← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا فَبِكَم وَجَدتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّورَاةَ قَبلَ أَن أُخلَقَ؛ قَالَ مُوسَى: بِأَربَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَل وَجَدتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ قَالَ: نَعَم قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَن عَمِلتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَن أَعمَلَهُ قَبلَ أَن يَخلُقَنِي بِأَربَعِينَ سَنَةً؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. رواه أحمد (٢/ ٢٦٤)، والبخاريُّ (٣٤٥٩)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥)، والترمذيُّ (٢١٣٤). * * * ــ جمع لوح، بفتح اللام، وسُمي بمصدر لاح الشيء يلوح لوحا: إذا ظهر، وسُمي بذلك لظهور ما يُكتب فيه. فأما اللُّوح - بضم اللام - فهو ما بين السماء والأرض. قال مجاهد: كانت الألواح سبعة من زمردة خضراء. وقال ابن جبير: من ياقوتة حمراء. ومعنى كتبنا: أمرنا من يكتب، أو خلق فيها قوما وخطوطا مكتوبة مثل الذي يكتب بالأقلام. وقوله: ﴿مِن كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: كل شيء قصد إلى تبيينه، أو من كل نوع شيئا، أو من كل أصل فرعا. و(قوله: وقربك نجيا) أي: للمناجاة وهي: المسارة. والتقريب: بالمرتبة، لا بالموضع والمكان. و(قوله: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال: فحج آدمُ موسى) ظاهر هذا أن آدم إنما غلب موسى بالحجة؛ لأنه اعتذر بما سبق له من القدر عما صدر عنه من المخالفة، وقبل عذره، وقامت بذلك حجته؛ فإن صح هذا لزم عليه أن يحتج به كل من عصى ويعتذر بذلك فيقبل عذره، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجَّة، وهو مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البَالِغَةُ﴾ وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقيل: إما غلبه آدم بالحجة، لأنَّ آدم أبو موسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه.

стр. 3957

(٧) باب كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر [٢٥٨٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبلَ أَن يَخلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِخَمسِينَ أَلفَ سَنَةٍ. ــ قلت: وهذا نأي عن معنى الحديث، وعما سيق له، وقيل: إنما كان ذلك لأنَّ موسى قد كان علم من التوراة أن الله تعالى قد جعل تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة، وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي. قلت: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة، لا انفصال عن إلزام تلك الحجَّة، والسؤال باق لم ينفصل عنه. وقيل: إنما توجهت حجته عليه لأنَّه قد علم من التوراة ما ذكروا أن الله تاب عليه واجتباه وأسقط عنه اللوم والعتب. فلوم موسى وعتبه له - مع علمه بأن الله تعالى قدر المعصية وقضى بالتوبة، وبإسقاط اللوم والمعاتبة، حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن - وقع في غير محله، وعلى غير مستحقه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حالة صفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء. وهذا الوجه إن شاء الله أشبه ما ذكر، وبه يتبين أن ذلك الإلزام لا يلزم، والله أعلم. (٧) ومن باب: كتب الله المقادير قبل الخلق وكل شيء بقدر (١) (قوله: كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) أي: أثبتها في اللوح المحفوظ، كما قلناه آنفا، أو فيما شاء، فهو

стр. 3958

قَالَ: وَعَرشُهُ عَلَى المَاءِ. رواه مسلم (٢٦٥٣) (١٦)، والترمذي (٢١٥٧). ــ توقيت للكتب لا للمقادير، لأنَّها راجعة إلى علم الله تعالى وإرادته، وذلك قديم لا أول له، ويستحيل عليه تقديره بالزمان؛ إذ الحق بصفاته موجود، ولا زمان ولا مكان، وهذه الخمسون ألف سنة ستون تقديرية؛ إذ قبل خلق السماوات لا يتحقق وجود الزمان؛ فإنَّ الزمان الذي يُعبر عنه بالسنين والأيام والليالي؛ إنما هو راجع إلى أعداد حركات الأفلاك، وسير الشمس والقمر في المنازل والبروج السماوية، فقبل السماوات لا يوجد ذلك، وإنما يرجع ذلك إلى مدة في علم الله تعالى لو كانت السماوات موجودة فيها لعُددت بذلك العدد، وهذا نحو مما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدار ستة أيام، ثم هذه الأيام كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَومًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ وكقوله: ﴿فِي يَومٍ كَانَ مِقدَارُهُ أَلفَ سَنَةٍ﴾ هذا قول ابن عباس وغيره من سلف المفسرين على ما رواه الطبري في تاريخه عنهم، ويحتمل أن يكون ذكر الخمسين ألفا جاء مجيء الإغياء في التكثير، ولم يرد عين ذلك العدد، فكأنه قال: كتب الله مقادير الخلائق قبل خلق هذا العالم بآماد كثيرة، وأزمان عديدة، وهذا نحو مما قلناه في قوله تعالى: ﴿إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ والأول أظهر وأولى. و(قوله: وعرشه على الماء) أي: قبل خلق السماوات والأرض. حكي عن كعب الأحبار أن أول ما خلق الله تعالى ياقوتة خضراء، فنظر إليها بإلهيته فصارت ماء ثم وضع عرشه على الماء. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾ أي: فوق الماء؛ إذ لم يكن سماء ولا أرض. قلت: أقوال المفسرين كثيرة، والمسند المرفوع منها قليل، وكل ذلك

стр. 3959

[٢٥٨١] وعَن طَاوُسٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَدرَكتُ نَاسًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُلُّ شَيءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى العَجزِ وَالكَيسِ، أَو الكَيسِ وَالعَجزِ. رواه أحمد (٢/ ١١٠)، ومسلم (٢٦٥٥). ــ ممكن، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. والذي نعلمه قطعا: أن الله تعالى قديم، لا أول لوجوده، فكان موجودا وحده، ولا موجود سواه، ثم اخترع بقدرته وإرادته ما سبق في علمه، ونفذت به مشيئته، كما شاء ومتى شاء، والذي نعلم استحالته قطعا: أزلية شيء غير الله تعالى من عرش، أو كرسي، أو ماء، أو هواء، أو أرض، أو سماء؛ إذ كل ذلك ممكن في نفسه، وكل موجود ممكن محدث؛ ولأن كل ذلك لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث حادث على ما تُعرف حقيقته في موضعه؛ ولأنه المعلوم الضروري من الشرع، فمن شك فيه أو جحده، فهو كافر، ومما يعلم استحالته: كون العرش حاملا لله تعالى، وأن الله تعالى مستقر عليه كاستقرار الأجسام؛ إذ لو كان محمولا لكان محتاجا فقيرا لما يحمله، وذلك ينافي وصف الإلهية؛ إذ أخص أوصاف الإله (١): الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسما مقدرا، ويلزم كونه حادثا على ما سبق؛ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحمَنُ عَلَى العَرشِ استَوَى﴾ قيل: له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرع لم يعين لنا محملا من تلك المحامل، فيتوقف في التعيين ويسلك مسلك السلف الصالح في التسليم. و(قوله: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس) قيدناه بكسر الزاي والسين وضمهما. و (حتى) هي العاطفة، والرفع عطف على (كل) والخفض على (شيء).

стр. 3960

[٢٥٨٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشرِكُو قُرَيشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي القَدَرِ فَنَزَلَت: ﴿يَومَ يُسحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ رواه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذيُّ (٣٢٨٦). * * * ــ والكيس بفتح الكاف، لا يجوز غيره، ومعنى هذا الحديث: أن ما من شيء يقع في هذا الوجود كائنا كان إلا وقد سبق به علم الله تعالى، ومشيئته؛ سواء كان من أفعالنا أو صفاتنا، أو من غيرها، ولذلك أتى بـ (كل) التي هي للاستغراق والإحاطة، وعقبها بحتى التي هي للغاية، حتى لا يخرج عن تلك المقدمة الكلية من الممكنات شيء ولا يتوهم فيها تخصيص، وإنما جعل العجز والكيس غاية لذلك ليبين أن أفعالنا، وإن كانت معلومة ومرادة لنا، فلا تقع منا إلا بمشيئة الله تعالى وإرادته وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وصار هذا من نحو قول العرب: قدم الحاج حتى المشاة. فيكون معناه: أن كل ما يقع في الوجود بقدر الله ومشيئته، حتى ما يقع منكم بمشيئتكم. والعجز: التثاقل عن المصالح حتى لا تحصل، أو تحصل لكن على غير الوجه المرضي. والكيس: نقيض ذلك، وهو الجد والتشمير في تحصيل المصالح على وجوهها، والعجز في أصله: معنى من المعاني مناقض للقدرة، وكلاهما من الصفات المتعلقات بالممكنات على ما يُعرف في علم الكلام. * * *

стр. 3961

(٨) باب تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا [٢٥٨٣] عن عَبدَ اللَّهِ بنَ عَمرِو بنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ، كَقَلبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيثُ يَشَاءُ، ــ (٨) ومن باب: تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنا (١) (قوله: قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه كيف يشاء) ظاهر الإصبع محال على الله تعالى قطعا لما قلناه آنفا، ولأنه لو كانت له أعضاء وجوارح؛ لكان كل جزء منه مفتقرا للآخر، فتكون جملته محتاجة، وذلك يناقض الإلهية، وقد تأول بعض أئمتنا هذا الحديث فقال: هذا استعارة جارية مجرى قولهم: فلان في كفي، وفي قبضتي. يراد به أنه متمكن من التصرف فيه والتصريف له، كيف شاء، وأمكن من ذلك في المعنى، مع إفادة التيسير أن يقال: فلان بين إصبعيّ، أصرفه كيف شئت. يعني: أن التصرف متيسر عليه غير متعذر. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد بالإصبع هنا النعمة. وحكي أنه يقال: لفلان عندي إصبع حسنة، أي: نعمة. كما قيل في اليد. فإن قيل: فلأي شيء ثنى الإصبع، ونعمه كثيرة لا تحصى؛ قلنا: لأن النعم وإن كانت كذلك، فهي قسمان: نفع ودفع، فكأنه قال: قلوب بني آدم بين أن يصرف الله عنها ضرا، وبين أن يوصل إليها نفعا.

стр. 3962

ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّف قُلُوبَنَا إلَى طَاعَتِكَ. رواه أحمد (٢/ ١٦٨)، ومسلم (٢٦٥٤). [٢٥٨٤] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيتُ شَيئًا أَشبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ ــ قلت: وهذا لا يتم حتى يقال: إن بني آدم - هنا - يراد بهم الصالحون الذين تولى الله حفظ قلوبهم. وأما الكفار والفساق، فقد أوصل الله تعالى إلى قلوبهم ما شاءه وبهم من الطبع والختم والرين، وغير ذلك. وحينئذ يخرج الحديث عن مقصوده، فالتأويل الأول أولى، وقد قلنا: إن التسليم الطريق السليم. و(قوله: اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك) هذا الكلام يعضد ذلك التأويل الأول، وقد وقع هذا الحديث في غير كتاب مسلم فقال: يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك. وهما بمعنى واحد؛ وحاصله: أن أحوال القلوب منتقلة غير ثابتة ولا دائمة. فحق العاقل أن يحذر على قلبه من قلبه، ويفزع إلى ربه في حفظه. و(قوله: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة) هذا من ابن عباس تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثمِ وَالفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ وهي ما دون الكبائر. والفواحش: هي الصغائر. وقال زيد بن ثابت ﵁: هي ما ألمّوا به في الجاهلية. وقيل: هي مقاربة المعصية من غير إلمام. وقيل: الذنب الذي يقلع عنه ولا يصر عليه، وقيل غير هذا. وأشبه هذه الأقوال القول الأول. وعليه يدلّ قوله ﷺ : الصلوات الخمس مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر (١)، والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما يُستفحش من الكبائر كالزنا بذوات المحارم، واللواط، ونحو ذلك.

стр. 3963

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابنِ آدَمَ حَظَّهُ مِن الزِّنَا أَدرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَزِنَا العَينَينِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ النُّطقُ، وَالنَّفسُ تَمَنَّى وَتَشتَهِي، وَالفَرجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَو يُكَذِّبُهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٧٦)، والبخاريُّ (٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧) (٢٠). [٢٥٨٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كُتِبَ عَلَى ابنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِن الزِّنَا مُدرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَالعَينَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاستِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلَامُ، وَاليَدُ زِنَاهَا البَطشُ، وَالرِّجلُ زِنَاهَا الخُطَا، وَالقَلبُ يَهوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرجُ وَيُكَذِّبُهُ. رواه مسلم (٢٦٥٧) (٢١). * * * ــ و(قوله: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) أي؛ قضاه وقدره، وهو: نص في الرد على القدرية. و(قوله: مدرك ذلك لا محالة) كذا صح، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: فهو مدرك ذلك ولا محالة، أي: لا بد من وقوع ذلك منه. و(قوله: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى) يعني: أن هواه وتمنيه هو زناه. وإنَّما أطلق على هذه الأمور كلها: زنا، لأنَّها مقدماتها، إذ لا يحصل الزنا الحقيقي في الغالب إلا بعد استعمال هذه الأعضاء في تحصيله. والزنا الحقيقي: هو إيلاج الفرج المحرم شرعا في مثله. ألا ترى قوله: ويصدق ذلك الفرج ويكذبه يعني: إن حصل إيلاج الفرج الحقيقي، ثم

стр. 3964

(٩) باب كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر [٢٥٨٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ - وفي رواية: على هذه الملة - أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمعَاءَ هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدعَاءَ؛ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيرَةَ: وَاقرَؤُوا إِن شِئتُم: ﴿فِطرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ﴾ ــ زنا تلك الأعضاء، وثبت إثمه، وإن لم يحصل ذلك واجتنب كفر زنا تلك الأعضاء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ (٩) ومن باب: كل مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم وفي الغلام الذي قتله الخضر (١) (قوله: كل مولود يولد على الفطرة) قد تقدَّم: أن أصل الفطرة: الخلقة المبتدأة، وقد اختلف الناس في الفطرة المذكورة في هذا الحديث وفي الآية، فقيل: هي سابقة السعادة والشقاوة، وهذا إنما يليق بالفطرة المذكورة في القرآن، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللَّهِ﴾ وأما في الحديث فلا، لأنَّه

стр. 3965

وفي رواية: حَتَّى تَكُونُوا أَنتُم تَجدَعُونَهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ــ قد أخبر في بقية الحديث: بأنها تبدل وتغير، وقيل: هي ما أُخذ عليهم من الميثاق وهم في أصلاب آبائهم. وهذا إنما يليق بالرواية التي جاء فيها: كل مولود يولد على الفطرة ويبعد في رواية من رواه: على هذه الملة وهي إشارة إلى ملة الإسلام. وقال بظاهر هذه الآية طائفة من المتأولين، وهذا القول أحسن ما قيل في ذلك - إن شاء الله تعالى - لصحَّة هذه الرواية، ولأنها مبينة لرواية من قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إن الله تعالى خلق قلوب بني آدم مؤهلة لقبول الحق، كما خلق أعينهم وأسماعهم قابلة للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقية على ذلك القبول، وعلى تلك الأهلية أدركت الحق. ودين الإسلام هو الدين الحق، وقد جاء ذلك صريحا في الصحيح: جبل الله الخلق على معرفته، فاجتالتهم الشياطين (١) وقد تقدَّم هذا المعنى، وقد دل على صحة هذا المعنى بقية الخبر، حيث قال: كما تُنتَج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء يعني: أن البهيمة تلد ولدها كامل الخلق، سليما من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملا بريئا من العيوب، لكن يُتصرف فيه، فتجدع أذنه، ويوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفات والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيه واقع، ووجهه واضح. والرواية تُنتج بضم التاء الأولى، وفتح الثانية، مبنيا لما لم يُسمَّ فاعله. يقال ذلك إذا ولدت، ومصدرها نتاجا، وقد نتجها أهلها نَتجا، بفتح النون والتاء، مبنيا للفاعل. وهم ناتجوها: إذا ولدت عندهم وتولوا نتاجها. وحكى الأخفش فيه أنه يقال: أنتجت الناقة، رباعيا. ويقال: أنتجت الفرس والناقة: حان نتاجهما. وقال يعقوب: إذا استبان حملها، فهي نتوج، ولا يقال: منتج (٢)، وأتت

стр. 3966

أَفَرَأَيتَ مَن يَمُوتُ صَغِيرًا؛ قَالَ: اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ. وفي أخرى: لَيسَ مِن مَولُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى هَذِهِ الفِطرَةِ حَتَّى يُعَبِّرَ عَنهُ لِسَانُهُ. وفي أخرى: كُلُّ إِنسَانٍ تَلِدُهُ أُمُّهُ يَلكُزُ الشَّيطَانُ فِي حِضنَيهِ، إِلَّا مَريَمَ وَابنَهَا. رواه أحمد (٢/ ٣٤٦)، والبخاريُّ (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٢ - ٢٣، ٢٥)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذي (٢١٣٩). ــ الناقة على منتجها - بكسر الجيم - أي: الوقت الذي تنتج فيه. ونصب (جمعاء) على الحال، وبهيمة: منصوبة على التوطئة لتلك الحال. والجذع: القطع. وتحسون: تدركون بحسكم وحواسكم. و(قوله: ما من مولود إلا يولد) كذا لكلهم غير السمرقندي، فعنده (تلد) بتاء باثنتين من فوقها مضمومة، وبكسر اللام على وزن: ولد، وضرب، وتخرج على ما ذكر الهجري في نوادره. قال: يقال وُلد وتلد بمعنى، ويكون على إبدال الواو تاء لانضمامهما. و(قوله: كل ابن آدم يلكز الشيطان في حضنيه) كذا لجميعهم. والحضن: الجنب. وقيل: الخاصرة، غير أن ابن ماهان رواه: خصييه، تثنية خصية، وهو وهم وتصحيف، بدليل قوله: إلا مريم وابنها. و(قوله: أرأيت من يموت صغيرا) هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مفسرا من حديث ابن عباس: فأمَّا أولاد المؤمنين فقد تقدم الاستدلال على أنهم في الجنة، وأما أطفال المشركين فاختُلف فيهم على ثلاثة أقوال: فقيل: في النار مع آبائهم، وقيل: في الجنة، وقيل: تؤجج لهم نار

стр. 3967

[٢٥٨٧] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن أَطفَالِ المُشرِكِينَ فقَالَ: اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ إِذ خَلَقَهُم. ــ ويؤمرون بدخولها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار. وذهب قوم - وأحسبهم من غير أهل السنة - فقالوا: يكونون في برزخ. وسبب اختلاف الثلاثة الأقوال: اختلاف الآثار في ذلك، ومخالفة بعضها لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبعَثَ رَسُولا﴾ والصبي والمجنون لا يفهمون ولا يخاطبون، فهم كالبهائم، فلم يبعث إليهم رسول، فلا يعذبون. والحاصل من مجموع ذلك - وهو القول الحق الجاري على أصول أهل الحق - أن العذاب المترتب على التكليف لا يعذبه من لم يكلف. ثم لله تعالى أن يعذب من شاء ابتداء من غير تكليف من صبي أو مجنون، أو غير ذلك بحكم المالكية، وأنه لا حجر عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالما بشيء من ذلك إن فعله، كما قررناه في الباب قبل هذا. وعلى هذا يدلّ قوله ﷺ في حديث عائشة ﵂: إن الله خلق للجنة أهلا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا، وهم في أصلاب آبائهم. قد قدمنا: أن الأعمال معرفات لا موجبات. و(قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم) معناه: الله أعلم بما جبلهم عليه، وطبعهم عليه، فمن خلقه الله تعالى على جبلة المطيعين كان من أهل الجنة، ومن خلقه الله على جبلة الكفار من القسوة والمخالفة، كان من أهل النار. وهذا كما قال في غلام الخضر: طُبع يوم طبع كافرا. وهذا الثواب والعقاب ليس مرتبا على تكليف ولا مرتبطا به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما من قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمده قوله ﷺ : هم من آبائهم (١). ولا حجَّة فيه لوجهين:

стр. 3968

رواه البخاريُّ (١٣٨٣)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١١)، والنسائي (٤/ ٥٩). [٢٥٨٨] وعنه؛ عَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ الغُلَامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ يوم طبع كَافِرًا، وَلَو عَاشَ لَأَرهَقَ أَبَوَيهِ طُغيَانًا وَكُفرًا. رواه أحمد (٥/ ١٢١)، ومسلم (٢٦٦١)، وأبو داود (٤٧٠٥ و ٤٧٠٦)، والترمذيُّ (٣١٥٠). [٢٥٨٩] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنَازَةِ صَبِيٍّ مِن الأَنصَارِ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ طُوبَى لِهَذَا عُصفُورٌ مِن عَصَافِيرِ الجَنَّةِ لَم يَعمَل السُّوءَ، وَلَم يُدرِكهُ قَالَ: أَوَ غَيرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلجَنَّةِ ــ أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبر واحد، وليس نصا في الفرض. وثانيهما: سلمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدنيا، وعنها سئل، وعليها خرج الحديث، وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله إنا نُبيّت أهل الدار من المشركين، وفيهم الذراري. فقال: هم من آبائهم، يعني في جواز القتل في حال التبييت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدنيوية، والله تعالى أعلم. و(قول عائشة ﵂ في الصبي الأنصاري المتوفى: عصفور من عصافير الجنة) إنما قالت هذا عائشة، لأنَّها بنت على أن كل مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولا، فحكمت بذلك، فأجابها النبي ﷺ بما ذكر.

стр. 3969

أَهلًا خَلَقَهُم لَهَا، وَهُم فِي أَصلَابِ آبَائِهِم، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهلًا خَلَقَهُم لَهَا وَهُم فِي أَصلَابِ آبَائِهِم. رواه أحمد (٦/ ٢٠٨)، ومسلم (٢٦٦٢) (٣١)، وأبو داود (٤٧١٣)، والنسائي (٤/ ٥٧)، وابن ماجه (٨٢). * * * (١٠) باب الآجال محدودة والأرزاق مقسومة [٢٥٩٠] عَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود قَالَ: قَالَت أُمُّ حَبِيبَةَ: اللَّهُمَّ متعنِي بِزَوجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَبِأَبِي أَبِي سُفيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ فَقَالَ ــ و(قوله: وهم في أصلاب آبائهم) لا يعارض ما تقدَّم من قوله أنه يكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد؛ لما قدمناه من أن قضاء الله وقدره راجع إلى علمه وقدرته، وهما أزليان، لا أول لهما. ومقصود هذه الأحاديث كلها أن قدر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء. (١٠) ومن باب: الآجال محدودة والأرزاق مقسومة (١) (قول أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله ﷺ ، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية) أي: أطل أعمارهم حتى أتمتع بهم زمانا طويلا.

стр. 3970

رسول الله ﷺ : إِنَّكِ سَأَلتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضرُوبَةٍ، وَآثَارٍ مَوطُوءَةٍ، وَأَرزَاقٍ مَقسُومَةٍ لَا يُعَجِّلُ شَيئًا مِنهَا قَبلَ حِلِّهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ مِنهَا شَيئًا بَعدَ حِلِّهِ، وَلَو سَأَلتِ اللَّهَ أَن يُعَافِيَكِ مِن عَذَابٍ النَّارِ، وَعَذَابٍ فِي القَبرِ لَكَانَ خَيرًا لَكِ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، القِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ هِيَ مِمَّا مُسِخَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ لَم يُهلِك قَومًا أَو يُعَذِّب قَومًا، فَيَجعَلَ لَهُم نَسلًا، وَإِنَّ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ كَانُوا قَبلَ ذَلِكَ. وفي رواية: ولأيام معدودة (بدل) آثار موطوءة. رواه أحمد (١/ ٤١٣)، ومسلم (٢٦٦٣) (٣٢ و ٣٣). * * * ــ و(قوله: لا يعجل شيئا منها قبل حله، ولا يؤخر شيئا منها بعد (١) حله) كذا الرواية بفتح الحاء في الموضعين، وهو مصدر حل الشيء يحل حلا وحلولا ومحلا، والمحل أيضًا: الموضع الذي يحل فيه، أي: ينزل. و(قوله: لقد سألت الله لآجال مضروبة. . . . إلى آخره)، ثم قال بعد هذا: ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في القبر، وعذاب في النار (٢)، كان خيرا لك. وقد أورد بعض علمائنا على هذا سؤالا، فقال: ما معنى صرفه لها عن الدعاء بطول الأجل، وحضه لها على العياذ من عذاب القبر. وكل ذلك مقدر لا يدفعه أحد ولا يرده سبب؛ فالجواب: أنه ﷺ لم ينهها عن الأول، وإنَّما أرشدها إلى ما هو الأولى والأفضل، كما نص عليه، ووجهه: أن الثاني أولى وأفضل؛ أنه قيام بعبادة الاستعاذة من عذاب النار والقبر، فإنَّه قد تعبدنا بها في غير ما حديث،

стр. 3971

(١١) باب الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع وترك التفاخر [٢٥٩١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : المُؤمِنُ القَوِيُّ خَيرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِن المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيرٌ احرِص عَلَى مَا يَنفَعُكَ، وَاستَعِن بِاللَّهِ وَلَا تَعجَز، ــ ولم يتعبدنا بشيء من القسم الذي دعت هي به، فافترقا. وأيضًا: فإنَّ من عذاب القبر والنار تذكير بهما، فيخافهما المؤمن، فيحذرهما، ويتقيهما، فيجعل من المتقين الفائزين بخير الدنيا والآخرة. (١١) ومن باب: الأمر بالتقوى والحرص على ما ينفع (قوله: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) أي: القوي البدن والنفس، الماضي العزيمة، الذي يصلح للقيام بوظائف العبادات من الصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على ما يصيبه في ذلك، وغير ذلك مما يقوم به الدين، وتنهض به كلمة المسلمين، فهذا هو الأفضل والأكمل، وأما من لم يكن كذلك من المؤمنين، ففيه خير من حيث كان مؤمنا، قائما بالصلوات، مكثرا لسواد المسلمين، ولذلك قال ﷺ : وفي كل خير لكنه قد فاته الحظ الأكبر، والمقام الأفخر. و(قوله: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) أي: استعمل الحرص والاجتهاد في تحصيل ما تنتفع به في أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة عيالك، ومكارم أخلاقك، ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلا على القدر، فتنسب للتقصير، وتلام على التفريط شرعا وعادة. ومع إنهاء الاجتهاد نهايته، وإبلاغ الحرص غايته، فلا بد من الاستعانة

стр. 3972

وَإِن أَصَابَكَ شَيءٌ فَلَا تَقُل: لَو أَنِّي فَعَلتُ لكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِن قُل: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَو تَفتَحُ عَمَلَ الشَّيطَانِ. رواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، ومسلم (٢٦٦٤)، وابن ماجه (٤١٦٨). * * * ــ بالله، والتوكل عليه، والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن سلك هذين الطريقين حصل على خير الدارين. و(قوله: وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا. قل: قدر الله، وما شاء فعل) يعني: إن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله، والرضا بما قدره الله تعالى، والإعراض عن الالتفات لما مضى وفات. فإنَّ افتكر فيما فاته من ذلك وقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا، جاءته وساوس الشيطان، ولا تزال به حتى تفضي به إلى الخسران؛ لتعارض توهم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان الذي نهى عنه النبي ﷺ بقوله: فلا تقل: لو، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان. ولا يفهم من هذا: أنَّه لا يجوز النطق بـ (لو) مطلقا؛ إذ قد نطق بها النبي ﷺ فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسُق الهدي، ولجعلتها عمرة (١). ولو كنت راجما أحدا بغير بينة لرجمت هذه (٢). وقال أبو بكر ﵁: لو أن أحدهم نظر إلى رجليه لرآنا. ومثله كثير، لأنَّ محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيما إذا أطلقت في معارضة القدر، أو مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور، فأمَّا لو أخبر بالمانع على جهة أن تتعلق به فائدة في المستقبل، فلا يختلف في جواز إطلاقه؛ إذ ليس في ذلك فتح لعمل الشيطان، ولا شيء يفضي إلى ممنوع، ولا حرام، والله تعالى أعلم.

стр. 3973

(٣٦) كتاب العلم (١) باب فضل من تعلم وتفقه في القرآن [٢٥٩٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن نَفَّسَ عَن مُسلم كُربَةً مِن كُرَبِ الدُّنيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَونِ العَبدِ مَا كَانَ العَبدُ فِي عَونِ أَخِيهِ، وَمَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلتَمِسُ فِيهِ عِلمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، ــ (٣٦) كتاب العلم (١) ومن باب: فضائل طلب العلم (قوله: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك (١) الله به طريقا إلى الجنة) أي: من مشى إلى تحصيل علم شرعي قاصدا به وجه الله تعالى، جازاه الله عليه بأن يوصله إلى الجنة مسلما مكرما. ويلتمس: معناه يطلب، كما قال: التمس ولو

стр. 3974

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خاتما من حديد (١) وهو حض وترغيب في الرحلة في طلب العلم والاجتهاد في تحصيله، وقد ذكر أبو داود هذا الحديث من حديث أبي الدرداء، وزاد زيادات حسنة، فقال: عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر (٢) وهذا حديث عظيم يدل على أن طلب العلم أفضل الأعمال، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وأن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء. و(قوله: إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم) قيل: معناه تخضع له وتعظمه، وقيل: تبسطها له بالدعاء، لأنَّ جناح الطائر يده. و(قوله: وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض)، يعني بـ من هنا: من يعقل، وما لا يعقل، غير أنه غلب عليه من يعقل، بدليل أن هذا الكلام قد جاء في غير كتاب أبي داود، فقال: حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في جوف الماء (٣)، وعلى هذا المعنى يدلّ - من حديث أبي داود هذا - عطف الحيتان بالواو على (من في السماوات، ومن في الأرض) فإنَّه يفيد أن من يعقل وما لا يعقل، يستغفر للعالم؛ فأمَّا استغفار من يعقل فواضح؛ فإنَّه دعاء له

стр. 3975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمغفرة، وأما استغفار ما لا يعقل، فهو - والله أعلم - أن الله يغفر له، ويأجره بعدد كل شيء لحقه أثر من علم العالم. وبيان ذلك: أن العالم يبين حكم الله تعالى في السماوات وفي الأرض، وفي كل ما فيهما، وما بينهما، فيغفر له ذنبه، ويعظم له أجره بحسب ذلك، ويحتمل أن يكون ذلك على جهة الإغياء، والأول أولى، والله تعالى أعلم. و(قوله: وإن فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) هذه المفاضلة لا تصح حتى يكون كل واحد منهما قائما بما وجب عليه من العلم والعمل؛ فإنَّ العابد وترك شيئًا من الواجبات، أو عملها على جهل لم يستحق اسم العابد، ولا تصح له عبادة، والعالم لو ترك شيئا من الواجبات لكان مذموما، ولم يستحق اسم العالم، فإذًا محل التفضيل: إنما هو في النوافل، فالعابد يستعمل أزمانه في النوافل من الصلاة والصوم والذكر، وغير ذلك، والعالم يستعمل أزمانه في طلب العلم وحفظه وتقييده وتعليمه، فهذا هو الذي شبهه بالبدر، لأنَّه قد كمل في نفسه، واستضاء به كل شيء في العالم من حيث إن علمه تعدى لغيره، وليس كذلك العابد؛ فإنَّ غايته أن ينتفع في نفسه، ولذلك شبهه بالكوكب الذي غايته أن يظهر نفسه. و(قوله: وإن العلماء ورثة الأنبياء) إنما خص العلماء بالوراثة، وإن كان العباد - أيضًا - قد ورثوا عنه العلم بما صاروا به عبادا، لأنَّ العلماء هم الذين نابوا عن النبي ﷺ في حملهم العلم عنه، وتبليغهم إياه لأمته، وإرشادهم لهم وهدايتهم. وبالجملة فالعلماء: هم العالمون بمصالح الأمة بعده، الذابون عن سنته، الحافظون لشريعته، فهؤلاء الأحق بالوراثة، والأولى بالنيابة والخلافة، وأما العباد فلم يطلق عليهم اسم الوراثة لقصور نفعهم ويسير حظهم. و(قوله: إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما) يعني: أنهم صلوات الله

стр. 3976

وَمَا اجتَمَعَ قَومٌ فِي بَيتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَينَهُم إِلَّا نَزَلَت عَلَيهِم السَّكِينَةُ، ــ عليهم كان الغالب عليهم الزهد، فلا يتركون ما يورث عنهم، ومن ترك منهم شيئا، يصح أن يورث عنه، تصدق قبل موته، كما فعل نبينا ﷺ حين قال: لا نورث، ما تركنا صدقة (١). و(قوله: فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أي: بحظ عظيم، لا شيء أعظم منه ولا أفضل، كما ذكرناه. و(قوله: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة) بيوت الله هي المساجد، كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فِيهَا اسمُهُ﴾ ففيه ما يدلّ على جواز تعليم القرآن في المساجد، أما للكبار الذين يتحفظون بالمسجد فلا إشكال فيه، ولا يختلف فيه، وأما الصغار الذين لا يتحفظون بالمساجد، فلا يجوز، لأنَّه تعريض المسجد للقذر والعبث، وقد قال ﷺ : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم (٢)، وقد تمسك بهذا الحديث من يجيز قراءة الجماعة القرآن على لسان واحد، كما يفعل عندنا بالمغرب، وقد كره بعض علمائنا ذلك، ورأوا أنها بدعة إذ لم تكن كذلك قراءة السلف، وإنَّما الحديث محمول على أن كل واحد يدرس لنفسه، أو مع من يصلح عليه، وليستعين به. و(قوله: إلا نزلت عليهم السكينة) قد تقدَّم الكلام على السكينة في كتاب الصلاة، وأنها إما السكون والوقار والخشوع، وإما الملائكة الذين يستمعون

стр. 3977

وَغَشِيَتهُم الرَّحمَةُ، وَذَكَرَهُم اللَّهُ فِيمَن عِندَهُ، وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٥٢)، ومسلم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٤٩٤٦)، والترمذيُّ (١٤٢٥)، وابن ماجه (٢٢٥). [٢٥٩٣] وقد تقدم من حديث أبي هريرة قوله ﵊: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له. رواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (١٦٣١)، وأبو داود (٣٨٨٠)، والترمذيُّ (١٣٧٦)، والنسائي (٦/ ٢٥١). * * * ــ القرآن، سُموا بذلك لما هم عليه من السكون والخشوع. و(قوله: وغشيتهم الرحمة) أي: تكفير خطيئاتهم ورفع درجاتهم وإيصالهم إلى جنته وكرامته. و(قوله: وذكرهم الله فيمن عنده) يعني: في الملأ الكريم من الملائكة المقربين، كما قال: إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (١)، وهذا الذكر يحتمل أن يكون ذكر ثناء وتشريف، ويحتمل أن يكون ذكر مباهاة، كما باهى الملائكة بأهل عرفة. و(قوله: من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) يعني: أن الآخرة لا ينفع فيها إلا تقوى الله تعالى والعمل الصالح، لا الفخر الراجح، ولا النسب الواضح.

стр. 3978

(٢) باب كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء [٢٥٩٤] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ أَبغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ. رواه أحمد (٦/ ٥٥)، والبخاريُّ (٢٤٥٧)، ومسلم (٢٦٦٨)، والترمذيُّ (٢٩٧٦)، والنسائي (٨/ ٢٤٧). ــ (٢) ومن باب: كراهة الخصومة في الدين والغلو في التأويل والتحذير من اتباع الأهواء (١) قوله: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم) الرواية الخصم - بسكون الصاد - وقد قيده بعضهم بكسرها، وكلاهما اسم للمخاصم، غير أن الذي بالسكون هو مصدر في الأصل، وضع موضع الاسم؛ ولذلك يكون في المذكر والمؤنث، والتثنية والجمع بلفظ واحد في الأكثر، ومن العرب من يثنيه ويجمعه، لأنَّه يذهب به مذهب الاسم، وقد جاءت اللغتان في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَهَل أَتَاكَ نَبَأُ الخَصمِ إِذ تَسَوَّرُوا المِحرَابَ﴾ ثم قال: ﴿خَصمَانِ بَغَى بَعضُنَا عَلَى بَعضٍ﴾ فأمَّا الذي بالكسر فهو الشديد الخصومة، ويجمع: خصم، فيقال: خصم، وخصم خصمون، كما قال تعالى: ﴿هُم قَومٌ خَصِمُونَ﴾ والألد: هو الشديد الخصومة، مأخوذ من اللديدين، وهما جانبا الوادي، لأنَّه كلما أخذ عليه جانب أخذ في جانب آخر، وقيل: لإعماله

стр. 3979

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لديديه، وهما: صفحتا عنقه، عند خصومته. وكان حكم الألد أن يكون تابعا للخصم، لأنَّ الألد صفة، والخصم اسم، لكن لما كان (خصم) مصدرا في الأصل، وكان الألد صفة مشهورة، عُكس الأمر، فجعل التابع متبوعا، وهذا على نحو قوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ وإنَّما يقال: أسود غربيب. وهذا المبغوض عند الله تعالى هو الذي يُقصد بخصومته: مدافعة الحق، ورده بالأوجه الفاسدة، والشبه الموهمة، وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين، كخصومة أكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليها كتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وسلف أمته، إلى طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، وقوانين جدلية، وأمور صناعية، مدار أكثرها على مباحث سوفسطائية، أو مناقشات لفظية ترد بشبهها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها، وشكوك يذهب الإيمان معها، وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها! وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها! ثم إن هؤلاء المتكلمين قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البُله، ولا الأطفال، لما بحثوا عن تحيز الجواهر، والأكوان والأحوال، ثم إنهم أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتقديرها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات، أو غيرها، وأن الكلام، هل هو متحد، أو منقسم؛ وإذا كان منقسما فهل ينقسم بالأنواع أو بالأوصاف؛ وكيف تعلق في الأزل بالمأمور؛ ثم إذا انعدم المأمور فهل يبقى ذلك التعلق؛ وهل الأمر لزيد بالصلاة مثلا هو عين الأمر لعمرو بالزكاة؛ إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ ، ومن سلك سبيلهم، عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تُعلم كيفيته؛ فإنَّ العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾

стр. 3980

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا تبادر بالإنكار فعل الأغبياء الأغمار؛ فإنك قد حُجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفية إدراكاتك، مع أنك تدرك بها. وإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك، فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز. وغاية علم العلماء وإدراك عقول الفضلاء أن يقطعوا بوجود فاعل هذه المصنوعات منزه عن صفاتها، مقدس عن أحوالها، موصوف بصفات الكمال اللائق به. ثم مهما أخبرنا الصادقون عنه بشيء من أوصافه وأسمائه، قبلناه واعتقدناه، وما لم يتعرضوا له سكتنا عنه، وتركنا الخوض فيه. هذه طريقة السلف، وما سواها مهاوٍ وتَلَف، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما قد ورد في ذلك عن الأئمة المتقدمين، فمن ذلك قول عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر الشغل، والدين قد فرغ منه، ليس بأمر يؤتكف على النظر فيه. وقال مالك: ليس هذا الجدال من الدين في شيء. وقال: كان يقال: لا تمكن زائغ القلب من أذنك؛ فإنك لا تدري ما يعلقك من ذلك. وقال الشافعي: لأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في علم الكلام. وإذا سمعت من يقول: الاسم هو المسمى، أو غير المسمى، فاشهد أنه من أهل الكلام، ولا دين له. قال: وحكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام. وقال الإمام أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، علماء الكلام زنادقة. وقال ابن عقيل: قال بعض أصحابنا: أنا أقطع أن الصحابة ﵃ ماتوا وما عرفوا الجوهر والعرض، فإن رضيت أن تكون مثلهم فكن، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أولى من طريقة أبي بكر وعمر، فبئس ما رأيته. قال: وقد أفضى هذا الكلام بأهله إلى الشكوك، وبكثير

стр. 3981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منهم إلى الإلحاد، وأصل ذلك: أنهم ما قنعوا بما بعثت به الشرائع، وطلبوا الحقائق، وليس في قوة العقل إدراك ما عند الله من الحكم التي انفرد بها، ولو لم يكن في الجدال إلا أن النبي ﷺ قد أخبر أنه الضلال، كما قال فيما خرجه الترمذي: ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل (١)، وقال: إنه صحيح. قلت: وقد رجع كثير من أئمة المتكلمين عن الكلام بعد انقضاء أعمار مديدة، وآماد بعيدة، لما لطف الله تعالى بهم، وأظهر لهم آياته، وباطن برهانه، فمنهم: إمام المتكلمين أبو المعالي (٢)، فقد حكى عنه الثقات أنه قال: لقد خليت أهل الإسلام وعلومهم، وركبت البحر الأعظم، وغصت في الذي نهوا عنه، كل ذلك رغبة في طلب الحق، وهربا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، وأختم عاقبة أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص، والويل لابن الجويني. وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به. وقال أحمد بن سنان: كان الوليد بن أبان الكرابيسي، خالي، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدا أعلم مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهموني؟ قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم، أفتقبلون؟ قالوا: نعم. قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث، فإني رأيت الحق معهم. وقال أبو الوفا بن عقيل: لقد بالغت في الأصول طول عمري، ثم عدت القهقرى إلى مذهب المكتب.

стр. 3982

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت: وهذا الشهرستاني صاحب نهاية الإقدام في علم الكلام وصف حاله فيما وصل إليه من الكلام وما ناله، فتمثل بما قاله: لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وصيرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم ثم قال: عليكم بدين العجائز؛ فإنَّه (١) أسنى الجوائز. قلت: ولو لم يكن في الكلام شيء يذم به إلا مسألتان هما من مبادئه، لكان حقيقا بالذم، وجديرا بالترك. إحداهما: قول طائفة منهم: إن أول الواجبات الشك في الله تعالى. والثانية: قول جماعة منهم: إن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها، والأبحاث التي حرروها، فلا يصح إيمانه، وهو كافر. فيلزمهم على هذا تكفير أكثر المسلمين من السلف الماضين، وأئمة المسلمين، وأن من يبدأ بتكفيره أباه وأسلافه وجيرانه، وقد أورد على بعضهم هذا، فقال: لا يشنع علي بكثرة أهل النار، وكما قال، ثم إن من لم يقل بهاتين المسألتين من المتكلمين ردوا على من قال بهما بطرق النظر والاستدلال بناء منهم على أن هاتين المسألتين نظريتان، وهذا خطأ فاحش، فالكل يخطئون الطائفة الأولى بأصل القول بالمسألتين، والثانية بتسليم أن فسادها ليس بضروري، ومن شك في تكفير من قال: إن الشك في الله تعالى واجب؛ وأن معظم الصحابة والمسلمين كفار، فهو كافر شرعا، أو مختل العقل وضعا؛ إذ كل واحدة منهما معلومة الفساد بالضرورة الشرعية الحاصلة بالأخبار المتواترة القطعية، وإن لم يكن

стр. 3983

[٢٥٩٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم شِبرًا بِشِبرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو دَخَلُوا فِي جُحرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعتُمُوهُم قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؛ قَالَ: فَمَن؟ . رواه أحمد (٣/ ٨٤)، والبخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) وهذا الحديث والذي قبله لم يردا في أصول التلخيص واستدركا من المفهم. * * * ــ كذلك فلا ضروري يصار إليه في الشرعيات ولا العقليات. عصمنا الله من بدع المبتدعين، وسلك بنا طرق السلف الماضين. وإنما طولت في هذه المسألة الأنفاس؛ لما قد شاع من هذه البدع في الناس، ولأنه قد اغتر كثير من الجهال بزخرف تلك الأقوال، وقد بذلت ما وجب علي من النصيحة، والله تعالى يتولى إصلاح القلوب الجريحة. و(قوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع) قيدناه (سنن) بفتح السين، وهو الطريق وبضمها، وهو جمع سنة. وهي الطريقة المسلوكة. وذكر الشبر والذراع والحجر أمثال تفيد أن هذه الأمة يطرأ عليها من الابتداع والاختلاف مثل الذي كان وقع لبني إسرائيل. وقد روى الترمذي هذا المعنى بأوضح من هذا، ققال: ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من يأتي أمه علانية، لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي (١). خرجه من حديث عبد الله بن عمر. وقد رواه أبو داود من حديث معاوية بن أبي سفيان وقال: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي

стр. 3984

(٣) باب كيفية التفقه في كتاب الله والتحذير من اتباع ما تشابه منه وعن المماراة فيه [٢٥٩٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ ــ الجماعة (١) يعني جماعة أصحابي ومن تابعهم على هديهم، وسلك طريقهم كما قال في حديث الترمذي. وقد تبين بهذه الأحاديث أن هذا الافتراق المحذر منه إنما هو في أصول الدين وقواعده لأنه قد أطلق عليها مللا، وأخبر أن التمسك بشيء من تلك الملل موجب لدخول النار، ومثل هذا لا يقال على الاختلاف في الفروع، فإنه لا يوجب تعديد الملل، ولا عذاب النار، وإنما هو على أحد المذهبين السابقين إما مصيب فله أجران , وإما مخطئ فله أجر، على ما ذكرناه في الأصول. والضب حرذون الصحراء وجحره خفي، ولذلك ضرب به المثل. (٣) ومن باب كيفية التفقه في كتاب الله (قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيكَ الكِتَابَ مِنهُ آيَاتٌ مُحكَمَاتٌ﴾ الآية) اختلف الناس في المحكمات والمتشابهات، على أقوال كثيرة، منها أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. ومنها أن المحكم هو القرآن كله، والمتشابه الحروف المقطعة في أوائل السور.

стр. 3985

هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلبَابِ﴾ ــ ومنها: أن المحكم آيات الأحكام، والمتشابه: آيات الوعيد. ومنها: أن المتشابه آيات إبهام قيام الساعة، والمحكم: ما عداها. ومنها: أن المحكم ما وضح معناه وانتفى عنه الاشتباه، والمتشابه: نقيضه. وهذا أشبه ما قيل في ذلك، لأنَّه جار على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من: أحكم. والإحكام: الإتقان. ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه، ولا تردد، وإنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، واتفاق تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال، وإلى نحو ما ذكرناه صار جعفر بن محمد، ومجاهد، وابن إسحاق. و(قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الإشكال والاستدلال، ومنه سُميت الفاتحة: أم القرآن، لأنَّها أصله؛ إذ هي آخذة بجملة علومه، فكأنه قال: المحكمات: أصول ما أشكل من الكتاب، فتعين رد ما أشكل منه إلى ما وضح منه، وهذا أيضًا أحسن ما قيل في ذلك. و(قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابتِغَاءَ الفِتنَةِ وَابتِغَاءَ تَأوِيلِهِ﴾ الزيغ: الميل عن الحق، وابتغاء الفتنة: طلب الفتنة، وهي الضلال. مجاهد: الشك. وتأويله ما آل إليه أمره، وكنه حقيقته، فكأنهم تعمقوا في التأويل طلبا لكنه الأمر وحقيقته، فكره لهم التعمق. و(قوله: ﴿وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلا اللَّهُ﴾ أي: ما يعلم حقيقة ما أريد بالمتشابه إلا الله. والوقف على (الله) أولى. و(قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنَا﴾ جملة

стр. 3986

قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا رَأَيتُم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهم اللَّهُ فَاحذَرُوهُم. رواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣)، وابن ماجه (٤٧). ــ ابتدائية مستأنفة، مقتضاها: أن حال الراسخين عند سماع المتشابه الإيمان والتسليم، وتفويض علمه إلى الخبير العليم، وهذا قول ابن مسعود وغيره. وقيل: والراسخون: معطوف على الله تعالى، حكي عن علي وابن عباس، والأول أليق وأسلم. و(قوله: إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله، فاحذروهم) يعني: يتبعونه ويجمعونه طلبا للتشكيك في القرآن، وإضلالا للعوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما وقع في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم، وصورة مصورة ذات وجه، وعين ويد وجنب، ورجل، وإصبع، تعالى الله عن ذلك، فحذر النبي ﷺ عن سلوك طريقهم. فأمَّا القسم الأول، فلا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة. وأما القسم الثاني، فالصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون؛ فإن تابوا وإلا قُتلوا، كما يفعل بمن ارتد. فأمَّا من يتبع المتشابه، لا على تلك الجهتين، فإن كان ذلك على إبداء تأويلاتها، وإيضاح معانيها، فذلك مختلف في جوازه بناء على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عرف أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلاتها مع قطعهم باستحالة

стр. 3987

[٢٥٩٧] وعن عَبد اللَّهِ بن عَمرٍو قَالَ: هَجَّرتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَومًا قَالَ: فَسَمِعَ أَصوَاتَ رَجُلَينِ اختَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعرَفُ فِي وَجهِهِ الغَضَبُ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَلَكَ مَن كَانَ قَبلَكُم بِاختِلَافِهِم فِي الكِتَابِ. رواه مسلم (٢٦٦٦). ــ ظواهرها. ومذهب غيرهم: إبداء تأويلاتها، وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع متعين محمل منها. وأما من يتبع المتشابه على نحو ما فعل صبيغ، فحكمه حكم عمر ﵁ فيه، الأدب البليغ. والراسخ في العلم: هو الثابت فيه، المتمكن منه. و(قوله: هجرت إلى رسول الله ﷺ يوما) أي: خرجت إليه في الهاجرة، وهي: شدة الحر. و(قوله: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج يعرف في وجهه الغضب، فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) هذا الاختلاف لم يكن اختلافا في القراءة، لأنَّه ﷺ قد سوغ أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف كما تقدَّم، ولم يكن أيضًا في كونها قرآنا، لأنَّ ذلك معلوم لهم ضرورة، ومثل هذا لا يختلف فيه المسلمون، ولا يقرون عليه؛ فإنَّه كفر، فلم يبقَ إلا أنه كان اختلافا في المعنى. ثم تلك الآية يحتمل أن كانت من المحكمات الظاهرة المعنى، فخالف فيها أحدهما الآخر، إما لقصور فهم، وإما لاحتمال بعيد، فأنكر النبي ﷺ ذلك؛ إذ قد ترك الظاهر الواضح، وعدل إلى ما ليس كذلك، ويحتمل أن كانت من المتشابه، فتعرضوا لتأويلها، فأنكر النبي ﷺ ذلك، فيكون فيه حجَّة لمذهب السلف في التسليم للمتشابهات، وترك تأويلها.

стр. 3988

[٢٥٩٨] وعَن جُندَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقرَؤُوا القُرآنَ مَا ائتَلَفَت عَلَيهِ قُلُوبُكُم، فَإِذَا اختَلَفتُم فِيهِ فَقُومُوا. رواه أحمد (٤/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٥٠٦١)، ومسلم (٢٦٦٧) (٣). * * * ــ و(قوله: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا) يحتمل هذا الخلاف أن يحمل على ما قلناه آنفا. قال القاضي: وقد يكون أمره بالقيام عند الاختلاف في عصره وزمنه؛ إذ لا وجه للخلاف والتنازع حينئذ، لا في حروفه، ولا في معانيه، وهو ﷺ حاضر معهم، فيرجعون إليه في مشكله، ويقطع تنازعهم بتبيانه. قلت: ويظهر لي أن مقصود هذا الحديث الأمر بالاستمرار في قراءة القرآن، وفى تدبره، والزجر عن كل شيء يقطع عن ذلك. والخلاف فيه في حالة القراءة قاطع عن ذلك في أي شيء كان، من حروفه أو معانيه، والقلب إذا وقع فيه شيء لا يمكن رده على الفور، فأمرهم بالقيام إلى أن تزول تشويشات القلب. ويستفاد هذا من قوله: اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإن القراءة باللسان، والتدبر بالقلب، فأمر باستدامة القراءة مدة دوام تدبر القلب، فإذا وقع الخلاف في تلك الحال انصرف اللسان عن القراءة، والقلب عن التدبر. وعلى هذا فمن أراد أن يتلو القرآن، فلا يبحث عن معانيه في حال قراءته مع غيره، ويفرد لذلك وقتا غير وقت القراءة. والله أعلم. والحاصل: أن الباحثين في فهم معاني القرآن يجب عليهم أن يقصدوا ببحثهم التعاون على فهمه واستخراج أحكامه، قاصدين بذلك وجه الله تعالى، ملازمين الأدب والوقار، فإن اتفقت أفهامهم، فقد كملت نعمة الله تعالى عليهم، وإن اختلفت وظهر لأحدهما خلاف ما ظهر للآخر، وكان ذلك من مثارات الظنون ومواضع الاجتهاد، فحق كل واحد أن يصير إلى ما ظهر له، ولا يثرب على الآخر ولا يلومه، ولا يجادله، وهذه حالة الأقوياء والمجتهدين، وأما من لم

стр. 3989

(٤) باب إثم من طلب العلم لغير الله [٢٥٩٩] عن أبي هريرة قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقضَى عليه يَومَ القِيَامَةِ رَجُلٌ استُشهِدَ - وقد تقدم الحديث - وفيه: وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمتُ العِلمَ وَعَلَّمتُهُ، وَقَرَأتُ فِيكَ القُرآنَ، قَالَ: كَذَبتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمتَ العِلمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأتَ القُرآنَ لِيُقَالَ قَارِئٌ، فَقَد قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلقِيَ فِي النَّارِ. رواه مسلم (١٩٠٥) (١٥٢). * * * ــ يكن كذلك فحقه الرجوع إلى قول الأعلم، فإنَّه عن الغلط أبعد وأسلم، وأما إن كان ذلك من المسائل العلمية فالصائر إلى خلاف القطع فيها محروم، وخلافه فيها محرم مذموم، ثم حكمه على التحقيق، إما التكفير وإما التفسيق. و(قوله: هلك المتنطعون، ثلاثا) (١) هم المتعمقون في الكلام، الغالون فيه، ويعني بهم: الغالين في التأويل، العادلين عن ظواهر الشرع بغير دليل؛ كالباطنية، وغلاة الشيعة. وهلاكهم بأن صُرفوا عن الحق في الدنيا، وبأن يعذبوا في الآخرة. والتكرار: تأكيد وتفخيم بعظيم هلاكهم. (٤) ومن باب: إثم من طلب العلم لغير الله (٢) (قوله: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار) دليل على

стр. 3990

(٥) باب طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم والتخول بالموعظة والعلم خوف الملل [٢٦٠٠] عن عَبد اللَّهِ بن عُمَرَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ مِن الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسلِمِ فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؛ فَوَقَعَ ــ وجوب الإخلاص في طلب العلم، وقراءة القرآن، وكذلك سائر العبادات، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعبُدُوا اللَّهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وتعلم العلم من أعظم العبادات وأهمها، فيجب فيها النية والإخلاص. وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة (١). وهذا يعُم جميع العلوم الشرعية؛ سواء كان من العلوم المقصودة لعينها، أو للعمل بها، كعلم القرآن والسنة والفقه، أو من العلوم الموصلة إلى ذلك، كعلم الأصول واللسان. وهذا وعيد شديد، والتخلص منه بعيد، إذ في طلب العلم عسير، والمجاهد نفسه عليه قليل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. (٥) ومن باب: طرح العالم المسألة على أصحابه ليختبرهم (قوله: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم) قد تقدَّم أن الشجر ما كان على ساق، والنجم ما لم يكن على ساق، وتشبيه المسلم بالنخلة صحيح، وهو من حيث إن أصل دينه وإيمانه ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورا بدينه لا يسقط من دينه شيء، وأنه ينتفع بكل ما يصدر عنه، ولا يكره منه شيء. وكذلك النخلة. ففيه من الفقه

стр. 3991

النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ فَاستَحيَيتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ: هِيَ النَّخلَةُ. فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فقَالَ: لَأَن تَكُونَ قُلتَ: هِيَ النَّخلَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كَذَا وَكَذَا. وفي رواية: قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ .... وَذَكَرَ نَحوه. وفي أخرى: قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ، وَرَأَيتُ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهتُ أَن أَتَكَلَّمَ أَو أَقُولَ شَيئًا. رواه أحمد (٢/ ١٢)، والبخاريُّ (٧٢)، ومسلم (٢٨١١) (٦٣ و ٦٤). [٢٦٠١] وعَن شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبدُ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَومِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشتَهِيهِ، وَلَوَدِدنَا أَنَّكَ حَدَّثتَنَا كُلَّ يَومٍ. فَقَالَ: مَا يَمنَعُنِي أَن أُحَدِّثَكُم إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَن أُمِلَّكُم، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا. رواه أحمد (١/ ٣٧٧)، والبخاريُّ (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١) (٨٣)، والترمذي (٢٨٥٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٨٩). * * * ــ جواز ضرب الأمثال واختبار العالم أصحابه بالسؤال، وإجابة من عجز عن الجواب. و(قول عمر لابنه: لأن تكون قلت: هي النخلة، أحب إلي من كذا وكذا) إنما تمنى ذلك عمر ليدعو النبي ﷺ لابنه، فتناله بركة دعوته، كما نالت عبد الله بن

стр. 3992

(٦) باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك [٢٦٠٢] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَكتُبُوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرآنِ فَليَمحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا - فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِن النَّارِ. رواه أحمد (٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨). ــ عباس، وليظهر على ابنه فضيلة الفهم من صغره، ويسود بذلك في كبره. والله تعالى أعلم. (٦) ومن باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك (١) (قوله: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) كان هذا النهي متقدما، وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لما أمن من ذلك أبيحت الكتابة، كما أباحها النبي ﷺ لأبي شاة في حجَّة الوداع حين قال: اكتبوا لأبي شاة (٢) فرأى علماؤنا هذا ناسخا لذلك. قلت: ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ إنما نهاهم عن كتب غير القرآن لئلا يتكلوا على الأحاديث ولا يحفظونها، فقد يضيع المكتوب، ولا يوجد في

стр. 3993

[٢٦٠٣] وقد تقدم قول النبي ﷺ : اكتُبُوا لِأَبِي شَاة لما سأل أن تكتب له خطبة النبي ﷺ من حديث جابر. رواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاريُّ (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧)، والترمذي (١٤٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٤) كلهم عن أبي هريرة وانظره بتمامه في التلخيص في كتاب الحج. * * * (٧) باب في رفع العلم وظهور الجهل [٢٦٠٤] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُم حَدِيثًا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يُحَدِّثُكُم أَحَدٌ بَعدِي سَمِعَهُ مِنهُ: ــ وقت الحاجة، ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط. قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا. (٧ و ٨ و ٩) ومن باب: رفع العلم وظهور الجهل (١) (قول أنس ﵁: ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، لا يحدثكم أحد بعدي) إنما قال ذلك لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا انقرضوا في ذلك الوقت، فلم يبق منهم غيره؛ فإنه من آخرهم موتا، توفي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، على ما قاله خليفة بن خياط. وقيل: كان سنه يوم مات مائة سنة

стр. 3994

إِنَّ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَن يُرفَعَ العِلمُ، وَيَظهَرَ الجَهلُ، وَيَفشُوَ الزِّنَا، وَيُشرَبَ الخَمرُ، وَيَذهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبقَى النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمسِينَ امرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ. رواه أحمد (٣/ ١٧٦)، والبخاريُّ (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١) (٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٦)، وابن ماجه (٤٠٤٥). ــ وعشر سنين، وقيل أقل من ذلك، والأول أكثر، وكان ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له بذلك. و(قوله: إن من أشراط الساعة) أي: من علامات قرب يوم القيامة، وقد تقدم القول في الأشراط، وأنها منقسمة إلى ما يكون من قبيل المعتاد، وإلى ما لا يكون كذلك، بل خارقا للعادة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و(قوله: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل) وقد بين كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه (١) من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. . . الحديث. وهو نص في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل ويعلمونه، فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر ﷺ ، فكان ذلك دليلا من أدلة نبوته، وخصوصا في هذه الأزمان؛ إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحُرمها أهل ذلك الشأن، غير أنه قد جاء في كتاب الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ما يدلّ على أن الذي يرفع هو العمل. قال أبو الدرداء ﵁: كنا مع النبي ﷺ ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم

стр. 3995

[٢٦٠٥] وعن أَبِي مُوسَى وعبد الله بن مسعود قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرفَعُ فِيهَا العِلمُ، وَيَنزِلُ فِيهَا الجَهلُ، وَيَكثُرُ فِيهَا الهَرجُ! وَالهَرجُ: القَتلُ. رواه أحمد (١/ ٣٨٩)، والبخاريُّ (٧٠٦٢)، ومسلم (٢٦٧٢) (١٠)، والترمذي (٢٢٠١). [٢٦٠٦] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَتَقَارَبُ الزَّمَنُ، وَيُقبَضُ العِلمُ، وَتَظهَرُ الفِتَنُ، وَيُلقَى الشُّحُّ، وَيَكثُرُ الهَرجُ قَالُوا: وَمَا الهَرجُ؛ قَالَ: القَتلُ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريُّ (٨٦)، ومسلم (١٥٧) في كتاب العلم (١١)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وابن ماجه (٤٠٥٢). * * * ــ قال: هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؛ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة. هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؛ . قال: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء. قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا (١). قال: هذا حديث حسن غريب، وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعي من طرق صحيحة.
следующие страницы →