← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

(٢٥) باب النهي عن ضرب الوجه وفي وعيد الذين يعذبون الناس [٢٥٢٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَلَا يَلطِمَنَّ الوَجهَ. وفي رواية: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فَليَجتَنِب الوَجهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٤)، والبخاريُّ (٢٥٥٩)، ومسلم (٢٦١٢) (١١٤ و ١١٥). ــ ذات جوف، وقع له أنها مفتقرة إلى ما يسد جوفها، وأنها لا تتمالك عن تحصيل ما تحتاج إليه من أغراضها وشهواتها، فكان الأمر على ما وقع. (٢٥) ومن باب: إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطم الوجه (قوله: إذا قاتل أحدكم أخاه، فلا يلطمن الوجه. وفي الأخرى: فليجتنب الوجه، فإنَّ الله تعالى خلق آدم على صورته) معنى قاتل: ضرب، وقد جاء كذلك في بعض رواياته، وقد قلنا: إن أصل المقاتلة المدافعة، ويعني بالأخوة هنا - والله أعلم - أخوة الآدمية؛ فإنَّ الناس كلهم بنو آدم، ودل على ذلك قوله ﷺ : فإنَّ الله خلق آدم على صورته أي: على صورة وجه المضروب، فكأن اللاطم في وجه أحد ولد آدم لطم وجه أبيه آدم (١). وعلى هذا فيحرم لطم الوجه من المسلم والكافر، ولو أراد الأخوة الدينية لما كان للتعليل بخلق آدم على صورته معنى. لا يقال: فكافر مأمور بقتله وضربه في أي عضو كان، إذ المقصود إتلافه، والمبالغة

стр. 3887

[٢٥٢١] وعَن هِشَامٍ بنُ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ: مَرَّ عَلَى أُنَاسٍ مِن الأَنبَاطِ بِالشَّامِ قَد أُقِيمُوا فِي الشَّمسِ. وفي رواية: وَصُبَّ عَلَى رُؤوسِهِم الزَّيتُ. فَقَالَ: مَا شأنهم؟ قالَ: ــ في الانتقام منه، ولا شك في أن ضرب الوجه أبلغ في الانتقام والعقوبة، فلا يمنع. وإنما مقصود الحديث: إكرام وجه المؤمن لحرمته، لأنَّا نقول: مسلم أنا مأمورون بقتل الكافر، والمبالغة في الانتقام منه، لكن إذا تمكنا من اجتناب وجهه اجتنبناه لشرفية هذا العضو، ولأن الشرع قد نزل هذا الوجه منزلة وجه أبينا، وتقبيح لطم الرجل وجها يشبه وجه أبي اللاطم، وليس كذلك سائر الأعضاء، لأنَّها كلها تابعة للوجه، وهذا الذي ذكرناه هو ظاهر الحديث، ولا يكون في الحديث إشكال يوهم في حق الله تعالى تشبيها، وإنَّما أشكل ذلك على من أعاد الضمير في (صورته) على الله تعالى، وذلك ينبغي ألا يصار إليه شرعا ولا عقلا، أما العقل فيحيل الصورة الجسمية على الله تعالى، وأما الشرع فلم ينص على ذلك نصا قاطعا، ومحال أن يكون ذلك، فإنَّ النص القاطع صادق، والصادق لا يقول المحال، فيتعين عود الضمير على المضروب، لأنَّه هو الذي سبق الكلام لبيان حكمه. وقد أعادت المشبهة هذا الضمير على الله تعالى، فالتزموا القول بالتجسيم، وذلك نتيجة العقل السقيم، والجهل الصميم، وقد بينا جهلهم، وحققنا كفرهم فيما تقدم، ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى، فللتأويل فيه وجه صحيح، وهو أن الصورة قد تطلق بمعنى الصفة، كما يقال: صورة هذه المسألة كذا، أي: صفتها، وصور لي فلان كذا فتصورته، أي: وصفه لي ففهمته، وضبطت وصفه في نفسي، وعلى هذا فيكون معنى قوله: إن الله خلق آدم على صورته أي: خلقه موصوفا بالعلم الذي فصل به بينه وبين جميع أصناف الحيوانات، وخصه منه بما لم يخص به أحدا من ملائكة الأرضين والسماوات، وقد قلنا فيما تقدَّم: إن التسليم في المتشابهات أسلم، والله ورسوله أعلم. والأنباط: جمع نبط، وهم قوم ينزلون

стр. 3888

يحُبِسُون فِي الجِزيَةِ. قَالَ هِشَامٌ: أَشهَدُ لَسَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنيَا. وفي رواية: وَأَمِيرُهُم يَومَئِذٍ عُمَيرُ بنُ سَعدٍ عَلَى فِلَسطِينَ، فَدَخَلَ عَلَيهِ، فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ بِهِم فَخُلُّوا. رواه أحمد (٣/ ٤٠٣)، ومسلم (٢٦١٣) (١١٧ و ١١٨ و ١١٩)، وأبو داود (٣٠٤٥). ــ بالبطائح بين العراقين، سُموا بذلك لأنهم ينبطون الماء، أي: يحفرون عليه حتى يخرج على وجه الأرض. يقال: نبط الماء ينبط وينبط: إذا نبع، وأنبط الحفار الماء إذا بلغ إليه، والاستنباط: استخراج العلوم، ويقال على النبط: نبيط أيضًا، وكانوا إذ ذاك أهل ذمة، ولذلك عُذبوا بالشمس، وصُب الزيت على رؤوسهم لأجل الجزية، وكأنهم امتنعوا من الجزية مع التمكن، فعوقبوا لذلك، فأمَّا مع تبين عجزهم فلا تحل عقوبتهم بذلك ولا بغيره، لأنَّ من عجز عن الجزية سقطت عنه. و(قوله: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) يعني: إذا عذبوهم ظالمين، إما في أصل التعذيب، فيعذبونهم في موضع لا يجوز فيه التعذيب، أو بزيادة على المشروع في التعذيب: إما في المقدار، وإما في الصفة، كما بيناه في الحدود. و(قوله: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد) كذا صحت الرواية عند أكثر الشيوخ، وفي أكثر النسخ، وهو الصواب، لأنَّه عمير بن سعد بن عمر القارئ الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، يكنى أبوه أبا زيد، وهو أحد من جمع القرآن، الذي تقدَّم ذكره في حديث أنس، الذي قال فيه أنس: أبو زيد أحد عمومتي، واختلف في اسم أبي زيد هذا، فقيل: سعد - كما تقدم - وهو الأعرف، وقيل: سعيد، وكان عمر ﵁ ولى عميرا حمص، وكان يقال له: نسيج

стр. 3889

[٢٥٢٢] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: سمعت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول: إِن طَالَت بِكَ مُدَّةٌ أوشكت أَن تَرَى قَومًا يغدون فِي سَخَطِ اللَّهِ، وَيَرُوحُونَ فِي لعنته، في أَيدِيهِم مِثلُ أَذنَابِ البَقَرِ. رواه مسلم (٢٨٥٧) في الجنة وصفة نعيمها (٥٤). * * * (٢٦) باب النهي أن يشير الرجل بالسلاح على أخيه والأمر بإمساك السلاح بنصولها [٢٥٢٣] عن أبي هريرة قال: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : مَن أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلعَنُهُ، ــ وحده، ووقع في كتاب القاضي أبي علي الصدفي: عمر بن سعيد. قال أهل النقل: وهو وهم، وأما عمرو بن سعيد، فمعدود في الصحابة، وهو عمرو بن سعيد، ربيب الجلاس ويتيمه. حكاه القاضي أبو الفضل. وأوشكت: أسرعت، ومعناه: أنك ترى عن قرب ما يخبرك به. وقد تقدم القول في يوشك، وأنه من أفعال المقاربة، وفي القوم الذين بأيديهم سياط كأذناب البقر. (٢٦ و ٢٧) ومن باب: النهي عن الإشارة بالسلاح وفضل تنحية الأذى عن الطريق (١) (قوله: من أشار إلى أخيه بحديدة، فإنَّ الملائكة تلعنه حتى) كذا صحت

стр. 3890

حَتَّى وَإِن كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٥٦)، ومسلم (٢٦١٦)، والترمذي (٢١٦٢). [٢٥٢٤] وعنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يُشِر أَحَدُكُم إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدرِي أَحَدُكُم لَعَلَّ الشَّيطَانَ يَنزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفرَةٍ مِن النَّارِ. رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، والبخاري (٧٠٧٢)، ومسلم (٢٦١٧). [٢٥٢٥] وعن جابر قال: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسجِدِ بِسِهَامٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمسِك بِنِصَالِهَا. ــ الرواية بالاقتصار على حتى، ولم يذكر المجرور بها استغناء عنه لدلالة الكلام عليه، تقديره: حتى يترك، أو يدع، وما أشبهه، ووقع عند بعض الرواة بعد حتى: وإن كان لأخيه وأمه. وعليه فيكون ما بعده ليس من كلام النبي ﷺ . وسقطت لبعضهم، يعني: فيكون ما بعده من قول النبي ﷺ ، بحكم أن مساق الكلام واحد. ولعن النبي ﷺ للمشير بالسلاح: دليل على تحريم ذلك مطلقا، جدا كان أو هزلا، ولا يخفى وجه لعن من تعمد ذلك، لأنَّه يريد قتل المسلم أو جرحه، وكلاهما كبيرة. وأما إن كان هازلا، فلأنه ترويع مسلم، ولا يحل ترويعه، ولأنه ذريعة إلى القتل والجرح المحرمين. وقد نص في الرواية الأخرى على صحَّة مراعاة الذريعة حيث قال: فإنَّه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار. و(قوله: وإن كان أخاه لأبيه وأمه) يعني: أن ذلك محرم، وإن وقع من أشفق الناس عليه، وأقربهم رحما، وهو يشعر بمنع الهزل بذلك. ونصال: جمع نصل، وهي - هنا -: حديدة السهم، وتكراره: فليأخذ بنصالها ثلاث مرات على جهة التأكيد والمبالغة في سد الذريعة، وهو من جملة ما استدل به مالك ﵀ على أصله في سد الذرائع.

стр. 3891

وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأَسهُمٍ فِي المَسجِدِ قَد أَبدَى نُصُولَهَا، فَأُمِرَ أَن يَأخُذَ بِنُصُولِهَا كَي لَا يَخدِشَ مُسلِمًا. وفي أخرى: أنه كان يتصدق بالنبل في المسجد. رواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاريُّ (٤٥١)، ومسلم (٢٦١٤) (١٢٠ - ١٢٢)، والنسائي (٢/ ٤٩)، وابن ماجه (٣٧٧٧). [٢٥٢٦] وعَن أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا مَرَّ أَحَدُكُم فِي مَجلِسٍ أَو سُوقٍ، وَبِيَدِهِ نَبلٌ، فَليَأخُذ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأخُذ بِنِصَالِهَا، ثُمَّ لِيَأخُذ بِنِصَالِهَا. وفي رواية: أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَاللَّهِ مَا مُتنَا حَتَّى سَدَّدنَاهَا، بَعضُنَا فِي وُجُوهِ بَعضٍ. رواه أحمد (٤/ ٤١٠)، والبخاريُّ (٧٠٧٥)، ومسلم (٢٦١٥) (١٢٣ و ١٢٤)، وأبو داود (٢٥٨٧)، وابن ماجه (٣٧٧٨). * * * ــ و(قوله: كيلا يخدش مسلما) فيه ما يدلّ على صحة القول بالقياس، وتعليل الأحكام الشرعية. و(قول أبي موسى ﵁: والله ما متنا حتى سددناها، بعضنا في وجوه بعض) يعني: ما مات معظم الصحابة ﵃ حتى وقعت بينهم الفتن والمحن، فرمى بعضهم بعضا بالسهام، وقاتل بعضهم بعضا. ذكر هذا في معرض التأسف على تغير الأحوال وحصول الخلاف لمقاصد الشرع، من التعاطف والتواصل، على قرب العهد وكمال الجد.

стр. 3892

(٢٧) باب ثواب من نحى الأذى عن طريق المسلمين [٢٥٢٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَينَمَا رَجُلٌ يَمشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصنَ شَوكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ. وفي رواية: فقال: لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة. رواه أحمد (٢/ ٥٣٣)، والبخاري (٦٥٢)، ومسلم (١٩١٤) (١٢٧ و ١٢٨)، والترمذي (١٩٥٨)، وابن ماجه (٣٦٨٢). [٢٥٢٨] وعنه؛ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا عن ظَهرِ الطَّرِيقِ، كَانَت تُؤذِي النَّاسَ. رواه مسلم (١٩١٤) في البر والصلة (١٢٩). [٢٥٢٩] وعَن أَبِي بَرزَةَ، قَالَ: قُلتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! ــ و(قوله: فشكر الله له فغفر له) أي: أظهر لملائكته أو لمن شاء من خلقه الثناء عليه بما فعل من الإحسان لعبيده. وقد تقدَّم أن أصل الشكر: الظهور، أو يكون جازاه جزاء الشاكر، فسمى الجزاء شكرا، وعبر عنه بشكر. كما قال في الرواية الأخرى: فأدخل الجنة وكل ذلك إنما حصل لذلك الرجل بحسن نيته في تنحيته الأذى، ألا ترى قوله: والله لأنحين هذا عن المسلمين؛ لا يؤذيهم. و(قوله: لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها) أي: يتقلب في نعيم الجنة وملابسها وقصورها، وسائر ما أعد الله فيها.

стр. 3893

إِنِّي لَا أَدرِي أَن تَمضِيَ وَأَبقَى بَعدَكَ، فَزَوِّدنِي شَيئًا يَنفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : افعَل كَذَا، افعَل كَذَا، وَأَمِرَّ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ. وفي رواية: قال: قلت: يا نبي الله! أعلمني شيئا أنتفع به! قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين. رواه مسلم (٢٦١٨) (١٣١ و ١٣٢)، وابن ماجه (٣٦٨١). * * * ــ و(قوله: وأمر الأذى عن طريق المسلمين) هكذا روايتي، ورواية عامة الشيوخ: براء مشددة، من المرور، بمعنى: نحِّ. وعند الطبري: وأمز - بزاي معجمة - من الميز، أي: أزله من الطريق، وميزه عنه. وعند ابن ماهان: أخره، وكلها بمعنى واحد. وفيه ما يدل على الترغيب في إزالة الأذى والضرر عن المسلمين، وعلى إرادة الخير لهم، وهذا مقتضى الدين والنصيحة والمحبة. * * *

стр. 3894

(٢٨) باب عذبت امرأة في هرة [٢٥٣٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن عمر، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَت امرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتهَا حَتَّى مَاتَت، فَدَخَلَت فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطعَمَتهَا وَسَقَتهَا؛ إِذ هي حَبَسَتهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتهَا تَأكُلُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ. رواه البخاريُّ (٣٣١٨)، ومسلم (٢٢٤٢) في البر والصلة (١٣٣ و ١٣٤). [٢٥٣١] وفي رواية: دَخَلَت امرَأَةٌ النَّارَ مِن جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا - أَو هِرٍّ - رَبَطَتهَا، فَلَا هِيَ أَطعَمَتهَا، وَلَا هِيَ أَرسَلَتهَا تُرَممُ مِن خَشَاشِ الأَرضِ؛ حَتَّى مَاتَت هَزلًا. رواه أحمد (٢/ ٢٦١)، ومسلم (٢٦١٩)، وابن ماجه (٤٢٥٦) كلهم من حديث أبي هريرة. * * * ــ (٢٨) ومن باب: عذبت امرأة في هرة (١) و(قوله: دخلت امرأة النار من جراء هرة لها) أي: من أجل، وفيه لغتان: المد والقصر، وظاهر هذا أن الهر يُملك، لأنَّه ﷺ أضاف الهر للمرأة باللام التي هي ظاهرة في الملك، وقد تقدَّم الخلاف في ذلك. وفيه ما يدلّ على أن الواجب على مالك الهر أحد الأمرين: إما أن يطعمه، أو يتركه يأكل مِمَّا يجده من الخشاش، وهي: حشرات الأرض وأحناشها. وقد

стр. 3895

(٢٩) باب في عذاب المتكبر والمتألي على الله، وإثم من قال: هلك الناس، ومدح المتواضع الخامل [٢٥٣٢] عَن أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَن يُنَازِعُنِي عَذَّبتُهُ. رواه مسلم (٢٦٢٠). ــ يقال على صغار الطير، وهو بالخاء المعجمة، ويقال بفتح الخاء وكسرها. وحكى أبو علي القالي فيها الضم، فأمَّا الخشاش بالكسر لا غير: فهو الذي يدخل في أنف البعير من خشب، والخزامة من شعر، فأمَّا الخشاش بالفتح: فهو الماضي من الرجال. قال الجوهري: وقد يضم. وترمم: بفتح التاء والميم المشددة للعذري والسحري، وهي الصحيحة. وعند بعضهم: ترمم بضم التاء وكسر الميم الأولى. والثلاثي هو المعروف، ومعناه: يأكل، مأخوذ من المرمة، وهي: الشفة من كل ذات ظلف. (٢٩) ومن باب: عذاب المتكبر والمتألي (قوله: العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته) كذا جاء هذا اللفظ في كتاب مسلم، مفتتحا بخطاب الغيبة، ثم خرج إلى الحضور، وهذا على نحو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُم فِي الفُلكِ وَجَرَينَ بِهِم﴾ فخرج من خطاب الحضور إلى الغيبة، وهي طريقة عربية معروفة. وقد جاء هذا الحديث في غير كتاب مسلم: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قصمته ثم ألقيته في النار (١). وأصل الإزار: الثوب الذي يشد على الوسط. والرداء ما

стр. 3896

[٢٥٣٣] وعَن جُندَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، ــ يجعل على الكتفين، ولما كان هذان الثوبان يخصان اللابس بحيث لا يستغني عنهما، ولا يقبلان المشاركة، عبر الله تعالى عن العز بالإزار، وعن الكبرياء بالرداء، على جهة الاستعارة المستعملة عند العرب، كما قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾ فاستعار للتقوى لباسا، وكما قال ﷺ : من أسر سريرة ألبسه الله رداءها (١). وكما قال: البسوا قناع المخافة، وادرعوا لباس الخشية. وهم يقولون: فلان شعاره الزهد والورع، ودثاره التقوى، وهو كثير. ومقصود هذه الاستعارة الحسنة: أن العز والعظمة والكبرياء، من أوصاف الله تعالى الخاصة به، التي لا تنبغي لغيره. فمن تعاطى شيئا منها أذله الله تعالى وصغره وحقره وأهلكه، كما قد أظهر الله تعالى من سنته في المتكبرين السابقين واللاحقين. و(قول المتألي: والله لا يغفر الله لفلان) ظاهر في أنه قطع بأن الله تعالى لا يغفر لذلك الرجل، وكأنه حكم على الله، وحجر عليه. وهذه نتيجة الجهل بأحكام الإلهية، والإدلال على الله تعالى بما اعتقد أن له عنده من الكرامة والحظ والمكانة، وكذلك المذنب من الخسة والإهانة؛ فإنَّ كان هذا المتألي مستحلا لهذه الأمور، فهو كافر، فيكون إحباط عمله لأجل الكفر، كما يحبط عمل الكفار، وأما إن لم يكن مستحلا لذلك، وإنما غلب عليه الخوف، فحكم بإنفاذ الوعيد، فليس بكافر، ولكنه (٢) مرتكب كبيرة، فإنَّه قانط من رحمة الله، فيكون إحباط عمله بمعنى أن ما أوجبت له هذه الكبيرة من الإثم يربي على أجر أعماله الصالحة، فكأنه لم يبق له عمل صالح.

стр. 3897

وَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَن ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَلا أَغفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَد غَفَرتُ لِفُلَانٍ، وَأَحبَطتُ عَمَلَكَ. أَو كَمَا قَالَ. رواه مسلم (٢٦٢١). [٢٥٣٤] وعن أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم. رواه أحمد (٢/ ٣٤٢)، ومسلم (٢٦٢٣)، وأبو داود (٤٩٨٣). ــ و(قوله: من ذا الذي يتألى علي ألا أغفر لفلان) استفهام على جهة الإنكار والوعيد، ويستفاد منه: تحريم الإدلال على الله تعالى، ووجوب التأدب معه في الأقوال والأحوال، وأن حق العبد أن يعامل نفسه بأحكام العبودية، ومولاه بما يجب له من أحكام الإلهية والربوبية. و(قوله: فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك) دليل على صحَّة مذهب أهل السنة: أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، وهو موجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وأن لله تعالى أن يفعل في عبيده ما يريد من المغفرة والإحباط؛ إذ هو الفعال لما يريد، القادر على ما يشاء. وقد بينا الإحباط المذكور في هذا الحديث. و(قوله: إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم) قال أبو إسحاق: لا أدري أهلكهم بالنصب أو بالرفع. أبو إسحاق هذا هو إبراهيم بن سفيان، الراوي عن مسلم، شك في ضبط هذا الحرف، وقد قيده الناس بعده بالوجهين، وكلاهما له وجه، فإذا كان بالرفع: فمعناه أن القائل لذلك القول هو أحق الناس بالهلاك، أو أشدهم هلاكا، ومحمله على ما إذا قال ذلك محقرا للناس، وزاريا عليهم، معجبا بنفسه وعمله، ومن كان كذلك فهو الأحق بالهلاك منهم، فأمَّا لو قال ذلك على جهة الشفقة على أهل عصره، وأنهم بالنسبة إلى من تقدمهم من أسلافهم

стр. 3898

[٢٥٣٥] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رُبَّ أَشعَثَ مَدفُوعٍ بِالأَبوَابِ لَو أَقسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. رواه مسلم (٢٦٢٢). * * * ــ كالهالكين، فلا يتناوله هذا الذم، فإنَّها عادة جارية في أهل العلم والفضل، يعظمون أسلافهم، ويفضلونهم على من بعدهم، ويقصرون بمن خلفهم، وقد يكون هذا على جهة الوعظ والتذكير ليقتدي اللاحق بالسابق، فيجتهد المقصر، ويتدارك المفرط، كما قال الحسن ﵀: لقد أدركت أقواما لو أدركتموهم لقلتم: مرضى، ولو أدركوكم لقالوا: هؤلاء لا يؤمنون بيوم الحساب. وأما من قيده بالنصب فيكون معناه: أن الذي قال لهم ذلك مقنطا لهم: هو الذي أهلكهم بهذا القول، فإنَّ الذي يسمعه قد ييأس من رحمة الله فيهلك، وقد يغلب على القائل رأي الخوارج فيهلك الناس بالخروج عليهم، ويشق عصاهم بالقتال، وغير ذلك، كما فعلت الخوارج، فيكون قد أهلكهم حقيقة وحسا، وقيل: معناه: إن الذي قال فيهم ذلك، لا الله تعالى؛ فكأنه قال: هو الذي ظن ذلك من غير تحقيق ولا دليل من جهة الله تعالى. والله تعالى أعلم. و(قوله: رب أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبره) الأشعث: المتلبد الشعر غير المدهنه. والمدفوع بالأبواب، أي: عن الأبواب. فلا يترك بقربها احتقارا له، ويصح أن يكون معناه: يدفع بسد الأبواب في وجهه كلما أراد دخول باب من الأبواب، أو قضاء حاجة من الحوائج. و(قوله: لو أقسم على الله لأبره) أي: لو وقع منه قسم على الله في شيء لأجابه الله تعالى فيما سأله؛ إكراما له، ولطفا به، وهذا كما تقدَّم من قول أنس بن النضر: لا والله لا تكسر ثنية الربيع أبدا. فأبر الله قسمه؛ بأن جعل في قلوب الطالبين للقصاص الرضا بالدية، بعد أن أبوا قبولها، وكنحو ما اتفق للبراء لما

стр. 3899

(٣٠) باب الوصية بالجار وتعاهده بالإحسان [٢٥٣٦] عن عَائِشَةَ قالت: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبرِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثهُ. رواه أحمد (٦/ ٢٣٨)، والبخاريّ (٦٠١٤)، ومسلم (٢٦٢٤) (١٤٠)، وأبو داود (٥١٥١)، والترمذيُّ (١٩٤٢)، وابن ماجه (٣٦٧٣). ــ التقى بالكفار فاقتتلوا، فطال القتال، وعظم النزال، فقال البراء: أقسمت عليك يا رب - أو: عزمت عليك - لتمنحنا أكتافهم، ولتلحقني بنبيك، فأبر الله قسمه، فكان كذلك. ولقد أبعد من قال: إن القسم -هنا - هو الدعاء من جهة اللفظ والمعنى. (٣٠) ومن باب: الوصية بالجار (١) (قوله: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه ليورثه) قد تقدَّم أن الجار يقال على المجاور في الدار، وعلى الداخل في الجوار، وكل واحد منهما له حق، ولا بد من الوفاء به، وقد تقدَّم قوله ﷺ : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه (٢)، وقوله: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره (٣). ولما أكد

стр. 3900

[٢٥٣٧] ونحوه، عن ابنَ عُمَرَ، وقال: حَتَّى ظَنَنتُ أَنَّهُ لَيُوَرِّثنهُ. رواه البخاريُّ (٦٠١٥)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤١). [٢٥٣٨] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا طَبَختَ مَرَقَةً فَأَكثِر مَاءَهَا، وَتَعَاهَد جِيرَانَكَ. ــ جبريل على النبي ﷺ حق الجوار، وكثر عليه من ذلك، غلب على ظن النبي ﷺ أن الله سيحكم بالميراث بين الجارين. وهذا يدلّ على أن هذا الجار هنا هو جار الدار، لأنَّ الجار بالعهد قد كان من أول الإسلام يرث، ثم نسخ ذلك، كما تقدَّم، فإن كان هذا القول صدر من النبي ﷺ في أول الأمر، فقد كان التوارث مشروعا، فمشروعيته واقعة محققة غير منتظرة، ولا مظنونة، وإن كان بعد ذلك فرفع ذلك الحكم ونسخه محقق، فكيف تظن مشروعيته؟ ! فتعين أن المراد بالجوار في هذا الحديث هو جوار الدار، والله تعالى أعلم. و(قوله: إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) هذا الأمر على جهة الندب، والحض على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها، لما يترتب عليه من المحبة، وحسن العشرة والألفة، ولما يحصل به من المنفعة، ودفع الحاجة والمفسدة، فقد يتأذى الجار بقتار (١) قدر جاره، وعياله وصغار ولده، ولا يقدر على التوصل إلى ذلك، فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، وربما يكون يتيما، أو أرملة ضعيفة، فتعظم المشقة، ويشتد منهم الألم والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يُدفع إليهم، فلا أقبح من منع هذا النذر اليسير الذي يترتب عليه هذا الضرر الكبير. و(قوله: فأكثر ماءها) تنبيه لطيف على تيسير الأمر على البخيل؛ إذ الزيادة

стр. 3901

وفي أخرى: ثُمَّ انظُر أَهلَ بَيتٍ مِن جِيرَانِكَ، فَأَصِبهُم مِنهَا بِمَعرُوفٍ. رواه أحمد (٥/ ١٤٩)، ومسلم (٢٦٢٥) (١٤٢ و ١٤٣). [٢٥٣٩] وعنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : لَا تَحقِرَنَّ مِن المَعرُوفِ شَيئًا، وَلَو أَن تَلقَى أَخَاكَ بِوَجهٍ طَلقٍ. رواه أحمد (٥/ ١٧٣)، ومسلم (٢٦٢٦)، والترمذيُّ (١٨٣٣)، وابن ماجه (٣٣٦٢). * * * ــ المأمور بها، إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء. ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة فأكثر لحمها، أو طبيخها؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد. و(قوله: فأصبهم منها بمعروف) أي: بشيء يُهدى مثله عرفا، تحرزا من القليل المحتقر، فإنه - وإن كان مما يهدى - فقد لا يقع ذلك الموقع، فلو لم يتيسر إلا القليل المحتقر فليهده ولا يحتقره، كما جاء في الحديث الآخر: لا تحقرن من المعروف شيئا ويكون المُهدى له مأمورا بقبول ذلك المحتقر، والمكافأة عليه، ولو بالشكر، لأنَّه وإن كان قدره محتقرا، دليل على تعلق قلب المهدي بجاره. و(قوله: ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) يُروى بكسر اللام، وياء بعدها. وطلق الوجه بتسكين اللام بغير ياء، وهما لغتان، يقال: رجل طلق الوجه، وطليق الوجه، وهو المنبسط الوجه السمحه. يقال: طلق وجهه: بضم اللام يطلق طلاقة. * * *

стр. 3902

(٣١) بَابُ فضل السعي على الأَرمَلَةِ وكفالة اليَتِيمِ [٢٥٤٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: السَّاعِي عَلَى الأَرمَلَةِ وَالمِسكِينِ، كَالمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَأَحسِبُهُ قَالَ: وَكَالقَائِمِ لَا يَفتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفطِرُ رواه أحمد (٢/ ٣٦١)، والبخاريُّ (٥٣٥٣)، ومسلم (٢٩٨٢)، والترمذيُّ (١٩٦٩)، والنسائي (٥/ ٨٦ و ٨٧)، وابن ماجه (٢١٤٠). ــ (٣١) ومن باب: السعي على الأرملة وكفالة اليتيم قال الجوهري: الأرمل: الرجل الذي لا امرأة له، والأرملة: المرأة التي لا زوج لها، وقد أرملت المرأة: إذا مات عنها زوجها. قال ابن السكيت: الأرامل: المساكين من رجال أو نساء. قال: ويقال لهم، وإن لم يكن فيهم نساء، ويقال: قد جاءت أرملة من نساء ورجال محتاجين، وإنما شبه الساعي على الأرملة بالمجاهد، لأنَّ القيام على المرأة بما يصلحها وما يحفظها ويصونها، لا يُتصور الدوام عليه إلا مع الصبر العظيم، ومجاهدة النفس والشيطان، فإنَّهما يكسلان عن ذلك، ويثقلانه، ويفسدان النيات في ذلك، وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السوء ويسولانه، ولذلك قل من يدوم على ذلك العمل، وأقل من ذلك من يسلم منه، فإذا حصل ذلك العمل حصلت منه فوائد كشف كرب الضعفاء، وإبقاء رمقهم، وسد خلتهم (١)، وصون حرمتهم.

стр. 3903

[٢٥٤١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَافِلُ اليَتِيمِ لَهُ أَو لِغَيرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَينِ فِي الجَنَّةِ. وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسطَى. رواه مسلم (٢٩٨٣). * * * ــ و(قوله: كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو في الجنة كهاتين) قد تقدَّم أن اليتيم في الناس من قِبل فقد الأب، وفي البهائم: من قِبل فقد الأم، وفي الطير من قِبل الأب والأم (١). ومعنى قوله: له أو لغيره أي: سواء كان اليتيم قريبا للكافل أو لم يكن، في حصول ذلك الجزاء الموعود على كفالته. ومعنى قوله: أنا وهو في الجنة كهاتين أي: هو معه في الجنة، وبحضرته، غير أن كل واحد منهما على درجته فيها؛ إذ لا يبلغ درجة الأنبياء غيرهم، ولا يبلغ درجة نبينا ﷺ أحد من الأنبياء، على ما تقدَّم. وإلى هذا المعنى الإشارة بقرانه بين إصبعيه السبابة والوسطى، فيُفهم من الجمع بينهما: المعية والحضور، ومن تفاوت ما بينهما: اختصاص كل واحد منهما بمنزلته ودرجته. وقد نص على هذا المعنى النبي ﷺ في قوله: المرء مع من أحب، وله ما اكتسب (٢) وقد تقدم نحو هذا. * * *

стр. 3904

(٣٢) باب التحذير من الرياء والسمعة ومن كثرة الكلام ومن الإجهار [٢٥٤٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَن الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي تَرَكتُهُ وَشريكَهُ. رواه أحمد (٢/ ٣٠١)، ومسلم (٢٩٨٥)، وابن ماجه (٤٢٠٢). ــ (٣٢) ومن باب: التحذير من الرياء والسمعة قوله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك) أصل الشرك المحرم: اعتقاد شريك لله تعالى في إلهيته، وهو الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى (١)، في الفعل، وهو قول من قال: إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده، وإن لم يعتقد كونه إلها، ويلي هذا في الرتبة الإشراك في العبادة، وهو الرياء. وهو أن يفعل شيئا من العبادات التي أمر الله تعالى بفعلها له لغير الله، وهذا هو الذي سيق الحديث لبيان تحريمه، وأنه مبطل للأعمال (٢)، لهذا أشار بقوله: من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشريكه وهذا هو المسمى بالرياء، وهو على الجملة مبطل للأعمال، وضده الإخلاص، وهو من شرط صحَّة العبادات، والقرب. وقد نبهنا على معاقدهما، واستيفاء ما يتعلق بهما مذكور في الرقائق.

стр. 3905

[٢٥٤٣] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَن رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ. رواه مسلم (٢٩٨٦). [٢٥٤٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: إِنَّ العَبدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ ما يتبين ما فيها يَهوي بِهَا فِي النَّارِ أَبعَدَ مَا بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ. رواه أحمد (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، والبخاريُّ (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨) (٤٩ و ٥٠). ــ و(قوله: من سمع سمع الله به) أي: من يحدث بعمله رياء ليسمع الناس، فضحه الله يوم القيامة، وشهره على رؤوس الأشهاد، كما جاء في غير كتاب مسلم: يسمع الله به سامع خلقه يوم القيامة أي: كل من يسمع. وقيل: إن معنى ذلك أن من أذاع على مسلم عيبا، وشنّعه عليه، أظهر الله عيوبه يوم القيامة (١). و(قوله: ومن راءى راءى الله به) أي: من راءى بعمله، فعمل شيئا من القرب لغير الله، قابله الله يوم القيامة بعقوبة ذلك. فسمى العقوبة رياء على جهة المقابلة، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ و(قوله: إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها) أي: من الإثم والعقاب، وذلك لجهله بذلك، أو لترك التثبت، أو للتساهل. وفي غير كتاب مسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يلقي لها بالا، يهوي بها في النار سبعين خريفا (٢). وفيه من الفقه: وجوب التثبت عند الأقوال والأفعال، وتحريم التساهل في شيء من الصغائر، وملازمة الخوف والحذر عند كل قول وفعل،

стр. 3906

[٢٥٤٥] وعنه؛ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إِلَّا المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِن الجهَارِ أَن يَعمَلَ العَبدُ عَمَلًا بِاللَّيلِ، ثُمَّ ــ والبحث عما مضى من الأقوال والأفعال، واستحضار ما مضى من ذلك وتذكره من أول زمان تكليفه؛ لإمكان أن يكون صدر من المكلف شيء لم يتثبته، يستحق به هذا الوعيد الشديد، فإذا تذكر واستعان بالله، فإن ذكر شيئا من ذلك تاب منه، واستغفر، وإن لم يتذكر وجب عليه أن يتوب جملة بجملة عما علم وعما لم يعلم، كما قال النبي ﷺ : أستغفرك عما تعلم ولا أعلم (١). فمن فعل ذلك وصدقت نيته قُبلت بفضل الله تعالى توبته. و(قوله: من سخط الله (٢)) أي: مما يسخط الله، وذلك بأن يكون كذبة، أو غيبة، أو نميمة، أو بهتانا، أو بخسا، أو باطلا يضحك به الناس، كما قد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: ويل للذي يتكلم بالكلمة من الكذب ليضحك الناس، ويل له، ويل له (٣). و(قوله: كل أمتي معافى إلا المجاهرين) كذا رواية أكثر الرواة بتقديم الجيم على الهاء منصوبا على الاستثناء، وهو جمع مجاهر، اسم فاعل من جاهره بالقول وبالعداوة: إذا ناداه وفاجأه بذلك. ووقع في نسخة شيخنا أبي الصبر: إلا المجاهرون بالواو، رفعا، وهو جائز، على أن تحمل (إلا) على (غير) كما قد أنشده النحويون: وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان أي: غير الفرقدين، وهو قليل، والوجه الأول الكثير الفصيح. و(قوله: وإن من الجهار) هذه رواية زهير، وهي رواية حسنة، لأنَّه

стр. 3907

يُصبِحُ وقَد سَتَرَهُ رَبُّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ، عَمِلتُ البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَد بَاتَ يَستُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصبِحُ يَكشِفُ سِترَ اللَّهِ عَنهُ. رواه البخاريُّ (٦٠٦٩)، ومسلم (٢٩٩٠). * * * ــ مصدر: جاهر، الذي اسم الفاعل منه مجاهر، فيتناسب صدر الكلام وعجزه. ورواه أكثر رواة مسلم: وإن من الإجهار فيكون مصدر: أجهر، أي: أعلن. قال الجوهري: إجهار الرجل: إعلانه، وعند الفارسي: وإن من الإهجار، بتقديم الهاء على الجيم، وهو الإفحاش في القول. قاله الجوهري. قلت: وهذه الروايات، وإن اختلفت ألفاظها، هي راجعة إلى معنى واحد قد فسره في الحديث، وهو أن يعمل الرجل معصية في خفية وخلوة، ثم يخرج يتحدث بها مع الناس، ويجهر بها ويعلنها، وهذا من أكبر الكبائر وأفحش الفواحش. وذلك أن هذا لا يصدر إلا من جاهل بقدر المعصية، أو مستهين مستهزئ بها، مصر عليها، غير تائب منها، مظهر للمنكر. والواحد من هذه الأمور كبيرة، فكيف إذا اجتمعت؟ ! فلذلك كان فاعل هذه الأشياء أشد الناس بلاء في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، لأنَّه تجتمع عليه عقوبة تلك الأمور كلها، وسائر الناس ممن ليس على مثل حاله، وإن كان مرتكب كبيرة فأمره أخف، وعقوبته - إن عوقب - أهون، ورجوعه عنها أقرب من الأول، لأنَّ ذلك المجاهر قلّ أن يتوب، أو يرجع عما اعتاده من المعصية، وسهل عليه منها. فيكون كل العصاة بالنسبة إليه إما معافى مطلقا إن تاب، وإما معافى بالنسبة إليه إن عوقب، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 3908

(٣٣) بَابُ تغليظ عُقُوبَةِ مَن أمر بِمَعرُوف وَلم يَأته وَنهَى عَن المُنكَرِ وأتاه [٢٥٤٦] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدخُلُ عَلَى عُثمَانَ فَتُكَلِّمَهُ؟ فَقَالَ: أَتَرَونَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا سمِعُكُم، وَاللَّهِ لَقَد كَلَّمتُهُ فِيمَا بَينِي وَبَينَهُ، مَا دُونَ أَن افتَتِحَ أَمرًا لَا أُحِبُّ أَن أَكُونَ أَوَّلَ مَن فَتَحَهُ، ــ (٣٣) ومن باب: تغليظ عقاب من أمر بمعروف ولم يأته ونهى عن المنكر وأتاه (قول القائل لأسامة: ألا تدخل على عثمان فتكلمه) يعني: في تلك الأمور التي تُفترى عليه، وكانت أمورا بعضها كذب عليه، وبعضها كان له فيها عذر، وعنها جواب لو سُمع منه، لكن العوام لا ينفع معهم اعتذار ولا ملام، ولم يكن شيء من هذه الأمور يوجب خلعه ولا قتله قطعا، ولكن جرت الأقدار بأن قُتل مظلوما شهيد الدار. و(قوله: أترون أني لا أكلمه إلا سمعكم) يعني: أنه كان يجتنب كلامه بحضرة الناس، ويكلمه إذا خلا به، وهكذا يجب أن يعاتب الكبراء والرؤساء، يعظمون في الملأ إبقاء لحرمتهم، ويُنصحون في الخلاء أداء لما يجب من نصحهم. وسمعكم: منصوب على الظرف. ويروى: بسمعكم، بالباء، أي: يحضره سمعكم. ويروى: أسمعكم، على أنه فعل مضارع. و(قوله: والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمرا، لا أحب أن أكون أول من فتحه) يعني: أنه كلمه مشافهة، كلام لطف، لأنَّه اتقى ما يكون عن المجاهرة بالإنكار والقيام على الأئمة؛ لعظيم ما يطرأ بسبب ذلك من الفتن

стр. 3909

وَلَا أَقُولُ لِأَحَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ أَمِيرًا، إِنَّهُ خَيرُ النَّاسِ، بَعدَمَا سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُؤتَى يَومَ القِيَامَةِ بِالرَّجُلِ فَيُلقَى فِي النَّارِ فَتَندَلِقُ أَقتَابُ بَطنِهِ، فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ بِالرَّحَى، فَيَجتَمِعُ إِلَيهِ أَهلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، مَا لَكَ؟ أَلَم تَكُن تَأمُرُ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَى عَن المُنكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَد كُنتُ آمُرُ بِالمَعرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنهَى عَن المُنكَرِ وَآتِيهِ. رواه أحمد (٥/ ٢٠٥)، والبخاريُّ (٣٢٦٧)، ومسلم (٢٩٨٩). * * * ــ والمفاسد، وخصوصا على مثل عثمان ﵁ ففيه التلطف في الإنكار إذا ارتجى نفعه. و(قوله: ولا أقول لأحد يكون علي أميرا أنه خير الناس) أي: لا أُطريه بذلك، ولا أداهنه؛ لكونه أميرا علي، بل: أقول له الحق، وأصفه بحاله التي هو عليها من غير تصنع، ولا ملق. وهذه كانت سيرة القوم، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في القيام بالحق، وإن أدى إلى العظائم، وهذا هو أعظم الأسباب التي أوجبت الاختلاف بينهم، حتى أدى ذلك إلى الحروب العظيمة والخطوب الجسيمة؛ فإنَّ كل طائفة كانت ترى أنها المصيبة المحقة، ومخالفتها المخطئة؛ فإنَّها كانت أمورا اجتهادية، ولم يكن فيها نصوص قطعية، ويستثنى من ذلك قتلة عثمان، فإنَّه لم يرتكب ما يوجب خلعه، ولا قتله، والخوارج على علي والمسلمين؛ فإنَّهم حكموا بكفر الجميع، فهاتان الطائفتان مخطئتان قطعا، ومن عدا هؤلاء فإمَّا مصيب في اجتهاده فله أجران (١)، ومن قصر في اجتهاده مذموم على التقصير. و(قوله: فتندلق أقتاب بطنه) أي: تخرج بسرعة. واندلاق السيف:

стр. 3910

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خروجه بسرعة (١) من غمده، والأقتاب: الأمعاء، واحدها قتب. وقال الأصمعي: واحدها قتبة، ويقال لها أيضًا: الأقصاب، واحدها قصب، قاله أبو عبيد. وقال أبو عبيدة: القتب: ما تحوى من البطن، يعني: استدار، وهي الحوايا، وإنَّما اشتد عذاب هذا؛ لأنَّه كان عالما بالمعروف وبالمنكر، وبوجوب القيام عليه بوظيفة كل واحد منهما، ومع ذلك فلم يعمل بشيء من ذلك، فصار كأنه مستهين بحرمات الله تعالى، ومستخف بأحكامه، ثم إنه لم يتب عن شيء من ذلك، وهذا من جملة من لم ينتفع بعلمه، الذين قال فيهم النبي ﷺ : أشد الناس عذابا يوم القيامة: عالم لم ينفعه الله بعلمه (٢). وإنما ذكر أسامة هذا الحديث مستدلا به على منع إطراء الأمير بأن يقال له: أنت خير الناس، لأنَّه يمكن أن يكون ذلك الأمير ممن يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المنكر ويفعله، فيستحق هذا العقاب الشديد، فكيف يقال له: أنت خير الناس؟ ! ويشهد لهذا مساق قوله؛ فتأمله، والله أعلم، وقد تقدَّم القول في وجوب تغيير المنكر. * * *

стр. 3911

(٣٤) بَابُ في تَشمِيتِ العَاطِسِ إذا حمد الله تعالى [٢٥٤٧] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: عَطَسَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلَانِ، فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَم يُشَمِّت الآخَرَ، فَقَالَ الَّذِي لَم يُشَمِّتهُ: عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمَّتَّهُ، وَعَطَستُ أَنَا فَلَم تُشَمِّتنِي؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ، وَإِنَّكَ لَم تَحمَد اللَّهَ. رواه أحمد (٣/ ١٠٠)، والبخاري (٦٢٢٥)، ومسلم (٢٩٩١)، وأبو داود (٥٠٣٩)، والترمذيُّ (٢٧٤٢)، وابن ماجه (٣٧١٣). [٢٥٤٨] وعن أبي موسى قال: سمعت النبي ﷺ يَقُولُ: إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ. ــ (٣٤ و ٣٥) ومن باب: تشميت العاطس وكظم التثاؤب (١) (قوله: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه) تشميت العاطس: هو الدعاء له بالخير، يقال: شمت العاطس وسمته بالشين والسين: إذا دعا له بالخير. والشين أعلى اللغتين. قاله أبو عبيد. وقال ثعلب: معنى التشميت بالشين: أبعد الله عنك الشماتة. وأصل السين من السمت، وهو القصد والهدى. وقال ابن الأنباري: كل داع بالخير مسمت. وقد اختلف في تشميت العاطس الحامد لله؛ فأوجبه أهل الظاهر على كل من سمعه، للأمر المتقدم، ولقوله ﷺ : إذا عطس أحدكم فحمد الله، كان حقا على كل مسلم يسمعه أن يقول: يرحمك الله (٢).

стр. 3912

وإذا لم يَحْمَد الله فلا تُشَمِّتُوهُ. ٦٢٣ رواه مسلم (٢٩٩٢). ــ أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ والمشهور من مذهب مالك ومن اتبعه في جماعة العلماء: أنه فرض على الكفاية، فيجزئ فيه دعاء بعض عن بعض. وذهبت فرقة إلى أنه على الندب، وإليه ذهب القاضي أبو محمد ابن نصر، وتأولوا قوله ﷺ : حق على كل مسلم سمعه أن يشمته: أن ذلك حق في حكم الأدب، ومكارم الأخلاق، كقوله: حق الإبل أن تحلب على الماء (١). ثم اختلف العلماء في كيفية الحمد والرد لاختلاف الآثار. فقيل: يقول: الحمد لله. وقيل: الحمد لله رب العالمين. وقيل: الحمد لله على كل حال، وخيره الطبري فيما شاء من ذلك، ولا خلاف أنه مأمور بالحمد. وأما المشمت فيقول: يرحمنا الله وإياكم، واختلف في رد العاطس على مشمته، فقيل: يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم. وقيل: يقول: يغفر الله لنا ولكم. وقيل: يرحمنا الله وإياكم، ويغفر لنا ولكم. وقال مالك والشافعي: إن شاء قال: يغفر الله لنا ولكم، وإن شاء قال: يهديكم الله ويصلح بالكم. و(قوله: وإن لم يحمد الله فلا تشمته) هذا نهي عن تشميت من لم يحمد الله بعد عطاسه، وأقل درجاته: أن يكون الدعاء له مكروها عقوبة له على غفلته عن نعمة الله عليه في العطاس؛ إذ خرج منه ما احتقن في الدماغ من البخار. قاله بعض شيوخنا، ولا خلاف أعلمه أن من لم يحمد الله لا يشمت، وقد ترك النبي ﷺ تشميت العاطس الذي لم يحمد الله، ونص على أن ترك الحمد هو المانع من ذلك.

стр. 3913

[٢٥٤٩] وعن سلمة بن الأكوع أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ عَطَسَ عِندَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَرحَمُكَ اللَّهُ. ثُمَّ عَطَسَ أُخرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الرَّجُلُ مَزكُومٌ. رواه أحمد (٤/ ٤٦)، ومسلم (٢٩٩٣)، وأبو داود (٥٠٣٧)، والترمذي (٢٧٤٣). * * * ــ وقوله في حديث البخاري: كان حقا على كل من سمعه أن يشمته) يدل على أن العاطس ينبغي له أن يسمع صوته لحاضريه، وينبغي لكل من سمعه أن يشمته، بحيث يسمع من يليه، وينبغي لمن لم يسمع العاطس وسمع المشمت، أن يشمت العاطس إذا حصل له أن ذلك تشميت له. والأظهر من الأحاديث المتقدمة وجوب التشميت على كل من سمعه إذا حمد الله، وهو مذهب أهل الظاهر، وهي رواية عن مالك. و(قول سلمة بن الأكوع: أن النبي ﷺ عطس عنده رجل فقال له: يرحمك الله ثم عطس أخرى، فقال رسول الله ﷺ : الرجل مزكوم) هكذا وقع هذا الحديث في كتاب مسلم: أنه ﷺ قال للرجل: إنك مزكوم. وهو الصحيح في الثانية، وقد خرجه الترمذي (١)، وقال في الثالثة: أنت مزكوم. والصحيح في الرواية، وقد جاء في كتاب أبي داود وغيره الأمر بذلك مبينا: شمت أخاك ثلاثا، فما زاد فهو مزكوم (٢) وبذلك قال مالك، وإن كان قد روى في موطئه الشك في الثالثة أو الرابعة.

стр. 3914

(٣٥) باب في التثاؤب وكظمه [٢٥٥٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤُبُ مِن الشَّيطَانِ، ــ تنبيه: ينبغي للعاطس تغطية وجهه في حال عطاسه، وأن يخفض صوته به؛ لأن النبي ﷺ كذلك كان يفعل، ولأن تغطية الوجه ستر لما يغير العطاس من الوجه والهيئة، ولأن إعلاء الصوت عندها مباعد للأدب والوقار (١). و(قوله: التثاؤب من الشيطان) التثاؤب: مصدر تثاءب مهموزا ممدودا، ولا يقال بالواو، ومضارعه: يتثاءب، والاسم: الثُّؤَباء، كل ذلك بالهمز. قال ابن دريد: أصله من: ثاب الرجل، فهو مثوب: إذا استرخى وكسل، ونسبته للشيطان، لأنَّه يصدر عن تكسيله، فإنَّه قل أن يصدر ذلك مع النشاط. وقيل: نسب إليه؛ لأنَّه يرتضيه. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس أحدكم. . . الحديث (٢)، كما تقدم. قال: وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع، فإنَّ أحدكم إذا تثاءب ضحك الشيطان منه. وهذا يشعر بصحَّة التأويل الثاني، فإنَّ ضحك الشيطان منه سخرية به، لأنَّه صدر عنه التثاؤب الذي يكون عن الكسل، وذلك كله يرضيه، لأنَّه يجد به طريقا إلى التكسيل عن الخيرات والعبادات، ولذلك جاء في بعض طرق هذا الحديث: التثاؤب في الصلاة من الشيطان (٣)، لأنَّ ذلك يدل

стр. 3915

فَإِن تَثَاءَبَ أَحَدُكُم فَليَكظِم مَا استَطَاعَ. رواه أحمد (٢/ ٥١٦)، ومسلم (٢٩٩٤) (٥٦)، والترمذيّ (٣٧٠). [٢٥٥١] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا تَثَاءبَ أَحَدُكُم فَليُمسِك بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ. وفي رواية: إِذَا تَثَاءبَ أَحَدُكُم فِي الصَّلَاةِ فَليَكظِم مَا استَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ. رواه أحمد (٣/ ٩٦)، ومسلم (٢٩٩٥) (٥٧ و ٥٩)، وأبو داود (٥٠٢٦ و ٥٠٢٧). * * * ــ على كسله فيها وعدم نشاطه، فتثقل عليه، فيملها، فيستعجل فيها، أو يخل بها. و(قوله: فليكظم ما استطاع) هذا خطاب لمن غلبه ذلك، فإنَّه يكسره بسد فاه ما أمكن، أو بوضع يده على فمه. وأما من أحس بمباديه فهو المخاطب في حديث البخاري بقوله: فليرده، ويحتمل أن يكون اللفظان بمعنى واحد. و(قوله: فإنَّ الشيطان يدخل) يعني في الفم إذا لم يكظم. ويحصل من هذه الرواية، ومن حديث البخاري: أن من لم يكظم تثاؤبه ضحك الشيطان منه، ودخل في فمه، وقيل: إنه يتقيأ في فمه. قال القاضي: ولهذا أمر المتثائب بالتفل ليطرح ما ألقى الشيطان في فمه. وكل هذا يشعر بكراهة التثاؤب، وكراهة حالة المتثائب إذا لم يكظم، وأوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى محاسن الأحوال، ومكارم الآداب. * * *

стр. 3916

(٣٦) باب كراهية المدح وفي حثو التراب في وجوه المداحين [٢٥٥٢] عن أبي بكر، عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ ذُكِرَ عِندَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِن رَجُلٍ بَعدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفضَلُ مِنهُ فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَيحَكَ، قَطَعتَ عُنُقَ صَاحِبِكَ - مِرَارًا يَقُولُ ذَلِكَ-، ــ (٣٦) ومن باب: كراهة المدح قوله: ويحك! قطعت عنق صاحبك، وفي حديث أبي موسى: قطعتم ظهر الرجل) كل ذلك بمعنى أهلكتموه. وقد جاء عنه ﷺ أنَّه قال: إياكم والمدح؛ فإنَّه الذبح (١). ويعني بذلك كله أن الممدوح إذا أكثر عليه من ذلك يُخاف عليه منه العجب بنفسه، والكبر على غيره، فيهلك دينه بهاتين الكبيرتين، فإذًا المدح مظنة الهلاك الديني، فيحرم، لكن هذه المظنة لا تتحقق إلا عند الإكثار منه، والإطراء به، وأما مع الندرة والقلة؛ فلا يكون مظنة، فيجوز ذلك إذا كان حقا في نفسه، ولم يقصد به الإطراء، وأمن على الممدوح الاغترار به. وعلى هذا يحمل ما وقع للصحابة ﵃ من مدح بعضهم لبعض مشافهة ومكاتبة. وقد مدح النبي ﷺ مشافهة نظما ونثرا، ومدح هو أيضًا جماعة من أعيان أصحابه مشافهة، لكن ذلك كله إنما جاز لما صحت المقاصد، وأمنت الآفات المذكورة. و(قوله: إن كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة، فليقل: أحسب فلانا؛ إن كان يرى أنه كذلك) ظاهر هذا أنه لا ينبغي للإنسان أن يمدح أحدا ما وجد من ذلك مندوحة، فإن لم يجد بدا مدح لما يعلمه من أوصافه، وبما يظنه، ويتحرز من

стр. 3917

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن كَانَ أَحَدُكُم مَادِحًا أَخَاهُ لَا مَحَالَةَ فَليَقُل: أَحسِبُ فُلَانًا إِن كَانَ يُرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللَّهِ أَحَدًا. رواه أحمد (٥/ ٤٦)، والبخاري (٢٦٦٢)، ومسلم (٣٠٠٠) (٦٥ و ٦٦)، وأبو داود (٤٨٠٥). [٢٥٥٣] وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطرِيهِ فِي المِدحَةِ، فَقَالَ: لَقَد أَهلَكتُم - أَو قَطَعتُم - ظَهرَ الرَّجُلِ. رواه أحمد (٤/ ٤١٢)، ومسلم (٣٠٠١). [٢٥٥٤] وعَن هَمَّامِ بنِ الحَارِثِ: أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يَمدَحُ عُثمَانَ، فَعَمِدَ المِقدَادُ فَجَثَا عَلَى رُكبَتَيهِ - وَكَانَ رَجُلًا ضَخمًا - فَجَعَلَ يَحثُو فِي وَجهِهِ الحَصبَاءَ. فَقَالَ لَهُ عُثمَانُ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا رَأَيتُم المَدَّاحِينَ فَاحثُوا فِي وُجُوهِهِم التُّرَابَ. رواه أحمد (٦/ ٥)، ومسلم (٣٠٠٢) (٦٩). * * * ــ الجزم والقطع بشيء من ذلك، بل يتحرز بأن يقول: فيما أحسب أو أظن، ويزيد على ذلك: ولا أزكي على الله أحدا، أي: لا أقطع بأنه كذلك عند الله؛ فإنَّ الله تعالى هو المطلع على السرائر، العالم بعواقب الأمور. و(قول همام: إن رجلا جعل يمدح عثمان، فجعل المقداد يحثو في وجهه الحصباء) كأن هذا الرجل أكثر من المدح حتى صدق عليه أنه مداح، ولذلك عمل المقداد بظاهر ذلك الحديث، فحثا في وجهه التراب، ولعل هذا الرجل كان ممن اتخذ المدح عادة وحرفة، فصدق عليه: مداح، وإلا فلا يصدق ذلك على من مدح

стр. 3918

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مرة أو مرتين، أو شيئا أو شيئين. وقد بين الصحابي بفعله: أن مراد النبي (١) من هذا الحديث: حمله على ظاهره، فعاقب المداحَ برمي التراب في وجهه، وهو أقعد بالحال، وأعلم بالمقال. وقد تأوله غير ذلك الصحابي تأويلات، لأنَّه رأى أن ظاهره جفاء، والنبي ﷺ لا يأمر بالجفاء. فقيل: إن معناه: خيبوهم، ولا تعطوهم شيئًا، لأنَّ من أُعطي التراب لم يعط شيئًا، كما قد جاء في الحديث الآخر: إذا جاء صاحب الكلب يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابا (٢) أي: خيبة، ولا تُعطه شيئا. وقيل: إن معناه: أعطه ولا تبخل عليه؛ فإنَّ مآل كل ما يعطى إلى التراب. كما قال (٣): . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وكل الذي فوق التراب تراب (٤) وقيل: معناه: التنبيه للممدوح على أن يتذكر أن المبدأ والمنتهى التراب، فليعرضه على نفسه لئلا يعجب بالمدح، وعلى المداح، لئلا يفرط ويطري بالمدح، وأشبَهُ المحامِلِ بعد المحمل الظاهر الوجه الأول، وما بعده ليس عليه معول. * * *

стр. 3919

(٣٧) باب ما جاء أن أمر المسلم كله له خير ولا يلدغ من جحر مرتين [٢٥٥٥] عَن صُهَيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : عَجَبًا لِأَمرِ المُؤمِنِ، إِنَّ أَمرَهُ كُلَّهُ له خَيرٌ، وَلَيسَ ذَلكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلمُؤمِنِ، إِن أَصَابَتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وكَانَ خَيرًا لَهُ. رواه أحمد (٤/ ٣٣٢)، ومسلم (٢٩٩٩). ــ (٣٧) ومن باب ما جاء أن أمر المؤمن كله له خير، ولا يلدغ من جحر مرتين (١) (قوله: عجبا لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير) المؤمن هنا هو العالم بالله، الراضي بأحكامه، العامل على تصديق موعوده، وذلك أن المؤمن المذكور إما أن يبتلى بما يضره، أو بما يسره، فإن كان الأول صبر واحتسب ورضي، فحصل على خير الدنيا والآخرة وراحتهما، وإن كان الثاني، عرف نعمة الله عليه ومنته فيها، فشكرها وعمل بها، فحصل على نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. و(قوله: وليس ذلك إلا للمؤمن) أي المؤمن الموصوف بما ذكرته؛ لأنه إن لم يكن كذلك لم يصبر على المصيبة ولم يحتسبها، بل يتضجر ويتسخط، فينضاف إلى مصيبته الدنيوية مصيبته في دينه، وكذلك لا يعرف النعمة ولا يقوم بحقها ولا يشكرها، فتنقلب النعمة نقمة والحسنة سيئة - نعوذ بالله من ذلك -.

стр. 3920

[٢٥٥٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يُلدَغُ المُؤمِنُ مِن جُحرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَينِ. رواه أحمد (٢/ ٣٧٩)، والبخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨)، وأبو داود (٤٨٦٢)، وابن ماجه (٣٩٨٢). * * * ــ و(قوله ﷺ : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) هذا مثل صحيح، وقول بليغ ابتكره النبي ﷺ من فوره، ولم يُسمع من غيره، وذلك أن السبب الذي أصدره عنه هو: أن أبا عزيز بن عمير، الشاعر، أخا مصعب بن عمير، كان يهجو النبي ﷺ ويؤذيه، ويؤذي المسلمين. فأمكن الله تعالى منه يوم بدر. فأُخذ أسيرا، وجيء به إلى النبي ﷺ فسأله أن يمن عليه، ولا يعود لشيء مما كان يفعله، فمنّ النبي ﷺ عليه فأطلقه، فرجع إلى مكة، وعاد إلى أشد مما كان عليه، فلما كان يوم أحد، أمكن الله منه، فأسر، فأُحضر بين يدي النبي ﷺ فسأله أن يمُن عليه، فقال له النبي ﷺ : لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين، والله لا تمسح عارضيك بمكة أبدا. فأمر بقتله. وأصل هذا المثل أن الذي يُلدغ من جحر لا يعيد يده إليه أبدا، إذا كان فطنا حذرا، بل ولا لما يشبهه، فكذلك المؤمن لكياسته، وفطانته وحذره، إذا وقع في شيء مما يضره في دينه أو دنياه، لا يعود إليه. والرواية المعروفة: لا يلدغ بضم الغين، وكذلك قرأته على الخبر، وهو الذي يشهد له سبب الخبر ومساقه، وقد قيده بعضهم بسكون الغين على النهي، وفيه بُعد. * * *

стр. 3921

(٣٨) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ [٢٥٥٧] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: اشفَعُوا تُؤجَرُوا، وَليَقضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ. رواه أحمد (٤/ ٤١٣)، والبخاريُّ (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧)، وأبو داود (٥١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، والنسائي (٥/ ٧٨). ــ (٣٨) ومن باب: اشفعوا إلي تؤجروا (قوله: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا) كذا وقع هذا اللفظ تؤجروا بغير فاء ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد روي فلتؤجروا بفاء ولام، وهكذا وجدته في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة، لأنَّها لام كي، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في قوله ﷺ : قوموا فلأصلي لكم (١) في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا، ويحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به التعرض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون لأجل حركة الحرف الذي قبلها. و(قوله: وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) هكذا صحت الرواية هنا

стр. 3922

[٢٥٥٨] وعنه؛ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وجَلِيسِ السَّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ، وَنَافِخِ الكِيرِ، ــ وليقض، باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصح أن تكون لام كي، كذلك، ولا يصح أيضًا أن تكون لام الأمر، لأنَّ الله تعالى لا يؤمر. وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر كما قد جاء في بعض نسخ مسلم: ويقضي الله: على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج والرغبات للسلطان وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب، لأنَّها من باب صنائع المعروف وكشف الكرب ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان وذوي الأمر، ولذلك كان النبي ﷺ يقول - مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير (١)، إذ كان لا يحتجب ولا يحجب -: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها (٢) وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مَن يَشفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنهَا﴾. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كله، كما له العفو عن ذلك ابتداء. وهذا فيمن كانت منه الزلة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف. وأما المصرون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ ليزدجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم. وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود. و(قوله: إنما مثل جليس الصالح وجليس السوء) كذا وقع في بعض النسخ، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: الجليس الصالح والجليس السوء وهو الأفصح والأحسن، ثم قال بعد هذا: كحامل

стр. 3923

فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً. رواه أحمد (٤/ ٤٠٨)، والبخاريُّ (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨). * * * ــ المسك ونافخ الكير هذا نحو مما يسميه أهل الأدب لف الخبرين، وهو نحو قول امرئ القيس: كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وَكرها العناب والحشف البالي فكأنه قال: قلوب الطير رطبا العناب، ويابسا الحشف، ومقصود هذا التمثيل الحض على صحبة العلماء والفضلاء وأهل الدين، وهو الذي يزيدك نطقه علما وفعله أدبا ونظره خشية، والزجر عن مخالطة من هو على نقيض ذلك. و(قوله: فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه) تطابقت الأخبار واستفاضت على أن المسك يجتمع في غدة حيوان، هو الغزال، أو يشبهه، فيتعفن في تلك الغدة، حتى تيبس وتسقط، فتؤخذ تلك الغدة كالجليدات المحشوة، وتلك الجلدة هي المسماة بفأرة المسك، والجمهور من علماء الخلف والسلف على طهارة المسك وفأرته، وعلى ذلك يدل استعمال النبي ﷺ له وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما دل عليه هذا الحديث، ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهلية والإسلام، ولا يستقذره أحد من العقلاء ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء، حتى قال القاضي أبو الفضل: نقل بعض أئمتنا الإجماع على طهارته، غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهيته، ولا يصح ذلك، فإن عمر ﵁ قد قسم ما غنم منه بالمدينة، وقال أبو عبد الله المازري: وقال قوم بنجاسته، ولم يعينهم. والصحيح القول

стр. 3924

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بطهارته، وإن لم يكن مجمعا عليه؛ للأحاديث الصحيحة، الدالة على ذلك؛ إذ قد كان النبي ﷺ كثيرا ما يستعمله، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه، كما قالت عائشة ﵂ (١) - وقد تقدم قوله: أطيب الطيب المسك (٢)، وغير ذلك. وقد قلنا: إن أهل الأعصار الكريمة مطبقون على استطابته واستعماله؛ فإن قيل: كيف لا يكون نجسا وقد قلتم: إنه دم، والدم نجس في أصله بالإجماع، وإنما يعفى عن اليسير منه لتعذر التحرز منه على ما هو مفصل في الفقه؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أن أصل المسك الدم، فلا نسلم أنه بقي على أصل الدموية، فإنَّ الدم إذا تعفن تغير لونه ورائحته إلى ما يستقذر ويستخبث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك؛ فإنَّه قد استحال إلى صلاح يستطاب ويستحسن، ويفضل على أنواع كل الطيب، وهذا كاستحالة الدم لبنا وبيضا، وإن شئت حررت فيه قياسا فقهيا فقلت: مائع له مقر يستحيل فيه إلى صلاح، ويكون طاهرا كاللبن والبيض. وتكميل هذا القياس في مسائل الخلاف. و(قوله: إما أن يحذيك) هو بضم الياء رباعيا من: أحذيته: إذا أعطيته، وفي الصحاح: أحذيته نعلا: إذا أعطيته نعلا، تقول منه: استحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا. والكير: منفخ الحداد. والكور: المبنى الذي يُنفخ فيه على النار والحديد. ويجوز أن يعبر بالكير عن الكور. * * *

стр. 3925

(٣٩) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إليهن [٢٥٥٩] عن عائشة، قَالَت: جَاءَتنِي امرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتنِي، فَلَم تَجِد عِندِي شَيئًا غَيرَ تَمرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعطَيتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتهَا فَقَسَمَتهَا بَينَ ابنَتَيهَا وَلَم تَأكُل مِنهَا شَيئًا، ثُمَّ قَامَت فَخَرَجَت وَابنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَدَّثتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَن ابتُلِيَ مِن البَنَاتِ بِشَيءٍ، فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِترًا مِن النَّارِ. ــ (٣٩) ومن باب: ثواب القيام على البنات والإحسان إليهن (قوله: من ابتلي بشيء من البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار) ابتلي: امتحن واختبر. وأحسن إليهن: صانهن وقام بما يصلحهن، ونظر في أصلح الأحوال لهن، فمن فعل ذلك، وقصد به وجه الله تعالى، عافاه الله تعالى من النار، وباعده منها، وهو المعبر عنه بالستر من النار. ولا شك في أن من لم يدخل النار دخل الجنة، وقد دل على ذلك قوله في الرواية الأخرى في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها: إن الله قد أوجب لها الجنة وأعاذها من النار. و(قوله: بشيء من البنات) يفيد بحكم عمومه: أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فأمَّا إذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على الستر من النار السبق مع رسول الله ﷺ إلى الجنة، كما جاء في الحديث الآخر، وهو قوله: من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو. وضم بين أصابعه. ومعنى: من عال جاريتين حتى تبلغا: قام عليهما بما يصلحهما ويحفظهما. يقال منه: عال الرجل عياله، يعولهم، عولا وعيالة، ويقال: علته شهرا: إذا كفيته معاشه. ويعني ببلوغهما وصولهما إلى حال يستقلان بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء، إلى أن يدخل بهن أزواجهن، ولا يعني ببلوغها إلى أن
следующие страницы →