← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

(٦٨) باب فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأصحاب السفينة [٢٤١٠] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: بَلَغَنَا مَخرَجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحنُ ــ ولذلك لم يُخرَّج عنه البخاريُّ، وإنَّما أخرج عنه مسلم، لأنَّه قد قال فيه يحيى بن معين: هو ثقة. وقال أبو محمد علي بن أحمد الحافظ: هذا حديث موضوع، لا شك في وضعه، والآفة فيه من عكرمة بن عمار، قال بعضهم: ومما يحقق الوهم في هذا الحديث قول أبي سفيان للنبي ﷺ : أريد أن تؤمرني. فقال له: نعم. ولم يسمع قط أن النبي ﷺ أمَّر أبا سفيان على أحد إلى أن توفي، فكيف يخلف النبي ﷺ الوعد؟ هذا ما لا يجوز عليه. قلت: قد تأوَّل بعض من صحَّ عنده ذلك الحديث، بأن قال: إن أبا سفيان إنما طلب من النبي ﷺ أن يجدد معه عقدًا على ابنته المذكورة ظنًّا منه أن ذلك يصح، لعدم معرفته بالأحكام الشرعية، لحداثة عهده بالإسلام، واعتذر عن عدم تأميره مع وعده له بذلك، لأنَّ الوعد لم يكن مؤقتًا، وكان يرتقب إمكان ذلك فلم يتيسر له ذلك إلى أن توفي رسول الله ﷺ أو لعلَّه ظهر له مانع شرعي منعه من توليته الشرعية، وإنَّما وعده بإمارة شرعية فتخلَّف لتخلُّف شرطها، والله تعالى أعلم. (٦٨) ومن باب: فضائل جعفر بن أبي طالب ﵁ يكنى: أبا عبد الله، كان أكبر من عليٍّ أخيه ﵄ بعشر سنين، وكان من المهاجرين الأوَّلين، هاجر إلى أرض الحبشة، وقدم منها على رسول الله ﷺ حين فتح خيبر، فتلقاه النبي ﷺ وعانقه، وقال: ما أدري بأيُّهما

стр. 3747

بِاليَمَنِ، فَخَرَجنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيهِ، أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصغَرُهُمَا، أَحَدُهُمَا ــ أنا أشد فرحًا، بقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟ (١). وكان قدومه من الحبشة في السنة السَّابعة من الهجرة، واختطَّ له النبي ﷺ إلى جنب المسجد، وقال له النبي ﷺ : أشبهت خَلقِي وخُلُقي (٢). ثم غزا غزوة مؤتة، وذلك في سنة ثمان من الهجرة، فقتل فيها بعد أن قاتل فيها حتى قطعت يداه جميعًا، فقال رسول الله ﷺ : إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء (٣). فمن هنالك قيل له: ذو الجناحين. ولما أتى النبي ﷺ نعي جعفر أتى امرأته أسماء بنت عميس، فعزَّاها في زوجها، فدخلت فاطمة تبكي وهي تقول: واعماه! فقال لها رسول الله ﷺ : على مثل جعفر فلتبك البواكي (٤). وأما أسماء فهي: ابنة عميس بن معدِّ بن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك الخثعمية، من خثعم أنمار، وهي أخت ميمونة زوج النبي ﷺ وأخت لبابة - أم الفضل - زوجة العباس، وأخت أخواتها، وهن: تسع، وقيل: عشر. هاجرت أسماء مع زوجها جعفر إلى أرض الحبشة، فولدت له هنالك محمدًا، وعبد الله، وعوفًا، ثم هاجرت إلى المدينة. فلما قتل جعفر، تزوجها أبو بكر الصِّدِّيق ﵄، وولدت له محمد بن أبي بكر، ثم مات عنها فتزوجها علي بن أبي طالب، فولدت يحيى بن عليٍّ، لا خلاف في ذلك، وقيل: كانت أسماء بنت عميس تحت حمزة بن عبد المطلب، فولدت له ابنة

стр. 3748

أَبُو بُردَةَ وَالآخَرُ أَبُو رُهمٍ - إِمَّا قَالَ: بِضعًا، وَإِمَّا قَالَ: ثَلَاثَةً وَخَمسِينَ أَو اثنَينِ وَخَمسِينَ رَجُلًا مِن قَومِي - قَالَ: فَرَكِبنَا سَفِينَةً، فَأَلقَتنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ، فَوَافَقنَا جَعفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصحَابَهُ عِندَهُ. فَقَالَ جَعفَرٌ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنَا هَاهُنَا وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، قال: فَأَقَمنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمنَا جَمِيعًا، قَالَ: فَوَافَقنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ افتَتَحَ خَيبَرَ، فَأَسهَمَ لَنَا - أَو قَالَ أَعطَانَا مِنهَا - وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَن فَتحِ خَيبَرَ مِنهَا شَيئًا إِلَّا لِمَن شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا لِأَصحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعفَرٍ وَأَصحَابِهِ، قَسَمَ لَهُم مَعَهُم. قَال: فَكَانَ نَاسٌ مِن النَّاسِ يَقُولُونَ لَنَا - يَعنِي لِأَهلِ السَّفِينَةِ -: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ! قَالَ: فَدَخَلَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ - وَهِيَ مِمَّن قَدِمَ مَعَنَا - عَلَى حَفصَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرَةً - وَقَد كَانَت هَاجَرَت إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَن هَاجَرَ إِلَيهِ - فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفصَةَ وَأَسمَاءُ عِندَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسمَاءَ: مَن هَذِهِ؟ قَالَت أَسمَاءُ بِنتُ عُمَيسٍ: قَالَ عُمَرُ: ــ تسمى: أمة الله. وقيل: أمامة، ثم خلف عليها بعده شداد بن الهادي الليثي، فولدت له: عبد الله وعبد الرحمن، ثم خلف عليها بعده جعفر، ثم كان الأمر كما ذكر. و(قول أبي موسى: إما قال: بضعة، وإما قال: ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلًا؟ ) كذا صواب الرواية فيه بإثبات هاء التأنيث في بضعة، لأنَّه عدد مذكر، وبالنصب على الحال من: خرجنا المذكور، وإما: موطئة للشك، وما بعدها معطوف عليها مشكوك فيه، وقد وقع في بعض النسخ، إما قال: بضع - بإسقاط الهاء - وبالرفع مع نصب: وخمسين، وذلك لحن واضح، والأول الصواب.

стр. 3749

الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ؟ البَحرِيَّةُ هَذِهِ؟ فَقَالَت أَسمَاءُ: نَعَم، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقنَاكُم بِالهِجرَةِ فَنَحنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكُم فَغَضِبَت، وَقَالَت: كَلِمَةً كَذَبتَ يَا عُمَرُ! كَلَّا وَاللَّهِ كُنتُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُطعِمُ جَائِعَكُم، وَيَعِظُ جَاهِلَكُم، وَكُنَّا فِي دَارِ - أَو فِي أَرضِ - البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ فِي الحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِهِ، وَايمُ اللَّهِ لَا أَطعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذكُرَ مَا قُلتَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَنَحنُ كُنَّا نُؤذَى وَنُخَافُ، وَسَأَذكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَسأَلُهُ، وَوَاللَّهِ! لَا أَكذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ. ــ و(قول عمر: الحبشية هذه؟ البحرية هذه؟ ) نسبها إلى الحبشة لمقامها فيهم، وللبحر لمجيئها فيه، وهو استفهامٌ قصد به المطايبة والمباسطة، فإنه كان قد علم من هي حين رآها. و(قول عمر: سبقناكم بالهجرة فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم)، صدر هذا القول من عمر ﵁ على جهة الفرح بنعمة الله، والتحدُّث بها، لما علم من عظيم أجر السَّابق للهجرة. ورفعه درجته على اللاحق، لا على جهة الفخر والترفع، فإنَّ عمر ﵁ منزه عن ذلك، ولما سمعت أسماء ذلك، غضبت غضب منافسة في الأجر وغيره على جهة السَّبق، فقالت: كذبت يا عمر! أي: أخطأت في ظنك، لا أنها نسبته إلى الكذب الذي يأثم قائله، وكثيرًا ما يطلق الكذب بمعنى الخطأ، كما قال عبادة بن الصامت ﵁: كذب أبو محمد (١)، لما زعم أن الوتر واجب. و(قولها: كلا والله) أي: لا يكون ذلك، فهي نفيٌ لما قال، وزجر عنه، وهذا أصل كلا، وقد تأتي للاستفتاح بمعنى ألا. والبُعداء: جمع بعيد. والبغضاء: جمع بغيض، كظريف وظرفاء، وشريف وشرفاء.

стр. 3750

قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيسَ بِأَحَقَّ بِي مِنكُم، لَهُ وَلِأَصحَابِهِ هِجرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُم أَنتُم أَهلَ السَّفِينَةِ هِجرَتَانِ، قَالَت: فَلَقَد رَأَيتُ أَبَا مُوسَى وَأَصحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونِي أَرسَالًا، يَسأَلُونِي عَن هَذَا الحَدِيثِ، مَا مِن الدُّنيَا شَيءٌ هُم بِهِ أَفرَحُ وَلَا أَعظَمُ فِي أَنفُسِهِم مِمَّا قَالَ لَهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . رواه البخاريُّ (٤٢٣٠)، ومسلم (٢٥٠٢). * * * ــ و(قوله ﷺ : ليس أحق بي منكم) يعني في الهجرة لا مطلقًا. وإلا فمرتبة عمر ﵁ وخصوصية صحبته للنبي ﷺ معروفة بدليل قوله ﷺ : له ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أهل السفينة هجرتان. وسبب ذلك أن عمر وأصحابه هاجروا من مكة إلى المدينة هجرة واحدة في طريق واحد، وهاجر جعفر وأصحابه إلى أرض الحبشة، وتركوا رسول الله ﷺ بمكة، ثم إنهم لما سمعوا بهجرة رسول الله ﷺ إلى المدينة ابتدؤوا هجرة أخرى إليه، فتكرر الأجر بحسب تكرار العمل والمشقة في ذلك. و(قولها: يأتوني أرسالًا)، أي: متتابعين جماعة بعد جماعة، وواحد الأرسال: رسل، كأحمال جمع حمل. يقال: جاءت الخيل أرسالًا، أي: قطعة قطعة، ففيه قبول أخبار الآحاد، وإن كان خبر امرأة، وفيما ليس طريقا للعمل، والاكتفاء بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع التمكن من الوصول إلى اليقين، فإنَّ الصحابة ﵃ اكتفوا بخبرها، ولم يراجعوا رسول الله ﷺ عن شيء من ذلك، وخبرها يفيد ظن صدقها، لا العلم بصدقها، فافهم هذا. و(قولها: ما من الدنيا شيءٌ هُم أفرح به، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم رسول الله ﷺ ) تعني: ما من الدنيا شيء يحصل به ثواب عند الله تعالى هو في

стр. 3751

(٦٩) باب فضائل سلمان وصهيب ﵄ - [٢٤١١] عَن عَائِذِ بنِ عَمرٍو أَنَّ أَبَا سُفيَانَ أَتَى عَلَى سَلمَانَ، ــ نفوسهم أعظم قدرًا، ولا أكثر أجرًا، مما تضمنَّه هذا القول، لأنَّ أصل أفعل أن تضاف إلى جنسها، وأعراض الدنيا ليست من جنس ثواب الآخرة، فتعين ذلك التأويل، والله تعالى أعلم. (٦٩) ومن باب: فضائل سلمان وصهيب ﵄ أما سلمان، فيكنى: أبا عبد الله، وكان ينتسب إلى الإسلام، فيقول: أنا سلمان ابن الإسلام، ويُعَدُّ من موالي رسول الله ﷺ ، لأنَّه أعانه بما كوتب عليه، فكان سبب عتقه، وكان يُعرف بسلمان الخير، وقد نسبه النبي ﷺ إلى أهل بيته، فقال: سلمان منا أهل البيت (١). وأصله فارسي من رام هرمز، من قرية يقال لها: جَي (٢). ويقال: بل من أصبهان، وكان أبوه مجوسيًّا من قوم مجوس، فنبهه الله لقبح ما كان عليه أبوه وقومه، وجعل في قلبه التشوُّف إلى طلب الحق، فهرب بنفسه، وفرَّ من أرضه إلى أن وصل إلى الشام، فلم يزل يجول في البلدان، ويختبر الأديان، ويستكشف الأحبار والرُّهبان، إلى أن دُلَّ على راهب الوجود، فوصل إلى المقصود، وذلك بعد مكابدة عظيم المشقات، والصبر على مكاره الحالات، من: الرق، والإذلال، والأسر، والأغلال، كما هو منقول في إسلامه في كتب السِّير وغيرها.

стр. 3752

وَصُهَيبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: مَا أَخَذَت سُيُوفُ اللَّهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ ــ وروى أبو عثمان النَّهدي عن سلمان أنه قال: تداوله في ذلك بضة عشر ربًّا، من ربٍّ إلى ربٍّ حتى أفضى إلى النبي ﷺ . قال غيره: فاشتراه رسول الله ﷺ للعتق من قوم من اليهود بكذا وكذا درهمًا، وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل، يعمل فيها سلمان حتى تدرك، فغرس رسول الله ﷺ النخل كلها بيده، فأطعمت النخل من عامها. وأوَّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يَفُته بعد ذلك مشهد معه. وقد قيل: إنه شهد بدرًا وأحدًا، والأوَّل أعرف. وكان خيِّرًا فاضلًا حَبرًا عالِمًا زاهدًا متقشفًا. روي عن الحسن أنه قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به، ويأكل من عمل يده، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها. وذكر ابن وهب، وابن نافع عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده فيعيش منه، ولا يقبل من أحد شيئًا، قال: ولم يكن له بيت، إنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلًا قال له: ألا أبني لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: ما لي به حاجة، فما زال به الرجل حتى قال له: إني أعرف البيت الذي يوافقك، قال: فصفه لي. فقال: أبني لك بيتًا إذا أنت قمت فيه أصاب رأسك سقفه، وإذا أنت مددت رجليك أصابك الجدار. قال: نعم، فبني له. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لو كان الدين في الثريا لناله سلمان (١). وفي رواية: رجال من الفرس (٢). وقالت عائشة ﵂: كان لسلمان

стр. 3753

مَأخَذَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: تَقُولُونَ هَذَا لِشَيخِ قُرَيشٍ وَسَيِّدِهِم؟ فَأَتَى ــ مجلسٌ من رسول الله ﷺ ينفردُ به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله ﷺ . وقال ﷺ : إن الله أمرني أن أحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان (١). وقال أبو هريرة: سلمانُ صاحب الكتابين، وقال عليٌّ: سلمان عَلِمَ العلمَ الأول والآخر، بحر لا ينزف، هو منَّا أهل البيت. وقال عليٌّ ﵁ أيضًا: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم. وله أخبار حِسان، وفضائلُ جَمَّة. توفي سلمان ﵁ في آخر خلافة عثمان ﵁ سنة خمس وثلاثين، وقيل: مات بل سَنةَ ستٍّ في أولها، وقد قيل: توفي في خلافة عمر، والأوَّلُ أكثر. قال الشعبيُّ: توفي بالمدائن، وكان من المعمرين، أدرك وصيَّ (٢) عيسى ابن مريم، وعاش مائتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاثمائة وخمسين سنة. قال أبو الفرج: والأول أصح، وجملةُ ما حُفِظ له عن رسول الله ﷺ ستون حديثًا، أخرج له منها في الصحيحين سبعة. وأما صُهيب، فهو ابنُ سنان بن خالد بن ع د عمرو - من العرب - بن النمر بن ساقط، كان أبوه عاملًا لكسرى على الأُبُلَّة، وكانت منازلُهم بأرض الموصل في قرية على شطِّ الفرات، مما يلي الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبت صُهيبًا، وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته منه كلب، ثم قدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جُدعان، فأعتقه، فأقام بمكة حتى هلك ابن جُدعان، وبُعِث النبي ﷺ وأسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحدٍ بعد بضعة وثلاثين رجلًا، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة لحقه صُهيب، فقالت له قريش حين خرج يريدُ الهجرة: أتفجعنا بنفسك ومالك؟ فدلَّهم على ماله، فتركوه، فلما رآه النبيُّ ﷺ قال له: ربح البيعُ أبا يحيى. فأنزل الله في أمره:

стр. 3754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشرِي نَفسَهُ ابتِغَاءَ مَرضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية (١). وروي عنه أنه قال: صحبتُ النبي ﷺ قبل أن يُوحى إليه. ورُوي عن النبي ﷺ أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآَخر فليحبَّ صهيبًا حُبَّ الوالدة ولدَها (٢). وقال ﷺ : صهيب سابقُ الروم، وسلمان سابقُ فارس، وبلال سابقُ الحبشة (٣). وإنما نسبه النبيُّ ﷺ للروم لما ذكر أنه نشأ فيهم صغيرًا، وتلقَّف لسانهم. وقد تقدَّم ذِكرُ نسبه. وقال له عمر: ما لك يا صهيب تُكنى أبا يحيى، وليس لك ولد، وتزعم أنك من العرب، وتطعم الطعام الكثير، وذلك سرف؟ فقال: إن رسولَ الله ﷺ كنَّاني بأبي يحيى، وإني من النمر بن قاسط من أنفسهم، ولكني سُبيت صغيرًا أعقل أهلي وقومي، ولو انفلقت عني روثة لانتميتُ إليها، وأما إطعام الطعام؟ فإن رسولَ الله ﷺ قال: خيارُكم مَن أطعم الطعام، وردَّ (٤) السلام (٥). توفي صهيب بالمدينة سنة ثمانٍ وثلاثين في شوّالها، وقيل: سنة تسع، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، ودُفِن بالبقيع.

стр. 3755

النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكرٍ لَعَلَّكَ أَغضَبتَهُم، لَئِن كُنتَ أَغضَبتَهُم لَقَد أَغضَبتَ رَبَّكَ. فَأَتَاهُم فَقَالَ: يَا إِخوَتَاه أَغضَبتُكُم؟ قَالُوا: لَا، يَغفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي. رواه مسلم (٢٥٠٤). * * * (٧٠) باب فضائل الأنصار ﵃ - [٢٤١٢] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: فِينَا نَزَلَت: ﴿إِذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُم أَن تَفشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ، ــ و(قوله ﷺ لأبي بكر ﵁: لئن كنتَ أغضبتهم لقد أغضبتَ ربَّك، يدلُّ على رفعة منازل هؤلاء المذكورين عند الله تعالى، ويُستفاد منه احترامُ الصالحين، واتِّقاءُ ما يغضبهم، أو يُؤذيهم. (٧٠) ومن باب: فضائل الأنصار ﵃ (قوله تعالى: ﴿إِذ هَمَّت طَائِفَتَانِ مِنكُم أَن تَفشَلا﴾ يعني بذلك: يوم أحُدٍ، وذلك: أنه لمَّا خرج النبي ﷺ للقاء المشركين رجع عنه عبد الله بن أبي بجمع كثيرٍ فشلًا عن الحرب ونكولًا، وإسلامًا للنبي ﷺ وأصحابه للعدو، وهمَّت بنو سلمة، وبنو حارثة بالرُّجوع، فحماهم اللهُ تعالى من ذلك، مما يضرُّهم من قبل ذلك، وعظيم إثمه، فلحقوا بالنبي ﷺ وبالمسلمين إلى أن شاهدوا الحرب، وكان من أمر أحُد ما قد ذكر.

стр. 3756

وَمَا نُحِبُّ أَنَّهَا لَم تَنزِل لِقَولِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ رواه البخاريُّ (٤٥٥٨)، ومسلم (٢٥٠٥). ــ و(قول جابر: ما نحب ألا تنزل) إنما قال ذلك لما في آخرها من تولي الله تعالى لتينك الطَّائفتين مِن لُطفه بهما، وعصمته إياهما، مما حل بعبد الله بن أبي من الإثم، والعار، والذَم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ أي: متولي حِفظهما وناصرهما. و(قوله: فقام متمثلًا (١)) يروى هكذا هنا، ويروى أيضًا مُمثلًا، وفيهما بُعد، لأن مثل: معناه: صور مثاله، وتمثل هو في نفسه، أي: تصوَّر، وكلاهما ليس له معنى هنا، وإنما الذي يُناسب هذا أن يكون ماثلًا. يقال: مثل بين يديه قائمًا، أي: انتصب قائمًا، فيعني به أنه قام منتصبَ القامة فعل المتبشبش بمن لقيه. وقد رواه البخاري فقال: فكان متمثلًا (١)، ممتنا من الامتنان، وهو وإن كان فيه بُعدٌ أنسب مما رواه مسلم، والله تعالى أعلم (٢). و(قوله ﷺ : الأنصار كَرِشي وعيبتي) أي: جماعتي التي أنضمُّ إليها، وخاصتي التي أفضي بأسراري إليها. والكَرِش: لما يجترُ كالمعدة للإنسان، والحوصلة للطائر، والكرش مؤنثة، وفيها لغتان: كَرِش - بفتح الكاف، وكسر الراء -. وكِرش - بكسر الكاف وسكون الراء -: مثل: كَبِد وكِبد، وكرشُ الرجل:

стр. 3757

[٢٤١٣] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ اغفِر لِلأَنصَارِ وَلِأَبنَاءِ الأَنصَارِ وَأَبنَاءِ أَبنَاءِ الأَنصَارِ. رواه أحمد (٤/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (٤٩٠٦)، ومسلم (٢٥٠٦)، والترمذيُّ (٣٩٠٢). [٢٤١٤] وعن أنس: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ استَغفَرَ لِلأَنصَارِ قَالَ: - وَأَحسِبُهُ قَالَ -: وَلِذَرَارِيِّ الأَنصَارِ وَلِمَوَالِي الأَنصَارِ لَا أَشُكُّ فِيهِ. رواه مسلم (٢٥٠٧). [٢٤١٥] وعنه أنه قال: إن النَّبِيَّ ﷺ رَأَى صِبيَانًا وَنِسَاءً مُقبِلِينَ مِن عُرسٍ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مُتمثِلًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنتُم مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنتُم مِن أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ - يَعنِي الأَنصَارَ -. رواه أحمد (٣/ ١٧٥ - ١٧٦)، والبخاريُّ (٣٧٨٥)، ومسلم (٢٥٠٨). [٢٤١٦] وعنه قال: جَاءَت امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَخَلَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَقَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّكُم لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ - ثَلَاثَ مرات. رواه البخاريُّ (٣٧٨٦)، ومسلم (٢٥٠٩). ــ عيالُه وصغارُ ولده، والكرش: الجماعة، وهي المعنيةُ بالحديث. وأصلُ العيبة: ما تُجعل فيه الثياب الرفيعة، والجمع عِيَب، كَبَدرَةِ وبِدَر، وتُجمع أيضًا: عِيابًا وعَيبات. و(قوله: اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار) ظاهره

стр. 3758

[٢٤١٧] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الأَنصَارَ كَرِشِي وَعَيبَتِي، وَإِنَّ النَّاسَ سَيَكثُرُونَ وَيَقِلُّونَ فَاقبَلُوا مِن مُحسِنِهِم، وَاعفُوا عَن مُسِيئِهِم. رواه أحمد (٣/ ١٧٦)، والبخاري (٣٨٠١)، ومسلم (٢٥١٠)، والترمذيُّ (٣٩٠٧)، والنسائي في الكبرى (٨٣٢٥). [٢٤١٨] وعنه قَالَ: خَرَجتُ مَعَ جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ يَخدُمُنِي فَقُلتُ لَهُ: لَا تَفعَل. فَقَالَ: إِنِّي قَد رَأَيتُ الأَنصَارَ تَصنَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيئًا آلَيتُ أَن لَا أَصحَبَ أَحَدًا مِنهُم إِلَّا خَدَمتُهُ - وَكَانَ جَرِيرٌ أَسن مِن أَنَسٍ -. رواه البخاريُّ (٢٨٨٨)، ومسلم (٢٥١٣). * * * ــ الانتهاءُ بالاستغفار إلى البطن الثالث، فيمكن أن يكون ذلك، لأنهم من القرون التي قال فيها النبي ﷺ : خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم (١)، ويمكن أن تشملَ بركةُ هذا الاستغفار المؤمنين من نسل الأنصار إلى يوم القيامة مبالغة في إكرام الأنصار، لا سيما إذا كانت نية الأولاد فعل مثال ما سبق إليه الأجداد، ويُؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى: ولذراري الأنصار. * * *

стр. 3759

(٧١) باب خير دور الأنصار ﵃ - [٢٤١٩] عَن أَبِي أُسَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيرُ دُورِ الأَنصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبدِ الأَشهَلِ، ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ. فَقَالَ سَعدٌ: مَا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَّا قَد فَضَّلَ عَلَينَا. فَقِيلَ: قَد فَضَّلَكُم عَلَى كَثِيرٍ. قال أبو أسيد: لو كنت مؤثرا بها أحدا لآثرت بها عشيرتي. رواه أحمد (٣/ ٤٩٦)، والبخاريُّ (٣٧٨٩)، ومسلم (٢٥١١) (١٧٧ و ١٧٨)، والترمذي (٣٩٠٧). ــ (٧١ و ٧٢) ومن باب: خير دور الأنصار ﵃ (١) - (قوله ﷺ : خير دُور الأنصار: دور بني النجار) أصلُ الدار: المنزل الذي يُقام فيه، ويُجمع في القلة: أدور، بواو مضمومة، وقد أبدلوا من الضمة همزة استثقالًا للضمَّة على الواو، ويُجمع في الكثرة على ديار ودور، والدار مؤنثة، ثم قد يُعبَّر بالدار عن ساكنها كما جاء في هذا الحديث، فإنه أراد بالدِّيار: القبائل. وخير: يعني أخير، أي: أكثر خيرًا، وتفضيل بعض هذه القبائل على بعض إنما هو بحسب سبقهم للإسلام، وأفعالهم فيه. وتفضيلُهم خبر من الشارع عما لهم عند الله تعالى من المنازل والمراتب، فلا يُقدَّمُ من أخر، ولا يؤخر من قدَّم. وقد اختلفت الرواياتُ في بني النَّجار، وبني عبد الأشهل، ففي رواية أبي أسيد: تقديم بني النجار على بني عبد الأشهل، ومَن بعدهم، وفي رواية أبي هريرة: تقديم بني

стр. 3760

[٢٤٢٠] وعن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي مَجلِسٍ عَظِيمٍ مِن المُسلِمِينَ: أُحَدِّثُكُم بِخَيرِ دُورِ الأَنصَارِ؟ قَالُوا: نَعَم يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَنُو عَبدِ الأَشهَلِ قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو النَّجَّارِ. قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو الحَارِثِ بنِ الخَزرَجِ قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ. قَالُوا: ثُمَّ مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ثُمَّ فِي كُلِّ دُورِ الأَنصَارِ خَيرٌ، فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ مُغضَبًا، فَقَالَ: أَنَحنُ آخِرُ الأَربَعِ؟ حِينَ سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَهُم. فَأَرَادَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ مِن قَومِهِ: اجلِس. أَلَا تَرضَى أَن سَمَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَكُم فِي الأَربَعِ الدُّورِ الَّتِي سَمَّى؟ فَمَن تَرَكَ فَلَم يُسَمِّ أَكثَرُ مِمَّن سَمَّى، فَانتَهَى سَعدُ بنُ عُبَادَةَ عَن كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه مسلم (٢٥١٢). * * * (٧٢) باب دعاء النبي ﷺ لغفار وأسلم [٢٤٢١] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ائتِ قَومَكَ فَقُل: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَغِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا. رواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٥١٤) (١٨٣). ــ عبد الأشهل على بني النجار ومَن بَعدَهم، وهذا تعارضٌ مُشكِل، غير أن الأولى رواية أبي أسَيد لقرابة بني النجار من رسول الله ﷺ دون غيرهم، فإنهم أخوالُه، كما قدَّمنا، ولاختصاص نزول رسول الله ﷺ بهم، وكونه عندهم، وهذه مزيَّة

стр. 3761

[٢٤٢٢] زاد من حديث أبي هريرة: أما إني لم أقلها، ولكن قالها الله. رواه أحمد (٢/ ٢٠)، والبخاريُّ (٣٥١٤)، ومسلم (٢٥١٦). [٢٤٢٣] وعَن خُفَافِ بنِ إِيمَاءٍ الغِفَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ العَن بَنِي لِحيَانَ وَرِعلًا وَذَكوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ. رواه مسلم (٢٥١٧). [٢٤٢٤] ونحوه، عن ابن عمر. رواه أحمد (٢/ ١٣٠)، والبخاريُّ (٣٥١٣)، ومسلم (٢٥١٨)، والترمذيُّ (٣٩٤١). ــ لا يلحقهم أحدٌ فيها. وغَضَبَ سعدِ بن عبادة لما ذُكرت دارُه آخر الديار بادرةٌ أصدرها عنه منافستُه في الخير، وحرصُه على تحصيل الثواب والأجر، فلما نُبه على ما ينبغي له سلَّم السَّبق لأهله، وشكر الله تعالى على ما آتاه مِن فضله. وقد تقدم القولُ في: أسلَم، وغِفَار، وبني لِحيَان، ورِعل، وذَكوان، وعُصية - قبائل من هُذَيل - وهم الذين قتلوا أصحابَ الرَّجيع عاصمًا وأصحابه، وقد تقدم حديثُهم. * * *

стр. 3762

(٧٣) باب فضل مزينة وجهينة وأشجع وبني عبد الله [٢٤٢٥] عَن أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الأَنصَارُ ــ (٧٣ و ٧٤ و ٧٥) ومن باب: فضائل مزينة، وجهينة، وأشجع وبني عبد الله (١) هؤلاء القبائل، وأسلم، وغفار، ومَن كان نحوهم، كانوا بالجاهلية خاملين، لم يكونوا من ساداتِ العرب، ولا مِن رؤسائها كما كانت بنو تميم، وبنو عامر، [وبنو أسدٍ، وغطفان، ألا ترى قول الأقرع بن حابس للنبي ﷺ : إنما بايعك سُرَّاق الحجيج من أسلم، وغفار، ومزينة] (٢) وجهينة، لكن هؤلاء القبائل سبقوا للإسلام، وحَسُن بلاؤهم فيه، فشرَّفهم اللهُ تعالى به، وفضَّلهم على مَن ليس بمؤمن من سادات العرب بالإسلام، وعلى من تأخر إسلامُه بالسَّبق، كما شرَّف بلالًا، وعمارًا، وصُهيبًا، وسلمان على صناديد قريش، وعلى أبي سفيان ومعاوية وغيرهم من المؤلفة قلوبُهم كما تقدَّم، فأعز اللهُ بالإسلام الأذلاء، وأذلَّ به الأعزاءَ بحكمته الإلهية، وقسمته الأزلية ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وعلى هذا فقولُه ﷺ : مزينة، وجهينة، وغفار، وأشجع، ومن كان من بني عبد الله مواليَّ دون الناس جَبرٌ لهم من كَسرهم، وتنويه بهم من خمولهم، وتفخيم لأمر الإسلام وأهلِه، وتحقير لأهل الشرك، ولمن دخل في الإسلام ولم يُخلِص فيه، كالأقرع بن حابس، وغيره ممن كان على مثل حاله، وهذا التَفضيلُ،

стр. 3763

وَمُزَينَةُ وَجُهَينَةُ وَغِفَارُ وَأَشجَعُ، وَمَن كَانَ مِن بَنِي عَبدِ اللَّهِ مَوَالِيَّ دُونَ النَّاسِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مَولَاهُم. رواه مسلم (٢٥١٩)، والترمذي (٣٩٤٠). [٢٤٢٦] ومن حديث أبي هريرة: قريش والأنصار. وذكر نحوه، غير أنه لم يذكر بني عبد الله. رواه البخاري (٣٥٠٤)، ومسلم (٢٥٢٠)، والترمذي (٣٩٤٥). [٢٤٢٧] وعن أبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَغِفَارُ وَأَسلَمُ وَمُزَينَةُ، وَمَن كَانَ مِن جُهَينَةَ - أَو قَالَ جُهَينَةُ - وَمَن كَانَ مِن مُزَينَةَ خَيرٌ عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن أَسَدٍ وَطَيِّئٍ وَغَطَفَانَ. ــ والتنويه إنما ورد جوابًا لمن احتقر هذه القبائل بعد إسلامها، وتمسك بفخر الجاهلية وطغيانها، فحيث ورد تفضيل هذه القبائل مطلقًا فإنَّه محمول على أنهم أفضل من هذه القبائل المذكورين معهم، في محاورة الأقرع، وهو آخر حديث ذكرناه، فإنَّه مفسَّر لما تقدَّم، ومقيَّد له. و(قوله: موالي دون الناس) يعني: أنا الذي أنصرهم، وأتولى أمورهم كلها، فلا ينبغي لهم أن يلجؤوا بشيء من أمورهم إلى أحد غيري من الناس، وهذا كما قال ﷺ في الحديث الآخر: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فعلي وإليَّ (١). و(قوله: والله ورسوله مولاهم) كذا الرواية بتوحيد مولاهم، وهذا نحو

стр. 3764

وفي رواية: من أسد وغطفان وهوازن وتميم رواه البخاريُّ (٣٥٢٣)، ومسلم (٢٥٢١) (١٩١ و ١٩٢). [٢٤٢٨] وعن أبي بكرة: أَنَّ الأَقرَعَ بنَ حَابِسٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ مِن أَسلَمَ وَغِفَارَ وَمُزَينَةَ، وَجُهَينَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيتَ إِن كَانَ أَسلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَينَةُ، وَجُهَينَةُ خَيرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ أَخَابُوا وَخَسِرُوا؟ فَقَالَ: نَعَم. فقَالَ: فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّهُم لَأَخيَرُ مِنهُم. وفي رواية: ومد بها صوته. رواه أحمد (٥/ ٤٨)، والبخاري (٣٥١٦)، ومسلم (٢٥٢٢) (١٩٣)، والترمذي (٣٩٥٢). * * * (٧٤) باب ما ذكر في طيئ ودوس [٢٤٢٩] عَن عَدِيِّ بنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيتُ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ فَقَالَ ــ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرضُوهُ﴾ فوحَّد الضمير، لأنه عائد على الله، ورفع رسوله بالابتداء، وخبره مضمر تقديره: والله أحق أن يرضوه، ورسوله كذلك وعلى هذا: فتقدير الحديث: والله مولاهم، ورسوله كذلك. و(قوله: أرأيت إن كان أسلم، ومن ذكر معها خير من بني تميم، ومن ذكر معها، أخابوا وخسروا؟ قال: نعم) هذا يدل على أنه أراد: كفار هذه القبائل لا مسلميها، لأن الخيبة والخسران المطلق لا يكون إلا لأهل الكفر،

стр. 3765

لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَت وَجهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . رواه أحمد (١/ ٤٥)، ومسلم (٢٥٢٣). [٢٤٣٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَدِمَ الطُّفَيلُ وَأَصحَابُهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوسًا قَد كَفَرَت وَأَبَت فَادعُ اللَّهَ عَلَيهَا، فَقِيلَ: هَلَكَت دَوسٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهدِ دَوسًا وَائتِ بِهِم. رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٤٣٩٢)، ومسلم (٢٥٢٤). * * * (٧٥) باب ما ذكر في بني تميم [٢٤٣١] عن أبي هُرَيرَةَ أنه قال: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مِن ثَلَاثٍ. وفي رواية: بعد ثلاث سَمِعتُهُنَّ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَمِعتُه يَقُولُ: هُم أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ، قَالَ: وَجَاءَت صَدَقَاتُهُم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : هَذِهِ ــ ويدل عليه: مدح المسلمين من بني تميم في الحديث الآتي بعد هذا، والله تعالى أعلم. و(قوله ﷺ في بني تميم: هم أشد أمتي على الدجال) تصريح بأن بني تميم لا ينقطع نسلهم إلى يوم القيامة، وبأنهم يتمسكون في ذلك الوقت بالحق، ويقاتلون عليه، وفي الرواية الأخرى: هم أشد الناس قتالًا في الملاحم يعني: الملاحم التي تكون بين يدي الدجال، أو مع الدجال، والله تعالى أعلم.

стр. 3766

صَدَقَاتُ قَومِنَا، قَالَ: وَكَانَت سَبِيَّةٌ مِنهُم عِندَ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَعتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِن وَلَدِ إِسمَاعِيلَ. وفي رواية: هم أشد الناس قتالا في الملاحم، ولم يذكر الدجال. رواه أحمد (٢/ ٣٩٠)، والبخاريُّ (٢٥٤٣)، ومسلم (٢٥٢٥). * * * (٧٦) باب خيار الناس (٢٥٢٦) [٢٤٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ، فَخِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقِهُوا، ــ (٧٦ و ٧٧) ومن باب: خيار الناس (١) (قوله ﷺ : تجدون الناس معادن) أي: كالمعادن، وهو مثل، وقد جاء في حديث آخر: الناس معادن كمعادن الذهب والفضة (٢). ووجه التمثيل: أن المعادن مشتملة على جواهر مختلفة، منها النفيس، والخسيس، وكل من المعادن يخرج ما في أصله، وكذلك الناس كل منهم يظهر عليه ما في أصله، فمن كان ذا شرف وفضل في الجاهلية فأسلم لم يزده الإسلام إلا شرفًا، فإنَّ تفقه في دين الله، فقد وصل إلى غاية الشرف، إذ قد اجتمعت له أسباب الشرف كلها، فيصدق عليه قوله: فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والمعادن: واحدها معدن - بكسر الدال -؛ لأنَّه موضع العدن، أي: الإقامة اللازمة، ومنه: جنات عدن، وسمي المعدن بذلك، لأنَّ الناس يقيمون فيه صيفًا وشتاءً. قاله الجوهري.

стр. 3767

وَتَجِدُونَ مِن خَيرِ النَّاسِ فِي هَذَا الأَمرِ أَكرَهُهُم لَهُ قَبلَ أَن يَقَعَ فِيهِ، وَتَجِدُونَ مِن شِرَارِ النَّاسِ ذَا الوَجهَينِ الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجهٍ. رواه أحمد (٢/ ٥٢٤)، والبخاريُّ (٣٤٩٣)، ومسلم (٢٥٢٦). * * * (٧٧) باب ما ورد في نساء قريش [٢٤٣٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيرُ نِسَاءٍ رَكِبنَ الإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيشٍ. وَفي رواية: نِسَاءُ قُرَيشٍ بغير صالح، أَحنَاهُ ــ و(قوله ﷺ : وتجدون من خير الناس في هذا الأمر أكرههم له) هكذا الرواية: من خير الناس وهي لبيان جنس الخيرية، كأنه قال: تجدون أكره الناس في هذا الأمر من خيارهم، ويصح أن يقال على مذهب الكوفيين: إنها زائدة، فإنَّهم يجيزون زيادة من في الموجب، كما تقدَّم. ويعني بالأمر: الولايات، وإنَّما يكون من يكرهها من خير الناس، إذا كانت كراهته لها لعلة تعظيم حقوقها، وصعوبة العدل فيها، ولخوفه من مطالبة الله تعالى بالقيام بذلك كله، ولذلك قال فيها: نعمت المرضعة، وبئست الفاطمة (١)، وكفى بذلك ما تقدَّم من قوله ﷺ : ما من أمير عشيرة إلا يؤتى يوم القيامة مغلولًا، حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور (٢). وذكر ذي الوجهين مفسَّر في الحديث، وإنَّما كان ذو الوجهين شر الناس، لأنَّ حاله حال المنافقين، إذ هو متملق بالباطل والكذب، يدخل الفساد بين الناس، والشرور، والتقاطع، والعداوة، والبغضاء. و(قوله ﷺ : خير نساء ركبن الإبل: صالح نساء قريش) هذا تفضيل لنساء

стр. 3768

عَلَى يَتِيمٍ - وفِي رواية: على ولد في صغره - وَأَرعَاهُ عَلَى زَوجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ. وفي أخرى: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ أُمَّ هَانِئٍ بِنتَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَد كَبِرتُ وَلِي عِيَالٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَيرُ نِسَاءٍ رَكِبنَ الإبل ... ثُمَّ ذَكَرَ نحوه. رواه أحمد (٢/ ٢٦٩)، ومسلم (٢٥٢٧) (٢٠٠ و ٢٠١). * * * (٧٨) باب في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار . [٢٤٣٤] عَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ آخَى بَينَ أَبِي عُبَيدَةَ بنِ الجَرَّاحِ، وَبَينَ أَبِي طَلحَةَ. رواه مسلم (٢٥٢٨). ــ قريش على نساء العرب خاصة، لأنَّهم أصحاب الإبل غالبًا، وقد جاء في الرواية الأخرى: خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ولم يذكر: (صالح). وهو مراد حيث سكت عنه، ويحمل مطلق إحدى الروايتين على مقيد الأخرى، وهو مما اتفق عليه من أقسام حمل المطلق على المقيد كما حققناه في الأصول. ويعني بالصلاح هنا: صلاح الدين، وصلاح المخالطة للزوج وغيره، كما دل عليه قوله ﷺ : أحناه على يتيم وولد، وأرعاه على زوج، والحنو: الشفقة. والرعي: الحفظ والصيانة. والله أعلم. (٧٨) ومن باب: المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار (قوله: آخى رسول الله ﷺ بين أبي عبيدة بن الجراح، وبين أبي طلحة ﵄ المؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان

стр. 3769

[٢٤٣٥] وعن عَاصِمٌ الأَحوَلُ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسِ بنِ مَالِكٍ: بَلَغَكَ أَنَّ ــ على التناصر والمواساة، والتوارث حتى يصيرًا كالأخوين نسبًا، وقد يسمى ذلك: حلفًا، كما قال أنس ﵁: قد حالف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار في داره بالمدينة، وكان ذلك أمرًا معروفًا في الجاهلية، معمولًا به عندهم، ولم يكونوا يسمُّونه إلا حلفًا، ولما جاء الإسلام عمل النبي ﷺ به، وورث به على ما حكاه أهل السير، وذلك أنهم قالوا: إن رسول الله ﷺ آخى بين أصحابه مرتين: بمكة قبل الهجرة، وبعد الهجرة. قال أبو عمر: والصحيح عند أهل السير والعلم بالآثار والخبر في المؤاخاة التي عقدها رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار حين قدومه إلى المدينة بعد بنائه المسجد على المواساة والحق، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات، حتى نزلت: ﴿وَأُولُو الأَرحَامِ بَعضُهُم أَولَى بِبَعضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فآخى رسول الله ﷺ بين علي بن أبي طالب ونفسه، فقال له: أنت أخي وصاحبي (١)، وفي رواية أنت أخي في الدنيا والآخرة (٢). وكان علي ﵁ يقول: أنا عبد الله، وأخو رسوله، لم يقلها أحدٌ قبلي، ولا يقولها أحدٌ بعدي إلا كذاب مفتر. وآخى بين أبي بكر الصديق وبين خارجة بن زيد، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت أخي حسان بن ثابت، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وبين الزبير وسلمة بن سلامة (٣) بن وِقش، وبين طلحة وكعب بن مالك، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ، وبين سعد ومحمد بن مسلمة، وبين سعيد بن زيد وأبي بن كعب، وبين مصعب بن عمير وأبي

стр. 3770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أيوب، وبين عمار وحذيفة حليف بني عبد الأشهل، وقيل: بين عمار وثابت بن قيس، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر، وبين أبي ذر والمنذر بن عمرو، وبين ابن مسعود وسهل بن حنيف، وبين سلمان الفارسي وأبي الدرداء، وبين بلال وأبي رويحة الخثعمي، وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، وبين عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت، وبين عبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام، وبين الطفيل بن الحارث - أخيه - وسفيان بن بشر، وبين الحصين بن الحارث - أخيهما - وعبد الله بن جبير، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة، وبين عتبة بن غزوان ومعاذ بن ماعص، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى، وبين المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين ويزيد بن الحارث من بني خارجة، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة، وبين عمير بن أبي وقاص وخبيب بن عدي، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر، وبين شماس بن عثمان وحنظلة بن أبي عامر، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد الأنصاري، وبين زيد بن الخطاب ومعن بن عدي، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بني عبد الأشهل، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر، وبين عبد الله بن مخرمة وفروة بن عمرو (١) البياضي، وبين خنيس بن حذيفة والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، وبين أبي سبرة بن أبي رهم وعبادة بن الحسحاس، وبين مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين، وبين أبي مرثد الغنوي وعبادة بن الصامت، وبين عُكاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف الأنصار، وبين عامر بن فهيرة والحارث بن الصمة، وبين مهجع مولى عمر وسراقة بن عمرو النجاري. قال: وقد كان رسول الله ﷺ آخى بين المهاجرين قبل الهجرة [على الحق والمواساة] (٢) فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان

стр. 3771

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا حِلفَ فِي الإِسلَامِ؟ فَقَالَ أَنَسٌ: قَد حَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَ قُرَيشٍ، وَالأَنصَارِ فِي دَارِهِ. وفي رواية: في داره التي بالمدينة. رواه البخاري (٧٣٤٠)، ومسلم (٢٥٢٩) (٢٠٤ و ٢٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٦). ــ وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، [رضي الله عن جملة المهاجرين والأنصار] (١). قلت: وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس: أنه آخى بين أبي عبيدة بن الجراح وبين أبي طلحة، وقال أبو عمر: إنه آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن معاذ. والأولى ما في كتاب مسلم. و(قوله: لا حلف في الإسلام) أي: لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء، فيمنع الرجل حليفه، وإن كان ظالمًا، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن، فيمنع الحقوق، وينتصر به على الظلم، والبغي، والفساد، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم، وأنه يؤخذ منه ما عليه من الحق، ولا يمنعه أحد من ذلك، وحد الحدود، وبين الأحكام، أبطل ما كانت الجاهلية عليه ممن ذلك، وبقي التعاقد والتحالف على نصرة الحق، والقيام به، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجابا عامًا على من قدر عليه من المكلَّفين.

стр. 3772

[٢٤٣٦] وعَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا حِلفَ فِي الإِسلَامِ، وَأَيُّمَا حِلفٍ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ لَم يَزِدهُ الإِسلَامُ إِلَّا شِدَّةً. رواه أحمد (٤/ ٨٣)، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥). * * * ــ ثم إنه ﷺ خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حلفًا على ذلك مرتين - كما تقدَّم - تأكيدًا للقيام بالحق والمواساة، وسمَّى ذلك أخوة مبالغة في التأكيد والتزام الحرمة، ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكن الإسلام، واطمأنت القلوب، فنسخ الله تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام. و(قوله: وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدَّة) يعني من نصرة الحق، والقيام به، والمواساة، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره ابن إسحاق. قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، أو غيرهم، إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته، فسمَّت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول، أي: حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل للكثرة، كفلس وفلوس. وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسول الله ﷺ : لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحبُّ أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به (١) في الإسلام لأجبت (٢). وقال ابن إسحاق: تحامل الوليد بن عتبة على حسين بن علي في مال له لسلطان الوليد، فإنَّه كان أميرًا على المدينة. فقال له حسين: احلف بالله لتنصفني

стр. 3773

(٧٩) باب قول النبي ﷺ : أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي [٢٤٣٧] عن أبي موسى قَالَ: صَلَّينَا المَغرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قُلنَا: لَو جَلَسنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ العِشَاءَ قَالَ: فَجَلَسنَا فَخَرَجَ عَلَينَا فَقَالَ: مَا زِلتُم هَاهُنَا قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّينَا مَعَكَ المَغرِبَ، ثُمَّ قُلنَا: نَجلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ العِشَاءَ قَالَ: أَحسَنتُم - أَو أَصَبتُم - قَالَ: فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَى السَّمَاءِ - وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرفَعُ رَأسَهُ ــ من حقي، أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لأدعون بحلف الفضول، قال عبد الله بن الزبير: وأنا أحلف بالله لئن دعانا لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه حتى ينتصف من حقه، أو نموت جميعًا، وبلغت المسور بن مخرمة، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه. (٧٩ و ٨٠) ومن باب: قوله ﷺ : أنا أمنة لأصحابي وخير القرون (١) الأمنة: الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنهُ﴾ أي: أمنًا. ويعني بذلك: أن الله تعالى رفع عن أصحابه الفتن، والمحن، والعذاب مدة كونه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم﴾ فلما توفي رسول الله ﷺ جاءت الفتن، وعظمت المحن،

стр. 3774

إِلَى السَّمَاءِ - فَقَالَ: النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَت النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصحَابِي، فَإِذَا ذَهَبتُ أَتَى أَصحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ. رواه أحمد (٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، ومسلم (٢٥٣١). * * * (٨٠) باب خير القرون قرن الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم [٢٤٣٨] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ خَيرٌ؟ قَالَ: قَرنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ ــ وظهر الكفر والنفاق، وكثر الخلاف والشقاق، فلولا تدارك الله هذا الدين بثاني اثنين لصار أثرًا بعد عين، وهذا الذي وعدوا به. و(قوله: النجوم أمنة للسماء) أي: ما دامت النجوم فيها لم تتغير بالانشقاق، ولا بالانفطار، فإذا انتثرث نجومها، وكورت شمسها، جاءها ذلك، وهو الذي وعدت به. و(قوله: وأصحابي أمنة لأمتي) يعني: أن أصحابه ما داموا موجودين كان الدِّين قائمًا، والحق ظاهرًا، والنصر على الأعداء حاصلًا، ولما ذهب أصحابه غلبت الأهواء، وأديلت الأعداء، ولا يزال أمر الدِّين متناقصًا، وجده ناكصًا إلى أن لا يبقى على ظهر الأرض أحد يقول: الله، الله. وهو الذي وعدت به أمته، والله تعالى أعلم. و(قوله: خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) القرن

стр. 3775

يَجِيءُ قَومٌ تَبدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينَهُ، وَتَبدُرُ يَمِينُهُ شَهَادَتَهُ، قَالَ إِبرَاهِيمُ: كَانُوا يَنهَونَنَا - وَنَحنُ غِلمَانٌ - عَن العَهدِ وَالشَّهَادَاتِ. وفي أخرى: ثُمَّ يَتَخَلَّفُ مِن بَعدِهِم خَلفٌ تَسبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِم يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ. رواه أحمد (١/ ٣٧٨)، والبخاري (٦٤٢٩)، ومسلم (٢٥٣٣) (٢١١ و ٢١٢)، والترمذيُّ (٣٨٥٩)، والنسائي في الكبرى (٦٠٣١)، وابن ماجه (٢٣٦٢). ــ - بسكون الراء - من الناس: أهل زمان واحد. قال الشاعر: إذا ذَهَبَ القَرن الذي أنتَ فِيهِمُ ... وخُلِّفتَ في قَرنٍ فأَنتَ غَرِيبُ وقيل: مقدار زمانه: ثمانون سنة، وقيل: ستون، ويعني: أن هذه القرون الثلاثة: أفضل مِمَّا بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون في أنفسها متفاضلة، فأفضلها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده. هذا ظاهر الحديث. فأما أفضلية الصحابة، وهم القرن الأول على من بعدهم، فلا تخفى، وقد بينا إبطال قول من زعم أنه يكون فيمن بعدهم أفضل منهم، أو مساو لهم في كتاب الطهارة. وأما أفضلية من بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قربهم من القرن الأول، وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونشر العلم، وفتح الأمصار، وإخماد كلمة الكفر. ولا خفاء: أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت الشرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلَّ على صحة هذا قوله في حديث أبي سعيد: يغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقال: نعم، فيفتح لهم. . . (١) الحديث. والفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، وهو مهموز، والعامة تترك همزه.

стр. 3776

[٢٤٣٩] وعن عِمرَانَ بنَ حُصَينٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ خَيرَكُم قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم - قَالَ عِمرَانُ: فَلَا أَدرِي أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعدَ قَرنِهِ مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثا - ثُمَّ يَكُونُ بَعدَهُم قَومٌ يَشهَدُونَ وَلَا يُستَشهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤتَمَنُونَ، وَيَظهَرُ فِيهِم السِّمَنُ. رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤). ــ و(قول عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين، أو ثلاثا) هذا الذي شك فيه عمران قد حققه عبد الله بن مسعود بعد قرنه ثلاثًا، وكذلك في حديث أبي سعيد في البعوث، فإنَّه ذكر أنهم أربعة. و(قوله: تبدر شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) يعني بذلك: أنه يقل ورع الناس بعد القرن الرابع، فيقدمون على الأيمان والشهادات من غير توقف ولا تحقيق، وقال في حديث عمران: يشهدون ولا يستشهدون أي: يسبقون بأداء الشهادة قبل أن يسألوها، وذلك لهوىً لهم فيها، ومن كان كذلك ردَّت شهادته، وقد بينا فيما تقدَّم مواضع يتعين فيها على الشاهد الأداء وإن لم يسأل، وذلك بحسب ما تدعو إليه الضرورة الشرعية، وعليه يحمل قوله ﷺ : خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها (١). ويحتمل أن يراد بقوله: ولا يستشهدون أنهم: يشهدون بالزور فيكون معناه: يشهدون بما لم يستشهدوا به، ولا شاهدوه، والأول أولى، لأنَّه أصل الكلمة. و(قوله: ويظهر فيهم السِّمن) أي: يغلب عليهم النَّهم والشهوات، ويُكثرون الأكل، فيظهر عليهم السمن، وقد يأكلون ليسمنوا، فإنَّه محبوبٌ لهم،

стр. 3777

وفي أخرى: [عن أبي هريرة]: يحبون السمانة. رواه مسلم (٢٥٣٤). [٢٤٤٠] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى مَن صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم: ثُمَّ يَغزُو فِئَامٌ مِن النَّاسِ فَيُقَالُ لَهُم: فِيكُم مَن رَأَى مَن صَحِبَ مَن صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم فَيُفتَحُ لَهُم. ــ ومن كان هذا حاله خرج عن الأكل الشرعي، ودخل في الأكل الشَّرِّي الذي قال فيه النبي ﷺ : ما ملأ آدمي وعاءً شرًّا من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإنَّ كان ولا بد، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه (١). و(قول إبراهيم النَّخعي: كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات) يعني: من أدرك، وقد أدرك التابعين، فكانوا يزجرون الصبيان عن اعتياد إلزام أنفسهم العهود والمواثيق، لما يلزم الملتزم من الوفاء، فيحرج أو يأثم بالترك، وكذلك عن تحمل الشهادات لما يلزم عليه من مشقة الأداء، وصعوبة التخلص من آفاتها في الدنيا والآخرة، وكل ذلك من السلف ﵃ تعليم للصغار، وتدريب لهم على ما يجتنبونه في حال كبرهم. و(قوله: ويخونون ولا يؤتمنون) يعني: أنهم تشتهر خيانتهم، فلا يأتمنهم أحد، وهذا نحو مِمَّا تقدَّم في حديث حذيفة في الأمانة. و(قوله: تغزو فئام من الناس. . . إلى آخره) دليل واضح على صحة نبوَّة

стр. 3778

وفي أخرى: يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبعَثُ مِنهُم البَعثُ فَيَقُولُونَ: انظُرُوا هَل تَجِدُونَ فِيكُم أَحَدًا مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفتَحُ لَهُم. هكذا إلى أن ذكر أربعة بعوث. رواه أحمد (٣/ ٧)، والبخاريُّ (٢٨٩٧)، ومسلم (٢٥٣٢) (٢٠٨ و ٢٠٩). [٢٤٤١] وعن عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ صَلَاةَ العِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَيلَتَكُم هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنهَا لَا يَبقَى مِمَّن هُوَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ. ــ نبينا محمد ﷺ إذ مضمونه: خبر عن غيب وقع على نحو ما أخبر. و(قوله في حديث ابن عمر ﵄: أرأيتكم ليلتكم هذه فإنَّ رأس مائة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين، ذكر الأول منهما متصلًا، ثم أردف عليه سندًا آخر فيه انقطاع، ولا يعتب (١) عليه في ذلك، إذ قد وفى بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد ذلك السند المنقطع. وقد استشكل بعض من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم يفهم معناه، فردَّه بأن قال: حديث منقطع، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه، ثم لو سلم أن حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب صحيحان، فما قوله فيه؟ ! وقد رفع الصحابي - أعني: ابن عمر ذلك الإشكال - بقوله: أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، بل: قد جاء من حديث جابر بلفظ لا إشكال فيه، فقال: ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة، وهي حية يومئذ وهذا صريح في تحقيق ما قاله ابن عمر، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السقاية - حيث فسَّره: بنقص العمر، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث: أنه ﷺ أخبر قبل موته

стр. 3779

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بشهر: أن كل من كان من بني آدم موجودًا في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مائة سنة، وإنَّما قلنا: إنه أراد بني آدم، لأنَّه قال: من نفس منفوسة، ولا يتناول هذا الملائكة، ولا الجن، إذا لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل، إذ قال فيه: ممن هو على ظهر الأرض أحد. وهذا إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين: أن المراد بنو آدم، وقد استدل بعض الحفاظ المتأخرين على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي بعموم: ما من نفس منفوسة فإنَّه من أنص صيغ العموم على الاستغراق، وهذا لا حجَّة فيه يقينية، لأنَّ العموم - وإن كان مؤكدًا للاستغراق - فليس نصًّا فيه، بل: هو قابل للتخصيص، لا سيما والخضر وإن كان حيًّا - كما يقال - فليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى ﵇، فلأنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حي بنص القرآن، ومعناه. وكما لم يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة على ما يأتي، فإنَّ قيل: إنما لم يتناول هذا العموم عيسى، لأنَّ الله قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نص عليه في حديث ابن عمر. فالجواب: يمنع عموم الأرض المذكورة فيه، فإنه اسم مفرد دخل عليه الألف واللام، وهي محتملة للعهد والجنس، وهي هاهنا للعهد، لأنَّ الأرض التي يخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرض العرب، وما جرت عادتهم بالتصرف إليها وفيها غالبًا، دون أرض يأجوج ومأجوج، وأقاصي جزائر الهند والسند، مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن حديث الدجال. وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم. وسيأتي القول على قوله ﷺ : إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة (١) في آخر كتاب الفتن.

стр. 3780

قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَهَلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلكَ، فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ مِن هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَن مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَبقَى مِمَّن هُوَ اليَومَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ أَحَدٌ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَن يَنخَرِمَ ذَلِكَ القَرنُ. رواه أحمد (٣/ ٣١٤)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) (٢٢٠) و (٢٥٣٨)، والترمذي (٢٢٥٠). [٢٤٤٢] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعتُ رسول الله ﷺ يَقُولُ قَبلَ أَن يَمُوتَ بِشَهرٍ: تَسأَلُونِي عَن السَّاعَةِ، وَإِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللَّهِ، وَأُقسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الأَرضِ مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ يَأتِي عَلَيهَا مِائَةُ سَنَةٍ. وفي أخرى: قال سالم: تذاكرنا: إنما هي مخلوقة يومئذ. وفي أخرى: مَا مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ اليَومَ يَأتِي عَلَيهَا مِائَةُ سَنَةٍ، وَهِيَ حَيَّةٌ يَومَئِذٍ. وَفسرها عَبدِ الرَّحمَنِ صَاحِبِ السِّقَايَةِ، قَالَ: نَقصُ العُمُرِ. رواه أحمد (٣/ ٣١٤)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) و (٢٥٣٨) (٢٢٠)، والترمذيُّ (٢٢٥٠). [٢٤٤٣] وعن أبي سعيد نحو الحديث. رواه مسلم (٢٥٣٩). * * * ــ و(قول ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ ) الرواية الصحيحة: وهل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد: يريد: غلط، يقال: وهل إلى الشيء يهل، ووهم إلى الشيء يهم، وهلا ووهمًا. قال أبو زيد: وهل في الشيء، وعن الشيء يوهل وهلًا: إذا غلط فيه وسها، ووهلت إليه بالفتح - وهلًا: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره.

стр. 3781

(٨١) باب وجوب احترام أصحاب النبي ﷺ والنهي عن سبهم [٢٤٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم، وَلَا نَصِيفَهُ. رواه مسلم (٢٥٤٠) (٢٢١)، وابن ماجه (١٦١). ــ قلت: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث: كسر الهاء، لأنَّه هو الذي يتعدى بـ (في)، ويشهد له المعنى، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ (إلى)، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن وهل في الشيء فيه لغتان: الفتح والكسر. والله أعلم. (٨١) ومن باب: وجوب احترام أصحاب رسول الله ﷺ من المعلوم الذي لا يشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه ﷺ ، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم، والأعمال، والفضائل، والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها (١) زمان إنما كان بسببهم. ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ ... إلى قوله:

стр. 3782

[٢٤٤٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَينَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَبَينَ عَبدِ ــ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ وقوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ إلى غير ذلك، وكقوله ﷺ : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمنة للثناء عليهم ﵃ أجمعين. وعلى هذا فمن تعرض لسبهم، وجحد عظيم حقهم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الله! الله! في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه (٢). فقال: هذا حديث غريب. وهذا الحديث، وإن كان غريب السند فهو صحيح المتن، لأنَّه معضود بما قدمناه من الكتاب وصحيح السنة وبالمعلوم من دين الأمة، إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم. وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضللهم. وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حُكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مِمَّا يختلف فيه، فأمَّا من سبهم بغير ذلك، فإنَّ كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدَّه، ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس، والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة ﵂، فإنَّ قاذفها يقتل، لأنَّه مكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره. واختلف في غيرها من أزواج النبي ﷺ فقيل: يقتل قاذفها، لأنَّ ذلك أذى للنبي ﷺ ،

стр. 3783

الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ شَيءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِن أَصحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُم لَو أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ. رواه أحمد (٣/ ١١)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١). * * * ــ وقيل: يُحد ويُنكل، كما ذكرناه على قولين. وأما من سبَّهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع، ويُنكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويخلد سجنه إلى أن يموت. وقد روي عن مالك: من سبَّ عائشة قتل مطلقًا، ويمكن حمله على السَّب بالقذف، والله تعالى أعلم. و(قوله ﷺ : لا تسبُّوا أصحابي. . . إلخ. رواه أبو هريرة مجردًا عن سببه، وقد رواه أبو سعيد الخدري، وذكر أن سبب ذلك القول هو أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، أي: منازعة، فسبَّه خالد، فقال رسول الله ﷺ ذلك القول، فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممن سبق بالإسلام، وإظهار خصوصية السابق بالنبي ﷺ ، وأن السابقين لا يلحقهم أحد في درجتهم، وإن كان أكثر نفقة وعملا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ﴾ ويدل على صحة هذا المقصود: أن خالدًا وإن كان من الصحابة ﵃، لكنَّه متأخر الإسلام. قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان. لكنه ﷺ لما عدل عن غير خالد وعبد الرحمن إلى التعميم دلَّ ذلك على أنه قصد [مع ذلك] (١) تقعيد قاعدة تغليظ تحريم سب الصحابة مطلقًا، فيحرم ذلك من صحابي وغيره، لأنَّه إذا

стр. 3784

(٨٢) باب ما ذكر في فضل أويس القرني ﵁ - [٢٤٤٦] عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَليَستَغفِر لَكُم. رواه أحمد (١/ ٣٨)، ومسلم (٢٥٤٢) (٢٢٤). ــ حرم على صحابي فتحريمه على غيره أولى. وأيضًا: فإنَّ خطابه ﷺ للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة. والنصيف لغة: في النصف، وكذلك الثمين لغة: في الثمن. وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يلحقهم أحد ممن بعدهم في فضلهم كما تقدم (١). (٨٢) ومن باب ما ذكر في أويس القرني ﵁ اختلف في نسبه، فقيل: أويس بن عامر بن جزء بن مالك، وهو الصحيح. وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص المرادي، ثم القرني - بفتح الراء - منسوب إلى قرن، قبيلة معروفة. كان ﵀ من أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله ﷺ أخبر عنه، ووصفه بوصفه، ونعته، وعلامته لما عرفه أحد، وكان موجودًا في حياة رسول الله ﷺ وآمن به، وصدَّقه، ولم يلقه، ولا كاتبه، فلم يعد في الصحابة. وقد أخبر النبي ﷺ أنه من التابعين حيث قال: إنَّه خير التابعين. وقد اختلف في زمن موته، فروي عن عبد الله بن

стр. 3785

[٢٤٤٧] وعَن أُسَيرِ بنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيهِ أَمدَادُ أَهلِ اليَمَنِ، سَأَلَهُم: أَفِيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيسٍ، فَقَالَ: أَنتَ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأتَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأتِي عَلَيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمدَادِ أَهلِ اليَمَنِ مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِن استَطَعتَ أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل. فَاستَغفِر لِي، فَاستَغفَرَ لَهُ، ــ مسلم قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلينا عليه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر. وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني؟ فقلنا: نعم، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان (١). وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي. قال عبد الرحمن: توجد في قتلى أصحاب علي ﵄. وله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج الجوزي في كتبهما. وأويس تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سمِّي الرجل، وقيل: إنه سمِّي بأوس الذي هو مصدر أُست، الرجل أوسًا: إذا أعطيته، فالأوس: العطية. و(قوله ﷺ : إن استعطت أن يستغفر لك فافعل) لا يُفهم منه أنه أفضل من
следующие страницы →