رواه أحمد (٣/ ٣٣٨)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤)(٦٣)، والترمذي (٣٣١٥)، والنسائي في الكبرى (٨٨٦٣).
* * *
ــ
عهد رسول الله ﷺ كانوا مستحقين للقتل، لكن امتنع النبي ﷺ من ذلك؛ لئلا يكون قتلهم منفرا لغيرهم عن الدخول في الإسلام، لأنَّ العرب كانوا أهل أنفة وكبر بحيث لو قتل النبي ﷺ هؤلاء المنافقين لنفر من بعد عنهم، فيمتنع من الدخول في الدين، وقالوا: هو يقتل أصحابه، ولغضب من قرب من هؤلاء المنافقين (١)، فتهيج الحروب وتكثر الفتن، ويمتنع من الدخول في الدين، وهو نقيض المقصود، فعفا النبي ﷺ عنهم، ورفق بهم، وصبر على جفائهم وأذاهم، وأحسن إليهم حتى انشرح صدر من أراد الله هدايته، فرسخ في قلبه الإيمان، وتبين له الحق اليقين.
وهلك عن بينة من أراد الله هلاكه، وكان من الخاسرين. ثم أقام النبي ﷺ مستصحبا لذلك إلى أن توفاه الله تعالى، فذهب النفاق وحكمه، لأنَّه ارتفع مسماه واسمه. ولذلك قال مالك: النفاق في عهد رسول الله ﷺ هو الزندقة عندنا اليوم، ويظهر من مذهبه: أن ذلك الحكم منسوخ بقوله تعالى: ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُتِّلُوا تَقتِيلا﴾ وبقوله: ﴿جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ﴾ فقد سوى بينهما في الأمر بالجهاد، وجهاد الكفار: قتالهم وقتلهم، فليكن جهاد المنافقين كذلك (٢).
وفي الآيتين مباحث ليس هذا موضعها، وقد ذهب غير واحد من أئمتنا إلى أن المنافقين يعفى عنهم ما لم يظهروا نفاقهم؛ فإن أظهروه قتلوا، وهذا أيضًا يخالف ما جرى في عهد النبي ﷺ فإن منهم من أظهر نفاقه، واشتهر عنه حتى عرف به، والله أعلم بنفاقه، ومع ذلك لم يقتلوا لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
стр. 3852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد وضح من هذا الحديث إبطال قول من قال: إن النبي ﷺ لم يقتل المنافقين، لأنَّه لم تقم بينة معتبرة بنفاقهم؛ إذ قد نص فيه على المانع من ذلك، وهو غير ما قالوه. وفيه ما يدلّ على أن أهون الشرين يجوز العمل على مقتضاه إذا اندفع به الشر الأعظم. وفيه دليل على القول بصحة الذرائع، وعلى تعليل نفي الأحكام في بعض الصور بمناسبٍ لذلك النفي.
(قوله: أتدرون ما المفلس؟ ) كذا صحت الرواية بـ (ما) فقد وقعت هنا على من يعقل، وأصلها لما لا يعقل. والمفلس: اسم فاعل من أفلس: إذا صار مفلسا، أي: افتقر، وكأنه صارت دراهمه فلوسا، كما يقال: أجبن الرجل: إذا صار أصحابه جبناء، وأقطف: إذا صارت دابته قطوفا (١)، ويجوز أن يراد به: إنه صار الرجل يقال فيه: ليس معه فلس، كما يقال: أقهر الرجل: إذا صار إلى حال يُقهر عليها، وأذل الرجل: إذا صار إلى حال يُذل فيها، وقد فلّسه القاضي تفليسا: نادى عليه: أنه أفلس.
و(قوله: المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة. . . الحديث) أي: هذا أحق باسم المفلس؛ إذ تؤخذ منه أعماله التي تعب في تصحيحها بشروطها، حتى قُبلت منه، فلما كان وقت فقره إليها أُخذت منه، ثم طُرح في النار. فلا إفلاس أعظم من هذا، ولا أخسر صفقة ممن هذه حاله، ففيه ما يدلّ على وجوب السعي في التخلص من حقوق الناس في الدنيا بكل ممكن، والاجتهاد في ذلك، فإن لم يجد إلى ذلك سبيلا، فالإكثار من الأعمال الصالحة، فلعله بعد أخذ ما عليه تبقى له بقية راجحة، والمرجو من كرم الكريم لمن صحت في الأداء نيته، وعجزت عن ذلك قدرته أن يرضي الله عنه خصومه، فيغفر للمطالب والمطلوب، ويوصلهم إلى أفضل محبوب، وقد تقدَّم ذكر من قال: إن الصوم
стр. 3853
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يؤخذ مما عليه من الحقوق، وبينا ما يرد عليه، وبماذا ينفصل عنه.
و(قوله: لتؤدُّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة) هذا جواب قسم محذوف، كأنه قال: والله لتؤدّن. والحقوق: جمع حق، وهو ما يحق على الإنسان أن يؤديه، وهو يعم حقوق الأبدان، والأموال، والأعراض، وصغير ذلك وكبيره. كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا﴾ وكما قال: ﴿وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
و(قوله: حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) والجلحاء: هي التي لا قرون لها. وكبش أجلح، وشاة جلحاء. ويقاد: من القود، أي: القصاص. وقد حكي أن أبا هريرة ﵁ حمل هذا الحديث على ظاهره، فقال: يؤتى بالبهائم فيقال لها: كوني ترابا، وذلك بعدما يقاد للجماء (١) من القرناء، وحينئذ: ﴿وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ وقد قيل في معنى الحديث: إن المقصود منه التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، والإغياء فيه حتى يفهم منه: أنه لا بد لكل أحد منه، وأنه لا محيص له عنه، ويتأيد هذا بما جاء في هذا الحديث عن بعض رواته من الزيادة، فقال: حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء، وللحجر لم ركب على الحجر وعلى العود خدش العود فظهر من هذا: أن المقصود منه التمثيل المفيد للإغياء والتهويل، لأنَّ الجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيله من جملة المعتوهين الأغبياء، ونظير هذا التمثيل قوله تعالى: ﴿وَلَو أَنَّ قُرآنًا سُيِّرَت بِهِ الجِبَالُ﴾ وقوله: ﴿لَو أَنزَلنَا هَذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية، فتدبر وجه التنظير، والله بحقائق الأمور عليم خبير.
стр. 3854
(١٦) باب مثل المؤمنين
[٢٤٩٣] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المُؤمِنُ لِلمُؤمِنِ كَالبُنيَانِ يَشُدُّ بَعضُهُ بَعضًا.
رواه البخاري (١٤٣٧)، ومسلم (٢٥٨٥)، وأبو داود (١٦٨٤)، والنسائي (٥/ ٧٩ - ٨٠).
[٢٤٩٤] وعَن النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
ــ
(١٦) ومن باب: مثل المؤمنين (قوله ﷺ : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) تمثيل يفيد الحض على معونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لا بد منه، فإنَّ البناء لا يتم أمره، ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضا ويقويه، فإن لم يكن كذلك انحلت أجزاؤه، وخرب بناؤه. وكذلك المؤمن لا يستقل بأمور دنياه ودينه إلا بمعونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضاده، فحينئذ لا يتم له نظام دنيا ولا دين، ويلتحق بالهالكين.
و(قوله: مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد. . . الحديث) هكذا صحيح الرواية (في توادهم) ومعناه واضح، وقد وقع في رواية: توادهم بغير (في) ويصح ذلك، ويكون محفوظا على أنه بدل الاشتمال من المؤمنين. والتواد مصدر توادد يتوادد تواددا وتوادا، إذا أدغمت، ومقصود هذا التمثيل: الحض على ما يتعين من محبة المؤمن ونصيحته والتهمم بأمره.
стр. 3855
وفي رواية: المُسلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِن اشتَكَى عَينُهُ اشتَكَى كُلُّهُ، وَإِن اشتَكَى رَأسُهُ اشتَكَى كُلُّهُ.
رواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (٢٥٨٦) (٦٦ و ٦٧).
* * *
(١٧) باب تحريم السباب والغيبة ومن تجوز غيبته
[٢٤٩٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: المُستَبَّانِ مَا قَالَا فَعَلَى البَادِئِ مَا لَم يَعتَدِ المَظلُومُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٧)، وأبو داود (٤٨٩٤)، والترمذيُّ (١٩٨١).
ــ
(١٧) ومن باب: تحريم السباب والغيبة
(قوله: المستبان ما قالا، فعلى الأول ما لم يعتد المظلوم) المستبان: تثنية مستب من السب، وهو الشتم والذم، وهما مرفوعان بالابتداء، و (ما) موصولة، وهي في موضع رفع بالابتداء أيضًا، وصلتها: قالا، والعائد محذوف، تقديره: قالاه، و (على الأول) خبر ما، ودخلت الفاء على الخبر لما تضمنه الاسم الموصول من معنى الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وما وخبرها: خبر المبتدأ الأول الذي هو المستبان. ومعنى الكلام: أن المبتدئ بالسب هو المختص بإثم السب، لأنَّه ظالم به؛ إذ هو مبتدئ من غير سب ولا استحقاق، والثاني منتصر فلا إثم عليه، ولا جناح، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ لكن السب المنتصر به - وإن كان
стр. 3856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مباحًا للمنتصر - فعليه إثم من حيث هو سب، لكنه عائد إلى الجاني الأول، لأنَّه هو الذي أحوج المنتصر إليه وتسبب فيه، فيرجع إثمه عليه، ويسلم المنتصر من الإثم، لأنَّ الشرع قد رفع عنه الإثم والمؤاخذة، لكن ما لم يكن من المنتصر عدوان إلى ما لا يجوز له، كما قال: ما لم يعتد المظلوم أي: ما لم يجاوز ما سُب به إلى غيره، إما بزيادة سب آخر أو بتكرار مثل ذلك السب، وذلك أن المباح في الانتصار: أن يرد مثل ما قال الجاني، أو يقاربه، لأنَّه قصاص، فلو قال له: يا كلب - مثلا - فالانتصار أن يرد عليه بقوله: بل هو الكلب، فلو كرر هذا اللفظ مرتين أو ثلاثا لكان متعديا بالزائد على الواحدة، فله الأولى، وعليه إثم الثانية، وكذلك لو رد عليه بأفحش من الأولى، فيقول له: خنزير - مثلا - كان كل واحد منهما مأثوما، لأنَّ كلا منهما جار على الآخر، وهذا كله مقتضى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم فَاعتَدُوا عَلَيهِ بِمِثلِ مَا اعتَدَى عَلَيكُم﴾ وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا﴾
وكل ما ذكرناه من جواز الانتصار إنما هو فيما إذا لم يكن القول كذبا أو بهتانا، فلا يجوز أن يتكلم بذلك لا ابتداء ولا قصاصا، وكذلك لو كان قذفا، فلو رده كان كل واحد منهما قاذفا للآخر، وكذلك لو سب المبتدئ أبا المسبوب أو جده، لم يجز له أن يرد ذلك، لأنَّه سب لمن لم يجنِ عليه، فيكون الرد عدوانا لا قصاصا.
قال بعض علمائنا: إنما يجوز الانتصار فيما إذا كان السب مما يجوز سب المرء به عند التأديب كالأحمق، والجاهل، والظالم، لأنَّ أحدا لا ينفك عن بعض هذه الصفات إلا الأنبياء والأولياء، فهذا إذا كافأه بسبه فلا حرج عليه ولا إثم، وبقي الإثم على الأول بابتدائه وتعرضه لذلك.
تنبيه: ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعدَ ظُلمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِم مِن سَبِيلٍ﴾ أن الانتصار مباح، وعلى ذلك يدلّ الحديث المذكور، لكن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغيُ هُم يَنتَصِرُونَ﴾ مدح من الله تعالى للمنتصر، والمباح لا يمدح عليه، فاختلف العلماء في ذلك، فقال السدي: إنما
стр. 3857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مدح الله من انتصر ممن بغي عليه من غير زيادة على مقدار ما فُعل به، يعني: أنه إنما مدح من حيث إنه اتقى الله في انتصاره، إذا أوقعه على الوجه المشروع، ولم يفعل ما كانت الجاهلية تفعل من الزيادة على الجناية. وقال غيره: إنما مدح الله من انتصر من الظالم الباغي المعلن بظلمه الذي يعُم ضرره، فالانتقام منه أفضل، والانتصار عليه أولى. قال معناه إبراهيم النخعي، ولا خفاء في أن العفو عن الجناة وإسقاط المطالبة عنهم بالحقوق، مندوب إليه، مرغّب فيه على الجملة، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزمِ الأُمُورِ﴾ ولقوله: ﴿فَمَن عَفَا وَأَصلَحَ فَأَجرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَليَعفُوا وَليَصفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَن تَعفُوا أَقرَبُ لِلتَّقوَى﴾ ولقوله ﷺ : ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (١)، وقوله: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك (٢) ونحوه كثير، ومع ذلك فاختلف العلماء في المحاللة من الحقوق، فقال سعيد بن المسيب: لا أحلل أحدا. وظاهره: أنه كان لا يجيز أن يعفو عن حق وجب له، ولا يسقطه، ولم يفرق بين الظالم ولا غيره، وهذا هو الذي فهمه مالك عنه.
وذهب غيره إلى أنه تجوز المحاللة من جميع الحقوق وإسقاطها، وإليه ذهب محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، كان يحلل من ظلمه، ويكره لنفسه الخصوم. وفرق آخرون بين الظالم، فلم يحللوه، وبين غيره فحللوه، وإليه ذهب إبراهيم النخعي، وهو ظاهر قول مالك، وقد سئل فقيل له: أرأيت الرجل يموت، ولك عليه دَين، ولا وفاء له به؟ قال: أفضل عندي أن أحلله، وأما الرجل يظلم الرجل فلا أرى ذلك. قال الله : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظلِمُونَ النَّاسَ﴾ فظاهر هذا: أن
стр. 3858
[٢٤٩٦] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدرُونَ مَا الغِيبَةُ؟ قَالُوا:
ــ
الظالم لا يجوز أن يحلل، ولم يفرق بين الحقوق، فيكون مذهبه كمذهب النخعي المتقدم، غير أنه قد روي قول مالك هذا بلفظ آخر، فقال: أما الرجل يغتاب الرجل، وينتقصه، فلا أرى ذلك، ففهم بعض أصحابنا من هذا: أن ترك المحاللة إنما منعه في الأعراض خاصة، وأما في سائر الحقوق فيجوز، وسبب هذا الخلاف: هل تلك الأدلة مبقاة على ظواهرها من التعميم، أو هي مخصصة فيخرج منها الظالم، لأنَّ تحليله من المظالم يجرّئه على الإكثار منها، وهو ممنوع بالإجماع، ثم ذلك عون له على الإثم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ﴾ وأما الفرق بين الأعراض وغيرها فمبالغة في سد ذريعة الأعراض ليسارتها وتساهل الناس في أمرها، فاقتضى ذلك المبالغة في الردع عنها، فإذا علم الذي يريد أن يغتاب مسلما أن الغيبة وأعراض المسلمين لا يعفى عنها، ولا يخرج منها، امتنع من الوقوع فيها.
قلت: ويرد على هذه التخصيصات سؤالات يطول الكلام بإيرادها والانفصال عنها، والتمسك بالعموم هو الأصل المعلوم، لاسيما مع قوله ﷺ : أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان إذا أصبح يقول: اللهم إني تصدقت بعرضي على عبادك (١) ومع الأصل الكلي في حقوق بني آدم من جواز تصرفهم فيها بالإعطاء والمنع، والأخذ والإسقاط، والله تعالى أعلم.
تفريع: القائلون بجواز التحلل وإسقاط الحقوق اختلفوا: هل تسقط عن الظالم مطالبة الآدمي فقط، ولا تسقط عنه مطالبة الله ؟ أو يسقط عنه الجميع؟ لأهل العلم فيه قولان.
و(قوله: أتدرون ما الغيبة؟ ) كأن هذا السؤال صدر عنه بعد أن جرى ذكر
стр. 3859
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ قَالَ: ذِكرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكرَهُ، قِيلَ: أَفَرَأَيتَ إِن كَانَ فِي
ــ
الغيبة، ولا يبعد أن يكون ذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا﴾ ففسر النبي ﷺ هذه الغيبة المنهي عنها. ووزنها فعلة، وهي مأخوذة من الغيبة - بفتح الغين - مصدر غاب، لأنَّها ذكر الرجل في حال غيبته بما يكرهه لو سمعه. يقال من ذلك المعنى: اغتاب فلان فلانا، يغتابه اغتيابا، واسم ذلك المعنى: الغيبة، ولا شك في أنها محرمة وكبيرة من الكبائر، بالكتاب والسنة، فالكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلا يَغتَب بَعضُكُم بَعضًا﴾ الآية، وأما السنة فكثيرة، من أنصها ما خرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن من الكبائر استطالة المرء في عرض رجل مسلم (١)، وفي كتابه من حديث أنس عنه ﷺ ، قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم (٢).
وإذا تقررت حقيقة الغيبة وأن أصلها على التحريم، فاعلم أنها قد تخرج عن ذلك الأصل صور، فتجوز الغيبة في بعضها، وتجب في بعضها، ويندب إليها في بعضها: فالأولى كغيبة المعلن بالفسق المعروف به، فيجوز ذكره بفسقه لا بغيره، مما يكون مشهورا به، لقوله ﷺ : بئس أخو العشيرة كما يأتي، وقوله ﷺ : لا غيبة في فاسق (٣)، ولقوله: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٤). والثاني:
стр. 3860
أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: إِن كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَد اغتَبتَهُ، وَإِن لَم يَكُن فِيهِ فَقَد بَهَتَّهُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٠)، ومسلم (٢٥٨٩)، وأبو داود (٤٨٧٤)، والترمذي (١٩٣٤).
ــ
جرح شاهد عند خوف إمضاء الحكم بشهادته، وجرح المحدث الذي يخاف أن يُعمل بحديثه، أو يُروى عنه، وهذه أمور ضرورية في الدين، معمول بها، مجمع من السلف الصالح عليها.
ونحو ذلك: ذكر عيب من استنصحت في مصاهرته أو معاملته، فهذا يجب عليك الإعلام بما تعلم من هناته عند الحاجة إلى ذلك، على جهة الإخبار، كما قال النبي ﷺ : أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه (١).
وقد يكون من هذين النوعين ما لا يجب، بل يندب إليه، كفعل المحدثين حين يعرفون بالضعفاء مخافة الاغترار بحديثهم، وكتحريز من لم يسأل مخافة معاملة مَن حاله تُجهل، وحيث حكمنا بوجوب النص على الغيب، فإنما ذلك إذا لم نجد بدا من التصريح والتنصيص، فأمَّا لو أغنى التعريض والتلويح، لحرم التنصيص والتصريح؛ فإنَّ ذلك أمر ضروري، والضروري يقدر بقدر الحاجة، والله تعالى أعلم.
و(قوله: وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) هو بتخفيف الهاء وتشديد التاء، لإدغام تاء المخاطب في التاء التي هي لام الفعل، وكذلك رويته، ويجوز أن تكون مخففة على إسقاط تاء الخطاب، يقال: بهته بهتا وبهتا وبهتانا، أي: قال عليه ما لم يقل، وهو بهات، والمقول مبهوت، ويقال: بهِت الرجل - بالكسر - إذا دهش وتحير، وبهُت - بالضم - مثله، وأفصح منها: بُهِت، كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ لأنَّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بهيت. قاله الكسائي.
стр. 3861
[٢٤٩٧] وعن عَائِشَةُ: أَنَّ رَجُلًا استَأذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ائذَنُوا لَهُ فَلَبِئسَ ابنُ العَشِيرَةِ - أَو بِئسَ رَجُلُ العَشِيرَةِ - فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيهِ أَلَانَ لَهُ
ــ
و(قوله ﷺ : بئس ابن العشيرة، أو: رجل العشيرة) هذا من رسول الله ﷺ ، ذم لهذا الرجل في حال غيبته لما علم النبي ﷺ من حاله، وأنه ممن لا غيبة فيه، وهو عيينة بن حصن بن حذيفة بن مالك الفزاري، أسلم بعد الفتح، وقيل: قبله، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من الأعراب الجفاة. روى أبو عمر بن عبد البر عن إبراهيم النخعي: أن عيينة دخل على النبي ﷺ بغير إذن، فقال النبي ﷺ : وأين الإذن؟ فقال: ما استأذنت على أحد من مضر، وكانت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ ، فقال: من هذه الحميراء؟ فقال: أم المؤمنين. فقال: ألا أنزل لك عن أجمل منها؟ فقالت عائشة ﵂: من هذا يا رسول الله؟ قال: هذا أحمق مطاع، وهو على ما ترين سيد قومه (١).
وقال الزهري: كان لعيينة ابن أخ من جلساء عمر ﵁ يقال له الجد بن قيس، فقال عيينة لابن أخيه: ألا تدخلني على هذا؟ فقال: أخاف أن تتكلم بما لا ينبغي، فقال: لا أفعل، فأدخله على عمر ﵁ فقال: يا بن الخطاب، والله ما تقسم بالعدل، ولا تعطي الجزل، فغضب عمر ﵁ غضبا شديدا حتى هم أن يوقع به، فقال ابن أخيه: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿خُذِ العَفوَ وَأمُر بِالعُرفِ وَأَعرِض عَنِ الجَاهِلِينَ﴾ وإن هذا من الجاهلين. قال: فخلى عنه عمر، وكان عمر ﵁ وقافا عند كتاب الله تعالى.
قال القاضي عياض: وقد كان من عيينة في حياة النبي ﷺ ، وبعد موته ما يدلّ على ضعف إيمانه، بل فيه علم من إعلام النبي ﷺ ، أنه بئس ابن العشيرة، وقد ظهر ذلك منه، إذ هو ممن ارتد وجيء به أسيرا إلى أبي بكر ﵁ والله أعلم بما ختم له.
стр. 3862
القَولَ. قَالَت عَائِشَةُ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلتَ لَهُ الَّذِي قُلتَ، ثُمَّ أَلَنتَ لَهُ القَولَ؟ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنزِلَةً عِندَ اللَّهِ يَومَ القِيَامَةِ مَن وَدَعَهُ - أَو تَرَكَهُ - النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحشِهِ.
رواه أحمد (٦/ ٣٨)، والبخاريّ (٦٠٥٤)، ومسلم (٢٥٩١)، والترمذيُّ (١٩٩٦).
* * *
ــ
قلت: ويظهر من قول النبي ﷺ فيه: إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من وَدَعَه الناس اتقاء فُحشه أن عيينة ختم له بخاتمة سوء، لأنَّه ممن اتقى النبي ﷺ ، فُحشه وشره، والناس. فهو إذا شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، ولا يكون كذلك حتى يختم الله تعالى له بالكفر، والله تعالى أعلم.
ففي حديثه من الفقه: جواز غيبة المعلن بفسقه ونفاقه، والأمير الجائر والكافر، وصاحب البدعة، وجواز مداراتهم اتقاء شرهم، لكن ما لم يؤدِ ذلك إلى المداهنة في دين الله تعالى. والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حُسن عشرته، والرفق في مكالمته، وطلاقة وجهه، ولم يمدحه بقول، ولا روعي في ذلك في حديث. فعلى هذا فلا يناقض قوله ﷺ في هذا الرجل فعله معه، لأنَّ قوله ذلك إخبار بحق، ومداراته له حسن عشرة مع الخلق، فلا مدفع لأهل الزيغ والضلال، إذ لا يبقى على ما أوضحناه إشكال.
و(قوله: من وَدَعَه، أو تركه الناس اتقاء فحشه) هذا شك من بعض الرواة في أي اللفظين قال النبي ﷺ ، فإن كان الصحيح: وَدَعَه، فقد تكلم النبي ﷺ بالأصل المرفوض، كما قد تكلم به الشاعر الذي هو أنس بن زنيم في قوله:
سل أميري ما الذي غيره ... عن وصالي اليوم حتى وَدَعَه
стр. 3863
(١٨) باب الترغيب في العفو والستر على المسلم
[٢٤٩٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلَّا عِزًّا،
ــ
وقد حكي عن بعض السلف أنه قرأ: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى بتخفيف الدال، وقد صح عن النبي ﷺ أنه تكلم بمصدر ذلك المرفوض حيث قال: لينتهين أقوام عن وَدعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم (١)، وهذا كله يرد على من قال من النحويين: إن العرب قد أماتت ماضي هذا الفعل ومصدره، ولا يُتكلم به استغناء عن ذلك بتركه، فإن أراد به هذا القائل أنه لا يوجد في كلامهم، فقد كذبه النقل الصحيح، وإن أراد أن ذلك يقع ولكنه قليل، وشاذ في الاستعمال، فهو الصحيح.
(١٨ و ١٩) ومن باب: الترغيب في العفو والستر والرفق (٢)
(قوله: ما نقصت صدقة من مال) فيه وجهان:
أحدهما: أنه بقدر ما ينقص منه يزيد الله فيه، وينميه ويكثره.
الثاني: أنه وإن نقص في نفسه ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص بأضعافه.
و(قوله: ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) فيه أيضًا وجهان:
стр. 3864
وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٥)، ومسلم (٢٥٨٨)، والترمذيُّ (٢٠٢٩).
[٢٤٩٩] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَستُرُ عَبدٌ عَبدًا فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ.
وفي رواية: لَا يَستُرُ اللَّهُ عَلَى عَبدٍ فِي الدُّنيَا إِلَّا سَتَر يَومَ القِيَامَةِ.
رواه مسلم (٢٥٩٠) (٧١ و ٧٢).
* * *
ــ
أحدهما: ظاهره، فإنَّ من عُرف بالصفح والعفو ساد وعظم في القلوب.
والثاني: أن يكون أجره وثوابه وجاهه وعزه في الآخرة أكثر.
و(قوله: وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) التواضع: الانكسار والتذلل، ونقيضه التكبر والترفع. والتواضع يقتضي متواضعا له، فإن كان المتواضع له هو الله تعالى، أو من أمر الله بالتواضع له كالرسول، والإمام والحاكم، والوالد، والعالم، فهو التواضع الواجب المحمود، الذي يرفع الله تعالى به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأما التواضع لسائر الخلق فالأصل فيه أنه محمود، ومندوب إليه، ومرغب فيه، إذا قصد به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله تعالى قدره في القلوب، وطيب ذكره في الأفواه، ورفع درجته في الآخرة.
وأما التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذل الذي لا عز معه، والخسة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذل الآخرة. وكل صفقة خاسرة - نعوذ بالله من ذلك - وقد تقدم الكلام على العفو والستر.
* * *
стр. 3865
(١٩) باب الحث على الرفق ومن حرمه حرم الخير
[٢٥٠٠] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ،
ــ
و(قوله: إن الله رفيق يحب الرفق) قد تقرر في غير موضع: أن العلماء اختلفوا في أسماء الله تعالى، هل الأصل فيها التوقيف، فلا يسمى إلا بما سمى به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله، أو بجمع الأمة عليه، أو: الأصل جواز تسميته تعالى بكل اسم حسن، إلا أن يمنع منه مانع شرعي؟ الأول لأبي حسن (١)، والثاني: للقاضي أبي بكر (٢). ومثار الخلاف: هل الألف واللام في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسمَاءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا﴾ للجنس، أو للعهد؟ ثم إذا تنزلنا على رأي الشيخ أبي الحسن، هل نقتبس أسماءه تعالى من أخبار الآحاد، أو لا؟ اختلف المتأخرون من الأشعرية في ذلك على قولين، والصحيح قبول أخبار الآحاد في ذلك، لأن إطلاق الأسماء على الله تعالى حكم شرعي عملي، فيُكتفى فيه بخبر الواحد والظواهر، كسائر الأحكام العملية، فأما معنى الاسم فإن شهد باتصاف الحق به قاطع عقلي، أو سمعي، وجب قبوله وعلمه، وإلا لم يجب. ثم هل يكتفى في كون الكلمة اسما من أسماء الله تعالى بوجودها في كلام الشارع من غير تكرار ولا كثرة، أم لا بد منهما؟ فيه رأيان، وقد سبق القول في ذلك.
والرفيق: هو الكثير الرفق، وهو اللين، والتسهيل، وضده العنف، والتشديد والتصعيب، وقد يجيء الرفق بمعنى الإرفاق، وهو: إعطاء ما يرتفق به، قال أبو زيد: يقال: رفقت به، وأرفقته، بمعنى: نفعته، وكلاهما صحيح في حق الله تعالى؛ إذ هو
стр. 3866
وَيُعطِي عَلَيه مَا لَا يُعطِي عَلَى العُنفِ، وَمَا لَا يُعطِي عَلَى مَا سِوَاهُ.
رواه مسلم (٢٥٩٣).
[٢٥٠١] وعنها، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرِّفقَ لَا يَكُونُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنزَعُ مِن شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ.
زاد في رواية: أن عائشة ركبت بعيرا، فَكَانَت فِيهِ صُعُوبَةٌ، فَجَعَلَت تُرَدِّدُهُ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيكِ بِالرِّفقِ ... فإن الرفق ... على نحو ما تقدم.
رواه أحمد (٦/ ١١٢ و ١٢٥)، ومسلم (٢٥٩٤) (٧٨ و ٧٩)، وأبو داود (٢٤٧٨).
ــ
الميسر والمسهل لأسباب الخير والمنافع كلها، والمعطي لها، فلا تيسير إلا بتيسيره، ولا منفعة إلا بإعطائه وتقديره. وقد يجيء الرفق أيضًا بمعنى: التمهل في الأمر والتأني فيه، يقال منه: رفقت الدابة أرفقها رفقا: إذا شددت عضدها بحبل لتبطئ في مشيها، وعلى هذا فيكون الرفيق في حق الله تعالى بمعنى: الحليم؛ فإنَّه لا يعجل بعقوبة العصاة، بل يمهل ليتوب من سبقت له السعادة، ويزداد إثما من سبقت له الشقاوة، وهذا المعنى أليق بالحديث؛ فإنَّه السبب الذي أخرجه. وذلك أن اليهود سلموا على النبي ﷺ فقالوا: السام عليك، ففهمتهم عائشة ﵂ فقالت: بل عليكم السام واللعنة. فقال لها النبي ﷺ هذا الحديث.
و(قوله: إن الله رفيق يحب الرفق) أي: يأمر به، ويحض عليه، وقد تقدم أن حب الله للطاعة شرعه لها، وترغيبه فيها، وحب الله لمن أحبه من عباده: إكرامه له.
و(قوله: ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف) ويقال بفتح العين
стр. 3867
[٢٥٠٢] وعن جَرِيرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: مَن يُحرَم الرِّفقَ يُحرَم الخَيرَ.
رواه أحمد (٤/ ٣٦٦)، ومسلم (٢٥٩٢) (٧٤ - ٧٥)، وأبو داود (٤٨٠٩)، وابن ماجه (٣٦٨٧)، وقد جاء في الأصول: عن جابر (بدل): عن جرير.
* * *
ــ
وضمها، معناه: إن الله تعالى يعطي عليه في الدنيا من الثناء الجميل، وفي الآخرة من الثواب الجزيل ما لا يعطي على العنف الجائز.
وبيان هذا بأن يكون أمر ما من الأمور سوغ الشرع أن يُتوصل إليه بالرفق وبالعنف، فسلوك طريق الرفق أولى لما يحصل عليه من الثناء على فاعله بحسن الخلق، ولما يترتب عليه من حسن الأعمال، وكمال منفعتها، ولهذا أشار ﷺ بقوله: ما كان الرفق في شيء إلا زانه. وضده الخرق والاستعجال، وهو مفسد للأعمال، وموجب لسوء الأحدوثة، وهو المعبر عنه بقوله: ولا نزع من شيء إلا شانه. أي: عابه، وكان له شَينا. وأما الخرق والعنف: فمفوتان مصالح الدنيا، وقد يفضيان إلى تفويت ثواب الآخرة، ولذلك قال ﷺ : من يحرم الرفق يحرم الخير. أي: يفضي ذلك به إلى أن يُحرم خير الدنيا والآخرة.
* * *
стр. 3868
(٢٠) باب لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا والتغليظ على من لعن بهيمة
[٢٥٠٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَنبَغِي لِصِدِّيقٍ أَن يَكُونَ لَعَّانًا.
رواه مسلم (٢٥٩٧).
ــ
(٢٠) ومن باب قوله: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا
قد تقدَّم: أن أصل اللعن: الطرد والبعد، وهو في الشرع: البعد عن رحمة الله تعالى وثوابه إلى نار الله وعقابه، وأن لعن المؤمن كبيرة من الكبائر؛ إذ قد قال ﷺ : لعن المؤمن كقتله (١).
و(قوله: لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا) صديق: فعيل: وهو الكثير الصدق والتصديق، كما قد تقرر في صفة أبي بكر ﵁ واللعان: الكثير اللعن. ومعنى هذا الحديث: أن من كان صادقا في أقواله وأفعاله مصدقا بمعنى اللعنة الشرعية، لم تكن كثرة اللعن من خُلقه، لأنه إذا لعن من لا يستحق اللعنة الشرعية (٢)، فقد دعا عليه بأن يُبعد من رحمة الله وجنته، ويدخل في ناره وسخطه. والإكثار من هذا يناقض أوصاف الصديقين، فإنَّ من أعظم صفاتهم الشفقة والرحمة للحيوان مطلقا، وخصوصا بني آدم، وخصوصا المؤمن؛ فإنَّ المؤمنين كالجسد الواحد، وكالبنيان لما تقدَّم، فكيف يليق أن يُدعى عليهم باللعنة التي معناها الهلاك والخلود في نار الآخرة. فمن كثر منه اللعن فقد سُلب منصب
стр. 3869
[٢٥٠٤] وعن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَومَ القِيَامَةِ.
رواه مسلم (٢٥٩٨) (٨٥ - ٨٦)، وأبو داود (٤٩٠٧).
[٢٥٠٥] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: بَينَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعضِ أَسفَارِهِ، وَامرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ عَلَى نَاقَةٍ، فَضَجِرَت، فَلَعَنَتهَا، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: خُذُوا مَا عَلَيهَا، وَدَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَلعُونَةٌ، قَالَ عِمرَانُ: فَكَأَنِّي أَرَاهَا الآنَ ناقة ورقاء تَمشِي فِي النَّاسِ مَا يَعرِضُ لَهَا أَحَدٌ.
رواه أحمد (٤/ ٤٢٩)، ومسلم (٢٥٩٥) (٨٠ و ٨١)، وأبو داود (٢٥٦١).
ــ
الصديقية، ومن سُلبه فقد سُلب منصب الشفاعة والشهادة الأخروية، كما قال: لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة. وإنما خص اللعان بالذكر ولم يقل: اللاعن، لأن الصديق قد يلعن مَن أمره الشرع بلعنه، وقد يقع منه اللعن فلتة وندرة، ثم يراجع، وذلك لا يخرجه عن الصديقية، ولا يفهم من نسبتنا الصديقية لغير أبي بكر، مساواة غير أبي بكر لأبي بكر ﵁ في صديقيته؛ فإنَّ ذلك باطل بما قد عُلم أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ ، على ما تقدَّم، لكن المؤمنون الذين ليسوا بلعانين لهم حظ من تلك الصديقية، ثم هم متفاوتون فيها على حسب ما قسم لهم منها، والله تعالى أعلم.
وقوله ﷺ في الناقة المدعو عليها باللعنة: خذوا ما عليها فإنَّها ملعونة) حمله بعض الناس على ظاهره، فقال: أطلع الله تعالى نبيه ﷺ على أن هذه الناقة قد لعنها الله تعالى، وقد استُجيب لصاحبتها فيها؛ فإن أراد هذا القائل أن الله تعالى لعن هذه الناقة كما يلعن من استحق اللعنة من المكلفين، كان ذلك باطلا؛ إذ الناقة ليست بمكلفة، وأيضًا فإنَّ الناقة لم يصدر منها ما يوجب لعنها، وإن أراد
стр. 3870
[٢٥٠٦] وعَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ قَالَ: بَينَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ عَلَيهَا بَعضُ مَتَاعِ القَومِ، إِذ بَصُرَت بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَتَضَايَقَ بِهِم الجَبَلُ، فَقَالَت: حَل! اللَّهُمَّ العَنهَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُصَاحِبنَا نَاقَةٌ عَلَيهَا لَعنَةٌ.
وفي رواية: لا، ايم الله، لا تصاحبنا.
رواه أحمد (٤/ ٤٢١)، ومسلم (٢٥٩٦) (٨٢ و ٨٣).
* * *
ــ
أن هذه اللعنة: إنما هي عبارة عن إبعاد هذه الناقة عن مالكتها، وعن استخدامها إياها، فتلك اللعنة إنما ترجع لصاحبتها؛ إذ قد حيل بينها وبين مالها، ومُنعت الانتفاع به، لا للناقة، لأنها قد استراحت من ثِقل الحمل وكد السير.
فإن قيل: فلعل معنى لعنة الله الناقة أن تترك ألا يتعرض لها أحد، فالجواب: أن معنى ترك الناس لها إنما هو أنهم لم يؤوها إلى رحالهم، ولا استعملوها في حمل أثقالهم، فأمَّا أن يتركوها في غير مرعى ومن غير علف حتى تهلك فليس في الحديث ما يدل عليه. ثم هو مخالف لقاعدة الشرع في الأمر بالرفق بالبهائم والنهي عن تعذيبها، وإنما كان هذا منه ﷺ تأديبا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليها بما دعت به.
ويستفاد منه: جواز العقوبة في المال لمن جنى فيه بما يناسب ذلك، والله تعالى أعلم.
والورقاء: التي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق.
و(قوله: فقالت: حل) هي كلمة تزجر بها الإبل، يقال: حل! حل! بسكون اللام، ويقال: حل! حل! بكسر اللام فيهما، منونة وغير منونة.
* * *
стр. 3871
(٢١) باب لم يبعث النبي ﷺ لعانا وإنما بعث رحمة، وما جاء من أن دعاءه على المسلم أو سبه له طهور وزكاة ورحمة
[٢٥٠٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قِيلَ لرَسُولَ اللَّهِ ﷺ : ادعُ عَلَى المُشرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَم أُبعَث لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثتُ رَحمَةً.
رواه مسلم (٢٥٩٩).
ــ
(٢١) ومن باب: لم يبعث النبي ﷺ لعانا، وإنما بُعث رحمة (١)
قوله ﷺ : إني لم أبعث لعانا، وإنما بُعثت رحمة) كان هذا منه ﷺ بعد دعائه على رعل وذكوان وعصية، الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة، فأقام النبي ﷺ شهرا يدعو عليهم، ويلعنهم في آخر كل صلاة من الصلوات الخمس، يقنت بذلك، حتى نزل عليه جبريل فقال: إن الله تعالى لم يبعثك لعانا ولا سبابا، وإنما بعثك رحمة ولم يبعثك عذابا ثم أنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الأَمرِ شَيءٌ أَو يَتُوبَ عَلَيهِم أَو يُعَذِّبَهُم فَإِنَّهُم ظَالِمُونَ﴾ على ما خرجه أبو داود في مراسيله (٢) من حديث خالد بن أبي عمران، وفي الصحيحين ما يؤيد ذلك ويشهد بصحته.
و(قوله: إنما بعثت رحمة) هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ﴾ أي: بالرسالة العامة، والإرشاد للهداية، والاجتهاد في التبليغ، والمبالغة في النصح، والحرص على إيمان الجميع، وبالصبر على جفائهم، وترك الدعاء عليهم، إذ لو دعا عليهم لهلكوا. وهذه الرحمة يشترك فيها
стр. 3872
[٢٥٠٨] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلَانِ، فَكَلَّمَاهُ بِشَيءٍ لَا أَدرِي مَا هُوَ، وَأَغضَبَاهُ، فَلَعَنَهُمَا وَسَبَّهُمَا، فَلَمَّا خَرَجَا قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لمَن أَصَابَ مِن الخَيرِ شَيئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانِ! قَالَ: وَمَا ذَاكِ؟ قَالَت: قُلتُ: لَعَنتَهُمَا وَسَبَبتَهُمَا! قَالَ: أَوَمَا عَلِمتِ مَا شَارَطتُ عَلَيهِ رَبِّي؟ قُلتُ: اللَّهُمَّ! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ المُسلِمِينَ لَعَنتُهُ أَو سَبَبتُهُ فَاجعَلهُ لَهُ زَكَاةً وَأَجرًا.
رواه مسلم (٢٦٠٠)(٨٨).
ــ
المؤمن والكافر، أما رحمته الخاصة فلمن هداه الله تعالى، ونور قلبه بالإيمان، وزين جوارحه بالطاعة، كما قال تعالى: ﴿بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فهذا هو المغمور برحمة الله، المعدود في زمرة الكائنين معه في مستقر كرامته، جعلنا الله منهم، ولا حال بيننا وبينهم.
و(قوله: لمن أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان) هذا الكلام من السهل الممتنع، وذلك أن معناه أن هذين الرجلين ما أصابا منك خيرا، وإن كان غيرهما قد أصابه، لكن تنزيل هذا المعنى على أفراد ذلك الكلام فيه صعوبة، ووجه التنزيل يتبين بالإعراب، وهو أن اللام في: لمن، هي لام الابتداء، وهي متضمنة للقسم، ومن: موصولة في موضع رفع بالابتداء، وصلتها: أصاب، وعائدها: المضمر في أصاب، وما بعدها متعلق به، وخبره محذوف، تقديره: والله لرجل أصاب منك خيرا: فائز أو ناج. ثم نفى عن هذين الرجلين إصابة ذلك الخير بقوله: ما أصابه هذان، ولا يصح أن يكون (ما أصابه) خبرا لـ (من) المبتدأ، لخلوها عن عائد يعود على نفس المبتدأ، وأما الضمير في (أصابه) فهو للخير، لا لمن، فتأمله يصح لك ما قلناه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته أو جلدته، فاجعل ذلك له كفارة ورحمة) ظاهر هذا أنه خاف أن
стр. 3873
[٢٥٠٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِندَكَ عَهدًا لَن تُخلِفَنِيهِ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ المُؤمِنِينَ آذَيتُهُ، شَتَمتُهُ، لَعَنتُهُ، جَلَدتُهُ، فَاجعَلهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً.
ــ
يصدر عنه في حال غضبه شيء من تلك الأمور، فيتعلق به حق مسلم، فدعا الله تعالى، ورغب إليه في أنه: إن وقع منه شيء من ذلك لغير مستحق في ألا يفعل بالمدعو عليه مقتضى ظاهر ذلك الدعاء، وأن يعوضه من ذلك مغفرة لذنوبه ورفعة في درجاته، فأجاب الله تعالى طلبة نبيه ﷺ ووعده بذلك، فلزم ذلك بوعده الصدق وقوله الحق، وعن هذا عبر النبي ﷺ بقوله: شارطت ربي، وشرط علي ربي، واتخذت عنده عهدا لن يخلفنيه لا أن الله تعالى يُشترط عليه شرط، ولا يجب عليه لأحد حق، بل ذلك كله بمقتضى فضله وكرمه على حسب ما سبق في علمه.
فإن قيل: فكيف يجوز أن يصدر من النبي ﷺ لعن أو سب، أو جلد لغير مستحقه، وهو معصوم من مثل ذلك في الغضب والرضا؛ لأنَّ كل ذلك محرم وكبيرة، والأنبياء معصومون عن الكبائر، إما بدليل العقل، أو بدليل الإجماع، كما تقدَّم.
قلت: قد أشكل هذا على العلماء، وراموا التخلص من ذلك بأوجه متعددة، أوضحها وجه واحد، وهو: أن النبي ﷺ إنما يغضب لما يرى من المغضوب عليه من مخالفة الشرع، فغضبه لله تعالى لا لنفسه، فإنَّه ما كان يغضب لنفسه ولا ينتقم لها، وقد قررنا في الأصول: أن الظاهر من غضبه تحريم الفعل المغضوب من أجله. وعلى هذا فيجوز له أن يؤدب المخالف له باللعن والسب والجلد والدعاء عليه بالمكروه، وذلك بحسب مخالفة المخالف، غير أن ذلك المخالف قد يكون ما صدر منه فلتة أوجبتها غفلة، أو غلبة نفس، أو شيطان، وله فيما بينه وبين الله تعالى عمل خالص، وحال صادق، يدفع الله عنه بسبب ذلك أثر ما صدر عن النبي ﷺ له من ذلك القول أو الفعل. وعن هذا عبر النبي ﷺ بقوله: فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورا،
стр. 3874
وفي رواية: ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة.
وفي رواية: اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ يَغضَبُ كَمَا يَغضَبُ البَشَرُ، وفيها: فَاجعَلهَا لَهُ كَفَّارَةً، وَقُربَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا، وذكره. قال أبو الزناد: جلده لغة أبي هريرة.
رواه أحمد (٢/ ٣١٦)، والبخاريُّ (٦٣٦١)، ومسلم (٢٦٠١) (٨٩ و ٩٠ و ٩١).
[٢٥١٠] وعن أَنَسُ بنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانَت عِندَ أُمِّ سُلَيمٍ يَتِيمَةٌ - وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ - فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَتِيمَةَ فَقَالَ: آنتِ هِيَه؟ لَقَد كَبِرتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ، فَرَجَعَت اليَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ تَبكِي، فَقَالَت أُمُّ سُلَيمٍ: مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ؟
ــ
وزكاة، وقربة تقربه بها يوم القيامة أي: عوضه من تلك الدعوة بذلك، والله تعالى أعلم.
قلت: وقد يدخل في قوله: أيما أحد من أمتي دعوت عليه: الدعوات الجارية على اللسان من غير قصد للوقوع، كقوله: تربت يمينك (١) وعقرى حلقى (٢). ومن هذا النوع قوله لليتيمة: لا كبر سنك، فإنَّ هذه لم تكن عن غضب، وهذه عادة غالبة في العرب يصلون كلامهم بهذه الدعوات، ويجعلونها دعاما لكلامهم من غير قصد منهم لمعانيها، وقد قدمنا في كتاب الطهارة في هذا كلاما للبديع، وهو من القول البديع. وبما ذكرناه يرتفع الإشكال ويحصل الانفصال.
ووجه لغة أبي هريرة في: جلده (٣): أنه قلب التاء دالا لقرب
стр. 3875
قَالَت الجَارِيَةُ: دَعَا عَلَيَّ رسول اللَّهِ ﷺ أَن لَا يَكبَرَ سِنِّي، فَالآنَ لَا يَكبَرُ سِنِّي أَبَدًا - أَو قَالَت: قَرنِي - فَخَرَجَت أُمُّ سُلَيمٍ مُستَعجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ؟ فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَدَعَوتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيمٍ؟ قَالَت: زَعَمَت أَنَّكَ دَعَوتَ ألَا يَكبَرَ سِنُّهَا، وَلَا يَكبَرَ قَرنُهَا، قَالَ: فَضَحِكَ
ــ
مخرجهما، ثم أدغم التاء في الدال، وهي على عكس اللغة المشهورة، فإنهم فيها قلبوا الدال تاء، وأدغموا الدال في التاء، وهو الأولى.
و(قوله ﷺ ليتيمة أم سليم: آنت هيه؟ لقد كبرت، لا كبر سنك) الهاء في: هيه، للوقف، فإذا وصلت حذفتها، وهذا الاستفهام على جهة التعجب، وكأنه ﷺ كان قد رآها صغيرة، ثم غابت عنه مدة فرآها قد طالت وعبلت (١)، فتعجب من سرعة ذلك فقال لها ذلك القول متعجبا، فوصل كلامه بقوله: لا كبر سنك، على ما قلناه من إطلاق ذلك القول من غير إرادة معناه، وهذا واضح هنا: ويحتمل أن يقال: إنما دعا عليها بأن لا يكبر سنها كبرا تعود به إلى أرذل العمر، كما كان النبي ﷺ يتعوذ من أن يرد إلى أرذل العمر، والمعنى الأول أظهر من مساق بقية الحديث في اعتذاره ﷺ ، عن ذلك.
و(قول اليتيمة: لا يكبر سني، أو قالت: قرني) هو بفتح القاف، وتعني به السن، وهو شك عرض لبعض الرواة، وأصله أن من ساوى آخر في سنه كان قرن رأسه محاذيا لقرنه، وقرن الرأس جانبه الأعلى، وهذا يدل على أن إجابة دعوات رسول الله ﷺ كانت معلومة بالمشاهدة عند كبارهم وصغارهم، لكثرة ما كانوا يشاهدون من ذلك، ولعلمهم بمكانته ﷺ .
وتلوث خمارها: تديره على رأسها وعنقها، والطهور هنا هي الطهارة من الذنوب، وقد سماها في الرواية
стр. 3876
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: يَا أُمَّ سُلَيمٍ، أَمَا تَعلَمِينَ شَرطِي عَلَى رَبِّي: أَنِّي اشتَرَطتُ عَلَى رَبِّي فَقُلتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرضَى كَمَا يَرضَى البَشَرُ، وَأَغضَبُ كَمَا يَغضَبُ البَشَرُ، فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوتُ عَلَيهِ مِن أُمَّتِي بِدَعوَةٍ لَيسَ لَهَا بِأَهلٍ أَن تَجعَلَهَا لَهُ طَهُورًا، وَزَكَاةً، وَقُربَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ.
وفي رواية: يتيمة - بالتصغير - في المواضع الثلاثة.
رواه مسلم (٢٦٠٣).
[٢٥١١] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنتُ أَلعَبُ مَعَ الصِّبيَانِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَوَارَيتُ خَلفَ بَابٍ، قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطأَةً، وَقَالَ:
ــ
الأخرى: كفارة. والصلاة من الله تعالى: الرحمة، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى. والزكاة: الزيادة في الأجر، كما قد عبر عنها في الرواية الأخرى بالأجر. والقربة: ما يقرب إلى الله تعالى وإلى رضوانه. وفيه ما يدلّ على تأكد الشفقة على اليتيم، والذب عنه، والحنو عليه.
و(قول ابن عباس ﵄: كنت ألعب مع الصبيان) دليل على جواز تخلية الصغير للعب لتنشط نفسه، وتتقوى أعضاؤه، وتتوقح رجلاه، أي: تتصلب.
و(قوله: فجاء رسول الله ﷺ ، فتواريت خلف باب) أي: اختفيت بالباب، وكأنه استحى من النبي ﷺ ، وهابه.
و(قوله: فحطأني حطأة) فسره أمية بن خالد بقفدني قفدة، وكلاهما يحتاج إلى تفسير، فأمَّا حطأني: فهو بالحاء المهملة، وبالهمزة على قول شمر، وهو المحكي في الصحاح، وهكذا قيده أهل الإتقان والضبط، وهو أن تضرب بيدك مبسوطة في القفا، أو بين الكتفين، وجاء به الهروي غير مهموز في باب الحاء،
стр. 3877
اذهَب ادعُ لِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: هُوَ يَأكُلُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَ: اذهَب فَادعُ لِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَجِئتُ فَقُلتُ: هُوَ يَأكُلُ. فَقَالَ: لَا أَشبَعَ اللَّهُ بَطنَهُ.
قَالَ ابنُ المُثَنَّى: قُلتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأَنِي؟ قَالَ: قَفَدَنِي قَفدَةً.
رواه أحمد (١/ ٣٣٥)، ومسلم (٢٦٠٤)(٩٦).
* * *
ــ
والطاء والواو، وقال ابن الأعرابي: الحطو: تحريك الشيء متزعزعا. وأما القفد - بتقديم القاف على الفاء - فالمعروف عند اللغويين أنه: المشي على صدور القدمين من قِبل الأصابع، ولا تبلغ عقباه الأرض. يقال: رجل أقفد، وامرأة قفداء، هو القفد، بفتح القاف والفاء.
قلت: ولم أجد قفدني بمعنى حطأني إلا في تفسير أمية هذا. وهذا الضرب من النبي ﷺ لابن عباس تأديب له، ولعله لأجل اختفائه منه؛ إذ كان حقه أن يجيء إليه، ولا يفر منه. ويحتمل أن يكون هذا الضرب بعد أن أمره أن يدعو له معاوية، فلم يؤكد على معاوية الدعوة، وتراخى في ذلك، ألا ترى قوله في المرتين: هو يأكل، ولم يزد على ذلك، وكان حقه في المرة الثانية ألا يفارقه حتى يأتي به، والله تعالى أعلم.
ففيه تأديب الصغار بالضرب الخفيف الذي يليق بهم، وبحسب ما يصدر عنه.
و(قوله: ادع لي معاوية) فيه استعمال الصغير فيما يليق بهم من الأعمال.
و(قوله: لا أشبع الله بطنه) يحتمل أن يكون من نوع: لا كبر سنك كما قلناه، على تقدير أن يكون معاوية من الأكل في أمر كان معذورا به من شدة الجوع، أو مخافة فساد الطعام، أو غير ذلك، وهذا المعنى تأول من أدخل هذا الحديث في مناقب معاوية، فكأنه كنى به عن أنه دعا عليه بسبب أمر كان معذورا
стр. 3878
(٢٢) باب ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة
[٢٥١٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ ذَا الوَجهَينِ؛ الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجهٍ.
وفي رواية: تجدون من شر الناس ذا الوجهين نحوه.
رواه مسلم (٢٥٢٦) في البر والصلة (٩٨ و ١٠٠).
ــ
به، فحصل له من دعاء النبي ﷺ الكفارة والرحمة والقربة إلى الله تعالى التي دعا بها النبي ﷺ كما ذكرناه. ويحتمل أن يكون هذا الدعاء من النبي ﷺ على حقيقته أدبا لمعاوية على تثبطه في إجابة دعوة النبي ﷺ . وإجابة دعوته ﷺ واجبة على الفور، بدليل حديث أبي الذي أنكر عليه في ترك إجابته، وكان أبي في الصلاة.
(٢٢ و ٢٣) ومن باب: ما ذكر في ذي الوجهين وفي النميمة والتحذير من الكذب (١)
(قوله: إن من شر الناس ذي الوجهين) يعني به الذي يدخل بين الناس بالشر والفساد، ويواجه كل طائفة بما يتوجه به عندها مما يرضيها من الشر، فإن رفع حديث أحدهما إلى الآخر على جهة الشر: فهو ذو الوجهين النمام، وأما من كان ذا وجهين في الإصلاح بين الناس، فيواجه كل طائفة بوجه خير، وقال لكل واحدة منهما من الخير خلاف ما يقول للأخرى، فهو الذي يسمى بالمصلح، وفعله ذلك يسمى: الإصلاح، وإن كان كاذبا؛ لقوله ﷺ : ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرا وينمي خيرا.
стр. 3879
[٢٥١٣] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُم مَا العَضهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، القَالَةُ بَينَ النَّاسِ. وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ يَصدُقُ حَتَّى يُكتَبَ صِدِّيقًا، وَيَكذِبُ حَتَّى يُكتَبَ كَذَّابًا.
رواه مسلم (٢٦٠٦)(١٠٢).
* * *
(٢٣) باب الأمر بالصدق والتحذير عن الكذب وما يباح منه
[٢٥١٤] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَلَيكُم بِالصِّدقِ، فَإِنَّ الصِّدقَ يَهدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدقَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُم وَالكَذِبَ؛
ــ
و(قوله: ألا أنبئكم ما العضه؟ ) هكذا أذكر أني قرأته بفتح العين وإسكان الضاد والهاء، وهذا عند الجياني، وهو مصدر عضهه يعضهه عضها: إذا رماه بكذب وبهتان، وقد رواه أكثر الشيوخ: ما العِضة، بكسر العين وفتح الضاد والتاء المنقلبة في الوقف هاء، وهي أصوب، لأنَّ العضة اسم، والنميمة اسم، فصح تفسير الاسم بالاسم، والعضه مصدره، ولا يحسن تفسير المصدر بالاسم. فالرواية الثانية أولى، والذي يبين لك أن العضه اسم، ما قاله الكسائي، قال: العضه: الكذب والبهتان، وجمعها عضون، مثل: عزه وعزين، وقد بينا أن العضة: المصدر، فصح ما قلناه، وقد تقدَّم القول في حكم ذي الوجهين والنمام، وقد فسر النبي ﷺ العضة بالنميمة، لأنَّ النميمة لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبًا.
و(قوله: عليكم بالصدق، فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإياكم والكذب. . . الحديث) يهدي: يرشد ويوصل، والبر: العمل
стр. 3880
فَإِنَّ الكَذِبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكتَبَ عِندَ اللَّهِ كَذَّابًا.
رواه أحمد (٣/ ١٩)، والبخاري (٦٠٩٤)، وممسلم (٢٦٠٧)(١٠٥)، والترمذيُّ (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٧).
[٢٥١٥] وعن أُمَّ كُلثُومٍ بِنتَ عُقبَةَ بنِ أَبِي مُعَيطٍ - وَكَانَت مِن المُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ اللَّاتِي بَايَعنَ رسول الله ﷺ أَنَّهَا سَمِعَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: لَيسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصلِحُ بَينَ النَّاسِ خيرا وَيَقُولُ خَيرًا وَيَنمِي خَيرًا.
وفي رواية: قالت: وَلَم أَسمَعه يُرَخَّصُ فِي شَيءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ
ــ
الصالح أو الجنة، كما قدمناه. والفجور: الأعمال السيئة. و (عليكم) من ألفاظ الإغراء، المصرحة بالإلزام، فحق على كل من فهم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار. وقد أرشد الله تعالى إلى ذلك كله بقوله عند ذكر أحوال الثلاثة التائبين (١) فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ والقول في الكذب المحذر عنه على الضد من القول في الصدق، وقد تقدَّم القول في البر والفجور والهدى.
و(قول أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث) تعني بذلك: أنه لم يرخص في شيء مما يكذب الناس فيه، إلا في هذه الثلاث، وقد جاء لفظ الكذب نصا في كتاب الترمذي، من حديث أسماء بنت
стр. 3881
كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ؛ الحَربُ، وَالإِصلَاحُ بَينَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ المَرأَةِ زَوجَهَا.
وقد روى مسلم هذا من كلام ابن شهاب.
ــ
يزيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يحل الكذب إلا في ثلاث: يحدث الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس (١). فهذه الأحاديث قد أفادت أن الكذب كله محرم لا يحل منه شيء إلا هذه الثلاثة، فإنَّه رخص فيها لما يحصل بذلك من المصالح، ويندفع به من المفاسد، والأولى ألا يكذب في هذه الثلاثة، إذا وجد عنه مندوحة؛ فإن لم توجد المندوحة أعملت الرخصة. وقد يجب ذلك بحسب الحاجة إلى تلك المصلحة، والضرورة إلى دفع تلك المفسدة، وما ذكرته هو - إن شاء الله - مذهب أكثر العلماء، وقد ذهب الطبري إلى أنه لا يجوز الكذب الصريح بشيء من الأشياء، لا في هذه الثلاثة، ولا في غيرها، متمسِّكًا بالقاعدة الكلية في تحريمه، وتأول هذه الأحاديث على التورية والتعريض، وهو تأويل لا يعضده دليل، ولا تعارض بين العموم والخصوص كما هو عن العلماء منصوص. وأما كذبة تنجي ميتا، أو وليا، أو أمما، أو مظلوما ممن يريد ظلمه، فذلك لا تختلف في وجوبه أمة من الأمم، لا العرب ولا العجم.
و(قوله: إن الرجل لا يزال يصدق، ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا) يتحرى الصدق: يقصد إليه ويتوخاه، ويجتنب نقيضه الذي هو الكذب، حتى يكون الصدق غالب حاله، فيكتب من جملة الصديقين، ويثبت في ديوانهم، وكذلك القول في الكذب. وأصل الكتب: الضم والجمع، ومنه: كتبت البغلة: إذا جمعت بين شفريها بحلقة.
стр. 3882
رواه أحمد (٦/ ٤٠٣)، والبخاريُّ (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥)، وأبو داود (٢٩٢٠ و ٢٩٢١)، والترمذيُّ (١٩٣٨).
* * *
ــ
و(قوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ جمعه وثبته، و: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: حكم وأوجب، فكأنه جمع ما حكم به في المحكوم عليه، وكتبت الكتاب: جمعت فيه المكتوب وثبتّه، وقد تقدَّم القول في الصديق. وخرج أبو مسعود الدمشقي حديث عبد الله بن مسعود هذا، وزاد فيه: وإن شر الروايا روايا الكذب، وإن الكذب لا يصلح فيه جد ولا هزل، ولا يعِد الرجل صاحبه فيخلفه. وذكر أبو مسعود أن مسلما خرج هذه الزيادة، ولم تقع لنا هذه الزيادة، ولا لأحد من أشياخنا فيما علمناه، وقال أبو عبد الله الحميدي: وليست عندنا. والروايا: جمع راوية، يعني به: حامل الكذب وراويه، والهاء فيه للمبالغة، كعلامة ونسابة، أو يكون استعارة، شبه حامل الكذب لحمله إياه بالراوية الحاملة للماء. وفيه حجَّة للطبري في تحريمه الكذب مطلقا وعموما. وفيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد، ولو كان بالشيء الحقير مع الصبي الصغير.
* * *
стр. 3883
(٢٤) باب ما يقال عند الغضب ومدح من يملك نفسه عنده
[٢٥١٦] عن سُلَيمَانُ بنُ صُرَدٍ قَالَ: استَبَّ رَجُلَانِ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا يَغضَبُ وَيَحمَرُّ وَجهُهُ، وتنتفخ أوداجه، فَنَظَرَ إِلَيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ. فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَتَدرِي مَا قَالَ
ــ
(٢٤) ومن باب: ما يقال عند الغضب والنهي عن ضرب الوجه
(قوله ﷺ للغضبان: إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) يدلّ على أن الشيطان له تأثير في تهييج الغضب وزيادته، حتى يحمله على البطش بالمغضوب عليه، أو إتلافه، أو إتلاف نفسه، أو شر يفعله يستحق به العقوبة في الدنيا والآخرة، فإذا تعوذ الغضبان بالله من الشيطان الرجيم، وصح قصده لذلك، فقد التجأ إلى الله تعالى وقصده واستجار به، والله تعالى أكرم من أن يخذل من استجار به، ولما جهل ذلك الرجل ذلك المعنى، وظن أن الذي يحتاج إلى التعوذ إنما هو المجنون، فقال: أمجنونا تراني؟ منكرا على من نبهه على ما يصلحه، ورادا لما ينفعه، وهذا من أقبح الجنون، والجنون فنون (١)، وكأن هذا الرجل كان من جفاة الأعراب الذين قلوبهم من الفقه والفهم خراب.
و(قوله: أتدرون ما تعدون الرقوب فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا يولد له) الرقوب: فعول، وهو الكثير المراقبة، كضروب، وقتول، لكنه صار في عُرف استعمالهم عبارة عن المرأة التي لا يعيش لها ولد، كما قال عبيد بن الأبرص:
стр. 3884
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آنِفًا؟ قَالَ: إِنِّي لَأَعلَمُ كَلِمَةً لَو قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجنُونًا تَرَانِي؟ ! .
رواه أحمد (٦/ ٣٩٤)، والبخاريُّ (٣٢٨٢)، ومسلم (٢٦١٠) (١٠٩ و ١١٠)، وأبو داود (٤٧٨١).
ــ
. . . . . . . . . . . . . ... . . . . كأنها شيخة رقوب (١)
قلت: هذا نقل أهل اللغة، ولم يذكروا أن الرقوب يقال على من لا يولد له، مع أنه قد كان معروفا عند الصحابة ﵃ ولذلك أجابوا به رسول الله ﷺ . والقياس يقتضيه؛ لأنَّ الذي لا يولد له يكثر ارتقابه للولد، وانتظاره له، ويطمع فيه إذا كان ممن يرتجي ذلك، كما يقال على المرأة التي ترقب موت زوجها: رقوب. وللناقة التي ترقب الحوض فتنفر منه، ولا تقربه: رقوب.
قلت: ويحتمل أن يُحمل قولهم في الرقوب: إنه الذي لا يولد له بعد فقد أولاده؛ لوصوله من الكبر إلى حال لا يولد له، فتجتمع عليه مصيبة الفقد ومصيبة اليأس، وهذا هو الأليق بمساق الحديث. ألا ترى قوله: ليس ذلك الرقوب، ولكنه الرجل الذي لا يقدم من ولده شيئًا) أي: هو أحق باسم الرقوب من ذلك، لأنَّ هذا الذي أصيب بفقد أولاده في الدنيا ينجبر في الآخرة بما يعوض على ذلك من الثواب، وأما من لم يمت له ولد فيفقد في الآخرة ثواب فقد الولد، فهو أحق باسم الرقوب من الأول، وقد صدر هذا الأسلوب من النبي ﷺ كثيرا، كقوله: ليس المسكين بالطواف عليكم (٢) وليس الشديد بالصرعة وليس الواصل بالمكافئ (٣) ومثله كثير. ولم يرد بهذا السلب سلب الأصل. لكن سلب الأولى
стр. 3885
[٢٥١٧] وعَن أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَن يَترُكَهُ، فَجَعَلَ إِبلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنظُرُ مَا هُوَ! فَلَمَّا رَآهُ أَجوَفَ؛ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلقًا لَا يَتَمَالَكُ.
رواه أحمد (٣/ ١٥٢)، ومسلم (٢٦١١).
[٢٥١٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فِيكُم؟ قَالَ: قُلنَا: الَّذِي لَا يُولَدُ لَهُ. قَالَ: لَيسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَم يُقَدِّم مِن وَلَدِهِ شَيئًا، قَالَ: مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُم؟ قَالَ: قُلنَا: الَّذِي لَا يَصرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: لَيسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٢)، ومسلم (٢٦٠٨)، وأبو داود (٤٧٧٩).
[٢٥١٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَملِكُ نَفسَهُ عِندَ الغَضَبِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاريُّ (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩)(١٠٧).
* * *
ــ
والأحق، والصرعة، بفتح الراء: هو الذي يصرع الناس كثيرا، وبالسكون هو الذي يصرعه الناس، وكذلك: هزَأة وهزءة، وسخَرَة وسخرَة، وقد تقدَّم.
و(قوله: لما صور الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه) يعني: أن الله تعالى لما صور طينة آدم، وشكلها بشكله على ما سبق في علمه، فلما رآها إبليس أطاف بها، أي: دار حولها، وجعل ينظر في كيفيتها وأمرها، فلما رآها
стр. 3886
(٢٥) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس
[٢٥٢٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلَا يَلطِمَنَّ الوَجهَ.
وفي رواية: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليَجتَنِب الوَجهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاريُّ (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٤ و ١١٥).
ــ
ذات جوف، وقع له أنها مفتقرة إلى ما يسد جوفها، وأنها لا تتمالك عن تحصيل ما تحتاج إليه من أغراضها وشهواتها، فكان الأمر على ما وقع.
(٢٥) ومن باب: إذا قاتل أحدكم
أخاه فلا يلطم الوجه
(قوله: إذا قاتل أحدكم أخاه، فلا يلطمن الوجه. وفي الأخرى: فليجتنب الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته) معنى قاتل: ضرب، وقد جاء كذلك في بعض رواياته، وقد قلنا: إن أصل المقاتلة المدافعة، ويعني بالأخوة هنا - والله أعلم - أخوة الآدمية؛ فإنَّ الناس كلهم بنو آدم، ودل على ذلك قوله ﷺ : فإنَّ الله خلق آدم على صورته أي: على صورة وجه المضروب، فكأن اللاطم في وجه أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم (١). وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم والكافر، ولو أراد الأخوة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى. لا يقال: فكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان، إذ المقصود إتلافه، والمبالغة
стр. 3887
[٢٥٢١] وعَن هِشَامٍ بنُ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ مِن الأَنبَاطِ بِالشَّامِ قَد أُقِيمُوا فِي الشَّمسِ.
وفي رواية: وَصُبَّ عَلَى رُؤوسِهِم الزَّيتُ. فَقَالَ: مَا شأنهم؟ قالَ:
ــ
في الانتقام منه، ولا شك في أن ضرب الوجه أبلغ في الانتقام والعقوبة، فلا يمنع. وإنما مقصود الحديث: إكرام وجه المؤمن لحرمته، لأنَّا نقول: مسلم أنا مأمورون بقتل الكافر، والمبالغة في الانتقام منه، لكن إذا تمكنا من اجتناب وجهه اجتنبناه لشرفية هذا العضو، ولأن الشرع قد نزل هذا الوجه منزلة وجه أبينا، وتقبيح لطم الرجل وجها يشبه وجه أبي اللاطم، وليس كذلك سائر الأعضاء، لأنَّها كلها تابعة للوجه، وهذا الذي ذكرناه هو ظاهر الحديث، ولا يكون في الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيها، وإنَّما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في (صورته) على الله تعالى، وذلك ينبغي ألا يصار إليه شرعا ولا عقلا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصا قاطعا، ومحال أن يكون ذلك، فإنَّ النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب، لأنَّه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه. وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل الصميم، وقد بينا جهلهم، وحققنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى، فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصور لي فلان كذا فتصورته، أي: وصفه لي ففهمته، وضبطت وصفه في نفسي، وعلى هذا فيكون معنى قوله: إن الله خلق آدم على صورته أي: خلقه موصوفا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات، وخصه منه بما لم يخص به أحدا من ملائكة الأرضين والسماوات، وقد قلنا فيما تقدَّم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم.
والأنباط: جمع نبط، وهم قوم ينزلون
стр. 3888
يحُبِسُون فِي الجِزيَةِ. قَالَ هِشَامٌ: أَشهَدُ لَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنيَا.
وفي رواية: وَأَمِيرُهُم يَومَئِذٍ عُمَيرُ بنُ سَعدٍ عَلَى فِلَسطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِم فَخُلُّوا.
رواه أحمد (٣/ ٤٠٣)، ومسلم (٢٦١٣) (١١٧ و ١١٨ و ١١٩)، وأبو داود (٣٠٤٥).
ــ
بالبطائح بين العراقين، سُموا بذلك لأنهم ينبطون الماء، أي: يحفرون عليه حتى يخرج على وجه الأرض. يقال: نبط الماء ينبط وينبط: إذا نبع، وأنبط الحفار الماء إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج العلوم، ويقال على النبط: نبيط أيضًا، وكانوا إذ ذاك أهل ذمة، ولذلك عُذبوا بالشمس، وصُب الزيت على رؤوسهم لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع التمكن، فعوقبوا لذلك، فأمَّا مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم بذلك ولا بغيره، لأنَّ من عجز عن الجزية سقطت عنه.
و(قوله: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) يعني: إذا عذبوهم ظالمين، إما في أصل التعذيب، فيعذبونهم في موضع لا يجوز فيه التعذيب، أو بزيادة على المشروع في التعذيب: إما في المقدار، وإما في الصفة، كما بيناه في الحدود.
و(قوله: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد) كذا صحت الرواية عند أكثر الشيوخ، وفي أكثر النسخ، وهو الصواب، لأنَّه عمير بن سعد بن عمر القارئ الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، يكنى أبوه أبا زيد، وهو أحد من جمع القرآن، الذي تقدَّم ذكره في حديث أنس، الذي قال فيه أنس: أبو زيد أحد عمومتي، واختلف في اسم أبي زيد هذا، فقيل: سعد - كما تقدم - وهو الأعرف، وقيل: سعيد، وكان عمر ﵁ ولى عميرا حمص، وكان يقال له: نسيج
стр. 3889
[٢٥٢٢] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: إِن طَالَت بِكَ مُدَّةٌ أوشكت أَن تَرَى قَومًا يغدون فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لعنته، في أَيدِيهِم مِثلُ أَذنَابِ البَقَرِ.
رواه مسلم (٢٨٥٧) في الجنة وصفة نعيمها (٥٤).
* * *
(٢٦) باب النهي أن يشير الرجل بالسلاح على أخيه والأمر بإمساك السلاح بنصولها
[٢٥٢٣] عن أبي هريرة قال: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : مَن أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ،
ــ
وحده، ووقع في كتاب القاضي أبي علي الصدفي: عمر بن سعيد. قال أهل النقل: وهو وهم، وأما عمرو بن سعيد، فمعدود في الصحابة، وهو عمرو بن سعيد، ربيب الجلاس ويتيمه. حكاه القاضي أبو الفضل.
وأوشكت: أسرعت، ومعناه: أنك ترى عن قرب ما يخبرك به. وقد تقدم القول في يوشك، وأنه من أفعال المقاربة، وفي القوم الذين بأيديهم سياط كأذناب البقر.
(٢٦ و ٢٧) ومن باب: النهي عن الإشارة بالسلاح
وفضل تنحية الأذى عن الطريق (١)
(قوله: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإنَّ الملائكة تلعنه حتى) كذا صحت
стр. 3890
حَتَّى وَإِن كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، ومسلم (٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢).
[٢٥٢٤] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُشِر أَحَدُكُم إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِي أَحَدُكُم لَعَلَّ الشَّيطَانَ يَنزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفرَةٍ مِن النَّارِ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، والبخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧).
[٢٥٢٥] وعن جابر قال: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمسِك بِنِصَالِهَا.
ــ
الرواية بالاقتصار على حتى، ولم يذكر المجرور بها استغناء عنه لدلالة الكلام عليه، تقديره: حتى يترك، أو يدع، وما أشبهه، ووقع عند بعض الرواة بعد حتى: وإن كان لأخيه وأمه. وعليه فيكون ما بعده ليس من كلام النبي ﷺ . وسقطت لبعضهم، يعني: فيكون ما بعده من قول النبي ﷺ ، بحكم أن مساق الكلام واحد. ولعن النبي ﷺ للمشير بالسلاح: دليل على تحريم ذلك مطلقا، جدا كان أو هزلا، ولا يخفى وجه لعن من تعمد ذلك، لأنَّه يريد قتل المسلم أو جرحه، وكلاهما كبيرة. وأما إن كان هازلا، فلأنه ترويع مسلم، ولا يحل ترويعه، ولأنه ذريعة إلى القتل والجرح المحرمين. وقد نص في الرواية الأخرى على صحَّة مراعاة الذريعة حيث قال: فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار.
و(قوله: وإن كان أخاه لأبيه وأمه) يعني: أن ذلك محرم، وإن وقع من أشفق الناس عليه، وأقربهم رحما، وهو يشعر بمنع الهزل بذلك. ونصال: جمع نصل، وهي - هنا -: حديدة السهم، وتكراره: فليأخذ بنصالها ثلاث مرات على جهة التأكيد والمبالغة في سد الذريعة، وهو من جملة ما استدل به مالك ﵀ على أصله في سد الذرائع.