجهموا. قَالَ: فَأَتَيتُ مَكَّةَ فَتَضَعَّفتُ رَجُلًا مِنهُم، فَقُلتُ: أَينَ هَذَا الَّذِي تَدعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ فَقَالَ: الصَّابِئَ! فَمَالَ عَلَيَّ أَهلُ الوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظمٍ حَتَّى خَرَرتُ مَغشِيًّا عَلَيَّ! قَالَ: فَارتَفَعتُ حِينَ ارتَفَعتُ كَأَنِّي نُصُبٌ أَحمَرُ. قَالَ: فَأَتَيتُ زَمزَمَ فَغَسَلتُ عَنِّي الدِّمَاءَ وَشَرِبتُ مِن مَائِهَا، وَلَقَد لَبِثتُ يَا ابنَ أَخِي ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمزَمَ، فَسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطنِي، وَمَا وَجَدتُ عَلَى كَبِدِي سُخفَةَ جُوعٍ.
ــ
بالراء جمع قَرءٍ على ما تقدم، وقيَّده العذري أقواء بالواو، ورواه بعضهم بالواو وكسر الهمزة، قال القاضي: لا وجه له.
و(قوله: فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر)، هكذا الرواية عند جميع الشيوخ، بعدي بالباء بواحدة والعين المهملة بمعنى غيري، يقال: ما فعل هذا أحد بعدك - أي: غيرك. كما يقال ذلك في دون، وهو كثيرٌ فيها. ومعنى الكلام أنه لما اعتبر القرآن بأنواع الشعر تبيَّن له أنه ليس من أنواعه، ثم قطع بأنه لا يصح لأحد أن يقول إنه شعر، ووقع في بعض النُّسخ يَقرِي بفتح الياء، قال القاضي: وهو جيد، وأحسن منه يُقرِي بضمها، وهو مِمَّا تقدَّم، يقال: أقرأت في الشعر، وهذا الشعر على قَرء هذا، وقرؤه: أي قافيته، وجمعها: أقراء. وفي بعض النسخ أيضًا على لسان أحد يُعزى إلى شعر؛ أي: ينسب إليه ويوصف به - وللروايات كلها وجه.
و(قوله: فما وجدت على كبدي سخفة جوع)، قال الأصمعي: السخفة
стр. 3684
قَالَ: فَبَينَا أَهلِ مَكَّةَ فِي لَيلَةٍ قَمرَاءَ إِضحِيَانَ إِذ ضُرِبَ عَلَى أَصمِخَتِهِم فَمَا يَطُوفُ بِالبَيتِ أَحَدٌ، وَامرَأَتَانِ مِنهُم تَدعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا، فَقُلتُ: أَنكِحَا أَحَدَهُمَا الأُخرَ. قَالَ: فَمَا تَنَاهَتَا عَن قَولِهِمَا. قَالَ: فَأَتَتَا عَلَيَّ، فَقُلتُ: هَنٌ مِثلُ الخَشَبَةِ - غَيرَ أَنِّي
ــ
الخفة، ولا أحسب قولهم سخيف إلا من هذا.
و(قوله: في ليلة قمراء إضحِيان)، القمراء: المقمرة، وهي التي يكون فيها قمر، ويُسمَّى الهلال قمرًا من أول الليلة الثالثة إلى أن يصير بدرًا، ثم إذا أخذ في النقص عاد عليه اسم القمر. وإضحيان - بكسر الهمزة والضاد المعجمة: معناه كثير ضوء قمرها. قال ابن قتيبة: ويقال ليلة إضحيان وإضحيانة وضحيانة (١) - إذا كانت مضيئة.
و(قوله: ضرب على أصمختهم)؛ أي ناموا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبنَا عَلَى آذَانِهِم فِي الكَهفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾؛ أي: أنمناهم. الأصمخة جمع صماخ، وهو خُرق الأذن، وهو بالصاد، وقد أخطأ من قاله بالسين. وإساف ونائلة صنمان، وقد تقدَّم ذكرهما في كتاب الحج، وقد روى ابن أبي نجيح أن إسافًا ونائلة كانا رجلًا وامرأة حجَّا من الشام، فقبَّلَها وهما يطوفان فمُسخا حجرين، فلم يزالا في المسجد حتى جاء الإسلام فأخرجا منه.
و(قوله: فما تناهتا عن قولهما)؛ أي: ما رجعتا عنه.
و(قوله: هن مثل الخشبة) يعني به الذَّكَر، وقد تقدَّم أن هَنًا كناية عن النكرات، وأراد بذكره هنا سبّ إساف ونائلة، وهو تقبيح، كقوله أولًا أنكحا أحدهما الآخر.
стр. 3685
لَا أَكنِي، فَانطَلَقَتَا تُوَلوِلَانِ وَتَقُولَانِ: لَو كَانَ هَا هُنَا أَحَدٌ مِن أَنفَارِنَا! قَالَ: فَاستَقبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ وَهُمَا هَابِطَتانِ، قَالَ: مَا لَكُمَا؟ قَالَتَا: الصَّابِئُ بَينَ الكَعبَةِ وَأَستَارِهَا! قَالَ: مَا قَالَ لَكُمَا؟ قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَملَأُ الفَمَ! وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى استَلَمَ الحَجَرَ ثم طَافَ بِالبَيتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَكُنتُ أَوَّلَ مَن حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ. قَالَ: فَقُلتُ السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: وَعَلَيكَ وَرَحمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: مَن أَنتَ؟ قَالَ: قُلتُ: مِن غِفَارٍ. قَالَ: فَأَهوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبهَتِهِ، فَقُلتُ فِي نَفسِي: كَرِهَ أَن انتَمَيتُ إِلَى غِفَارٍ، فَذَهَبتُ آخُذُ بِيَدِهِ فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ، وَكَانَ أَعلَمَ بِهِ مِنِّي، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ فقَالَ: مَتَى كُنتَ هَا هُنَا؟ قَالَ: قَد كُنتُ هَا هُنَا مُنذُ ثَلَاثِينَ بَينَ لَيلَةٍ وَيَومٍ. قَالَ: فَمَن كَانَ يُطعِمُكَ؟ قَالَ: قُلتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ
ــ
و(قوله: تولولان)؛ أي: تدعوان بالويل وترفعان بذلك أصواتهما.
وقولهما: لو كان أحدٌ من أنفارنا؛ أي: من قومنا، وهو جمع نفر، والنَّفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وجواب لو محذوف، أي: لنصرنا عليك - ونحوه.
و(قولهما: الصابئ)؛ أي الخارج عن دين قومه، ويهمز ولا يهمز، وقد قرئ بهما.
و(قولهما: قال كلمة تملأ الفم)؛ أي عظيمة، حتى كأن الفم يضيق عنها.
و(قوله: فكنت أول من حياه بتحيَّة الإسلام)؛ يعني به: السلام عليك يا رسول الله! وظاهره أنه ألهم النُّطق بتلك الكلمة، إذ لم يكن سمعها قبل ذلك، وعلمه بكونه أوّل من حياه يحتمل أن يكون إلهامًا ويحتمل أن يكون علمه بغير ذلك بالاستقراء ثم أخبر عنه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فَقَدَعَنِي صاحبه)؛ أي: كفَّني ومنعني. يقال: قَدَعتُ الرَّجَل
стр. 3686
زَمزَمَ، فَسَمِنتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطنِي، وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخفَةَ جُوعٍ! قَالَ: إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعمٍ. فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائذَن لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيلَةَ! فَانطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكرٍ، وَانطَلَقتُ مَعَهُمَا، فَفَتَحَ أَبُو بَكرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقبِضُ لَنَا مِن زَبِيبِ الطَّائِفِ، فَكَانَ ذَلِكَ
ــ
وأقدَعتُه - إذا كففته، ومنه قول الحسن: اقدعوا هذه الأنفس فإنَّها طلعة (١) - وهو بالدال المهملة.
و(قوله: إنها طعام طعم)؛ أي: يُشبع منه ويُردُّ الجوعَ. الرواية فيه طعامُ طعم بالإضافة، والطعام: اسم لما يتطعَّم، فكأنه قال: طعام إشباع، أو طعام يشبع - فأضافه إلى صفته، هذا على معنى ما قاله ابن شميل، فإنه قال: يقال إن هذا لطعام طعم، أي: يطعم من أكله، أي: يشبع منه الإنسان، وما يطعم أكلُ هذا الطعام أي ما يشبع منه، غير أنه قد قال الجوهري: الطُّعمُ بالضم الطعام، وبالفتح ما يُشتهَى منه. قال: قال أبو خراش:
أُرَدُّ شجاع البَطنِ لَو تَعلَمينه ... ويُؤثَرُ غيري من عيالك بالطُّعمِ
وأَغتَبِقُ الماء القَرَاحَ فَأَنتَهِي ... إذا الزَّادُ أَمسَى للمُزَلَّج ذَا طَعمِ
قال: فأراد بالأول الطعام وبالثاني ما يُشتهى.
قلت: وعلى هذا فلا تصحُّ الإضافة من جهة المعنى، فإنَّه يكون كقولك طعامُ طعامِ، ولا يصحُّ لأنَّه إضافة الشيء إلى نفسه، وإنَّما يستقيم معنى الحديث على ما حكاه ابن شميل، ويحصل من قولهما أن طعمًا تُستعمل بمعنى الاسم كما قاله الجوهري وبمعنى الصفة كما قاله ابن شميل، والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود الطيالسي من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ
стр. 3687
أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلتُهُ بِهَا، ثُمَّ غَبَرتُ مَا غَبَرتُ، ثُمَّ أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّهُ قَد وُجِّهَت لِي أَرضٌ ذَاتُ نَخلٍ لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثرِبَ، فَهَل أَنتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي
ــ
في زمزم: إنها مباركةٌ، وهي طعام طعم وشفاء سقم (١)؛ أي: طعام من جوع وشفاء من سقم.
و(قوله في هذا الحديث: إنها مباركة)؛ أي: إنها تظهر بركتها على من صحَّ صدقه وحسنت فيها نيته، كما قد روى العقيلي أبو جعفر من حديث أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ قال: ماء زمزم لما شرب له (٢). فينبغي أن يتبرك بها ويحسن النية في شربها ويحمل من مائها، فقد روى الترمذي عن عائشة ﵂ أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله (٣). قال: حديث حسن غريب.
و(قوله: ثم غَبَرت ما غَبَرتُ)؛ أي: بقيت ما بقيت، وقد تقدَّم أن غبر من الأضداد.
و(قوله: وقد وجهت إلى أرض ذات نخل)؛ أي: ذهب بي إلى تلك الجهة وأُريتها.
و(قوله: لا أراها إلا يثرب)، هذا كان اسم المدينة قديمًا حتى قدمها النبي ﷺ فكره أن تُسمَّى يثرب، لأنَّه مأخوذ من التثريب وهو اللوم والتقبيح، وسَمَّاها طابة، وقد تقدَّم هذا في الحج، وأيماء بن رحضة يروى بفتح الهمزة وكسرها، ورحضة بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة.
стр. 3688
قَومَكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَنفَعَهُم بِكَ وَيَأجُرَكَ فِيهِم؟ فَأَتَيتُ أُنَيسًا، فَقَالَ: مَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: صَنَعتُ أَنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ. قَالَ: مَا بِي رَغبَةٌ عَن دِينِكَ، فَإِنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ! فَأَتَينَا أُمَّنَا، فَقَالَت: مَا بِي رَغبَةٌ عَن دِينِكُمَا، فَإِنِّي قَد أَسلَمتُ وَصَدَّقتُ! فَاحتَمَلنَا حَتَّى أَتَينَا قَومَنَا غِفَارًا فَأَسلَمَ نِصفُهُم، وَكَانَ يَؤُمُّهُم إيمَاءُ بنُ رَحَضَةَ الغِفَارِيُّ وَكَانَ سَيِّدَهُم، وَقَالَ نِصفُهُم: إِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أَسلَمنَا! فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأَسلَمَ نِصفُهُم البَاقِي، وَجَاءَت أَسلَمُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِخوَتُنَا! نُسلِمُ عَلَى الَّذِي أَسلَمُوا عَلَيهِ - فَأَسلَمُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ.
ــ
و(قوله: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله، إنما دعا النبي ﷺ لهاتين القبيلتين لأنَّهما أسلمتا طوعًا من غير قتال ولا إكراه، ويحتمل أن يكون ذلك خبرًا عما فعل الله بهاتين القبيلتين (١) من المغفرة والمسالمة لهما. وكيف ما كان فقد حصل لهما فخر السابق وأجر اللاحق، وفيه مراعاة التجنيس في الألفاظ.
و(قوله: إنهم قد شَنِفُوا له وتَجَهَّمُوا) (٢)؛ أي: أبغضوه وعبسوا في وجهه، والشَّنَفُ: البغض، ويُقال: رجل جهم الوجه إذا كان غليظه منعقده، كأنه يعبس وجهه لكل أحد.
стр. 3689
وفي رواية قال: فَتَنَافَرَا إِلَى رَجُلٍ مِن الكُهَّانِ. قَالَ: فَلَم يَزَل أَخِي أُنَيسٌ يَمدَحُهُ حَتَّى غَلَبَهُ. قَالَ: فَأَخَذنَا صِرمَتَهُ فَضَمَمنَاهَا إِلَى صِرمَتِنَا.
وفيها أَيضًا قَالَ: فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالبَيتِ وَصَلَّى رَكعَتَينِ خَلفَ المَقَامِ. وفيها بعد بتحية الإسلام قال: قلت: السَّلَامُ عَلَيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَعَلَيكَ السَّلَامُ، مَن أَنتَ؟
وَفِيها: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَتحِفنِي بِضِيَافَتِهِ اللَّيلَةَ.
رواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٤٧٣).
[٢٣٨٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبعَثُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ قَالَ لِأَخِيهِ: اركَب إِلَى هَذَا الوَادِي فَاعلَم لِي عِلمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزعُمُ أَنَّهُ يَأتِيهِ الخَبَرُ مِن السَّمَاءِ، وَاسمَع مِن قَولِهِ، ثُمَّ ائتِنِي. فَانطَلَقَ الآخَرُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ وَسَمِعَ مِن قَولِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: رَأَيتُهُ يَأمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعرِ. فَقَالَ: مَا شَفَيتَنِي فِيمَا أَرَدتُ! فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى المَسجِدَ فَالتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعرِفُهُ، وَكَرِهَ أَن يَسأَلَ عَنهُ، حَتَّى أَدرَكَهُ - يَعنِي اللَّيلَ - فَاضطَجَعَ، فَرَآهُ
ــ
و(قوله: فلم يزل أخي أُنَيس يمدحه حتى غلبه)، كذا في رواية السَّجزيّ وغيره، وهي واضحة، أي: لم يزل ينشد شعرًا يقتضي المدح حتى حكم له الكاهن بالغلبة على الآخر وأنه أشعر منه، وكأن هذا الكاهن كان شاعرًا فقضى بينهما بذلك، وفي رواية العذري: فلم يزل أخي أنَيس يمدحه ويثني عليه مكان: حتى غلبه. قال: فأخذنا صِرمَته فضَمَمناها إلى صرمتنا، والرواية الأولى أولى لأنَّها أفادت معنى مناسبًا به التأم الكلام بما بعده، وهو أنه إنما أخذ صِرمته لأنَّ الكاهن قضى له بالغلبة، ولأن قوله ويثني عليه مكرر، لأنَّه قد فُهم ذلك من قوله يمدحه، فحمل الكلام على فائدة جديدة أولى. وإنَّما ذكر هذا المعنى ليبين أن أخاه أُنَيسا كان شاعرًا مُفلِقًا مُجيدًا، بحيث يحكم له بغلبة الشعراء، ومن
стр. 3690
عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَم يَسأَل وَاحِدٌ مِنهُمَا صَاحِبَهُ عَن شَيءٍ حَتَّى أَصبَحَ، ثُمَّ احتَمَلَ قِربَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى المَسجِدِ، فَظَلَّ ذَلِكَ اليَومَ وَلَا يَرَى النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى أَمسَى، فَعَادَ إِلَى مَضجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا أَنَى لِلرَّجُلِ أَن يَعلَمَ مَنزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ وَلَا يَسأَلُ وَاحِدٌ مِنهُمَا صَاحِبَهُ عَن شَيءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومُ الثَّالِثِ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَهُ عَلِيٌّ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقدَمَكَ هَذَا البَلَدَ؟ قَالَ: إِن أَعطَيتَنِي عَهدًا وَمِيثَاقًا لَتُرشِدَنِّي فَعَلتُ! فَفَعَلَ فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وإنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا أَصبَحتَ فَاتَّبِعنِي، فَإِنِّي إِن رَأَيتُ شَيئًا أَخَافُ عَلَيكَ قُمتُ كَأَنِّي أُرِيقُ المَاءَ، فَإِن مَضَيتُ فَاتَّبِعنِي حَتَّى تَدخُلَ مَدخَلِي - فَفَعَلَ، فَانطَلَقَ يَقفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِن قَولِهِ وَأَسلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : ارجِع إِلَى قَومِكَ فَأَخبِرهُم حَتَّى يَأتِيَكَ أَمرِي! فَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَأَصرُخَنَّ بِهَا بَينَ ظَهرَانَيهِم! فَخَرَجَ
ــ
كان هكذا علم أنه عالم بالشعر وأنواعه. فلما كان كذلك وسمع القرآن علم قطعًا أنه ليس بشعر، ولذلك قال: لقد وضعته على أنواع الشعر فلم يلتئم، فكانت هذه شهادة بأنه ليس بشعر ولا أنه ﷺ شاعر، فكان ذلك تكذيبًا لمن زعمه من جهَّال الكفار ومن المعاندين الفجَّار.
قلت: وقد ظهر بين حديث عبد الله بن الصامت وبين حديث عبد الله بن عباس تباعد واختلاف في موضع من حديث أبي ذر هذا بحيث يبعد الجمع بينهما فيه، وذلك أن في حديث ابن الصامت أن أبا ذر لقي النبي ﷺ أول ما لقيه ليلًا وهو يطوف بالكعبة، فأسلم إذ ذاك بعد أن أقام ثلاثين بين يوم وليلة ول زاد له، وإنَّما اغتذى بماء زمزم. وفي حديث ابن عباس: إنه كان له قربة وزاد، وأن عليًّا ﵁ أضافه ثلاث ليال ثم أدخله على النبي ﷺ في بيته فأسلم، ثم خرج يصرخ بكلمتي الإسلام. وكل ذلك من السندين صحيح، فالله أعلم أي
стр. 3691
حَتَّى أَتَى المَسجِدَ فَنَادَى بِأَعلَى صَوتِهِ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ! وَثَارَ القَومُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضجَعُوهُ، فَأَتَى العَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيهِ فَقَالَ: وَيلَكُم! أَلَستُم تَعلَمُونَ أَنَّهُ مِن غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تُجَّارِكُم إِلَى الشَّامِ عَلَيهِم! فَأَنقَذَهُ مِنهُم، ثُمَّ عَادَ مِن الغَدِ بِمِثلِهَا وَثَارُوا إِلَيهِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيهِ العَبَّاسُ فَأَنقَذَهُ.
رواه أحمد (٤/ ١١٤)، والبخاريُّ (٣٨٦١)، ومسلم (٢٤٧٤).
* * *
(٥٩) باب فضائل جرير بن عبد الله ﵁
[٢٣٨٤] عن جرير قال: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنذُ أَسلَمتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.
ــ
المتنين الواقع، ويحتمل أن يقال إن أبا ذر لما لقي النبي ﷺ حول الكعبة وأسلم لم يعلم به إذ ذاك علي إذ لم يكن معهم، ثم إن أبا ذر بقي مستقرًا بحاله إلى أن استتبعه علي ثم أدخله على النبي ﷺ فجدَّد إسلامه، فظن الراوي أن ذلك أول إسلامه، وفي هذا الاحتمال بُد، والله أعلم بحقيقة ذلك.
ولم أر من الشارحين لهذا الحديث من ينبَّه لهذا التعارض ولا لهذا التأويل.
(٥٩) ومن باب فضائل جرير بن عبد الله البجلي ﵁
وبجيلة من ولد أنمار بن نزار بن معد بن عدنان، واختلف في بجيلة هل هو أب أو أُمٌّ نسبت القبيلة إليها؟ وجرير هذا هو سيد بجيلة، ويُكنى أبا عمرو، وقال له عمر ﵁: ما زلت سيدًا في الجاهلية والإسلام، وقال فيه
стр. 3692
وفي رواية: إلا تبسم في وجهي، وَلَقَد شَكَوتُ إِلَيهِ أَنِّي لَا أَثبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدرِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتهُ، وَاجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا.
رواه البخاري (٤٣٥٦)، ومسلم (٢٤٧٥) (١٣٤ و ١٣٥).
ــ
رسول الله ﷺ حين أقبل وافدًا: يطلع عليكم خير ذي يمن، كأن على وجهه مسحة مَلك، فطلع جرير (١). وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول فيه: جرير بن عبد الله يوسف هذه الأمة، وفيه قال رسول الله ﷺ : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه (٢).
أسلم قبل موت النبي ﷺ بأربعين يومًا، نزل جرير الكوفة بعد موت النبي ﷺ واتخذ بها دارًا، ثم تحوَّل إلى قرقيسيا ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: مات بالسَّراة في ولاية الضحَّاك بن قيس على الكوفة لمعاوية. روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث، أخرج له في الصحيحين خمسة عشر حديثًا.
و(قوله: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت) يعني أنه ﷺ ما كان يحتجب منه، بل بنفس ما يعلم النبيُّ ﷺ باستئذانه ترك كل ما يكون فيه وأذن له (٣) مبادرًا لذلك مبالغة في إكرامه، ولا يفهم من هذا أن جريرًا كان يدخل على النبي ﷺ بيته من غير إذن، فإنَّ ذلك لا يصحُّ لحرمة بيت النبي ﷺ ولما يُفضي ذلك إليه من الاطلاع على ما لا يجوز من عورات البيوت.
و(قوله: ولا رآني إلا ضحك في وجهي)، هذا منه ﷺ فرح به وبشاشة للقائه وإعجابٌ برؤيته، فإنَّه كان من كملة الرجال خَلقًا وخُلُقًا.
و(قوله: وكنت لا أثبت على الخيل) يعني أنه كان يسقط أو يخاف
стр. 3693
[٢٣٨٥] وعنه قال: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا جَرِيرُ، أَلَا تُرِيحُنِي مِن ذِي الخَلَصَةِ؟ - بَيتٍ لِخَثعَمَ كَانَ يُدعَى كَعبَةَ اليَمَانِيَةِ، وفي رواية: الكعبة الشامية. قَالَ: فَنَفَرتُ فِي خَمسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ، وَكُنتُ لَا أَثبُتُ عَلَى الخَيلِ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَ يَدَهُ فِي صَدرِي فَقَالَ: اللَّهُمَّ ثَبِّتهُ، وَاجعَلهُ هَادِيًا مَهدِيًّا. قَالَ: فَانطَلَقَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا يُبَشِّرُهُ يُكنَى أَبَا أَرطَاةَ - مِنَّا - فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: مَا جِئتُكَ حَتَّى تَرَكنَاهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجرَبُ! فَبَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خَيلِ أَحمَسَ وَرِجَالِهَا خَمسَ مَرَّاتٍ.
وفي أخرى: قال: فدعا لنا ولأحمس.
رواه مسلم (٢٤٧٦)(١٣٧).
* * *
ــ
السُّقوط من على ظهورها حالة إجرائها، فدعا له النبي ﷺ بأكثر مما طلب؛ بالثبوت مطلقًا وبأن يجعله هاديًا لغيره ومهديًّا في نفسه. فكان كل ذلك، وظهر عليه جميع ما دعا له به، وأول ذلك أنه نفر في خمسين ومائة فارس لذي الخلصة فحرقها وعمل فيها عملًا لا يعمله خمسة آلاف، وبعثه رسول الله ﷺ لذي الكلاع وذي رُعَين، وله المقامات المشهورة.
وذو الخلصة بفتح اللام: بيت بَنَتهُ خثعم تعظمه وتطوف به وتنحر عنده، تشبهه ببيت مكة، وتسمِّيه العرب (١) الكعبة اليمانية والشامية (٢)، وقد كانت العرب فعلت مثل هذا بيوتًا كثيرة قد تقدَّم
стр. 3694
(٦٠) باب فضائل عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر
[٢٣٨٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى الخَلَاءَ، فَوَضَعتُ لَهُ
ــ
ذكرها، فأمر النبي ﷺ بهدمها كلها وتحريقها فكان ذلك، ومحا الله الباطل، وأحق الحق بكلماته.
(٦٠) ومن باب: فضائل عبد الله بن عباس ﵄
ابن عبد المطلب بن هاشم، يُكنى أبا العباس، ولد بالشعب وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين. واختلف في سِنِّه يوم (١) موت النبي ﷺ ؛ فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة - رواه سعيد بن جبير عنه، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة سنة، وقال ابن عباس: إنه كان في حجَّة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات عبد الله بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير لأنَّه أخرجه من مكة، وتوفي ابن عباس وهو ابن سبعين سنة، وقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع وسبعين - وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة! وضرب على قبره فسطاطا، ويروى عن مجاهد عنه أنه قال: رأيت جبريل عند النبي ﷺ مرتين، ودعا لي رسول الله ﷺ بالحكمة مرتين. وقال ابن مسعود ﵁ فيه: نعم ترجمان القرآن ابن عباس! وكان عمر ﵁ يقول: فتى الكهول، لسان سؤول، وقلب عقول. وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس قلت: أجمل الناس! وإذا تكلَّم قلت: أفصح الناس! وإذا تحدَّث قلت: أعلم الناس! وكان يُسمى البحر لغزارة علمه، والحبر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وكان عمر ﵁ يقربه ويدنيه لجودة فهمه
стр. 3695
وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: مَن وَضَعَ هَذَا؟ قالوا: ابن عباس. قال: اللهم فقهه.
رواه أحمد (١/ ٣٢٧)، والبخاري (١٤٣)، ومسلم (٢٤٧٧).
ــ
وحسن تأتِّيه، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألف حديث وستمائة وستين، أخرج له في الصحيحين مائتا حديث وأربعة وثلاثون حديثًا.
و(قوله ﷺ : اللهم فقهه)، هنا انتهى حديث مسلم، وقال البخاري: اللهم فقهه في الدين، وفي رواية قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: اللهم علمه الكتاب (١)، قال أبو عمر: وفي بعض الروايات اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل (٢). قال: وفي حديث آخر اللهم بارك فيه وانشر منه، واجعله من عبادك الصالحين (٣)، وفي حديث آخر: اللهم زده علمًا وفقهًا (٤). قال: وكلها حديث صحيح.
قلت: وقد ظهرت عليه بركات هذه الدَّعوات فاشتهرت علومه وفضائله، وعمَّت خيراته وفواضله، فارتحل طلاب العلم إليه، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم لقوله، وعوَّلوا على نظره ورأيه. قال يزيد بن الأصم: خرج معاوية حاجًّا معه ابن عباس، فكان لمعاوية موكب ولابن عباس موكب ممن يطلب العلم. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مجلسًا أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس؛ الحلال، والحرام، والعربية، والأنساب، والشعر. وقال عبيد الله بن عبد الله: ما رأيت أحدًا كان أعلم بالسنة ولا أجل رأيًا ولا أثقب نظرًا من ابن عباس
стр. 3696
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵁.
ولقد كان عمر ﵁ يعده للمعضلات مع اجتهاد عمر ونظره للمسلمين، وكان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك:
إن يأخذ الله من عينيَّ نُورَهما ... ففي لساني وقلبي منهما نورُ
قَلبي ذَكِيٌّ وعقلي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارمٌ كالسَّيفِ مأثُورُ
وروي أن طائرًا (١) أبيض خرج من قبره، فتأوَّلوه علمه خرج إلى الناس، ويقال: بل دخل قبره طائرٌ أبيض، فقيل: إنه بصره في التأويل. وقال أبو الزبير: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طائرٌ أبيض فدخل في نعشه حين حمل، فما رؤي خارجًا منه!
وفضائله أكثر من أن تحصى.
وأما عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ ويُكنى أبا عبد الرحمن - فإنَّه أسلم صغيرًا لم يبلغ الحلم مع أبيه، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه، وأول مشاهده الخندق، لم يشهد بدرًا ولا أحدًا لصغره؛ فإنَّه عرض على رسول الله ﷺ يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وأجازه يوم الخندق، وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى. وشهد الحديبية، وبايع رسول الله ﷺ ، وقيل: إنه أول من بايع، وكان من أهل العلم والورع، وكان كثير الاتباع لرسول الله ﷺ شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه، وكان لا يتخلَّف عن السرايا على عهد رسول الله ﷺ ، ثم كان بعد موته ﷺ مُولِعًا بالحج، وكان من أعلم الناس بمناسكه، وكان قد أشكلت عليه حروب عليٍّ لورعه فقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة، روي عنه من أوجه أنه قال: ما آسى (٢) على شيء فاتني إلا تركي لقتال الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب ﵁.
وقال جابر بن عبد الله ﵄: ما منا أحدٌ إلا مالت له الدنيا ومال إليها ما خلا عمر.
стр. 3697
[٢٣٨٧] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي قِطعَةَ إِستَبرَقٍ، وَلَيسَ مَكَانٌ أُرِيدُ مِن الجَنَّةِ إِلَّا طَارَت إِلَيهِ. قَالَ: فَقَصَصتُهُ عَلَى حَفصَةَ، فَقَصَّتهُ حَفصَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَرَى عَبدَ اللَّهِ رَجُلًا صَالِحًا.
رواه مسلم (٢٤٧٨).
ــ
وابنه عبد الله.
وقال ميمون بن مهران: ما رأينا أورع من ابن عمر، ولا أعلم من ابن عباس. وروى ابن وهب عن مالك قال: بلغ عبد الله بن عمر ستًّا وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونشر نافع عنه علمًا جمًّا. وروى ابن الماجشون أن مروان بن الحكم دخل في نفر على عبد الله بن عمر بعدما قتل عثمان ﵁ فعزموا عليه أن يبايعوه. قال: كيف لي بالناس؟ قال: تقاتلهم! فقال: والله لو اجتمع عليَّ أهل الأرض إلا أهل فدك ما قاتلتهم! قال: فخرجوا من عنده ومروان يقول:
إني أرى فِتنَةً تَغلي مَرَاجِلُها ... والمُلكُ بَعدَ أَبي لَيلَى (١) لِمَن غَلَبا
مات ابن عمر بمكة سنة ثلاث وسبعين، وذلك بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر أو نحوها، وقيل: ستة أشهر - ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وكان سبب موته أن الحجاج أمر رجلًا فسمَّ زُجَّ رُمحِهِ فزحمه، فوضع الزجَّ في ظهر قدمه فمرض منها فمات ﵀ حكاه أبو عمر.
وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين مائة حديث وثمانون.
و(قوله: رأيت في المنام كأن في يدي قطعة إستبرق)، قد تقدَّم الكلام أن الإستبرق ما غلظ من الدِّيباج، وكأن هذه القطعة مثال لعمل صالح يعمله يتقرَّب
стр. 3698
[٢٣٨٨] وعنه قال: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَمَنَّيتُ أَن أَرَى رُؤيَا أَقُصُّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ: وَكُنتُ غُلَامًا شَابًّا عَزَبًا، وَكُنتُ أَنَامُ فِي المَسجِدِ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيتُ فِي النَّومِ كَأَنَّ مَلَكَينِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئرِ، وَإِذَا لَهَا قَرنَانِ كَقَرنَي البِئرِ، وَإِذَا فِيهَا نَاسٌ قَد عَرَفتُهُم، فَجَعَلتُ أَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن النَّارِ! قَالَ: فَلَقِيَهُمَا مَلَكٌ فَقَالَ لِي: لَم تُرَع! فَقَصَصتُهَا عَلَى حَفصَةَ، فَقَصَّتهَا حَفصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نِعمَ الرَّجُلُ عَبدُ اللَّهِ لَو كَانَ يقوم مِن اللَّيلِ! فَكَانَ عَبدُ اللَّهِ بَعدَ ذَلِكَ لَا يَنَامُ مِن اللَّيلِ إِلَّا قَلِيلًا.
رواه أحمد (٢/ ١٤٦)، والبخاريُّ (١١٢١)، ومسلم (٢٤٧٩)، وابن ماجه (٣٩١٩).
* * *
ــ
به إلى الله تعالى، ويقدِّمه بين يديه: يرشده ثوابه إلى أي موضع شاء من الجنة، ولذلك قال له النبي ﷺ : أرى عبد الله رجلًا صالحًا، وهذه شهادة من النبي ﷺ لعبد الله بالصَّلاح. ووجدت بخط شيخنا أبي الصبر أيوب مقيدًا أرى بفتح الراء والهمزة، فيكون مبنيًا للفاعل، ويكون من رؤية القلب فيكون علمًا، ويجوز أن يكون همزته مضمومة فتكون ظنًّا صادقًا؛ لأنَّ النبي ﷺ معصوم في ظنه كما هو في علمه.
و(قوله: وكنت شابًا عزبًا أنام في المسجد) دليل على جواز في المسجد لمن احتاج إلى ذلك، والقرنان: منارتان تبنيان على جانبي البئر يجعل عليها الخشبة التي تعلق عليها البكرة. والبئر: المطوية بالحجارة، وهي الرس أيضًا، فإنَّ لم تُطو فهي القليب والركي. ولم ترع: أي لم تفزع، والروع: الفزع، وإنَّما
стр. 3699
(٦١) باب فضائل أنس بن مالك
[٢٣٨٩] عَن أُمِّ سُلَيمٍ أَنَّهَا قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَادِمُكَ أَنَسٌ، ادعُ
ــ
فهم النبي ﷺ من رؤية عبد الله للنار أنه ممدوح؛ لأنَّه عرض على النار ثم عوفي منها وقيل له: لا روع عليك - وهذا إنما هو لصلاحه وما هو عليه من الخير، غير أنه لم يكن يقوم من الليل، إذ لو كان ذلك ما عرض على النار ولا رآها، ثم إنه حصل لعبد الله ﵁ من تلك الرؤية يقين مشاهدة النار والاحتراز منها، والتنبيه على أن قيام الليل مِمَّا يُتَّقى به النار، ولذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك ﵁.
(٦١) ومن باب: فضائل أنس بن مالك بن النضر ﵁
ابن ضمضم بن زيد النَّجاري، خادم رسول الله ﷺ ، يُكنى أبا حمزة، يروى عنه أنه قال: كنَّاني رسول الله ﷺ ببقلة كنت أجتنيها (١). وأمه: أم سليم بنت ملحان. كان سِنُّ أنس لما قدم النبي ﷺ المدينة عشر سنين، وقيل: ثماني سنين، وتوفي رسول الله ﷺ وأنس ابن عشرين سنة، وشهد بدرًا، وتوفي في قصره بالطفِّ على فرسخين من البصرة سنة إحدى وتسعين، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين. قال أبو عمر: وهو آخر من مات بالبصرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وما أعلم أحدًا فمن مات بعده ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل.
واختلف في سن أنس يوم توفي؛ فقيل: مائة سنة إلا سنة واحدة، وقيل: إنه ولد له ثمانون ولدًا منهم ثمانية وسبعون ذكرًا وابنتان، وتوفي قبله من ولده لصلبه وولد ولده نحو المائة، وكلُّ ذلك من تعميره وكثرة نسله ببركة دعوة
стр. 3700
اللَّهَ لَهُ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَبَارِك لَهُ فِيمَا أَعطَيتَهُ.
رواه البخاري (٦٣٧٨)، ومسلم (٢٤٨٠)(١٤١)، والترمذي (٣٨٢٩).
[٢٣٩٠] وعن أَنَسٌ قَالَ: جَاءَت بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَد أَزَّرَتنِي بِنِصفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتنِي بِنِصفِهِ، فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أُنَيسٌ ابنِي، أَتَيتُ بِهِ يَخدُمُكَ، فَادعُ اللَّهَ لَهُ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكثِر مَالَهُ وَوَلَدَهُ. قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحوِ المِائَةِ اليَومَ.
وفي رواية: فدعا لي ثَلَاثَ دَعَوَاتٍ، قَد رَأَيتُ مِنهَا اثنَتَينِ فِي الدُّنيَا، وَأَنَا أَرجُو الثَّالِثَةَ فِي الآخِرَةِ.
رواه أحمد (٣/ ١٩٤)، ومسلم (٢٤٨١)(١٤٣) و (١٤٤).
ــ
النبي ﷺ كما يأتي في الأم، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ من الحديث ألفا حديث ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، أخرج له في الصحيحين ثلاثمائة حديث وثمانية عشر حديثًا.
وفي الصحابة رجل آخر اسمه أنس بن مالك، ويُكنى أبا أمية القشيري، وقيل: الكعبي، وكعب أخو قشير، ولم يسند عن النبي ﷺ سوى قوله: إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة (١). وقيل: روى ثلاثة أحاديث لم يقع له في الصحيحين شيءٌ.
стр. 3701
[٢٣٩١] وعَن أَنَسٍ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ. قَالَ: فَسَلَّمَ عَلَينَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ فَأَبطَأتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا
ــ
و(قوله ﷺ : اللهم أكثر ماله وولده) يدلُّ على إباحة من المال والولد والعيال، لكن إذا لم يشغل ذلك عن الله تعالى ولا عن القيام بحقوقه، لكن لما كانت سلامة الدين مع ذلك بادرة والفتن والآفات غالبة تعيَّن التقلُّل من ذلك الفرار مما هنالك، ولولا دعوة النبي ﷺ لأنس ﵁ بالبركة لخيفَ عليه من الإكثار الهلكة، ألا ترى أن الله تعالى قد حذرنا من آفات الأموال والأولاد ونبَّه على المفاسد الناشئة من ذلك فقال: ﴿أَنَّمَا أَموَالُكُم وَأَولادُكُم فِتنَةٌ﴾ وصدَّر الكلام بإنما الحاصرة المحققة، فكأنه قال: لا تكون الأموال والأولاد إلا فتنة، يعني في الغالب. ثم قال بعد (١) ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِن أَزوَاجِكُم وَأَولادِكُم عَدُوًّا لَكُم فَاحذَرُوهُم﴾ ووجه عداوتهما أن محبَّتهما موجبة لانصراف القلوب إليهما والسعي في تحصيل أغراضهما، واشتغالهما بما غلب عليهما من ذلك عما يجب عليهما من حقوق الله تعالى، ومع غلبة ذلك تذهب الأديان ويعم الخسران، فأيُّ عداوةٍ أعظم من عداوة من يدمر دينك هذا الدمار ويورثك عقوبة النار؟ ! ولذلك قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلهِكُم أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم عَن ذِكرِ اللَّهِ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ وقال أرباب القلوب والفهوم: ما يشغلك من أهل ومال فهو عليك مشؤوم.
و(قول أنس ﵁: أتى عليَّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان) دليل على تخلية الصِّغار ودواعيهم من اللعب والانبساط، ولا نُضيق عليهم بالمنع مِمَّا لا مفسدة فيه.
و(قوله: فسلَّم علينا) فيه دليل على مشروعية على الصِّبيان،
стр. 3702
جِئتُ قَالَت: مَا حَبَسَكَ؟ قُلتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَاجَةٍ! قَالَت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلتُ: إِنَّهَا سِرٌّ! قَالَت: لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدًا! قَالَ أَنَسٌ: وَاللَّهِ لَو حَدَّثتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثتُكَ به يَا ثَابِتُ.
رواه أحمد (٣/ ١٠٩)، ومسلم (٢٤٨٢)(١٤٥).
* * *
(٦٢) باب فضائل عبد الله بن سلام
[٢٣٩٢] عن سَعدٍ بن أبي وقاص قَالَ: مَا سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَيٍّ يَمشِي إِنَّهُ فِي الجَنَّةِ إِلَّا لِعَبدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ.
رواه أحمد (١/ ١٦٩)، والبخاريّ (٣٨١٢)، ومسلم (٢٤٨٣)(١٤٧).
ــ
وفائدته تعليمهم السلام وتمرينهم على فعله وإفشاؤه في الصغار كما يفشى في الكبار.
وكتمان أنس سرَّ رسول الله ﷺ عن أمه دليل على كمال عقله وفضله وعلمه مع صغر سنه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
(٦٢) ومن باب: فضائل عبد الله بن سلام
ابن الحارث الإسرائيلي ثم الأنصاري، وهو من ولد يوسف بن يعقوب، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الله، وتوفي في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، أسلم إذ قدم النبي ﷺ المدينة.
وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثًا، أخرج له في الصحيحين حديثان، وقد تقدم اختلاف اللغويين في حَلَقة هل يقال بسكون اللام أو بفتحها؟
فَخَرَّ. قَالَ: وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالحَلقَةِ، حَتَّى أَصبَحتُ فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصتُهَا عَلَيهِ، فَقَالَ: أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَن يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصحَابِ الشِّمَالِ. قَالَ: وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيتَ عَن يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصحَابِ اليَمِينِ، وَأَمَّا الجَبَلُ فَهُوَ مَنزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَن تَنَالَهُ، وَأَمَّا العَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الإِسلَامِ، وَأَمَّا العُروَةُ فَهِيَ عُروَةُ الإِسلَامِ، وَلَن تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ.
ــ
رمى، يقال: لعن الله أما زَجَلت به، والزَّجلُ: إرسال الحمام، والمِزجَل: المزراق (١) - لأنَّه يُرمى به، فأمَّا زحل فمعناه تنحَّى وتباعد. يقال: زحل عن مكانه حولًا، وتزحَّل: تنحَّى وتباعد، فهو زحل وزحيل. ورواية الجيم أولى وأوضح. والعروة: الشيء المتعلق به حبلًا كان أو غيره. ومنه عروة القميص والدلو، وقال بعضهم: أصله من عروته إذا ألممت به متعلقًا، واعتراه الهمُّ: تعلق به، وقيل: من العروة وهي شجرة تبقى على الجدب، سُميت بذلك لأنَّ الإبل تتعلق بها إلى زمان الخصب، وتجمع العروة: عُرَى. والوثقى: الوثيقة، أي: القوية التي لا انقطاع فيها ولا ضعف، وقد أضاف العروة هنا إلى صفتها فقال: عروة الوثقى، كما قالوا: مسجدُ الجامع، وصلاةُ الأولى.
وإخباره ﷺ عن عبد الله أنه لا ينال الشهادة وأنه لا يزال على الإسلام حتى يموت خبران عن غيب وقعا على نحو ما أخبر، فإنَّ عبد الله مات بالمدينة ملازمًا للأحوال المستقيمة، فكان ذلك من دلائل صدق رسول الله ﷺ .
والنضرة (٢) - بالضاد
стр. 3705
وذكر أيضا من حديث قيس بن عبادة نحوه، وهذا أتم إلا أن في حديث قيس قال: رَأَيتُنِي فِي رَوضَةٍ - وذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشبَهَا وَخُضرَتَهَا، وَوَسطَ الرَّوضَةِ عَمُودٌ مِن حَدِيدٍ أَسفَلُهُ فِي الأَرضِ وَأَعلَاهُ فِي السَّمَاءِ، وفِي أَعلَاهُ عُروَةٌ، فَقِيلَ لِي: ارقَه! فَقُلتُ: لَا أَستَطِيعُ! فَجَاءَنِي مِنصَفٌ - قَالَ ابنُ عَونٍ: وَالمِنصَفُ الخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِن خَلفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِن خَلفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنتُ فِي أَعلَى العَمُودِ، فَأَخَذتُ بِالعُروَةِ فَقِيلَ لِيَ: استَمسِك. فَقَد استَيقَظتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: تِلكَ الرَّوضَةُ الإِسلَامُ، وَذَلِكَ العَمُودُ عَمُودُ الإِسلَامِ، وَتِلكَ العُروَةُ عُروَةُ الوُثقَى، فَأَنتَ عَلَى الإِسلَامِ حَتَّى تَمُوتَ.
رواه أحمد (٥/ ٤٥٢)، والبخاري (٣٨١٣)، ومسلم (٢٤٨٤) (١٤٨ و ١٥٠)، وابن ماجه (٣٩٢٠).
* * *
ــ
المعجمة - النعمة، وقد تقدم، ووسط: رويناه بفتح السين وسكونها، وقد تقدم أن الفتح للاسم والسكون للظرف، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط بالسكون، وإن لم يصلح فيه فهو بالتحريك. قال الجوهري: وربما سكن - وليس بالوجه.
ورقيت بكسر القاف في الماضي وفتحها في المضارع بمعنى صعدت وارتفعت، فأمَّا رقيت - بفتح القاف - فهو من الرُّقية.
والمنصف - بكسر الميم -: الخادم، قاله ابن عون، وقال الأصمعي: والجمع مناصف.
* * *
стр. 3706
(٦٣) باب فضائل حسان بن ثابت
[٢٣٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وَهُوَ يُنشِدُ الشِّعرَ فِي المَسجِدِ، فَلَحَظَ إِلَيهِ، فَقَالَ: قَد كُنتُ أُنشِدُ وَفِيهِ مَن هُوَ خَيرٌ مِنكَ! ثُمَّ
ــ
(٦٣) ومن باب: فضائل حسان بن ثابث ﵁
ابن المنذر بن عمرو بن النجار الأنصاري، يكنى أبا الوليد، وقيل أبا عبد الرحمن، وقيل أبا الحسام. ويقال له: شاعر رسول الله ﷺ روي عن عائشة ﵂ أنها وصفت رسول الله ﷺ فقالت: كان والله كما قال شاعره حسان بن ثابت:
متى يبدُ في الدَّاجي البهيم جَبِينُه ... يَلُح مِثلَ مِصباحِ الدُّجى المُتَوَقِّدِ
فمَن كانَ أَو مَن قَد يَكُونُ كَأَحمَدٍ ... نظامٌ لِحَقٍّ أَو نَكالٌ لِمُلحِدِ (١)
قال أبو عبيد: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي ﷺ في النبوَّة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام. وقال أيضًا: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت. وقال أبو عبيد وأبو عمرو بن العلاء: حسان أشعر أهل الحضر. وقال الأصمعي: حسان أحد فحول الشعراء، فقال له أبو حاتم: تأتي له أشعارٌ ليِّنة! فقال الأصمعي: نُسبت له وليست له، ولا تصح عنه. وروي عنه أنه قال: الشعر نَكِدٌ يقوى في الشر ويُسهل، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسَّان فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط. وقيل لحسان: لانَ شِعرُك - أو هَرِمَ شعرك - في الإسلام يا أبا الحسام! فقال: إن الإسلام يحجز عن الكذب! يعني أن الشعر لا يجوِّده إلا الإفراط والتزين في الكذب، والإسلام قد منع ذلك، فقل ما يجود شعر من يتقي الكذب.
وتوفي حسان قبل
стр. 3707
التَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ فَقَالَ: أَنشُدُكَ اللَّهَ، أَسَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَجِب عَنِّي، اللَّهُمَّ أَيِّدهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَم.
رواه أحمد (٥/ ٢٢٢)، والبخاريُّ (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥)(١٥١)، والنسائي (٢/ ٤٨).
ــ
الأربعين في خلافة علي ﵄، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة أربع وخمسين - ولم يختلفوا أنه عاش مائة وعشرين سنة؛ منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، وكذلك عاش أبوه وجدُّه، وأدرك النابغة الذبياني والأعشى وأنشدهما من شعره، فكلاهما استجاد شعره وقال إنك شاعر.
و(قوله: إن عمر مرَّ بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه)؛ أي: أومأ إليه بعينيه أن اسكت، وهذا يدلُّ على أن عمر ﵁ كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، وكان قد بنى رحبة خارج المسجد وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعرًا فليخرج إلى هذه الرحبة.
وقد اختلف في ذلك، فمن مانع مطلقًا ومن مجيز مطلقًا، والأولى التفصيل؛ وهو أن ينظر إلى الشعر، فإنَّ كان مِمَّا يقتضي الثناء على الله تعالى أو على رسوله ﷺ أو الذبَّ عنهما كما كان شعر حسان أو يتضمن الحضَّ على الخير فهو حسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز، لأنَّ الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزيين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾، ولقوله ﷺ : إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن (١)، وقد تقدَّم هذا المعنى.
و(قوله ﷺ لحسان أجب عني، اللهم أيده بروح القدس)، إنما قال
стр. 3708
[٢٣٩٥] وعن البَرَاءَ بنَ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ: اهجُهُم - أَو هَاجِهِم - وَجِبرِيلُ مَعَكَ.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٤١٢٣)، ومسلم (٢٤٨٦)(١٥٣).
ــ
النبي ﷺ ذلك لأنَّ نفرًا من قريش كانوا يهجون النبي ﷺ وأصحابه، منهم: عبد الله بن الزَّبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب - وقيل لعلي: اهج عنا القوم الذين يهجوننا! فقال: إن أذن لي رسول الله ﷺ فعلت! فأعلم بذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : إن عليًّا ليس عنده ما يراد من ذلك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله أن ينصروه بألسنتهم؟ ، فقال حسان: أنا لها! وأخذ طرف لسانه وقال: والله ما يسرُّني به مِقوَلٌ ما بين بصرى وصنعاء (١).
وكان طويل اللسان يضرب بلسانه أرنبةَ أنفه، وكان له ناصية يسدلها بين عينيه، فقال رسول الله ﷺ : كيف تهجوهم وأنا منهم؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي؟ ، فقال: والله لأسلنَّك منهم كما تسل الشعرة من العجين! فقال: ائت أبا بكر؛ فإنَّه أعلم بأنساب القوم منك. فكان يمضي لأبي بكر ليقفه على أنسابهم، وكان يقول: كفَّ عن فلان وفلانة، واذكر فلانًا وفلانة. فجعل حسان يهجوهم، فلما سمعت قريشٌ شعر حسان قالوا: إن هذا الشعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة (٢)! فقال حسان:
стр. 3709
[٢٣٩٦] وعَن مَسرُوقٍ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعِندَهَا حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ يُنشِدُهَا شِعرًا يُشَبِّبُ بِأَبيَاتٍ لَهُ، فَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصبِحُ غَرثَى مِن لُحُومِ الغَوَافِلِ
ــ
أَبلِغ أَبا سُفيَانَ أنَّ مُحمدًا ... هُوَ الغُصنُ ذُو الأفنَانِ لا الواحِدُ الوَغدُ
ومَا لَكَ فِيهِم مَحتِدٌ يَعرِفونهُ ... فَدُونَكَ فَالصَق مِثلَ مَا لَصِقَ القُردُ
وإِنَّ سَنامَ المَجدِ في آلِ هَاشِم ... بَنُو بِنتِ مَخزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ
وَمَن وَلَدَت أبنَاءُ زُهرَةَ مِنهُمُ ... كِرَامٌ وَلَم يَقرَب عَجَائِزَكَ المَجدُ
وَلَستَ كَعَبَّاسٍ وَلا كَابنِ أُمِّهِ ... وَلكِن لَئِيمٌ لا يَقُومُ لَهُ زَندُ
وإِنِ امرَأً كَانَت سُمَيَّةُ أُمَّهُ ... وسَمرَاءُ مَغمُوزٌ إذَا بَلَغَ الجَهدُ
وَأنتَ هَجِينٌ نِيطَ فِي آلِ هَاشِمٍ ... كَمَا نِيطَ خَلفَ الرَّاكِبِ القَدَحُ الفَردُ
الأفنان: الأغصان، واحدها فنن. والوغد: الدنيء من الرجال، والمَحتِد: الأصل. ودونك: ظرف قصد به الإغراء، والمغرى به محذوف تقديره: فدونك محتدك فالصق به، والعرب تغري بـ (عليك) و (إليك) و (دونك). وسنام المجد: أرفعه، والمجد: الشرف. قال أبو عمر: بنت مخزوم هي فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم، وهي أم أبي طالب وعبد الله والزبير - بني عبد المطلب.
و(قوله: ومن ولدت أبناء زهرة منهم)؛ يعني حمزة وصفية، أمهما هالة ابنة أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والعباس هو ابن عبد المطلب، وابن أمه: شقيقه ضرار بن عبد المطلب، أمهما نسيبة امرأة من النمر بن قاسط. وسميَّة: أم أبي سفيان، وسمراء: أم أبيه. واللؤم: اسم للبخل ودناءة الأفعال والآباء. والمغموز: المعيب المطعون فيه، والهجين: من كانت أمه دنية، والمقرف: من
стр. 3710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان أبوه دنيا. ونيط: ألصق وعلق، والقدح يعني به قدح الراكب الذي يكون تعليقه بعد إكمال وقر البعير، لأنَّه لا يحفل به. ومنه الحديث: لا تجعلوني كقدح الراكب (١).
و(قوله ﷺ اللهم أيده بروح القدس)، أيده: قوِّه، والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾ أي: بقوة.
وروح القدس: هو جبريل ﵇، كما قال في الرواية الأخرى: اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك؛ أي: بالإلهام والتذكير والمعونة.
وقول حسان:
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وتُصبِحُ غَرثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ
حصان: عفيفة، وقد تقدَّم القول في وجوه الإحصان. ورزان: كاملة الوقار والعقل. يقال: رزن الرجل رزانة فهو رزين إذا كان وقورًا، وامرأة رزان. وغرثى: من الغرث وهو الجوع، يقال: رجل غرثان، وامرأة غرثى، كعطشان وعطشى. والغوافل جمع تكسير غافلة، يعني: أنهن غافلات عما رمين به من الفاحشة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ الغَافِلاتِ المُؤمِنَاتِ﴾، ويعني حسان بهذا البيت أن عائشة ﵂ في غاية العفة والنزاهة عن أن تُزنَّ بريبة، أي: تُتَّهم بها. ثم وصفها بكمال العقل والوقار والورع المانع لها من أن تتكلم بعرض غافلة، وشبَّهها بالغرثى لأنَّ بعض الغوافل
стр. 3711
فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَستَ كَذَلِكَ! قَالَ مَسرُوقٌ: فَقُلتُ لَهَا: لِمَ تَأذَنِينَ لَهُ يَدخُلُ عَلَيكِ وَقَد قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَت: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِن العَمَى! فقالت: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَو يُهَاجِي - عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاريُّ (٤٧٥٦)، ومسلم (٢٤٨٨).
ــ
قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها، لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها.
و(قول عائشة ﵂ لحسان ﵁: لكنك لست كذلك) تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله (١) بن أُبىِّ ابن سلول، غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة ﵂ قد برَّأت حسَّان من الفرية وقالت: إنه لم يقل شيئًا! وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:
فَإِنَّ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ ... فلا رَفَعَت سَوطِي إِليَّ أَنَامِلِي
فيحتمل أن يقال: إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحا، ويكون قد عرَّض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه، والله أعلم.
وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جلد الحَّد أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان.
و(قول عائشة ﵂ وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى؟ ) ظاهره يدلُّ
стр. 3712
[٢٣٩٧] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائذَن لِي فِي أَبِي سُفيَانَ! قَالَ: كَيفَ بِقَرَابَتِي مِنهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العجين! فَقَالَ:
وَإِنَّ سَنَامَ المَجدِ مِن آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنتِ مَخزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ
قَصِيدَتَهُ هَذِهِ.
رواه مسلم (٢٤٨٩).
[٢٣٩٨] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اهجُ قُرَيشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيهَا مِن رَشقٍ بِالنَّبلِ! فَأَرسَلَ إِلَى ابنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ: اهجُهُم! فَهَجَاهُم فَلَم يُرضِ، فَأَرسَلَ إِلَى كَعبِ بنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا
ــ
على أن حسان كان ممن تولَّى كبره، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة ﵂: إن الذي تولَّى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه.
و(قول عائشة قال رسول الله ﷺ : اهج قريشًا)، هكذا وقع في بعض النسخ اهج على أنه أمر لواحد ولم يتقدم له ذكر، فكأنه أمر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب اهجوا بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء.
و(قوله فإنَّه أشدُّ عليها من رَشقً بالنبل)، الضمير في إنه عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه اهج قريشًا، وفي عليها لقريش، ورشق بفتح الراء وهو الرَّمي، ففيه دليل على أن الكافر لا حرمة لعرضه كما أنه لا حرمة لماله ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل.
стр. 3713
دَخَلَ عَلَيهِ قَالَ حَسَّانُ: قَد آنَ لَكُم أَن تُرسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ! ثُمَّ أَدلَعَ لِسَانَهُ، ثم جَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَفرِيَنَّهُم بِلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَعجَل، فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ أَعلَمُ قُرَيشٍ بِأَنسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِم نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي! فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَد لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العَجِينِ!
ــ
و(قوله: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه)، هذا من حسان مدح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ﷺ واحتد لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي ﷺ ، فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي ﷺ ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك. وتنزل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال، فإنَّهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصَّبر وإظهار كل ذلك للعدو وإغلاظ عليهم وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب ولا إنكار.
و(قوله: ثم أدلع لسانه)؛ أي أخرجه وحرَّكه، كأنه كان (١) يعدُّه للإنشاد.
و(قوله: والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَريَ الأديم)؛ أي: لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ، فإنَّه يقطع خفافًا ونعالًا وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه
стр. 3714
قَالَت عَائِشَةُ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحتَ عَن اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى.
ــ
فلم يعيره أحد منهم بالجبن ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف، فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إن روح القدس لا يزال معك ما نافحت عن الله ورسوله)؛ أي مدَّة منافحتك. والمنافحة: المخاصمة والمجادلة، وأصلها الدَّفع. يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته. ونفحه بسيفه، أي: ضربه به من بعيد.
و(قوله ﷺ هجاهم حسَّان فشفى واشتفى)؛ أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه، أي: أصاب منهم بثأره شفاء. وأنشد حسان:
هَجَوتَ مُحمَّدًا فأَجَبتُ عنه ... . . . . . . . . . . . .
لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها:
عَفَت ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ ... إِلَى عَذرَاءَ مَنزِلُها خَلاءُ
فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة.
وقوله عفت معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، وإنَّما ذكر حسان هذه المواضع لأنَّه كان يردها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خال ليس به أحد.
стр. 3715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ ... تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء
وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ ... خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ
الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتعفيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح - وسُمِّيت بذلك لأنَّها ترمس الآثار، أي: تغيرها، والرمس والرسم: الأثر الخفي. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. خلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مرج، وهو الموضع المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنعم: الإبل خاصة، والأنعام: يتناول الإبل والبقر والغنم، والشاء: الغنم.
فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيفً ... يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
الطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر طاف الخيال يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ فلا يقال فيه طيف، لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. فمن قرأه طائف اسم فاعل فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه طيف أراد به تخيله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها. ويؤرقني: يسهرني. إذا ذهب العشاء، أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس، يعني أنه يسهر لفكرته في الطيف أو للوعته به كلما غمض.
لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ ... فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ
قيل: إن شعثاء هذه هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته.
كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ ... يكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وماءُ