← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

(٨١) باب وجوب احترام أصحاب النبي ﷺ والنهي عن سبهم [٢٤٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم، وَلَا نَصِيفَهُ. رواه مسلم (٢٥٤٠) (٢٢١)، وابن ماجه (١٦١). ــ قلت: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصواب في وهل الذي في هذا الحديث: كسر الهاء، لأنَّه هو الذي يتعدى بـ (في)، ويشهد له المعنى، وأما وهل بالفتح فيتعدى بـ (إلى)، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن وهل في الشيء فيه لغتان: الفتح والكسر. والله أعلم. (٨١) ومن باب: وجوب احترام أصحاب رسول الله ﷺ من المعلوم الذي لا يشك فيه: أن الله تعالى اختار أصحاب نبيه لنبيه ﷺ ، ولإقامة دينه، فجميع ما نحن فيه من العلوم، والأعمال، والفضائل، والأحوال، والمتملكات، والأموال، والعز، والسلطان، والدين، والإيمان، وغير ذلك من النعم التي لا يحصيها لسان، ولا يتسع لتقديرها (١) زمان إنما كان بسببهم. ولما كان ذلك وجب علينا الاعتراف بحقوقهم والشكر لهم على عظيم أياديهم، قيامًا بما أوجبه الله تعالى من شكر المنعم، واجتنابًا لما حرمه من كفران حقه، هذا مع ما تحققناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنِينَ إِذ يُبَايِعُونَكَ تَحتَ الشَّجَرَةِ﴾ ... إلى قوله:

стр. 3782

[٢٤٤٥] وعَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ بَينَ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَبَينَ عَبدِ ــ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ وقوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ إلى غير ذلك، وكقوله ﷺ : إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين (١)، إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمنة للثناء عليهم ﵃ أجمعين. وعلى هذا فمن تعرض لسبهم، وجحد عظيم حقهم، فقد انسلخ من الإيمان، وقابل الشكر بالكفران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الله! الله! في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه (٢). فقال: هذا حديث غريب. وهذا الحديث، وإن كان غريب السند فهو صحيح المتن، لأنَّه معضود بما قدمناه من الكتاب وصحيح السنة وبالمعلوم من دين الأمة، إذ لا خلاف في وجوب احترامهم، وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال: إنَّهم كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل، لأنَّه أنكر معلومًا ضروريًا من الشرع، فقد كذب الله ورسوله فيما أخبرا به عنهم. وكذلك الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، أو ضللهم. وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب؟ أو حُكم الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مِمَّا يختلف فيه، فأمَّا من سبهم بغير ذلك، فإنَّ كان سبًّا يوجب حدًّا كالقذف حُدَّ حدَّه، ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس، والتخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة ﵂، فإنَّ قاذفها يقتل، لأنَّه مكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره. واختلف في غيرها من أزواج النبي ﷺ فقيل: يقتل قاذفها، لأنَّ ذلك أذى للنبي ﷺ ،

стр. 3783

الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ شَيءٌ، فَسَبَّهُ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِن أَصحَابِي فَإِنَّ أَحَدَكُم لَو أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ. رواه أحمد (٣/ ١١)، والبخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)، وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١). * * * ــ وقيل: يُحد ويُنكل، كما ذكرناه على قولين. وأما من سبَّهم بغير القذف، فإنه يجلد الجلد الموجع، ويُنكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويخلد سجنه إلى أن يموت. وقد روي عن مالك: من سبَّ عائشة قتل مطلقًا، ويمكن حمله على السَّب بالقذف، والله تعالى أعلم. و(قوله ﷺ : لا تسبُّوا أصحابي. . . إلخ. رواه أبو هريرة مجردًا عن سببه، وقد رواه أبو سعيد الخدري، وذكر أن سبب ذلك القول هو أنه كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، أي: منازعة، فسبَّه خالد، فقال رسول الله ﷺ ذلك القول، فأظهر ذلك السبب أن مقصود هذا الخبر زجر خالد، ومن كان على مثل حاله ممن سبق بالإسلام، وإظهار خصوصية السابق بالنبي ﷺ ، وأن السابقين لا يلحقهم أحد في درجتهم، وإن كان أكثر نفقة وعملا منهم، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿لا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ﴾ ويدل على صحة هذا المقصود: أن خالدًا وإن كان من الصحابة ﵃، لكنَّه متأخر الإسلام. قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان. لكنه ﷺ لما عدل عن غير خالد وعبد الرحمن إلى التعميم دلَّ ذلك على أنه قصد [مع ذلك] (١) تقعيد قاعدة تغليظ تحريم سب الصحابة مطلقًا، فيحرم ذلك من صحابي وغيره، لأنَّه إذا

стр. 3784

(٨٢) باب ما ذكر في فضل أويس القرني ﵁ - [٢٤٤٦] عَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ خَيرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَليَستَغفِر لَكُم. رواه أحمد (١/ ٣٨)، ومسلم (٢٥٤٢) (٢٢٤). ــ حرم على صحابي فتحريمه على غيره أولى. وأيضًا: فإنَّ خطابه ﷺ للواحد خطاب للجميع، وخطابه للحاضرين خطاب للغائبين إلى يوم القيامة. والنصيف لغة: في النصف، وكذلك الثمين لغة: في الثمن. وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يلحقهم أحد ممن بعدهم في فضلهم كما تقدم (١). (٨٢) ومن باب ما ذكر في أويس القرني ﵁ اختلف في نسبه، فقيل: أويس بن عامر بن جزء بن مالك، وهو الصحيح. وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص المرادي، ثم القرني - بفتح الراء - منسوب إلى قرن، قبيلة معروفة. كان ﵀ من أولياء الله المختفين الذين لا يؤبه لهم، ولولا أن رسول الله ﷺ أخبر عنه، ووصفه بوصفه، ونعته، وعلامته لما عرفه أحد، وكان موجودًا في حياة رسول الله ﷺ وآمن به، وصدَّقه، ولم يلقه، ولا كاتبه، فلم يعد في الصحابة. وقد أخبر النبي ﷺ أنه من التابعين حيث قال: إنَّه خير التابعين. وقد اختلف في زمن موته، فروي عن عبد الله بن

стр. 3785

[٢٤٤٧] وعَن أُسَيرِ بنِ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ إِذَا أَتَى عَلَيهِ أَمدَادُ أَهلِ اليَمَنِ، سَأَلَهُم: أَفِيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيسٍ، فَقَالَ: أَنتَ أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأتَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأتِي عَلَيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمدَادِ أَهلِ اليَمَنِ مِن مُرَادٍ، ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِن استَطَعتَ أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل. فَاستَغفِر لِي، فَاستَغفَرَ لَهُ، ــ مسلم قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب ﵁ ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه فلم يستمسك فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفن وحنوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلينا عليه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا فعلمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر. وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجل من أهل الشام يوم صفين: أفيكم أويس القرني؟ فقلنا: نعم، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: أويس القرني خير التابعين بإحسان (١). وعطف دابته فدخل مع أصحاب علي. قال عبد الرحمن: توجد في قتلى أصحاب علي ﵄. وله أخبار كثيرة، وكرامات ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج الجوزي في كتبهما. وأويس تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سمِّي الرجل، وقيل: إنه سمِّي بأوس الذي هو مصدر أُست، الرجل أوسًا: إذا أعطيته، فالأوس: العطية. و(قوله ﷺ : إن استعطت أن يستغفر لك فافعل) لا يُفهم منه أنه أفضل من

стр. 3786

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكُوفَةَ. قَالَ: أَلَا أَكتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِن العَامِ المُقبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِن أَشرَافِهِم فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَن أُوَيسٍ. قَالَ: تَرَكتُهُ رَثَّ البَيتِ قَلِيلَ المَتَاعِ، قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَأتِي عَلَيكُم أُوَيسُ بنُ عَامِرٍ مَعَ أَمدَادِ أَهلِ اليَمَنِ مِن مُرَادٍ ثُمَّ مِن قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنهُ إِلَّا مَوضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِن استَطَعتَ ــ عمر، ولا أن عمر غير مغفور له، للإجماع على أن عمر ﵁ أفضل منه، ولأنَّه تابعي، والصحابي أفضل من التابعي، على ما بيناه غير مرَّة، وإنَّما مضمون ذلك: الإخبار بأن أويسًا ممن يستجاب دعاؤه. وإرشاد عمر إلى الازدياد من الخير، واغتنام دعوة من ترتجى إجابته، وهذا نحو مما أمرنا النبي ﷺ به من الدعاء له، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبي ﷺ أفضل ولد آدم. ويروى أن رسول الله ﷺ قال لرجل خرج ليعتمر: أشركنا في دعائك يا أُخي (١). و(قوله: في أمداد أهل اليمن) أي: في جماعاتهم، جمع مدد، وذلك أنهم يمد بهم القوم الذين يقدمون عليهم. و(قوله: أحدث عهدًا) أي: أقرب، وعهدًا: منصوب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿هُم أَحسَنُ أَثَاثًا وَرِئيًا﴾ و(قوله: أكون في غبراء الناس) الرواية الجيدة فيه: بفتح الغين المعجمة، وسكون الباء الموحدة، وهمزة ممدودة، ويعني به: فقراء الناس وضعفاءهم. والغبراء: الأرض، ويقال للفقراء: بنو غبراء، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها، كما قال تعالى: ﴿أَو مِسكِينًا ذَا مَترَبَةٍ﴾ أي: ذا حاجة ألصقته بالتراب،

стр. 3787

أَن يَستَغفِرَ لَكَ فَافعَل. فَأَتَى أُوَيسًا. فَقَالَ: استَغفِر لِي، قَالَ: أَنتَ أَحدَثُ عَهدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاستَغفِر لِي، قال: استَغفِر لِي، قَالَ: أَنتَ أَحدَثُ عَهدًا بِسَفَرٍ صَالِحٍ، فَاستَغفِر لِي، قَالَ: . فَاستَغفَرَ لَهُ، فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانطَلَقَ عَلَى وَجهِهِ، قَالَ أُسَيرٌ: وَكَسَوتُهُ بُردَةً، فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنسَانٌ قَالَ: مِن أَينَ لِأُوَيسٍ هَذِهِ البُردَةُ؟ رواه مسلم (٢٥٤٢) (٢٢٥). * * * ــ ومن هذا سموا الفقر: أبا متربة. وقد روي ذلك اللفظ في غبر الناس - بضم الغين وتشديد الباء - جمع غابر، نحو: شاهد وشُهَّد، ويعني به: بقايا الناس ومتأخريهم، وهم ضعفاء الناس، لأنَّ وجوه الناس ورؤساءهم يتقدمون للأمور، وينهضون بها، ويتفاوضون فيها، ويبقى الضعفاء لا يلتفت إليهم، ولا يؤبه بهم، فأراد أويس أن يكون خاملًا بحيث يبقى لا يلتفت إليه، طالبًا السلامة، وظافرًا بالغنيمة. وحديث أويس هذا دليل من أدلة صحَّة صدق رسول الله ﷺ ، فإنَّه أخبر عنه باسمه، ونسبه، وصفته، وعلامته، وأنه يجتمع بعمر ﵁، وذلك كله من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من غير ريب. * * *

стр. 3788

(٨٣) باب ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان [٢٤٤٨] عَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّكُم سَتَفتَحُونَ مِصرَ، وَهِيَ أَرضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحتُمُوهَا فَأَحسِنُوا إِلَى أَهلِهَا فَإِنَّ لَهُم ذِمَّةً وَرَحِمًا - أَو قَالَ: ذِمَّةً وَصِهرًا - ــ (٨٣) ومن باب: ما ذكر في مصر وأهلها وأهل عمان (قوله: إنكم ستفتحون مصر، وهي أرض يسمَّى فيها القيراط) هذا إخبار بأمر غيب، وقع على نحو ما أخبر، فكان دليلًا من أدلة نبوته ﷺ . ومعنى يسمى فيها القيراط: يعني به: أنه يدور على ألسنتهم كثيرًا، وكذلك هو، إذ لا ينفك متعاملات من أهل مصر عن ذكره غالبًا، لأنَّ أجزاء الدنيا الأربعة والعشرين يسمونها: قراريط، وقطع الدراهم يسمونها: قراريط، بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم، فإنَّهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر، فأهل العراق يسمُّون ذلك: طسُّوجًا ورزة، وأهل الشام: قرطيس، ونحو ذلك. و(قوله: فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها، فإنَّ لهم ذمة ورحمًا، أو قال: صهرًا) الذمة: الحرمة. والذمام: الاحترام، وقد يكون ذلك لعهد سابق كعهد أهل الذمَّة، وقد يكون ذلك ابتداء إكرام، وهذا هو المراد بالذمة هنا، والله تعالى أعلم، إذ لم يكن لأهل مصر من النبي ﷺ عهد سابق، وإنما أراد: أن لهم حقًّا لرحمهم، أو صهرهم، ويحتمل أن يكون معناه: أنهم يكون لهم عهد بما يعقد لهم من ذلك حين الفتح (١). وهذا التأويل على بُعده يعضده ما رواه ابن هشام من حديث عمر مولى غفرة: أن رسول الله ﷺ قال: الله! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم

стр. 3789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجعاد، فإنَّ لهم نسبًا وصهرًا (١). قال عمر: فنسبهم: أن أم إسماعيل منهم، وصهرهم: أن رسول الله ﷺ تسرى منهم. قال ابن لهيعة: أم إسماعيل هاجر من أم العرب: قرية كانت أمام الفرما، وأم إبراهيم مارية سرية النبي ﷺ التي أهداها له المقوقس من حَفن من كورة أنصنا. والمدرة: واحدة المدر، والعرب تسمي القرية: المدرة، وأهل المدر: أهل القرى. والسحم: السود، جمع أسحم، وهو الشديد الأدمة، وفوقه: الصحمة - بالصاد -. والجعاد: المتكسرو الشعور، وهذه أوصاف أهل صعيد مصر غالبًا، وقد تقدَّم ذكر هاجر. والفرما: قرية من عمل صعيد مصر، سميت باسم بانيها، وهو الفرما بن قليقس، ويقال: ابن قليس، ومعناه: محب الغرس، وهو أخو الإسكندر [بن قليس اليوناني، ذكره الطبري، وذكر أن الإسكندر] (٢) حين بنى الإسكندرية، قال: أبني مدينة فقيرة إلى الله غنية عن الناس، وقال الفرما: أبني مدينة غنية عن الله فقيرة إلى الناس، فسلَّط الله تعالى عليها الخراب سريعًا، فذهب رسمها وبقيت الإسكندرية. وسميت مصر بمصر بن النبيط ولد كوش بن كنعان، وقال أبو العباس: اشتقاق مصر من المصر، وهو القطع، كأنها قُطعت من الخراب، ومنه: المصر: الحاجز، ومصور الدار: حدودها. وحفن: قرية مارية سُرِّية النبي ﷺ بالصعيد معروفة، وهي التي كلم الحسن بن علي معاوية أن يضع الخراج عن أهلها لوصية رسول الله ﷺ بهم، ففعل معاوية ذلك، ذكره أبو عبيد في الأموال. وأنصنا: مدينة السحرة، وحفن من عملها، والمقوقس: هو ملك مصر بعث له رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة، وجبرًا مولى أبي رُهم بكتاب، فلم يبعد عن الإسلام، وأهدى له مارية، ويقال: وأختها سيرين، وبغلة تسمَّى: الدَّلدل. والدلدل: القنفذ العظيم. والمقوقس: المطوِّل للبناء. يقال في المثل: أنا في القوس، وأنت بالقوقوس فمتى نجتمع؟ !

стр. 3790

فَإِذَا رَأَيتَ رَجُلَينِ يَختَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوضِعِ لَبِنَةٍ فَاخرُج مِنهَا، قَالَ: فَرَأَيتُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ شُرَحبِيلَ بنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَختَصِمَانِ فِي مَوضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجتُ مِنهَا. وفي أخرى: فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما. رواه أحمد (٥/ ١٧٤)، ومسلم (٢٥٤٣) (٢٢٦ و ٢٢٧). [٢٤٤٩] وعن أبي برزة قال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِن أَحيَاءِ العَرَبِ فَسَبُّوهُ، وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو أَنَّ أَهلَ عُمَانَ أَتَيتَ مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ. رواه مسلم (٢٥٤٤). * * * ــ و(قوله: فإذا رأيتم رجلين يختصمان فيها في موضع لبنة فاخرج منها) يعني بذلك: كثرة أهلها، ومشاحتهم في أرضها، واشتغالهم بالزراعة والغرس عن الجهاد، وإظهار الدين، ولذلك أمره بالخروج منها إلى مواضع الجهاد، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّ الناس إذا ازدحموا على الأرض، وتنافسوا في ذلك كثرت خصومتهم وشرورهم، وفشا فيهم البخل والشر، فيتعين الفرار من محل يكون كذلك، إن وجد محلَّا آخر خليًا عن ذلك، وهيهات كان هذا في الصدر الأول، وأما اليوم، فوجود ذلك في غاية البعد، إذ في كل واد بنو سعد. واللبنة: الطوبة، وتجمع لبن. وفيه من الفقه: الأمر بالرفق بأهل أرياف مصر، وصعيدها، والإحسان إليهم، وخصوصًا أهل تينك القريتين، لما ذكر من تينك الخصوصيتين. و(قوله ﷺ : لو أن أهل عمان أتيت ما سبُّوك ولا ضربوك) يروى عُمان بضم العين، وتخفيف الميم - وهو موضع بالشام (١)، ويعني: أن أهل عمان قوم

стр. 3791

(٨٤) باب في ثقيف كذاب ومبير [٢٤٥٠] عَن أَبِي نَوفَلٍ قال: رَأَيتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ عَلَى عَقَبَةِ المَدِينَةِ قَالَ: فَجَعَلَت قُرَيشٌ تَمُرُّ عَلَيهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيهِ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيكَ أَبَا خُبَيبٍ، السَّلَامُ عَلَيكَ ــ فيهم علم وعفاف وتثبُّت، والأشبه: أنهم أهل عمان التي قِبل اليمن، لأنَّهم ألين قلوبًا، وأرق أفئدة، وأما أهل عمان الشام فسلامة لك منهم وسلام، وأهل هذين الاسمين من عمن بالمكان: أقام به، ويقال: أعمن الرجل: إذا صار إلى عمان. (٨٤) ومن باب: في ثقيف كذاب ومبير (قول أبي نوفل: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة) يعني: أنه رآه مصلوبًا على خشبة على عقبة المدينة، صلبه الحجاج - بعد أن قتل في المعركة - منكسًا، وكان من حديثه ما قد تقدَّم بعضه، وذلك أنه لما مات معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، ولم يولِّ أحدًا، بقي الناس لا خليفة لهم، ولا إمام مدة قد تقدَّم ذكرها، فعند ذلك بايع الناس لعبد الله بن الزبير بمكة، واجتمع على طاعته أهل الحجاز، وأهل اليمن، والعراق وخراسان، وحج بالناس ثماني حجج، ثم بايع أهل الشام لمروان بن الحكم، واجتمع عليه أهل الشام، ومصر، والمغرب، وكان ابن الزبير أولى بالأمر من مروان وابنه على ما قاله مالك - وهو الحق - لعلم ابن الزبير، وفضله، وبيته، فجرت بينهم حروب وخطوب عظيمة، إلى أن توفي مروان وولي عبد الملك، واستفحل أمره بالحجاج، فوجه الحجاج إلى مكة في جيش عظيم، فحاصر فيها عبد الله بن الزبير مدة ستة أشهر وسبعة عشر يومًا، ثم دخل عليه، فقتل يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى. وقيل: جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. قال المدائني:

стр. 3792

أَبَا خُبَيبٍ، السَّلَامُ عَلَيكَ أَبَا خُبَيبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَد كُنتُ أَنهَاكَ عَن هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِن كُنتَ مَا عَلِمتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنتَ شَرُّهَا لَأُمَّةٌ خَيرٌ. ــ بويع له بالخلافة سنة [خمس وستين، وكان قبل ذلك لا يدعى باسم الخلافة، وقال غيره: بويع له بالخلافة سنة] (١) أربع وستين، ثم بقي مصلوبًا على خشبة إلى أن رحل عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، فرغب إليه أن ينزل من الخشبة فأشفعه، فأنزل. قال ابن أبي مليكة: كنت الآذن لمن (٢) بشر أسماء بنزول ابنها عبد الله بن الزبير من الخشبة، فدعت بمركن وشبَّ يمان، وأمرتني بغسله، فكنَّا لا نتناول عضوًا إلا جاء معنا، وكنا نغسل العضو، ونضعه في أكفانه حتى فرغنا منه، وكانت أمه أسماء تقول قبل ذلك: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته، فما أتت عليها جمعة حتى ماتت. وفي مدة صلبه مرَّ به ابن عمر فقال: السلام عليك أبا خبيب، كناه بابن له يسمَّى خبيبًا، وكنيته الشهيرة أبو بكر. و(قول ابن عمر: أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا) أي: عن التعرض لهذا، وكأنه كان أشار عليه بالصلح، ونهاه عن قتالهم لما رأى من كثرة عدوه، وشدَّة شوكتهم، ثم إنه شهد بما علم من حاله فقال: أما والله إن كنت ما علمت صوَّاما، قواما، وصولًا للرحم. وكان يصوم الدهر، ويواصل الأيام، ويحيي الليل، وربما قرأ القرآن كله في ركعة الوتر، و (إن) التي مع كنت مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف، تقديره: إنك كنت، وما مع الفعل بتأويل المصدر. و(قوله: أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير) يعني بذلك: أنهم إنما قتلوه

стр. 3793

ثُمَّ نَفَذَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ فَبَلَغَ الحَجَّاجَ مَوقِفُ عَبدِ اللَّهِ وَقَولُهُ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ، فَأُنزِلَ عَن جِذعِهِ، فَأُلقِيَ فِي قُبُورِ اليَهُودِ، ثُمَّ أَرسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ فَأَبَت أَن تَأتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيهَا الرَّسُولَ لَتَأتِيَنِّي أَو لَأَبعَثَنَّ إِلَيكِ مَن يَسحَبُكِ بِقُرُونِكِ، قَالَ: فَأَبَت وَقَالَت: وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبعَثَ إِلَيَّ مَن يَسحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبتَيَّ فَأَخَذَ نَعلَيهِ، ثُمَّ انطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيهَا، قَالَ: كَيفَ رَأَيتِنِي صَنَعتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَت: رَأَيتُكَ أَفسَدتَ عَلَيهِ دُنيَاهُ، وَأَفسَدَ عَلَيكَ آخِرَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: يَا ابنَ ذَاتِ النِّطَاقَينِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَينِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنتُ أَرفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَطَعَامَ أَبِي بَكرٍ مِن الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ المَرأَةِ الَّتِي لَا تَستَغنِي عَنهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ــ وصلبوه، لأنَّه شر الأمة في زعمهم، مع ما كان عليه من الفضل والدين والخير، فإذا لم يكن في تلك الأمة شر منه، فالأمة كلها أمة خير، وهذا الكلام يتضمَّن الإنكار عليهم فيما فعلوه به. و(قوله: فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه، فأنزل عن جذعه) ظاهر هذا: أنه إنما أنزله عن الخشبة لقول عبد الله وموقفه، وقد نقلنا: أن إنزاله كان عن سؤال عروة لعبد الملك في ذلك، فيجوز أن يكون اجتمع إذن (عبد الملك)، وموقف عبد الله، فكان إنزاله عنهما. و(نسحبك): نجرك. و (قرونها): الثوب الذي تنتطق به المرأة، أي: تحتزم. و (يتوذَّف): يمشي متبخترًا، وقيل: مسرعًا. و (المبير): المهلك، وكذلك كان الحجاج، فإنه روي أنه أحصي من قتله الحجاج صبرًا، فوجدوهم ثلاثين ألفًا، وأما من قتل في الحروب فلم يحصوا. وأما الكذاب فهو: المختار بن أبي عبيد الثقفي، فإنَّه ادعى النبوة، وتبعه على ذلك خلق كثير حتى قتله الله تعالى كما تقدم.

стр. 3794

ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الكَذَّابُ فَرَأَينَاهُ، وَأَمَّا المُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَامَ عَنهَا وَلَم يُرَاجِعهَا. رواه مسلم (٢٥٤٥). * * * (٨٥) باب ما ذكر في فارس [٢٤٥١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ نَزَلَت عَلَيهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ، فَلَمَّا قَرَأَ ﴿وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم﴾ قَالَ رَجُلٌ: مَن هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَم يُرَاجِعهُ النَّبِيُّ ﷺ ــ و(قوله: فقام عنها، فلم يراجعها) قد حكي عنه أنه قال: اللهم! مبير لا كذاب. و(إخالك): أظنك، وكسر همزة إخالك لغة فصيحة، والفتح الأصل والقياس. (٨٥) ومن باب: ما ذكر في فارس (قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم﴾ هو مخفوض معطوف على الأمِّيين (١)، ويجوز أن يكون منصوبًا معطوفًا على الضمير في يعلمهم. ولما يلحقوا بهم: أي لم يدخلوا في الإسلام، ولم يوجدوا وسيوجدون.

стр. 3795

حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا - قَالَ: وَفِينَا سَلمَانُ الفَارِسِيُّ - قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلمَانَ ثُمَّ قَالَ: لَو كَانَ الإِيمَانُ عِندَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِن هَؤُلَاءِ. وفي رواية: لَو كَانَ الدِّينُ عِندَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِن فَارِسَ - أَو قَالَ مِن أَبنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ. رواه أحمد (٢/ ٤١٧)، والبخاري (٤٨٩٧)، ومسلم (٢٥٤٦) (٢٣٠ و ٢٣١)، والترمذيُّ (٣٣١٠)، والنَّسائي في الكبرى (٨٢٧٨). (٨٦) باب [٢٤٥٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مِن أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا، نَاسٌ يَكُونُونَ بَعدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُم لَو رَآنِي بِأَهلِهِ وَمَالِهِ. رواه البخاريُّ تعليقًا (٣٥٨٨)، ومسلم (٢٨٣٢). [٢٤٥٣] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً. رواه أحمد (٢/ ٨٨)، والبخاريُّ (٦٤٩٨)، ومسلم (٢٥٤٧)، والترمذيُّ (٢٨٧٢). * * * ــ وأحسن ما قيل فيهم أنهم أبناء فارس بدليل نص هذا الحديث. وقد كثرت أقوال المفسرين في ذلك. وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم الدِّين، وكثر فيهم العلماء، فكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدق النبي ﷺ . (٨٦) باب و(قوله: تجدون الناس كإبل مائة، لا تجد فيها راحلة) قال الأزهري: الراحلة: الناقة النجيبة والجمل النجيب، والهاء فيها للمبالغة. كرجل داعية

стр. 3796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ونسابة. وسميت بذلك لأنها ترتحل، فهي فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية أي: مرضية. قال: ومعنى الحديث عندي: أن الكامل في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة قليل. قلت: ويقع لي أن الذي يناسب التمثيل بالرَّاحلة إنما هو الرجل الكريم، الجواد، الذي يتحمَّل كل الناس وأثقالهم بما يتكلَّفه من القيام بحقوقهم، والغرامات عنهم، وكشف كربهم، فهذا هو القليل الوجود، بل: قد يصدق عليه اسم المفقود، وهذا أشبه القولين، والله تعالى أعلم. كمل كتاب المناقب، والحمد لله ربِّ العالمين. * * *

стр. 3797

(٣٤) كتاب البر والصلة (١) باب في بر الوالدين وما للأم من البر [٢٤٥٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَن أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: أَبُوكَ. ــ (٣٤) كتاب البر والصلة (١) ومن باب: بر الوالدين (قوله: من أحق الناس بحسن صحابتي) أحق: أولى وأوكد، والصحابة: الصحبة، يقال: صحبه يصحبه صحبة وصحابة. و(قوله: أمك ثلاث مرات، وفي الرابعة: أبوك) يدلّ على صحَّة قول من قال: إن للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب ربعه، ومعنى ذلك: أن حقهما - وإن كان واجبا - فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه.

стр. 3798

وفي رواية: ثم أدناك أدناك رواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، والبخاريُّ (٥٩٧١)، ومسلم (٢٥٤٨) (١ و ٢)، وابن ماجه (٢٧٠٦). [٢٤٥٥] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمر قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَستَأذِنُهُ فِي الجِهَادِ، فَقَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِد. ــ و(قوله: ثم أدناك أدناك) يعني: أنك إذا قمت ببر الأبوين تعين عليك القيام بصلة رحمك، وتبدأ منهم بالأقرب إليك نسبا فالأقرب، وهذا كله عند تزاحم الحقوق، وأما عند التمكن من القيام بحقوق الجميع، فيتعين القيام بجميع ذلك. و(قوله: أما وأبيك لتنبأنه (١)) قد تقدم الكلام في الأيمان على بالأب عند قوله: أفلح وأبيه إن صدق (٢). ولتنبأن: لتخبرن بذلك، والهاء للسكت، ويحتمل: أن تكون ضمير المصدر الذي دل عليه لتنبأن. و(قوله: جاء رجل يستأذنه في الجهاد. فقال: ألك أبوان؟ قال: نعم) فيه ما يدلّ على أن المفتي إذا خاف على السائل الغلط، أو عدم الفهم تعين عليه الاستفصال، وعلى أن الفروض والمندوبات مهما اجتمعت قدم الأهم منها، وأن القائم على الأبوين يكون له أجر مجاهد وزيادة. و(قوله: ففيهما فجاهد) أي: جاهد نفسك في برهما وطاعتهما، فهو الأولى بك، لأنَّ الجهاد فرض كفاية، وبر الوالدين فرض عين، فلو تعين الجهاد

стр. 3799

رواه أحمد (٢/ ١٨٨)، والبخاريُّ (٣٠٠٤)، ومسلم (٢٥٤٩) (٥)، والترمذيُّ (١٦٧١)، والنسائي (٦/ ١٠). [٢٤٥٦] وعنه قال: أَقبَلَ رَجُلٌ إِلَى النَبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجرَةِ وَالجِهَادِ، أَبتَغِي الأَجرَ مِن اللَّهِ. قَالَ: فَهَل مِن وَالِدَيكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَم كِلَاهُمَا. قَالَ: فَتَبتَغِي الأَجرَ مِن اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: فَارجِع إِلَى وَالِدَيكَ فَأَحسِن صُحبَتَهُمَا. رواه أحمد (٥/ ٣٦٨)، ومسلم (٢٥٤٩) (٦). * * * ــ وكان والداه في كفاية، ولم يمنعاه، أو أحدهما من ذلك، بدأ بالجهاد. فلو لم يكونا في كفاية تعين عليه القيام بهما، فبدأ به، فلو كانا في كفاية ومنعاه لم يلتفت إلى منعهما، لأنَّهما عاصيان بذلك المنع، وإنما الطاعة في المعروف، كما لو منعاه من صلاة الفرض. فأمَّا الحج فله أن يؤخره السنة والسنتين ابتغاء رضاهما، قاله مالك. هذا وإن قلنا: إنه واجب على الفور مراعاة لقول من يقول: إنه على التراخي. وقد تقدَّم القول على ذلك في الحج. و(قول الأعرابي: أبايعك على الهجرة) أي: على أن أهجر دار قومي، وأهاجر إليك، فأقيم معك في المدينة، وهذا كان في زمن وجوب الهجرة. و(قوله: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما) قد قدمنا ذكر الخلاف في وجوب الهجرة، هل كان على أهل مكة خاصة، أو كان على كل من أسلم؟ وعلى القولين فقد أسقط عنه الهجرة، لأن حق الوالدين أولى، لأنَّه إن كانت الهجرة عليه واجبة، فقد عارضها ما هو أوجب منها، وهو حق الوالدين، فقدم، وإن لم تكن واجبة عليه، فالواجب أولى على كل حال، لكنه إنما يصح هذا ممن يسلم له في موضعه دينه، فأمَّا لو خاف الفتنة على دينه لوجب عليه الفرار بدينه، وترك آبائه

стр. 3800

(٢) باب ما يتقى من دعاء الأم [٢٤٥٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَم يَتَكَلَّم فِي المَهدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابنُ مَريَمَ وَصَاحِبُ جُرَيجٍ، وَكَانَ جُرَيجٌ رَجُلًا عَابِدًا فَاتَّخَذَ صَومَعَةً فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ: ــ وأولاده، كما فعل المهاجرون الذين هم صفوة الله من عباده. وبر الوالدين واجب على الجملة بالكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وكذلك صلة الأرحام، وأما تفصيل ما يكون برا وصلة، وما لا يكون، فذلك يستدعي تفصيلا وتطويلا ليس هذا موضعه. ومن باب: ما يتقى من دعاء الأم (قوله: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) المهد: أصله مصدر مهدت الشيء أمهده: إذا سويته وعدلته. فمهد الصبي: كل محل يسوى له ويوطأ، وقد يكون سريره، وقد يكون حجر أمه، كما قال قتادة: في قوله تعالى: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المَهدِ صَبِيًّا﴾ أي: في حجر أمه. وظاهر هذا الحصر يقتضي أن لا يوجد صغير تكلم في المهد إلا هؤلاء الثلاثة، وهم: عيسى، وصبي جريج، والصبي المتعوذ من الجبار. وقد جاء من حديث صهيب (١) المذكور في تفسير سورة البروج في قصة الأخدود: أن امرأة جيء بها لتلقى في النار على إيمانها ومعها صبي لها في - غير كتاب مسلم: يرضع (٢) - فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها

стр. 3801

يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانصَرَفَت، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَتهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَانصَرَفَت، فَلَمَّا كَانَ مِن الغَدِ أَتَتهُ فَقَالَت: يَا جُرَيجُ فَقَالَ: أَي رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَأَقبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَت: اللَّهُمَّ لَا تُمِتهُ حَتَّى يَنظُرَ إِلَى وُجُوهِ المُومِسَاتِ، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسرَائِيلَ جُرَيجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَت امرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسنِهَا فَقَالَت: إِن شِئتُم لَأَفتِنَنَّهُ لَكُم. قَالَ: فَتَعَرَّضَت لَهُ فَلَم يَلتَفِت إِلَيهَا، فَأَتَت رَاعِيًا كَانَ يَأوِي إِلَى صَومَعَتِهِ فَأَمكَنَتهُ مِن نَفسِهَا ــ الغلام: يا أمه! اصبري، فإنك على الحق. وقال ابن عباس ﵄: إن شاهد يوسف كان صبيا في المهد، وقال الضحاك: تكلم في المهد ستة: شاهد يوسف، وصبي ماشطة امرأة فرعون وعيسى، ويحيى، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود. قلت: فأسقط الضحاك صبي الجبار، وذكر مكانه يحيى، وعلى هذا فيكون المتكلمون في المهد سبعة، فبطل الحصر بالثلاثة المذكورين في الحديث. قلت: ويجاب عن ذلك: بأن الثلاثة المذكورين في الحديث هم الذين صح أنهم تكلموا في المهد، ولم يختلف فيهم فيما علمت، واختلف فيمن عداهم، فقيل: إنهم كانوا كبارا بحيث يتكلمون ويعقلون، وليس فيهم أصح من حديث صاحب الأخدود، ولم تسلم صحة الجميع، فيرتفع الإشكال بأن النبي ﷺ أخبر بما كان في علمه مما أوحي عليه في تلك الحال، ثم بعد هذا أعلمه الله تعالى بأشياء من ذلك، فأخبرنا بذلك على ما في علمه. و(قوله: يا رب أمي وصلاتي) قول يدلّ على: أن جريجا ﵁ كان عابدا، ولم يكن عالما؟ إذ بأدنى فكرة يدرك أن صلاته كانت ندبا، وإجابة أمه كانت عليه واجبة، فلا تعارض يوجب إشكالا، فكان يجب عليه تخفيف

стр. 3802

فَوَقَعَ عَلَيهَا فَحَمَلَت، فَلَمَّا وَلَدَت قَالَت: هُوَ مِن جُرَيجٍ، فَأَتَوهُ فَاستَنزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَومَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قَالُوا: ــ صلاته، أو قطعها، وإجابة أمه، لا سيما وقد تكرر مجيئها إليه، وتشوقها واحتياجها لمكالمته. وهذا كله يدلّ على تعين إجابته إياها، ألا ترى أنه أغضبها بإعراضه عنها، وإقباله على صلاته؟ ويبعد اختلاف الشرائع في وجوب بر الوالدين. وعند ذلك دعت عليه، فأجاب الله دعاءها تأديبا له، وإظهارا لكرامتها، والظاهر من هذا الدعاء أن هذه المرأة كانت فاضلة عالمة، ألا ترى كيف تحرزت في دعائها فقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه المومسات، فقالت: حتى ينظر، ولم تقل غير ذلك، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن. وهي أيضًا: لو كظمت غيظها وصبرت لكان ذلك الأولى بها، لكن لما علم الله تعالى صدق حالهما لطف بهما، وأظهر مكانتهما عنده بما أظهر من كرامتهما. وفائدته: تأكد سعي الولد في إرضاء الأم، واجتناب ما يغير قلبها، واغتنام صالح دعوتها، ولذلك قال ﷺ : الجنة تحت أقدام الأمهات (١) أي: من انتهى من التواضع لأمه بحيث لا يشق عليه أن يضع قدمها على خده استوجب بذلك الجنة، والأولى في هذا الحديث أن يقال: أنه خرج مخرج المثل الذي يقصد به الإغياء في المبرة والإكرام، وهو نحو من قوله ﷺ : الجنة تحت ظلال السيوف (٢). والمومسات: جمع مومسة، وهي الزانية.

стр. 3803

زَنَيتَ بِهَذِهِ البَغِيِّ فَوَلَدَت مِنكَ، فَقَالَ: أَينَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤوا بِهِ فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطنِهِ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ مَن أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقبَلُوا عَلَى جُرَيجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبنِي لَكَ صَومَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ، قَالَ: لَا أَعِيدُوهَا مِن طِينٍ، كَمَا كَانَت، فَفَعَلُوا. وَبَينَا صَبِيٌّ يَرضَعُ مِن أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ ــ و(قوله: يا غلام من أبوك؟ قال: فلان الراعي) يتمسك به من قال: إن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال، فلا تحل أم المزني بها، ولا بناتها للزاني، ولا تحل المزني بها لآباء الزاني، ولا لأولاده. وهي رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، وفي الموطأ: أن الزنى لا يحرم حلالا. ويستدل به أيضًا: أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور، وقد قال عبد الملك بن الماجشون: أنها تحل، ووجه التمسك على تينك المسألتين: أن النبي ﷺ قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، فقد صدق الله جريجا في تلك النسبة وأخبر بها النبي ﷺ عن جريج في معرض المدح لجريج وإظهار كرامته، [فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله وبإخبار النبي ﷺ عن ذلك فثبتت البنوة] (١) وأحكامها. لا يقال: فيلزم على هذا أن تجري بسببهما أحكام البنوة والأبوة من التوارث، والولايات، وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على: أنه لا توارث بينهما، فلم تصح تلك النسبة، لأنَّا نجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرناه، وقد ظهر ذلك في الأم من الزنى؟ فإنَّ أحكام البنوة والأمومة جارية عليهما، فما انعقد الإجماع عليه من الأحكام: أنه لا يجري بينهما استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل. وفيها مباحث تستوفى في غير هذا الموضع - إن شاء الله تعالى -. و(قوله: نبني صومعتك من ذهب. قال: لا! إلا من طين كما كانت) يدل

стр. 3804

رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجعَل ابنِي مِثلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّديَ وَأَقبَلَ إِلَيهِ فَنَظَرَ إِلَيهِ فَقَال: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، ثُمَّ أَقبَلَ عَلَى ثَديِهِ فَجَعَلَ يَرتَضِعُ، فَكَأَنِّي أَنظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحكِي ارتِضَاعَهُ بِإِصبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُم يَضرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيتِ سَرَقتِ وَهِيَ تَقُولُ: حَسبِيَ اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ، فَقَالَت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَل ابنِي مِثلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ إِلَيهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ. فَقَالَت: حَلقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيئَةِ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجعَل ابنِي مِثلَهُ فَقُلتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُم يَضرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيتِ سَرَقتِ فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَل ابنِي مِثلَهَا فَقُلتَ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا، قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا فَقُلتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنِي مِثلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيتِ وَلَم تَزنِ، سَرَقتِ وَلَم تَسرِق فَقُلتُ: اللَّهُمَّ اجعَلنِي مِثلَهَا. ــ على أن: من تعدى على جدار أو دار وجب عليه أن يعيده على حالته، إذا انضبطت صفته، وتمكنت مماثلته، ولا تلزم قيمة ما تعدى عليه، وقد بوب البخاري على حديث جريج هذا: من هدم حائطا بنى مثله، وهو تصريح بما ذكرناه، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ فإن تعذرت المماثلة فالمرجع إلى القيمة، وهو مذهب الكوفيين والشافعي، وأبي ثور في الحائط، وفي العتبية عن مالك مثله، ومذهب أهل الظاهر في كل متلف هذا. ومشهور مذهب مالك وأصحابه، وجماعة من العلماء: أن فيه وفي سائر المتلفات المضمونات القيمة؟ إلا ما يرجع إلى الكيل والوزن؟ بناء منهم على أنه: لا تتحقق المماثلة إلا فيهما. والدابة الفارهة: الحسنة النجيبة، والشارة: الهيئة المزينة التي يشار إليها من

стр. 3805

وفي رواية: فَوَصَفَ أبو هُرَيرَةَ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُمّ جريج حِينَ دَعَتهُ كَيفَ جَعَلَت كَفَّهَا فَوقَ حَاجِبِهَا، ثُمَّ رَفَعَت رَأسَهَا إِلَيهِ تَدعُوهُ، فَقَالَت: يَا جُرَيجُ أَنَا أُمُّكَ كَلِّمنِي فَصَادَفَتهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي، فَاختَارَ صَلَاتَهُ، فَقَالَت في الثالثة: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيجٌ وَهُوَ ــ حسنها. وحلقى - غير مصروف -، لأنَّ ألفه للتأنيث كسكرى، وهي كلمة جرت في كلامهم مجرى المثل، وأصلها فيمن أصيب حلقها بوجع، وقد تقدَّم: أن عقرى وحلقى: من الكلمات التي جرت على ألسنتهم في معرض الدعاء غير المقصود. وأم هذا الصبي الرضيع نظرت إلى الصورة الظاهرة فاستحسنت صورة الرجل وهيأته، فدعت لابنها بمثل هذا، واستقبحت صورة الأمة وحالتها، فدعت ألا يجعل ابنها في مثل حالتها، فأراد الله تعالى بلطفه تنبيهها بأن أنطق لها ابنها الرضيع بما تجب مراعاته من الأحوال الباطنة، والصفات القلبية. وهذا كما قال النبي ﷺ : إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (١)، وكما قال بعض حكماء الشعراء: ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا إن الجمال معادن ... ومناقب أورثن مجدا وهذا الصبي ظاهره أن الله تعالى خلق فيه عقلا وإدراكا كما يخلقه في الكبار عادة، ففهم كما يفهمون، ويكون خرق العادة في كونه خلق له ذلك قبل أوانه، ويحتمل أن يكون أجرى الله ذلك الكلام على لسانه وهو لا يعقله، كما خلق في الذراع والحصى كلاما له معنى صحيح، مع مشاهدة تلك الأمور باقية على جمادتها، كل ذلك ممكن، والقدرة صالحة، والله تعالى أعلم بالواقع منهما.

стр. 3806

ابنِي وَإِنِّي كَلَّمتُهُ، فَأَبَى أَن يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتهُ حَتَّى تُرِيَهُ وجه المُومِسَاتِ، قَالَ: وَلَو دَعَت عَلَيهِ أَن يُفتَتنَ لَفُتِنَ، وذكر نحو قصة جريج لا غير. رواه أحمد (٢/ ٣٠٧)، والبخاريُّ (٢٤٨٢)، ومسلم (٢٥٥٠) (٧ و ٨). * * * ــ فأمَّا عيسى ﵇ فخلق الله له في مهده ما خلق للعقلاء والأنبياء، في حال كمالهم من العقل الكامل، والفهم الثاقب، كما شهد له بذلك القرآن. وفي هذا الحديث ما يدلّ على صحة وقوع كرامات الأولياء، وهذا قول جمهور - أهل السنة والعلماء، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها، والظن بهم: أنهم ما أنكروا أصلها، لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة مما يدل على وقوعها، وإنَّما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفا بشروطها، ولا هو أهل لها، وادعاء كثرة وقوع ذلك دائما متكررا حتى يلزم عليه أن يرجع خرق العادة عادة، وذلك إبطال لسنة الله، وحسم السبل الموصلة إلى معرفة نبوة أنبياء الله تعالى. * * *

стр. 3807

(٣) باب المبالغة في بر الوالدين عند الكبر وبر أهل ودهما [٢٤٥٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : رَغِمَ أَنفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنفُه ثُمَّ رَغِمَ أَنفُه، قِيلَ: مَن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَن أَدرَكَ والديه ــ (٣) ومن باب: المبالغة في بر الوالدين (قوله: رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه) يقال: بكسر الغين وفتحها، لغتان. رغم: بفتح الراء وكسرها وضمها، ومعناه: لصق بالرغام - بفتح الراء -: وهو التراب، وأرغم الله أنفه، أي: ألصقه به، وهذا من النبي ﷺ دعاء مؤكد على من قصر في بر أبويه، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معناه: [صرعه الله لأنفه فأهلكه، وهذا إنما يكون في حق من لم يقم بما يجب عليه من برهما. وثانيهما: أن يكون معناه] (١): أذله الله، لأنَّ من ألصق أنفه -الذي هو أشرف أعضاء الوجه - بالتراب - الذي هو موطئ الأقدام وأخس الأشياء - فقد انتهى من الذل إلى الغاية القصوى، وهذا يصلح أن يدعى به على من فرط في متأكدات المندوبات، ويصلح لمن فرط في الواجبات، وهو الظاهر، وتخصيصه عند الكبر بالذكر - وإن كان برهما واجبا على كل حال - إنما كان ذلك لشدة حاجتهما إليه، ولضعفهما عن القيام بكثير من مصالحهما، وليبادر الولد اغتنام فرصة برهما؟ لئلا تفوته بموتهما، فيندم على ذلك.

стр. 3808

عِندَ الكِبَرِ أَحَدَهُمَا أَو كِلَيهِمَا، ثم لَم يَدخُل الجَنَّةَ. رواه مسلم (٢٥٥١) (١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٩). ــ و(قوله: أحدهما أو كليهما) كذا الروايات الصحيحة بنصب أحدهما وكليهما، لأنَّه بدل من والديه المنصوب بأدرك، وقد وقع في بعض النسخ: أحدهما أو كلاهما مرفوعين على الابتداء، ويتكلف لهما إضمار الخبر، والأول أولى (١). و(قوله: ثم لم يدخل الجنة) معناه: دخل النار لانحصار منزلتي الناس في الآخرة بين جنة ونار، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ فمن قيل فيه: لم يدخل النار منهم، إنه في الجنة، وبالعكس، وأو المذكورة هنا للتقسيم، ومعناه: أن المبالغة في بر أحد الأبوين - عند عدم الآخر - يدخل الولد الجنة، كالمبالغة في برهما معا، ويعني بهذه المبالغة: المبرة التي تتعين لهما في حياتهما، وقد يتعين لهما أنواع من البر بعد موتهما، كما قد فعل عبد الله بن عمر مع الأعرابي الذي وصله بالعمامة والحمار، ثم ذكر ما سمعه من النبي ﷺ في ذلك، وكما روى أبو داود عن أبي أسيد قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم! الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما (٢). ولا خلاف في أن عقوق الوالدين محرم، وكبيرة من الكبائر، وقد دل على ذلك الكتاب في غير موضع وصحيح السنة، كما روى النسائي والبزار من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه،

стр. 3809

[٢٤٥٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ دِينَارٍ، عَن عبد الله بنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأسَهُ، فَبَينَا هُوَ يَومًا عَلَى ذَلِكَ الحِمَارِ إِذ مَرَّ بِهِ أَعرَابِيٌّ فَقَالَ: أَلَستَ ابنَ فُلَانِ ابنِ فُلَانٍ؟ قَالَ: بَلَى فَأَعطَاهُ الحِمَارَ، وَقَالَ: اركَب هَذَا، وَالعِمَامَةَ فاشدُد بِهَا رَأسَكَ، فَقَالَ لَهُ بَعضُ أَصحَابِهِ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَعطَيتَ هَذَا الأَعرَابِيَّ حِمَارًا كُنتَ تَرَوَّحُ عَلَيهِ، وَعِمَامَةً كُنتَ تَشُدُّ بِهَا رَأسَكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ مِن أَبَرِّ البِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعدَ أَن يُوَلِّيَ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ. رواه مسلم (٢٥٥٢) (١٣). * * * ــ والديوث والمرأة المرجلة تشبع بالرجال، وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمنان عطاءه ومدمن الخمر (١). وعقوق الوالدين: مخالفتهما في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن برهما موافقتهما على أغراضهما الجائزة لهما، وعلى هذا إذا أمرا أو أحدهما ولدهما بأمر وجبت طاعتهما فيه إذا لم يكن ذلك الأمر معصية، وإن كان ذلك المأمور به من قبيل المباحات في أصله، وكذلك إذا كان من قبيل المندوبات، [وقد ذهب بعض الناس إلى أن أمرهما بالمباح يصيره في حق الولد مندوبا إليه، وأمرهما بالمندوب] (٢) يزيده تأكيدا في ندبيته، والصحيح الأول؛ لأن الله تعالى قد قرن طاعتهما، والإحسان إليهما بعبادته وتوحيده فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعبُدُوا إِلا

стр. 3810

(٤) باب في البر والإثم [٢٤٦٠] عَن النَوَّاسِ بنِ سِمعَانَ الأنصاري قَالَ: أَقَمتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ سَنَةً مَا يَمنَعُنِي مِن الهِجرَةِ إِلَّا المَسأَلَةُ كَانَ أَحَدُنَا ــ إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا﴾ وقال: ﴿وَوَصَّينَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسنًا﴾ في غير ما موضع، وكذلك جاءت في السنة أحاديث كثيرة تقتضي لزوم طاعتهما فيما أمرا به، فمنها ما رواه الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: كان تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأبيت، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: يا عبد الله بن عمر! طلق امرأتك (١). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فإنَّ قيل: فكيف يرتفع حكم الله الأصلي بحكم غيره الطارئ؟ فالجواب: أنه لم يرتفع حكم الله بحكم غيره بل بحكمه، وذلك أنه لما أوجب علينا طاعتهما، والإحسان إليهما، وكان من ذلك امتثال أمرهما؟ وجب ذلك الامتثال لأنَّه لا يحصل ما أمرنا الله به إلا بذلك الامتثال، ولأنهما إن خولفا في أمرهما حصل العقوق الذي حرمه الله تعالى، فوجب أمرهما على كل حال بإيجاب الله تعالى. (٤) ومن باب: البر والإثم ذكر مسلم في هذا الباب النواس بن سمعان، ونسبه إلى الأنصار، فقال: الأنصاري، والمشهور في نسبه أنه كلابي، إلا أن يكون حليفا للأنصار، وهو: النواس بن سمعان بن خالد بن عمرو بن قرط بن كلاب (٢)، هكذا نسبه الغلابي ويحيى بن معين.

стр. 3811

إِذَا هَاجَرَ لَم يَسأَل رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن شَيءٍ، قَالَ: فَسَأَلتُهُ عَن البِرِّ وَالإِثمِ، ــ قلت: هذا كله حكاية أبي عبد الله المازري، والذي ذكره أبو عمر في نسبه أنه قال: النواس بن سمعان بن خالد بن عبد الله بن أبي بكر بن ربيعة الكلابي. وبين النسبين زيادة في الأجداد، وتغيير في الأسماء، فتأمله. و(قوله: أقمت مع رسول الله ﷺ بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة) يعني: أنه أقام بالمدينة في صورة العازم على الرجوع إلى الوطن الذي جاء منه، لا أنه التزم أحكام الهجرة من الاستيطان بها، والكون فيها ساكنا بها مع رسول الله ﷺ . وهذا يدل على أن الهجرة ما كانت واجبة على كل من أسلم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، وقد بين عذره في كونه لم يلتزم سكنى المدينة، وهو قوله: ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، أي: الأسولة (١) التي كان يسأل رسول الله ﷺ عنها، وإنما كان ذلك لأن المهاجرين والقاطنين بالمدينة كانوا يكلفونه المسائل، لأنَّهم ما كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن شيء، ولذلك قال: كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله ﷺ عن شيء. وقد تمم هذا المعنى أنس بن مالك حيث قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ في القرآن عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقد تقدَّم القول في ذلك. و(قوله: فسألته عن البر والإثم) أي: عما يبر فاعله فيلحق بالأبرار، وهم المطيعون لله تعالى. وعما يأثم فاعله، فيلحق بالآثمين، فأجابه النبي ﷺ بجواب جملي أغناه به عن التفصيل، فقال له: البر حسن الخلق يعني: أن حسن الخلق أعظم خصال البر، كما قال: الحج عرفة (٢) ويعني بحسن الخلق: الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والبذل، والإحسان.

стр. 3812

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : البِرُّ حُسنُ الخُلُقِ، وَالإِثمُ مَا حَاكَ فِي نَفسِكَ، وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ. رواه أحمد (٤/ ١٨٢)، ومسلم (٢٥٥٣) (١٥)، والترمذي (٢٣٨٩). * * * ــ و(قوله: والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) أي: الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب. يقال: حاك الشيء في قلبي: إذا رسخ فيه وثبت، ولا يحيك هذا في قلبي، أي: لا يثبت فيه، ولا يستقر. قال شمر: الكلام الحائك: هو الراسخ في القلب، وإنما أحاله النبي ﷺ على هذا الإدراك القلبي، لما علم من جودة فهمه، وحسن قريحته، وتنوير قلبه، وأنه يدرك ذلك من نفسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: الإثم حزاز القلوب (١) يعني به القلوب المنشرحة للإسلام، المنورة بالعلم الذي قال فيه مالك: العلم نور يقذفه الله تعالى في القلب، وهذا الجواب لا يصلح لغليظ الطبع (٢) قليل الفهم، فإذا سأل عن ذلك من قل فهمه فصلت له الأوامر والنواهي الشرعية. وقد قالت عائشة ﵂: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (٣). * * *

стр. 3813

(٥) باب في وجوب صلة الرحم وثوابها [٢٤٦١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنهُم قَامَت الرَّحِمُ، فَقَالَت: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بك مِن القَطِيعَةِ قَالَ: نَعَم، أَمَا تَرضَينَ أَن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ، وَأَقطَعَ مَن قَطَعَكِ؟ ــ (٥) ومن باب: وجوب صلة الرحم (قوله: إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم) خلق هنا: بمعنى اخترع، وأصله: التقدير، كما تقدَّم. والخلق هنا: بمعنى المخلوق، وأصله مصدر، يقال: خلق يخلق خلقا: إذا قدر، وإذا اخترع. قال زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري أي: تقطع ما قدرت. وقال الله تعالى: ﴿هَذَا خَلقُ اللَّهِ﴾ أي: مخلوقه. ومعنى فرغ منهم: أي كمل خلقهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فرغ من شغله بهم، إذ ليس فعله بمباشرة، ولا بمناولة، ولا خلقه بآلة، ولا محاولة، تعالى عما يتوهمه المتوهمون، وسبحانه إذا أراد شيئا، فإنما يقول له: كن فيكون. و(قوله: قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة) هذا الكلام من المجاز المستعمل، والاتساع المشهور، إذ الرحم عبارة عن قرابات الرجل من جهة طرفي آبائه وإن علوا، وأبنائه وإن نزلوا، وما يتصل بالطرفين من الأعمام والعمات، والأخوال والخالات، والإخوة والأخوات، ومن يتصل بهم من أولادهم برحم جامعة. والقرابة إذا نسبة من النسب، كالأبوة، والأخوة، والعمومة، وما كان كذلك استحال حقيقة القيام والكلام، فيحمل هذا الكلام على التوسع، ويمكن حمله على أحد وجهين:

стр. 3814

قَالَت: بَلَى، قَالَ: فَذَاكِ لَكِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقرَؤوا إِن شِئتُم فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا فِي الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُم اللَّهُ فَأَصَمَّهُم وَأَعمَى أَبصَارَهُم أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَم عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا. رواه البخاريُّ (٥٩٨٧)، ومسلم (٢٥٥٤). ــ أحدهما: أن يكون الله تعالى أقام من يتكلم عن الرحم من الملائكة، فيقول ذلك، وكأنه وكل بهذه العبادة من يناضل عنها، ويكتب ثواب من وصلها، ووزر من قطعها، كما قد وكل الله بسائر الأعمال كراما كاتبين، وبمشاهدة أوقات الصلوات ملائكة متعاقبين. وثانيهما: أن ذلك على وجه التقدير والتمثيل المفهم للإغياء، وشدة الاعتناء، فكأنه قال: لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت هذا الكلام، كما قال تعالى: ﴿لَو أَنزَلنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشيَةِ اللَّهِ﴾ ثم قال: ﴿وَتِلكَ الأَمثَالُ نَضرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾ وعلى التقديرين فمقصود هذا الكلام: الإخبار بتأكد أمر صلة الرحم؟ وأنه تعالى قد نزلها منزلة من قد استجار به فأجاره، وأدخله في ذمته وخفارته، وإذا كان كذلك فجار الله تعالى غير مخذول، وعهده غير منقوض؛ ولذلك قال مخاطبا للرحم: أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ ! وهذا كما قال ﷺ : من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنَّه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه، ثم يكبه على وجهه في النار (١). وقوله ﷺ : اقرؤوا إن شئتم: ﴿فَهَل عَسَيتُم إِن تَوَلَّيتُم أَن تُفسِدُوا فِي الأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرحَامَكُم﴾ عسى: من أفعال المقاربة، ويكون رجاء وتحقيقا، قال الجوهري: عسى من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى:

стр. 3815

[٢٤٦٢] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرشِ تَقُولُ: مَن وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ. رواه أحمد (٦/ ٦٢)، والبخاريُّ (٥٩٨٩)، ومسلم (٢٥٥٥). [٢٤٦٣] وعن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَدخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ. قَالَ سُفيَانُ: يَعنِي: قَاطِعَ الرَحِمٍ. ــ ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ﴾ وإذا اتصل بعسى ضمير فاعل كان فيها لغتان، فتح السين وكسرها، وقرئ بهما، وظاهر الآية: أنه خطاب لجميع الكفار. قال قتادة: معنى الآية: فلعلكم - أو يخاف عليكم - إن أعرضتم عن الإيمان أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسفك الدماء. قلت: وعلى هذا فتكون الرحم المذكورة هنا رحم دين الإسلام والإيمان التي قد سماها الله إخوة بقوله: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ وقال الفراء: نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية. وعلى هذا فتكون رحم القرابة، وعلى هذا فالرحم المحرم قطعها، المأمور بصلتها على وجهين؛ عامة وخاصة. فالعامة: رحم الدين، وتجب مواصلتها بملازمة الإيمان، والمحبة لأهله ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة كتمريض المرضى، وحقوق الموتى: من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم. وأما الرحم الخاصة: فتجب لهم الحقوق العامة، وزيادة عليها كالنفقة على القرابة القريبة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عن تعاهدهم في أوقات ضروراتهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتى إذا تزاحمت الحقوق بدئ بالأقرب فالأقرب كما تقدَّم. و(قوله: لا يدخل الجنة قاطع) قال سفيان يعني: قاطع رحم. هذا التفسير

стр. 3816

رواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاريُّ (٥٩٨٤)، ومسلم (٥٥٦)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩). ــ صحيح لكثرة مجيء لفظ قاطع في الشرع مضافا إلى الرحم، فإذا ورد عريا عن الإضافة حمل على ذلك الغالب. والكلام في كون القاطع لا يدخل الجنة قد تقدَّم في الإيمان؛ وأنه يصح أن يحمل على المستحل لقطع الرحم، فيكون القاطع كافرا، أو يخاف أن يفسد قلبه بسبب تلك المعصية فيختم عليه بالكفر، فلا يدخل الجنة، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها الواصل لرحمه، لأنَّ القاطع يحبس في النار بمعصيته، ثم بعد ذلك يخلص منها بتوحيده، كل ذلك محتمل، والله ورسوله أعلم بعين المقصود. وهذا الحديث يدلّ دلالة واضحة على وجوب صلة الرحم على الجملة، وعلى تحريم قطعها، وأنه كبيرة. ولا خلاف فيه. لكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، فأدناها ترك المهاجرة، وأدنى صلتها بالسلام (١). كما قال ﷺ : صلوا أرحامكم ولو بالسلام (٢) وهذا بحسب القدرة عليها، والحاجة إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعا، ولا من قصر عما ينبغي له، ويقدر عليه يسمى واصلا. قال القاضي: وقد اختلف في الرحم التي تجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هي كل رحم محرم، وعلى هذا فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان، أو غير محرم.

стр. 3817

[٢٤٦٤] عن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن سره أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ وَيُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحِمَهُ. رواه أحمد (٣/ ٢٢٩)، والبخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧) (٢٠)، وأبو داود (١٦٩٣). [٢٤٦٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيَقطَعُونِي، وَأُحسِنُ إِلَيهِم وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحلُمُ عَنهُم وهم يَجهَلُونَ عَلَيَّ، ــ قلت: فيخرج من هذا: أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم، ولا يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم. و(قوله: من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) بسط الرزق: سعته وتكثيره والبركة فيه. والنسء: التأخير، والأثر: الأجل، سمي بذلك، لأنَّه تابع الحياة. ومعنى التأخير هنا في الأجل - وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص -: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابت لا تبديل له، كما قال تعالى: ﴿يَمحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، هو علم الله تعالى الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، حكي معناه عن عمر ﵁ في الآية. و(قوله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي) أحلم - بضم اللام -: أصفح. ويجهلون: يقولون قول الجهال من السب والتقبيح.

стр. 3818

فَقَالَ: لَئِن كُنتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ. رواه أحمد (٢/ ٣٠٠)، ومسلم (٢٥٥٨). [٢٤٦٦] وعن أبي أَيُّوبَ أَنَّ أَعرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَو بِزِمَامِهَا - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! - أَو ــ و(قوله: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) الرواية: بضم تاء تسفهم، وكسر السين، وضم الفاء، أي: تجعلهم يسفونه من السف، وهو شرب كل دواء يؤخذ غير ملتوت، تقول: سففت الدواء وغيره مما يؤخذ غير معجون، وأسففته غيري، أي: جعلته يسفه. والمل: الرماد الحار. يقال: أطعمنا خبز ملة، ومعنى ذلك: أن إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، يتنزل في قلوبهم منزلة النار المحرقة، لما يجدون من ألم الخزي، والفضيحة، والعار الناشئ في قلب من قابل الإحسان بالإساءة. و(قوله: ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك) الظهير: المعين، ومعناه: أن الله تعالى يؤيدك بالصبر على جفائهم، وحسن الخلق معهم، ويعليك عليهم في الدنيا والآخرة مدة دوامك على معاملتك لهم بما ذكرت. و(قوله: إن أعرابيا عرض لرسول الله ﷺ في سفر أخذ بخطام ناقته، أو بزمامها) هذا يدلّ على تواضع النبي ﷺ ، وأنه كان لا يصرف الناس بين يديه، ولا يمنع أحد منه، والخطام، والزمام، والمقود كلها بمعنى واحد! - وإن كانت في أصول اشتقاقها مختلفة- فسمي خطاما من حيث إنه يجعل على الخطم، وهو الأنف، ويسمى: زماما، لأنَّه يزم به، ومقودا، لأنَّه يقاد به، وهذا شك من الراوي في أي اللفظين قال.

стр. 3819

يَا مُحَمَّدُ - أَخبِرنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِن الجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِن النَّارِ! قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَد وُفِّقَ - أَو لَقَد هُدِيَ - قَالَ: كَيفَ قُلتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَعبُدُ اللَّهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَع النَّاقَةَ. وفي رواية: وتصل ذا رحمك فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة. رواه أحمد (٥/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٥٩٨٣)، ومسلم (١٣) في الإيمان (١٢ و ١٤)، والنسائيُّ (١/ ٢٣٤). * * * ــ و(قوله: فكف ثم نظر في أصحابه ثم قال: لقد وفق، أو لقد هدي) يعني: أنه كف الناقة عن سيرها، ونظر إلى أصحابه مستحسنا لهذا السؤال، ومستحضرا لأفهام أصحابه، ومنوها بالسائل، ثم شهد له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسأل عنه، لأنَّ مثل هذا السؤال لا يصدر إلا عن قلب منور بالعلم بالله تعالى، وبما يقرب إليه، عازم على العمل بما يفنى به، فأجابه النبي ﷺ بما يتعين عليه في تلك الحال، فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، أي: توحده في إلهيته، وتخلص له في عبادته. وتقيم الصلاة، أي: تفعلها على أوقاتها وبأحكامها. وتؤتي الزكاة: أي تعطيها من استحقها على شروطها. وتصل رحمك، أي: تفعل في حقهم ما يكون صلة لهم، وتجتنب ما يكون قطعا لهم على ما بيناه. ولم يذكر له النبي ﷺ الصوم ولا الحج ولا الجهاد، لأنَّه لم يكن تعين عليه في تلك الحال شيء سوى ما ذكر له، أو لأن بعض تلك العبادات لم تكن فرضت بعد. والله تعالى أعلم. و(قوله: إن تمسك بما أمرته دخل الجنة) يدلّ على: أن دخول الجنة لا بد فيه من الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم

стр. 3820

(٦) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة ؟ [٢٤٦٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، ــ تَعمَلُونَ﴾ ومع هذا فلولا فضل الله بالهداية للطرق الموصلة إليها والمعونة على الأخذ فيها وبأن جعل أعمالنا التي لا قيمة لها ولا خطر لها، ولا منفعة له فيها سببا لنيل الجنة؟ لما كنا نصل إلى شيء من ذلك، ولا نستحق ذرة مما هنالك. ومن باب: النهي عن التحاسد والتدابر (قوله: لا تباغضوا، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ﷺ : اللهم! هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١) يعني: الحب والبغض. و(قوله: لا تدابروا) أي: لا تفعلوا فعل المتباغضين اللذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر، أي: يوليه دبره فعل المعرض. و(قوله: ولا تقاطعوا) أي: لا تقاطعه فلا تكلمه، ولا تعامله، وهو معنى: لا تهاجروا، وهي رواية ابن ماهان، وهي: من الهجران، وعن الجلودي: ولا تهجروا. وعن أبي بحر: تهجروا بكسر التاء والهاء والجيم. قال القاضي:
следующие страницы →