القِيَامَةِ. وَهَل تَدرُونَ بِمَ ذلكَ؟ يَجمَعُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدنُو الشَّمسُ، فَيَبلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَربِ مَا لا يُطِيقُونَ وَما لا يَحتَمِلُونَ، فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: أَلا تَرَونَ مَا أَنتُم فِيهِ؟ أَلا تَرَون مَا قَد بَلَغَكُم؟ أَلا تَنظُرُونَ مَن يَشفَعُ لَكُم إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَقُولُ بَعضُ النَّاسِ لِبَعضٍ: ائتُوا آدَمَ، فَيَأتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ! أَنتَ أبو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِن رُوحِهِ،
ــ
لذتها، ولبعدها عن موضع الأثفال (١).
والصعيد المستوي من الأرض. الثرى هو التراب. ثعلب: هو وجه الأرض.
و(قوله: فيسمعهم الداعي وينفُذهم البصر) معناه: أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم. ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب أو أمر آخر، كقوله تعالى: يَومَ يَدعُو الدَّاعِي إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ.
و(قوله: خلقك الله بيده) اعلم أنّ الله تعالى منزّه عن يد الجارحة كما قد قدمناه. واليد في كلام العرب تطلق على القدرة والنعمة والملك. واللائق هنا حملُها على القدرة (٢)، وتكون فائدة الاختصاص لآدم: أنّه تعالى خلقه بقدرته ابتداءً من غير سبب ولا واسطة خلق ولا أطوار قلبه فيها، وذلك بخلاف غيره من ولده، ويحتمل أن يكون شرّفه بالإضافة إليه، كما قال: بَيتِيَ. وقد قدّمنا أن التسليم في المشكلات أسلم.
و(قوله: ونفخ فيك من روحه) الروح هنا هو المذكور في قوله: تَنَزَّلُ
стр. 422
وَأَمَرَ المَلائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى إِلَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إِلَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيتُهُ، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ! أَنتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الأَرضِ، وَسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكُورًا، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّنا، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن
ــ
المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ ونَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ وشرّفه بالإضافة كما قال: ﴿فَنَفَخنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا﴾ وهو جبريل على قول أكثر المفسرين؛ أي: كان كل واحد منهما من نفخة الملك، فصار المنفوخ فيه ذا روح من ريح نفخته، ولا يلتفت إلى ما يقال غير هذا. وقد تقدم أنّ غضب الله عبارة عن انتقامه وحلول عذابه.
والشفاعة أصلها: الضم والجمع، ومنه ناقة شَفُوع، إذا جمعت بين حلبتين في حلبة واحدة، وناقة شافع، إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها. والشفع ضمُّ واحدٍ إلى واحدٍ. والشفعة ضمُّ ملك الشريك إلى ملكك. فالشفاعة إذن ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفِّع وإيصال منفعةٍ إلى المشفوع له، وسيأتي ذكر أقسامها.
والشكور الكثير الشكر، وهو من أبنية المبالغة، وأصل الشكر الظهور، ومنه دابة شَكور، إذا كانت يظهر عليها من السمن فوق ما تأكله من العلف، وأشكر الضرع، إذا ظهر امتلاؤه باللبن، والسماء بالمطر، فكأنّ الشاكر يظهر القيام بحق المنعم، ولذلك قيل: الشكور هو: الذي ظهر منه الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة، وملازمة الحرمة.
стр. 423
يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ.
وَإِنَّهُ قَد كَانَت لِي دَعوَةٌ دَعَوتُ بِهَا عَلَى قَومِي، نَفسِي، نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى إِبرَاهِيمَ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: أَنتَ نَبِيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِن أهل الأَرضِ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد
ــ
و(قوله: كانت لي دعوة دعوت بها على قومي) يريد قوله: ﴿رَبِّ لا تَذَر عَلَى الأَرضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وإبراهيم بالسريانية هو الأب الرحيم، حكاه المفسرون.
والخليل الصديق المخلص، والخُلَّة بضم الخاء الصداقة والمودة، ويقال فيها أيضًا. خلالة بالضم والفتح والكسر، والخَلة بفتح الخاء. الفقر والحاجة، والخِلة بكسرها واحدة خِلل السيوف وهي بطائن أغشيتها، والخلل الفرجة بين الشيئين، والجمع الخلال.
واختُلِف في الخليل اسم إبراهيم ﵇ من أي هذه المعاني والألفاظ أخذ؟ فقيل: إنّه مأخوذ من الخُلّة بمعنى الصداقة، وذلك أنه صدق في محبة الله تعالى، وأخلص فيها حتى آثر محبته على كل محبوباته، فبذل ماله للضيفان وولده للقربان، وجسده للنيران. وقيل: من الخَلَّة التي بمعنى الفقر والحاجة، وذلك أنه افتقر إلى الله في حوائجه ولجأ إليه في فاقته، حتى لم يلتفت إلى غيره، بحيث آلت حاله إلى أن قال له جبريل وهو في الهواء حين رمي في المنجنيق: ألك حاجة؟ فقال: أمّا إليك، فلا. وقيل: من الخَلَل بمعنى الفرجة بين الشيئين، ذلك لما تخلل قلبه من معرفة الله تعالى ومحبته ومراقبته، حتى كأنه مُزجت أجزاء قلبه بذلك. وقد أشار إلى هذا المعنى بعض الشعراء، فقال:
قد تخللت مسلك الروح مني ... ولذا سمي الخليل خليلاً
ولقد جمع هذه المعاني وأحسن من قال في الخلة: إنها صفاء المودّة التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار، والغنى عن الأغيار.
و(قوله: إنما كنت خليلاً من وراء وراء) أي: إنما كنت خليلاً متأخرًا عن
стр. 424
بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم إِبرَاهِيمُ: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ
ــ
غيري؛ إشارة إلى أن كمالَ الخلّة، إنما تصح لمن يصحّ له في ذلك اليوم المقام المحمود الذي يحمده الأولون والآخرون، وذلك لم يصح ولا يصح إلَاّ لنبينا محمد ﷺ . وراءَ وراءَ صحيح الرواية فيه بالمد والفتح، وكأنه مبني على الفتح (١)؛ لتضمنه الحرف، كما قالت العرب: هو جاري بيتَ بيتَ؛ أي: بيته إلى بيتي، فكأنه قال في الحديث: من ورائي إلى ورائي. ونحوه: خمسة عشر، وسائر الأعداد المركبة، ومنه قولهم: هي همزة بين بين، وأتيتك صباح مساء، ويوم يوم، وتركوا البلاد حيثَ بيث، وحاث باث؛ ونحو ذلك.
وقد زعم بعض النحويين المتأخرين أن الصواب الضم فيهما، واستدلّ على ذلك بما أنشده الجوهري في الصحاح:
إذا أنا لم أُومن عليك ولم يكُن ... لِقاؤُكَ إلَاّ من وَراءُ وراءُ
قلت: ولا شك أن السماع في هذا البيت بالضم فيهما، ووجهه ما نبّه عليه الأخفش؛ حيث قال: لقيته من وراء، فترفعه على الغاية، كقولك: من قبلُ ومن بعدُ، فنبّه على أن: وراء الأولى، إنما بنيت لقطعها عن الإضافة، وأما الثانية: فيحمل أن تكون كالأولى على تقدير حذف من لدلالة الأولى عليها، ويحتمل أن تكون الثانية تأكيدًا لفظيًّا للأولى. ويجوز أن تكون بدلاً منها، أو عطف بيان عليها. كما قالوا: يا نصرُ نصرٌ على تكلف. وقد وجدت في أصل شيخنا أبي الصبر أيوب بن محمد الفهري السبتي: مِن وراءَ، مِن وراءَ بتكرار مِن وفتح الهمزتين. وكان رحمه الله تعالى قد اعتنى بهذا الكتاب غاية الاعتناء، وقيده تقييدًا حسنًا.
فلا يصح أن يقال: إن ذلك بناء على الوجه الأول، لوجود من المضمنة في الوجه الأول، وإنما محمله على أن وراء قطعت عن الإضافة، ولم تقصد قصد مضاف بعينه، فصارت كأنها اسم علم، وهي مؤنثة، فيجتمع فيها
стр. 425
مِثلَهُ، وَلا يَغضَبُ بَعدَهُ مِثلَهُ - وَذَكَرَ كَذَبَاتِهِ - نَفسِي. نَفسِي، اذهَبُوا إِلَى
ــ
التعريف والتأنيث، فيمتنع الصرف. وإنما قلنا: إن وراء مؤنثة؛ لما قال الجوهري: إنها مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها: وُريِّئة. وعلى هذا: فهمزتها ليست للتأنيث، ولأن همزة التأنيث لا تقع ثالثة. وقد وجدت في بعض المعلقات بخط معتبر. قال الفراء: تقول العرب: فلان يكلمني من وراءَ وراءَ، بالنصب على الظرف، ومن وراء وراء، بجعل الأولى ظرفًا والثانية غاية. ومن وراء وراء بجعلهما غايتين. ومِن وراءِ وراء تضيف الأولى إلى الثانية وتمنع الثانية من الجر. ومن وراءِ وراءِ على البناء. وحكى ثعلب عن بعض الناس: أنهم قالوا: من وراء وراء بالتنوين فيهما (١).
و(قوله: وذكر كذباته) قد فسّرها في الرواية الأخرى، بما ليس كذبًا على التحقيق، ونحن نذكرها ونبيّنها إن شاء الله تعالى. فمنها قوله في الكوكب: هَذَا رَبِّي ذكر المفسرون أنّ ذلك كان منه في حال الطفولية في أول حال استدلاله، ثم إنه لَمّا تكامل نظره؛ وتمّ على السداد وضح له الحق، قال: وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ حَنِيفًا.
قال الشيخ ﵀: وهذا لا يليق بالأنبياء؛ لأن الله تعالى خصهم بكمال العقل والمعرفة بالله ، وسلامة الفطرة والحماية عن الجهل بالله تعالى والكفر من أول نشوئهم وإلى تناهي أمرهم، إذ لم يُسمع عن واحد منهم أنه اعتقد مع الله إلَهًا آخر، ولا اعتقد محالاً على الله تعالى، ولا ارتكب شيئًا من قبائح أممهم الذين أرسلوا إليهم، لا قبل النبوة ولا بعدها. ولو كان شيء من ذلك لقَرَّعهم بذلك أممهم لَمَّا دعوهم إلى التوحيد، ولاحتجوا عليهم بذلك، ولم ينقل شيء من ذلك. وأما بعد إرسالهم فكل (٢) ذلك محال عليهم عقلاً على ما نبينه.
стр. 426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: إنه ﵊ قال ذلك لقومه على جهة الاستفهام الذي يقصد به التوبيخ لهم، والإنكار عليهم، وحذفت همزة الاستفهام اتساعًا، كما قالت العرب:
لعمرك ما أدري وإني لحاسب ... بسبعٍ رميتُ الجمرَ أم بثمانِ (١)
وقال آخر (٢):
رفوني (٣) وقالوا: يا خويلد لم ترع ... فقلت: وأنكرت الوجوه هُم هُم
أي: أهم أهم.
وقيل: إنما قال ذلك على طريق الاحتجاج على قومه؛ تنبيهًا على أن ما يتغير لا يصلح للربوبية.
ومنها قوله لآلهتهم: ﴿بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا﴾ إنما قاله ممهدًا للاستدلال على أنها ليست آلهة، وقطعا لقومه في قولهم: إنها تضرُّ وتنفع. وهذا الاستدلال والذي قبله يتحرّر من الشرط المتصل، ولذلك أردف على قوله: بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم، قوله: فَاسأَلُوهُم إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، وعند ذلك قالوا: لَقَد عَلِمتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ فقَالَ لهم: أَفَتَعبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ الآية، فحقت كلمته وظهرت حجته.
стр. 427
غَيرِي، اذهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، فَضَّلَكَ اللهُ بِرِسَالاتِهِ وَبِكلامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ.
ــ
ومنها قوله: إِنِّي سَقِيمٌ هذا تعريض، وحقيقته أنه سيسقم، واسم الفاعل بمعنى المستقبل كثير، ويحتمل أن يريد به أنه سقيم الحجة على الخروج معكم؛ إذ كان لا يصح على جواز ذلك حجة.
ومنها ما جاء في حديث إبراهيم أنّه قال قوله لزوجه سارة حين دخل أرض الجبار فسئل عنها فقال: إنها أختي. وصدق، فإنها أخته في الإسلام، وكذلك جاء عنه منصوصًا أنّه قال: إنما أنتِ أختي في الإسلام.
وعلى الجملة فأوجه هذه الأمور واضحة وصدقها معلوم على الأوجه المذكورة، فليس في شيء منها ما يقتضي عتابًا ولا عقابًا، لكن هول المقام وشدة الأمر حمله على ذلك (١) الخوف منها، وأيضًا فلنتبيّن درجة من يقول: نفسي نفسي من درجة من يقول: أمتي أمتي.
وموسى سمي بذلك؛ لأنه وجد بين موشِى بالعبرية؛ أي: الماء والشجر فعرب، والجمع موسَون في الرفع، وبالياء في النصب والجر عند البصريين، وعند الكوفيين موسُون بضم السين وموسِين بكسرها.
و(قوله: وفضلك الله برسالاته وبكلامه) هذه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ولا خلاف بين أهل السنة في أن موسى سمع كلام الله الذي لا يشبهه كلام البشر الذي ليس بصوت ولا حرف، ولو سمعه بالحرف والصوت لما صحّت خصوصية الفضيلة لموسى بذلك؛ إذ قد سمع كلامه تعالى بواسطة الحرف والصوت المشترِك، كما قال تعالى: وَإِن أَحَدٌ مِنَ المُشرِكِينَ استَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسمَعَ كَلَامَ اللَّهِ واستيفاء الكلام على هذه المسألة سؤالاً وجوابًا في كتب الكلام.
стр. 428
أَلا تَرَى مَا إلى نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى إلى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم مُوسَى: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليَومَ غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ، وَإِنِّي قَتَلتُ نَفسًا لَم أُومَر بِقَتلِهَا، نَفسِي. نَفسِي. اذهَبُوا إِلَى عِيسَى. فَيَأتُونَ عِيسَى فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، وَكَلَّمتَ النَّاسَ فِي المَهدِ، وَكَلِمَةٌ مِنهُ أَلقَاهَا إِلَى مَريَمَ، وَرُوحٌ مِنهُ، فَاشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟ أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ لَهُم عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَد غَضِبَ اليوم غَضَبًا، لَم يَغضَب قَبلَهُ مِثلَهُ، وَلَن يَغضَبَ بَعدَهُ مِثلَهُ. وَلَم يَذكُر لَهُ ذَنبًا، نَفسِي. نَفسِي. اذهَبُوا إِلَى غَيرِي. اذهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . فَيَأتُونِّي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ! أَنتَ رَسُولُ اللهِ، وَخَاتَمُ الأَنبِيَاءِ، وَغَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. اشفَع لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلا تَرَى مَا نَحنُ فِيهِ؟
ــ
و(قوله: وكلَّمتَ الناسَ في المهد) أي: صغيرًا في الحال الذي تمهد له فيها موضعه ليضجع عليه لصغره.
و(قوله: وكلمة منه) قال ابن عباس: سماه كلمة؛ لأنه كان بكلّمة كن من غير أن يتقلب في أطوار الخلق كما تقلّب غيره. وألقاها إلى مريم أي: أبلغها إليها. وقد تقدم الكلام في وصفه ﵇ بأنه روح الله.
و(قوله: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر) اختلف الناس في عصمة الأنبياء من الذنوب اختلافا كثيرا. والذي ينبغي أن يقال: إنّ الأنبياء معصومون مما يناقض مدلولَ المعجزة عقلاً، كالكفر بالله تعالى، والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون من الكبائر وعن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتحطّ منزلته وتسقط مروءته إجماعًا عند القاضي أبي بكر، وعند الأستاذ أبي بكر أن ذلك مقتضى دليل المعجزة. وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم.
واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمِن
стр. 429
أَلا تَرَى مَا قَد بَلَغَنَا؟ فَأَنطَلِقُ فَآتِي تَحتَ العَرشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلهِمُنِي مِن مَحَامِدِهِ وَحُسنِ الثَّنَاءِ عَلَيهِ شَيئًا لَم يَفتَحهُ لأَحَدٍ قَبلِي، ثُمَّ يقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، سَل تُعطَهِ، اشفَع تُشَفَّع. فَأَرفَعُ رَأسِي
ــ
قائل: بالوقوع، ومِن قائل بمنع ذلك. والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونسبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصلوا منها واستغفروا وتابوا. وكل ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها.
لكن الذي ينبغي أن يقال: إنّ الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر ولا مما يُزري بمناصبهم على ما تقدم، ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم، وعوتبوا عليها يخف أمرها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عُددت عليهم وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علو أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يُثاب عليه السائس (١). ولقد أحسن الجنيد (٢) حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم واجتباهم وهداهم، ومدحهم وزكّاهم واختارهم واصطفاهم - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين - والكلام على هذه المسألة تفصيلا يستدعي تطويلا، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية.
و(قوله: فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا) قد زاد عليه في حديث أنس: فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد، ثم أخِرّ
стр. 430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ساجدًا (١). وبمجموع الحديثين يكمل المعنى، ويعلم مراعاة النبي ﷺ لآداب الحضرة العليّة. ثم اعلم أن هذا الانطلاق من النبي ﷺ إنما هو إلى جنة الفردوس التي هي أعلى الجنة، وفوقها عرش الرحمن كما جاء في الصحيح؛ بناء على أن لا محل هناك إلا الجنة والنار، وعلى أنّ العرش محيط بأعلى الجنة، والله تعالى أعلم.
ولا شكّ في أن دخول الجنة هو المحلّ الكريم، لا بد فيه من استئذان الخزنة، وعن هذا عبّر بقوله ﵊: فأستأذن على ربي، ولا يُفهم من هذا ما جرت به عاداتنا في أن المستأذَن عليه قد احتجب بداره وأحاطت به جهاته، فإذا استؤذن عليه فأذِن، دخل المستأذن معه فيما أحاط به؛ إذ كل ذلك على الله محال، فإنه منزّه عن الجسمية ولوازمها على ما تقدم.
والعرش في أصل اللغة الرفع، ومنه قوله: ﴿مَعرُوشَاتٍ وَغَيرَ مَعرُوشَاتٍ﴾؛ أي: مرفوعات القضبان، قاله ابن عباس، أو مرفوعات الحيطان على قول غيره، ومنه سمي السرير وسقف البيت عرشًا، ويقال: لما يُستظَلُّ به عرش وعريش، وإضافته إلى الله تعالى على جهة الملك أو التشريف، لا لأنّ الله استقرّ عليه أو استظلّ به كما قد توهمه بعض الجُهّال في الاستقرار، وذلك على الله محال؛ إذ يستحيل عليه الجسمية ولواحقها (٢).
تنبيه: في حديث أبي هريرة: إن المحامد كانت بعد السجود، وفي حديث أنس قبل السجود في حالة القيام، وذلك يدل على أنه ﵊ أكثر من التحميد والثناء في هذا المقام كله في قيامه وسجوده إلى أن أسعف في طلبته.
стр. 431
فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي.
ــ
و(قوله: فأقول يا ربِّ أمتي أمتي، فيقال: يا محمدُ، أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه) هذا يدل على أنه شفع فيما طلبه من تعجيل حساب أهل الموقفِ، فإنه لما أُمِر بإدخال من لا حساب عليه من أمته، فقد شُرِع في حساب من عليه حِساب من أمته وغيرهم، ولذلك قال في الرواية الأخرى: فيؤذن له وتُرسَل الأمانة والرحم، فيقومان جنبتي الصراط. هذا المساق أحسن من مساق حديث معبد عن أنس، فإنه ذكر فيه عقيب استشفاعه لأهل الموقف أنه أجيب بشفاعته لأمته، وليست الشفاعة العامة التي طلب منه أهل الموقف. وكأن هذا الحديث سُكِت فيه عن هذه الشفاعة فذُكِرت شفاعته لأمته؛ لأن هذه الشفاعة هي التي طلبت من أنس أن يحدّث بها في ذلك الوقت، وهي التي أنكرها أهل البدع، والله أعلم.
قال القاضي عياض: شفاعات سيدنا محمد ﷺ يوم القيامة أربعٌ:
الأولى: شفاعته العامة لأهل الموقف؛ ليعجِّل حسابهم ويُراحوا من هول موقفهم، وهي الخاصة به ﷺ .
الثانية: في إدخال قوم الجنة دون حساب.
الثالثة: في قوم من موحدي أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيخرجون من النار ويدخلون الجنة بشفاعته، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعةُ الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح العقليَّين، وتلك الأصول قد استأصلها أئمتنا في كتبهم أنها مصادمة لأدلة الكتاب والسنة الدالة على وقوع الشفاعة في الآخرة. ومن تصفح الشريعة والكتاب والسنة وأقوال الصحابة وابتهالهم إلى الله تعالى في الشفاعة علم على الضرورة صحة ذلك وفساد قول من خالف في ذلك.
الرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها.
стр. 432
فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! أَدخِلِ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِكَ، مَن لا حِسَابَ عَلَيهِ، مِنَ البَابِ الأَيمَنِ مِن أَبوَابِ الجَنَّةِ، وَهُم شُرَكَاءُ النَّاسِ بسائر الأَبوَابِ. وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَا بَينَ المِصرَاعَينِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ لَكَمَا بَينَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ. أو كَمَا بَينَ مَكَّةَ وَبُصرَى.
ــ
و(قوله: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه) يعني به - والله أعلم -: السبعين ألفًا الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. ومن الباب الأيمن هو الذي عن يمين القاصد إلى الجنة بعد جواز الصراط - والله أعلم - وكأنه أفضل الأبواب.
و(قوله: هم شركاء الناس بسائر (١) الأبواب) يحتمل أن يعود هذا الضمير إلى الذين لا حساب عليهم، وهو الظاهر ويكون معناه أنهم لا يلجؤون إلى الدخول من الباب الأيمن، بل من أي باب شاؤوا، كما جاء (٢) في حديث أبي بكر، حيث قال: فهل على من يدعى من تلك الأبواب من ضرورة؟ فقال ﵊: لا، وأرجو أن تكون منهم (٣). وكما قال ﵊ فيمن أسبغ الوضوء وهلّل بعده: أدخله الله من أي أبواب الجنّة الثمانية شاء (٤). ويحتمل أن يعود على الأمة، وفيه بعد. والمصرَعان ما بين عضادتي البابين، والباب: المغلقُ.
و(قوله: لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى) يحتمل أن
стр. 433
زَادَ فِي رِوَايَة - فِي قِصَّةِ إِبرَاهِيمَ - قَالَ: وَذَكَرَ قَولَهُ فِي الكَوكَبِ: هَذَا رَبِّي وَقَوله لآلِهَتِهِم: بَل فَعَلَهُ كَبِيرُهُم هَذَا، وقوله: إِنِّي سَقِيمٌ.
رواه البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤)، والترمذي (٢٤٣٦).
[١٤٧] وَفِي أُخرى: فَيَقُولُ إِبرَاهِيمُ: لَستُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ. إِنَّمَا كُنتُ خَلِيلاً مِن وَرَاءَ وَرَاءَ. وَفِيها: فَيَأتُونَ مُحَمَّدًا. فَيَقُومُ فَيُؤذَنُ لَهُ. وَتُرسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالاً فَيَمُرُّ أَوَّلُكُم كَالبَرقِ قَالَ: قُلتُ: بِأَبِي أَنتَ وَأُمِّي! أَيُّ شَيءٍ كَمَرِّ البَرقِ؟ قَالَ: أَلَم تَرَوا إِلَى البَرقِ كَيفَ يَمُرُّ وَيَرجِعُ فِي طَرفَةِ عَينٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ. تَجرِي بِهِم أَعمَالُهُم، وَنَبِيُّكُم قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: رَبِّ!
ــ
يكون شكًّا من بعض الرواة، ويحتمل أن يكون تنويعًا، كأنه ﵊ قال: إذا رأى ما بينهما، قدره راءٍ بكذا، وقدّره آخر بكذا، ويصح أن يقال: سلك بها مسلك التخيير، فكأنه قال: قدِّروها إن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا، وإن شئتم بكذا.
و(قوله: تجري بهم أعمالهم) يعني: أن سرعة مرّهم على الصراط بقدر أعمالهم، ألا تراه كيف قال: حتى تعجِز أعمال العباد، وشدّ الرجال جريهم الشديد، جمع رجل. وعند ابن ماهان الرحال بالحاء المهملة، وكأنه سُميت الراحلة بالرحل ثم جمع، يريد: كجري الرواحل، وفيه بعد.
والزحف مشي الضعيف، يقال: زحف الصبي يزحف على الأرض قبل أن يمشي، وزحف البعيرُ إذا أَعيَا فَجَرَّ فِرسِنَه (١). والكلاليب جمع كَلُّوب على فَعُّول، نحو
стр. 434
سَلِّم سَلِّم. حَتَّى تَعجِزَ أَعمَالُ العِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلا يَستَطِيعُ السَّيرَ إِلا زَحفًا. قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلالِيبُ مُعَلَّقَةٌ، مَأمُورَةٌ بِأَخذِ مَن أُمِرَت بِهِ. فَمَخدُوشٌ نَاجٍ وَمَكردسٌ فِي النَّارِ. وَالَّذِي نَفسُ أَبِي هُرَيرَةَ بِيَدِهِ! إِنَّ قَعرَ جَهَنَّمَ لَسَبعينَ خَرِيفًا.
ورُويَ أيضًا عَن حُذيفَة.
رواه مسلم (١٩٥) عن أبي هريرة وعن حذيفة ﵄.
* * *
ــ
سَفُّود، وهي التي سمّاها فيما تقدم خطاطيف ومكردس بمعنى: مكدوس، يقال: كردس الرجل خَيلَهُ إذا جمعها كراديس؛ أي: قطعًا كبارًا. ويحتمل أن يكون معناه المكسور فقار الظهر. ويحتمل أن يكون من الكردسة، وهو الوثاق، يقال: كُردِسَ الرجلُ، جُمعت يداه ورجلاه، حكاه الجوهري.
و(قوله: لسبعين خريفًا) تفسيره في الحديث الآخر؛ إذ قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنّم، فتهوي فيها سبعين عامًا (١). والخريف أحد فصول السنة، وهو الذي تخترف (٢) فيه الثمار، والعرب تذكره كما تذكر المساناة والمشاهرة، يقال: عاملته مُخَارَفَةً؛ أي: إلى الخريف. والأجود رفع لسبعون على الخبر، وبعضهم يرويه: لسبعين يتأوّل فيه الظرف، وفيه بعد.
* * *
стр. 435
(٦١) باب شفاعة النبي ﷺ لمن أدخل النار من الموحدين
[١٤٨] عَن مَعبَدِ بنِ هِلالٍ العَنَزِيُّ؛ قَالَ: انطَلَقنَا إِلَى أَنَسِ بنِ مَالِكٍ وَتَشَفَّعنَا بِثَابِتٍ. فَانتَهَينَا إِلَيهِ وهو يُصَلِّي الضُّحَى. فَاستَأذَنَ لَنَا ثَابِتٌ. فَدَخَلنَا عَلَيهِ، وَأَجلَسَ ثَابِتًا مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا حَمزَةَ! إِنَّ إِخوَانَكَ مِن أهل البَصرَةِ يَسأَلُونَكَ أَن تُحَدِّثَهُم حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ. فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَ: إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعضُهُم إِلَى بَعضٍ، فَيَأتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ لَهُ: اشفَع لِذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِإِبرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللهِ. فَيَأتُونَ إِبرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللهِ. فَيُؤتَى مُوسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيُؤتَى عِيسَى، فَيَقُولُ: لَستُ لَهَا، وَلَكِن عَلَيكُم بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُوتَى فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا. فأَنطَلِقُ فَأَستَأذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَينَ يَدَيهِ، فَأَحمَدُهُ بِمَحَامِدَ لا أَقدِرُ عَلَيهِ الآنَ يُلهِمُنِيهِ اللهُ، ثُمَّ أَخِرُّ له سَاجِدًا. فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، قُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن بُرَّةٍ أو شَعِيرَةٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنهَا. فَأَنطَلِقُ
ــ
(٦١) ومن باب شفاعة النبي ﷺ لمن أد ل النار من الموحدين
(قوله: فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبةٍ من برّة أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها إلى أن قال: أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان) اختلف الناس في هذا الإيمان المقدّر بهذه المقادير، فمنهم من قال: هو اليقين، ورأى أنّ العلم يصحّ أن يقال فيه: إنه يزيد باعتبار توالي أمثاله على قلب المؤمن، وباعتبار دوام حضوره، وأنّه ينقص بتوالي الغفلات على قلب المؤمن.
стр. 436
فَأَفعَلُ. ثُمَّ أَرجِعُ إِلَى رَبِّي فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع. فَأَقُولُ: أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِي انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنهَا. فَأَنطَلِقُ فَأَفعَلُ. ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا. فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَه، وَاشفَع تُشَفَّع، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي. فَيُقَالُ لِي: انطَلِق فَمَن كَانَ فِي قَلبِهِ أَدنَى أَدنَى أَدنَى مِن مِثقَالِ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ فَأَخرِجهُ مِنَ النَّارِ. فَأَنطَلِقُ فَأَفعَلُ.
ــ
وهذا معقول، غير أنّ حملَ هذا الحديث عليه فيه بعدٌ؛ لما جاء من حديث أبي سعيد (١)، حيث قال الشافعون: لم نذر فيها خيرًا؛ مع أنه تعالى مخرج بعد ذلك جموعًا كثيرة ممن يقول: لا إله إلا الله وهم مؤمنون قطعًا، ولو لم يكونوا مؤمنين، لما خرجوا بوجهٍ من الوجوه، ولذلك قال تعالى: لأُخرّجن من قال لا إله إلا الله. وعن إخراج هؤلاء عبّر بقوله: فيقبض قبضةً فيخرج قومًا لم يعملوا خيرًا قط، فإذًا الأصحّ في تأويل هذا الحديث أن يكون الإيمان هنا أطلق على أعمال القلوب، كالنية والإخلاص والخوف والنصيحة وشبه ذلك من أعمال القلوب (٢)، وسمّاها إيمانًا؛ لكونها في محل الإيمان أو عن الإيمان، على عادة العرب في تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. وإنما قلنا: أراد به أعمال القلوب هنا دون أعمال الأبدان، لقوله: من كان في قلبه ووجدتم في قلبه فخصّه بالقلب، ولا جائز أن يكون التصديق على ما تقدّم، فتعيّن ما قلناه، والله أعلم. وذكر الحبّة ونصفها والمثقال ونصفه وأدنى من ذلك، هي كلها عبارات عن كثرة تلك الأعمال وقلتها.
стр. 437
هَذَا حَدِيثُ مَعبَد عَن أَنَسٍ، وَزَادَ الحَسَنِ عَنهُ: ثُمَّ أَرجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ، فَأَحمَدُهُ بِتِلكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ! ارفَع رَأسَكَ، وَقُل يُسمَع لَكَ، وَسَل تُعطَ، وَاشفَع تُشَفَّع، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! ائذَن لِي فِيمَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ. قَالَ: لَيسَ ذَاكَ لَكَ - أو قَالَ: لَيسَ ذاكَ إِلَيكَ - وَلَكِن وَعِزَّتِي! وَكِبرِيَائِي! وَعَظَمَتِي! وَجِبرِيَائِي! لأُخرِجَنَّ مَن قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ.
رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).
* * *
ــ
و(قوله: وعزتي وكبريائي وعظمتي) العزّة: القوة والغلبة، ومنه: وَعَزَّنِي فِي الخِطَابِ؛ أي: غلبني، ويقال أيضًا: عزَّ الشيء إذا قلّ، فلا يكاد يوجد مثله، يعِزّ عِزًّا وعزازة، وعزّ يعِزُّ عزَّةً، إذا صار قويًّا بعد ضعف وذلَّةً، فعزّة الله تعالى قهره للجبابرة وقوَّته الباهرة، وهو مع ذلك عديم المثل والنظير: لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.
وأما الكبرياء والكِبر، فكلاهما مصدر كَبر في نفسه يكبر، وأصله من كِبَر السن أو كِبَر الجرم، لكن صار ذلك بحكم عُرف الاستعمال عبارة عن حصول كمال الذات يستلزم ترفيعا لها على الغير. ومن هاهنا كان الكبر قبيحًا ممنوعًا في حقنا، واجبًا في حق الله تعالى. وبيانه: أنَّ الكمال الحقيقيَّ المطلق لا يصحّ إلا لله تعالى، وكمال غيره إنما هو عرض نسبيّ، فإذا وصَف الحقُ نفسَه بالكِبَر ونسبه إليه، كانت النسبة حقيقةً في حقه؛ إذ لا أكملَ منه ولا أرفعَ، فكلّ كاملٍ ناقص، وكل رفيع محتقر بالنسبة إلى كماله وجلاله. والعظمة بمعنى الكبرياء، غير أنها لا تستدعي غيرًا يُتَعاظم عليه كما يستدعيه الكِبر على ما بيّنا، وأيضًا فقد يُستعمل الكبير فيما لا يُستعمل فيه العظيم، فيقال: فلان كبير السنِّ، ولا يقال: عظيم السن.
و(قوله: وجِبريائي بكسر الجيم، فمعناه: بجبروتي، والجبّار: العظيم
стр. 438
(٦٢) باب شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين
[١٤٩] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ نَاسًا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالُوا: يَا رسولَ الله! هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَعَم قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحوًا لَيسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ صَحوًا لَيسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لا. يَا رسولَ الله! قَالَ: مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ إِلا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ أَحَدِهِمَا. إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِع كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَت تَعبُدُ. فَلا يَبقَى أَحَدٌ كَانَ يَعبُدُ غَيرَ اللهِ مِنَ الأَصنَامِ وَالأَنصَابِ، إِلا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَم يَبقَ إِلا مَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وَفَاجِرٍ،
ــ
الشأن الممتنع على من يرومه، ومنه نخلة جبّارة إذا فاقت الأيدي طولا، يقال منه. جبّار بيِّن الجبرية والجبروت، ولم يأت فعّال من أفعلت إلا جبَّار من أجبرت، ودرّاك وسآر. والجبروت أيضًا للمبالغة بزيادة التاء، مثل مَلَكُوت ورَحَمُوت ورَهَبوت من الملك والرحمة والرهبة.
وجاء جبريائي هنا لمطابقة كبريائي، كما قالوا. هو يأتينا بالغدايا والعشايا. وقيل في معنى الجبّار؛ أي: المصلح، من قولهم: جبرت العظم، وذلك أنه تعالى يجبر القلوب المنكسرة من أجله، ويرحم عباده، ويسدّ خلاتهم.
(٦٢) ومن باب شفاعة الملائكة
(قوله: أذَّن مؤذِّنٌ) أي: نادَى منادٍ برفيع صوته؛ كي يعلم أهل الموقف. والأنصاب: جمع نَصب بفتح النون، وهو ما ينصِبَ من حجارة أو غيرها ليُعبد
стр. 439
وَغُبَّرِ أهل الكِتَابِ. فُيدعَى اليَهُودُ فَيُقَالُ لَهُم: مَا كُنتُم تَعبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللهِ. فَيُقَالُ: كَذَبتُم، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ. فَمَاذَا تَبغُونَ؟ قَالُوا: عَطِشنَا، يَا رَبَّنَا! فَاسقِنَا. فَيُشَارُ إِلَيهِم: أَلا تَرِدُونَ؟ فَيُحشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. ثُمَّ يُدعَى النَّصَارَى. فَيُقَالُ لَهُم: مَا كُنتُم تَعبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعبُدُ المَسِيحَ ابنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُم: كَذَبتُم، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن صَاحِبَةٍ وَلا وَلَدٍ، فَيُقَالُ لَهُم: مَاذَا تَبغُونَ؟ فَيَقُولُونَ: عَطِشنَا، يَا رَبَّنَا! فَاسقِنَا. قَالَ: فَيُشَارُ إِلَيهِم: أَلا ترِدُونَ؟ فَيُحشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحطِمُ بَعضُهَا بَعضًا،
ــ
من دون الله تعالى، والأصنام: جمع صَنَم، وهو ما كان مصورًا اتُّخِذَ ليعبد. ويقال عليه: وَثَنٌ وأوثان.
و(قوله: وغُبَّرِ أهل الكتاب) يعني: بقاياهم، وهو من غَبَر الشيء إذا بقي، ويقال أيضًا بمعنى: بعد وذهب، وهو من الأضداد، وقد جاء الأمران في كتاب الله تعالى. وعزير رجل من بني إسرائيل قيل: إنه لما حرّق بختنصّر التوراة وقتل القائمين بها والحافظين لها، قذفها الله تعالى في قلبه فقرأها عليهم، فقالت جهلة اليهود عنه: إنه ابن الله. وتبغون تطلبون. قال:
أنشدوا الباغي يحب الوجدان (١)
والسراب ما تراه نصف النهار وكأنه ماءٌ. ويحطم بعضها بعضًا أي: يركب بعضها على بعض ويكثر بعضها على بعض، كما يفعل البحر إذا هاج.
و(قوله: فيشار إليهم ألا ترِدون) لما ظنّوا أنه ماء أُسمعوا بحسب ما ظنّوا،
стр. 440
فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ. حَتَّى إِذَا لَم يَبقَ إِلا مَن كَانَ يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ وَفَاجِرٍ، أَتَاهُم رَبُّ العَالَمِينَ فِي أَدنَى صُورَةٍ مِنِ الَّتِي رَأَوهُ فِيهَا. قَالَ: فَمَا تَنتَظِرُونَ؟ تَتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَت تَعبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا! فَارَقنَا النَّاسَ فِي الدُّنيَا أَفقَرَ مَا كُنَّا إِلَيهِم وَلَم نُصَاحِبهُم، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُم. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنكَ.
ــ
فإن الورود إنما يقال لمن قصد إلى الماء ليشرب. ويحشرون يساقون مجموعين.
و(قوله: حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من برّ وفاجر) يعبد الله يوحده ويتذلل له. والبر ذو البر، وهو فِعل الطاعات والخير، والفجور عكسه.
و(قوله: أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها) إتيان الله تعالى هنا هو عبارة عن إقباله عليهم وتكليمه إياهم، وأدنى بمعنى: أقرب، والصورة بمعنى: الصفة، ورأوه بمعنى (١): أبصروا غضبه.
ومعنى ذلك أنّهم لما طال عليهم قيامُهم في ذلك المقام العظيم الكرب (٢) الشديد الخوف الذي يقول فيه كل واحد من الرسل الكرام: إن ربي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولم يغضب بعده مثله، هالهم ذلك، وكأنهم يئسوا من انجلاء ذلك. فلمّا كشف الله عنهم ذلك، وأقبل عليهم بفضله ورحمته وكلّمهم، رأوا من صفات لطفه ومن كرمه ما هو أقرب مما رأوه أولاً من غضبه وأخذه، وإلا فهذا أول مقام كلّمهم الله فيه مشافهةً، وأرى من أراد منهم وجهَه الكريمَ، إن قلنا: إنَّ المؤمنين رأوه في هذا المقام، وقد اختلف فيه، ولم يكن تقدّم لهم قبل ذلك سماع ولا رؤية، فتعيّن ما قلناه، والله أعلم.
و(قوله: قالوا: يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم) الصحيح
стр. 441
لا نُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا - مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا - حَتَّى إِنَّ بَعضَهُم لَيَكَادُ أَن يَنقَلِبَ. فَيَقُولُ: هَل بَينَكُم وَبَينَهُ آيَةٌ فَتَعرِفُونَهُ بِهَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَم. فَيُكشَفُ عَن سَاقٍ، فَلا يَبقَى مَن كَانَ يَسجُدُ لِلَّهِ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ إِلا أَذِنَ اللهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلا يَبقَى مَن كَانَ يَسجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلا جَعَلَ اللهُ ظَهرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً، كُلَّمَا أَرَادَ أَن يَسجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ. ثُمَّ يَرفَعُونَ رُءُوسَهُم، وَقَد تَحَوَّلَ فِي صُورَته الَّتِي رَأَوهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَيقَول: أَنَا رَبُّكُم. فَيَقُولُونَ: أَنتَ رَبُّنَا. ثُمَّ يُضرَبُ الجِسرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ. وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ! سَلِّم. سَلِّم. قِيلَ: يَا رسولَ الله! وَمَا الجِسرُ؟ قَالَ: دَحضٌ مَزِلَّةٌ. فِيها خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ، وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجدٍ فِيهَا شُوَيكَةٌ، يُقَالُ لَهَا السَّعدَانُ. فَيَمُرُّ المُؤمِنُونَ كَطَرفِ العَينِ وَكَالبَرقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيرِ وَكَأَجَاوِيدِ الخَيلِ وَالرِّكَابِ. فَنَاجٍ
ــ
من الرواية: فَارَقنا ساكنة القاف، والناسَ منصوب على مفعول فارقنا، وهو جواب الموحدّين لمّا قيل: لِتَتَّبِع كلُّ أمَّة ما كانت تعبد، ومعناه. إنا فارقنا الناس في معبوداتهم ولم نصاحبهم على شيء منها؛ اكتفاءً بعبادتك ومُعاداةً فيك، ونحن على حال حاجة شديدة إليهم وإلى صحبتهم؛ إذ قد كانوا أهلا وعشيرة ومخالطين ومُعاملين، ومع ذلك ففارقناهم فيك وخالفناهم؛ إذ خالفوا أمرك، فليس لنا معبود ولا متبوع سواك.
وكان هذا القول يصدر من المحق والمتشبه، فحينئذ تظهر لهم صورةٌ تقول: أنا ربكم امتحانًا واختبارًا، فيثبت المؤمنون العارفون ويتعوّذون، ويرتاب المنافقون والشاكون. ثم يؤمر الكل بالسجود على ما تقدم، وقد تقدم القول على مشكلات هذا الحديث في حديث أبي هريرة المتقدم (١).
و(قوله: كأجاويد الخيل والركاب) هي سراعها، وهو جمع جياد، فهو
стр. 442
مُسَلَّمٌ، وَمَخدُوشٌ مُرسَلٌ، وَمَكدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. حَتَّى إِذَا خَلَصَ المُؤمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ، فِي استِقصاءِ الحَقِّ، مِنَ المُؤمِنِينَ لِلَّهِ يَومَ القِيَامَةِ لإِخوَانِهِمِ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا! كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُم: أَخرِجُوا مَن عَرَفتُم، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُم عَلَى النَّارِ، فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. قَد أَخَذَتِ
ــ
جمع الجمع. والركاب الإبل، ومخدوش مرسل، يعني تأخذ منه الخطاطيف حتى تقطع لحمه ثم يُخلّى، وبعد ذلك ينجو.
و(قوله: ومكدوسٌ في نار جهنم) روايتنا فيه (١) بالسين المهملة، وروي عن العذري بالشين المثلثة (٢). ووقع في بعض نسخ كتاب مسلم: مكردس بدل مكدوس، وهي الثابتة في حديث أنس المتقدم (٣)، وقد ذكر تفسيرها فيه. والكدس بالمهملة: إسراع المُثقل في السير، يقال: تكدّس الفرس؛ إذا مشى كأنه مثقل. والكُدسُ بضم الكاف واحد أكداس الطعام. ويحتمل أن يؤخذ المكدوس من كلّ واحد منهما. وأما الشين المعجمة، فالكَدش الخدش، عن الأصمعي، وهو أيضًا السوق الشديد، وكلاهما يصحّ حملُ هذه الرواية عليه.
و(قوله: فتحرم صورهم على النار) يعني صور المخرجين. وهذا كما قال فيما تقدم: حرّم الله تعالى على النار أن تأكل أثر السجود (٤)، وآثار السجود تكون في أعضائه السبعة ولا يقال، فقد قال عقيب هذا: فيخرجون خلقًا كثيرًا قد
стр. 443
النَّارُ إِلَى نِصفِ سَاقَيهِ وَإِلَى رُكبَتَيهِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا! مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّن أَمَرتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ دِينَارٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا أَحَدًا مِمَّن أَمَرتَنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ نِصفِ دِينَارٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا مِمَّن أَمَرتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارجِعُوا. فَمَن وَجَدتُم فِي قَلبِهِ مِثقَالَ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ فَأَخرِجُوهُ. فَيُخرِجُونَ خَلقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا! لَم نَذَر فِيهَا خَيرًا.
وَكَانَ أبو سَعِيدٍ يَقُولُ: إِن لَم تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الحَدِيثِ فَاقرَءُوا إِن شِئتُم: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظلِمُ مِثقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفهَا وَيُؤتِ مِن لَدُنهُ أَجرًا عَظِيمًا. فيَقُولُ اللهُ تَعَالىَ: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وَشَفَعَ
ــ
أخذت النار إلى أنصاف ساقيه وإلى ركبتيه. وهذا ينصّ على أنّ النار قد أخذت بعض أعضاء السجود، لأنَّا نقول: تأخذ فتغيّر ولا تأكل فتُذهب. ولا يبعد أن يقال: إنّ تحريم الصور على النار إنما يكون في حق هذه الطائفة المشفوع لهم أولاً؛ لعلو رتبتهم على من يخرج بعدهم، فتكون النار لم تقرب صُورهم ولا وجوههم بالتغيير ولا الأكل، والله تعالى أعلم.
و(قوله: مثقال ذَرّة) كذا صحّت روايتنا فيه بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، وهي الصغيرة من النمل، ولم يختلف أنه كذلك في هذا الحديث. وقد صحّفه شعبة في حديث أنس، فقال: ذُرَة، بضم الذال وتخفيف الراء. على ما قيّده أبو علي الصدفي والسمرقندي، وفيما قيّده العُذري والخشني. دُرّة، بالدال المهملة وتشديد الراء واحدة الدُّر، وهو تصحيف التصحيف. وقول أبي سعيد: إن لم تصدّقوني فاقرؤوا، ليس على معنى أنهم اتهموه، وإنما كان منه على معنى التأكيد والعضد.
стр. 444
النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤمِنُونَ، وَلَم يَبقَ إِلا أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَيَقبِضُ قَبضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخرِجُ مِنهَا قَومًا لَم يَعمَلُوا خَيرًا قَطُّ، قَد عَادُوا حُمَمًا. فَيُلقِيهِم فِي نَهَرٍ فِي أَفوَاهِ الجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الحَيَاةِ، فَيَخرُجُونَ كَمَا تَخرُجُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ، أَلا تَرَونَهَا تَكُونُ إِلَى الحَجَرِ أو إِلَى الشَّجَرِ، مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمسِ أُصَيفِرُ وَأُخَيضِرُ، وَمَا يَكُونُ مِنهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رسولَ الله! كَأَنَّكَ كُنتَ تَرعَى بِالبَادِيَةِ. قَالَ: فَيَخرُجُونَ كَاللُّؤلُؤِ، فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ، يَعرِفُهُم أَهلُ الجَنَّةِ، هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ اللهِ، الَّذِينَ أَدخَلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ بِغَيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلا خَيرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ادخُلُوا الجَنَّةَ فَمَا رَأَيتُمُوهُ فهو لَكُم. فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعطَيتَنَا مَا لَم تُعطِ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ.
ــ
و(قوله: فيقبض قبضة) يعني: يجمع جماعة فيخرجهم دفعة واحدة بغير شفاعة أحد ولا ترتيب خروج، بل كما يُلقي القابض الشيء المقبوض عليه من يده في مرة واحدة.
و(قوله: قد عادوا حُمَمًا) أي: صاروا، وليس على أصل العود الذي هو الرجوع إلى الحال الأولى، بل هذا مثل قوله تعالى: أَو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا؛ أي: لتصيرن إليها، فإن الأنبياء لم يكونوا قط على الكفر، وكما قال الشاعر:
تلك المكارم لا قَعبان من لبنٍ ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (١)
والحمم: الفحم، واحدها: حممة.
و(قوله: في رقابهم الخواتم) أي: الطوابع والعلامات التي بها يُعرفون.
стр. 445
فَيقولُ: لَكُم عِندِي أَفضَلُ مِن هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا! أَيُّ شَيءٍ أَفضَلُ مِن هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَاي: فَلا أَسخَطُ عَلَيكُم بَعدَهُ أَبَدًا.
وَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: بَلَغَنِي أَنَّ الجِسرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعر وَأَحَدُّ مِنَ السَّيفِ.
رواه أحمد (٣/ ١٦)، والبخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)، والنسائي (٨/ ١١٢ - ١١٣).
* * *
(٦٣) باب كيفية عذاب من يعذب من الموحدين وكيفية خروجهم من النار
[١٥٠] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا أَهلُ النَّارِ الَّذِينَ هُم أهلُهَا، فَإِنَّهُم لا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلا يَحيَونَ. وَلَكِن نَاسٌ أَصَابَتهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِم - أو قَالَ: بِخَطَايَاهُم - فَأَمَاتَهُم إِمَاتَةً. حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحمًا، أذِنَ بالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِم ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنهَارِ الجَنَّةِ، ثُمَّ
ــ
(٦٣) ومن باب كيفية عذاب من يعذَّب من الموحّدين (١)
(قوله: ضبائر ضبائر) قال الهروي: جمع ضِبارة بكسر الضاد، مثل عِمارة وعمائر، وهي الجماعة من الناس، يقال: رأيتهم ضبائر؛ أي: جماعات في تَفرِقَة. وقال غيره (٢): الصواب أضابر جمع إضبارة. وفي الصحاح: الإضبارة
стр. 446
قِيلَ: يَا أَهل الجَنَّةِ! أَفِيضُوا عَلَيهِم. فَيَنبُتُونَ نَبَاتَ الحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ: كَأَنَّ رسولَ الله ﷺ قَد كَانَ بِالبَادِيَةِ.
رواه أحمد (٣/ ٥ و ١١)، ومسلم (١٨٥)، وابن ماجه (٤٣٠٩).
* * *
(٦٤) باب النبي ﷺ أكثر الأنبياء أتباعًا وأولهم تفتح له الجنة، وأولهم شفاعة، واختباء دعوته شفاعة لأمته
[١٥١] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشفَعُ فِي الجَنَّةِ، وَأَنَا أَكثَرُ الأَنبِيَاءِ تَبَعًا يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَن يَقرَعُ بَابَ الجَنَّةِ.
ــ
بالكسر الإضمامة، يقال: جاء فلان بإضبارةٍ من كتبٍ، وهي الأضابير، قال: والضَّبرُ الجماعة من الناس يغزُون، وضَبَرَ الفرسُ، إذا جمع قوائمه ووثب. وبُثّوا فرّقوا.
وهذا الحديث ردّ على الخوارج والمعتزلة، حيث حكموا بخلود أهل الكبائر في النار، وأنّهم لا يخرجون منها أبدًا، وقد تقدم الكلام على الحبة.
(٦٤) ومن باب قوله: أنا أوّل الناس يشفع في الجنّة
أي: في دخول الجنّة قبل الناس، ويدلّ عليه قوله: وأنا أوّل من يقرع باب الجنّة، وقول الخازن: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحدٍ قبلك، وقوله في حديث آخر: فأنطلقُ معي برجالٍ فأدخلهم الجنّة وهذه إحدى شفاعاته المتقدِّمة الذكر.
وقوله
стр. 447
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الجَنَّةِ، لَم يُصَدَّق نَبِيٌّ مِنَ الأَنبِيَاءِ مَا صُدِّقتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنبِيَاءِ نَبِيًّا مَا يُصَدِّقُهُ مِن أُمَّتِهِ إِلا رَجُلٌ وَاحِدٌ.
رواه البخاري (٦٣٠٥)، ومسلم (١٩٦).
[١٥٢] وَعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيَامَةِ، فَأَستَفتِحُ، فَيَقُولُ الخَازِنُ: مَن أَنتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرتُ لا أَفتَحُ لأَحَدٍ قَبلَكَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٦)، ومسلم (١٩٧).
[١٥٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعوَةٌ مُستَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعوَتَهُ، وَإِنِّي اختَبَأتُ دَعوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَومَ
ــ
في الرواية الأخرى: أنا أوّل شفيع في الجنّة يمكن حمله على ما تقدّم، ويحتمل أن يراد به أنّه يشفع في ترفيع منازل بعض أهل الجنّة، والأوّل أظهر.
و(قوله: لكلّ نبيٍّ دعوة مستجابة) أي: مجابة، والسين زائدة، يقال: أجاب واستجاب، قال: فلم يستجبه عند ذلك مجيبُ. أي: لم يجبه. ومعناه: أنهم ﵈ لهم دعوة في أممهم هم على يقين في إجابتها بما أعلمهم الله تعالى، ثم خيّرهم في تعيينها، وما عداها من دعواتهم يرجون إجابتها، وإلا فكم قد وقع (١) لهم من الدعوات المجابة؟ وخصوصًا نبينا ﷺ ، فقد دعا لأمته بألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، وألا يهلكهم بسنة عامة فأعطيهما. وقد منع أيضًا بعض ما دعا لهم به؛ إذ قد دعا ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعها، وهذا يحقق ما قلناه من أنّهم في دعواتهم راجون الإجابة، بخلاف هذه الدعوة الواحدة، والله تعالى أعلم.
стр. 448
القِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِن شَاءَ اللهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِي لا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ٢٧٥)، والبخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨)، والترمذي (٣٥٩٧)، وابن ماجه (٤٣٠٧).
[١٥٤] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العَاصِ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا قَولَ اللهِ ﵎ فِي إِبرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فَرَفَعَ يَدَيهِ وَقَالَ: اللهُمَّ! أُمَّتِي. أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللهُ ﵎: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعلَمُ، فَسلهُ: مَا يُبكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جبريل فَسَأَلَهُ، فَأَخبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَا قَالَ،
ــ
و(قوله: فهي نائلة إن شاء الله تعالى) نائلة، وأصله من نال الشيء إذا ظفر به، ودخول الاستثناء هنا كدخوله في قوله تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ وسيأتي القول فيه في قوله ﵊: وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون (١) في الطهارة.
و(قوله: وقال عيسى: إن تعذّبهم) هو مصدر معطوف على قوله: وتلا قول الله. والعرب تقول: قال يقول قولا وقالا وقيلا، فكأنه قال: وتلا قول عيسى (٢). ومعنى هاتين الآيتين أنّ كلَّ واحد من إبراهيم وعيسى لم يَجزِمَا في الدعاء لعصاة أممهما، ولم يُجهدا أنفسهما في ذلك، ولم يكن عندهما من فرط الشفقة ما كان ينبغي لهما. ألا ترى أنهما في الآيتين كأنّهما تبرأا من عصاة أممهما، ولما فهم نبينا ﷺ ذلك؛ انبعث بحكم ما يجده من شدة شفقته ورأفته وكثرة حرصه
стр. 449
وهو أَعلَمُ. فَقَالَ اللهُ: يَا جِبرِيلُ! اذهَب إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُل: إِنَّا سَنُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ.
رواه مسلم (٢٠٢).
* * *
ــ
على نجاة أمته، وبحكم ما وهبه الله تعالى من رفعة مقامه على غيره، جازمًا في الدعاء مجتهدًا فيه لهم متضرعًا باكيا مُلحًّا يقول: أمتي أمتي، فعل المحب المستهتر (١) بمحبوبه، الحريص على ما يرضيه، الشفيق عليه، اللطيف به، ثم لم يزل كذلك حتى أجابه الله فيهم، وبشّره بما بشرّه من مآل حالهم، حيث قال له تعالى: إنا سنرضيك في أمتك، وهو معنى قوله تعالى: وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى (٢).
قال بعض العلماء: واللهِ ما يرضى محمد وواحد من أمته في النار. وهذا كلّه يدلّ على أنّ الله تعالى خصّ نبينا ﷺ من كرم الخُلق، ومن طيب النفس، ومن مقام الفتوة (٣) بما لم يخص به أحدا غيره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبقوله: لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم الآية، صلى الله عليه أفضل ما صلى على أحدٍ من خليقته، وجازاه عنّا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته.
وأمر الله تعالى جبريل بأن يسأل نبينا ﵊ عن سبب بكائه؛ ليعلم جبريل تمكن نبينا في مقام الفتوة، وغاية اعتنائه بأمته ﷺ .
стр. 450
(٦٥) باب شفاعة النبي ﷺ لعمه في التخفيف عنه
[١٥٥] عَنِ العَبَّاسَ؛ قَالَ: قُلتُ: يَا رسولَ الله! إِنَّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُكَ وَيَنصُرُكَ فَهَل نَفَعَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَم، وَجَدتُهُ فِي غَمَرَاتٍ مِنَ النَّارِ، فَأَخرَجتُهُ إِلَى ضَحضَاحٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: لَولا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ.
رواه أحمد (١/ ٢٠٦ - ٢١٠)، والبخاري (٦٢٠٨)، ومسلم (٢٠٩).
ــ
(٦٥) ومن باب شفاعة النبي ﷺ لعمّه أبي طالب في التخفيف عنه
(قوله: كان يحوطك) أي: يحفظك. وينصرك: يعينك، والنصرة. العون، تقول العرب: أرض منصورة؛ أي: معانة على إنباتها بالمطر. وقد كان أبو طالب يمنعه ممن يريد به مكروهًا، ويعينه على ما كان بصدده.
وغَمَرات - بالميم -: جمع غمرة، وهي ما يغطي الإنسان ويغمره، مأخوذ من الماء الغَمر، وهو الكثير. وقد وقع في بعض النسخ غُبّرات، وهو تصحيف ولا معنى للغبرات هنا، والضحضاح: ما رقّ من الماء على وجه الأرض، ومنه قول عمرو في عُمر: أنه جانب غمرتها، ومشى ضحضاحها، وما ابتلّت قدماه، يعني: لم يتعلّق من الدنيا بشيء.
والدرك في مراتب التسفل والنزول، كالدرج في مراتب العلو والارتفاع، ويراد به آخر طبق في أسفل النار، وهو أشدّ أطباق جهنّم عذابًا، ولذلك قال تعالى: إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وكان أبو طالب يستحق ذلك؛ إذ كان قد عُلِم صدقُ النبي ﷺ في جميع حالاته، ولم يخفَ عليه شيءٌ من أموره من مولده إلى حين اكتهاله، ولذلك كان يقول لعلي ابنه: اتَّبِعه، فإنه لا يُرشِدُك إلا إلى خير أو حق أو كما قيل عنه.
стр. 451
[١٥٦] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ ذُكِرَ عِندَهُ عَمُّهُ أبو طَالِبٍ. فَقَالَ: لَعَلَّهُ تَنفَعُهُ شَفَاعَتِي يَومَ القِيَامَةِ، فَيُجعَلُ فِي ضَحضَاحٍ مِن النَارٍ، يَبلُغُ كَعبَيهِ، يَغلِي مِنهُ دِمَاغُهُ.
رواه أحمد (٣/ ٩ و ٥٠)، والبخاري (٣٨٨٥)، ومسلم (٢١٠).
[١٥٧] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أَهوَنُ أهل النَّارِ عَذَابًا أبو طَالِبٍ، وهو مُنتَعِلٌ بِنَعلَينِ يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ.
رواه أحمد (١/ ٢٩٠)، ومسلم (٢١٢).
ــ
و(قوله: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة) هذا المترجى في هذا الحديث قد تحقق وقوعه؛ إذ قال النبي ﷺ : وجدته في غمراتٍ فأخرجته إلى ضحضاح، فكأنه لما ترجى ذلك أعطيه وحقق له فأخبر به، وهل هذه الشفاعة لبيان قول محقق أو لسان حال؟ اختلف فيه، فإن تنزلنا على أنه حقيقة، وأنه ﵊ شفع لأبي طالب بالدعاء والرغبة حتى شُفِّع، عارضه قوله تعالى: فَمَا تَنفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ وقوله: وَلَا يَشفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارتَضَى وما في معناه.
والجواب من أوجه؛ أقربها: أن الشفاعة المنفية إنما هي شفاعةٌ خاصةٌ، وهي التي تخلّص من العذاب. وغاية ما ذكر من المعارضة إنما هي بين خصوصٍ وعموم. ولا تعارُض بينهما؛ إذ البناء والجمع ممكن، وإن تنزّلنا على أنه لسان حال، فيكون معناه. أن أبا طالب لمّا بالغ في إكرام النبي ﷺ والذبّ عنه، خُفّف عنه بسبب ذلك ما كان يستحقه بسبب كفره مع ما حصل عنده من معرفته صدق النبي ﷺ كما قدمناه.
ولما كان ذلك بسبب وجود النبي ﷺ وببركة الحنو عليه؛ نسبه النبي ﷺ إلى نفسه. ولا يستبعد إطلاق الشفاعة على مثل هذا المعنى، فقد سلك الشعراء هذا المعنى، فقال بعضهم:
في وجهه شافعٌ يمحو إساءته ... إلى القلوب وجيه حيثما شفعا
стр. 452
[١٥٨] وَعَنِ النُّعمَانَ بنَ بَشِيرٍ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَهوَنَ أهل النَّارِ عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ؛ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخمَصِ قَدَمَيهِ جَمرَتَانِ، يَغلِي مِنهُمَا دِمَاغُهُ.
رواه أحمد (٤/ ٢٧١ و ٢٧٤)، والبخاري (٦٥٦١ و ٦٥٦٢)، ومسلم (٢١٣)، والترمذي (٢٦٠٧).
* * *
ــ
وقد يُورَد أيضًا على هذا المعنى، فيقال: هذا إثبات نَفع الكافر في الآخرة بما عمله في الدنيا. وقد نفاه النبي ﷺ بقوله في حديث ابن جدعان الآتي: لا ينفعه (١)، وبقوله: وأمّا الكافر، فيُعطى بحسنات ما عمل في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها (٢).
والجواب من وجهين؛ أحدهما: ما تقدم في بناء العام على الخاص. والثاني: أنّ المخفّف عنه لَمَّا لم يجد أثرًا لما خُفف عنه، فكأنّه لم ينتفع بذلك. ألا ترى أنه يعتقد (٣) أنّه ليس في النار أشدّ عذابًا منه، مع أنّ عذابه جمرة من جهنّم في أخمصه. وسببه أن القليل من عذاب جهنّم - أعاذنا الله منه (٤) - لا تطيقه الجبال، وخصوصًا عذاب الكافر. وإنما تظهر فائدة التخفيف لغير المعذّب، وأما المعذّب، فمشتغل بما حلّ به؛ إذ لا يخلَّى، ولا بغيره يتسلى، فيصدق عليه أنه لم ينتفع، ولم يحصل له نفع ألبتة، والله أعلم.
* * *
стр. 453
(٦٦) باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح ولا قربة في الآخرة
٢١٤ - [١٥٩] عَن عَائِشَةَ؛ قالت: قُلتُ: يَا رسولَ الله! ابنُ جُدعَانَ كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيُطعِمُ المِسكِينَ، فَهَل ذَلكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: لا يَنفَعُهُ إِنَّهُ لَم يَقُل يَومًا: رَبِّ اغفِر لِي خَطِيئَتِي يَومَ الدِّينِ.
رواه أحمد (٦/ ٩٣ و ١٢٠)، ومسلم (٢١٤).
[١٦٠] وَعَن أَنسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رسولَ الله! أَينَ أَبِي؟ قَالَ: فِي النَّارِ. فَلمَا قَفى دَعَاهُ فَقَالَ: إِنَّ أبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ.
رواه أحمد (٣/ ١١٩ و ١٧٧ و ٢٦٨)، ومسلم (٢٠٣)، وأبو داود (٤٧١٨).
ــ
(٦٦) ومن باب من لم يؤمن لم ينفعه عمل صالح
(قول عائشة: هل ذلك نافعه؟ ) معناه: هل ذلك مخلصه من عذاب الله المستحق بالكفر؟ فأجابها بنفي ذلك، وعلله بأنه لم يؤمن. وعبّر عن الإيمان ببعض ما يدلّ عليه وهو قوله: لم يقل: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين. ويقتبس منه أن كل لفظ يدلّ على الدخول في (١) الإسلام اكتفي به، ولا يلزم من أراد الدخول في الإسلام صيغة مخصوصة مثل كلمتي الشهادة، بل أي شيء دلّ على صحة إيمانه ومجانبة ما كان عليه اكتفي به في الدخول في الإسلام، ولا بد له مع ذلك من النطق بكلمتي الشهادة، فإن النطق بهما واجب مرة في العمر.
стр. 454
[١٦١] وَعَنهُ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنَة، يُعطَى بِها فِي الدُنيا ويُجزَى بِها فِي الآخِرةِ. وأَمَّا الكَافِرُ فَيُطعَم بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ للهِ بِها فِي الدُنيَا حَتى إِذا أَفضَى إِلى الآخِرةِ لَم تَكُن لَه حَسَنَةٌ يُجزَى بها.
رواه أحمد (٣/ ١٢٣ و ٢٨٣)، ومسلم (٢٨٠٨).
ــ
و(قوله: إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنةً) يعني: لا ينقصه ولا يمنعه ثوابها في الدار الآخرة والأولى.
و(قوله: وأما الكافر، فيطعم بحسنات) هكذا رواه الجماعة، ورواه ابن ماهان: فيعطى بحسنات، وكلاهما صحيح المعنى. وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنة، إنما كان بحسب ظنّ الكافر، وإلا فلا تصح منه قربة؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان، أو سميت حسنة؛ لأنها تشبه صورة حسنة المؤمن ظاهرًا. ثمّ هل يعطى الكافر بحسناته في الدنيا ولا بدّ، فحكم هذا الوعد الصادق؟ أو ذلك مقيَّد بمشيئة الله المذكورة في قوله تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ وهذا هو الصحيح. وأمّا المؤمن، فلا بدّ له من الجزاء الأخرويّ كما قد عُلم من الشريعة.
و(قوله في الكافر: لم تكن له حسنةٌ يجزى بها) أي: لا يتخلّص من العذاب بسببها، وأمّا التخفيف عنه بسببها، فقد يكون على ما قرّرناه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فلمّا قفَّى) أي: ولّى قفاه.
و(قوله ﵊: إنّ أبي وأباك في النار) جبرٌ للرجل ممّا أصابه، وأحاله على التأسّي حتّى تهون عليه مصيبته بأبيه؛ وذلك لَمَّا حفظ الحرمة، ولم يقل: أين أبوك؟ بخلاف من قال ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال له: حيثما مررتَ بقبر
стр. 455
[١٦٢] وَعَن عمرو بنِ العَاصِ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ ، جِهَارًا غَيرَ سِرٍّ، يَقُولُ: أَلا إِنَّ آلَ أَبِي - يَعنِي فُلانًا - لَيسُوا لِي بِأَولِيَاءَ. إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِح المُؤمِنِينَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٠٣)، والبخاري (٥٩٩٠)، ومسلم (٢١٥).
* * *
ــ
كافر فبشِّره بالنار، فكان الرجل يفعل ذلك، فشقَّ عليه حتّى قال: لقد كلَّفني رسول الله ﷺ شططًا، ذكره النسائيّ (١).
و(قوله: ألا إنّ آل أبي فلان) كذا للسمرقنديّ، ولغيره: ألا إنّ آل أبي يعني: فلانًا، وفي رواية: فلانٍ على الحكاية، وهذا كناية عن قومٍ معينين كره الراوي تسميتهم؛ لما يُخاف ممّا يقع في نفوس ذراريهم المؤمنين. وقيل: إن المَكنِى عنه: هو الحكم بن أبي العاصي.
وفائدة الحديث انقطاع الولاية بين المسلم والكافر وإن كان قريبًا حميمًا. وقد وقع في أصل كتاب مسلم موضع فلان أبيض لم يكتب عليه شيء (٢)، وفلان: كناية عن اسم علم كتب في ذلك إصلاحا له (٣).
стр. 456
(٦٧) باب يدخل الجنة من أمة النبي ﷺ سبعون ألفًا بغير حساب
[١٦٣] عَن حُصَينِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ قَالَ: كُنتُ عِندَ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ فَقَالَ: أَيُّكُم رَأَى الكَوكَبَ الَّذِي انقَضَّ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلتُ: أَمَا إِنِّي لَم أَكُن فِي صَلاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: استَرقَيتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعبِيُّ. فقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعبِيُّ؟ قُلتُ: حَدَّثَنَا عَن بُرَيدَةَ بنِ حُصَيبٍ الأَسلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا رُقيَةَ إِلا مِن عَينٍ أو حُمَةٍ. فَقَالَ: قَد أَحسَنَ انتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِن حَدَّثَنَا ابنُ عَبَّاسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَالَ: عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيسَ مَعَهُ
ــ
(٦٧) ومن باب كم يدخل الجنّة من أمّة محمد ﷺ بغير حساب؟
(قوله: لا رقيةَ إلاّ من عين أو حُمَة) العين: إصابة العين، والحمة - بضمّ الحاء وفتح الميم مخفَّفة -: حرقة السُمّ ولذعه، وقيل: السُمّ نفسه.
قال الخطّابيّ: ومعنى ذلك: لا رقيةَ أشفى وأولى من رقية العين والحُمّة. وكان ﵊ قد رقي ورقى، وأمر بها وأجازها، وإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى، فهي مباحة أو مأمور بها. وإنّما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنّه ربّما كان كفرًا أو قولاً يدخله الشرك.
قال: ويحتمل أن يكون الذي يُكره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهليّة التي كانوا يتعاطونها، وأنّها تَدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أنّ ذلك من قِبَل الجنّ ومعونتهم.
стр. 457
أَحَدٌ. إِذ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنتُ أَنَّهُم أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَومُهُ. وَلَكِنِ انظُر إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انظُر إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُم سَبعُونَ أَلفًا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعضُهم: فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ الله ﷺ . وَقَالَ بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسلامِ وَلَم يُشرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ فَأَخبَرُوهُ. فَقَالَ: هُمِ الَّذِينَ لا يَرقُونَ، وَلا يَستَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ،
ــ
وقد اختلفت الرواية عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم، فأجازها مرّةً إذا رقى بكتاب الله، ومنعها أخرى؛ إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به.
و(قوله: فإذا سواد عظيم) يعني به: أشخاصًا كثيرةً، وجمعه أَسوِدَة، وقد تقدّم.
و(قوله: هم الذين لا يرقون ولا يستَرقَون ولا يكتوون ولا يتطيّرون) اختلف الناس في معنى هذا الحديث وعلى ماذا يُحمل؟ فحمله الإمام المازَرِيّ ﵀ على أنّهم الذين جانبوا اعتقاد الطبائعيّين في أنّ الأدوية تنفع بطباعها واعتقاد الجاهليّة في ذلك ورقاهم. وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه؛ إذ مقصوده إثبات مزيَّةٍ وخصوصيّةٍ لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزيّة والخصوصيّة، فإنّ مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافَّةً، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا. ثمّ إنّ ظاهر لفظ الحديث إنّما هو: لا يرقون ولا يكتوون أي: لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل.
وقال الداوديّ. المراد بذلك الذين يجتنبون فعله في الصحّة، فإنّه يُكره
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمن ليست به علّة أن يتّخذ التمائم ويستعمل الرقى، فأمّا من يستعمل ذلك في مرضٍ به فهو جائز. وهذا إن صحّ أن يقال في التمائم وفي بعض الرقى، فلا يصحّ أن يقال في التعويذات، وهي من باب الرقى؛ إذ قد يجوز أن يتعوّذ من الشرور كلّها قبل وقوعها. ولا يصح ذلك في التطبب، فإنه يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها، وأمّا الكيّ، فيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى.
وذهب الخطّابيّ وغيره إلى أنّ وجه ذلك أن يكون تركُها على جهة التوكّل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء، قال: وهذه أرفع درجات المحقِّقين بالإيمان، قال: وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، وسمّاهم. قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا هو ظاهر الحديث؛ ألا ترى قوله: وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ ومضمون كلامه أنّه لا فرق بين ما ذكر من الكيّ والرقى وبين سائر أبواب الطبّ.
وقد ذهب غيره إلى أنّ استعمال الرقى والكيّ قادح في التوكّل بخلاف سائر أنواع الطبّ، فإنّها غير قادحة في التوكّل، وفرّق بين القسمين بأن قال: باب الرقى والكيّ والطِيَرة موهوم (١) فيقدح في التوكل، وما عداها غير موهوم بل محقّق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للريّ، فلا يقدح. قال الشيخ: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنّ أكثرَ أبواب الطبّ موهومة كالكيّ، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ والرقى.
وثانيهما: أنّ الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكّل على الله تعالى، فإنّه التجاء إليه، ويتضمّن ذلك رغبته له وتبرّكًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضُرّ والبلاء، فإن كان هذا قادحًا في التوكّل، فليكن الدعاء والأذكار قادحا في
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوكّل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبيّ ﷺ واسترقى. ورقاه جبريل وغيره ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكّل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكّل لم يتمّ للنبيّ ﷺ ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا مع أنّهم أفضل مَن وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل (١).
قال الشيخ ﵀: والذي يظهر لي أنّ القول ما قاله الخطّابيّ وحكاه عن جماعة من السلف، وذلك ظاهر في الطيرة والكيّ، فإذا دفع الطيرة عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكّل على الله تعالى، كان في المقام الأرفع من التوكّل؛ لأنّ الطيرة قد تلازم قلب الإنسان ولا يجد الانفصال (١) عنها، ولذلك قال ﷺ حين سئل عن الطيرة فقال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم (٢) فإذا استعمل المؤمن الإعراض عنها والتفويض إلى الله في أموره، ذهب ما كان يجده منها، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: الطيرة شرك، الطيرة شرك - ثلاثًا - وما منّا إلا، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل (٣).
و(قوله: إلاّ) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه: ذاك شيء يجدونه في صدورهم.
وأمّا الكيّ، فالمأمون منه جائز، وقد كوى النبيّ ﷺ أُبيًّا يوم الأحزاب على
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكحله لما رمي. وفي البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ ﷺ قال: الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمّتي عن الكيّ (١)، وفي حديث جابر: وما أُحِبُّ أن أكتوي (٢). وعلى هذا فالمأمون من الكيّ وإن كان نافعًا - جائز، إلاّ أنّ تركه خير من فعله، وهذا معنى نهيه ﷺ عنه، وسببه أنّه تعذيب بعذاب الله، وقد قال ﷺ : لا تُعذِّبوا بعذاب الله (٣) يعني: النار. وبهذا ينفرد الكيّ ولا يُلحق به التطبُّب بغير ذلك في الكراهة، فإنّ النبيّ ﷺ قد تطبَّب وطبب، وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطبّ بقوله: يا عبادَ الله! تداووا، فإنّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء (٤).
وأمّا الرقي والاسترقاء، فما كان منه من رقي الجاهليّة أو بما لا يعرف، فواجب اجتنابه على سائر المسلمين، وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى وبالمرويّ عن رسول الله ﷺ ؛ لما قدّمناه من أنّه التجأ إلى الله، وتبرّك بأسمائه.
ويظهر لي - والله تعالى أعلم - أنّ المقصود: اجتناب رقي خارج عن القسمين، كالرقي بأسماء الملائكة والنبيّين والصالحين، أو بالعرش والكرسيّ والسماوات والجنّة والنار وما شاكل ذلك ممّا يعظَّم، كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى، فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور (٥) الذي يعمّ