← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.

стр. 3991

النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ فَاستَحيَيتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ: هِيَ النَّخلَةُ. فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فقَالَ: لَأَن تَكُونَ قُلتَ: هِيَ النَّخلَةُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِن كَذَا وَكَذَا. وفي رواية: قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ .... وَذَكَرَ نَحوه. وفي أخرى: قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخلَةُ، وَرَأَيتُ أَبَا بَكرٍ، وَعُمَرَ لَا يَتَكَلَّمَانِ فَكَرِهتُ أَن أَتَكَلَّمَ أَو أَقُولَ شَيئًا. رواه أحمد (٢/ ١٢)، والبخاريُّ (٧٢)، ومسلم (٢٨١١) (٦٣ و ٦٤). [٢٦٠١] وعَن شَقِيقٍ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبدُ اللَّهِ يُذَكِّرُنَا كُلَّ يَومِ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ، إِنَّا نُحِبُّ حَدِيثَكَ وَنَشتَهِيهِ، وَلَوَدِدنَا أَنَّكَ حَدَّثتَنَا كُلَّ يَومٍ. فَقَالَ: مَا يَمنَعُنِي أَن أُحَدِّثَكُم إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَن أُمِلَّكُم، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوعِظَةِ فِي الأَيَّامِ كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَينَا. رواه أحمد (١/ ٣٧٧)، والبخاريُّ (٦٨)، ومسلم (٢٨٢١) (٨٣)، والترمذي (٢٨٥٥)، والنسائي في الكبرى (٥٨٨٩). * * * ــ جواز ضرب الأمثال واختبار العالم أصحابه بالسؤال، وإجابة من عجز عن الجواب. و(قول عمر لابنه: لأن تكون قلت: هي النخلة، أحب إلي من كذا وكذا) إنما تمنى ذلك عمر ليدعو النبي ﷺ لابنه، فتناله بركة دعوته، كما نالت عبد الله بن

стр. 3992

(٦) باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك [٢٦٠٢] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَكتُبُوا عَنِّي، وَمَن كَتَبَ عَنِّي غَيرَ القُرآنِ فَليَمحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلَا حَرَجَ، وَمَن كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحسِبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا - فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِن النَّارِ. رواه أحمد (٣/ ١٢)، ومسلم (٣٠٠٤)، والنسائي في الكبرى (٨٠٠٨). ــ عباس، وليظهر على ابنه فضيلة الفهم من صغره، ويسود بذلك في كبره. والله تعالى أعلم. (٦) ومن باب النهي عن أن يكتب عن النبي ﷺ شيء غير القرآن ونسخ ذلك (١) (قوله: لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) كان هذا النهي متقدما، وكان ذلك لئلا يختلط بالقرآن ما ليس منه، ثم لما أمن من ذلك أبيحت الكتابة، كما أباحها النبي ﷺ لأبي شاة في حجَّة الوداع حين قال: اكتبوا لأبي شاة (٢) فرأى علماؤنا هذا ناسخا لذلك. قلت: ولا يبعد أن يكون النبي ﷺ إنما نهاهم عن كتب غير القرآن لئلا يتكلوا على الأحاديث ولا يحفظونها، فقد يضيع المكتوب، ولا يوجد في

стр. 3993

[٢٦٠٣] وقد تقدم قول النبي ﷺ : اكتُبُوا لِأَبِي شَاة لما سأل أن تكتب له خطبة النبي ﷺ من حديث جابر. رواه أحمد (٢/ ٢٣٨)، والبخاريُّ (٢٤٣٤)، ومسلم (١٣٥٥)، وأبو داود (٢٠١٧)، والترمذي (١٤٠٥)، وابن ماجه (٢٦٢٤) كلهم عن أبي هريرة وانظره بتمامه في التلخيص في كتاب الحج. * * * (٧) باب في رفع العلم وظهور الجهل [٢٦٠٤] عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُم حَدِيثًا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا يُحَدِّثُكُم أَحَدٌ بَعدِي سَمِعَهُ مِنهُ: ــ وقت الحاجة، ولذلك قال مالك: ما كتبت في هذه الألواح قط. قال: وقلت لابن شهاب: أكنت تكتب الحديث؟ قال: لا. (٧ و ٨ و ٩) ومن باب: رفع العلم وظهور الجهل (١) (قول أنس ﵁: ألا أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ، لا يحدثكم أحد بعدي) إنما قال ذلك لأنَّ أصحاب رسول الله ﷺ قد كانوا انقرضوا في ذلك الوقت، فلم يبق منهم غيره؛ فإنه من آخرهم موتا، توفي بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، على ما قاله خليفة بن خياط. وقيل: كان سنه يوم مات مائة سنة

стр. 3994

إِنَّ مِن أَشرَاطِ السَّاعَةِ أَن يُرفَعَ العِلمُ، وَيَظهَرَ الجَهلُ، وَيَفشُوَ الزِّنَا، وَيُشرَبَ الخَمرُ، وَيَذهَبَ الرِّجَالُ، وَتَبقَى النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمسِينَ امرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ. رواه أحمد (٣/ ١٧٦)، والبخاريُّ (٨٠)، ومسلم (٢٦٧١) (٩)، والترمذيُّ (٢٢٠٦)، وابن ماجه (٤٠٤٥). ــ وعشر سنين، وقيل أقل من ذلك، والأول أكثر، وكان ذلك ببركة دعاء النبي ﷺ له بذلك. و(قوله: إن من أشراط الساعة) أي: من علامات قرب يوم القيامة، وقد تقدم القول في الأشراط، وأنها منقسمة إلى ما يكون من قبيل المعتاد، وإلى ما لا يكون كذلك، بل خارقا للعادة على ما يأتي إن شاء الله تعالى. و(قوله: أن يرفع العلم، ويظهر الجهل) وقد بين كيفية رفع العلم وظهور الجهل في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه (١) من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء. . . الحديث. وهو نص في أن رفع العلم لا يكون بمحوه من الصدور، بل بموت العلماء وبقاء الجهال الذين يتعاطون مناصب العلماء في الفتيا والتعليم، يفتون بالجهل ويعلمونه، فينتشر الجهل ويظهر، وقد ظهر ذلك ووجد على نحو ما أخبر ﷺ ، فكان ذلك دليلا من أدلة نبوته، وخصوصا في هذه الأزمان؛ إذ قد ولي المدارس والفتيا كثير من الجهال والصبيان وحُرمها أهل ذلك الشأن، غير أنه قد جاء في كتاب الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء ما يدلّ على أن الذي يرفع هو العمل. قال أبو الدرداء ﵁: كنا مع النبي ﷺ ، فشخص ببصره إلى السماء، ثم

стр. 3995

[٢٦٠٥] وعن أَبِي مُوسَى وعبد الله بن مسعود قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ بَينَ يَدَي السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرفَعُ فِيهَا العِلمُ، وَيَنزِلُ فِيهَا الجَهلُ، وَيَكثُرُ فِيهَا الهَرجُ! وَالهَرجُ: القَتلُ. رواه أحمد (١/ ٣٨٩)، والبخاريُّ (٧٠٦٢)، ومسلم (٢٦٧٢) (١٠)، والترمذي (٢٢٠١). [٢٦٠٦] وعن أبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَتَقَارَبُ الزَّمَنُ، وَيُقبَضُ العِلمُ، وَتَظهَرُ الفِتَنُ، وَيُلقَى الشُّحُّ، وَيَكثُرُ الهَرجُ قَالُوا: وَمَا الهَرجُ؛ قَالَ: القَتلُ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٣)، والبخاريُّ (٨٦)، ومسلم (١٥٧) في كتاب العلم (١١)، وأبو داود (٤٢٥٥)، وابن ماجه (٤٠٥٢). * * * ــ قال: هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس، حتى لا يقدروا منه على شيء. فقال زياد بن لبيد الأنصاري: وكيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن؛ فوالله لنقرأنه، ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، فقال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة. هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؛ . قال: فلقيت عبادة بن الصامت، فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك أبو الدرداء، فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء. قال: صدق أبو الدرداء، إن شئت لأحدثنك بأول علم يرفع: الخشوع، يوشك أن تدخل مسجد الجامع فلا ترى فيه رجلا خاشعا (١). قال: هذا حديث حسن غريب، وقد خرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضًا عن عوف بن مالك الأشجعي من طرق صحيحة.

стр. 3996

(٨) باب في كيفية رفع العلم [٢٦٠٧] عن عَبد اللَّهِ بن عَمرِو بنِ العَاصِ قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِن النَّاسِ، وَلَكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَم يَترُك عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا، وَأَضَلُّوا. رواه أحمد (٢/ ١٦٢)، والبخاريُّ (١٠٠)، ومسلم (٢٦٧٣) (١٣)، والترمذيُّ (٢٦٥٢)، وابن ماجه (٥٢). * * * (٩) باب ثواب من دعا إلى الهدى أو سن سنة حسنة [٢٦٠٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِن الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا، وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِن الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا. رواه أحمد (٢/ ٣٩٧)، ومسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذيُّ (٢٦٧٤)، وابن ماجه (٢٠٦). ــ وظاهر هذا الحديث أن الذي يرفع إنما هو العمل بالعلم، لا نفس العلم، وهذا بخلاف ما ظهر من حديث عبد الله بن عمر، فإنَّه صريح في رفع العلم.

стр. 3997

[٢٦٠٩] وعَن جَرِيرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِن الأَعرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيهِم الصُّوفُ، فَرَأَى سُوءَ حَالِهِم قَد أَصَابَتهُم حَاجَةٌ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبطَؤُوا عَنهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجهِهِ. ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِن وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجهِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثلُ أَجرِ مَن عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنقُصُ مِن أُجُورِهِم شَيءٌ، وَمَن سَنَّ فِي الإِسلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعدَهُ كُتِبَ عَلَيهِ مِثلُ وِزرِ مَن عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنقُصُ مِن أَوزَارِهِم شَيءٌ. رواه أحمد (٤/ ٣٥٧)، ومسلم (٢٠١٧) في كتاب العلم (١٥)، والترمذي (٢٦٧٥)، والنسائي (٥/ ٧٥ - ٧٧)، وابن ماجه (٢٠٣). * * * ــ قلت: ولا تباعد فيهما، فإنَّه إذا ذهب العلم بموت العلماء، خلفهم الجهال، فأفتوا بالجهل، فعمل به، فذهب العلم والعمل، وإن كانت المصاحف والكتب بأيدي الناس، كما اتفق لأهل الكتابين من قبلنا، ولذلك قال رسول الله ﷺ لزياد على ما نص عليه النسائي: ثكلتك أمك زياد، هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى وذلك أن علماءهم لما انقرضوا خلفهم جهالهم، فحرفوا الكتاب، وجهلوا المعاني، فعملوا بالجهل، وأفتوا به، فارتفع العلم والعمل، وبقيت أشخاص الكتب لا تغني شيئا. وقد تقدَّم الكلام على قوله: من سن في الإسلام سنة حسنة في كتاب الزكاة. * * *

стр. 3998

(١٠) باب تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه [٢٦١٠] عَن هِشَامٍ بن عروة، عَن أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيرَةَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: اسمَعِي يَا رَبَّةَ الحُجرَةِ، وَعَائِشَةُ تُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَت صَلَاتَهَا قَالَت لِعُروَةَ: أَلَا تَسمَعُ لهَذَا وَمَقَالَتِهِ آنِفًا؛ إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَو عَدَّهُ العَادُّ لَأَحصَاهُ. رواه البخاريُّ (٣٥٦٧)، ومسلم (٢٤٩٣) في الزهد (٧). * * * ــ (١٠ و ١١) ومن باب: تقليل الحديث حال الرواية وتبيانه (١) قد تقدم القول في تقارب الزمان، وفي الشح. (قول أبي هريرة: اسمعي يا ربة الحجرة) يعني عائشة ﵂ كان ذلك منه ليسمعها ما يرويه عن النبي ﷺ ، إما ليذكرها بما تعرفه، أو يفيدها بما لم تسمعه، فقد كان أبو هريرة ﵁ يحضر مع النبي ﷺ في مواطن لم تكن تحضرها عائشة ﵂، بل قد كان لأبي هريرة ﵁ من الملازمة لرسول الله ﷺ كما تقدَّم في مناقبه، ما لم يكن لغيره من الصحابة ﵃ ثم قد اتفق له من الخصوصية التي أوجبت له الحفظ ما لم يتفق لغيره، فكان عنده من الحديث ما لم يكن عند عائشة، لكن عائشة أنكرت عليه سرده للحديث والإكثار منه في المجلس الواحد؛ لذلك قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث سردكم، إنما كان يحدث حديثا، لو عده العاد لأحصاه. وقد سلك هذا المسلك كثير من السلف؛ وكانوا لا يزيدون على عشرة

стр. 3999

(١١) باب تعليم الجاهل [٢٦١١] عَن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَاتَ يَومٍ فِي خُطبَتِهِ: أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَن أُعَلِّمَكُم مَا جَهِلتُم مِمَّا عَلَّمَنِي ــ أحاديث ليست بطوال في المجلس الواحد، وقد كره الإكثار من الأحاديث كثير من السلف (١)؛ مخافة ما يكون في الإكثار من الآفات. روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: أقلوا الحديث عن رسول الله ﷺ . وقد عاب كثير من الصحابة على أبي هريرة الإكثار من الحديث حتى احتاج أبو هريرة إلى الاعتذار عن ذلك، والإخبار بموجب ذلك، قال: إن ناسا يقولون: أكثر أبو هريرة، ولولا آية في كتاب الله ما حدثت حديثا. ثم قال: إن إخواننا من الأنصار كان شغلهم العمل في أموالهم، وإن إخواننا من المهاجرين كان شغلهم الصفق بالأسواق، وإني كنت ألزم رسول الله ﷺ لشبع بطني، أحضر ما لا يحضرون، وأحفظ ما لا يحفظون (٢). ودخل مالك على ابني أخته أبي بكر وإسماعيل بن أبي أويس، وهما يكتبان الحديث، فقال لهما: إن أردتما أن ينفعكما الله بهذا الأمر، فأقلا منه، وتفقها. ولقد جاء عن شعبة أنه قال لكتبة الحديث: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون. قال أبو الحسن القابسي ﵀: يريد شعبة بقوله هذا عيب تكثير الروايات؛ لما قد دخل على المكثرين من اختلاط الأحاديث، وغير ذلك، فيصيرون بالتكلف إلى أن يتقولوا على الرسول ﷺ ما لم يقل. قلت: ويظهر لي من قول شعبة أنه قصد تحذير من غلبت عليه شهوة كتب الحديث وروايته، حتى يحمله ذلك على التفريط في متأكد المندوبات من

стр. 4000

يَومِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلتُهُ عَبدًا حَلَالٌ، ــ الصلوات والأذكار والدعوات؛ حرصا على الإكثار وقضاء للشهوات والأوطار. قلت: وهذه وصايا السلف وسير أئمة الخلف، قد نبذها أهل هذه الأزمان، وانتحلوا ضروبا من الهذيان، فترى الواحد منهم كحاطب ليل، وكجالب رجل وخيل، فيأخذ عمن أقبل وأدبر من العوام، وممن لم يشعر بشيء قط من هذا الشأن، غير أنه قد وجد اسمه في طبق السماع على فلان، أو أجاز له فلان، وإن كان في ذلك الوقت في سن من لا يعقل من الصبيان، ويسمون مثل ذلك بالسند العالي؛ وإن كان باتفاق السلف وأهل العلم في أسفل سفال، وكل ذلك قصد من كثير منهم إلى الإكثار، ولأن يقال: انفرد فلان بعالي الروايات والآثار. ومن ظهر منه أنه على تلك الحال فالأخذ عنه حرام وضلال، بل الذي يجب الأخذ عنه من اشتهر بالعلم والإصابة والصدق والصيانة ممن قيد كتب الحديث المشهورة، والأمهات المذكورة التي مدار الأحاديث عليها، ومرجع أهل الإسلام إليها، فيعارض كتابه بكتابه، ويقيد منه ما قيده، ويهمل ما أهمله، فإن كان ذلك الكتاب ممن شرط مصنفه الصحة كمسلم والبخاري، أو ميز بين الصحيح وغيره كالترمذي، وجب التفقه في ذلك والعمل به، وإن لم يكن كذلك وجب التوقف إلى أن يعلم حال أولئك الرواة، إما بنفسه إن كانت له أهلية البحث في الرجال، وإما بتقليد من له أهلية ذلك، فإذا حصل ذلك وجب التفقه والعمل، وهو المقصود الأول، وعليه المعول. وكل ما قبله طريق موصل إليه، ومحوم عليه. وإن من علامات عدم التوفيق البقاء في الطريق من غير وصول إلى المقصود على التحقيق. و(قوله تعالى (١): كل مال نحلته عبدا حلال) معنى نحلته: أعطيته، والنحلة: العطية - كما تقدَّم - ويعني بها هنا: العطية بطريق شرعي، فكأنه قال: كل

стр. 4001

وَإِنِّي جعلت عِبَادِي كُلَّهُم حُنَفَاءَ، وَإِنَّهُم أَتَتهُم الشَّيَاطِينُ فَاجتَالَتهُم عَن دِينِهِم، وَحَرَّمَت عَلَيهِم مَا أَحلَلتُ لَهُم، وَأَمَرَتهُم أَن يُشرِكُوا بِي مَا لَم أُنزِل بِهِ سُلطَانًا. وذكر الحديث، وسيأتي. رواه أحمد (٤/ ١٦٢)، ومسلم (٢٨٦٥) (٦٣). * * * ــ من ملكته شيئا بطريق شرعي، قليلا كان أو كثيرا، خطيرا كان أو حقيرا، فالانتفاع له به مباح مطلقا، لا يمنع من شيء منه، ولا يزاحم عليه، والمال هنا: كل ما يتمول، ويتملك من سائر الأشياء، وفائدة هذه القضية الكلية رفع توهم من يتوهم أن ما يستلذ ويستطاب من رفيع الأطعمة والملابس والمناكح والمساكن محرم، أو مكروه، وإن كان ذلك من الكسب الجائز، كما قد ذهب إليه بعض غلاة المتزهدة. وسيأتي استيعاب هذا المعنى في كتاب الزهد، إن شاء الله تعالى. و(قوله: وإني خلقت عبادي كلهم حنفاء) هو جمع حنيف، وهو: المائل عن الأديان كلها إلى فطرة الإسلام، وهذا نحو قوله ﷺ : كل مولود يولد على الفطرة) (١) وقد تقدَّم في كتاب القدر. و(قوله: وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) يعني: شياطين الإنس من الآباء والمعلمين بتعليمهم، وتدريبهم، وشياطين الجن بوساوسهم. ومعنى اجتالتهم: أجالتهم، أي: صرفتهم عن مقتضى الفطرة الأصلية، كما قال: حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه. وفي الرواية الأخرى: حتى يعبر عنه لسانه يعني بما يلقي إليه الشيطان من الباطل والفساد المناقض لفطرة الإسلام. * * *

стр. 4002

(١٢) باب إقرار النبي ﷺ حجة [٢٦١٢] عَن مُحَمَّدِ بنِ المُنكَدِرِ قَالَ: رَأَيتُ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَحلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابنَ صَائِدٍ الدَّجَّالُ. فَقُلتُ له: أَتَحلِفُ على ذلك؛ قَالَ: إِنِّي سَمِعتُ عُمَرَ يَحلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَم يُنكِرهُ النَّبِيُّ ﷺ . رواه مسلم (٢٩٢٩). * * * ــ (١٢) ومن باب: إقرار النبي ﷺ إقرار النبي ﷺ حجَّة، ودليل على جواز ذلك الفعل إذا صدر ذلك الفعل من مسلم، ورآه النبي ﷺ ، ولم ينكر عليه. * * *

стр. 4003

(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات (١) باب الترغيب في ذكر الله تعالى [٢٦١٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبدِي بِي، ــ (٣٧) كتاب الأذكار والدَّعوات [(١) ومن باب: الترغيب في ذكر الله تعالى] (١) (قوله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي) قيل: معناه: ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند فعلها على شروطها؛ تمسكا بصادق وعده وجزيل فضله. قلت: ويؤيده قوله ﷺ : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة (٢). وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر، وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك، موقنا أن الله تعالى يقبل عمله، ويغفر ذنبه،

стр. 4004

وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذكُرُنِي، ــ فإنَّ الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال، وهو يعتقد، أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها، وأنها لا تنفعه، فذلك هو القنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهو من أعظم الكبائر، ومن مات على ذلك وصل إلى ما ظن منه، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي بي ما شاء (١). فأمَّا ظن المغفرة والرحمة مع الإصرار على المعصية، فذلك محض الجهل والغرة، وهو يجر إلى مذهب المرجئة، وقد قال ﷺ : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله (٢). والظن: تغليب أحد المجوزين بسبب يقتضي التغليب، فلو خلا عن السبب المغلب لم يكن ظنا بل غرة وتمنيا. وقد تقدَّم في الجنائز الكلام على قوله: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله (٣). و(قوله: وأنا معه حين يذكرني) أصل الذكر: التنبه بالقلب للمذكور، والتيقظ له، ومنه قوله: ﴿اذكُرُوا نِعمَتِيَ الَّتِي أَنعَمتُ عَلَيكُم﴾ أي: تذكروها. وقوله ﷺ : من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها (٤) أي: إذا تذكرها بقلبه. وهو في القرآن كثير. وسمي القول باللسان ذكرا؛ لأنَّه دلالة على الذكر القلبي، غير أنه قد كثر اسم الذكر على القول اللساني حتى صار هو السابق للفهم، وأصل مع الحضور والمشاهدة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى﴾ وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُم أَينَ مَا كُنتُم﴾ أي: مطلع عليكم

стр. 4005

إِن ذَكَرَنِي فِي نَفسِهِ ذَكَرتُهُ فِي نَفسِي، وَإِن ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرتُهُ فِي مَلَأٍ خَير مِنهُم، ــ ومحيط بكم، وقد ينجر مع ذلك الحفظ والنصر. كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمَعُ وَأَرَى﴾ أي: أحفظكما ممن يريد كيدكما. وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون معنى: وأنا معه إذا ذكرني أن من ذكر الله في نفسه مفرغة مما سواه، رفع الله عن قلبه الغفلات والموانع، وصار كأنه يرى الله ويشاهده - وهي الحالة العليا التي هي: أن تذكر الله كأنك تراه، فإن لم تصل إلى هذه الحالة، فلا أقل من أن يذكره، وهو عالم بأن الله يسمعه ويراه. ومن كان هكذا كان الله له أنيسا إذا ناجاه، ومجيبا إذا دعاه، وحافظا له من كل ما يتوقعه ويخشاه، ورفيقا به يوم يتوفاه، ومحلا له من الفردوس أعلاه. و(قوله: فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) النفس: اسم مشترك يطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاة بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدم، والله تعالى منزه عن ذينك المعنيين، ويطلق ويراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيدا نفسه عينه، أي: ذاته. وقد يطلق ويراد به الغيب، كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعلَمُ مَا فِي نَفسِي وَلا أَعلَمُ مَا فِي نَفسِكَ﴾ أي: ما في غيبك. والأليق بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذكر الله تعالى خاليا منفردا بحيث لا يطلع أحد من الخليقة على ذكره، جازاه الله على ذلك بأن يذكره بما أعد له من كرامته التي أخفاها عن خليقته. حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وقد قلنا: إن التسليم هو الطريق المستقيم. و(قوله: وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) يعني: أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره الله في ملأ من الملائكة، أي: أثنى عليه، ونوه باسمه في الملائكة، وأمر جبريل أن ينادي بذكره في ملائكة السماوات كما تقدَّم، وهو ظاهر

стр. 4006

وَإِن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ منه ذِرَاعًا، وَإِن تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا، وَإِن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً. وفي رواية: إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني. رواه أحمد (٢/ ٢٥١)، والبخاريُّ (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢ و ١٩)، والترمذيُّ (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢). ــ في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحد القولين للعلماء. وللمسألة غور ليس هذا موضع ذكره. و(قوله: وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا. . . إلى قوله: أتيته هرولة) هذه كلها أمثال ضربت لمن عمل عملا من أعمال الطاعات، وقصد به التقرب إلى الله تعالى، يدلّ على أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل وإن قل، بل يقبله ويجعل له ثوابه مضاعفا. ولا يفهم من هذا الحديث: الخُطا: نقل الأقدام؛ إلا من ساوى الحمر في الأفهام. فإن قيل: مقتضى ظاهر هذا الخطاب: أن من عمل حسنة جوزي بمثليها، فإنَّ الذراع: شبران، والباع: ذراعان. وقد تقرر في الكتاب والسنة: أن أقل ما يجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا تحصى، فكيف وجه الجمع؟ قلنا: هذا الحديث ما سيق لبيان مقدار الأجور، وعدد تضاعيفها، وإنما سيق لتحقيق أن الله تعالى لا يضيع عمل عامل - قليلا كان أو كثيرا - وأن الله تعالى يسرع إلى قبوله، وإلى مضاعفة الثواب عليه، إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه، وتبشبش له بشبشة من سر به، ووقع منه الموقع، ألا ترى قوله: من (١) أتاني يمشي أتيته هرولة، وفي لفظ آخر: أسرعت إليه. ولا تتقدر الهرولة والإسراع بضعفي المشي، وأما عدد الأضعاف،

стр. 4007

[٢٦١٤] وعنه؛ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمدَانُ. فَقَالَ: سِيرُوا، هَذَا جُمدَانُ، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ، قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ. رواه أحمد (٢/ ٣٢٣)، ومسلم (٢٦٧٦)، والترمذيُّ (٣٥٩٦). * * * ــ فيؤخذ من موضع آخر، لا من هذا الحديث. والله أعلم. و(قوله: هذا جمدان) هو بضم الجيم وسكون الميم، وهو جبل بين قديد وعسفان من منازل أسلم. و(قوله: سبق المفردون) قال القاضي: ضبطته عن متقني شيوخنا بفتح الفاء وكسر الراء. قال الهروي: قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: فرد الرجل: إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وقال الأزهري: هم المتخلقون (١) من الناس بذكر الله تعالى. وقد فسرهم النبي ﷺ فقال: هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات. وقال في غير كتاب مسلم: هم المستهترون بذكر الله تعالى، يضع عنهم الذكر أوزارهم، فيردون يوم القيامة خفافا (٢). وإنما ذكر النبي ﷺ هذا القول عقيب قوله: هذا جمدان، لأن جمدان جبل منفرد بنفسه هنالك، ليس بحذائه جبل مثله، فكأنه تفرد هناك فذكره بهؤلاء المفردين. والله أعلم. وهؤلاء القوم سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السنية، وفي الآخرة إلى المنازل العلية. و(قوله: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) هذه الكثرة المذكورة هنا هي

стр. 4008

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المأمور بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذكُرُوا اللَّهَ ذِكرًا كَثِيرًا﴾ وهذا المساق يدلّ على أن هذا الذكر الكثير واجب، ولذلك لم يكتف بالأمر حتى أكده بالمصدر، ولم يكتف بالمصدر حتى أكده بالصفة، ومثل هذا لا يكون في المندوب. وظهر أنه ذكر كثير واجب، ولا يقول أحد بوجوب الذكر باللسان دائما، وعلى كل حال، كما هو ظاهر هذا الأمر، فتعين أن يكون ذكر القلب، كما قاله مجاهد. وقاله ابن عباس ﵄: ليس شيء من الفرائض إلا وله حد ينتهي إليه، إلا ذكر الله ولم يقل هو ولا غيره - فيما علمناه - أن ذكر الله باللسان، يجب على الدوام، فلزم أنه ذكر القلب، وإذا ثبت ذلك، فذكر القلب لله تعالى، إما على جهة الإيمان والتصديق بوجوده، وصفات كماله وأسمائه، فهذا يجب استدامته بالقلب ذكرا أو حكما في حال الغفلة؛ لأنَّه لا ينفك عنه إلا بنقيضه، وهو الكفر. والذكر الذي ليس راجعا إلى الإيمان: هو ذكر الله عند الأخذ في الأفعال، فيجب على كل مكلف ألا يقدم على فعل من الأفعال، ولا قول من الأقوال - ظاهرا ولا باطنا - إلا حتى يعرف حكم الله في ذلك الفعل؛ لإمكان أن يكون الشرع منعه منه، فإمَّا على طريق الاجتهاد إن كان مجتهدا، أو على طريق التقليد إن كان غير مجتهد، ولا ينفك المكلف عن فعل أو قول دائما، فذكر الله يجب عليه دائما، ولذلك قال بعض السلف: اذكر الله عند همك إذا هممت، وحكمك إذا حكمت، وقسمك إذا قسمت، وما عدا هذين الذكرين لا يجب استدامته ولا كثرته. والله أعلم. * * *

стр. 4009

(٢) باب فضل مجالس الذكر والاستغفار [٢٦١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ ﵎ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فضلًا يَتبعونَ مَجَالِسَ الذِّكرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجلِسًا فِيهِ ذِكرٌ قَعَدُوا مَعَهُم، وَحَفَّ بَعضُهُم بَعضًا بِأَجنِحَتِهِم حَتَّى يَملَؤوا مَا بَينَهُم وَبَينَ ــ (٢) ومن باب: فضل مجالس الذكر (قوله: إن لله ملائكة سيارة فضلا) بفتح الفاء وإسكان الضاد. رواية الشيوخ في مسلم والبخاري. أي: زيادة على كتاب الناس، وعند الهروي: فضل - برفع اللام - على أنه خبر مبتدأ. ووقع عند بعضهم: فُضُلا - بضم الفاء والضاد - وكأنه تأوله على أنه جمع فاضل، ولا تساعده العربية، ولا المعنى. وعند بعضهم: فضلاء - بضم الفاء وفتح الضاد والمد والهمز - كظرفاء. والملائكة وإن كانوا كلهم كذلك، فليس هذا موضع ذكر ذلك، والصواب التقييد الأول. و(قوله: فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم) هذه رواية السجزي والسمرقندي، أي: يحدقون حولهم، ومصداقها في البخاري: يحفونهم بأجنحتهم، وفي كتاب ابن عيسى: وحط - بحاء وطاء مهملتين - ومعناه: أشار بعضهم لبعض بالنزول، ووقع عند العذري: حظ: - بالظاء القائمة المعجمة - وعند بعضهم: بالساقطة، وليسا بشيء، وهما تصحيف. و(قوله: سيارة) يعني: سائرين، كما قال في رواية أخرى: سياحين. و(قوله: فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم) يعني: مجالس العلم والتذكير. وهي المجالس التي يذكر فيها كلام الله، وسنة رسوله، وأخبار السلف الصالحين، وكلام الأئمة الزهاد المتقدِّمين، المبرأة عن التصنع والبدع، والمنزهة عن المقاصد الردية والطمع، وهذه المجالس قد انعدمت في هذا الزمان، وعوض

стр. 4010

السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَسأَلُهُم اللَّهُ وَهُوَ أَعلَمُ: مِن أَينَ جِئتُم؟ فَيَقُولُونَ: جِئنَا مِن عِندِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحمَدُونَكَ وَيَسأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَل رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَي رَبِّ، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَستَجِيرُونَكَ، ــ منها الكذب والبدع، ومزامير الشيطان. نعوذ بالله من حضورها، ونسأله العافية من شرورها. و(قوله: فيسألهم - وهن أعلم -: من أين جئتم؟ ) هذا السؤال من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التنبيه للملائكة على قولها: ﴿أَتَجعَلُ فِيهَا مَن يُفسِدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وإظهار لتحقيق قوله: ﴿إِنِّي أَعلَمُ مَا لا تَعلَمُونَ﴾ وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة بأهل عرفة حين قال لهم: ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثا غبرا، أشهدكم أني قد غفرت لهم (١). وكذلك نُص عليه في الحديث. و(قوله: ويمجدونك) أي: يعظمونك بذكر صفات كمالك وجلالك. وقد تقدَّم: أن أصل المجد الكثرة، ومنه قولهم: في كل شجرة نار، واستمجد المرخ والعفار. و(قوله: كيف لو رأوا جنتي؟ ) هذا يدلّ على أن للمعاينة زيادة مزية على العلم في التحقيق والوضوح؛ فإنَّ هؤلاء القوم المتذكرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك فإنَّ الله تعالى قال: فكيف لو رأوها يعني: لو رأوها لحصل من اليقين والتحقيق زيادة على ما عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسى الرؤية، والخليل مشاهدة إحياء الموتى، وقد تقدَّم هذا المعنى.

стр. 4011

قَالَ: وَمِمَّ يَستَجِيرُونَنِي؟ قَالُوا: مِن نَارِكَ يَا رَبِّ، قَالَ: وَهَل رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكَيفَ لَو رَأَوا نَارِي؟ قَالُوا: وَيَستَغفِرُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: قَد غَفَرتُ لَهُم وَأَعطَيتُهُم مَا سَأَلُوا وَأَجَرتُهُم مِمَّا استَجَارُوا، قَالَ: يَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِم فُلَانٌ، عَبدٌ خَطَّاءٌ، إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُم، قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرتُ، هُم القَومُ لَا يَشقَى بِهِم جَلِيسُهُم. رواه أحمد (٢/ ٣٥٨)، ومسلم (٢٦٨٩). * * * ــ و(قول الملائكة: فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم) إنما استبعدت الملائكة أن يدخل هذا مع أهل المجلس في المغفرة؛ لأنَّه لم تكن عادته حضور مجالس الذكر، وإنما كانت عادته ملازمة الخطايا، فعرض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما قسم لهم من المغفرة والرحمة. فيستفاد منه الترغيب العظيم في حضور مجالس الذكر، ومجالسة العلماء والصالحين وملازمتهم. و(قوله: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) هذه مبالغة في إكرامهم، وزيادة في إعلاء مكانتهم، ألا ترى أنه أكرم جليسهم بنحو ما أكرموا به لأجلهم، وإن لم يشفعوا فيه، ولا طلبوا له شيئًا، وهذه حالة شريفة، ومنزلة منيفة، لا خيبنا الله منهم، وجعلنا من أهلها. * * *

стр. 4012

(٣) باب فضل إحصاء أسماء الله تعالى [٢٦١٦] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر. وفي رواية: وإن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا؛ من أحصاها دخل الجنة. رواه أحمد (٢/ ٢٦٧)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥ و ٦)، والترمذيُّ (٣٥٠٦)، وابن ماجه (٣٨٦٠). * * * ــ (٣) ومن باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى (قوله: لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا -) الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالة على معنى مفرد، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد، فلا فعل، ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا. وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال: إن الاسم هو المسمى حقيقة، كما قالت طائفة من جهال الحشوية؛ فإنَّهم صرحوا بذلك واعتقدوه حتى أُلزِموا على ذلك أن من قال: سم، مات، ومن قال: نار، احترق. وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم، وأما من قال من النحويين، ومن المتكلمين: الاسم هو المسمى، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة، وإنَّما أرادوا أنه هو من حيث أنه لا يدلّ إلا عليه، ولا يفيد إلا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد: دل

стр. 4013

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على تلك الذات، منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره. وبيان ذلك: أنك إذا قلت: زيد - مثلا - فهو يدلّ على ذات مشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان، فلو قلت - مثلا -: العالم؛ دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم، وكذلك لو قلت: الغني؛ دل ذلك على تلك الذات مع إضافة مال إليها، وكذلك لو قلت: الفقير؛ دل على تلك الذات مع سلب المال عنها، وهذا جار في كل ما يقال عليه اسم بالعرف العام. ومن هنا صح عقلا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة، ولا توجب تعددا فيها، ولا تكثيرا، وقد غمض فهم هذا - مع وضوحه - على بعض أئمة المتكلمين، وفر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الإله، حتى تأول هذا الحديث؛ بأن قال: إن الاسم فيه يراد به التسمية، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر، وهذا فرار من غير مفر إلى غير مفر، وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم، أو ذكر الاسم، فإنَّه يقال لمن سمى ابنه عند ولادته بزيد: سمى يسمي تسمية، وكذلك نقول لمن ذكر اسم زيد لغيره، وعلى هذا فالتسمية هي نسبة الاسم إلى مسماه، فإذا قلنا: إن لله تعالى تسعة وتسعين تسمية، اقتضى ذلك: أن يكون له تسعة وتسعون اسما ينسبها كلها إليه، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلف والتعسف، والحق ما ذكرناه، والمفهم الإله. وقد يقال: الاسم هو المسمى، ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم، قد يطلق ويراد به المسمى، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربك، فأريد بالاسم المسمى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر، ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى، ولا تركيب، لا عقليا كترتيب المحدودات، ولا محسوسا كترتيب الجسمانيات، وإنما تعددت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة أضرب؛ فمنها: ما يدلّ على الذات مجردة، كاسم الله تعالى، على قول من يقول:

стр. 4014

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إنه عَلَم غير مشتق، وهو الخليل وغيره؛ لأنَّه يدلّ على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال، دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد، ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به، فيقال: الرحمن: اسم الله، ولا يقال: الله اسم الرحمن، ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقا لكانت لامه زائدة، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العرب: يا لحارث ولا يا لعباس. ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق. ومنها: ما يدلّ على صفات الباري تعالى الثابتة له، كالعالم والقادر، والسميع والبصير. ومنها: ما يدلّ على إضافة أمر ما إليه، كالخالق، والرازق. ومنها: ما يدلّ على سلب شيء عنه، كالقدوس، والسلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة، دائرة بين النفي والإثبات، فاختبرها تجدها كذلك. و(قوله: مائة إلا واحدا) تأكيد للجملة الأولى، ليرفع به وهم متوهم في النطق أو الكتابة؛ لأنَّ تسعة مقاربة لسبعة فيهما. ومائة منصوبة بدل من تسعة. و(قوله: من أحصاها دخل الجنة) هذه الجملة خبر ثان للمائة المذكورة في الجملة الأولى، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودة لعينها، والجملة الأولى مقصودة لها، لا أن مقصودها حصر الأسماء فيما ذكر، وهذا كقول القائل: لزيد مائة دينار، أعدها للصدقة، لا يفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المائة دينار، وإنما يفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها. وقد دل على أن لله أسماء أخر ما قدمناه من قوله ﷺ : اللهم إني أسالك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك (١) وقوله: فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن

стр. 4015

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يلهمنيها الله (١). وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة، فجمعوها في كتبهم، كالخطابي، والقشيري، وغيرهما، فمن أرادها وجدها. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا، وزاد فيه ذكر الأسماء وتعديدها إلى تسعة وتسعين، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث (٢). والإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب؛ أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَحصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾ والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يقال: رجل ذو حصاة؛ أي: ذو لب وفهم، ومنه سمي العقل: حصاة، قال كعب بن سعد الغنوي: وأن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل والثالثة (٣): بمعنى الإطاقة على العمل والقوة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَن لَن تُحصُوهُ﴾ أي: لن تطيقوا العمل بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحَّة النية، أن يدخله الله الجنة، لكن المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصديقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشار إليه الطوسي في المقصد الأسنى. و(قوله: والله وتر يحب الوتر) قد تقدَّم أن الوتر: الفرد، والشفع: الزوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنَّه واحد في ذاته فلا انقسام له، وواحد في إلهيته، فلا نظير له، وواحد في مُلكه ومِلكه فلا شريك له

стр. 4016

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ و(قوله: يحب الوتر) ظاهره: أن الوتر هنا للجنس، لا معهود جرى ذكره يحمل عليه، فيكون معناه على هذا: أنه يحب كل وتر شرعه، وأمر به، كالمغرب، فإنها وتر صلاة النهار، ووتر صلاة الليل، وكالصلوات الخمس، فإنَّها وتر، وكالوتر في مرار الطهارة، وغسل الميت، ونحو هذا مما شرع فيه الوتر، ومعنى محبته لهذا النوع: أنه أمر به، وأثاب عليه. ويصلح ذلك للعموم لما خلقه وترا من مخلوقاته، كالسماوات السبع والأرضين السبع، والذراري السبع، وكآدم الذي خلقه من تراب، وعيسى الذي خلقه من غير أب، وهكذا كل ما خلقه الله وترا من مخلوقاته، ومعنى محبته لهذا النوع أنه خصصها بذلك لِحَكَم علمها، وأمور قدرها. ويحتمل أن يريد بذلك الوتر واحدا بعينه، فقيل: هو صلاة الوتر، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: يوم عرفة، وقيل: آدم، وقيل غير ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون معناه منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص والاختصاص. قلت: وهذه الأقوال كلها متكافئة، وأشبه ما تقدَّم: حمله على العموم، وقد ظهر لي وجه، وأرجو أن يكون أولى بالمقصود، وهو أن الوتر يراد به التوحيد، فيكون معناه: إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحّد ويعتقد انفراده دون خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره وباطنه. * * *

стр. 4017

(٤) باب فضل قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له [٢٦١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَت لَهُ عَدلَ عَشرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ بها مائةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَت عَنهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، ــ (٤ و ٥) ومن باب: فضل التهليل والتسبيح والتحميد (١) (قوله في حديث أبي هريرة ﵁: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة) يعني: أن ثواب هذه الكلمات بمنزلة ثواب من أعتق عشر رقاب، وقد تقدَّم في العتق: أن من أعتق رقبة واحدة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار، ثم يزاد مع ذلك كتب مائة حسنة، ومحو مائة سيئة، يجمع ذلك كله له، وكل واحد من هذه الحسنات مضاعفة بعشر، كما قال تعالى ﴿مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا﴾ وكما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ المذكور بعد هذا، وهذا الحديث وجميع ما في الباب من الأحاديث يدلّ على: أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال كلها، وقد صرح بهذا المعنى في آخر هذا الحديث حين قال: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك. وأنص ما في هذا الباب ما خرجه مالك عن أبي الدرداء قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها

стр. 4018

وَكَانَت لَهُ حِرزًا مِن الشَّيطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمسِيَ، وَلَم يَأتِ أَحَدٌ بأَفضَلَ ــ عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكر الله (١). وهذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه، ولا بنظره؛ فإنه لا يتوصل إليه برأيه، فلا يقوله إلا عن النبي ﷺ ، غير أنه سكت عن رفعه للعلم بذلك عند من حدثه بذلك. وقد رواه الترمذي مرفوعا (٢)، والله تعالى أعلم. و(قوله: وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي) يعني: أن الله تعالى يحفظه من الشيطان في ذلك اليوم فلا يقدر منه على زلة ولا وسوسة ببركة تلك الكلمات. قلت: وهذه الأجور العظيمة، والعوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأملها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين؛ فإن لم يكن، فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسان في الذكر؛ فإنَّه من أعظم العبادات. وقد قال ﷺ فيما قدمناه في الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك (٣). ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين، كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجد في بعضها ثوابا عظيما مضاعفا، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقل، كما اتفق هنا في حديث أبي هريرة

стр. 4019

مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكثَرَ مِن ذَلِكَ، وَمَن قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّت خَطَايَاهُ وَلَو كَانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ. رواه أحمد (٢/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٣٢٩٣)، ومسلم (٢٦٩١)، والترمذيُّ (٣٤٦٨)، وابن ماجه (٣٧٩٨). [٢٦١٨] وعن أبي أيوب، عن رسول الله ﷺ قال: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل. رواه البخاريُّ (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، والترمذيُّ (٣٥٨٤). * * * ــ المتقدم، فإنَّ فيه: ما ذكرناه من الثواب، وتجد تلك الأذكار بأعيانها وقد علق عليها من ثواب عتق الرقاب أكثر مما علقه على حديث أبي هريرة، وذلك أنه قال في حديث أبي هريرة: من قال ذلك في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وفي حديث أبي أيوب: من قالها عشر مرات كانت له عدل أربع رقاب. وعلى هذا فمن قال ذلك مائة مرة كانت له عدل أربعين رقبة، وكذلك تجده في غير هذه الأذكار، فيرجع الاختلاف الذي في الأجور لاختلاف أحوال الذاكرين، وبهذا يرتفع الاضطراب بين أحاديث هذا الباب، والله الموفق للصواب. و(قوله: إلا أحد عمل أكثر من ذلك) أي: قال، فسمى القول عملا، كما قد صرح به في الرواية الأخرى. والذكر من الأعمال التي لا تنفع إلا بالنية والإخلاص.

стр. 4020

(٥) باب فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير [٢٦١٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن قَالَ حِينَ يُصبِحُ وَحِينَ يُمسِي: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ، مِائَةَ مَرَّةٍ، لَم يَأتِ أَحَدٌ يَومَ القِيَامَةِ بِأَفضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثلَ مَا قَالَ، أَو زَادَ عَلَيهِ. رواه أحمد (٢/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٦٤٠٥)، ومسلم (٢٦٩٢)، والترمذيُّ (٣٤٦٦)، وابن ماجه (٣٨١٢). [٢٦٢٠] وعنه قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحمَنِ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ سُبحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٢)، والبخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤)، والترمذي (٣٤٦٧). [٢٦٢١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَن أَقُولَ سُبحَانَ اللَّهِ وَالحَمدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ. رواه مسلم (٢٦٩٥)، والترمذي (٣٥٩٧). ــ و(قوله: لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) أي: من أن تكون له الدنيا بكليتها، فيحتمل أن يكون هذا على جهة الإغياء على طريقة العرب في ذلك. ويحتمل أن يكون معنى ذلك:

стр. 4021

[٢٦٢٢] وعن سعد بن أبي وقاص، قال: جَاءَ أَعرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: عَلِّمنِي كَلَامًا أَقُولُهُ، قَالَ: قُل: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكبَرُ كَبِيرًا وَالحَمدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ قَالَ: قُل: اللَّهُمَّ اغفِر لِي وَارحَمنِي وَاهدِنِي وَارزُقنِي. وزاد من حديث أبي مالك الأشجعي: وعافني. ويجمع أصابعه إلى الإبهام، ــ أن تلك الأذكار أحب إليه من أن تكون له الدنيا فينفقها في سبيل الله، وفي أوجه البر والخير، وإلا فالدنيا من حيث هي دنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وكذلك هي عند أنبيائه وأهل معرفته، فكيف تكون أحب إليه من ذكر أسماء الله وصفاته، التي يحصل بها ذلك الثواب العظيم، والحظ الجزيل؟ و(قوله: الله أكبر كبيرا) نصب (كبيرا) على أنه مفعول بفعل مضمر، تقديره: أكبر كبيرا، هذا قول بعض النحويين. و(قوله: والحمد لله كثيرا) نصب (كثيرا) على: أنه نعت لمصدر محذوف. كأنه قال: والحمد لله حمدا كثيرا. و(قوله: فهؤلاء لربي) أي: هؤلاء الكلمات هي حق الله تعالى؛ إذ هي أوصافه. فما لي؟ أي: فما الذي أذكره لحقي وحظي؟ فدله ﷺ على دعاء يشمل له مصالح الدنيا والآخرة، فقال: قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، وعافني أي: اغفر لي ذنوبي السالفة، وارحمني بنعمك المتوالية، واهدني إلى السبيل الموصل إليك، وارزقني ما أستعين به على ذلك، ويغنيني عن غيرك، وعافني عما ينقض لي شيئًا أو ينقصه. و(قوله: ويجمع بين أصابعه) أي: عند الكلمات المدعو بها عليك، تمكينا لها في النفس، وضبطا لها في الحفظ.

стр. 4022

قال: فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك. رواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (٢٦٩٦). [٢٦٢٣] وعن سعد بن أبي وقاص قال: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَيَعجِزُ أَحَدُكُم أَن يَكسِبَ كُلَّ يَومٍ أَلفَ حَسَنَةٍ؟ فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِن جُلَسَائِهِ: كَيفَ يَكسِبُ أَحَدُنَا أَلفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسبِيحَةٍ فَيُكتَبُ لَهُ أَلفُ حَسَنَةٍ أَو يُحَطُّ عَنهُ أَلفُ خَطِيئَةٍ. رواه أحمد (١/ ١٨٥)، ومسلم (٢٦٩٨)، والترمذيُّ (٣٤٦٣). * * * ــ و(قوله: فإنَّ هؤلاء تجمع دنياك وآخرتك) أي: هذه الدعوات تجمع لك خيرات الدارين، وتكفيك شرورهما. و(قوله: يكتب الله له ألف حسنة أو يحط) كذا وقع هذا اللفظ في بعض النسخ بألف قبل الواو، وفي بعضها بإسقاط الألف، وهو صحيح رواية ومعنى؛ لأن الله قد جمع ذلك كله لقائل تلك الكلمات كما تقدم، ولو صحت رواية الألف لحملت على المذهب الكوفي في أن (أو) تكون بمعنى الواو. * * *

стр. 4023

(٦) باب يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله [٢٦٢٤] عن أبي موسى، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر - وفي رواية: في غزاة - فَجَعَلَ النَّاسُ يَجهَرُونَ بِالتَّكبِيرِ. وفي رواية: فجعل رجل كلما علا ثنية نادى: لا إله إلا الله والله أكبر، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يا أَيُّهَا النَّاسُ اربَعُوا عَلَى أَنفُسِكُم؛ إِنَّكُم لَسَتم تَدعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُم تَدعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُم، قَالَ: وَأَنَا خَلفَهُ وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ قَيسٍ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنزٍ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ؟ فَقُلتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: قُل: لَا حَولَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. ــ [(٦) ومن باب: يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم، وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله] (١). (قوله ﷺ : أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لستم تدعون أصم ولا غائبا) أي: ارفقوا. يقال: ربع الرجل يربع: إذا وقف وتحبس، ومنه قولهم: اربع على ضلعك، أي: ارفق بنفسك. وإنما قال: لستم تدعون أصم ولا غائبا لأنهم رفعوا أصواتهم كما ترفع لمن كان أصم أو غائبا. ثم قال: تدعون سميعا قريبا، وهو معكم. ثم مثل لهم بما بين أيديهم فيما يحسونه ويدركونه، فقال: تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته؟ فهذه معية وقرب بالاطلاع والمشاهدة، لا بالمكان والزمان.

стр. 4024

وفي رواية: والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم. رواه أحمد (٤/ ٣٩٤)، والبخاري (٦٣٨٤)، ومسلم (٢٧٠٤) (٤٤ - ٤٦). * * * (٧) باب تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مائة مرة [٢٦٢٥] عن الأغر المزني - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ قال: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة. رواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤١)، وأبو داود (١٥١٥). ــ [(٧) ومن باب: تجديد التوبة والاستغفار في اليوم مائة مرة] (١) (قوله: إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) ليغان: ليغطى، والغين: التغطية، ومنه يقال للغيم: الغين، لأنه يغطي. ولا يظن أن أحدا قال: إن قلب النبي ﷺ تأثر بسبب ذنب وقع منه بغين أو رين، أو طبع عليه، فإنَّ من جوز الصغائر على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يقل: إنها إذا وقعت منهم أثرت في قلوبهم كما تؤثر الذنوب في قلوب العصاة، بل: هم مغفور لهم ومكرمون، وغير مؤاخذين بشيء من ذلك، فثبت بهذا أن ذلك الغين ليس هو بسبب ذنب، ولكن اختلفوا في ذلك الغين. فقالت طائفة: إنه عبارة عن فترات وغفلات عن

стр. 4025

[٢٦٢٦] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس توبوا إلى الله، ــ الذكر الذي كان دأبه، فكان يستغفر الله من تلك الفترات (١)، وقيل: كان ذلك بسبب ما اطلع عليه من أحوال أمته، وما يكون منها بعده، فكان يستغفر الله لهم. وقيل: كان ذلك لما يشغله من النظر في أمور أمته ومصالحهم، ومحاربة عدوه عن عظيم مقامه، فكان يرى أن ذلك - وإن كان من أعظم الطاعات وأفضل الأعمال - نزول عن علو درجاته ورفعة مقامه، فيستغفر ربه من ذلك، وقيل: كان ذلك حال خشية وإعظام لله تعالى، والاستغفار الذي صدر منه لم يكن لأجل ذلك الغين، بل للقيام بالعبادة، ألا ترى قوله في الحديث: إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله فأخبر بأمرين مستأنفين ليس أحدهما معلقا على آخر. وقال بعض أرباب الإشارات: إن النبي ﷺ كان دائم الترقي في المقامات، سريع التنقل في المنازلات، فكان إذا ترقى من مقام إلى غيره اطلع على المنتقل عنه، فظهر له: أنه نقص بالنسبة إلى المنتقل إليه، فكان يستغفر الله من الأول ويتوب منه. كما قال في الحديث. وقد أشار الجنيد ﵀ إلى هذا بقوله: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والله تعالى أعلم. و(قوله: يا أيها الناس توبوا إلى الله) أمر على جهة الوجوب، كما قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤمِنُونَ﴾ وكما قال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا﴾ وقال: ﴿وَمَن لَم يَتُب فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولا خلاف أنها واجبة على كل من أذنب، وهي في اللغة: الرجوع. يقال: تاب وثاب وأثاب وأناب وآب، بمعنى: رجع. وهي في الشرع: الرجوع عما هو مذموم في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وسيأتي استيفاء الكلام فيها في الرقائق، إن شاء الله تعالى.

стр. 4026

فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة. رواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، ومسلم (٢٧٠٢) (٤٢). * * * ــ و(قوله: فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا يدل على التوبة، وأن الإنسان مهما ذكر ذنبه جدد التوبة؛ لأنَّه من حصول الذنب على يقين، ومن الخروج عن عقوبته على شك، فحق التائب أن يجعل ذنبه نصب عينيه، وينوح دائما عليه، حتى يتحقق أنه قد غفر له ذنبه، ولا يتحقق أمثالنا ذلك إلا بلقاء الله تعالى، فواجب عليه ملازمة الخوف من الله تعالى، والرجوع إلى الله بالندم على ما فعل، وبالعزم على ألا يعود إليه، والإقلاع عنه. ثم لو قدرنا أنه تحقق أنه غفر له ذلك الذنب تعينت عليه وظيفة الشكر، كما قال ﷺ : أفلا أكون عبدا شكورا؟ (١) وإنَّما أخبر النبي ﷺ بأنه يكرر توبته كل يوم مع كونه مغفورا له، ليُلحق به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأنَّ غيره يقول: إذا كانت حال من تحقق مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال من هو من ذلك في شك أحرى وأولى، وكذلك القول في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئا يتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسم بحسب حال من صدر منه ذلك الشيء، فتوبة العوام من السيئات، وتوبة الخواص من الغفلات، وتوبة خواص الخواص من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعض أرباب القلوب، وهو كلام حسن في نفسه، بالغ في فنه. * * *

стр. 4027

(٨) باب ليحقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه [٢٦٢٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء؛ فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له. ــ (٨) ومن باب: قوله: ليُحَقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه. قوله: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت) إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل، وإلا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يُتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه، وأيضًا فإنَّه لا يكون موقنا بالإجابة، وقد قال ﷺ : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه (١). ثم إن النبي ﷺ لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه فقال: ليعزم في الدعاء أي: ليجزم في طلبته، وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة؛ فإنَّه إذا فعل ذلك: دل على علمه بعظيم قدر ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنه مفتقر لما يطلب، مضطر إليه، وقد وعد الله المضطر بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ و(قوله: فإنَّ الله صانع ما شاء لا مكره له) إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ لأنَّ الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيء، دعاء ولا

стр. 4028

رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩) (٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٨٢)، وابن ماجه (٣٨٥٤). [٢٦٢٨] ونحوه عن أنس. رواه أحمد (٣/ ١٠١)، والبخاري (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨). * * * (٩) باب في أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ [٢٦٢٩] عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال: ــ غيره، بل يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء، ولذلك قيد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في قوله: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾ فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما هذا سبيله، فأما اشتراطها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه. (٩) ومن باب: أكثر ما كان النبي ﷺ يدعو به إنما كان أكثر دعاء النبي ﷺ بقوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ لأنَّها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن حسنة نكرة في سياق الطلب، فكانت عامة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة. وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدلّ على عدم التوقيف، وعلى قلة التأمل لموضع الكلمات، فقيل: الحسنة في الدنيا هي: العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقيل: العافية والعاقبة. وقيل: المال وحسن المآل،

стр. 4029

وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه. رواه أحمد (٣/ ٢٠٨)، ومسلم (٢٦٩٠) (٢٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٤). [٢٦٣٠] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟ فقال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله، لا تطيقه - أو: لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وفي رواية: فدعا الله له، فشفاه. رواه أحمد (٣/ ١٠٧)، ومسلم (٢٦٨٨) (٢٣)، والترمذيُّ (٣٤٨٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣). * * * ــ وقيل: المرأة الصالحة والحور العين، والصحيح: الحمل على العموم، والله أعلم. و(قوله: إنه ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت حتى صار مثل الفرخ) أي: ضعف ونحل في جسمه، وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ: يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه. ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة. و(قوله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه) يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد

стр. 4030

(١٠) باب ما يدعى به وما يتعوذ منه [٢٦٣١] عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي - في رواية: في بيتي - قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا - وفي رواية: كثيرا - ــ في الدنيا؛ لأنَّ نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد والألم العظيم، بل إذا عظم عليه ذلك هلك ومات، فأمَّا نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم، أو في عذاب، إذ لا موت، كما قال في حق الكفار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ - فنسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة - ثم إن النبي ﷺ أرشده إلى أحسن ما يقال، وهو قوله: آتنا في الدنيا حسنة. (١٠) ومن باب: ما يدعى به وما يتعوذ منه (قول أبي بكر ﵁: علمني دعاء أدعو به في صلاتي) إنما خص الصلاة؛ لأنَّها بالإجابة أجدر، وقد قال ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) (١). وقد تقدَّم: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وظلم الإنسان لنفسه هو تركها مع هواها حتى يصدر عنها من المعاصي ما يوجب عقوبتها. وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها أو بالعفو عنها. و(قوله: فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: تفضلا من عندك، وإن لم أكن لها أهلا، وإلا فالمغفرة والرحمة، وكل شيء من عنده تعالى. وقد أكد ذلك قوله: وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم أي: لأنك الكثير المغفرة والرحمة،
следующие страницы →