فَقَالَت لَهُ عَائِشَةُ: لَكِنَّكَ لَستَ كَذَلِكَ! قَالَ مَسرُوقٌ: فَقُلتُ لَهَا: لِمَ تَأذَنِينَ لَهُ يَدخُلُ عَلَيكِ وَقَد قَالَ اللَّهُ: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾؟ فَقَالَت: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِن العَمَى! فقالت: إِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ - أَو يُهَاجِي - عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاريُّ (٤٧٥٦)، ومسلم (٢٤٨٨).
ــ
قد كان هو آذاها فما تكلمت فيها، وهي حمنة بنت جحش، فكأنها كانت بحيث تنتصر ممن آذاها بأن تقابلها بما يؤذيها، لكن حجزها عن ذلك دينها وعقلها وورعها.
و(قول عائشة ﵂ لحسان ﵁: لكنك لست كذلك) تعني أنه لم يصبح غرثان من لحوم الغوافل، وظاهر هذا الحديث أن حسان كان ممن تكلم بالإفك، وقد جاء ذلك نصًّا في حديث الإفك الطويل الذي يأتي فيه أن الذين تكلموا بالإفك مسطح وحسان وحمنة وعبد الله (١) بن أُبىِّ ابن سلول، غير أنه قد حكى أبو عمر أن عائشة ﵂ قد برَّأت حسَّان من الفرية وقالت: إنه لم يقل شيئًا! وقد أنكر حسان أن يكون قد قال من ذلك شيئًا في البيت الثاني الذي ذكره متصلًا بالبيت المذكور آنفًا، فقال:
فَإِنَّ كَانَ ما قَد قِيلَ عَنِّي قُلتُهُ ... فلا رَفَعَت سَوطِي إِليَّ أَنَامِلِي
فيحتمل أن يقال: إن حسان يعني أن يكون قال ذلك نصًّا وتصريحا، ويكون قد عرَّض بذلك وأومأ إليه فنسب ذلك إليه، والله أعلم.
وقد اختلف الناس فيه هل خاض في الإفك أم لا؟ وهل جلد الحَّد أم لا؟ فالله أعلم أيُّ ذلك كان.
و(قول عائشة ﵂ وأيُّ عذابٍ أشدُّ من العمى؟ ) ظاهره يدلُّ
стр. 3712
[٢٣٩٧] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ حَسَّانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائذَن لِي فِي أَبِي سُفيَانَ! قَالَ: كَيفَ بِقَرَابَتِي مِنهُ؟ قَالَ: وَالَّذِي أَكرَمَكَ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العجين! فَقَالَ:
وَإِنَّ سَنَامَ المَجدِ مِن آلِ هَاشِمٍ ... بَنُو بِنتِ مَخزُومٍ وَوَالِدُكَ العَبدُ
قَصِيدَتَهُ هَذِهِ.
رواه مسلم (٢٤٨٩).
[٢٣٩٨] وعنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اهجُ قُرَيشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيهَا مِن رَشقٍ بِالنَّبلِ! فَأَرسَلَ إِلَى ابنِ رَوَاحَةَ فَقَالَ: اهجُهُم! فَهَجَاهُم فَلَم يُرضِ، فَأَرسَلَ إِلَى كَعبِ بنِ مَالِكٍ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى حَسَّانَ بنِ ثَابِتٍ، فَلَمَّا
ــ
على أن حسان كان ممن تولَّى كبره، وهذا بخلاف ما قاله عروة عن عائشة ﵂: إن الذي تولَّى كبره هو عبد الله بن أبي ابن سلول، وأنه هو الذي كان يستوشيه ويجمعه.
و(قول عائشة قال رسول الله ﷺ : اهج قريشًا)، هكذا وقع في بعض النسخ اهج على أنه أمر لواحد ولم يتقدم له ذكر، فكأنه أمر لأحد الشعراء الحاضرين، ووقع في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب اهجوا بضمير الجماعة، فيكون أمرًا لجميع من حضر هناك من الشعراء.
و(قوله فإنَّه أشدُّ عليها من رَشقً بالنبل)، الضمير في إنه عائد على الهجو الذي يدلُّ عليه اهج قريشًا، وفي عليها لقريش، ورشق بفتح الراء وهو الرَّمي، ففيه دليل على أن الكافر لا حرمة لعرضه كما أنه لا حرمة لماله ولا لدمه، وأنه يُتعرض لنكايتهم بكل ما يؤلمهم من القول والفعل.
стр. 3713
دَخَلَ عَلَيهِ قَالَ حَسَّانُ: قَد آنَ لَكُم أَن تُرسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ! ثُمَّ أَدلَعَ لِسَانَهُ، ثم جَعَلَ يُحَرِّكُهُ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَفرِيَنَّهُم بِلِسَانِي فَريَ الأَدِيمِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَعجَل، فَإِنَّ أَبَا بَكرٍ أَعلَمُ قُرَيشٍ بِأَنسَابِهَا، وَإِنَّ لِي فِيهِم نَسَبًا حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي! فَأَتَاهُ حَسَّانُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَد لَخَّصَ لِي نَسَبَكَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأَسُلَّنَّكَ مِنهُم كَمَا تُسَلُّ الشَّعرَةُ مِن العَجِينِ!
ــ
و(قوله: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه)، هذا من حسان مدح لنفسه، شبَّه نفسه بالأسد إذا غضب فحمي، وذلك أنه غضب لهجو قريش للنبي ﷺ واحتد لذلك، واستحضر في ذهنه هجو قريش فتصوره وأحس أنه قد أعين على ذلك ببركة دعوة النبي ﷺ ، فقال تلك الكلمات مظهرًا لنعمة الله تعالى عليه، وأنه قد أجيب فيه دعاء النبي ﷺ ، وليفخر بمعونة الله تعالى له على ذلك. وتنزل هذا الافتخار في هذا الموطن منزلة افتخار الأبطال في حال القتال، فإنَّهم يمدحون أنفسهم ويذكرون مآثرهم ومناقبهم في تلك الحال نظمًا ونثرًا، وذلك يدلّ على ثبوت الجأش وشجاعة النفس وقوة العقل والصَّبر وإظهار كل ذلك للعدو وإغلاظ عليهم وإرهاب لهم، وكل هذا الافتخار يوصل إلى رضا الغفار، فلا عتب ولا إنكار.
و(قوله: ثم أدلع لسانه)؛ أي أخرجه وحرَّكه، كأنه كان (١) يعدُّه للإنشاد.
و(قوله: والذي بعثك بالحق لأفرينَّهم بلساني فَريَ الأديم)؛ أي: لأمزقنهم بالهجو كما يمزق الجلد بعد الدِّباغ، فإنَّه يقطع خفافًا ونعالًا وغير ذلك، وتشبيه حسان نفسه بالأسد الضارب بذنبه بحضرة النبي ﷺ وأصحابه ﵃ وإقرار الكل عليه دليل على بطلان قول من نسب حسَّان إلى الجبن، ويتأيد هذا بأن حسان لم يزل يُهاجي قريشا وغيرهم من خيار العرب ويهاجونه
стр. 3714
قَالَت عَائِشَةُ: فَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِحَسَّانَ: إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحتَ عَن اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَالَت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: هَجَاهُم حَسَّانُ فَشَفَى وَاشتَفَى.
ــ
فلم يعيره أحد منهم بالجبن ولا نسبه إليه، والحكايات المنسوبة إليه في ذلك أنكرها كثير من أهل الأخبار، وقيل: إن حسَّان أصابه الجبن عندما ضربه صفوان بن المعطل بالسيف، فكأنه اختل في إدراكه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إن روح القدس لا يزال معك ما نافحت عن الله ورسوله)؛ أي مدَّة منافحتك. والمنافحة: المخاصمة والمجادلة، وأصلها الدَّفع. يقال: نفحت الناقة الحالب برجلها أي دفعته. ونفحه بسيفه، أي: ضربه به من بعيد.
و(قوله ﷺ هجاهم حسَّان فشفى واشتفى)؛ أي: شفى الألم الذي أحدثه هجوهم، واشتفى هو في نفسه، أي: أصاب منهم بثأره شفاء. وأنشد حسان:
هَجَوتَ مُحمَّدًا فأَجَبتُ عنه ... . . . . . . . . . . . .
لم يرو مسلم أوَّل هذه القصيدة، وقد ذكرها بكمالها ابن إسحاق، وذكر أوَّلها:
عَفَت ذَاتُ الأَصَابِعِ فَالجِواءُ ... إِلَى عَذرَاءَ مَنزِلُها خَلاءُ
فلنذكرها على ما ذكرها ابن إسحاق ونفسِّر غريبها فإنَّها قصيدة حسنة مشتملة على فوائد كثيرة.
وقوله عفت معناه: درست وتغيَّرت، وذات الأصابع والجِواء: موضعان بالشام، وعذراء: قرية عند دمشق، وإنَّما ذكر حسان هذه المواضع لأنَّه كان يردها كثيرًا على ملوك غسان يمدحهم، وكان ذلك قبل الإسلام. وخلا: خال ليس به أحد.
стр. 3715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ديارٌ من بني الحَسحَاس قَفرٌ ... تُعَفِّيها الرَّوامسُ والسَّماء
وكانت لا يَزَالُ بها أَنِيسٌ ... خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وَشَاءُ
الدِّيار: المنازل. وبنو الحسحاس: قبائل معروفون، وتعفيها: تغيِّرها. والروامس: الرياح - وسُمِّيت بذلك لأنَّها ترمس الآثار، أي: تغيرها، والرمس والرسم: الأثر الخفي. والسماء: المطر. والسماء: كل ما علاك فأظلَّك. خلال: بمعنى بين. ومروج: جمع مرج، وهو الموضع المنبت للعشب المختلف الذي يختلط بعضه ببعض. والنعم: الإبل خاصة، والأنعام: يتناول الإبل والبقر والغنم، والشاء: الغنم.
فَدَع هَذَا ولَكِن مَن لِطَيفً ... يُؤَرِّقُنِي إذا ذَهَبَ العِشاءُ
الطَّيف: ما يراه النائم في منامه، وهو في الأصل مصدر طاف الخيال يطوف طيفًا، ولم يقولوا في هذا طائف في اسم الفاعل، قال السُّهيلي: لأنه تخيُّل لا حقيقة له، فأمَّا قوله: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِن رَبِّكَ﴾ فلا يقال فيه طيف، لأنَّه اسم فاعل حقيقة، ويقال: إنه جبريل، فأمَّا قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُم طَائِفٌ مِنَ الشَّيطَانِ تَذَكَّرُوا﴾. فمن قرأه طائف اسم فاعل فإنَّه أراد به الشيطان نفسه، ومن قرأه طيف أراد به تخيله ووسواسه، وهي لا حقيقة لها. ويؤرقني: يسهرني. إذا ذهب العشاء، أي: بعد العشاء في الوقت الذي ينام فيه الناس، يعني أنه يسهر لفكرته في الطيف أو للوعته به كلما غمض.
لِشَعثاءَ التي قد تَيَّمتهُ ... فَلَيسَ لِقَلبِه منها شِفاءُ
قيل: إن شعثاء هذه هي ابنةُ كاهنِ امرأة حسان، ولدت له ابنته أم فراس. وتيَّمته: ذلَّلته.
كَأَنَّ سَبِيَّةً مِن بَيتِ رَأسٍ ... يكُونُ مِزَاجَها عَسَلٌ وماءُ
стр. 3716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السبية: الخمر. وبيت رأس: موضع فيه خمر عالية، وقيل: رأس رجل خمار نسبت إليه، ومزاجها: خلطها. وقد جعل الخبر معرفة والاسم نكرة، وهو عكس الأصل، وإنَّما جاز ذلك لأنَّ عسلًا وماءً اسمان من أسماء الأجناس، فأفاد مُنكِّره ما يفيد معرَّفه، فكأنهما معرفتان، وخبر كأن محذوف، تقديره: كأنَّ فيها سبيَّة مستلذَّة، وهذا إنما اضطر إلى ذلك من لم يرو في القصيدة قوله:
على أَنيابِها أو طَعمُ غَضًّ ... مِنَ التُّفَّاح هَصَّرَهُ الجِناء
وذلك أن هذا البيت لم يقع في رواية ابن إسحاق، فمن صحَّ عنده هذا البيت جعل خبر كأن على أنيابها ولم يحتَج إلى تقدير ذلك المحذوف. والأنياب: هي الأسنان التي بين الضَّواحك والرُّباعيات. والغَضُّ: الطري، وهصَّره: دلَاّه وأدناه. الجناء: أي الاجتناء، وهو بكسر الجيم والمد، والجنى - بالفتح والقصر- ما يُجتنى من الشجر (١)، قال أبو القاسم السُّهيلي: وهذا البيت موضوع.
إذا ما الأَشرِباتُ ذُكِرنَ يومًا ... فَهُنَّ لِطَيِّب الرَّاح (٢) الفِدَاءُ
الأشربات: جمع أشربة، فشراب الواحد، وجمع قلته المكسر أشربة، وجمع سلامته أشربات. والراح: من أسماء الخمر، واللام هنا للعهد؛ أي: الخمر السيئة المتقدِّمة الذكر.
نُوَلِّيها المَلامَةَ إن أَلَمنا ... إذا ما كان مغث (٣) أو لِحَاءُ
ونَشرَبُها فَتَترُكُنا مُلُوكًا ... وأُسدًا ما يُنَهنِهُنا اللِّقاءُ
ألمنا: أي أتينا ما نلام عليه. والمقتُ: مما يمقت عليه، أي يبغض
стр. 3717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالضرب والأذى. واللحاء: الملاحاة باللسان - يريد إن فعلنا شيئًا من ذلك اعتذرنا بالسكر، وينهنهنا: يضعفنا ويفزعنا.
عَدِمنا خَيلَنا إِن لَم تَرَوها ... تُثِيرُ النَّقعَ مَوعِدُها كَدَاءُ
يُنَازِعنَ الأَعِنَّةَ مُصعِدَاتٍ (١) ... على أَكتَافِها الأَسَلُ الظِّمَاءُ
الضمير في تروها عائد على الخيل وإن لم يجر لها ذكر، لكنها تفسرها الحال والمشاهدة، وتثير: تحرك. والنقع: الغبار، وكداء: التثنية التي بأعلى مكة، وكُدَى - بضم الكاف والقصر - تثنية بأسفل مكة، وقد تقدَّم ذكرهما. وينازعن: يجاذبن. والأسل: الرِّماح. والظماء: العطاش. ووصف الرماح بذلك لأنَّ حامليها يريدون أن يطعنوا أعداءهم بها فيرووها من دمائهم. ومُصعِدات: مرتفعات، ومصغيات: مائلات.
تَظَلُّ جِيَادُنا مُتَمَطِّراتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بالخُمُرِ النِّساءُ
الجياد: الخيل. متمطرات: يعني بالعرق من الجري، والرواية المشهورة يلطمهن من اللطم وهو الضرب في الخد، ويعني أن هذه الخيل لكرمهن في أنفسهن ولعزَّتهن عليهم تبادر النساء فيمسحن وجوه هذه الخيل بالخُمُر. وكان الخليل يروي هذا اللفظ يطلمهن بتقديم الطاء على اللام ويجعله بمعنى ينفض، وقال ابن دريد: الطلم ضربك خبز الملة بيدك لينتفض ما به من الرماد. ورواية مسلم لهذا الحديث ثَكِلَت بُنَيتي بدل عدمنا خيلنا. والثكل: فقد الولد. وبُنيتي: تصغير بنت. ومعنى صدر هذا البيت على الروايتين: الدعاء على نفسه إن لم يغز قريشًا. ووقع أيضًا لبعض رواة مسلم موعدها كداء، ولبعضهم غايتها بدل موعدها، والمعنى متقارب. ووقع في بعض النسخ مكان موعدها: من كنفي
стр. 3718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كداء على الإقواء (١)، وليس بشيء، إذ لا ضرورة تحوج إليه مع صحَّة الروايات المتقدِّمة، وكنفا كداء: جانباها.
فإِمَّا تُعرِضُوا عنَّا اعتَمَرنا ... وكَانَ الفَتحُ وانكَشَفَ الغِطَاءُ
هذا يدل على أن حسان قال هذه القصيدة قبل يوم الفتح كما قال ابن هشام، وظاهره أن ذلك كان في عُمرة (٢) الحديبية حين صدوا رسول الله ﷺ عن البيت، وقال ابن إسحاق: إن حسان قالها في فتح مكة - وفيه بُعدٌ.
وإِلا فَاصبِرُوا لِجلاد يَومٍ ... يُعِزُ اللهُ فيهِ مَن يَشاءُ
هذا من باب إلهام العالم، لأنَّ حسان قد علم أن الله قد أعز نبيَّه، وقد قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ إلى غير ذلك، وقد دلَّ على هذا قوله بعد هذا:
وجِبرِيلُ رَسُولُ اللهِ فِينا ... ورُوحُ القُدسِ ليسَ لَهُ كِفَاءُ
أي: لا يقاومه أحد ولا يماثله. وروح القدس: هو جبريل ﵇، والقدس: الطهارة، وهو معطوف على رسول الله، والكفاء: الكفو وهو المثل.
وقالَ الله قد أَرسَلتُ عَبدًا ... يقُولُ الحقَّ إِن نَفَعَ البَلاءُ
أي الابتلاء وهو الاختبار، وقد ضمن صدر هذا البيت معنى الابتلاء، ولذلك أشار بقوله البلاء لأنَّ اللام فيه للعهد لا للجنس، فتدبَّره!
ورواية مسلم في هذا البيت:
стр. 3719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
. . . . . . . . . ... يقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِه خَفاءُ
ثم شهد حسَّان بتصديقه فقال:
شَهِدتُ به فَقُومُوا صدِّقُوه ... فَقُلتُم لا نَقُومُ ولا نَشَاءُ
أي: لا نقوم لتصديقه ولا نريده - فعاندوا، ولما كان ذلك قال:
وقَال اللهُ قَد يَسَّرتُ جُندًا ... هُمُ الأَنصارُ عُرضَتُها اللِّقاءُ
أي قَصدُها وهمُّها لقاؤكم وقتالكم، يعني أنهم لما ظهر عنادهم نصر الله نبيَّه بجند الأنصار، ولم يذكر المهاجرين لأنَّهم لم يظهر لهم أثر إلا عند اجتماعهم بالأنصار، والله تعالى أعلم.
لَنا فِي كُلِّ يومٍ مِن مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أو قِتَالٌ أو هِجاءُ
هكذا رواية ابن إسحاق، ويروى سباء من السَّبي، ومعناه واضح، فالهمزة مكان الباء، والذي في كتاب مسلم نلاقي كل يوم من معدٍّ سباب، ويعني بمعدٍّ قريشًا، نسبهم لمعدِّ بن عدنان، وأو في البيت للتنويع، ويعني بالسباب السب نثرًا، وبالهجاء السب نظمًا، والله تعالى أعلم.
وقد دلَّ عليه قوله:
فَنُحكِم بالقَوَافي مَن هَجَانا ... ونَضرِبُ حِينَ تَختَلِطُ الدِّماءُ
فنحكم: نمنع، ويعني أنه يجيب الهاجي بأبلغ من هجائه وأصعب عليه فيمتنع من العود، ويعني باختلاط الدماء التحام الحرب ومخالطة الدماء عند الحرب.
أَلا أَبلِغ أَبا سُفيانَ عَنِّي ... مُغَلغَلةً فقد بَرِحَ الخَفَاءُ
أبو سفيان هذا هو ابن الحارث، وهو كان الهاجي أولًا، وقد تقدَّم أنه كان أحد الشعراء. والمغلغلة: الرسالة تُحمل من بلد إلى بلد. وبرح الخفاء: أي انكشف السر وظهر المضمر - وهو مثل.
стр. 3720
قَالَ حَسَّانُ:
هَجَوتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبتُ عَنهُ ... وَعِندَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الجَزَاءُ
هَجَوتَ مُحَمَّدًا بَرًّا تقيًا ... رَسُولَ اللَّهِ شِيمَتُهُ الوَفَاءُ
ــ
فإنَّ سيوفنا تَرَكَتكَ عبدًا ... وعبد الدَّارِ ساد بها (١) الإماء
عبدًا: يعني ذليلًا ذل العبيد.
هجَوتَ محمَّدًا وأَجَبتُ عنه ... وعِندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
الخطاب لأبي سفيان، وروي أن النبي ﷺ لما أنشده هذا البيت قال له: جزاؤك عند الله الجنة (٢).
هَجَوتَ محمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا ... رَسُولَ اللهِ شِيمَتُه الوفاءُ
البرُّ: التَّقي، والحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين إبراهيم. والشِّيمة: السَّجيَّة والسَّليقة والخليقة والجبلَّة - كلها: الطبيعة.
وقوله:
أَتَهجُوه ولَستَ لَهُ بِكُفءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيرِكُما الفِداءُ
هذا يتضمن الدُّعاء لإنزال المكاره بأكثر الرجلين شرًّا وإنزال الخير بأكثرهما خيرًا، وعند ذلك يتوجَّه عليه إشكال وهو أن شرًّا وخيرًا هنا للمفاضلة، والمعقول من المفاضلة اشتراك المتفاضلين فيما وقعت فيه واختصاص أحدهما بزيادة فيه، فيلزم منه أن يكون في النبي ﷺ شرٌّ وهو باطل، فتعيَّن تأويل ذلك، فقال السُّهيلي: إن شرًّا هنا بمعنى أنقص. وحكي عن سيبويه أنه قال: تقول مررت برجل شرٌّ منك، أي: أنقص عن أن تكون مثله. قال السُّهيلي: ونحو منه قوله ﷺ :
стр. 3721
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي ... لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
عدمنا خيلنا إِن لَم تَرَوهَا ... تُثِيرُ النَّقعَ مِن كَنَفَي كَدَاءِ
يُبَارِينَ الأَعِنَّةَ مُصعِدَاتٍ ... عَلَى أَكتَافِهَا الأَسَلُ الظِّمَاءُ
تَظَلُّ جِيَادُنَا مُتَمَطِّرَاتٍ ... تُلَطِّمُهُنَّ بِالخُمُرِ النِّسَاءُ
فَإِن أَعرَضتُمُو عَنَّا اعتَمَرنَا ... وَكَانَ الفَتحُ وَانكَشَفَ الغِطَاءُ
وَإِلَّا فَاصبِرُوا لِضِرَابِ يَومٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَن يَشَاءُ
وَقَالَ اللَّهُ: قَد أَرسَلتُ عَبدًا ... يَقُولُ الحَقَّ لَيسَ بِهِ خَفَاءُ
ــ
شرُّ صفوف الرجال آخرها (١) يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، ولا يجوز أن يريد به التفضيل في الشرِّ.
قلت: وأوضح من هذا وأبعد من الاعتراض أن يقال إن الأصل في أفعل ما ذكر، غير أن المعنى الذي يقصد به المفاضلة فيه قد يكون معنى وجوديًا، كما يقال: بياض الثلج أشدُّ من بياض العاج، وقد يكون المعنى توهُّميا بحسب زعم المخاطب، كما قال تعالى: ﴿فَسَيَعلَمُونَ مَن هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾، وذلك أن الكفار زعموا أن المؤمنين شرٌّ منهم، فأجيبوا بأن قيل لهم: ستعلمون باطل زعمكم بأن تشاهدوا عاقبة من هو الموصوف بالشر، وعلى هذا يخرج معنى البيت، فإنَّهم كانوا يعتقدون في النبي ﷺ شرًّا، فخاطبهم بحسب زعمهم، ودعا على الأشر من الفريقين منهما له وهو يعنيهم قطعًا، فإنَّهم هم أهل الشر، لكنهم أتاهم بدعاء نَصَف يُسكِت الظالم ويُرضي المظلوم.
وقوله:
فإنَّ أَبي ووَالِدَهُ وعِرضِي ... لِعِرضِ محمًّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
стр. 3722
وَقَالَ اللَّهُ: قَد يَسَّرتُ جُندًا ... هُم الأَنصَارُ عُرضَتُهَا اللِّقَاءُ
لَنَا فِي كُلِّ يَومٍ مِن مَعَدٍّ ... سِبَابٌ أَو قِتَالٌ أَو هِجَاءُ
فَمَن يَهجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكُم ... وَيَمدَحُهُ وَيَنصُرُهُ سَوَاءُ
وَجِبرِيلٌ رَسُولُ اللَّهِ فِينَا ... وَرُوحُ القُدُسِ لَيسَ لَهُ كِفَاءُ
رواه مسلم (٢٤٩٠).
* * *
ــ
قال ابن قتيبة: يعني بالعِرض هنا النفس، فكأنه قال: أبي وجدي ونفسي وقاية لنفس محمد. وقال غيره: بل العِرض هنا هو الحرمة التي تنتهك بالسب والغيبة التي قال فيها النبي ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا (١).
وقوله:
لِسانِي صَارِمٌ لا عَيبَ فِيهِ ... وبَحرِي لا تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ
الصَّارم: السَّيف القاطع، ولا تكدره الدِّلاء: أي لا تغيره. وهذا مثل يضرب للرجل العظيم الحليم القوي الذي لا يبالي بما يرد عليه من الأمور، وبهذا البيت كني حسان أبا الحسام ﵁ وجازاه خيرًا.
* * *
стр. 3723
(٦٤) باب فضائل أبي هريرة ﵁
[٢٣٩٩] عن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: كُنتُ أَدعُو أُمِّي إِلَى الإِسلَامِ وَهِيَ مُشرِكَةٌ، فَدَعَوتُهَا يَومًا فَأَسمَعَتنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكرَهُ، فَأَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبكِي، فقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنتُ أَدعُو أُمِّي إِلَى الإِسلَامِ فَتَأبَى عَلَيَّ، فَدَعَوتُهَا اليَومَ فَأَسمَعَتنِي فِيكَ مَا أَكرَهُ، فَادعُ اللَّهَ أَن يَهدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ اهدِ أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ! فَخَرَجتُ مُستَبشِرًا بِدَعوَةِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا جِئتُ فَصِرتُ إِلَى البَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَت أُمِّي خَشفَ قَدَمَيَّ فَقَالَت: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! وَسَمِعتُ خَضخَضَةَ المَاءِ. قَالَ: فَاغتَسَلَت، وَلَبِسَت دِرعَهَا، وَعَجِلَت عَن خِمَارِهَا فَفَتَحَت البَابَ، ثُمَّ قَالَت: يَا أَبَا هُرَيرَةَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ! قَالَ: فَرَجَعتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَتَيتُهُ
ــ
(٦٤) ومن باب: فضائل أبي هريرة ﵁
اختلف في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، انتهت أقوال النقلة في ذلك إلى ثمانية عشر قولًا، وأشبه ما فيها أن يقال إنه كان له في الجاهلية اسمان: عبد شمس، وعبد عمرو - وفي الإسلام: عبد الله، وعبد الرحمن بن صخر. وقد اشتهر بكنيته حتى كأنه ما له اسم غيرها، فهي أولى به، وكنِّي بأبي هريرة لأنَّه وجد هرَّة صغيرة فحملها في كمِّه، فكُنِّي بها وغلب ذلك عليه، وقيل: إن الرسول ﷺ كناه بذلك عندما رآه يحملها.
أسلم أبو هريرة عام خيبر، وشهدها مع رسول الله ﷺ ثم لازمه وواظب عليه رغبة في العلم راضيًا بشبع بطنه، فكانت يده مع يد رسول الله ﷺ ، وكان يدور معه حيثما دار، فكان يحضر ما لا يحضره غيره، ثم اتفق له أن حصلت له بركة دعوة النبي ﷺ في الثوب الذي ضمَّه إلى
стр. 3724
وَأَنَا أَبكِي مِن الفَرَحِ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبشِر! قَد استَجَابَ اللَّهُ دَعوَتَكَ وَهَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيرَةَ - فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيرًا. قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أَن يُحَبِّبَنِي أَنَا وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُم إِلَينَا! قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ حَبِّب عُبَيدَكَ هَذَا - يَعنِي أَبَا هُرَيرَةَ - وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ المُؤمِنِينَ وَحَبِّب إِلَيهِم المُؤمِنِينَ! فَمَا خُلِقَ مُؤمِنٌ يَسمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٤٩١).
ــ
صدره، فكان يحفظ ما سمعه ولا ينساه، فلا جرم حفظ له من الحديث عن رسول الله ﷺ ما لم يحفظ لأحد من الصحابة ﵃، وذلك خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ستمائة وتسعة أحاديث، قال البخاري: روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صحابي وتابعي. قال أبو عمر: استعمله عمر على البحرين ثم عزله، ثم أراده على العمل فأبى عليه، ولم يزل يسكن المدينة، وبها كانت وفاته سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: توفي بالعقيق - وصلَّى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميرًا يومئذ على المدينة ومروان معزول، وكان ﵁ من علماء الصحابة وفضلائها ناشرًا للعلم شديد التواضع والعبادة، عارفًا لنعم الله شاكرًا لها، مجتهدًا في العبادة. كان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثًا؛ يصلِّي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا، وكان يقول: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبة رحلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو إذا ركبوا، فزوَّجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وجعل أبا هريرة إمامًا.
حديث إسلام أمه ليس فيه شيء يشكل.
стр. 3725
[٢٤٠٠] وعن عُروَةَ بنَ الزُّبَيرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: أَلَا يُعجِبُكَ أَبُو هُرَيرَةَ؟ جَاءَ فَجَلَسَ جَنبِ حُجرَتِي يُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ يُسمِعُنِي ذَلِكَ، وَكُنتُ أُسَبِّحُ، فَقَامَ قَبلَ أَن أَقضِيَ سُبحَتِي، وَلَو أَدرَكتُهُ لَرَدَدتُ عَلَيهِ؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَكُن يَسرُدُ الحَدِيثَ كَسَردِكُم.
رواه أحمد (٦/ ١١٨)، ومسلم (٢٤٩٣)، وأبو داود (٣٦٥٥)، والترمذيُّ (٣٦٣٩).
[٢٤٠١] وَقَالَ ابنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّ
ــ
و(قول عائشة ﵂ ألا يعجبك) هو بضم الياء وفتح العين وكسر الجيم مشددة، ومعناه: ألا يحملك على التعجب النظر في أمره؟ قالت هذا منكرة عليه إكثاره من الأحاديث في المجلس الواحد، ولذلك قالت في غير هذه الرواية: إنما كان النبي ﷺ يُحدِّثُ حديثًا لو عدَّه العادُّ لأحصاه، تعني أنه كان يحدِّث حديثًا قليلًا، ويحتمل أن تريد بذلك أنه كان يحدِّث حديثًا واضحًا مبينًا بحيث لو عُدَّت كلماته أحصيت لقلِّتها وبيانها، ويدلّ على صحة هذا التأويل قولها ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم هذا.
والصَّفق بالأسواق: التجارة فيها، وقد تقدَّم أنهم كانوا يتواجبون بالأيدي فيصفق أحدهما في كف الآخر، فإذا فعلوا ذلك وجب البيع، فسمِّي البيع صفقًا بذلك، وقد تقدم هذا.
والسُّبحة: النافلة، وأُسَبِّح: أُصَلِّي - مأخوذ من التسبيح.
و(قول أبي هريرة ﵁: يقولون قد أكثر أبو هريرة والله الموعد، أي: الرجوع إلى الله بحكم الوعد الصَّادق، فيجازي كُلاًّ على قوله (١) وفعله.
стр. 3726
أَبَا هُرَيرَةَ قَد أَكثَرَ! وَاللَّهُ المَوعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثلَ أَحَادِيثِهِ! وَسَأُخبِرُكُم عَن ذَلِكَ؛ إِنَّ إِخوَانِي مِن الأَنصَارِ كَانَ يَشغَلُهُم عَمَلُ أَرَضِيهِم، وَإِنَّ إِخوَانِي مِن المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشغَلُهُم الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ، وَكُنتُ أَلزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلءِ بَطنِي، فَأَشهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا: أَيُّكُم يَبسُطُ ثَوبَهُ فَيَأخُذُ مِن حَدِيثِي هَذَا ثُمَّ يَجمَعُهُ إِلَى صَدرِهِ فَإِنَّهُ لَم يَنسَ شَيئًا سَمِعَهُ؟ فَبَسَطتُ بُردَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعتُهَا إِلَى صَدرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعدَ ذَلِكَ شَيئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَولَا آيَتَانِ أَنزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثتُ شَيئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَتَينِ.
ــ
و(قوله يقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه)، هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة ﵂، فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب لا إنكار تهمة ولا تكذيب لما يعلم من حفظه وعلمه وفضله، ولما يعلم أيضًا من فضلهم ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان؛
أحدهما: أنه لازم النبي ﷺ ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.
والثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من بسط ثوبه وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ﷺ وخصائص دعواته ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة ﵁ لما حفظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ وتحقق أنه وجب عليه أن يبلغه غيره ووجد من يقبل عنه ومن له رغبة في ذلك تفرَّغ لذلك مخافة
стр. 3727
وفي رواية: إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ١٣٨)، والبخاريُّ (٣٥٦٨)، ومسلم (٢٤٩٢)، وأبو داود (٤٨٣٩)، والترمذي (٣٦٣٩).
* * *
(٦٥) باب قصة حاطب بن أبي بلتعة وفضل أهل بدر وأصحاب الشجرة
[٢٤٠٢] عن علي ﵁ قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيرَ وَالمِقدَادَ فَقَالَ: ائتُوا رَوضَةَ خَاخٍ؛ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ،
ــ
الفوت، ومعاجلة القواطع أو الموت، ثم إنه لما آلمه الإنكار همَّ بترك ذلك والفرار، لكنه خاف من عقوبة الكتمان المنبَّه عليها في القرآن، ولذلك قال لولا آيتان في كتاب الله ما حدَّثت حديثًا، ثم تلا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ﴾ الآيتين، وفيهما بحثٌ وتفصيل يحتاج إلى نظر طويل يذكر في تفسير القرآن وأحكامه.
(٦٥) ومن باب: فضائل أهل بدر والحديبية
وحاطب بن أبي بلتعة
واسمه عمرو بن راشد، من ولد لخم بن عدي، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا محمد، وهو حليف للزبير بن العوَّام، وقيل: لبني أسد، وقيل: كان عبدًا
стр. 3728
فَخُذُوهُ مِنهَا. فَانطَلَقنَا تَعَادَى بِنَا خَيلُنَا فَإِذَا نَحنُ بِالمَرأَةِ، فَقُلنَا: أَخرِجِي الكِتَابَ! فَقَالَت: مَا مَعِي كِتَابٌ! فَقُلنَا: لَتُخرِجِنَّ الكِتَابَ أَو لَتُلقِيَنَّ الثِّيَابَ! فَأَخرَجَتهُ مِن عِقَاصِهَا، فَأَتَينَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ مِن حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِن المُشرِكِينَ مِن أَهلِ مَكَّةَ، يُخبِرُهُم بِبَعضِ أَمرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا تَعجَل عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنتُ امرَأً مُلصَقًا فِي قُرَيشٍ - قَالَ سُفيَانُ: كَانَ حَلِيفًا لَهُم، وَلَم يَكُن مِن أَنفُسِهَا - وَكَانَ مِمَّن مَعَكَ مِن المُهَاجِرِينَ لَهُم قَرَابَاتٌ يَحمُونَ بِهَا أَهلِيهِم، فَأَحبَبتُ إِذ فَاتَنِي ذَلِكَ مِن النَّسَبِ فِيهِم أَن أَتَّخِذَ فِيهِم يَدًا يَحمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَلَم أَفعَلهُ كُفرًا وَلَا ارتِدَادًا عَن دِينِي، وَلَا رِضًا بِالكُفرِ بَعدَ الإِسلَامِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : صَدَقَ! فَقَالَ عُمَرُ: دَعنِي
ــ
لعبيد الله بن حميد، كاتبه فأدى كتابته يوم الفتح، شهد بدرًا والحديبية، مات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة، وصلَّى عليه عثمان، وقد شهد له بالإيمان في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ﴾ وقد شهد له رسول الله ﷺ بالإيمان والصدق وبأنه لا يدخل النار على ما تضمَّنه الحديثان المذكوران في الأم.
وروضة خاخ: موضع معروف قريب من المدينة. والظعينة: الهودج كان فيه امرأة أو لم يكن، وتسمَّى المرأة ظعينة إذا كانت في الهودج، وتجمع الظعينة: ظُعنٌ وظُعُنٌ وظعائن وأظعان. والعِقَاص: الشعر المعقوص، أي المضفور. والملصق في القوم: هو الذي لا نسب له فيهم، وهو الحليف والنزيل والدَّخيل.
و(قوله وكان ممن معك)، كذا وقع هذا اللفظ ممن بزيادة من، وفي بعض النسخ من معك بإسقاط من وهو الصواب؛ لأنَّ من لا تزاد في الواجب عند البصريين وأكثر أهل اللسان، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين.
стр. 3729
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضرِب عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ! فَقَالَ: إِنَّهُ قَد شَهِدَ بَدرًا، وَمَا يُدرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ قد اطَّلَعَ عَلَى أَهلِ بَدرٍ فَقَالَ اعمَلُوا مَا شِئتُم فَقَد غَفَرتُ لَكُم! فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُم أَولِيَاءَ﴾
ــ
و(قول عمر ﵁ دعني أضرب عنق هذا المنافق)، إنما أطلق عليه اسم النفاق لأنَّ ما صدر منه يشبه فعل المنافقين، لأنَّه والى كفار قريش وباطنهم وهمَّ بأن يطلعهم على ما عزم عليه رسول الله ﷺ من غزوهم، مع أن رسول الله ﷺ قد كان دعا فقال: اللهم أخف أخبارنا عن قريش (١)، لكن حاطبًا لم ينافق في قلبه ولا ارتد عن دينه، وإنما تأوَّل فيما فعل من ذلك أن إطلاع قريش على بعض أمر رسول الله ﷺ لا يضر رسول الله ﷺ ويخوِّف قريشًا. ويُحكى أنه كان في الكتاب تفخيم أمر جيش رسول الله ﷺ وأنهم لا طاقة لهم به، يخوِّفهم بذلك ليخرجوا عن مكة ويفرُّوا منها، وحسَّن له هذا التأويل تعلق خاطره بأهله وولده، إذ هم قطعة من كبده، ولقد أبلغ من قال: قلَّما يفلح من كان له عيال. لكن لطف الله به ونجَّاه لما علم من صحَّة إيمانه وصدقه، وغفر له بسابقة بدر وسَبقه.
و(قوله ﷺ وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، معنى يدريك: يعلمك، ولعل: للترجي، لكن هذا الرجاء محقق للنبي ﷺ بدليل ما ذكر الله تعالى في قصة أهل بدر في آل عمران والأنفال من ثنائه عليهم وعفوه عنهم، وبدليل قوله ﷺ للذي قال في حاطب إنه يدخل النار وأقسم عليه: كذبت، لا يدخلها؛ فإنَّه شهد بدرًا! (٢)، فهذا إخبار
стр. 3730
وفي رواية: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرثَدٍ الغَنَوِيَّ وَالزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ.
رواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذيُّ (٣٣٠٥).
ــ
محقق لا احتمال فيه ولا تجوُّز، وظاهر قوله ﷺ اعملوا ما شئتم إباحة كل الأعمال والتخيير فيما شاؤوا من الأفعال، وذلك في الشريعة محال؛ إذ المعلوم من قواعدها أن التكليف بالأوامر والنواهي متوجهة على كل من كان موصوفًا بشرطها إلى موته، ولما لم يصح ذلك الظاهر اضطر إلى تأويله فقال أبو الفرج الجوزي: ليس قوله اعملوا ما شئتم للاستقبال، وإنَّما هي للماضي، وتقديره: أيُّ عمل كان لكم فقد غفرته. قال: ويدلّ على ذلك شيئان؛
أحدهما: أنه لو كان للمستقبل كان جوابه فسأغفر (١).
والثاني: أنه كان يكون إطلاقًا في الذنوب - ولا وجه لذلك، ويوضح هذا أن القوم خافوا من العقوبة فيما بعد، فقال عمر: يا حذيفة (٢)، هل أنا منهم؟
قلت: وهذا التأويل وإن كان حسنًا غير أن فيه بُعدا، تبيينه أنَّ اعملوا صيغته صيغة الأمر، وهي موضوعة للاستقبال، ولم تضع العرب قط صيغة الأمر موضع الماضي لا بقرينة ولا بغير قرينة، هكذا نص عليه النحويون، وصيغة الأمر إذا وردت بمعنى الإباحة إنما هي بمعنى الإنشاء والابتداء لا بمعنى الماضي، فتدبَّر هذا فإنه حسن، وقد بينته في الأصول بأشبع من هذا، واستدلاله على ذلك بقوله فقد غفرت لكم ليس بصحيح؛ لأنَّ اعملوا ما شئتم يستحيل أن يحمل على طلب الفعل، ولا يصح أن يكون بمعنى الماضي لما ذكرناه، فتعيَّن
стр. 3731
[٢٤٠٣] وعَن جَابِرٍ أَنَّ عَبدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيَدخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَذَبتَ، لَا يَدخُلُهَا؛ فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدرًا وَالحُدَيبِيَةَ!
رواه أحمد (٣/ ٣٢٥)، ومسلم (٢٤٩٥)، والترمذيُّ (٣٨٦٤)، والنسائي في الكبرى (٨٢٩٦).
ــ
حمله على الإباحة والإطلاق، وحينئذ يكون خطاب إنشاء، فيكون كقول القائل: أنت وكيلي، وقد جعلت لك التصرف كيف شئت - فإنَّ ذلك إنما يقتضي إطلاق التصرف في وقت التوكيل لا قبل ذلك، وقد ظهر لي وجه آخر وأنا أستخير الله فيه وهو: أن الخطاب خطاب إكرام وتشريف تضمَّن أن هؤلاء القوم حصلت لهم حالة غفرت لهم بها ذنوبهم السالفة وتأهلوا بها لأن يغفر لهم ذنوب مستأنفة إن وقعت منهم، لا أنهم نُجِّزت لهم في ذلك الوقت مغفرة الذنوب اللاحقة، بل لهم صلاحية أن يغفر لهم ما عساه أن يقع، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء ما وجود ذلك الشيء، إذ لا يلزم من وجود أهلية الخلافة وجودها لكل من وجدت له أهليتها، وكذلك القضاء وغيره، وعلى هذا فلا يأمن من حصلت له أهلية المغفرة من المؤاخذة على ما عساه أن يقع منه من الذنوب، وعلى هذا يخرج حال كل من بشَّره رسول الله ﷺ بأنه مغفورٌ له وأنه من أهل الجنة، فيتضمَّن ذلك مغفرة ما مضى وثبوت الصلاحية للمغفرة والجنة بالنسبة لما يستقبل. ولذلك لم يزل عن أحد ممن بُشِّر بالمغفرة أو بالجنة خوف التبديل والتغيير من المؤاخذة على الذنوب ولا ملازمة التوبة منها والاستغفار دائمًا، ثم إن الله تعالى أظهر صدق رسوله ﷺ للعيان في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنَّهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة من أمور الدين ومراعاة أحواله والتمسك بأعمال البر والخير إلى أن توفوا على ذلك، ومن وقع منهم في معصية أو مخالفة لجأ إلى التوبة ولازمها حتى لقي الله تعالى عليها، يعلم ذلك قطعًا من أحواله من طالع سيرهم وأخبارهم.
стр. 3732
[٢٤٠٤] وعن أُمُّ مُبَشِّرٍ قالت: سَمِعَت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عِندَ حَفصَةَ: لَا يَدخُلُ النَّارَ - إِن شَاءَ اللَّهُ - مِن أَصحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ - الَّذِينَ بَايَعُوا تَحتَهَا،
ــ
وفي حديث حاطب هذا أبواب من الفقه وأدلَّة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وعلى فضائل أهل بدر وحاطب بن أبي بلتعة، فمن جملة ما فيه من الفقه: أن ارتكاب الكبيرة لا يكون كفرًا، وأن المتأوِّل أعذر من العامد، وقبول عذر الصادق، وجواز الاطلاع من عورة المرأة على ما تدعو إليه الضرورة - ففي بعض رواياته أنهم فتشوا من المرأة كل شيء حتى قبلها.
ومنه ما يدلُّ على أن الجاسوس حكمه بحسب ما يجتهد فيه الإمام على ما يقوله مالك، وقال الأوزاعي: يعاقب، وينفى إلى غير أرضه. وقال أصحاب الرأي: يعاقب ويسجن. وقال الشافعي: إن كان من ذوي الهيئات كحاطب عفي عنه، وإلا عُزِّر. وجميع أهل بدر ثلاثمائة وسبعة عشر رجلًا باتفاق أئمة السير والتواريخ، واختلف في طائفة نحو الخمسة هل شهدوها أم لا؟ وتفصيل ذلك في كتب السِّير.
و(قوله ﷺ لا يدخل النار - إن شاء الله - من أصحاب الشجرة أحد (١) - الذين بايعوا تحتها)، هذه الشجرة هي شجرة بيعة الرضوان التي قال الله تعالى فيها: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت بالحديبية التي تقدم ذكرها. والمبايعون تحتها كانوا ألفًا وأربعمائة، وقيل: وخمسمائة - كانوا بايعوا رسول الله ﷺ على الموت أو على ألا يفرُّوا، على خلاف بين الرواة. ثم إن رسول الله ﷺ صالح أهل مكة، وكفى الله المؤمنين القتال وأحرز لهم الثواب، وأثابهم فتحًا قريبًا ورضوانًا عظيمًا. واستثناؤه ﷺ هنا بقوله إن شاء الله استثناء في واجب قد أعلمه الله تعالى بحصوله بقوله
стр. 3733
قَالَت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانتَهَرَهَا، فَقَالَت حَفصَةُ: ألم يقل الله ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وقَد قَالَ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾
رواه أحمد (٦/ ٢٨٥)، ومسلم (٢٤٩٦)، وابن ماجه (٤٢٨١).
* * *
ــ
﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ﴾ وبغير ذلك، وصار هذا الاستثناء كقوله تعالى: ﴿لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾
و(قول حفصة بلى) قول أخرجه منها الشهامة النفسية والقوة العمرية، فإنَّها كانت بنت أبيها، وهذا من نحو قول عمر ﵁ للنبي ﷺ في المنافقين: أتصلي عليهم؟ وتمسكها بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ دليلٌ على أن منكم للعموم عندهم وأن ذلك معروف من لغتهم، وانتهار النبي ﷺ لها تأديب لها وزجر عن بادرة المعارضة وترك الحرمة، ولما حصل الإنكار صرحت بالاعتذار فذكرت الآية، وحاصل ما فهمت منها أن الورود فيها بمعنى الدخول وأنها قابلت عموم قوله ﷺ لا يدخل النار أحدٌ ممن بايع تحت الشجرة بعموم قوله تعالى ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ وكأنها رجَّحت عموم القرآن فتمسكت به، فأجابها النبي ﷺ بأن آخر الآية يبيِّن المقصود، فقرأ قوله تعالى ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وحاصل الجواب تسليم أن الورود دخول، لكنه دخول عبور، فينجو من اتقى، ويترك فيها من ظلم، وبيان ذلك أن جهنم - أعاذنا الله منها - محيطة بأرض المحشر وحائلة بين الناس وبين الجنة، ولا طريق للجنة إلا الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، فلا بدَّ لكل من ضمَّه المحشر من العبور عليه؛ فناج مُسَلَّم، ومخدوش مرسل، ومكردسٌ في نار جهنم - كما تقدَّم، وهذا قول الحسن وقتادة، وهو الذي تعضده الأخبار الصحيحة والنظر المستقيم.
стр. 3734
(٦٦) باب في فضائل أبي موسى الأشعري والأشعريين
[٢٤٠٥] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَازِلٌ
ــ
والورود في أصل اللغة الوصول إلى الماء، وإنَّما عبَّر به عن العبور لأنَّ جهنم تتراءى للكفار كأنها سراب فيحسبونه ماء، فيقال لهم: ألا تردون؟ كما صحَّ في الأحاديث المتقدمة.
وفي حديث حفصة هذا أبواب من الفقه؛ منها: جواز مراجعة العالم على جهة المباحثة، والتمسك بالعمومات فيما ليس طريقه العمل بل الاعتقاد ومقابلة عموم بعموم، والجواب بذكر المخصَّص، وتأديب الطالب عند مجاوزة حدِّ الأدب في المباحثة.
والمتقي: هو الحذر من المكروه الذي يتحرز منه بإعداد ما يتقى (١) به. ونذر: نترك. والظالم هنا: هو الكافر؛ لأنَّه وضع الإلهية والعبادة في غير موضعهما. وجثيًا: جمع جاث، وأصله: الجالس على ركبتيه، والمراد به ها هنا المكبوب على وجهه وهو المكردس المذكور في الحديث، والله تعالى أعلم.
(٦٦) ومن باب فضائل أبي موسى الأشعري ﵁
واسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حَضَّار - بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة المشددة، ويقال حِضَار بكسر الحاء وتخفيف الضاد، من ولد الأشعر وهو نبتُ بن أدد، وقيل: من ولد الأشعر بن سبأ أخي حمير. قال أبو عمر: ذكرت طائفة أن أبا موسى قدم مكة فحالف سعيد بن العاصي، ثم أسلم بمكة، ثم هاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينة ورسول الله ﷺ بخيبر. وقال أبو بكر بن عبد الله بن الجهم - وكان علامة نسَّابة: ليس كذلك،
стр. 3735
بِالجِعرَانَةِ بَينَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ أَعرَابِيٌّ
ــ
ولكنه أسلم قديمًا بمكة ثم رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول الله ﷺ ، فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين - جعفر وأصحابه - من أرض الحبشة، ووافوا رسول الله ﷺ بخيبر. قال أبو عمر: وإنما ذكره ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة لأنَّه نزل أرضهم في حين إقباله مع سائر قومه، رمت الريح سفينتهم إلى الحبشة فبقوا فيها، ثم خرجوا مع جعفر وأصحابه؛ هؤلاء في سفينة وهؤلاء في سفينة، فوافوا رسول الله ﷺ حين افتتح خيبر، فقيل: إنه قسم لأهل السفينتين، وقيل: لم يقسم لهم.
ثم ولَّى عمر بن الخطاب أبا موسى البصرة إذ عزل عنها المغيرة في وقت الشهادة عليه، وذلك سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان ثم عزله عنها وولاها عبد الله بن عامر بن كرز، فنزل أبو موسى حينئذ الكوفة وسكنها، ثم لما دفع أهل الكوفة سعيد بن العاصي ولَّوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقرَّه، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان واستخلف عليّ فعزله عنها. قال أبو عمر: فلم يزل واجدًا منها على علي، ثم كان من أبي موسى بصفين وفي التحكيم ما كان، وكان متحرفًا على عليٍّ لأنَّه عزله ولم يستعمله، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجر لهم، ثم انقبض أبو موسى إلى مكة ومات بها، وقيل: مات بالكوفة في داره بجانب المسجد. واختلف في وقت وفاته؛ فقيل: سنة اثنتين وأربعين، وقيل: سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وكان ﵁ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، ولذلك قال له النبي ﷺ : أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود (١)، وسئل علي ﵁ عن موضع أبي موسى من العلم
стр. 3736
فَقَالَ: أَلَا تُنجِزُ لِي يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَبشِر! فَقَالَ لَهُ الأَعرَابِيُّ: أَكثَرتَ عَلَيَّ مِن أَبشِر! فَأَقبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ كَهَيئَةِ الغَضبَانِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا قَد رَدَّ البُشرَى، فَاقبَلَا أَنتُمَا! فَقَالَا: قَبِلنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ فَغَسَلَ يَدَيهِ وَوَجهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: اشرَبَا مِنهُ وَأَفرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبشِرَا! فَأَخَذَا القَدَحَ فَفَعَلَا مَا أَمَرَهُمَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَنَادَتهُمَا أُمُّ سَلَمَةَ مِن وَرَاءِ السِّترِ: أَفضِلَا لِأُمِّكُمَا مِمَّا فِي إِنَائِكُمَا! فَأَفضَلَا لَهَا مِنهُ طَائِفَةً.
رواه البخاريُّ (٤٣٢٨)، ومسلم (٢٤٩٧).
ــ
فقال: صبغ في العلم صبغة.
وروى عن رسول الله ﷺ ستمائة وستين حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية وستون حديثًا.
و(قول الأعرابي أكثرتَ عليَّ من أبشر! ) قول جلف جاهل بحال النبي ﷺ وبقدر البشرى التي بشَّره بها النبي ﷺ لو قبلها، لكنها عرضت عليه فحرمها وقضيت لغيره فقبلها. والبشرى: خبر بما يسر، وسُمِّيت بذلك لأنَّها تظهر السرور في بشرة المبشر، وأصله في الخير، وقد يقال في الشر توسُعًا كما قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفيه ثلاث لغات: أبشر - رباعيًّا، فتقول: أبشرته أبشره إبشارًا، ومنه: ﴿وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ﴾ وبشَّر - مشددًا - يُبشِّر تبشيرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّر عِبَادِ * الَّذِينَ يَستَمِعُونَ القَولَ﴾ والثالثة: بَشَرتُ الرجل - ثلاثيًّا مفتوح العين - أبشره بالضم بُشرًا بالسكون وبُشُورًا، والاسم البشارة بكسر الباء وضمها.
والبشرى تقتضي مُبَشَّرًا به، فإذا ذكر تعيَّن، وإذا سكت عنه صلح أن يراد به العموم.
стр. 3737
[٢٤٠٦] وعَن أَبِي بُردَةَ، عَن أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ﷺ مِن حُنَينٍ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيشٍ إِلَى أَوطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيدَ بنَ الصِّمَّةِ، فَقُتِلَ دُرَيدٌ وَهَزَمَ اللَّهُ أَصحَابَهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ. قَالَ: فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكبَتِهِ؛ رَمَاهُ رَجُلٌ مِن بَنِي جُشَمٍ بِسَهمٍ فَأَثبَتَهُ فِي رُكبَتِهِ، فَانتَهَيتُ إِلَيهِ فَقُلتُ: يَا عَمِّ، مَن رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ أَبُو عَامِرٍ إِلَى أَبِي مُوسَى فَقَالَ: إِنَّ ذَاكَ قَاتِلِي، تَرَاهُ ذَاكَ الَّذِي رَمَانِي؟ قَالَ أَبُو مُوسَى: فَقَصَدتُ لَهُ
ــ
و(قول النبي ﷺ أبشر) ولم يذكر له عين ما بشره به؛ لأنَّه - والله أعلم - قصد تبشيره بالخير على العموم الذي يصلح لخير الدنيا والآخرة، ولما جهل ذلك ردَّه لحرمانه وشقوته، ولما عرض ذلك على من عرف قدره بادر إليه وقبله، فنال من البشارة الخير الأكبر والحظَّ الأوفر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وكونه ﷺ غسل وجهه في الماء وبصق فيه وأمره بشرب ذلك والتمسح به مبالغة في إيصال الخير والبركة لهما، إذ قد ظهرت بركته ﷺ فيما لمسه أو باشره أو اتصل به منه شيء، ولما تحققت أم سلمة ذلك سألتهما أن يتركا لها فضلة من ذلك ليصيبها من تلك البشرى ومن تلك البركة حظٌّ.
وفيه ما يدل على جواز الاستشفاء بآثار النبي ﷺ وبكلماته ودعواته، وعلى جواز النشرة بالماء الذي يرقى بأسماء الله تعالى وبكلامه وكلام رسوله ﷺ ، وقد تقدم ذكر الخلاف في النشرة في كتاب الطب.
وأوطاس: موضع قريب من حنين.
وبعث أبي عامر إنما كان لتتبع منهزمة هوازن بحنين، ويُسمَّى خيله خيل الطلب، وأبو عامر هذا اسمه عبيد بن سليم بن حضَّار الأشعري، وكان أبو عامر هذا من كبار الصحابة، عقد له رسول الله ﷺ لواءً يوم ولاه على هذا الجيش، وختم الله تعالى له بالشهادة وبدعاء رسول الله ﷺ بالمغفرة.
و(قول أبي عامر إن ذاك قاتلي، تراه ذاك الذي رماني؟ )، كذا الرواية الصحيحة تراه بالتاء باثنتين من فوقها، والكلام كله لأبي عامر، وكأن الذي رمى
стр. 3738
فَاعتَمَدتُهُ فَلَحِقتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي وَلَّى عَنِّي ذَاهِبًا، فَاتَّبَعتُهُ، وَجَعَلتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَستَحيِ؟ أَلَستَ عَرَبِيًّا؟ أَلَا تَثبُتُ؟ فَكَفَّ، فَالتَقَيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاختَلَفنَا أَنَا وَهُوَ ضَربَتَينِ، فَضَرَبتُهُ بِالسَّيفِ فَقَتَلتُهُ، ثُمَّ رَجَعتُ إِلَى أَبِي عَامِرٍ فَقُلتُ: إِنَّ اللَّهَ قَد قَتَلَ صَاحِبَكَ! قَالَ: فَانزِع هَذَا السَّهمَ! فَنَزَعتُهُ فَنَزَا مِنهُ المَاءُ، فَقَالَ: يَا ابنَ أَخِي، انطَلِق إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقرِئهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُل لَهُ: يَقُولُ لَكَ استَغفِر لِي! قَالَ: وَاستَعمَلَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، وَمَكَثَ يَسِيرًا ثُمَّ إِنَّهُ مَاتَ، فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى رسول الله ﷺ دَخَلتُ عَلَيهِ وَهُوَ فِي بَيتٍ عَلَى سَرِيرٍ مُرمَلٍ عَلَيهِ فِرَاشٌ، قَد أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَنبَيهِ، فَأَخبَرتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقُلتُ لَهُ: قَالَ: قُل لَهُ يَستَغفِر
ــ
أبا عامر كان قريبًا منهما، فأشار إليه بذلك مرتين تقريبًا له، وأكد ذلك بقوله تراه، فكأنه قال: الذي تراه، ووقع في بعض النسخ ذلك بلام البعد، وفيه بعد، وقرأه بالفاء، فكأنه من قول الراوي خبرًا عن أبي موسى أنه رأى القاتل، والأول أصح.
و(قوله: فنزا منه الماء)؛ أي: خرج الماء بسرعة إثر خروج السهم، وأصل النزو: الارتفاع والوثب.
و(قوله: واستعملني عامر على الناس) فيه ما يدلّ على أن الوالي إذا عرض له أمر جاز أن يستنيب غيره.
و(قوله: فوجدته على حصير مُرمل، قد أثر رمال الحصير في ظهره) صحيح الرواية فيه مرمل بضم الميم الأولى، فسكَّن الراء، مفتوح الميم الثانية. وهو من أرملت الحصير إذا شققته ونسجته بشريط أو غيره، قال الشاعر:
إذ لا يَزال عَلَى طَرِيق لاحِبً ... وكأن صَفحَتَه حَصِيرٌ مُرمَلُ
стр. 3739
لِي. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنهُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِعُبَيدٍ - أَبِي عَامِرٍ - حَتَّى رَأَيتُ بَيَاضَ إِبطَيهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اجعَلهُ يَومَ القِيَامَةِ فَوقَ كَثِيرٍ مِن خَلقِكَ - أَو مِن النَّاسِ، فَقُلتُ: وَلِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَاستَغفِر! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : اللَّهُمَّ اغفِر لِعَبدِ اللَّهِ بنِ قَيسٍ ذَنبَهُ، وَأَدخِلهُ يَومَ القِيَامَةِ مُدخَلًا كَرِيمًا. قَالَ أَبُو بُردَةَ: إِحَدَاهُمَا لِأَبِي عَامِرٍ، وَالأُخرَى لِأَبِي مُوسَى.
رواه البخاري (٢٨٨٤)، ومسلم (٢٤٩٨).
ــ
ويقال: رملت الحصير أيضًا - ثلاثيًّا، ورمال الحصير: هو ما يؤثر منه في جنب المضطجع عليه.
و(قوله: وعليه فراش) كذا صحَّت الرواية بإثبات الفراش، وقال القابسي: الذي أعرف وما عليه فراش.
قلت: وأستبعَدَ أن يكون عليه فراش ويؤثر في ظهره، وإنَّما يستبعد ذلك إذا كان الفراش كثيفًا وثيرًا، ولم يكن فراش النبي ﷺ كذلك، فلا يستبعد.
و(قوله: فدعا رسول الله ﷺ بماء فتوضَّأ منه، ثم رفع يديه)، ظاهر هذا الوضوء أنه كان للدُّعاء، إذ لم يذكر أنه صلى في ذلك الوقت بذلك الوضوء، ففيه ما يدلّ على مشروعية الوضوء للدُّعاء ولذكر الله كما تقدَّم من قوله ﷺ إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (١).
و(قوله ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه) دليل على استحباب الرفع عند الدعاء، وقد فعل النبي ﷺ ذلك يوم بدر وفي الاستسقاء، وقد رويت كراهية ذلك عن مالك، ويمكن أن يقال: إنما كره أن يُتَّخذ ذلك سُنَّة راتبة على أصله في هذا الباب أو مخافة أن يعتقد الجهَّال مكانًا لله تعالى، والذي يزيل هذا الوهم أن
стр. 3740
[٢٤٠٧] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعرِفُ أَصوَاتَ رُفقَةِ الأَشعَرِيِّينَ بِالقُرآنِ حِينَ يَدخُلُونَ بِاللَّيلِ، وَأَعرِفُ مَنَازِلَهُم مِن أَصوَاتِهِم بِالقُرآنِ بِاللَّيلِ وَإِن كُنتُ لَم أَرَ مَنَازِلَهُم حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ، وَمِنهُم حَكِيمٌ إِذَا لَقِيَ الخَيلَ - أَو قَالَ العَدُوَّ - قَالَ لَهُم: إِنَّ أَصحَابِي يَأمُرُونَكُم أَن تَنظُرُوهُم.
رواه البخاريُّ (٤٢٣٢)، ومسلم (٢٤٩٩).
ــ
يقال: لا يلزم من مدِّ الأيدي إلى السماء أن يكون مكانًا لله ولا جهة، كما لا يلزم من استقبال الكعبة أن يكون الله تعالى فيها، بل السماء قبلة الدُّعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة، والباري تعالى منزه عن الاختصاص بالأمكنة والجهات، إذ ذاك من لوازم المحدثات، ولقد أحسن من قال: لو كان الباري تعالى في شيء لكان محصورًا، ولو كان على شيء لكان محمولًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا.
وقد حصل أبو موسى على مثل ما حصل لعمه أبي عامر من استغفار رسول الله ﷺ ، وزاده وأدخله مدخلًا كريمًا ليلحقه بمنزلة أبي عامر في الجنة لأنه قتل قاتله، والله تعالى أعلم.
و(قوله ﷺ إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل)، كذا صحَّت الرواية فيه بالدال المهملة والخاء المعجمة، من الدخول، وقد رواه بعضهم يرحلون بالراء والحاء المهملة، من الرحيل. قال بعض علمائنا: وهو الصواب - يشير إلى أنهم كانوا يلازمون قراءة القرآن في حال رحيلهم وفي حالة نزولهم، وكأن الأشعريين كثير فيهم قراءة القرآن بسبب أبي موسى الأشعري ﵁، فإنَّه كان من أحسن الناس صوتًا بالقرآن، فكان يقرأ لهم فتطيب لهم قراءته فيتعلموا منه القرآن، وأحبُّوه فلازموه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ومنهم حكيم إذا لقي الخيل أو العدو قال لهم إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم)، وحكيم بمعنى محكَّم، ويعني به هنا أنه محكم لأمور
стр. 3741
[٢٤٠٨] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الأَشعَرِيِّينَ إِذَا أَرمَلُوا فِي الغَزوِ أَو قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بِالمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِندَهُم فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقتَسَمُوهُ بَينَهُم فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُم مِنِّي وَأَنَا مِنهُم.
رواه البخاريُّ (٢٤٨٦)، ومسلم (٢٥٠٠).
* * *
ــ
الفروسية والشجاعة، ولذلك سبق قومه إلى العدو، كما فعل النبي ﷺ حين ركب فرس أبي طلحة واستبرأ خبر العدو ثم رجع، فلقي أصحابه خارجين فأخبرهم بأنهم لا روع عليهم. وقد يجوز أن يكون ذلك الحكيم هو أبو موسى أو أبو عامر، ويكون النبي ﷺ قال هذا قبل قتله، والله تعالى أعلم.
و(قوله ﷺ إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم ثم اقتسموه)، هذا الحديث يدل على أن الغالب على الأشعريين الإيثار والمواساة عند الحاجة، كما دلَّ الحديث المتقدِّم على أن الغالب عليهم القراءة والعبادة، فثبت لهم بشهادة رسول الله ﷺ أنَّهم علماء عاملون كرماء مؤثرون. ثم إنه ﷺ شرَّفهم بإضافتهم إليه، ثم زاد في التشريف بأن أضاف نفسه إليهم، ويمكن أن يكون معنى هم مني: فعلوا فعلي من القراءة والعبادة والكرامة، وأنا منهم: أفعل من ذلك ما يفعلون، كما قال بعض الشعراء:
وَقُلتُ أَخِي قالُوا أَخٌ وكرامةٌ ... فَقُلتُ لَهُم إنَّ الشُّكُول أقارِبُ
نَسِيبي في رَأيي وعَزمِي ومَذهَبي ... وإن خالفَتنا في الأمُورِ المَناسِبُ
* * *
стр. 3742
(٦٧) باب فضائل أبي سفيان بن حرب ﵁ -
[٢٤٠٩] عن ابنُ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ المُسلِمُونَ لَا يَنظُرُونَ إِلَى أَبِي سُفيَانَ وَلَا يُقَاعِدُونَهُ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ثَلَاثٌ أَعطِنِيهِنَّ، قَالَ:
ــ
(٦٧) ومن باب: فضائل أبي سفيان بن حرب
واسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي، وكان من أشراف قريش، وساداتها، وذوي رأيها في الجاهلية، أسلم يوم فتح مكة، وقد تقدَّم خبر إسلامه، وشهد حنينًا، وأعطاه النبي ﷺ من غنائمها مائة بعير، وأربعين أوقية وزنها له بلال. قال أبو عمر: واختلف في حسن إسلامه، فطائفة تروي: أنه لما أسلم حسن إسلامه، وذكروا عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: رأيت أبا سفيان يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد يقاتل. يقول: يا نصر الله اقترب. وروي عنه أنه قال: فقدت الأصوات يوم اليرموك إلا صوت رجل واحد يقول: يا نصر الله اقترب، قال المسيب: فذهبت أنظر، فإذا هو أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه. وقد روي: أن أبا سفيان كان يوم اليرموك يقف على الكراديس فيقول للناس: الله! الله! إنكم ذادةُ (١) العرب، وأنصار الإسلام، وإنهم ذادة الروم، وأنصار المشركين، اللهم هذا يوم من أيامك، اللهم أنزل نصرك على عبادك.
وطائفة تروي: أنه كان كهفًا للمنافقين منذ أسلم، وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة، وكان إسلامه يوم الفتح كرهًا كما تقدَّم من حديثه، ومن قوله في كلمتي الشهادة حين عرضت عليه: أما هذه ففي النفس منها شيء. وفي خبر ابن الزبير أنه رآه يوم اليرموك قال: فكانت الروم إذا ظهرت قال أبو سفيان: إيه بني الأصفر!
و(قول ابن عباس: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان بن حرب ولا يقاعدونه) إنما كان ذلك لما كان من أبي سفيان من صنيعه بالنبي ﷺ وبالمسلمين
стр. 3743
نَعَم، عِندِي أَحسَنُ العَرَبِ، وَأَجمَلُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنتُ أَبِي سُفيَانَ أُزَوِّجُكَهَا، قَالَ: نَعَم، قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجعَلُهُ كَاتِبًا بَينَ يَدَيكَ، قَالَ: نَعَم، قَالَ:
ــ
في شركه، إذ لم يصنع أحدٌ بهم مثل صنيعه، ثم إنه أسلم يوم الفتح مكرهًا، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكأنهم ما كانوا يثقون بإسلامه، وقد ذكرنا اختلاف العلماء (١) في نفاقه.
و(قوله: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟ قال: نعم) الضمير في أجمله عائد على الجنس الذي دلَّ عليه العرب، وأم حبيبة هذه اسمها رملة، وقيل: هند، والأول هو المعروف والصحيح، وإنَّما هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان، وأم معاوية. وظاهر هذا الحديث أن أبا سفيان أنكح ابنته النبيَّ ﷺ بعد إسلامه، وهو مخالف للمعلوم عند أهل التواريخ والأخبار، فإنَّهم متفقون على أن النبي ﷺ تزوَّج بأمِّ حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وقبل إسلام أبيها، وإنَّ أبا سفيان قدم قبل الفتح المدينة طالبًا تجديد العهد بينه وبين رسول الله ﷺ وأنه دخل بيت أم حبيبة ابنته، فأراد أن يجلس على بساط رسول الله ﷺ فنزعته من تحته، فكلمها في ذلك، فقالت: إنَّه بساط رسول الله ﷺ وأنت مشرك! فقال لها: يا بنية لقد أصابك بعدي شر، ثم طلب من علي، ومن فاطمة ومن غيرهما أن يكلموا النبي ﷺ في الصلح، فأبوا عليه، فرجع إلى مكة من غير مقصود حاصل، وكل ذلك معلوم لا شك فيه، ثم إن الأكثر من الروايات والأصح منها: أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة، وهي بأرض الحبشة، وذلك أنها كانت تحت عبد الله بن جحش الأسدي، أسد خزيمة، فولدت له حبيبة التي كنيت بها، وأنها أسلمت وأسلم زوجها عبيد الله بن جحش وهاجر بها إلى أرض الحبشة، ثم إن زوجها تنصَّر هناك، ومات نصرانيًّا، ثم إن رسول الله ﷺ خطبها وهي بأرض الحبشة فبعث شرحبيل بن حسنة إلى النجاشي في ذلك. روى الزبير بن بكار عن
стр. 3744
وَتُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الكُفَّارَ، كَمَا كُنتُ أُقَاتِلُ المُسلِمِينَ، قَالَ: نَعَم. قَالَ
ــ
إسماعيل بن عمرو: أن أم حبيبة قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال له: أبرهة، كانت تقوم على ثيابه ودهنه، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها، فقالت: إن الملك يقول لك: إن رسول الله ﷺ كتب أن أزوِّجَكِهِ، فقلت: بشرك الله بخير، وقالت: يقول لك الملك: وكلي من يزوجك، فأرسلتُ إلى خالد بن سعيد فوكلته، وأعطيتُ أبرهة سوارين من فضة كانتا علي، وخواتم فضة كانت في أصابعي سرورًا بما بشرتني به، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب، ومن هناك من المسلمين يحضرون، وخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم، أما بعد: فإنَّ رسول الله ﷺ كتب إلي أن أزوَّجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وقد أصدقتها أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلم خالد بن سعيد، فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، أما بعد: فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسوله. ودفع النجاشي الدنانير إلى خالد بن سعيد، فقبضها، ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فإنَّ سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا، ثم تفرَّقوا. قال الزبير: قدم خالد بن سعيد، وعمرو بن العاص بأم حبيبة من أرض الحبشة عام الهدنة. وقال بعض الرواة: إنما أصدقها أربعة آلاف درهم، وأن عثمان بن عفان هو الذي أولم عليها، وأنه هو الذي زوَّجها إياه، وقيل: زوَّجها النجاشي.
قلت: ويصح الجمع بين هذه الروايات، فتكون الأربعمائة دينار صرفت، أو قوِّمت بأربعة آلاف درهم، وأن النجاشي هو الخاطب، وعثمان هو العاقد،
стр. 3745
أَبُو زُمَيلٍ: وَلَولَا أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِن النَّبِيِّ ﷺ مَا أَعطَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَم يَكُن يُسأَلُ شَيئًا إِلَّا قَالَ: نَعَم.
رواه مسلم (٢٥٠١).
* * *
ــ
وسعيد الوكيل، فصحَّت نسبة التزويج لكلهم، وهذا هو المعروف عند جمهور (١) أهل التواريخ والسِّير، كابن شهاب، وابن إسحاق، وقتادة، ومصعب، والزبير وغيرهم.
وقد روي عن قتادة قول آخر: أن عثمان بن عفان زوَّجها من النبي ﷺ بالمدينة بعدما قدمت من أرض الحبشة. قال أبو عمر: والصحيح الأول، وروي أن أبا سفيان قيل له وهو يحارب رسول الله ﷺ : إن محمدًا قد نكح ابنتك! فقال: ذلك الفحل الذي لا يقدع أنفه (٢). وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: تزوَّج رسول الله ﷺ أم حبيبة سنة ست من التاريخ، قال غيره: سنة سبع، قال أبو عمر: توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين.
قلت: فقد ظهر أنه لا خلاف بين أهل النقل أن تزويج النبي ﷺ متقدِّم على إسلام أبيها أبي سفيان، وعلى يوم الفتح، ولما ثبت هذا تعيَّن أن يكون طلب أبي سفيان تزويج أم حبيبة للنبي ﷺ بعد إسلامه خطأ ووهمًا، وقد بحث النقاد عمن وقع منه ذلك الوهم فوجدوه قد وقع من عكرمة بن عمار. قال أبو الفرج الجوزي: اتهموا به عكرمة بن عمار، وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل،
стр. 3746
(٦٨) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة
[٢٤١٠] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحنُ
ــ
ولذلك لم يُخرَّج عنه البخاريُّ، وإنَّما أخرج عنه مسلم، لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبي ﷺ : أريد أن تؤمرني. فقال له: نعم. ولم يسمع قط أن النبي ﷺ أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي، فكيف يخلف النبي ﷺ الوعد؟ هذا ما لا يجوز عليه.
قلت: قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبي ﷺ أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه أن ذلك يصح، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم تأميره مع وعده له بذلك، لأنَّ الوعد لم يكن مؤقتًا، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسر له ذلك إلى أن توفي رسول الله ﷺ أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية، وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف لتخلُّف شرطها، والله تعالى أعلم.
(٦٨) ومن باب: فضائل جعفر بن أبي طالب ﵁
يكنى: أبا عبد الله، كان أكبر من عليٍّ أخيه ﵄ بعشر سنين، وكان من المهاجرين الأوَّلين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، فتلقاه النبي ﷺ وعانقه، وقال: ما أدري بأيُّهما
стр. 3747
بِاليَمَنِ، فَخَرَجنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيهِ، أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا
ــ
أنا أشد فرحًا، بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟ (١). وكان قدومه من الحبشة في السنة السَّابعة من الهجرة، واختطَّ له النبي ﷺ إلى جنب المسجد، وقال له النبي ﷺ : أشبهت خَلقِي وخُلُقي (٢). ثم غزا غزوة مؤتة، وذلك في سنة ثمان من الهجرة، فقتل فيها بعد أن قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعًا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء (٣). فمن هنالك قيل له: ذو الجناحين. ولما أتى النبي ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس، فعزَّاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وهي تقول: واعماه! فقال لها رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبك البواكي (٤).
وأما أسماء فهي: ابنة عميس بن معدِّ بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك الخثعمية، من خثعم أنمار، وهي أخت ميمونة زوج النبي ﷺ وأخت لبابة - أم الفضل - زوجة العباس، وأخت أخواتها، وهن: تسع، وقيل: عشر. هاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة، فولدت له هنالك محمدًا، وعبد الله، وعوفًا، ثم هاجرت إلى المدينة. فلما قتل جعفر، تزوجها أبو بكر الصِّدِّيق ﵄، وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، فولدت يحيى بن عليٍّ، لا خلاف في ذلك، وقيل: كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة
стр. 3748
أَبُو بُردَةَ وَالآخَرُ أَبُو رُهمٍ - إِمَّا قَالَ: بِضعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمسِينَ أَو اثنَينِ وَخَمسِينَ رَجُلًا مِن قَومِي - قَالَ: فَرَكِبنَا سَفِينَةً، فَأَلقَتنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقنَا جَعفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصحَابَهُ عِندَهُ. فَقَالَ جَعفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، قال: فَأَقَمنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمنَا جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افتَتَحَ خَيبَرَ، فَأَسهَمَ لَنَا - أَو قَالَ أَعطَانَا مِنهَا - وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَن فَتحِ خَيبَرَ مِنهَا شَيئًا إِلَّا لِمَن شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا لِأَصحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعفَرٍ وَأَصحَابِهِ، قَسَمَ لَهُم مَعَهُم. قَال: فَكَانَ نَاسٌ مِن النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعنِي لِأَهلِ السَّفِينَةِ -: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ! قَالَ: فَدَخَلَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ - وَهِيَ مِمَّن قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفصَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً - وَقَد كَانَت هَاجَرَت إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَن هَاجَرَ إِلَيهِ - فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفصَةَ وَأَسمَاءُ عِندَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسمَاءَ: مَن هَذِهِ؟ قَالَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ: قَالَ عُمَرُ:
ــ
تسمى: أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خلف عليها بعده شداد بن الهادي الليثي، فولدت له: عبد الله وعبد الرحمن، ثم خلف عليها بعده جعفر، ثم كان الأمر كما ذكر.
و(قول أبي موسى: إما قال: بضعة، وإما قال: ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا؟ ) كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في بضعة، لأنَّه عدد مذكر، وبالنصب على الحال من: خرجنا المذكور، وإما: موطئة للشك، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه، وقد وقع في بعض النسخ، إما قال: بضع - بإسقاط الهاء - وبالرفع مع نصب: وخمسين، وذلك لحن واضح، والأول الصواب.
стр. 3749
الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ البَحرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَت أَسمَاءُ: نَعَم، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ فَنَحنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكُم فَغَضِبَت، وَقَالَت: كَلِمَةً كَذَبتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنتُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطعِمُ جَائِعَكُم، وَيَعِظُ جَاهِلَكُم، وَكُنَّا فِي دَارِ - أَو فِي أَرضِ - البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ فِي الحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايمُ اللَّهِ لَا أَطعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذكُرَ مَا قُلتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحنُ كُنَّا نُؤذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَسأَلُهُ، وَوَاللَّهِ! لَا أَكذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ.
ــ
و(قول عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ ) نسبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قصد به المطايبة والمباسطة، فإنه كان قد علم من هي حين رآها.
و(قول عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، صدر هذا القول من عمر ﵁ على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّث بها، لما علم من عظيم أجر السَّابق للهجرة. ورفعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر والترفع، فإنَّ عمر ﵁ منزه عن ذلك، ولما سمعت أسماء ذلك، غضبت غضب منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق، فقالت: كذبت يا عمر! أي: أخطأت في ظنك، لا أنها نسبته إلى الكذب الذي يأثم قائله، وكثيرًا ما يطلق الكذب بمعنى الخطأ، كما قال عبادة بن الصامت ﵁: كذب أبو محمد (١)، لما زعم أن الوتر واجب.
و(قولها: كلا والله) أي: لا يكون ذلك، فهي نفيٌ لما قال، وزجر عنه، وهذا أصل كلا، وقد تأتي للاستفتاح بمعنى ألا. والبُعداء: جمع بعيد. والبغضاء: جمع بغيض، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء.
стр. 3750
قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيسَ بِأَحَقَّ بِي مِنكُم، لَهُ وَلِأَصحَابِهِ هِجرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُم أَنتُم أَهلَ السَّفِينَةِ هِجرَتَانِ، قَالَت: فَلَقَد رَأَيتُ أَبَا مُوسَى وَأَصحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونِي أَرسَالًا، يَسأَلُونِي عَن هَذَا الحَدِيثِ، مَا مِن الدُّنيَا شَيءٌ هُم بِهِ أَفرَحُ وَلَا أَعظَمُ فِي أَنفُسِهِم مِمَّا قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
رواه البخاريُّ (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢).
* * *
ــ
و(قوله ﷺ : ليس أحق بي منكم) يعني في الهجرة لا مطلقًا. وإلا فمرتبة عمر ﵁ وخصوصية صحبته للنبي ﷺ معروفة بدليل قوله ﷺ : له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان. وسبب ذلك أن عمر وأصحابه هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد، وهاجر جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وتركوا رسول الله ﷺ بمكة، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل والمشقة في ذلك.
و(قولها: يأتوني أرسالًا)، أي: متتابعين جماعة بعد جماعة، وواحد الأرسال: رسل، كأحمال جمع حمل. يقال: جاءت الخيل أرسالًا، أي: قطعة قطعة، ففيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقا للعمل، والاكتفاء بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين، فإنَّ الصحابة ﵃ اكتفوا بخبرها، ولم يراجعوا رسول الله ﷺ عن شيء من ذلك، وخبرها يفيد ظن صدقها، لا العلم بصدقها، فافهم هذا.
و(قولها: ما من الدنيا شيءٌ هُم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ ) تعني: ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في