رواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاريُّ (٥٩٨٤)، ومسلم (٥٥٦)، وأبو داود (١٦٩٦)، والترمذي (١٩٠٩).
ــ
صحيح لكثرة مجيء لفظ قاطع في الشرع مضافا إلى الرحم، فإذا ورد عريا عن الإضافة حمل على ذلك الغالب. والكلام في كون القاطع لا يدخل الجنة قد تقدَّم في الإيمان؛ وأنه يصح أن يحمل على المستحل لقطع الرحم، فيكون القاطع كافرا، أو يخاف أن يفسد قلبه بسبب تلك المعصية فيختم عليه بالكفر، فلا يدخل الجنة، أو لا يدخل الجنة في الوقت الذي يدخلها الواصل لرحمه، لأنَّ القاطع يحبس في النار بمعصيته، ثم بعد ذلك يخلص منها بتوحيده، كل ذلك محتمل، والله ورسوله أعلم بعين المقصود.
وهذا الحديث يدلّ دلالة واضحة على وجوب صلة الرحم على الجملة، وعلى تحريم قطعها، وأنه كبيرة. ولا خلاف فيه. لكن الصلة درجات بعضها أرفع من بعض، فأدناها ترك المهاجرة، وأدنى صلتها بالسلام (١). كما قال ﷺ : صلوا أرحامكم ولو بالسلام (٢) وهذا بحسب القدرة عليها، والحاجة إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلات يسمى قاطعا، ولا من قصر عما ينبغي له، ويقدر عليه يسمى واصلا. قال القاضي: وقد اختلف في الرحم التي تجب صلتها، فقال بعض أهل العلم: هي كل رحم محرم، وعلى هذا فلا تجب في بني الأعمام وبني الأخوال، وقيل: بل هذا في كل رحم ممن ينطلق عليه ذلك من ذوي الأرحام في المواريث محرما كان، أو غير محرم.
стр. 3817
[٢٤٦٤] عن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن سره أَن يُبسَطَ لَهُ فِي رِزقِهِ وَيُنسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَليَصِل رَحِمَهُ.
رواه أحمد (٣/ ٢٢٩)، والبخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧)(٢٠)، وأبو داود (١٦٩٣).
[٢٤٦٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُم وَيَقطَعُونِي، وَأُحسِنُ إِلَيهِم وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحلُمُ عَنهُم وهم يَجهَلُونَ عَلَيَّ،
ــ
قلت: فيخرج من هذا: أن رحم الأم التي لا يتوارث بها لا تجب صلتهم، ولا يحرم قطعهم، وهذا ليس بصحيح، والصواب ما ذكرناه قبل هذا من التعميم والتقسيم.
و(قوله: من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه) بسط الرزق: سعته وتكثيره والبركة فيه. والنسء: التأخير، والأثر: الأجل، سمي بذلك، لأنَّه تابع الحياة. ومعنى التأخير هنا في الأجل - وإن كانت الآجال مقدرة في علم الله لا يزاد فيها ولا ينقص -: أنه يبقى بعده ثناء جميل، وذكر حميد، وأجر متكرر، فكأنه لم يمت، وقيل معناه: يؤخر أجله المكتوب في اللوح المحفوظ، والذي في علم الله ثابت لا تبديل له، كما قال تعالى: ﴿يَمحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي: أصل المكتوب في اللوح المحفوظ، هو علم الله تعالى الذي لا يقبل المحو ولا التغيير، حكي معناه عن عمر ﵁ في الآية.
و(قوله: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي) أحلم - بضم اللام -: أصفح. ويجهلون: يقولون قول الجهال من السب والتقبيح.
стр. 3818
فَقَالَ: لَئِن كُنتَ كَمَا قُلتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُم المَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيهِم مَا دُمتَ عَلَى ذَلِكَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٠٠)، ومسلم (٢٥٥٨).
[٢٤٦٦] وعن أبي أَيُّوبَ أَنَّ أَعرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَو بِزِمَامِهَا - ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! - أَو
ــ
و(قوله: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) الرواية: بضم تاء تسفهم، وكسر السين، وضم الفاء، أي: تجعلهم يسفونه من السف، وهو شرب كل دواء يؤخذ غير ملتوت، تقول: سففت الدواء وغيره مما يؤخذ غير معجون، وأسففته غيري، أي: جعلته يسفه. والمل: الرماد الحار. يقال: أطعمنا خبز ملة، ومعنى ذلك: أن إحسانك إليهم مع إساءتهم لك، يتنزل في قلوبهم منزلة النار المحرقة، لما يجدون من ألم الخزي، والفضيحة، والعار الناشئ في قلب من قابل الإحسان بالإساءة.
و(قوله: ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك) الظهير: المعين، ومعناه: أن الله تعالى يؤيدك بالصبر على جفائهم، وحسن الخلق معهم، ويعليك عليهم في الدنيا والآخرة مدة دوامك على معاملتك لهم بما ذكرت.
و(قوله: إن أعرابيا عرض لرسول الله ﷺ في سفر أخذ بخطام ناقته، أو بزمامها) هذا يدلّ على تواضع النبي ﷺ ، وأنه كان لا يصرف الناس بين يديه، ولا يمنع أحد منه، والخطام، والزمام، والمقود كلها بمعنى واحد! - وإن كانت في أصول اشتقاقها مختلفة- فسمي خطاما من حيث إنه يجعل على الخطم، وهو الأنف، ويسمى: زماما، لأنَّه يزم به، ومقودا، لأنَّه يقاد به، وهذا شك من الراوي في أي اللفظين قال.
стр. 3819
يَا مُحَمَّدُ - أَخبِرنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِن الجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِن النَّارِ! قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: لَقَد وُفِّقَ - أَو لَقَد هُدِيَ - قَالَ: كَيفَ قُلتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : تَعبُدُ اللَّهَ لَا تُشرِكُ بِهِ شَيئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ. دَع النَّاقَةَ.
وفي رواية: وتصل ذا رحمك فلما أدبر، قال رسول الله ﷺ : إن تمسك بما أمر به دخل الجنة.
رواه أحمد (٥/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٥٩٨٣)، ومسلم (١٣) في الإيمان (١٢ و ١٤)، والنسائيُّ (١/ ٢٣٤).
* * *
ــ
و(قوله: فكف ثم نظر في أصحابه ثم قال: لقد وفق، أو لقد هدي) يعني: أنه كف الناقة عن سيرها، ونظر إلى أصحابه مستحسنا لهذا السؤال، ومستحضرا لأفهام أصحابه، ومنوها بالسائل، ثم شهد له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسأل عنه، لأنَّ مثل هذا السؤال لا يصدر إلا عن قلب منور بالعلم بالله تعالى، وبما يقرب إليه، عازم على العمل بما يفنى به، فأجابه النبي ﷺ بما يتعين عليه في تلك الحال، فقال: تعبد الله لا تشرك به شيئًا، أي: توحده في إلهيته، وتخلص له في عبادته. وتقيم الصلاة، أي: تفعلها على أوقاتها وبأحكامها. وتؤتي الزكاة: أي تعطيها من استحقها على شروطها. وتصل رحمك، أي: تفعل في حقهم ما يكون صلة لهم، وتجتنب ما يكون قطعا لهم على ما بيناه. ولم يذكر له النبي ﷺ الصوم ولا الحج ولا الجهاد، لأنَّه لم يكن تعين عليه في تلك الحال شيء سوى ما ذكر له، أو لأن بعض تلك العبادات لم تكن فرضت بعد. والله تعالى أعلم.
و(قوله: إن تمسك بما أمرته دخل الجنة) يدلّ على: أن دخول الجنة لا بد فيه من الأعمال، كما قال تعالى: ﴿وَتِلكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم
стр. 3820
(٦) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة ؟
[٢٤٦٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا،
ــ
تَعمَلُونَ﴾ ومع هذا فلولا فضل الله بالهداية للطرق الموصلة إليها والمعونة على الأخذ فيها وبأن جعل أعمالنا التي لا قيمة لها ولا خطر لها، ولا منفعة له فيها سببا لنيل الجنة؟ لما كنا نصل إلى شيء من ذلك، ولا نستحق ذرة مما هنالك.
ومن باب: النهي عن التحاسد والتدابر
(قوله: لا تباغضوا، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، لأنَّ الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها، ولا يملك التصرف فيها، كما قال ﷺ : اللهم! هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (١) يعني: الحب والبغض.
و(قوله: لا تدابروا) أي: لا تفعلوا فعل المتباغضين اللذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر، أي: يوليه دبره فعل المعرض.
و(قوله: ولا تقاطعوا) أي: لا تقاطعه فلا تكلمه، ولا تعامله، وهو معنى: لا تهاجروا، وهي رواية ابن ماهان، وهي: من الهجران، وعن الجلودي: ولا تهجروا. وعن أبي بحر: تهجروا بكسر التاء والهاء والجيم. قال القاضي:
стр. 3821
وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثٍ.
وفي رواية: ولا تقاطعوا بدل ولا تدابروا وزاد: كما أمركم الله.
ــ
معنى الكلمة: لا تهتجروا، وتكون: تفتعلون: يعني تهاجروا، أو من هجر الكلام: وهو الفحش فيه، أي: لا تتسابوا وتتفاحشوا.
قلت: والرواية الأولى أوضح وأولى.
و(قوله: ولا تحاسدوا) أي: لا يحسد بعضكم بعضا، والحسد في اللغة: أن تتمنى زوال نعمة المحسود وعودها إليك. يقال: حسده يحسده حسودا. قال الأخفش: وبعضهم يقول: يحسد -بالكسر (١) - والمصدر حسدا بالتحريك، وحسادة، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء: بمعنى واحد. فأمَّا الغبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه. تقول منه: غبطته بما نال غبطا وغبطة. وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما، كما قال ﷺ : لا حسد إلا في اثنتين (٢) أي: لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة بهاتين الخصلتين.
و(قوله: وكونوا عباد الله إخوانا) أي: كونوا كإخوان النسب في الشفقة، والرحمة، والمودة، والمواساة، والمعاونة، والنصيحة.
و(قوله: كما أمركم الله) يحتمل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله: كونوا إخوانا، لأنَّ أمره ﷺ هو أمر الله، وهو مبلغ له، ويحتمل: أن يريد بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ فإنَّه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها، ففيها معنى الأمر.
و(قوله: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث) دليل خطابه: أن الهجرة دون الثلاث معفو عنها، وسببه: أن البشر لا بد له غالبًا من سوء خلق
стр. 3822
رواه أحمد (٣/ ١١٠)، والبخاريُّ (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) (٢٣ و ٢٤)، وأبو داود (٤٩١٠)، والترمذيُّ (١٩٣٥).
[٢٤٦٨] وعَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا، وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ.
رواه أحمد (٥/ ٤٢٢)، والبخاريُّ (٦٠٧٧)، ومسلم (٢٥٦٠)، والترمذيُّ (١٩٣٢).
[٢٤٦٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا هِجرَةَ بَعدَ ثَلَاثٍ.
رواه مسلم (٢٥٦٢).
* * *
ــ
وغضب، فسامحه الشرع في هذه المدة، لأنَّ الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه؟ ولأنه لا يمكنه رد الغضب في تلك الحالة غالبًا، وبعد ذلك يضعف فيمكن رده، بل: قد يمحى أثره.
وظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث، وقد أكد هذا المعنى قوله: لا هجرة بعد ثلاث، وكون المتهاجرين لا يغفر لهما حتى يصطلحا.
و(قوله ﷺ : خيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام)، يدلّ على أن مجرد السلام يخرج عن الهجرة وإن لم يكلمه، وهو قول مالك وغيره. وقال أحمد وابن القاسم: إن كان يؤذيه فلا يقطع السلام هجرته. وعندنا: أنه إن اعتزل كلامه لم تقبل شهادته عليه، ومعناه: أن الذي يبادر بقطع الهجرة فيسبق صاحبه بالسلام أحسن خلقا وأعظم أجرا. وما ذكرناه من جواز الهجران في الثلاث هو مذهب
стр. 3823
(٧) باب النهي عن التجسس والتنافس والظن السيئ وما يحرم على المسلم من المسلم
[٢٤٧٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِيَّاكُم وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الحَدِيثِ،
ــ
الجمهور، والمعتبر ثلاث ليال، فإنَّ بدأ بالهجرة في بعض يوم فله أن يلغي ذلك البعض، ويعتبر ليلة ذلك اليوم، فيكون أول الزمان الذي أبيحت فيه الهجرة، ثمَّ بانفصال الليلة الثالثة تحرم على ما قدمناه. وهذا الهجران الذي ذكرناه هو الذي يكون عن غضب لأمر جائز لا تعلق له بالدين، فأما الهجران لأجل المعاصي والبدعة فواجب استصحابه إلى أن يتوب من ذلك ولا يختلف في هذا.
(٧) ومن باب: النهي من التجسس
(قوله: إياكم والظن؛ فإنَّ الظن أكذب الحديث) الظن هنا هو التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو تهمة لا سبب لها يوجبها، كمن يتهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك. ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله بعد هذا: ولا تجسسوا، ولا تحسسوا؛ وذلك أنَّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء فيريد أن يتجسس خبر ذلك، ويبحث عنه، ويتبصر، ويستمع ليحقق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك. وقد جاء في بعض الحديث: إذا ظننت فلا تحقق (١) وقال الله تعالى: ﴿وَظَنَنتُم ظَنَّ السَّوءِ وَكُنتُم قَومًا بُورًا﴾ وذلك: أن المنافقين تطيروا برسول الله ﷺ وبأصحابه حين انصرفوا إلى الحديبية فقالوا: إن محمدا وأصحابه أكلة رأس، ولن يرجعوا إليكم أبدا.
стр. 3824
وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٥)، والبخاريُّ (٦٠٦٦)، ومسلم (٢٥٦٣)(٢٨)، وأبو داود (٤٩١٧).
[٢٤٧١] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ،
ــ
فذلك ظنهم السيئ الذي وبخهم الله تعالى عليه، وهو من نوع ما نهى الشرع عنه، إلا أنَّه أقبح النوع.
فأما الظن الشرعي الذي هو تغليب أحد المجوزين، أو بمعنى اليقين فغير مراد من الحديث، ولا من الآية يقينا، فلا يلتفت لمن استدل بذلك على إنكار الظن الشرعي، كما قررناه في الأصول.
وقد اختلف في التجسس والتحسس؟ هل هما بمعنى واحد، أو بمعنيين؟ والثاني أشهر. فقيل: هو بالجيم: البحث عن بواطن الأمور، وأكثر ما يكون في الشر، ومنه: الجاسوس، وهو صاحب سر الشر. وبالحاء: البحث عما يدرك بالحس؟ بالعين أو بالأذن. وقيل: بالجيم: طلب الشيء لغيرك، وبالحاء: طلبه لنفسك. قاله ثعلب. والأول أعرف.
و(قوله: ولا تنافسوا) أي: لا تتباروا في الحرص على الدنيا وأسبابها. وأما التنافس في الخير فمأمور به، كما قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ أي: في الجنة وثوابها، وكأن المنافسة هي الغبطة. وقد أبعد من فسرها بالحسد، لا سيما في هذا الحديث، فإنه قد قرن بينها وبين الحسد في مساق واحد، فدل على أنهما أمران متغايران.
و(قوله: ولا تناجشوا) قيل فيه: إنه من باب النجش في البيع الذي تقدَّم
стр. 3825
وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخوَانًا، المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يَخذُلُهُ، وَلَا يَحقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلَاثَ مَرَّار -
ــ
ذكره في البيوع. وفيه بعد، لأنَّ صيغة (تفاعل) أصلها لا تكون إلا من اثنين، فـ (تناجش) لا يكون من واحد، و (النجش) يكون من واحد، فافترقا وإن كان أصلهما واحدا، لأنَّ أصل النجش: الاستخراج والإثارة. تقول: نجشت الصيد، أنجشه، نجشا: إذا استثرته من مكانه. وقيل: لا تناجشوا: لا ينافر بعضكم بعضا. أي: لا يعامله من القول بما ينفره، كما ينفر الصيد، بل يسكنه ويؤنسه، كما قال: سكنا، ولا تنفرا (١) وهذا أحسن من الأول، وأولى بمساق الحديث. والله تعالى أعلم.
و(قوله: المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره). (يظلمه): ينقصه حقه، أو يمنعه إياه. و (يخذله): يتركه لمن يظلمه، ولا ينصره. وقد قال ﷺ : انصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال: كيف أنصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم فذلك نصره (٢). و (يحقره): ينظره بعين الاستصغار والقلة. وهذا إنما يصدر في الغالب عمن غلب عليه الكبر والجهل، وذلك: أنه لا يصح له استصغار غيره حتى ينظر إلى نفسه بعين: أنه أكبر منه وأعظم، وذلك جهل بنفسه، وبحال المحتقر، فقد يكون فيه ما يقتضي عكس ما وقع للمتكبر.
و(قوله: التقوى هاهنا -ويشير بيده إلى صدره -) وقد تقدَّم: أن التقوى مصدر (اتقى): تقاة، وتقوى. وأن التاء فيه بدل من الواو، لأنَّه من الوقاية. والمتقي: هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقاية تقيه منه، ولذلك يقال: اتقى الطعنة بدرقته وبترسه. ومنه قوله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة، ولو
стр. 3826
بِحَسبِ امرِئٍ مِن الشَّرِّ أَن يَحقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرضُهُ.
رواه مسلم (٢٥٦٤)(٣٢).
[٢٤٧٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم، وَأَعمَالِكُم.
ــ
بكلمة طيبة (١) أي: اجعلوا هذه الأمور وقاية بينكم وبين النار. وعلى هذا: فالمتقي شرعا هو الذي يخاف الله تعالى، ويجعل بينه وبين عذابه وقاية من طاعته، وحاجزا عن مخالفته. فإذا: أصل التقوى: الخوف، والخوف إنما ينشأ عن المعرفة بجلال الله، وعظمته، وعظيم سلطانه، وعقابه. والخوف والمعرفة محلهما القلب، والقلب محله الصدر، فلذلك أشار ﷺ إلى صدره وقال: التقوى هاهنا والله تعالى أعلم.
والتقوى خصلة عظيمة، وحالة شريفة آخذة بمجامع علوم الشريعة وأعمالها، موصلة إلى خير الدنيا والآخرة. والكلام في التقوى وتفاصيلها، وأحكامها، وبيان ما يترتب عليها يستدعي تطويلا، قد ذكره أرباب القلوب في كتبهم المطولة: كـ الرعاية، والإحياء، وسفينة النجاة، وغيرها.
و(قوله: بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) الباء في (بحسب) زائدة. وهو بإسكان السين، لا بفتحها، وهو خبر ابتداء مقدم، والمبتدأ: (أن يحقر) تقديره: حسب امرئ من الشر احتقاره أخاه. أي: كافيه من الشر ذلك؟ فإنَّه النصيب الأكبر، والحظ الأوفى. ويفيد: أن احتقار المسلم حرام.
و(قوله: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) نظر الله تعالى الذي هو رؤيته للموجودات، واطلاعه عليها لا يخص
стр. 3827
رواه أحمد (٢/ ٥٣٩)، ومسلم (٢٥٦٤)(٣٤).
* * *
ــ
موجودا دون موجود، بل يعم جميع الأشياء؛ إذ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. ثمَّ قد جاء في الشرع نظر الله تعالى بمعنى: رحمته للمنظور إليه، وبمعنى: قبول أعماله، ومجازاته عليها. وهذا هو النظر الذي يخص به بعض الأشياء، وينفى عن بعضها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشتَرُونَ بِعَهدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِم ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُم فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ القِيَامَةِ﴾ وقد تقدَّم ذلك في كتاب الإيمان. فقوله هنا: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم أي: لا يثيبكم عليها، ولا يقربكم منه، ذلك كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَموَالُكُم وَلا أَولادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُم عِندَنَا زُلفَى﴾ ثم قال: ﴿إِلا مَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُم جَزَاءُ الضِّعفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُم فِي الغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾
ويستفاد من هذا الحديث فوائد:
إحداها: صرف الهمة إلى الاعتناء بأحوال القلب وصفاته؛ بتحقيق علومه، وتصحيح مقاصده وعزومه، وتطهيره عن مذموم الصفات، واتصافه بمحمودها؟ فإنَّه لما كان القلب هو محل نظر الله تعالى فحق العالم بقدر اطلاع الله تعالى على قلبه أن يفتش عن صفات قلبه وأحوالها؛ لإمكان أن يكون في قلبه وصف مذموم يمقته الله بسببه.
الثانية: أن الاعتناء بإصلاح القلب وبصفاته مقدم على الأعمال بالجوارح؛ لتخصيص القلب بالذكر مقدما على الأعمال، وإنَّما كان ذلك لأن أعمال القلوب هي المصححة للأعمال؛ إذ لا يصح عمل شرعي إلا من مؤمن عالم بمن كلفه، مخلص له فيما يعمله، ثمَّ لا يكمل ذلك إلا بمراقبة الحق فيه، وهو الذي عبر عنه بالإحسان، حيث قال: أن تعبد الله كأنك تراه (١). وقد تقدَّم قوله ﷺ : إن في
стр. 3828
(٨) باب لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا
[٢٤٧٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الِإثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لَا يُشرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا إِلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا! أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا! أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا.
ــ
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب (١).
الثالثة: أنه لما كانت القلوب هي المصححة للأعمال الظاهرة، وأعمال القلب غيب عنا، فلا يقطع بمغيب أحد؛ لما يرى عليه من صور أعمال الطاعة أو المخالفة، فلعل من يحافظ على الأعمال الظاهرة يعلم الله تعالى من قلبه وصفا مذموما لا تصح معه تلك الأعمال، ولعل من رأينا عليه تفريطا أو معصية يعلم الله من قلبه وصفا محمودا يغفر له بسببه، فالأعمال أمارات ظنية لا أدلة قطعية، ويترتب عليها عدم الغلو في تعظيم من رأينا عليه أفعالا صالحة، وعدم الاحتقار لمسلم رأينا عليه أفعالا سيئة، بل تحتقر وتذم تلك الحالة السيئة، لا تلك الذات المسيئة. فتدبر هذا؛ فإنَّه نظر دقيق.
(٨) ومن باب: لا يغفر للمتشاحنين حتى يصطلحا
المتشاحنان: المتباغضان، من الشحناء، وهي: البغضاء. وقد خص الله تعالى هذين اليومين بفتح أبواب الجنة فيهما، وبمغفرة الله تعالى لعباده،
стр. 3829
وفي رواية: فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ مُؤمِنٍ، إِلَّا عَبدًا بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ فَيُقَالُ: اترُكُوا أَو اركُوا هَذَينِ حَتَّى يَفِيئَا.
رواه مسلم (٢٥٦٥) (٣٥ و ٣٦)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذيُّ (٢٠٢٤).
* * *
ــ
وبأنهما تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، كما جاء في الحديث الآخر (١). وهذه الذنوب التي تغفر في هذين اليومين هي الصغائر. والله تعالى أعلم. كما تقدم ذلك في قوله ﷺ : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر (٢)، ومع ذلك فرحمة الله وسعت كل شيء وفضله يعم كل ميت وحي. ومقصود هذا الحديث التحذير من الإصرار على بغض المسلم ومقاطعته، وتحريم استدامة هجرته ومشاحنته، والأمر بمواصلته، ومكارمته.
و(أنظروا) معناه: أخروا، وكذلك: (اركوا)، قال ابن الأعرابي: يقال: ركاه، يركوه: إذا أخره.
وفتح أبواب الجنة في هذين اليومين محمول على ظاهره، ولا ضرورة تحوج إلى تأويله، ويكون فتحها تأهلا، وانتظارا من الخزنة لروح من يموت في ذينك اليومين ممن غفرت ذنوبه، أو يكون فتحها علامة للملائكة على أن الله تعالى غفر في ذينك اليومين للموحدين، والله تعالى أعلم. وهو حجَّة لأهل السنة على قولهم: إن الجنة والنار قد خلقتا ووجدتا، خلافا للمبتدعة؛ الذين قالوا: إنهما لم تخلقا بعد، وستخلقان. وعرض الأعمال المذكورة إنما هو - والله تعالى أعلم -
стр. 3830
(٩) باب التحاب والتزاور في الله
[٢٤٧٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: أَينَ المُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟
ــ
لتنقل من صحف الكرام الكاتبين إلى محل آخر، ولعله اللوح المحفوظ. كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَستَنسِخُ مَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾ قال الحسن: إن الخزنة تستنسخ الحفظة من صحائف الأعمال. وقد يكون هذا العرض في هذين اليومين للأعمال الصالحة مباهاة بصالح أعمال بني آدم على الملائكة، كما يباهي الله الملائكة بأهل عرفة، وقد يكون هذا العرض (١) لتعلم الملائكة المقبول من الأعمال من المردود، كما جاء الحديث الآخر: إن الملائكة تصعد بصحائف الأعمال، فتعرضها على الله، فيقول الله تعالى: ضعوا هذا واقبلوا هذا، فتقول الملائكة: وعزتك يا ربنا ما رأينا إلا خيرا! فيقول الله تعالى: إن هذا كان لغيري، ولا أقبل من العمل إلا ما ابتغي به وجهي (٢) والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
(٩) ومن باب: ثواب التحابب والتزاور في الله تعالى
(قوله: أين المتحابون بجلالي) هذا نداء تنويه وإكرام، ويجوز أن يخرج هذا الكلام مخرج الأمر لمن يحضرهم مكرمين منوها بهم. و (لجلالي) روي باللام وبالباء، ومعناهما متقارب، لأن المقصود بهما هنا: السببية، أي: لعظيم حقي وحرمة طاعتي، لا لغرض من أغراض الدنيا.
стр. 3831
اليَومَ أُظِلُّهُم فِي ظِلِّي يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، ومسلم (٢٥٦٦)(٣٧).
ــ
و(قوله: اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) قيل: هذه الإضافة إضافة تشريف وإكرام؛ إذ الظلال كلها ملكه وخلقه.
قلت: وأولى من هذا التأويل: أنه يعني به: ظل العرش؟ كما قد جاء في رواية أخرى. فيعني - والله تعالى أعلم -: أن في القيامة ظلالا بحسب الأعمال الصالحة تقي صاحبها من وهج الشمس (١) ولفح النار، وأنفاس الخلق، كما قال ﷺ : الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس (٢)، ولكن ظل العرش أعظم الظلال وأشرفها، فيخص الله به من يشاء من صالح عباده، ومن جملتهم المتحابون لجلال الله. فإنَّ قيل: كيف يقال: في القيامة ظلال بحسب الأعمال؟ وقد قال ﷺ : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (٣)، وهو ظل العرش المذكور في الحديث؟ قلنا: يمكن أن يقال: كل ظل في القيامة إنما هو له، لأنَّه بخلقه واختراعه بحسب ما يريده تعالى من إكرام من يخصه به؛ فعلى هذا يكون كل واحد من هؤلاء السبعة في ظل يخصه، وكلها ظل الله، لا ظل غيره؛ إذ ليس لغيره هنالك ظل، ولا يقدر له على سبب. ويحتمل أن يقال: إنَّه ليس هنالك إلا ظل واحد، وبه يستظل المؤمنون، لكن لما كان الاستظلال بذلك الظل لا ينال إلا بالأعمال الصالحات نسب لكل عمل ظل؛ لأنه به وصل إليه. والله تعالى أعلم. وهذا كله بناء على أن الظلال حقيقة لا مجاز، وهو قول جمهور العلماء. وقال
стр. 3832
[٢٤٧٥] وعنه عن النبي ﷺ : أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَريَةٍ أُخرَى، فَأَرصَدَ اللَّهُ عَلَى مَدرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيهِ قَالَ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ القَريَةِ، قَالَ: هَل لَكَ عَلَيهِ مِن نِعمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيرَ أَنِّي أَحبَبتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَد أَحَبَّكَ كَمَا أَحبَبتَهُ فِيهِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٩٢)، ومسلم (٢٥٦٧)(٣٨).
* * *
ــ
عيسى بن دينار: إن معناه: يكنهم من المكاره، ويجعلهم في كنفه وستره، كما يقول: أنا في ظلك. أي: في ذراك وسترك.
و(قوله: فأرصد الله على مدرجته) أي: جعل الله ملكا على طريقه يرصده، أي: يرتقبه، وينتظره ليبشره. والمرصد: موضع الرصد. و (المدرجة) بفتح الميم: موضع الدرج، وهو المشي.
و(قوله: هل لك عليه من نعمة تربها؟ ) أي: تقوم بها وتصلحها، فتتعاهده بسببها؟ (فقال: لا، غير أني أحببته في الله) أي: لم أزره لغرض من أغراض الدنيا، ثمَّ أخبر بأنه إنما زاره من أجل أنه أحبه في الله تعالى (١). فبشره الملك بأن الله تعالى قد أحبه بسبب ذلك. وقد تقدَّم القول في محبة الله تعالى للعبد، وأن ذلك راجع إلى إكرامه إياه، وبره به. ومحبة الله للطاعة: قبولها، وثوابه عليها.
وفي هذه الأحاديث ما يدلّ: على أن الحب في الله والتزاور فيه من أفضل الأعمال، وأعظم القرب إذا تجرد ذلك عن أغراض الدنيا وأهواء النفوس، وقد قال ﷺ : من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان (٢).
стр. 3833
(١٠) باب في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا
[٢٤٧٦] عَن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِستُهُ بِيَدِي، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَجَل، إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنكُم، قَالَ: فَقُلتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجرَينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَجَل، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِن مُسلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِن مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا.
ــ
(١٠) ومن باب: ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا
الوعك: تمريغ الحمى، وهو ساكن العين. يقال: وعكته الحمى، تعكه، وعكا، فهو موعوك، وأوعكت الكلاب الصيد، فهو موعك: إذا مرغته في التراب. والوعكة: السقطة الشديدة في الجري. والوعكة أيضًا: معركة الأبطال في الحروب. و (أجل) بمعنى: نعم.
ومضاعفة المرض على النبي ﷺ ليضاعف له الأجر (في الآخرة) (١) وهو كما قال ﷺ في الحديث الآخر: أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه (٢). وفي الحديث الآخر: نحن معاشر الأنبياء يشتد علينا البلاء، ويعظم لنا الأجر (٣). (٤)
و(الوصب): المرض. يقال
стр. 3834
وفي رواية: قال: نعم، والذي نفسي بيده ما على الأرض مسلم يصيبه ... وذكره.
رواه أحمد (١/ ٣٨١)، والبخاري (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١).
[٢٤٧٧] وعن عَائِشَةُ قالت: مَا رَأَيتُ رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيهِ الوَجَعُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
رواه أحمد (٦/ ١٧٢)، والبخاريُّ (٥٦٤٦)، ومسلم (٢٥٧٠)(٤٤)، والترمذيُّ (٢٣٩٧)، وابن ماجه (١٦٢٢).
[٢٤٧٨] وعَن الأَسوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبابٌ مِن قُرَيشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بِمِنًى وَهُم يَضحَكُونَ فَقَالَت: مَا يُضحِكُكُم؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسطَاطٍ فَكَادَت عُنُقُهُ - أَو عَينُهُ - أَن تَذهَبَ، فَقَالَت: لَا تَضحَكُوا فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِن مُسلِمٍ يُشَاكُ شَوكَةً فَمَا فَوقَهَا إِلَّا كُتِبَت لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَت بِهَا عَنهُ خَطِيئَةٌ.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٩)، والبخاري (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢)(٤٦)، والترمذي (٩٦٥).
ــ
منه: وصب الرجل، يوصب، فهو وصيب، وأوصبه الله، فهو موصب. و (النصب): التعب والمشقة. يقال منه: نصب الرجل - بالكسر - ينصب - بالفتح - وأنصبه غيره: إذا أتعبه، فهو منصب، وهم ناصب) أي: ذو نصب. و (السقم): المرض الشديد. يقال منه: سقم، يسقم، فهو سقيم. و (الهم): الحزن، والجميع: الهموم، وأهمني الأمر: إذا أقلقني وحزنني، والمهم: الأمر الشديد، وهمني المرض: أذابني.
قلت: هذا نقل أهل اللغة، وقد سووا فيه بين الحزن والهم، وعلى هذا
стр. 3835
[٢٤٧٩] وعَن أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا يُصِيبُ المُؤمِنَ مِن وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كَفَّرَ الله بِهِ مِن سَيِّئَاتِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٣٥)، والبخاري (٥٦٤١ - ٥٦٤٢)، ومسلم (٢٥٧٣)، والترمذيُّ (٩٦٦).
[٢٤٨٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت: ﴿مَن يَعمَل سُوءًا يُجزَ بِهِ﴾ بَلَغَت مِن المُسلِمِينَ مَبلَغًا شَدِيدًا، فَقَالَ
ــ
فيكون الحزن والهم المذكوران في الحديث مترادفين، ومقصود الحديث ليس كذلك، بل مقصوده: التسوية بين الحزن الشديد، الذي يكون عن فقد محبوب، والهم الذي يقلق الإنسان ويشتغل به فكره من شيء يخافه أو يكرهه في أن كل واحد منهما يكفر به. كما قد جمع في هذا الحديث نفسه بين الوصب، وهو المرض، وبين السقم، لكن أطلق الوصب على الخفيف منه، والسقم على الشديد، ويرتفع الترادف بهذا القدر. ومقصود هذه الأحاديث: أن الأمراض والأحزان - وإن دقت - والمصائب - وإن قلت - أجر المؤمن على جميعها، وكفرت عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة، كما جاء في الحديث الآخر، لكن هذا كله إذا صبر المصاب واحتسب، وقال ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتهُم مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ فمن كان كذلك وصل إلى ما وعد الله به ورسوله من ذلك.
و(قوله: لما نزلت: ﴿مَن يَعمَل سُوءًا يُجزَ بِهِ﴾ بلغت من المسلمين مبلغا شديدا) هذا يدلّ على: أنهم كانوا يتمسكون بالعمومات في العلميات، كما كانوا يتمسكون بها في العمليات. رد على من توقف في ألفاظ العموم، وأن من من ألفاظه، وكذلك النكرة في سياق الشرط، فإنَّهم فهموا
стр. 3836
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ المُسلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكبَةِ يُنكَبُهَا، أَو الشَّوكَةِ يُشَاكُهَا.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٨)، ومسلم (٢٥٧٤)، والترمذيُّ (٣٠٤١).
[٢٤٨١] وعن جَابِرُ بنُ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ
ــ
عموم الأشخاص من من وعموم الأفعال السيئة من سوء المذكور في سياق الشرط، وقد أوضحنا ذلك في الأصول، وإنما عظم موقع هذه الآية عليهم؛ لأنَّ ظاهرها: أن ما من مكلف يصدر عنه شر كائنا ما كان إلا جوزي عليه، يوم الجزاء، وأن ذلك لا يغفر، وهذا أمر عظيم، فلما رأى النبي ﷺ شدة ذلك عليهم سكنهم وأرشدهم وبشرهم، فقال: قاربوا وسددوا أي: قاربوا في أفهامكم وسددوا في أعمالكم، ولا تقلوا، ولا تشددوا على أنفسكم، بل بشروا واستبشروا بأن الله تعالى بلطفه قد جعل المصائب التي لا ينفك عنها أحد في هذه الدار سببا لكفارة الخطايا والأوزار، حتى يرد عليه المؤمن يوم القيامة وقد خلصه من تلك الأكدار، وطهره من أذى تلك الأقذار، فضلا من الله ونعمة، ولطفا ورحمة.
و(قوله: حتى الهم يهمه) يجوز في الهم الخفض على العطف على لفظ ما قبله، والرفع على موضعه؛ فإنَّ من زائدة، ويجوز رفعه على الابتداء وما بعده خبره.
فأمَّا (قوله: حتى النكبة ينكبها، والشوكة يشاكها) فيجوز فيه الوجهان، كذلك قيدهما المحققون، غير أن رفع الشوكة لا يجوز إلا على الابتداء خاصة، لأنَّ ما قبلها لا موضع رفع له فتأمله، وقيده القاضي: يهمه بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يسم فاعله، وكذا وجدته مقيدا بخط شيخي أبي الصبر أيوب، والذي أذكر أني قرأت به على من أثق به؛ بفتح يهمه -بفتح الياء وضم الهاء مبنيا للفاعل -، ووجهه واضح إذ معناه: حتى الهم يصيبه، أو يطرأ عليه. والنكبة بالباء: العثرة والسقطة، وينكبها - بضم الياء وفتح الكاف -: مبنيا للمفعول.
стр. 3837
السَّائِبِ - أَو أُمِّ المُسَيَّبِ - فَقَالَ: مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ - أَو يَا أُمَّ المُسَيَّبِ - تُزَفزِفِينَ؟ قَالَت: الحُمَّى! لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: لَا تَسُبِّي الحُمَّى فَإِنَّهَا تُذهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كَمَا يُذهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ.
رواه مسلم (٢٥٧٥).
ــ
و(قوله: ما لك يا أم السائب! تزفزفين) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة بالزاي والفاء فيهما، ويقال بضم التاء وفتحها من الزفزفة، وهي صوت حفيف الريح. يقال: زفزفت الريح الحشيش: أي حركته، وزفزف النعام في طيرانه: أي: حرك جناحيه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سراج: يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحد، بمعنى ترعدين (١).
قلت: ورواية الفاء أعرف رواية، وأصح معنى، وذلك أن الحمى تكون معها حركة ضعيفة، وحس صوت يشبه الزفزفة التي هي حركة الريح وصوتها في الشجر. وقالوا: ريح زفزافة وزفزف. وأما الرقرقة بالراء والقاف: في التلألؤ واللمعان. ومنه: رقراق السراب، ورقراق الماء: ما ظهر من لمعانه، غير أنه لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرك وجاء وذهب، فلهذا حسن أن يقال: مكان الرقراقة، لكن تفارق الزفزفة الرقرقة بأن الزفزفة معها صوت، وليس ذلك مع الرقرقة، فانفصلا.
و(قوله: لا تسبي الحمى) مع أنها لم تصرح بسب الحمى، وإنما دعت عليها بألا يبارك فيها، غير أن مثل هذا الدعاء تضمن تنقيص المدعو عليه وذمه، فصار ذلك كالتصريح بالذم والسب، ففيه ما يدلّ على أن التعريض والتضمين كالتصريح في الدلالة، فيحد كل من يفهم عنه القذف من لفظه؛ وإن لم يصرح به، وهو مذهب مالك كما تقدَّم.
و(قوله: فإنَّها تذهب خطايا بني آدم) هذا تعليل لمنع سب الحمى لما
стр. 3838
[٢٤٨٢] وعن عَطَاءُ بنُ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امرَأَةً مِن أَهلِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرأَةُ السَّودَاءُ، أَتَت النَّبِيَّ ﷺ فقَالَت: إِنِّي أُصرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادعُ اللَّهَ لِي، قَالَ: إِن شِئتِ صَبَرتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِن شِئتِ دَعَوتُ اللَّهَ أَن يُعَافِيَكِ، قَالَت: أَصبِرُ، قَالَت: فَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادعُ اللَّهَ أَن لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.
رواه أحمد (١/ ٣٤٧)، والبخاريُّ (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦).
* * *
(١١) باب الترغيب في عيادة المرضى وفعل الخير
[٢٤٨٣] عَن ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عن النبي ﷺ قال: مَن عَادَ مَرِيضًا لَم يَزَل فِي خُرفَةِ الجَنَّةِ. قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: جناها.
ــ
يكون عنها من الثواب، فيتعدى ذلك لكل مشقة، أو شدة يرتجى عليها ثواب، فلا ينبغي أن يذم شيء من ذلك، ولا يسب. وحكمة ذلك: أن سب ذلك إنما يصدر في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يفضي بصاحبه إلى السخط المحرم، مع أنه لا يفيد ذلك فائدة، ولا يخفف ألما.
و(قوله للمرأة التي كانت تصرع: إن شئت صبرت ولك الجنة) يشهد لما قلناه من أن الأجور على الأمراض، والمصائب لا تحصل إلا لمن صبر واحتسب.
(١١) ومن باب: الترغيب في عيادة المرضى
(قوله: لم يزل في خرفة الجنة (١)) هو بضم الخاء المعجمة وسكون الراء
стр. 3839
وفي رواية مخرفة بدل خرفة.
رواه أحمد (٥/ ٢٨٣)، ومسلم (٢٥٦٨) (٣٩ - ٤٢)، والترمذيُّ (٩٦٧).
[٢٤٨٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ
ــ
وقد فسرها النبي ﷺ بما هو المعروف في اللغة فقال: هو جناها، أي: ما يجتنى منها. وفي الصحاح: الخرفة - بالضم -: ما يجتنى من الفواكه، ويقال: التمر خرفة الصائم. وأما رؤية من رواها مخرفة بفتح الميم وسكون الخاء، وفتح الراء: فهو البستان. والمخرفة والمخرف: الطريق، ومنه قول عمر ﵁: تركتم (١) على مخرفة النعم. أما المخرف والمخرفة - بكسر الميم -: فهو الوعاء الذي يجتنى فيه التمر. ومعنى هذا الحديث، أن عائد المريض بما يناله من أجر العيادة وثوابها الموصل إلى الجنة كأنه يجتني ثمرات الجنة، أو كأنه في محرف الجنة، أي: في طريقها الموصل إلى الاحتراف. وسمي الخريف بذلك، لأنَّه فضل تخترف فيه الثمار. وعيادة المريض من أعمال الطاعات الكثيرة الثواب، العظيمة الأجر، كما دلت عليه هذه الأحاديث وغيرها. وهي من فروض الكفايات، إذا منع المرض من التصرف، لأنَّ المريض لو لم يعد جملة لضاع وهلك، ولا سيما إن كان غريبا أو ضعيفا. وأما من كان له أهل فيجب تمريضه على من تجب عليه نفقته، فأمَّا من لا يجب ذلك عليه؛ فمن قام به منهم سقط عن الباقين. والعيادة: مصدر عاد يعود عودا، وعيادة، وعيادا، غير أنه قد خصت العيادة بالرجوع إلى المرضى والتكرار إليهم.
стр. 3840
يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابنَ آدَمَ، مَرِضتُ فَلَم تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ كَيفَ أَعُودُكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ عَبدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَم تَعُدهُ، أَمَا عَلِمتَ أَنَّكَ لَو عُدتَهُ لَوَجَدتَنِي عِندَهُ، يَا ابنَ آدَمَ استَطعَمتُكَ فَلَم تُطعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ! وَكَيفَ أُطعِمُكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّهُ استَطعَمَكَ عَبدِي فُلَانٌ فَلَم تُطعِمهُ، أَمَا عَلِمتَ أَنَّكَ لَو أَطعَمتَهُ لَوَجَدتَ ذَلِكَ عِندِي، يَا ابنَ آدَمَ استَسقَيتُكَ فَلَم تَسقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيفَ أَسقِيكَ وَأَنتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟ ! قَالَ: استَسقَاكَ عَبدِي فُلَانٌ فَلَم تَسقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَو سَقَيتَهُ وَجَدتَ ذَلِكَ عِندِي.
رواه مسلم (٢٥٦٩).
* * *
ــ
و(قوله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، واستطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني): تنزل في الخطاب، ولطف في العتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم فضل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال. ويستفاد منه أن الإحسان للعبيد إحسان للسادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، وأن يقوموا بحقه.
* * *
стр. 3841
(١٢) باب تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم
[٢٤٨٥] عَن أَبِي ذَرٍّ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَن اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمتُ الظُّلمَ عَلَى نَفسِي، وَجَعَلتُهُ بَينَكُم مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي كُلُّكُم ضَالٌّ إِلَّا مَن هَدَيتُهُ فَاستَهدُونِي
ــ
(١٢) ومن باب: تحريم الظلم
(قوله تعالى: إني حرمت الظلم على نفسي) أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز علي، كما قال : ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ وقد اتفق العقلاء على أن الظلم على الله تعالى محال، وإنما اختلفوا في الطريق، فالقائلون بالتقبيح والتحسين عقلا يقولون: يستحيل عليه لقبحه، ومن لا يقول بذلك يقولون: يستحيل عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك: أن الظلم إنما يتصور في حق من حدت له حدود، ورسمت له مراسم، فمن تعداها كان ظالما، والله تعالى هو الذي حد الحدود ورسم الرسوم؛ إذ لا حاكم فوقه، ولا حاجر عليه، فلا يجب عليه حكم، ولا يترب عليه حق، فلا يتصور الظلم في حقه. واستيفاء المباحث في علم الكلام.
و(قوله: وجعلته بينكم محرما) أي: حكمت بتحريمه عليكم، وألزمته إياكم.
و(قوله: فلا تظالموا) أي: لا يظلم بعضهم بعضا، وأصله: تتظالموا، فحذفت إحدى التاءين تخفيفا.
و(قوله: يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته) قيل في معناه قولان: أحدهما: أنهم لو تركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباع من الميل إلى الراحات، وإهمال النظر المؤدي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات والطباع فضلوا
стр. 3842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن الحق، فهذا هو الضلال المعني، لكن من أراد الله تعالى توفيقه ألهمه إلى إعمال الفكر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة الرسول ﷺ وأعانه على الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهدى الذي أمرنا الله بسؤاله (١).
وثانيهما: أن الضلال هاهنا يعني به: الحال التي كانوا عليها قبل إرسال الرسل من: الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ أي: على حالة واحدة من الضلال والجهل، فأرسل الله الرسل ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من الضلال، ويبين لهم مراد الحق منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن نبهه الحق ، وبصره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل الله به ذلك بقي على ذلك الضلال.
وعلى كل واحد من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: كلكم ضال إلا من هديته وبين قوله: كل مولود يولد على الفطرة (٢)، لأنَّ هذا الضلال المقصود في هذا الحديث هو الطارئ على الفطرة الأولى المغير لها، الذي بينه النبي ﷺ بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (٣). وبقوله: خلق الله الخلق على معرفته فاجتالتهم الشياطين (٤). وهذا الحديث حجَّة لأهل الحق على قولهم: إن الهدى والضلال خلقه وفعله يختص بما شاء
стр. 3843
أَهدِكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم جَائِعٌ إِلَّا مَن أَطعَمتُهُ فَاستَطعِمُونِي أُطعِمكُم، يَا عِبَادِي كُلُّكُم عَارٍ إِلَّا مَن كَسَوتُهُ فَاستَكسُونِي أَكسُكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم تُخطِئُونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاستَغفِرُونِي أَغفِر لَكُم، يَا عِبَادِي إِنَّكُم لَن تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَن تَبلُغُوا نَفعِي فَتَنفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَتقَى قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُم مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم كَانُوا عَلَى أَفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِن مُلكِي شَيئًا، يَا عِبَادِي لَو أَنَّ أَوَّلَكُم وَآخِرَكُم وَإِنسَكُم وَجِنَّكُم
ــ
منهما من شاء من خلقه، وأن ذلك لا يقدر عليه إلا هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ﴾ وكما قال: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهتَدِيَ لَولا أَن هَدَانَا اللَّهُ﴾ وكما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقد نطق الكتاب بما لا يبقى معه ريب لذي فهم سليم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾ فعم الدعوة، وخص بالهداية من سبقت له العناية. واستيفاء الكلام في علم الكلام.
وحاصل قوله: كلكم ضال إلا من هديته، وكلكم جائع، وكلكم عار التنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا، ودفع مضارنا بأنفسنا؛ إلا أن ييسر ذلك لنا؛ بأن يخلق ذلك لنا، ويعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرنا. وهو تنبيه على معنى قوله: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم (١)، ومع ذلك فقال في آخر الحديث: يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه تنبيها على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقض خطاب التكليف بها، إقداما عليها، وإحجاما عنها، فنحن - وإن
стр. 3844
قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعطَيتُ كُلَّ إِنسَانٍ مَسأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِندِي إِلَّا كَمَا يَنقُصُ المِخيَطُ إِذَا أُدخِلَ البَحرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعمَالُكُم أُحصِيهَا علَيكُم ثُمَّ أُوَفِّيكُم إِيَّاهَا، فَمَن وَجَدَ خَيرًا فَليَحمَد اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غَيرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفسَهُ.
رواه أحمد (٥/ ١٦٠)، ومسلم (٢٥٧٧)(٥٥)، والترمذيُّ (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧).
ــ
كنا نعلم أنا لا نستقل بأفعالنا- نحس بوجدان الفرق بين الحركة الضرورية والاختيارية، وتلك التفرقة راجعة إلى تمكن محسوس، وتأت معتاد يوجد مع الاختيارية، ويفقد مع الضرورية، وذلك هو المعبر عنه بالكسب، وهو مورد التكليف، فلا تناقض ولا تعنيف.
و(قوله: ما نقص ذلك (١) مِمَّا عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) المخيط: الإبرة. والخياط (٢): الخيط. ومنه قوله: أدوا الخياط والمخيط (٣). وهذا مثل قصد به التقريب للأفهام بما تشاهده؟ فإنَّ ماء البحر من أعظم المرئيات وأكبرها، وغمس الإبرة فيه لا يؤثر فيه، فضرب ذلك مثلا لخزائن رحمة الله تعالى وفضله؟ فإنَّها لا تنحصر ولا تتناهى، وأن ما أعطي منها من أول خلق المخلوقات، وما يعطي منها إلى يوم القيامة لا ينقص منها شيئا، وهذا نحو قوله ﷺ في الحديث الآخر: يمين الله ملأى سخاء الليل والنهار، لا يغيضها
стр. 3845
[٢٤٨٦] وعن ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ لَا يَظلِمُهُ، وَلَا يُسلِمُهُ، مَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بِهَا كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٩١)، والبخاريُّ (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠)، وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذي (١٤٢٦).
[٢٤٨٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا الظُّلمَ فَإِنَّ الظُّلمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ،
ــ
شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، لم يغض ما في يمينه (١) وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما، لا يجوز عليها العجز والقصور، والممكنات لا تنحصر، ولا تتناهى، فما وجد منها لا ينقص شيئا منها، وبسط الكلام على هذه الأصول في علم الكلام.
و(قوله: اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلمات يوم القيامة) ظاهره: أن الظالم يعاقب يوم القيامة؛ بأن يكون في ظلمات متوالية يوم يكون المؤمنون في نور يسعى بين أيديهم، وبأيمانهم حين: ﴿يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم﴾ فيقال لهم: ﴿ارجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا﴾ وقيل: إن معنى الظلمات هنا: الشدائد والأهوال التي يكونون فيها، كما فسر بذلك قوله: ﴿قُل مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ﴾ أي: من شدائدهما، وآفاتهما. والأول أظهر.
стр. 3846
وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم؛ حَمَلَهُم عَلَى أَن سَفَكُوا دِمَاءَهُم، وَاستَحَلُّوا مَحَارِمَهُم.
رواه مسلم (٢٥٧٨).
[٢٤٨٨] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يُملِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَم يُفلِتهُ
ــ
و(قوله: واتقوا الشح؛ فإنَّ الشح أهلك من كان قبلكم) الشح: الحرص على تحصيل ما ليس عندك، والبخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك. وقيل: إن الشح هو البخل مع حرص. يقال منه: شححت بالكسر يشح، وشححت - بالفتح - يشح، (١) - بالضم - ورجل شحيح، وقوم شحاح وأشحاء.
و(قوله: حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) هذا هو الهلاك الذي حمل عليه الشح، لأنَّهم لما فعلوا ذلك أتلفوا دنياهم وأخراهم، وهذا كما قال في الحديث الآخر: إياكم والشح، فإنَّه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا (٢) أي: حملهم على ذلك.
و(قوله: إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) يملي: يطيل في مدته، ويصح، ويكثر ماله وولده ليكثر ظلمه، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَحسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُملِي لَهُم خَيرٌ لأَنفُسِهِم إِنَّمَا نُملِي لَهُم لِيَزدَادُوا إِثمًا﴾ وهذا كما فعل الله الله بالظلمة من الأمم السالفة، والقرون الخالية، حتى إذا عم ظلمهم وتكامل جرمهم أخذهم الله أخذة رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنة الله في كل جبار عنيد، ولذلك قال:
стр. 3847
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
رواه البخاريُّ (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذيُّ (٣١٠٩)، وابن ماجه (٤٠١٨).
* * *
(١٣) باب الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم
[٢٤٨٩] عَن جَابِرٍ قَالَ: اقتَتَلَ غُلَامَانِ: غُلَامٌ مِن المُهَاجِرِينَ، وَغُلَامٌ مِن الأَنصَارِ، فَنَادَى المُهَاجِرُ - أَو المُهَاجِرُونَ -: يَا لَلمُهَاجِرِينَ!
ــ
﴿وَكَذَلِكَ أَخذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
و(قوله: من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) هذا حض على ستر من ستر نفسه، ولم تدع الحاجة الدينية إلى كشفه، فأمَّا من اشتهر بالمعاصي، ولم يبال بفعلها، ولم ينته عما نهي عنه، فواجب رفعه للإمام، وتنكيله، وإشهاره للأنام ليرتدع بذلك أمثاله، وكذلك من تدعو الحاجة إلى كشف حالهم من الشهود والمجرحين، فيجب أن يكشف منهم ما يقتضي تجريحهم، ويحرم سترهم مخافة تغيير الشرع، وإبطال الحقوق.
(١٣ و ١٤ و ١٥) ومن باب: الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم (١)
(قوله: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار) (٢) في الصحاح:
стр. 3848
فَنَادَى الأَنصَارِيُّ: يَا لَلأَنصَارِ! فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ ! دَعوَى أَهلِ الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالُوا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنَّ غُلَامَينِ اقتَتَلَا فَكَسَعَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، قَالَ: فَلَا بَأسَ وَليَنصُر الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا، إِن كَانَ ظَالِمًا فَليَنهَهُ، فَإِنَّهُ لَهُ نَصرٌ، وَإِن كَانَ مَظلُومًا فَليَنصُرهُ.
رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤)(٦٢)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).
* * *
ــ
الكسع: أن تضرب دبر الإنسان بيدك، أو بصدر قدمك، يقال: اتبع فلان أدبارهم يكسعهم بالسيف، مثل: يكسؤهم، أي: يطردهم، ومنه قول الشاعر (١):
كسع الشتاء بسبعة غبر (٢) ... . . . . . . . . . . .
ووردت الخيل يكسع بعضها بعضا.
و(قوله: انصر أخاك ظالما أو مظلوما (٣)) هذا من الكلام البليغ الوجيز الذي قل من ينسج على منواله، أو يأتي بمثاله، وأو فيه للتنويع والتقسيم، وإنما سمي رد الظالم نصرا، لأنَّ النصر هو العون. ومنه قالوا: أرض منصورة، أي: معانة بالمطر، ومنع الظالم من الظلم عون له على مصلحة نفسه، وعلى الرجوع إلى الحق، فكان أولى بأن يسمى نصرا.
ودعوى الجاهلية: تناديهم عند الغضب، والاستنجاد: يا آل فلان! يا بني
стр. 3849
(١٤) باب من استطال حقوق الناس اقتص من حسناته يوم القيامة
[٢٤٩٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا المُفلِسُ؟ قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لَا دِرهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ! فَقَالَ: إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي وقَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذيُّ (٢٤١٨).
[٢٤٩١] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهلِهَا يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلحَاءِ مِن الشَّاةِ القَرنَاءِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٠).
* * *
ــ
فلان! وهي التي عنى بقوله: دعوها فإنَّها منتنة (١) أي: مستخبثة، قبيحة، لأنَّها تثير التعصب على غير الحق، والتقاتل على الباطل، ثم إنها تجر إلى النار، كما قال: من دعا بدعوى الجاهلية فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار (٢). وقد أبدل
стр. 3850
(١٥) باب النهي عن دعوى الجاهلية
[٢٤٩٢] عن جَابِرَ قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِن المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ فَقَالَ الأَنصَارِيُّ: يَا لَلأَنصَارِ! وَقَالَ المُهَاجِرِيُّ: يَا لَلمُهَاجِرِينَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا بَالُ دَعوَى الجَاهِلِيَّةِ؟ قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِن المُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ، فَقَالَ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنتِنَةٌ، فَسَمِعَهَا عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: قَد فَعَلُوهَا وَاللَّهِ! لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ. قَالَ عُمَرُ: دَعنِي أَضرِبُ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ، فَقَالَ: دَعهُ، لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقتُلُ أَصحَابَهُ.
ــ
الله من دعوى الجاهلية دعوى المسلمين، فينادى: يا للمسلمين! كما قال ﷺ : فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين (١). وكما نادى عمر بن الخطاب ﵁ حين طعن: يا لله! يا للمسلمين! . فإذا دعا بها المسلم وجبت إجابته، والكشف عن أمره على كل من سمعه؟ فإن ظهر أنه مظلوم نصر بكل وجه ممكن شرعي؛ لأنه إنما دعا للمسلمين لينصروه على الحق. وإن كان ظالما كف عن الظلم بالملاطفة والرفق، فإنَّ نفع ذلك، وإلا أخذ على يده، وكف عن ظلمه؛ فإنَّ الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه: أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده، ثم يدعونه فلا يستجاب لهم.
و(قوله ﷺ لعمر حين قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) دليل على: أن المنافقين الذين علم نفاقهم في
стр. 3851
رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤)(٦٣)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).
* * *
ــ
عهد رسول الله ﷺ كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي ﷺ من ذلك؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي ﷺ هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين (١)، فتهيج الحروب وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي ﷺ عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته، فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين.
وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبي ﷺ مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه. ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقتِيلا﴾ وبقوله: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ﴾ فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك (٢).
وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم؛ فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي ﷺ فإن منهم من أظهر نفاقه، واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
стр. 3852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبي ﷺ لم يقتل المنافقين، لأنَّه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم؛ إذ قد نص فيه على المانع من ذلك، وهو غير ما قالوه. وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرين يجوز العمل على مقتضاه إذا اندفع به الشر الأعظم. وفيه دليل على القول بصحة الذرائع، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي.
(قوله: أتدرون ما المفلس؟ ) كذا صحت الرواية بـ (ما) فقد وقعت هنا على من يعقل، وأصلها لما لا يعقل. والمفلس: اسم فاعل من أفلس: إذا صار مفلسا، أي: افتقر، وكأنه صارت دراهمه فلوسا، كما يقال: أجبن الرجل: إذا صار أصحابه جبناء، وأقطف: إذا صارت دابته قطوفا (١)، ويجوز أن يراد به: إنه صار الرجل يقال فيه: ليس معه فلس، كما يقال: أقهر الرجل: إذا صار إلى حال يُقهر عليها، وأذل الرجل: إذا صار إلى حال يُذل فيها، وقد فلّسه القاضي تفليسا: نادى عليه: أنه أفلس.
و(قوله: المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. . . الحديث) أي: هذا أحق باسم المفلس؛ إذ تؤخذ منه أعماله التي تعب في تصحيحها بشروطها، حتى قُبلت منه، فلما كان وقت فقره إليها أُخذت منه، ثم طُرح في النار. فلا إفلاس أعظم من هذا، ولا أخسر صفقة ممن هذه حاله، ففيه ما يدلّ على وجوب السعي في التخلص من حقوق الناس في الدنيا بكل ممكن، والاجتهاد في ذلك، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا، فالإكثار من الأعمال الصالحة، فلعله بعد أخذ ما عليه تبقى له بقية راجحة، والمرجو من كرم الكريم لمن صحت في الأداء نيته، وعجزت عن ذلك قدرته أن يرضي الله عنه خصومه، فيغفر للمطالب والمطلوب، ويوصلهم إلى أفضل محبوب، وقد تقدَّم ذكر من قال: إن الصوم
стр. 3853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يؤخذ مما عليه من الحقوق، وبينا ما يرد عليه، وبماذا ينفصل عنه.
و(قوله: لتؤدُّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) هذا جواب قسم محذوف، كأنه قال: والله لتؤدّن. والحقوق: جمع حق، وهو ما يحق على الإنسان أن يؤديه، وهو يعم حقوق الأبدان، والأموال، والأعراض، وصغير ذلك وكبيره. كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا﴾ وكما قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
و(قوله: حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) والجلحاء: هي التي لا قرون لها. وكبش أجلح، وشاة جلحاء. ويقاد: من القود، أي: القصاص. وقد حكي أن أبا هريرة ﵁ حمل هذا الحديث على ظاهره، فقال: يؤتى بالبهائم فيقال لها: كوني ترابا، وذلك بعدما يقاد للجماء (١) من القرناء، وحينئذ: ﴿وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ وقد قيل في معنى الحديث: إن المقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، والإغياء فيه حتى يفهم منه: أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه، ويتأيد هذا بما جاء في هذا الحديث عن بعض رواته من الزيادة، فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر وعلى العود خدش العود فظهر من هذا: أن المقصود منه التمثيل المفيد للإغياء والتهويل، لأنَّ الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء، ونظير هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ قُرآنًا سُيِّرَت بِهِ الجِبَالُ﴾ وقوله: ﴿لَو أَنزَلنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية، فتدبر وجه التنظير، والله بحقائق الأمور عليم خبير.
стр. 3854
(١٦) باب مثل المؤمنين
[٢٤٩٣] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا.
رواه البخاري (١٤٣٧)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).
[٢٤٩٤] وعَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
ــ
(١٦) ومن باب: مثل المؤمنين (قوله ﷺ : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) تمثيل يفيد الحض على معونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لا بد منه، فإنَّ البناء لا يتم أمره، ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضا ويقويه، فإن لم يكن كذلك انحلت أجزاؤه، وخرب بناؤه. وكذلك المؤمن لا يستقل بأمور دنياه ودينه إلا بمعونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضاده، فحينئذ لا يتم له نظام دنيا ولا دين، ويلتحق بالهالكين.
و(قوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. . . الحديث) هكذا صحيح الرواية (في توادهم) ومعناه واضح، وقد وقع في رواية: توادهم بغير (في) ويصح ذلك، ويكون محفوظا على أنه بدل الاشتمال من المؤمنين. والتواد مصدر توادد يتوادد تواددا وتوادا، إذا أدغمت، ومقصود هذا التمثيل: الحض على ما يتعين من محبة المؤمن ونصيحته والتهمم بأمره.
стр. 3855
وفي رواية: المُسلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِن اشتَكَى عَينُهُ اشتَكَى كُلُّهُ، وَإِن اشتَكَى رَأسُهُ اشتَكَى كُلُّهُ.
رواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (٢٥٨٦) (٦٦ و ٦٧).
* * *
(١٧) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته
[٢٤٩٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المُستَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى البَادِئِ مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٧)، وأبو داود (٤٨٩٤)، والترمذيُّ (١٩٨١).
ــ
(١٧) ومن باب: تحريم السباب والغيبة
(قوله: المستبان ما قالا، فعلى الأول ما لم يعتد المظلوم) المستبان: تثنية مستب من السب، وهو الشتم والذم، وهما مرفوعان بالابتداء، و (ما) موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضًا، وصلتها: قالا، والعائد محذوف، تقديره: قالاه، و (على الأول) خبر ما، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وما وخبرها: خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبان. ومعنى الكلام: أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب، لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سب ولا استحقاق، والثاني منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ لكن السب المنتصر به - وإن كان