(٣٨) باب اشفعوا تؤجروا ومثل الجليس الصالح والسيئ
[٢٥٥٧] عَن أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ: اشفَعُوا تُؤجَرُوا، وَليَقضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ.
رواه أحمد (٤/ ٤١٣)، والبخاريُّ (١٤٣٢)، ومسلم (٢٦٢٧)، وأبو داود (٥١٣١)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، والنسائي (٥/ ٧٨).
ــ
(٣٨) ومن باب: اشفعوا إلي تؤجروا
(قوله: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا) كذا وقع هذا اللفظ تؤجروا بغير فاء ولا لام، وهو مجزوم على جواب الأمر المضمن معنى الشرط، ومعناه واضح لا إشكال فيه، وقد روي فلتؤجروا بفاء ولام، وهكذا وجدته في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب، وينبغي أن تكون هذه اللام مكسورة، لأنَّها لام كي، وتكون الفاء زائدة، كما زيدت في قوله ﷺ : قوموا فلأصلي لكم (١) في بعض رواياته، وقد تقدم قول من قال: إن الفاء قد تأتي زائدة، ويكون معنى الحديث: اشفعوا لكي تؤجروا، ويحتمل أن يقال: إنها لام الأمر، ويكون المأمور به التعرض للأجر بالاستشفاع؛ فكأنه قال: استشفعوا وتعرضوا بذلك للأجر، وعلى هذا فيجوز كسر هذه اللام على أصل لام الأمر، ويجوز تخفيفها بالسكون لأجل حركة الحرف الذي قبلها.
و(قوله: وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) هكذا صحت الرواية هنا
стр. 3922
[٢٥٥٨] وعنه؛ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وجَلِيسِ السَّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ، وَنَافِخِ الكِيرِ،
ــ
وليقض، باللام، وجزم الفعل بها، ولا يصح أن تكون لام كي، كذلك، ولا يصح أيضًا أن تكون لام الأمر، لأنَّ الله تعالى لا يؤمر. وكأن هذه الصيغة وقعت موقع الخبر كما قد جاء في بعض نسخ مسلم: ويقضي الله: على الخبر بالفعل المضارع، ومعناه واضح، وهذه الشفاعة المذكورة في الحديث هي في الحوائج والرغبات للسلطان وذوي الأمر والجاه، كما شهد به صدر الحديث ومساقه، ولا يخفى ما فيها من الأجر والثواب، لأنَّها من باب صنائع المعروف وكشف الكرب ومعونة الضعيف؛ إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى السلطان وذوي الأمر، ولذلك كان النبي ﷺ يقول - مع تواضعه وقربه من الصغير والكبير (١)، إذ كان لا يحتجب ولا يحجب -: أبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها (٢) وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿مَن يَشفَع شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنهَا﴾. قال القاضي: ويدخل في عموم الحديث الشفاعة للمذنبين، فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو عنه إذا رأى ذلك كله، كما له العفو عن ذلك ابتداء. وهذا فيمن كانت منه الزلة والفلتة، وفي أهل الستر والعفاف. وأما المصرون على فسادهم، المستهترون في باطلهم، فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا ترك السلطان عقوبتهم؛ ليزدجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم. وقد جاء الوعيد بالشفاعة في الحدود.
و(قوله: إنما مثل جليس الصالح وجليس السوء) كذا وقع في بعض النسخ، وهو من باب إضافة الشيء إلى صفته، ووقع في بعضها: الجليس الصالح والجليس السوء وهو الأفصح والأحسن، ثم قال بعد هذا: كحامل
стр. 3923
فَحَامِلُ المِسكِ إِمَّا أَن يُحذِيَكَ، وَإِمَّا أَن تَبتَاعَ مِنهُ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ مِنهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يُحرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَن تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً.
رواه أحمد (٤/ ٤٠٨)، والبخاريُّ (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨).
* * *
ــ
المسك ونافخ الكير هذا نحو مما يسميه أهل الأدب لف الخبرين، وهو نحو قول امرئ القيس:
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وَكرها العناب والحشف البالي
فكأنه قال: قلوب الطير رطبا العناب، ويابسا الحشف، ومقصود هذا التمثيل الحض على صحبة العلماء والفضلاء وأهل الدين، وهو الذي يزيدك نطقه علما وفعله أدبا ونظره خشية، والزجر عن مخالطة من هو على نقيض ذلك.
و(قوله: فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه) تطابقت الأخبار واستفاضت على أن المسك يجتمع في غدة حيوان، هو الغزال، أو يشبهه، فيتعفن في تلك الغدة، حتى تيبس وتسقط، فتؤخذ تلك الغدة كالجليدات المحشوة، وتلك الجلدة هي المسماة بفأرة المسك، والجمهور من علماء الخلف والسلف على طهارة المسك وفأرته، وعلى ذلك يدل استعمال النبي ﷺ له وثناؤه عليه، وإجازة بيعه، كما دل عليه هذا الحديث، ومن المعلوم بالعادة المستمرة بين العرب والعجم استعماله واستطابة ريحه، واستحسانه في الجاهلية والإسلام، ولا يستقذره أحد من العقلاء ولا ينهى عن استعماله أحد من العلماء، حتى قال القاضي أبو الفضل: نقل بعض أئمتنا الإجماع على طهارته، غير أنه قد ذكر عن العمرين كراهيته، ولا يصح ذلك، فإن عمر ﵁ قد قسم ما غنم منه بالمدينة، وقال أبو عبد الله المازري: وقال قوم بنجاسته، ولم يعينهم. والصحيح القول
стр. 3924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بطهارته، وإن لم يكن مجمعا عليه؛ للأحاديث الصحيحة، الدالة على ذلك؛ إذ قد كان النبي ﷺ كثيرا ما يستعمله، حتى إنه كان يخرج، ووبيص المسك في مفرقه، كما قالت عائشة ﵂ (١) - وقد تقدم قوله: أطيب الطيب المسك (٢)، وغير ذلك. وقد قلنا: إن أهل الأعصار الكريمة مطبقون على استطابته واستعماله؛ فإن قيل: كيف لا يكون نجسا وقد قلتم: إنه دم، والدم نجس في أصله بالإجماع، وإنما يعفى عن اليسير منه لتعذر التحرز منه على ما هو مفصل في الفقه؟ فالجواب: إنا وإن سلمنا أن أصل المسك الدم، فلا نسلم أنه بقي على أصل الدموية، فإنَّ الدم إذا تعفن تغير لونه ورائحته إلى ما يستقذر ويستخبث، فاستحال إلى فساد، وليس كذلك المسك؛ فإنَّه قد استحال إلى صلاح يستطاب ويستحسن، ويفضل على أنواع كل الطيب، وهذا كاستحالة الدم لبنا وبيضا، وإن شئت حررت فيه قياسا فقهيا فقلت: مائع له مقر يستحيل فيه إلى صلاح، ويكون طاهرا كاللبن والبيض. وتكميل هذا القياس في مسائل الخلاف.
و(قوله: إما أن يحذيك) هو بضم الياء رباعيا من: أحذيته: إذا أعطيته، وفي الصحاح: أحذيته نعلا: إذا أعطيته نعلا، تقول منه: استحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: إذا أعطيته منها، والاسم: الحذيا. والكير: منفخ الحداد. والكور: المبنى الذي يُنفخ فيه على النار والحديد. ويجوز أن يعبر بالكير عن الكور.
* * *
стр. 3925
(٣٩) باب ثواب من ابتلي بشيء من البنات وأحسن إليهن
[٢٥٥٩] عن عائشة، قَالَت: جَاءَتنِي امرَأَةٌ، وَمَعَهَا ابنَتَانِ لَهَا، فَسَأَلَتنِي، فَلَم تَجِد عِندِي شَيئًا غَيرَ تَمرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعطَيتُهَا إِيَّاهَا، فَأَخَذَتهَا فَقَسَمَتهَا بَينَ ابنَتَيهَا وَلَم تَأكُل مِنهَا شَيئًا، ثُمَّ قَامَت فَخَرَجَت وَابنَتَاهَا، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَدَّثتُهُ حَدِيثَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَن ابتُلِيَ مِن البَنَاتِ بِشَيءٍ، فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِترًا مِن النَّارِ.
ــ
(٣٩) ومن باب: ثواب القيام على البنات والإحسان إليهن
(قوله: من ابتلي بشيء من البنات فأحسن إليهن كن له سترا من النار) ابتلي: امتحن واختبر. وأحسن إليهن: صانهن وقام بما يصلحهن، ونظر في أصلح الأحوال لهن، فمن فعل ذلك، وقصد به وجه الله تعالى، عافاه الله تعالى من النار، وباعده منها، وهو المعبر عنه بالستر من النار. ولا شك في أن من لم يدخل النار دخل الجنة، وقد دل على ذلك قوله في الرواية الأخرى في المرأة التي قسمت التمرة بين بنتيها: إن الله قد أوجب لها الجنة وأعاذها من النار.
و(قوله: بشيء من البنات) يفيد بحكم عمومه: أن الستر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة من البنات، فأمَّا إذا عال زيادة على الواحدة فيحصل له زيادة على الستر من النار السبق مع رسول الله ﷺ إلى الجنة، كما جاء في الحديث الآخر، وهو قوله: من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو. وضم بين أصابعه.
ومعنى: من عال جاريتين حتى تبلغا: قام عليهما بما يصلحهما ويحفظهما. يقال منه: عال الرجل عياله، يعولهم، عولا وعيالة، ويقال: علته شهرا: إذا كفيته معاشه. ويعني ببلوغهما وصولهما إلى حال يستقلان بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء، إلى أن يدخل بهن أزواجهن، ولا يعني ببلوغها إلى أن
стр. 3926
وفي رواية: فَأَطعَمتُهَما ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعطَت كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا تَمرَةً، وَرَفَعَت إِلَى فِيهَا تَمرَةً لِتَأكُلَهَا، فَاستَطعَمَتهَا ابنَتَاهَا، فَشَقَّت التَّمرَةَ الَّتِي كَانَت تُرِيدُ أَن تَأكُلَهَا بَينَهُمَا، فَأَعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرتُ الَّذِي صَنَعَت لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَد أَوجَبَ لَهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَو أَعتَقَهَا بِهَا مِن النَّارِ.
رواه أحمد (٦/ ٣٣ و ٩٢)، والبخاريُّ (١٤١٨)، ومسلم (٢٦٢٩)، والترمذيُّ (١٩١٣)، وابن ماجه (٣٦٦٨).
[٢٥٦٠] وعَن أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن عَالَ جَارِيَتَينِ حَتَّى تَبلُغَا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ - وَضَمَّ أَصَابِعَهُ.
رواه أحمد (٣/ ١٤٧ - ١٤٨)، ومسلم (٢٦٣١)، والترمذيُّ (١٩١٤).
* * *
ــ
تحيض وتكلف، إذ قد تتزوج قبل ذلك فتستغني بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيض وهي غير مستقلة بشيء من مصالحها، ولو تركت لضاعت، وفسدت أحوالها. بل هي في هذه الحال أحق بالصيانة والقيام عليها لتكمل صيانتها فيرغب في تزويجها، ولهذا المعنى قال علماؤنا: لا تسقط النفقة عن والد الصبية بنفس بلوغها، بل بدخول الزوج بها.
* * *
стр. 3927
(٤٠) باب من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم
[٢٥٦٠] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِن المُسلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِن الوَلَدِ، فَتَمَسَّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ.
ــ
(٤٠) ومن باب: من يموت له شيء من الولد فيحتسبهم (١)
(قوله: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار. . .) الولد: يقال على الذكر والأنثى بخلاف الابن، فإنَّه يقال على الذكر: ابن، وعلى الأنثى: ابنة، وقد تقيد مطلق هذه الرواية، بقوله في الرواية الأخرى: لم يبلغوا الحنث كما تقيد مطلق حديث أبي هريرة بحديث أبي النضر السلمي؛ فإنَّه قال فيه: لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم. فقوله: لم يبلغوا الحنث أي: التكليف. والحنث: الإثم. وإنما خصه بهذا الحد، لأنَّ الصغير حبه أشد، والشفقة عليه أعظم، وقيده بالاحتساب لما قررناه غير مرة: أن الأجور على المصائب لا تحصل إلا بالصبر والاحتساب، وإنما خص الولد بثلاثة، لأنَّ الثلاثة أول مراتب الكثرة، فتعظم المصائب، فتكثر الأجور؛ فأمَّا إذا زاد على الثلاثة فقد يخف أمر المصيبة الزائدة لأنها كأنها صارت عادة وديدنا، كما قال المتنبي:
أنكرت طارقة الحوادث مرة ... ثمَّ اعترفت بها فصارت ديدنا
وقال آخر:
روعت بالبين حتى ما أراع له ... وبالمصائب في أهلي وجيراني
ويحتمل أن يقال: إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة، لأنَّه من باب الأحرى والأولى؛ إذ من المعلوم أن من كثرت مصائبه كثر ثوابه، فاكتفي بذلك عن ذكره،
стр. 3928
وفي رواية: لم يبلغوا الحنث إلا تحلة القسم.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاري (١٢٥١)، ومسلم (٢٦٣٢)(١٥٠) و (٢٦٣٤)، والترمذيّ (١٠٦٠)، والنسائي (٤/ ٢٥)، وابن ماجه (١٦٠٣).
ــ
والله تعالى أعلم.
وقد استشكل بعض الناس قوله ﷺ : لا يموت لإحداكن ثلاثة من الولد إلا كانوا لها حجابا من النار. ثم لما سئل عن اثنين، قال: واثنين. ووجهه: أنه إذا كان حكم الاثنين حكم الثلاثة، فلا فائدة لذكر الثلاثة أولا، وهذا إنما يصدر عمن يعتقد أن دلالة المفهوم نص كدلالة المنطوق (*)، وليس الأمر كذلك، بل هي عند القائلين بها من أضعف جهات دلالات الألفاظ، وسائر وجوه الدلالات مرجحة عليها، كما بيناه في الأصول، هذا إن قلنا: إن أسماء الأعداد لها مفهوم؛ فإنَّه قد اختلف في ذلك القائلون بالمفهوم، وألحقوا هذا النوع باللقب الذي لا مفهوم له باتفاق المحققين، ثم إن الرافع لهذا الإشكال أن يقال: إن الثواب على الأعمال إنما يُعلم بالوحي، فيكون الله تعالى قد أوحى إلى نبيه بذلك في الثلاثة، ثم إنه لما سئل عن الاثنين أوحى الله إليه في الاثنين بمثل ما أوحى إليه بالثلاثة، ولو سئل عن الواحد لأجاب بمثل ذلك كما قد دلت عليه الأحاديث المذكورة في ذلك، ويحتمل أن يقال: إن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة، وقوة صبرها، فقد لا يبعد أن تكون من فقدت واحدا أو اثنين أشد ممن فقدت ثلاثة أو مساوية لها، فتلحق بها في درجتها، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إلا تحلة القسم) أي: ما يحلل به القسم، وهو اليمين. وقد اختلف في هذا القسم، هل هو قسم معين، أم لا؟ فالجمهور على أنه قسم بعينه، فمنهم من قال: هو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحشُرَنَّهُم وَالشَّيَاطِينَ﴾ وقيل: هو قوله: ﴿وَإِن مِنكُم إِلا وَارِدُهَا﴾ وقيل: هو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتمًا مَقضِيًّا﴾، أي: قسما واجبا؛ كذلك فسره ابن مسعود
стр. 3929
[٢٥٦٢] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجعَل لَنَا مِن نَفسِكَ يَومًا نَأتِيكَ فِيهِ، تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. قَالَ: اجتَمِعنَ يَومَ كَذَا وَكَذَا، فَاجتَمَعنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا مِنكُنَّ مِن امرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَينَ يَدَيهَا مِن وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِن النَّارِ. فَقَالَت امرَأَةٌ منهن: وَاثنَينِ، وَاثنَينِ، وَاثنَينِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاثنَينِ، وَاثنَينِ، وَاثنَينِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٤)، والبخاريُّ (١٠١)، ومسلم (٢٦٣٣).
[٢٥٦٣] وعَن أَبِي حَسَّانَ قَالَ: قُلتُ لِأَبِي هُرَيرَةَ: قَد مَاتَ لِيَ ابنَانِ، فَمَا أَنتَ مُحَدِّثِي عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ أَنفُسَنَا عَن مَوتَانَا؟
ــ
والحسن. وأما من قال: لم يعين به قسم بعينه، فهو ابن قتيبة. قال: معناه: التقليل لأمر ورودها. وتحلة القسم: تستعمل في هذا في كلام العرب، وقيل: معناه: لا تمسه النار قليلا، ولا تحلة القسم، كما قيل في قوله:
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
أي: والفرقدان، على أحد الأقوال فيه.
قلت: والأشبه: قول أبي عبيد، ولبيان وجه ذلك موضع آخر.
و(قوله ﷺ للنساء: اجتمعن في يوم كذا) يدلّ على أن الإمام ينبغي له أن يعلم النساء ما يحتجن إليه من أمر أديانهن، وأن يخصهن بيوم مخصوص لذلك، لكن في المسجد أو فيما كان في معناه، حتى تؤمن الخلوة بهن، فإن تمكن الإمام من ذلك بنفسه فعل، وإلا استنهض الإمام شيخا يوثق بعلمه ودينه لذلك، حتى يقوم بهذه الوظيفة، وفي هذا الحديث ما يدل على فضل نساء ذلك الوقت، وما كانوا
стр. 3930
قَالَ: نَعَم، صِغَارُهُم دَعَامِيصُ الجَنَّةِ، فيَلَقَّى أَحَدُهُم أَبَاهُ، أَو قَالَ: أَبَوَيهِ، فَيَأخُذُ بِثَوبِهِ. أَو قَالَ: بِيَدِهِ، كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوبِكَ هَذَا،
ــ
عليه من الحرص على العلم والحديث عن رسول الله ﷺ ، وكما قالت عائشة ﵂: نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين (١).
و(قوله: صغارهم دعاميص الجنة) هي جمع دعموص، وهو دويبة تغوص في الماء، والجمع دعاميص، ودعامص. قال الأعشى:
فما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمكم ... وبحرك ساج لا يواري الدعامصا
ودعيميص الرمل: اسم رجل كان داهيا، يضرب به المثل؛ يقال: هو دعيميص هذا الأمر؛ أي: عالم به.
قلت: هذا الذي وجدته في كتب اللغة، وأصحاب الغريب: أن الدعموص دويبة تغوص في الماء، ولا يليق هذا المعنى بالدعاميص المذكورين في هذا الحديث؛ إلا على معنى تشبيه صغار الجنة بتلك الدويبة في صغرها، أو في غوصهم في نعيم الجنة، وكل ذلك فيه بُعد. وقد سمعت من بعض من لقيته: أن الدعموص يراد به الآذن على الملك، المتصرف بين يديه. وأنشد لأمية بن أبي الصلت:
دعموص أبواب الملو ... ك وجائب للخرق فاتح
قلت: وهذا يناسب ما ذكره في هذا الحديث.
و(قوله: كما آخذ أنا بصنفة ثوبك) هو بكسر النون. قال الجوهري: صنفة الإزار - بكسر النون -: طرته، وهو جانبه الذي لا هدب له، ويقال: هي حاشية
стр. 3931
فَلَا يَتَنَاهَى، أَو قَالَ: فَلَا يَنتَهِي، حَتَّى يُدخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَويه الجَنَّةَ.
رواه مسلم (٢٦٣٥).
[٢٥٦٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَتَت امرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا فَقَالَت: يَا نَبِيَّ اللَّهِ ادعُ اللَّهَ لَهُ، فَلَقَد دَفَنتُ ثَلَاثَةً! قَالَ: دَفَنتِ ثَلَاثَةً؟ ! قَالَت: نَعَم. قَالَ: لَقَد احتَظَرتِ بِحِظَارٍ شَدِيدٍ مِن النَّارِ.
رواه مسلم (٢٦٣٦)(١٥٥).
* * *
ــ
الثوب أي جانب كان، وقال غيره: صنفة الثوب وصنيفته: طرفه.
و(قوله: فلا يتناهى، أو قال: ينتهي حتى يدخله الله وأبويه الجنة) أي: ما يترك ذلك. يقال: انتهى وتناهى وأنهى، بمعنى ترك، وهكذا الرواية المشهورة: أبويه بالتثنية. وعند ابن ماهان: أباه بالباء بواحدة. وعند عبد الغافر: وإياه بالياء من تحتها، وكل له وجه واضح.
وفي هذا الحديث ما يدلّ على أن صغار أولاد المؤمنين في الجنة، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تدل عليه أخبار صحيحة كثيرة، وظاهر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتهُم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلحَقنَا بِهِم ذُرِّيَّتَهُم﴾ وقد أنكر بعض العلماء الخلاف فيهم، وهذا فيما عدا أولاد الأنبياء، فإنَّه قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة، حكاه أبو عبد الله المازري، وإنما الخلاف في أولاد المشركين على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: لقد احتظرت بحظار شديد من النار) أي: امتنعت، وأصل الحظر: المنع. والحظار: ما يدار بالبستان من عيدان وقصب، سُمي بذلك لأنه يمنع من يريد الدخول. والحظيرة والمحظور منه، والحظار هنا: هو الحجاب المذكور في الحديث الآخر.
стр. 3932
(٤١) باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد
[٢٥٦٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبدًا دَعَا جِبرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهلُ السَّمَاءِ.
ــ
(٤١) ومن باب: إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده والأرواح أجناد مجندة، والمرء مع من أحب
قد تقدَّم أن معنى محبة الله للعبد: إرادة إكرامه وإثابته. ولأعمال العباد: إثابتهم عليها، وأن محبة الله تعالى منزهة عن أن تكون ميلا للمحبوب، أو شهوة؛ إذ كل ذلك من صفاتنا، وهي دليل حدوثنا، والله تعالى منزه عن كل ذلك.
وأما محبة الملك فلا بُعد في أن تكون على حقيقتها المعقولة في حقوقنا، ولا إحالة في شيء من ذلك. وإعلام الله تعالى جبريل، وإعلام جبريل الملائكة بمحبة العبد المذكور تنويه به، وتشريف له في ذلك الملأ الكريم، وليحصل من المنزلة المنيفة على الحظ العظيم، وهذا من نحو قوله ﷺ حكاية عن الله تعالى حيث قال: أنا مع عبدي إذا ذكرني؛ إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (١). ويجوز أن يراد بمحبة الملائكة: ثناؤهم عليه واستغفارهم له، وإكرامهم له عند لقائه إياهم.
стр. 3933
قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرضِ، وَإِذَا أَبغَضَ عَبدًا دَعَا جِبرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبغِضُ فُلَانًا فَأَبغِضهُ. قَالَ: فَيُبغِضُهُ جِبرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبغِضُ فُلَانًا فَأَبغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبغِضُونَهُ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ البَغضَاءُ فِي الأَرضِ.
رواه أحمد (٢/ ٥١٤)، والبخاري (٣٢٠٩)، ومسلم (٢٦٣٧)(١٥٧)، والترمذي (٣١٦١).
[٢٥٦٦] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الأَروَاحُ أَجنَادٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنهَا ائتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنهَا اختَلَفَ.
ــ
و(قوله: ثم يوضع له القبول في الأرض) يعني بالقبول: محبة قلوب أهل الدين والخير له، والرضا به، والسرور بلقائه، واستطابة ذكره في حال غيبته، كما أجرى الله تعالى عادته بذلك في حق الصالحين من سلف هذه الأمة ومشاهير الأئمة. والقول في البغض على النقيض من القول في الحب.
و(قوله: الأرواح أجناد مجندة). قد تقدَّم القول في الروح والنفس في كتاب الطهارة. ومعنى أجناد مجندة: أصناف مصنفة. وقيل: أجناس مختلفة. ويعني بذلك أن الأرواح وإن اتفقت في كونها أرواحا؛ فإنَّها تتمايز (١) بأمور وأحوال مختلفة تتنوع بها فتتشاكل أشخاص النوع الواحد، وتتناسب بسبب ما اجتمعت فيه من المعنى الخاص لذلك النوع للمناسبة، ولذلك نشاهد (٢) أشخاص كل نوع تألف نوعها، وتنفر من مخالفها، ثمَّ إنا نجد بعض أشخاص النوع الواحد تتآلف، وبعضها تتنافر، وذلك بحسب أمور تتشاكل فيها، وأمور تتباعد فيها،
стр. 3934
وفي رواية: النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإِسلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالأَروَاحُ جُنُودٌ ... وذكره.
رواه أحمد (٢/ ٢٩٥)، ومسلم (٢٦٣٨) (١٥٩ و ١٦٠)، وأبو داود (٤٨٣٤).
* * *
ــ
كالأرواح المجبولة على الخير والرحمة والشفقة والعدل، فتجد مَن جُبل على الرحمة يميل بطبعه لكل من كان فيه ذلك المعنى، ويألفه، ويسكن إليه، وينفر ممن اتصف بنقيضه، وهكذا في الجفاء والقسوة، ولذلك قد شاع في كلام الناس قولهم (١): المناسبة تؤلف بين الأشخاص، والشكل يألف شكله، والمثل يجذب مثله.
وهذا المعنى هو أحد ما حُمل عليه قوله ﷺ : فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف وعلى هذا فيكون معنى تعارف: تناسب. وقيل: إن معنى ذلك هو ما تعرف الله به إليها من صفاته، ودلها عليه من لطفه وأفعاله، فكل روح عرف من الآخر أنه تعرف إلى الله بمثل ما تعرف هو به إليه. وقال الخطابي: هو ما خلقها الله تعالى عليه من السعادة والشقاوة في المبدأ الأول.
قلت: وهذان القولان راجعان إلى القول الأول، فتدبرهما.
ويستفاد من هذا الحديث أن الإنسان إذا وجد من نفسه نفرة ممن له فضيلة أو صلاح فتش على الموجب لتلك النفرة، وبحث عنه بنور العلم؛ فإنَّه ينكشف له، فيتعين عليه أن يسعى في إزالة ذلك، أو في تضعيفه بالرياضة السياسية، والمشاهدة (٢) الشرعية حتى يتخلص من ذلك الوصف المذموم، فيميل لأهل
стр. 3935
(٤٢) باب المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح
[٢٥٦٧] عن أَنَس بن مَالِكٍ قَالَ: بَينَا أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَارِجَانِ مِن المَسجِدِ، فَلَقِينَا رَجُلًا عِندَ سُدَّةِ المَسجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَعدَدتَ لَهَا؛ قَالَ: وَكَأَنَّ الرَّجُلَ استَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعدَدتُ لَهَا كَبِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا صَدَقَةٍ،
ــ
الفضائل والعلوم، وكذلك القول فيما إذا وجد ميلا لمن فيه شر، أو وصف مذموم. وقد تقدَّم القول على قوله: الناس معادن في كتاب المناقب.
(٤٢) ومن باب: المرء مع من أحب وفي الثناء على الرجل الصالح (١)
(قوله: فلقينا رجلا عند سدة المسجد) يعني: عند باب المسجد، والسدة تقال على ما يسد به الباب، وعلى المسدود الذي هو الباب.
و(قوله: فكأن الرجل استكان) أي: سكن تذللا.
و(قوله: ما أعددت لها كبير صلاة، ولا صيام، ولا صدقة) يعني بذلك: النوافل من الصلاة والصدقة، والصوم، لأنَّ الفرائض لا بد له ولغيره من فعلها، فيكون معناه: أنه لم يأت منها بالكثير الذي يعتمد عليه، ويرتجى دخول الجنة
стр. 3936
وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ: فَأَنتَ مَعَ مَن أَحبَبتَ.
وفي رواية: قَالَ: مَا أَعدَدتَ لِلسَّاعَةِ؟ قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: فَإِنَّكَ مَعَ مَن أَحبَبتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحنَا بَعدَ الإِسلَامِ فَرَحًا أَشَدَّ مِن قَولِ النَّبِيِّ ﷺ : فَإِنَّكَ مَعَ مَن أَحبَبتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَبَا بَكرٍ وَعُمَرَ، فَأَرجُو أَن أَكُونَ مَعَهُم، وَإِن لَم أَعمَل بِأَعمَالِهِم.
رواه أحمد (٣/ ١٩٢)، والبخاريُّ (٣٦٨٨)، ومسلم (٢٦٣٩) (١٦٣ و ١٦٤)، وأبو داود (٥١٢٧)، والترمذيُّ (٢٣٨٥).
ــ
بسببه، هذا ظاهره، ويحتمل أن يكون أراد أن الذي فعله من تلك الأمور - وإن كان كثيرا- فإنَّه محتقر بالنسبة إلى ما عنده من محبة الله تعالى ورسوله، فكأنه ظهر له أن محبة الله ورسوله أفضل الأعمال وأعظم القرب، فجعلها عمدته، واتخذها عدته، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فأنت مع من أحببت) قد تكلمنا عليه في غير موضع.
و(قوله: ما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبي ﷺ هكذا وقع هذا اللفظ في الأصول، وفيه حذف وتوسع، تقديره: فما فرحنا فرحا أشد من فرحنا بقول النبي ﷺ ذلك القول، وسكت عن ذلك المحذوف للعلم به. وإنَّما كان فرحهم بذلك أشد، لأنَّهم لم يسمعوا أن في أعمال البر ما يحصل به ذلك المعنى من القُرب من النبي ﷺ ، والكون معه؛ إلا حب الله ورسوله، فأعظم بأمر يلحق المقصر بالمشمر، والمتأخر بالمتقدِّم. ولما فهم أنس أن هذا اللفظ محمول على عمومه علق به رجاءه، وحقق فيه ظنه، فقال: أنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر، فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم. والوجه الذي تمسك به أنس يشمل من المسلمين المحبين كل ذي نفس، فلذلك تعلقت أطماعنا بذلك؛ وإن كنا مقصرين، ورجونا رحمة الرحمن، وإن كنا غير مستأهلين.
стр. 3937
[٢٥٦٨] وعَن عَبدِ اللَّهِ - هو ابن مسعود - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ تَرَى رَجُلا أَحَبَّ قَومًا وَلَمَّا يَلحَق بِهِم؛ فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المَرءُ مَعَ مَن أَحَبَّ.
رواه أحمد (١/ ٣٩٢)، والبخاريُّ (٦١٦٨)، ومسلم (٢٦٤٠).
[٢٥٦٩] وعَن أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيتَ الرَّجُلَ يَعمَلُ العَمَلَ مِن الخَيرِ وَيَحمَدُهُ النَّاسُ عَلَيهِ؟ قَال: تِلكَ عَاجِلُ بُشرَى المُؤمِنِ.
وفي رواية: ويحبه الناس عليه، (بدل): يحمده.
رواه أحمد (٥/ ١٥٧)، ومسلم (٢٦٤٢)، وابن ماجه (٤٢٢٥).
* * *
ــ
و(قوله: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه) يعني الرجل الذي يعمل العمل الصالح خالصا، ولا يريد إظهاره للناس، لأنَّه لو عمله ليحمده الناس أو يبروه، لكان مرائيا، ويكون ذلك العمل باطلا فاسدا، وإنما الله تعالى بلطفه ورحمته وكرمه، يعامل المخلصين في الأعمال الصادقين في الأقوال والأحوال بأنواع من اللطف، فيقذف في القلوب محبتهم، ويطلق الألسنة بالثناء عليهم، لينوه بذكرهم في الملأ الأعلى؛ ليستغفروا لهم، وينشر طيب ذكرهم في الدنيا ليقتدى بهم، فيعظم أجرهم، وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم، وكثير ثوابهم، ولذلك قال: تلك عاجل بشرى المؤمن. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 3938
(٣٥) كتاب القدر
(١) باب في كيفية خلق ابن آدم
[٢٥٧٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ
ــ
(٣٥) كتاب القدر
قد تقدم في كتاب الإيمان القول في لفظ القدر ومعناه، واختلاف الناس فيه
(١) ومن باب: في كيفية خلق ابن آدم (١)
(قوله: إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما) يعني - والله تعالى أعلم - أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا
стр. 3939
الصَّادِقُ المَصدُوقُ: إِنَّ أَحَدَكُم يُجمَعُ خَلقُهُ فِي بَطنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضغَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرسَلُ الله المَلَك فَيَنفُخُ فِيهِ الرُّوحَ،
ــ
متفرقا، فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة. وقد جاء في بعض الحديث عن ابن مسعود ﵁ تفسير: يُجمع في بطن أمه: أن النطفة إذا وقعت في الرحم، فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا، طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين ليلة، ثم تصير دما في الرحم، فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة، والعلق: الدم (١).
و(قوله: ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك) وذلك الأول إشارة إلى المحل الذي اجتمعت فيه النطفة، وصارت علقة، وذلك الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون، وكذلك القول في قوله: ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك والمضغة: قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره.
و(قوله: ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح) يعني: الملك الموكل بالرحم، كما قال في حديث أنس ﵁: إن الله قد وكل بالرحم ملكا (٢). وظاهر هذا السياق أن الملك عند مجيئه ينفخ الروح في المضغة، وليس الأمر كذلك؛ بل إنما ينفخ الروح فيها بعد أن تتشكل تلك المضغة بشكل ابن آدم، وتتصور بصورته، كما قال تعالى: ﴿فَخَلَقنَا المُضغَةَ عِظَامًا فَكَسَونَا العِظَامَ لَحمًا﴾ وكما قال في الآية الأخرى: ﴿مِن مُضغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ
стр. 3940
وَيُؤمَرُ بِأَربَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتبِ رِزقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ،
ــ
مُخَلَّقَةٍ﴾ فالمخلقة: المصورة، وغير المخلقة: السقط. قال أبو العالية وغيره: وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربعين يوما، وحينئذ ينفخ فيه الروح، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلقًا آخَرَ﴾ في قول الحسن والكلبي من المفسرين. قال القاضي: ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر، ودخوله في الخامس، وهذا موجود بالمشاهدة، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل: إنه في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر. وهذا الدخول في الخامسة يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. ونفخ الملك في الصورة سبب يخلق الله عنده بها الروح والحياة، لأنَّ النفخ المتعارف إنَّما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه، ولا يلزم منه عقلا ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ فيه؛ فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ، وغاية النفخ: أن يكون معدا عاديا لا موجبا عقليا، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة، فتأمل هذا الأصل وتمسك به، فبه النجاة من مذاهب أهل الضلال من أهل الطبائع وغيرهم.
و(قوله: ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد) ظاهر هذا اللفظ: أن الملك يؤمر بكتب هذه الأربعة ابتداء، وليس كذلك، بل إنما يؤمر بذلك بعد أن يسأل عن ذلك فيقول: يا رب! ما الرزق؛ ما الأجل؛ ما العمل؛ وهل شقي أو سعيد؛ كما تضمنته الأحاديث الآتية بعد، بل قد روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: حدثنا داود، عن عامر، عن علقمة، عن ابن مسعود، وعن ابن عمر: إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب، أذكر أم أنثى؛ شقي أم سعيد؛ ما الأجل؛ ما الأثر؛ بأي أرض تموت؛ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب؛ فإنك تجد قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد
стр. 3941
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قصتها في أم الكتاب؛ فتلحق؛ فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها (١). وزاد في بعض روايات حديث ابن مسعود: إن الملك يقول: يا رب! مخلقة أو غير مخلقة؛ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن قيل: مخلقة قال: أي رب! ذكر أم أنثى (٢). وذكر نحو ما تقدَّم.
فقوله: إن النطفة إذا استقرت في الرحم يعني بهذا الاستقرار: صيرورة النطفة علقة ومضغة، لأنَّ النطفة قبل ذلك غير مجتمعة كما تقدَّم، فإذا اجتمعت وصارت ماء واحدا علقة أو مضغة، أمكن حينئذ أن تؤخذ بالكف، وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها، والله تعالى أعلم.
ويستفاد من جملة ما ذكرناه أن المرأة إذا ألقت نطفة لم يتعلق بها حكم، إذ لم تجتمع في الرحم، فتبين أنها كانت حاملا، إذ الرحم قد يدفع النطفة قبل استقرارها فيه، فإذا طرحته علقة تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يتحقق به أنه ولد. وعلى هذا: فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة، وضع حمل يبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت لها به حكم أم الولد، وهذا مذهب مالك وأصحابه. وقال الشافعي: لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنَّما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط؛ فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، وعمدة أصحابنا: التمسك بالحديث المتقدم، وبأن مسقطة العلقة، أو المضغة يصدق على المرأة إذا ألقتها أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فشملها قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ﴾ ويصدق عليها قوله ﷺ لسبيعة الأسلمية: قد وضعت فانكحي من شئت (٣)؛ ولأنها وضعت مبدأ
стр. 3942
فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ فَيَدخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُم لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَينَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ فَيَدخُلُهَا.
وفي رواية: أربعين ليلة (بدل) يوما.
رواه أحمد (١/ ٣٨٢)، والبخاريُّ (٧٤٥٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، وأبو داود (٤٧٠٨)، والترمذيّ (٢١٣٧)، وابن ماجه (٧٦).
* * *
ــ
الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط. واستيفاء ما يتعلق به سؤالا وجوابا في الخلاف.
و(قوله: إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. . . الحديث إلى آخره) ظاهر هذا الحديث: أن هذا العامل كان عمله صحيحا؛ وأنه قرب من الجنة بسبب عمله، حتى أشرف على دخولها، وإنما منعه من دخولها سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة، وعلى هذا فالخوف - على التحقيق - إنما هو مما سبق؛ إذ لا تبديل له ولا تغيير، فإذًا: الأعمال بالسوابق، لكن لما كانت السوابق مستورة عنا، والخاتمة ظاهرة لنا، قال ﷺ : إنما الأعمال بالخواتيم (١) أي: عندنا، وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص، وفي بعض الأحوال. وأما العامل المذكور في حديث سهل المتقدم في الإيمان؛ فإنَّه لم يكن عمله صحيحا في نفسه، وإنما كان رياء وسمعة، ولذلك قال ﷺ : إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو
стр. 3943
(٢) باب السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه
[٢٥٧١] عن عَامِر بن وَاثِلَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَن شَقِيَ فِي بَطنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ، فَأَتَى رَجُلًا مِن
ــ
للناس، وهو من أهل النار (١) فيستفاد من هذا الحديث: الاجتهاد في إخلاص الأعمال لله تعالى، والتحرز من الرياء. ويستفاد من حديث ابن مسعود: ترك العجب بالأعمال، وترك الالتفات والركون إليها، والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته، والاعتراف بمنته، كما قال ﷺ : لن ينجي أحدا منكم عمله. . . الحديث (٢).
(٢) ومن باب: السعيد سعيد في بطن أمه والشقي شقي في بطن أمه (٣)
(قوله: الشقي شقي في بطن أمه) يعني: أن أول مبدأ الإنسان في بطن أمه يظهر من حاله للملائكة، أو لمن شاء الله من خلقه ما سبق في علم الله تعالى من سعادته ومن شقوته، ورزقه وأجله وعمله؛ إذ قد سبق كتب ذلك في اللوح المحفوظ، كما دل عليه الكتاب والأخبار الكثيرة الصحيحة، وكل ذلك قد سبق به العلم الأزلي، والقضاء الإلهي الذي لا يقبل التغيير ولا التبديل، المحيط بكل الأمور على التعين والتفصيل. ألا ترى الملائكة كيف تستخرج ما عند الله من علم
стр. 3944
أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ حُذَيفَةُ بنُ أَسِيدٍ الغِفَارِيُّ، فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِن قَولِ ابنِ مَسعُودٍ فَقَالَ: وَكَيفَ يَشقَى الرَجُل بِغَيرِ عَمَلٍ؛ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعجَبُ مِن ذَلِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا مَرَّ بِالنُّطفَةِ ثِنتَانِ وَأَربَعُونَ لَيلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلدَهَا وَلَحمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَم أُنثَى؛ فَيَقضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ؛ فَيَقضي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزقُهُ؛ فَيَقضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكتُبُ المَلَكُ، ثُمَّ يَخرُجُ المَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ به، وَلَا يَنقُصُ.
ــ
حال النطفة، فتقول: يا رب ما الرزق؛ ما الأجل؟ فيقضي ربك ما شاء، أي: يظهر من قضائه وحكمه للملائكة ما سبق به علمه، وتعلقت به إرادته.
و(قوله: ويكتب الملك) يعني من اللوح المحفوظ، كما تقدَّم في حديث يحيى بن أبي زائدة، ولذلك عطف هذه الجملة على ما تقدم بالواو، لأنَّها لا تقتضي رتبة، ثم يخرج الملك بالصحيفة، أي: يخرج من حال الغيبة عن هذا العالم إلى حال مشاهدته، فيطلع الله تعالى بسبب تلك الصحيفة من شاء من الملائكة الموكلين بأحواله على ذلك ليقوم كل بما عليه من وظيفته حسب ما سطر في صحيفته.
و(قوله: إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون، أو ثلاثة وأربعون، أو خمسة وأربعون) هذا كله شك من الرواة، وحاصله: أن بعث الملك المذكور في هذا الحديث، إنما هو في الأربعين الرابعة التي هي مدة التصوير، كما دل على ذلك ما قدمناه قبل هذا (١). وسمى المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى قوله: بعث الله إليها
стр. 3945
وفي رواية قَالَ: يَدخُلُ المَلَكُ عَلَى النُّطفَةِ بَعدَ مَا تَستَقِرُّ فِي الرَّحِمِ بِأَربَعِينَ أَو خَمسَةٍ وَأَربَعِينَ لَيلَةً فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَشَقِيٌّ أَم سَعِيدٌ؛ فَيُكتَبَانِ.
وفي أخرى: فَيَجعَلُهُ اللَّهُ ذكرا أو أنثى سَوِيًّا أَو غَيرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ مَا رِزقُهُ؛ مَا أَجَلُهُ؛ مَا خُلُقُهُ؛ ثُمَّ يَجعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا أَو سَعِيدًا.
وفي أخرى: إنَّ مَلَكًا مُوَكَّلًا بِالرَّحِمِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَن يَخلُقَ شَيئًا أذنِ اللَّه لِبِضعٍ وَأَربَعِينَ لَيلَةً. ثُمَّ ذَكَرَ نَحوَ ما تقدم
رواه أحمد (٦/ ٧)، ومسلم (٢٦٤٤ و ٢٦٤٥) (٢ و ٣ و ٤).
ــ
ملكا وصورها وخلق سمعها وبصرها، وجلدها وعظامها فعطف بالفاء المرتبة، وهذا لا يكون حتى تصل النطفة إلى حال نهاية المضغة، كما دل عليه ما تقدَّم. وبهذا تتفق الروايات، ويزول الاضطراب المتوهم فيها، والله أعلم.
ونسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما في المضغة - كأن عنه التصوير والتشكيل - بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا ترى أن الله تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنا نسب جميع الخليقة، فقال: ﴿وَلَقَد خَلَقنَاكُم ثُمَّ صَوَّرنَاكُم﴾ وقال: ﴿وَلَقَد خَلَقنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلنَاهُ نُطفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُم فِي رَيبٍ مِنَ (ل بَعثِ فَإِنَّا خَلَقنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطفَةٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَصَوَّرَكُم فَأَحسَنَ صُوَرَكُم وَإِلَيهِ المَصِيرُ﴾ وغير ذلك من الآيات. هذا مع ما دلت عليه قاطعات البراهين من أنه لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين.
تنبيه: هذا الترتيب العجيب، وإن خفيت حكمته، فقد لاحت لنا حقيقته، وهو أنه كذلك سبق في علمه، وثبت في قضائه وحكمه، وإلا فمن الممكن أن يوجد الإنسان وأصناف الحيوان، بل وجميع المخلوقات، في أسرع من لحظة،
стр. 3946
[٢٥٧٢] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ - وَرَفَعَ الحَدِيثَ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَد وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! نُطفَةٌ؛ أَي رَبِّ! عَلَقَةٌ؛ أَي رَبِّ! مُضغَةٌ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَن يَقضِيَ خَلقًا قَالَ: قَالَ المَلَكُ: أَي رَبِّ! ذَكَرٌ أَم أُنثَى؛ شَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ؛ فَمَا الرِّزقُ؛ فَمَا الأَجَلُ؛ فَيُكتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطنِ أُمِّهِ.
رواه أحمد (٣/ ١٤٨)، ومسلم (٢٦٤٦).
* * *
(٣) باب كل ميسر لما خلق له
[٢٥٧٣] عَن عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدنَا حَولَهُ، وَمَعَهُ مِخصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنكُتُ بِمِخصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ مَا مِن نَفسٍ مَنفُوسَةٍ،
ــ
وأيسر من النطق بلفظة، كيف لا وقد سمع السامعون قوله: ﴿إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدنَاهُ أَن نَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
(٣) ومن باب: قوله ﷺ : كل ميسر لما خلق له
بقيع الغرقد: مدفن أهل المدينة، وقد تقدَّم ذكره. والمخصرة: قضيب كان يمسكه بيده في بعض الأحوال على عادة رؤساء العرب؛ فإنَّهم يمسكونها ويشيرون بها، ويصلون بها كلامهم. وجمعها مخاصر، والفعل منها: تخصر. حكاه ابن قتيبة. والنكت بها في الأرض: تحريك الأرض بها، وهذا فعل المتفكر المعتبر.
стр. 3947
إِلَّا وَقَد كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِن الجَنَّةِ وَالنَّارِ، إِلَّا وَقَد كُتِبَت شَقِيَّةً أَو سَعِيدَةً. قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا نَمكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ؛ فَقَالَ: مَن كَانَ مِن أَهلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ، وَمَن كَانَ مِن أَهلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ فَقَالَ: اعمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِليُسرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاستَغنَى * وَكَذَّبَ بِالحُسنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلعُسرَى﴾
ــ
و(قوله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل، وفي الرواية الأخرى: أفلا نتكل على كتابنا) حاصل هذا السؤال أنه إذا وجبت السعادة والشقاوة بالقضاء الأزلي، والقدر الإلهي، فلا فائدة للتكليف، ولا حاجة بنا إلى العمل، فنتركه، وهذه أعظم شبه النافين للقدر. وقد أجابهم النبي ﷺ بما لا يبقى معه إشكال، فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالحُسنَى﴾ الآيات، ووجه الانفصال: أن الله تعالى أمرنا بالعمل، فلا بد من امتثال أمره، وغيب عنا المقادير لقيام حجته وزجره. ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته وحكمته، وعزه ﴿لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ﴾ لا يبقى معها لقائل مقول، وقهر ﴿وَهُم يُسأَلُونَ﴾ يخضع له المتكبرون. وقد بينا فيما تقدَّم أن مورد التكليف: فعل الاختيار، وأن ذلك ليس مناقضا لما سبقت به الأقدار.
و(قوله: ﴿فَأَمَّا مَن أَعطَى﴾ أي: الفضل من ماله. ابن عباس: حق الله تعالى. الحسن: الصدق من قلبه. ﴿وَاتَّقَى﴾ أي: ربه. ابن عباس وقتادة: محارمه. مجاهد: البخل. ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسنَى﴾ أي: الكلمة الحسنى؛ وهي التوحيد. الضحاك: بموعود الله. قتادة: بالصلاة والزكاة والصوم. زيد بن أسلم
стр. 3948
وفي رواية: أفلا نتكل (مكان) نمكث؛ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له. ثم قرأ الآية.
رواه أحمد (١/ ٨٢)، والبخاريُّ (٤٩٤٧)، ومسلم (٢٦٤٧) (٦ و ٧)، والترمذي (٢١٣٦)، وابن ماجه (٧٨).
[٢٥٧٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعشُمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيِّن لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقنَا الآنَ فِيمَ العَمَلُ اليَومَ؛ أَفِيمَا جَفَّت بِهِ الأَقلَامُ، وَجَرَت بِهِ المَقَادِيرُ، أَم فِيمَا يستَقبلُ؛ قَالَ: لَا، بَل فِيمَا جَفَّت بِهِ الأَقلَامُ، وَجَرَت بِهِ المَقَادِيرُ. قَالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؛ فَقَالَ: اعمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ؛
وفي أخرى فقال: كل عامل ميسر لعمله.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٢)، ومسلم (٢٦٤٨)(٨).
ــ
﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾، أي: نهون عليه ونهيئه ﴿لِليُسرَى﴾ أي: للحالة اليسرى من العمل الصالح والخير الراجح. وقيل: للجنة. ﴿وَأَمَّا مَن بَخِلَ﴾ أي: بماله، ابن عباس. وقال قتادة: بحق الله. ﴿وَاستَغنَى﴾ بماله، عن الحسن. ابن عباس: عن ربه. ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسنَى﴾ أي: بالجنة. والعسرى: نقيض ما تقدم في اليسرى. و ﴿تَرَدَّى﴾ هلك بالجهل والكفر، وفي الآخرة بعذاب الله.
و(قول سراقة: بين لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن) أي: بين لنا أصل ديننا، أي: ما نعتقده وندين به من حال أعمالنا، هل سبق بها قدر أم لا، وقوله: كأنا خُلقنا الآن، يعني أنهم غير عالمين بهذه المسألة، فكأنهم خُلقوا الآن بالنسبة إلى علمها، وفائدته: استدعاء أوضح البيان.
و(قوله: فيم العمل اليوم؟ ) أي: فيما جفت به الأقلام، هكذا صحيح
стр. 3949
[٢٥٧٥] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ قَالَ: قِيلَ لرَسُول اللَّهِ أَعُلِمَ أَهلُ الجَنَّةِ مَن أَهلِ النَّارِ؛ قَالَ فَقَالَ: نَعَم. قَالَ: فَفِيمَ يَعمَلُ العَامِلُونَ؛ قَالَ: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ.
رواه أحمد (٤/ ٤٣١)، والبخاري (٦٥٩٦)، ومسلم (٢٦٤٩)(٩)، وأبو داود (٤٧٠٩).
* * *
ــ
الرواية. (فيم) الأول بغير ألف، لأنَّها استفهامية. والثانية: بألف، لأنها خبرية. وقد وقع في بعض النسخ بالعكس، والأول الصواب. ومقتضى هذا السؤال أن ما يصدر عنا من الأعمال، وما يترتب عليها من الثواب والعقاب، هل سبق علم الله تعالى بوقوعه، فنفذت به مشيئته؛ أو ليس كذلك، وإنما أفعالنا صادرة عنا بقدرتنا ومشيئتنا، والثواب والعقاب مرتب عليها بحسبها؛ وهذا القسم الثاني هو مذهب القدرية، وقد أبطل النبي ﷺ هذا القسم بقوله: لا، بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير. أي: ليس الأمر مستأنفا، بل قد سبق به علم الله، ونفذت به مشيئته، وجفت به أقلام الكتبة في اللوح المحفوظ وفي صحف الملائكة المكتوبة في البطن، بل قد نُص على هذا في حديث عمران بن حصين المذكور بعد هذا. وأنص من هذا كله ما خرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل (١) على آخرهم، فلا يُزاد فيهم، ولا ينقص منهم أبدا. ثم قال للذي في يده اليسرى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمل على آخرهم، فلا يُزاد
стр. 3950
(٤) باب في قوله تعالى: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾
[٢٥٧٦] عَن أَبِي الأَسوَدِ الدّؤلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمرَانُ بنُ الحُصَينِ: أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ وَيَكدَحُونَ فِيهِ، أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم
ــ
فيهم، ولا ينقص منهم أبدا. ثم رمى بهما، وقال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير (١). قال: هذا حديث حسن صحيح. والأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة، يفيد مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية، لكنهم كابروا في ذلك كله وردوه، وتأولوا ذلك تأويلا فاسدا، وموهوه للأصول التي ارتكبوها من التحسين والتقبيح والتعديل والتجويز، والقول بتأثير القدرة الحادثة على جهة الاستقلال، وقد تكلم أئمة أهل السنة معهم في هذه الأصول، وبينوا فسادها في كتبهم.
و(قوله: فيم العمل؟ ) هذا السؤال هو الأول الذي تضمنه قوله: أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؛ وقد بيناه.
(٤ و ٥) ومن باب: في قوله تعالى:
﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ (٢)
قوله: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه) الكدح: السعي في العمل لدنيا كان أو لآخرة، وأصله: العمل الشاق والكسب المتعب.
стр. 3951
وَمَضَى عَلَيهِم مِن قَدَرِ مَا سَبَقَ؛ أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم، وَثَبَتَت الحُجَّةُ عَلَيهِم؛ فَقُلتُ: بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم، وَمَضَى عَلَيهِم. قَالَ: فَقَالَ: فَلَا يَكُونُ ظُلمًا؛ قَالَ: فَفَزِعتُ مِن ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلتُ: كُلُّ شَيءٍ خَلقُ اللَّهِ وَمِلكُ يَدِهِ فَلَا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ. فَقَالَ لِي: يَرحَمُكَ اللَّهُ! إِنِّي لَم أُرِد بِمَا سَأَلتُكَ إِلَّا لِأَحزِرَ عَقلَكَ! إِنَّ رَجُلَينِ مِن مُزَينَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيتَ مَا يَعمَلُ النَّاسُ اليَومَ،
ــ
و(قوله: فلا يكون ظلما) كذا الرواية بغير ألف استفهام، وهي مرادة؛ إذ بالاستفهام حصل فزع المسؤول، وبه صح أن يكون ما أتى به من قوله: كل شيء خلق الله وملك يده. . . إلى آخره. جوابا عما سأله عنه، ولو لم يكن الاستفهام مرادا لكان الكلام نفيا للظلم، وهو صحيح وحق، ولا يفزع من ذلك ولا يستدعي جوابا. وبيان ما سأله عنه أنه لما تقرر عنده أن ما يعمل الناس فيه شيء قضي به عليهم، ولا بد لهم منه، فكأنهم يُلجؤون إليه، فكيف يعاقبون على ذلك؛ فعقابهم على ذلك ظلم، وهذه من شُبه القدرية المبنية على التحسين والتقبيح، وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود، وأحسن في الجواب، ومقتضى الجواب أن الظلم لا يُتصور من الله تعالى، فإنَّ الكل خلقه وملكه، لا حجر عليه، ولا حُكم، فلا يتصور في حقه الظلم لاستحالة شرطه، على ما بيناه غير مرة، ثم عضد بقوله: ﴿لا يُسأَلُ عَمَّا يَفعَلُ وَهُم يُسأَلُونَ﴾ ولما سمع عمران هذا الجواب تحقق أنه قد وُفق للحق، وأصاب عين الصواب، فاستحسن ذلك منه، وأخبره أنه إنما امتحنه بذلك السؤال ليختبر عقله، وليستخرج عمله، ثم أفاده الحديث المذكور، ومعناه قد تقدم الكلام عليه (١). ثم قال: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَنَفسٍ﴾ هو قسم بنفوس بني آدم،
стр. 3952
وَيَكدَحُونَ فِيهِ أَشَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم وَمَضَى فِيهِم مِن قَدَرٍ قَد سَبَقَ، أَو فِيمَا يُستَقبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُم بِهِ نَبِيُّهُم، وَثَبَتَت الحُجَّةُ عَلَيهِم؛ فَقَالَ: لَا بَل شَيءٌ قُضِيَ عَلَيهِم، وَمَضَى فِيهِم وَتَصدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿وَنَفسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾
رواه مسلم (٢٦٥٠).
* * *
ــ
وأفردها لأن مراده النوع، وهذا نحو قوله: ﴿عَلِمَت نَفسٌ مَا قَدَّمَت وَأَخَّرَت﴾ أي: كل نفس. كما قال: ﴿كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ﴾. ألا ترى قوله: ﴿فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا﴾ أي: حملها على ما أراد من ذلك، فمنها ما خُلق للخير، وأعانها عليه ويسره لها، ومنها ما خلق للشر ويسره لها، وهذا هو الموافق للحديث المتقدِّم، المصدق بالآية.
و(قوله: ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ أي: والذي سواها، وقد قدمنا أن (ما) في أصلها لما لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي، وهي تقع لمن يعقل ولما لا يعقل (١). والتسوية: التعديل. يعني أنه خلقها مكملة بكل ما تحتاج إليه، مؤهلة لقبول الخير والشر، غير أنه يجري عليها في حال وجودها وما لها ما سبق لها مما قضي به عليها. وفي حديث عمران هذا من الفقه جواز اختبار العالم عقول أصحابه الفضلاء بمشكلات المسائل، والثناء عليهم إذا أصابوا، وبيان العذر عن ذلك. والذي قضي عليها أنها إما من أهل السعادة وبعمل أهل السعادة الذي به تدخل الجنة تعمل، وإما من أهل الشقاوة، وبعمل أهل الشقاوة الذي به تدخل النار تعمل. كما قال تعالى (٢): هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار،
стр. 3953
(٥) باب الأعمال بالخواتيم
[٢٥٧٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهلِ النَّارِ، ثُمَّ يُختَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهلِ الجَنَّةِ
رواه أحمد (٢/ ٤٨٤)، ومسلم (٢٦٥١).
ــ
وبعمل أهل النار يعملون، فطوبى لمن قضيتُ له بالخير، ويسرته عليه، والويل لمن قضيت عليه بالشر، ويسرته له. وما أحسن قول من قال: قِسَم قُسِمت، ونعوت أجريت، كيف تُجتلب بحركات، أو تُنال بسعايات! ومع ذلك فغيّب الله عنا المقادير، ومكننا من الفعل والترك؛ رفعا للمعاذير، وخاطبنا بالأمر والنهي خطاب المستقلين، ولم يجعل التمسك بسابق القدر حجة للمقصرين، ولا عذرا للمعتذرين، وعلق الجزاء على الأعمال، وجعلها له سببا، فقال تعالى: ﴿وَلِتُجزَى كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت﴾ وبـ مَا عَمِلَت، وقال في أهل الجنة: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ وقال في أهل النار: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجحَدُونَ﴾ وقال: ﴿لِيَجزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجزِيَ الَّذِينَ أَحسَنُوا بِالحُسنَى﴾ وقال على لسان نبيه ﷺ : يا عبادي إنما هي أعمالكم أردها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد الأخرى، فلا يلومن إلا نفسه (١). وكل ذلك من الله ابتلاء وامتحان، فيجب التسليم له والإذعان.
стр. 3954
[٢٥٧٨] وقد تقدم حديث سهل بن سعد الساعدي في كتاب الإيمان.
سبق في صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١١٢)(١٧٩).
* * *
(٦) باب محاجة آدم موسى ﵉
[٢٥٧٩] عن أبي هُرَيرَةَ قَالُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احتَجَّ آدَمُ وموسى عند ربهما، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،
ــ
(٦) ومن باب: محاجة آدم وموسى، ﵉
(قوله: احتج آدم وموسى عند ربهما) ظاهر هذا اللفظ، وهذه المحاجة أنهما التقيا بأشخاصهما، وهذا كما قررناه فيما تقدَّم في الأنبياء من إحيائهم بعد الموت كالشهداء، بل هم أولى بذلك، ويجوز أن يكون ذلك لقاء أرواح، وقد قال بكل قول منهما طائفة من علمائنا، وهذه العندية عندية اختصاص وتشريف، لا عندية مكان، فإنه تعالى منزه عن المكان والزمان، وإنما هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقعَدِ صِدقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقتَدِرٍ﴾ أي: في محل التشريف والإكرام والاختصاص. وروى هذا الحديث بعضهم، وزاد فيه: إن هذا اللقاء كان بعد أن سأل موسى، فقال: يا رب أرِنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فأراه الله إياه، فقال: أنت آدم؟ فقال: نعم. وذكر الحديث.
و(قوله: فحج آدمُ موسى) أي: غلبه بالحجَّة. يقال: حاججت فلانا فحججته، أي: غلبته.
стр. 3955
قَالَ مُوسَى: أَنتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ، وَأَسجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهبَطتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرضِ؛ فَقَالَ آدَمُ: أَنتَ مُوسَى الَّذِي اصطَفَاكَ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعطَاكَ الأَلوَاحَ فِيهَا تِبيَانُ كُلِّ شَيءٍ،
ــ
و(قوله: أنت آدم الذي خلقك الله بيده) هو استفهام تقرير وإضافة الله خلق آدم إلى يده إضافة تشريف، ويصح أن يراد باليد هنا: القدرة والنعمة، إذ كلاهما موجود في اللسان مستعمل فيه، فأمَّا يد الجارحة فالله منزه عن ذلك قطعا.
و(قوله: ونفخ فيك من روحه) يحتمل أن تكون (من) زائدة على المذهب الكوفي. ونفخ: بمعنى خلق، أي: خلق فيك روحه، فأضاف الروح إليه على جهة الملك تخصيصا وتشريفا، كما قال: بيتي، وعبادي. واستعار لـ (خلق): نفخ، لأنَّ الروح من نوع الريح، ويحتمل تأويلا آخر، والله بمراده أعلم، والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السلف وأهل الاقتداء من الخلف.
و(قوله في الأم: أنت الذي خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة) (١) أي: كنت سبب ذلك كله، وقال في رواية أخرى: أنت الذي أغويت الناس (٢) أي: كنت سبب غواية من غوى منهم، والغواية ضد الرشد، كما قال الله تعالى: ﴿قَد تَبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ﴾ وقد يراد بها الخطأ، وعليها يحمل: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي: أخطأ صواب ما أمر به، وهذا أحسن ما قيل في ذلك، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء) يعني: الألواح التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَكَتَبنَا لَهُ فِي الأَلوَاحِ مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ وهي
стр. 3956
وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا فَبِكَم وَجَدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّورَاةَ قَبلَ أَن أُخلَقَ؛ قَالَ مُوسَى: بِأَربَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَل وَجَدتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَم قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَن عَمِلتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَن أَعمَلَهُ قَبلَ أَن يَخلُقَنِي بِأَربَعِينَ سَنَةً؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٤)، والبخاريُّ (٣٤٥٩)، ومسلم (٢٦٥٢)(١٥)، والترمذيُّ (٢١٣٤).
* * *
ــ
جمع لوح، بفتح اللام، وسُمي بمصدر لاح الشيء يلوح لوحا: إذا ظهر، وسُمي بذلك لظهور ما يُكتب فيه. فأما اللُّوح - بضم اللام - فهو ما بين السماء والأرض. قال مجاهد: كانت الألواح سبعة من زمردة خضراء. وقال ابن جبير: من ياقوتة حمراء. ومعنى كتبنا: أمرنا من يكتب، أو خلق فيها قوما وخطوطا مكتوبة مثل الذي يكتب بالأقلام. وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: كل شيء قصد إلى تبيينه، أو من كل نوع شيئا، أو من كل أصل فرعا.
و(قوله: وقربك نجيا) أي: للمناجاة وهي: المسارة. والتقريب: بالمرتبة، لا بالموضع والمكان.
و(قوله: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال: فحج آدمُ موسى) ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته؛ فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك فيقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجَّة، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقيل: إما غلبه آدم بالحجة، لأنَّ آدم أبو موسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه.
стр. 3957
(٧) باب كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر
[٢٥٨٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ.
ــ
قلت: وهذا نأي عن معنى الحديث، وعما سيق له، وقيل: إنما كان ذلك لأنَّ موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة، وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي.
قلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة، لا انفصال عن إلزام تلك الحجَّة، والسؤال باق لم ينفصل عنه.
وقيل: إنما توجهت حجته عليه لأنَّه قد علم من التوراة ما ذكروا أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب. فلوم موسى وعتبه له - مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية وقضى بالتوبة، وبإسقاط اللوم والمعاتبة، حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن - وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حالة صفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء. وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكر، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم، والله أعلم.
(٧) ومن باب: كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر (١)
(قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) أي: أثبتها في اللوح المحفوظ، كما قلناه آنفا، أو فيما شاء، فهو
стр. 3958
قَالَ: وَعَرشُهُ عَلَى المَاءِ.
رواه مسلم (٢٦٥٣)(١٦)، والترمذي (٢١٥٧).
ــ
توقيت للكتب لا للمقادير، لأنَّها راجعة إلى علم الله تعالى وإرادته، وذلك قديم لا أول له، ويستحيل عليه تقديره بالزمان؛ إذ الحق بصفاته موجود، ولا زمان ولا مكان، وهذه الخمسون ألف سنة ستون تقديرية؛ إذ قبل خلق السماوات لا يتحقق وجود الزمان؛ فإنَّ الزمان الذي يُعبر عنه بالسنين والأيام والليالي؛ إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك، وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية، فقبل السماوات لا يوجد ذلك، وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السماوات موجودة فيها لعُددت بذلك العدد، وهذا نحو مما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدار ستة أيام، ثم هذه الأيام كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وكقوله: ﴿فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ أَلفَ سَنَةٍ﴾ هذا قول ابن عباس وغيره من سلف المفسرين على ما رواه الطبري في تاريخه عنهم، ويحتمل أن يكون ذكر الخمسين ألفا جاء مجيء الإغياء في التكثير، ولم يرد عين ذلك العدد، فكأنه قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق هذا العالم بآماد كثيرة، وأزمان عديدة، وهذا نحو مما قلناه في قوله تعالى: ﴿إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ والأول أظهر وأولى.
و(قوله: وعرشه على الماء) أي: قبل خلق السماوات والأرض. حكي عن كعب الأحبار أن أول ما خلق الله تعالى ياقوتة خضراء، فنظر إليها بإلهيته فصارت ماء ثم وضع عرشه على الماء. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ أي: فوق الماء؛ إذ لم يكن سماء ولا أرض.
قلت: أقوال المفسرين كثيرة، والمسند المرفوع منها قليل، وكل ذلك
стр. 3959
[٢٥٨١] وعَن طَاوُسٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَدرَكتُ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزِ وَالكَيسِ، أَو الكَيسِ وَالعَجزِ.
رواه أحمد (٢/ ١١٠)، ومسلم (٢٦٥٥).
ــ
ممكن، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. والذي نعلمه قطعا: أن الله تعالى قديم، لا أول لوجوده، فكان موجودا وحده، ولا موجود سواه، ثم اخترع بقدرته وإرادته ما سبق في علمه، ونفذت به مشيئته، كما شاء ومتى شاء، والذي نعلم استحالته قطعا: أزلية شيء غير الله تعالى من عرش، أو كرسي، أو ماء، أو هواء، أو أرض، أو سماء؛ إذ كل ذلك ممكن في نفسه، وكل موجود ممكن محدث؛ ولأن كل ذلك لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث حادث على ما تُعرف حقيقته في موضعه؛ ولأنه المعلوم الضروري من الشرع، فمن شك فيه أو جحده، فهو كافر، ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقر عليه كاستقرار الأجسام؛ إذ لو كان محمولا لكان محتاجا فقيرا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية؛ إذ أخص أوصاف الإله (١): الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسما مقدرا، ويلزم كونه حادثا على ما سبق؛ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ قيل: له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم.
و(قوله: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) قيدناه بكسر الزاي والسين وضمهما. و (حتى) هي العاطفة، والرفع عطف على (كل) والخفض على (شيء).
стр. 3960
[٢٥٨٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي القَدَرِ فَنَزَلَت: ﴿يَومَ يُسحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾
رواه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذيُّ (٣٢٨٦).
* * *
ــ
والكيس بفتح الكاف، لا يجوز غيره، ومعنى هذا الحديث: أن ما من شيء يقع في هذا الوجود كائنا كان إلا وقد سبق به علم الله تعالى، ومشيئته؛ سواء كان من أفعالنا أو صفاتنا، أو من غيرها، ولذلك أتى بـ (كل) التي هي للاستغراق والإحاطة، وعقبها بحتى التي هي للغاية، حتى لا يخرج عن تلك المقدمة الكلية من الممكنات شيء ولا يتوهم فيها تخصيص، وإنما جعل العجز والكيس غاية لذلك ليبين أن أفعالنا، وإن كانت معلومة ومرادة لنا، فلا تقع منا إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وصار هذا من نحو قول العرب: قدم الحاج حتى المشاة. فيكون معناه: أن كل ما يقع في الوجود بقدر الله ومشيئته، حتى ما يقع منكم بمشيئتكم. والعجز: التثاقل عن المصالح حتى لا تحصل، أو تحصل لكن على غير الوجه المرضي. والكيس: نقيض ذلك، وهو الجد والتشمير في تحصيل المصالح على وجوهها، والعجز في أصله: معنى من المعاني مناقض للقدرة، وكلاهما من الصفات المتعلقات بالممكنات على ما يُعرف في علم الكلام.
* * *