فإني أتوب في اليوم إليه مائة مرة.
رواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، ومسلم (٢٧٠٢)(٤٢).
* * *
ــ
و(قوله: فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة) هذا يدل على التوبة، وأن الإنسان مهما ذكر ذنبه جدد التوبة؛ لأنَّه من حصول الذنب على يقين، ومن الخروج عن عقوبته على شك، فحق التائب أن يجعل ذنبه نصب عينيه، وينوح دائما عليه، حتى يتحقق أنه قد غفر له ذنبه، ولا يتحقق أمثالنا ذلك إلا بلقاء الله تعالى، فواجب عليه ملازمة الخوف من الله تعالى، والرجوع إلى الله بالندم على ما فعل، وبالعزم على ألا يعود إليه، والإقلاع عنه. ثم لو قدرنا أنه تحقق أنه غفر له ذلك الذنب تعينت عليه وظيفة الشكر، كما قال ﷺ : أفلا أكون عبدا شكورا؟ (١) وإنَّما أخبر النبي ﷺ بأنه يكرر توبته كل يوم مع كونه مغفورا له، ليُلحق به غيرُه نفسَه بطريق الأولى؛ لأنَّ غيره يقول: إذا كانت حال من تحقق مغفرة ذنوبه هكذا، كانت حال من هو من ذلك في شك أحرى وأولى، وكذلك القول في الاستغفار والتوبة يقتضي شيئا يتاب منه؛ إلا أن ذلك منقسم بحسب حال من صدر منه ذلك الشيء، فتوبة العوام من السيئات، وتوبة الخواص من الغفلات، وتوبة خواص الخواص من الالتفات إلى الحسنات، هكذا قاله بعض أرباب القلوب، وهو كلام حسن في نفسه، بالغ في فنه.
* * *
стр. 4027
(٨) باب ليحقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه
[٢٦٢٧] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء؛ فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له.
ــ
(٨) ومن باب: قوله: ليُحَقق الداعي طلبته وليعزم في دعائه.
قوله: لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت) إنما نهى الرسول ﷺ عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة، وقلة التهمم بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن: أن هذا المطلوب إن حصل، وإلا استغني عنه، ومن كان هذا حاله لم يُتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة اكتراثه بذنوبه، وبرحمة ربه، وأيضًا فإنَّه لا يكون موقنا بالإجابة، وقد قال ﷺ : ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه (١). ثم إن النبي ﷺ لم يكتف بالنهي عن ذلك حتى أمر بنقيضه فقال: ليعزم في الدعاء أي: ليجزم في طلبته، وليحقق رغبته ويتيقن الإجابة؛ فإنَّه إذا فعل ذلك: دل على علمه بعظيم قدر ما يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنه مفتقر لما يطلب، مضطر إليه، وقد وعد الله المضطر بالإجابة بقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
و(قوله: فإنَّ الله صانع ما شاء لا مكره له) إظهار لعدم فائدة تقييد الاستغفار والرحمة بالمشيئة؛ لأنَّ الله تعالى لا يضطره إلى فعل شيء، دعاء ولا
стр. 4028
رواه أحمد (٢/ ٢٤٣)، والبخاريُّ (٦٣٣٩)، ومسلم (٢٦٧٩)(٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٥٨٢)، وابن ماجه (٣٨٥٤).
[٢٦٢٨] ونحوه عن أنس.
رواه أحمد (٣/ ١٠١)، والبخاري (٦٣٣٨)، ومسلم (٢٦٧٨).
* * *
(٩) باب في أكثر ما كان يدعو به النبي ﷺ
[٢٦٢٩] عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها النبي ﷺ يقول: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. قال:
ــ
غيره، بل يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء، ولذلك قيد الله تعالى الإجابة بالمشيئة في قوله: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾ فلا معنى لاشتراط مشيئته فيما هذا سبيله، فأما اشتراطها في الإيمان فقد تقدَّم القول فيه.
(٩) ومن باب: أكثر ما كان النبي ﷺ يدعو به
إنما كان أكثر دعاء النبي ﷺ بقوله: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة؛ لأنَّها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن حسنة نكرة في سياق الطلب، فكانت عامة، فكأنه يقول: أعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة. وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدلّ على عدم التوقيف، وعلى قلة التأمل لموضع الكلمات، فقيل: الحسنة في الدنيا هي: العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة، وقيل: العافية والعاقبة. وقيل: المال وحسن المآل،
стр. 4029
وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.
رواه أحمد (٣/ ٢٠٨)، ومسلم (٢٦٩٠)(٢٦)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٤).
[٢٦٣٠] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت فصار مثل الفرخ، فقال رسول الله ﷺ : هل كنت تدعو بشيء، أو تسأله إياه؟ فقال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله، لا تطيقه - أو: لا تستطيعه - أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وفي رواية: فدعا الله له، فشفاه.
رواه أحمد (٣/ ١٠٧)، ومسلم (٢٦٨٨)(٢٣)، والترمذيُّ (٣٤٨٧)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣).
* * *
ــ
وقيل: المرأة الصالحة والحور العين، والصحيح: الحمل على العموم، والله أعلم.
و(قوله: إنه ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت حتى صار مثل الفرخ) أي: ضعف ونحل في جسمه، وخفي كلامه، وتشبيهه له بالفرخ: يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه. ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة.
و(قوله ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه) يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد
стр. 4030
(١٠) باب ما يدعى به وما يتعوذ منه
[٢٦٣١] عن أبي بكر الصديق ﵁، أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي - في رواية: في بيتي - قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كبيرا - وفي رواية: كثيرا -
ــ
في الدنيا؛ لأنَّ نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد والألم العظيم، بل إذا عظم عليه ذلك هلك ومات، فأمَّا نشأة الآخرة فهي للبقاء، إما في نعيم، أو في عذاب، إذ لا موت، كما قال في حق الكفار: ﴿كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ﴾ - فنسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة - ثم إن النبي ﷺ أرشده إلى أحسن ما يقال، وهو قوله: آتنا في الدنيا حسنة.
(١٠) ومن باب: ما يدعى به وما يتعوذ منه
(قول أبي بكر ﵁: علمني دعاء أدعو به في صلاتي) إنما خص الصلاة؛ لأنَّها بالإجابة أجدر، وقد قال ﷺ : أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء) (١). وقد تقدَّم: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وظلم الإنسان لنفسه هو تركها مع هواها حتى يصدر عنها من المعاصي ما يوجب عقوبتها. وغفران الذنوب: هو سترها بالتوبة منها أو بالعفو عنها.
و(قوله: فاغفر لي مغفرة من عندك) أي: تفضلا من عندك، وإن لم أكن لها أهلا، وإلا فالمغفرة والرحمة، وكل شيء من عنده تعالى. وقد أكد ذلك قوله: وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم أي: لأنك الكثير المغفرة والرحمة،
стр. 4031
ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم.
رواه أحمد (١/ ٣)، والبخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥)(٤٨)، والنسائي (٣/ ٥٣)، وابن ماجه (٣٨٣٥).
[٢٦٣٢] وعن عائشة، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدعُو بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَفِتنَةِ القَبرِ وَعَذَابِ القَبرِ، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الغِنَى، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ الفَقرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ
ــ
لا لأني أستحق ذلك، وقد استحب بعض العلماء أن يدعى بهذا الدعاء في الصلاة قبل التسليم، والصلاة كلها عند علمائنا محل للدعاء، غير أنه يكره الدعاء في الركوع، وأقربه للإجابة: السجود، كما قلناه. وقد قدمنا: أنه يجوز أن يدعى في الصلاة بكل دعاء كان بألفاظ القرآن، أو بألفاظ السنة أو غيرها؛ خلافا لمن منع ذلك إذا كان بألفاظ الناس، وهو أحمد بن حنبل وأبو حنيفة.
و(قوله: اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب القبر) الفتنة هنا: هي ضلال أهل النار المفضي بهم إلى عذاب النار. وفتنة القبر: هي الضلال عن صواب إجابة الملكين فيه، وهما: منكر ونكير - كما تقدَّم - وعذاب القبر: هو ضرب من لم يوفق للجواب بمطارق الحديد، وتعذيبه إلى يوم القيامة. وشر فتنة الغنى: هي الحرص على الجمع للمال، وحبه حتى يكتسبه من غير حله، وبمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه. وشر فتنة الفقر: يعني به: الفقر المدقع الذي لا يصحبه صبر ولا ورع، حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الأديان، ولا بأهل المروءات، حتى لا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب، ولا في أي ركاكة تورط، وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها. وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يدلّ على أن الغنى أفضل من الفقر، ولا أن الفقر أفضل
стр. 4032
المَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغسِل خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلجِ وَالبَرَدِ، وَنَقِّ قَلبِي مِن الخَطَايَا كَمَا نَقَّيتَ الثَّوبَ الأَبيَضَ مِن الدَّنَسِ، وَبَاعِد بَينِي وَبَينَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدتَ بَينَ المَشرِقِ وَالمَغرِبِ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن الكَسَلِ وَالهَرَمِ وَالمَأثَمِ وَالمَغرَمِ.
رواه أحمد (٦/ ٨٨)، والبخاريُّ (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩) في كتاب الذكر (٤٩)، والترمذيُّ (٣٤٩٥)، وابن ماجه (٣٨٣٨).
[٢٦٣٣] وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والهرم والبخل.
وفي رواية: وأرذل العمر - وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات.
رواه أحمد (٣/ ١١٣)، والبخاريُّ (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦) (٥٠ و ٥٢)، والنسائي (٨/ ٢٥٨).
ــ
من الغنى؛ لأنَّ الغنى والفقر المذكورين هنا مذمومان باتفاق العقلاء. وقد تكلمنا على مسألة التفضيل فيما تقدَّم. والكسل المتعوذ منه هو التثاقل عن الطاعات، وعن السعي في تحصيل المصالح الدينية والدنيوية. والعجز المتعوذ منه: هو عدم القدرة على تلك الأمور. والهرم المتعوذ منه: هو المعبر عنه في الحديث الآخر: بأرذل العمر، وهو: ضعف القوى، واختلال الحواس والعقل الذي يعود الكبير بسببه إلى أسوأ من حال الصغير، وهو الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمَن نُعَمِّرهُ نُنَكِّسهُ فِي الخَلقِ أَفَلا يَعقِلُونَ﴾
стр. 4033
[٢٦٣٤] وعن أبي هريرة، أن النبي ﷺ كان يتعوذ من سوء القضاء ومن درك الشقاء، ومن شماتة الأعداء، ومن جهد البلاء. قال سفيان بن عيينة: أشك أني زدت واحدة منها.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٦)، والبخاريُّ (٦٦١٦)، ومسلم (٢٧٠٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٩).
* * *
ــ
و(قوله: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من سوء القضاء، ومن درك الشقاء) يروى بفتح الراء وبإسكانها، فبالفتح: الاسم، وبالإسكان: المصدر، وهما متقاربان، والمتعوذ منه: أن يلحقه شقاء في الدنيا يتعبه (١)، ويثقله، وفي الآخرة: يعذبه. وجهد البلاء: يروى بفتح الجيم وضمها. قال ابن دريد: هما لغتان بمعنى واحد، وهو: التعب والمشقة، وقال غيره - وهو نفطويه - بالضم، وهو الوسع والطاقة، وبالفتح: المبالغة والغاية. وروي عن ابن عمر ﵄ قال: جهد البلاء: قلة المال وكثرة العيال. وشماتة الأعداء: هي ظفرهم به، أو فرحهم بما يلحقه من الضرر والمصائب. وقد جاء هذا الدعاء مسجعا - كما ترى الآن - ذلك السجع لم يكن متكلفا، وإنَّما يكره من ذلك ما كان متكلفا - كما تقدم - وإنَّما دعا النبي ﷺ بهذه الدعوات، وتعوذ بهذه التعوذات إظهارا للعبودية، وبيانا للمشروعية؛ ليقتدى بدعواته ويتعوذ بتعويذاته، والله أعلم.
* * *
стр. 4034
(١١) باب ما يقول إذا نزل منزلا وإذا أمسى
[٢٦٣٥] عن خولة بنت حكيم السلمية، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.
وفي رواية: قال ﵊: إذا نزل أحدكم منزلا فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. . . وذكره.
رواه أحمد (٦/ ٣٧٧)، ومسلم (٢٧٠٨)، والترمذيُّ (٣٤٣٧).
ــ
(١١) ومن باب: ما يقول إذا نزل منزلا وعند النوم
(قوله: إذا نزل أحدكم منزلا، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) قيل: معناه: الكاملات اللاتي لا يلحقها نقص، ولا عيب، كما يلحق كلام البشر. وقيل: معناه: الشافية الكافية. وقيل: الكلمات هنا هي: القرآن؛ فإنَّ الله تعالى قد أخبر عنه بأنه هدى وشفاء، وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به الأذى، ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى، والتجاء إليه، كان ذلك من باب المندوب إليه، المرغب فيه. وعلى هذا فحق المتعوذ بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه.
و(قوله: فإنَّه لا يضره شيء حتى يرتحل منه) هذا خبر صحيح، وقول صادق، علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه، فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا، فتفكرت في نفسي، فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات، فقلت لنفسي - ذاما لها وموبخا - ما قاله صلى الله عليه وسلم
стр. 4035
[٢٦٣٦] وعن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ قال: أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق؛ لم تضرك.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٧٠٩).
* * *
(١٢) باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وما بعد ذلك
[٢٦٣٧] عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: إذا أخذت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم
ــ
للرجل الملدوغ: أما إنك لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. لم تضرك.
[(١٢) ومن باب: ما يقول عند النوم وأخذ المضجع وما بعد ذلك (١)]
(قوله: إذا أخذت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن) هذا الأمر على جهة الندب؛ لأنَّ النوم وفاة، وربما يكون موتا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوتِهَا وَالَّتِي لَم تَمُت فِي مَنَامِهَا فَيُمسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا المَوتَ وَيُرسِلُ الأُخرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ولما كان الموت
стр. 4036
قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت
ــ
كذلك ندب النبي ﷺ النائم إلى أن يستعد للموت بالطهارة، والاضطجاع على اليمين، على الهيئة التي يوضع عليها في قبره. وقيل: الحكمة في الاضطجاع على اليمين، أن يتعلق القلب إلى الجانب الأيمن، فلا يثقل النوم، وفيه دليل على: أن النوم على طهارة كاملة أفضل، ويتأكد الأمر في حق الجنب، غير أن الشرع قد جعل وضوء الجنب عند النوم بدلا من غسله تخفيفا عنه، وإلا فذلك الأصل يقتضي: ألا ينام حتى يغتسل. وقد تقدَّم القول في الأمر في حق الجنب عند النوم والطهارة.
و(قوله: قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفي رواية: نفسي بدل: وجهي) وكلاهما بمعنى: الذات والشخص. فكأنه قال: أسلمت ذاتي وشخصي. وقد قيل: إن معنى الوجه: القصد، والعمل الصالح، ولذلك جاء في رواية: أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك فجمع بينهما، فدل ذلك على أنهما أمران متغايران كما قلناه. ومعنى أسلمت: سلمت، واستسلمت، أي: سلمتها لك؛ إذ لا قدرة لي على تدبيرها، ولا على جلب ما ينفعها، ولا على دفع ما يضرها، بل: أمرها إليك مسلم تفعل فيها ما تريد، واستسلمت لما تفعل فيها، فلا اعتراض على ما تفعل، ولا معارضة.
و(قوله: وفوضت أمري إليك) أي: توكلت عليك في أمري كله؛ لتكفيني همه، وتتولى إصلاحه.
و(قوله: وألجأت ظهري إليك) أي: أسندته إليك لتقويه وتعينه على ما ينفعني؛ لأنَّ من استند إلى شيء تقوى به، واستعان.
و(قوله: رغبة ورهبة إليك) أي: طمعا في رفدك وثوابك، وخوفا منك ومن أليم عقابك.
стр. 4037
بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك، فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة.
وفي رواية: وإن أصبحت أصبت خيرا.
قال: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت، قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت.
رواه أحمد (٤/ ٢٩٠)، والبخاريّ (٦٣١١)، ومسلم (٢٧١٠) (٥٦ و ٥٨)، وأبو داود (٥٠٤٧).
ــ
و(قوله: فإن مت مت على الفطرة) أي: على دين الإسلام، كما قال في الحديث الآخر: من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة (١).
قلت: هكذا قال الشيوخ في هذا الحديث، وفيه نظر؛ لأنَّه: إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرناها من التوحيد والتسليم، والرضا إلى أن يموت على الفطرة، كما يموت من قال: لا إله إلا الله، ولم يخطر له شيء من تلك الأمور، فأين فائدة تلك الكلمات العظيمة، وتلك المقامات الشريفة؟ فالجواب: أن كلا منهما - وإن مات على فطرة الإسلام - فبين الفطرتين ما بين الحالتين، ففطرة الطائفة الأولى: فطرة المقربين والصديقين، وفطرة الثانية: فطرة أصحاب اليمين.
و(قوله: وإن أصبحت أصبت خيرا) أي: صلاحا في ذلك وزيادة في أجرك وأعمالك.
و(قوله: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت) هذا حجَّة لمن لم يجز نقل الحديث بالمعنى، وهو الصحيح من مذهب مالك، وقد ذكرنا الخلاف فيه، ولا
стр. 4038
[٢٦٣٨] وعنه؛ أن النبي ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قال: اللهم باسمك أحيا وباسمك أموت، وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا
ــ
شك في أن لفظ النبوة من النبأ، وهو الخبر، فالنبي في العرف: هو المنبأ من جهة الله تعالى لأمر يقتضي تكليفا، فإن أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول، وإلا فهو نبي غير رسول. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا؛ لأنَّ الرسول والنبي قد اشتركا في أمر عام وهو النبأ، وافترقا في أمر خاص (١) وهو الرسالة، فإذا قلت: محمد رسول الله، تضمن ذلك أنه نبي رسول، فلما اجتمعا في النبي ﷺ أراد أن يجمع بينهما في اللفظ حتى يفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وضع له، وأيضًا فليخرج عما يشبه تكرار اللفظ من غير فائدة؛ لأنَّه إذا قال: ورسولك، فقد فهم منه أنه أرسله، فإذا قال: الذي أرسلت، صار كالحشو الذي لا فائدة له، بخلاف: نبيك الذي أرسلت، فإنَّهما لا تكرار فيهما، لا محققا ولا متوهما. والله تعالى أعلم.
و(قوله: اللهم باسمك أحيا، وباسمك أموت) أي: بك يكون ذلك، فالاسم هنا: هو المسمى، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلَى﴾ أي: سبح ربك. هذا قول الشارحين.
قلت: وقد استفدت فيه من بعض مشايخنا معنى آخر وهو: أنه يحتمل أنه يعني باسمك المحيي المميت من أسمائه تعالى، ومعنى ذلك: أن الله تعالى إنما سمى نفسه بأسمائه الحسنى؛ لأنَّ معانيها ثابتة في حقه وواجبة له، فكل ما ظهر في الوجود من الآثار إنما هي صادرة عن تلك المقتضيات، فكل إحياء في الدنيا والآخرة: إنما هو صادر عن قدرته على الإحياء، وكذلك القول في الإماتة، وفي الرحمة والملك، وغير ذلك من المعاني التي تدل عليها أسماؤه، فكأنه قال:
стр. 4039
بعدما أماتنا وإليه النشور.
رواه أحمد (٤/ ٣٠٢)، ومسلم (٢٧١١).
[٢٦٣٩] وعن عبد الله بن الحارث يحدث عن عبد الله بن عمر: أنه أمر رجلا إذا أخذ مضجعه قال: اللهم خلقت نفسي وأنت توفاها، لك مماتها ومحياها، إن أحييتها فاحفظها، وإن أمتها فاغفر لها، اللهم أسألك العافية. فقال له رجل: سمعت هذا من عمر؟ قال: من خير من عمر، من رسول الله ﷺ .
رواه مسلم (٢٧١٢).
[٢٦٤٠] وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة
ــ
باسمك المحيي أحيا، وباسمك المميت أموت، وكذلك القول في سائر الأسماء الدالة على المعاني. وبسط ذلك يستدعي تطويلا، وفيما ذكرناه تنبيه يكتفي به النبيه.
و(قوله: وإليك النشور) أي: المرجع بعد الإحياء. يقال: نشر الله الموتى فنشروا، أي: أحياهم فحيوا، وخرجوا من قبورهم منتشرين، أي: جماعات في تفرقة، كما قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُم جَرَادٌ مُنتَشِرٌ﴾
و(قوله: لك مماتها ومحياها) أي: موتها وحياتها، أي: ذلك لك وحدك لا لغيرك.
و(قول الرجل لابن عمر: سمعت من ابن عمر؟ فقال: من خير من ابن عمر) هكذا رواه السمرقندي بزيادة ابن في الموضعين، وهو وهم؛ لأنَّ القائل: سمعت من خير من عمر، هو ابن عمر لا عمر، وكذلك رواية الجماعة، وهو الصحيح.
و(قوله: ﴿فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى﴾) أي: شاق الحبة، فيخرج منها سنبلة، والنواة: فيخرج منها نخلة. ومنه القسم المشهور عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، أي: شقها.
стр. 4040
والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.
رواه أحمد (٢/ ٣٨١)، ومسلم (٢٧١٣)(٦٢)، وأبو داود (٥٠٥١)، والترمذي (٣٤٠٠)، وابن ماجه (٣٨٨٣).
ــ
وأصل رب: اسم فاعل من رب الشيء يربه: إذا أصلحه وقام عليه، ثم إنه يقال على السيد والمالك.
و(قوله: أنت الأول فليس قبلك شيء. . . الحديث إلى آخره) تضمن هذا الدعاء من أسماء الله تعالى ما تضمنه قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ﴾ وقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، وأرشق عباراتهم في ذلك قول من قال: الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا احتجاب. وقيل: الأول بالإبداء، والآخر بالإفناء، والظاهر بالآيات، والباطن عن الإدراكات. وقيل: الأول: القديم، والآخر: الباقي، والظاهر: الغالب، والباطن: الخفي اللطيف، الرفيق بالخلق. وهذا القول يناسب الحديث، وهو بمعناه.
و(قوله: فليس فوقك شيء) أي: لا يقهرك شيء.
و(قوله: فليس دونك شيء) أي: لا شيء ألطف منك، ولا أرفق.
стр. 4041
[٢٦٤١] وعنه؛ قال: أتت فاطمة النبي ﷺ تسأله خادما فقال لها: قولي: اللهم رب السماوات السبع. . . بمثل ما تقدم.
وفي رواية: كان يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم. . . كما تقدم.
رواه مسلم (٢٧١٣) (٦١ و ٦٣).
[٢٦٤٢] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه؛ فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن،
ــ
و(قوله: إذا أوى أحدكم إلى فراشه) أي: انضم. قال الأزهري: آوى وأوى بمعنى واحد، لازم ومتعد، وفي الصحاح عن أبي زيد: آويته أنا إيواء، وأويته: إذا أنزلته بك. فعلت وأفعلت بمعنى. فأما أويت له، بمعنى رثيت له، فبالقصر لا غير. قال ذو الرمة:
. . . . . . . . . . . ... ولو أني استأويته ما أوى ليا (١)
و(قوله: فليأخذ داخلة إزاره فلينفض بها فراشه، وليسم الله، فإنَّه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه) داخلة الإزار: هي ما يلي الجسد من طرفي الإزار.
قلت: هذا الحديث يتضمن الإرشاد إلى مصلحتين: إحداهما معلومة ظاهرة وهي: أن الإنسان إذا قام عن فراشه لا يدري ما دب عليه بعده من الحيوانات ذوات السموم، فينبغي له إذا أراد أن ينام عليه أن يتفقده ويمسحه، لإمكان أن يكون فيه شيء يخفى من رطوبة أو غيرها، فهذه مصلحة ظاهرة، وأما
стр. 4042
وليقل: سبحانك ربي، لك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين.
وفي رواية: ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، فإن أحييت نفسي فارحمها.
رواه البخاريُّ (٦٣٢٠)، ومسلم (٢٧١٤)، وأبو داود (٥٠٥٠)، والترمذي (٣٤٠١).
[٢٦٤٣] وعن ثابت عن أنس، أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى
ــ
اختصاص هذا النفض بداخلة الإزار فمصلحة لم تظهر لنا، بل: إنما ظهرت تلك للنبي ﷺ بنور النبوة، وإنَّما الذي علينا نحن الامتثال. ويقع لي: أن النبي ﷺ علم فيه خاصية طبية تنفع من ضرر بعض الحيوانات، كما قد أمر بذلك في حق العائن كما تقدَّم. والله تعالى أعلم. ويدلّ على ذلك ما زاده الترمذي في هذا الحديث: فليأخذ صنفة إزاره، فلينفض بها فراشه ثلاثا (١). فحذا بها حذو تكرار الرقى.
و(قوله: لك وضعت جنبي، وبك أرفعه) كذا صح: لك وضعت، باللام، لا بالباء، وبك أرفعه: روي بالباء وباللام، فالباء للاستعانة. أي: بك أستعين على وضع جنبي ورفعه. فاللام يحتمل أن يكون معناه: لك تقربت بذلك. فإنَّ نومه إنما كان ليستجم به لما عليه من الوظائف، ولأنه كان يوحى إليه في نومه، ولأنه كان يقتدى به، فصار نومه عبادة، وأما يقظته فلا تخفى أنها كانت كلها عبادة، ويحتمل أن يكون معناه: لك وضعت جنبي لتحفظه، ولك رفعته لترحمه.
стр. 4043
فراشه قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي.
رواه أحمد (٣/ ١٥٣)، ومسلم (٢٧١٥)، وأبو داود (٥٠٥٣)، والترمذيُّ (٣٣٩٦)، والنسائي في الكبرى (١٠٦٣).
* * *
(١٣) باب مجموعة أدعية كان النبي ﷺ يدعو بها
[٢٦٤٤] عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت وما لم أعمل.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٨)، ومسلم (٢٧١٦)(٦٦)، وأبو داود (١٥٥٠)، والنسائي (٣/ ٥٦) و (٨/ ٢٨١).
ــ
و(قوله: فكم ممن لا كافي له، ولا مؤوي) أي: كثير من الناس ممن أراد الله إهلاكه، فلم يطعمه ولم يسقه ولم يكسه، إما لأنه أعدم هذه الأمور في حقه، وإما لأنه لم يقدره على الانتفاع بها حتى هلك، هذا ظاهره. ويحتمل أن يكون معناه: فكم من أهل الجهل والكفر بالله تعالى لا يعرف أن له إلها يطعمه ويسقيه ويؤويه، ولا يقر بذلك، فصار الإله في حقه وفي اعتقاده كأنه معدوم.
(١٣) ومن باب: مجموع أدعية كان النبي ﷺ يدعو بها
(قوله: اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، وما لم أعمل) هذا كقوله في الحديث الآخر: اللهم إني أعوذ بك من كل شر. غير أنه نبه في هذا على
стр. 4044
[٢٦٤٥] وعن ابن عباس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ أَسلَمتُ وَبِكَ آمَنتُ وَعَلَيكَ تَوَكَّلتُ، وَإِلَيكَ أَنَبتُ، وَبِكَ خَاصَمتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ أَن تُضِلَّنِي، أَنتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنسُ يَمُوتُونَ.
رواه أحمد (١/ ٣٠٢)، والبخاريُّ (٧٣٨٣)، ومسلم (٢٧١٧).
[٢٦٤٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَأَسحَرَ يَقُولُ: سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمدِ اللَّهِ وَحُسنِ بَلَائِهِ عَلَينَا،
ــ
معنى زائد، وهو أنه قد يعمل الإنسان العمل لا يقصد به إلا الخير، ويكون في باطن أمره شر لا يعلمه، فاستعاذ منه. ويؤيد هذا أنه قد روي في غير كتاب مسلم: من شر ما علمت، وما لم أعلم.
ويحتمل أن يريد به ما عمل غيره، فيما يظن أنه يقتدى به فيه.
و(قوله: وإليك أنبت) أي: تبت ورجعت.
و(قوله: وبك خاصمت) أي: بإعانتك وتعليمك، وبكلامك جادلت المخالفين فيك حتى خصمتهم.
و(قوله: والجن والإنس يموتون) إنما خص هذين النوعين بالموت؛ وإن كان جميع الحيوان يموت؛ لأنَّ هذين النوعين هما المكلفان المقصودان بالتبليغ، والله أعلم.
و(قوله: إذا كان في سفر فأسحر) أي: استيقظ في السحر، أو خرج في السحر. والسحر: آخر الليل.
و(قوله: سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه) وجدته في كتاب شيخنا أبي الصبر أيوب: سمّع بفتح السين والميم وتشديدها. قال القاضي: أي بلغ من سمع
стр. 4045
رَبَّنَا صَاحِبنَا وَأَفضِل عَلَينَا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِن النَّارِ.
رواه مسلم (٢٧١٨)، وأبو داود (٥٠٨٦).
[٢٦٤٧] وعن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَدعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي خَطِيئَتِي وَجَهلِي وَإِسرَافِي فِي أَمرِي، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغفِر لِي جِدِّي وَهَزلِي وَخَطَئِي وَعَمدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِندِي، اللَّهُمَّ اغفِر لِي مَا قَدَّمتُ وَمَا أَخَّرتُ وَمَا
ــ
قولي. وقيده الخطابي: سمِع سامع: بفتح السين وكسر الميم، وتخفيفها، وهكذا أذكر أني قرأته؛ أي: استمع سامع، وشاهد شاهد بحمدنا ربنا على نعمه.
قلت: وعلى هذين التقييدين والتفسيرين، فهو خبر بمعنى الأمر، أي: ليسمع سامع وليبلغ، وهذا نحو قوله: تصدق رجل بديناره، ودرهمه (١) أي: ليتصدق. وجمع عليه ثيابه. أي: ليجمع، وقد تقدَّم القول في نحو هذا. وحسن بلائه؛ بمعنى: ابتلائه، وقد تقدَّم أن أصل الابتلاء: الاختبار، وقد يكون نعمة، وقد يكون نقمة.
و(قوله: رجنا صاحبنا) أي: بحفظك، وكفايتك، وهدايتك.
و(قوله: عائذا بالله من النار)، هو منصوب على الحال؛ أي: أقول ذلك في هذه الحال.
و(قوله: اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي) قد تقدَّم القول في الأنبياء من الذنوب، وفي معنى ذنوبهم غير مرة، ونزيد هنا نكتتين:
إحداهما: أنا وإن قلنا: إن الذنوب تقع منهم، غير أنهم يتوقعون وقوعها،
стр. 4046
أَسرَرتُ وَمَا أَعلَنتُ، وَمَا أَنتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنتَ المُقَدِّمُ وَأَنتَ المُؤَخِّرُ، وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ.
رواه أحمد (٤/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٦٣٩٩)، ومسلم (٢٧١٩).
[٢٦٤٨] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصلِح لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصمَةُ أَمرِي، وَأَصلِح لِي دُنيَايَ الَّتِي فِيهَا
ــ
وأن ذلك ممكن، وكانوا يتخوفون من وقوع الممكن المتوقع، ويقدرونه واقعا فيتعوذون منه، وعلى هذا فيكون قوله: وكل ذلك عندي أي: ممكن الوقوع عندي، ودليل صحة ذلك أنهم مكلفون باجتناب المعاصي كلها كما كلفه غيرهم، فلولا صحة إمكان الوقوع لما صح التكليف.
والثانية: أن هذه التعويذات، وهذه الدعوات والتضرعات قيام بحق وظيفة العبودية، واعتراف بحق الربوبية، ليقتدي بهم مذنبو أممهم، ويسلكوا مناهج سبلهم، فتستجاب دعوتهم، وتقبل توبتهم، والله تعالى أعلم. وقد أطنب الناس في ذلك، وما ذكرناه خلاصته.
و(قوله: أنت المقدم وأنت المؤخر) أي: المقدم لمن شئت بالتوبة والولاية والطاعة. والمؤخر لمن شئت بضد ذلك. والأولى: أنه تعالى مقدم كل مقدم في الدنيا والآخرة، ومؤخر كل مؤخر في الدنيا والآخرة، وهذان الاسمان من أسماء الله تعالى المزدوجة، كالأول والآخر، والمبدئ والمعيد، والقابض والباسط، والخافض والرافع، والضار والنافع، فهذه الأسماء لا تقال إلا مزدوجة، كما جاءت في الكتاب والسنة. هكذا قال بعض العلماء، ولم يُجز أن يقال: يا خافض، حتى يضم إليه: يا رافع.
و(قوله: اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري) أي: رباطه
стр. 4047
مَعَاشِي، وَأَصلِح لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجعَل الحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيرٍ، وَاجعَل المَوتَ رَاحَةً لِي مِن كُلِّ شَرٍّ.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٩)، ومسلم (٢٧٢٠).
[٢٦٤٩] وعَن عَبدِ اللَّهِ بن مسعود، عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
وفي رواية: العفة، بدل: العفاف.
رواه أحمد (١/ ٤١١)، ومسلم (٢٧٢١)، والترمذيُّ (٣٤٨٩)، وابن ماجه (٣٨٣٢).
[٢٦٥٠] وعَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ قَالَ: لَا أَقُولُ لَكُم إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن العَجزِ وَالكَسَلِ وَالجُبنِ وَالبُخلِ وَالهَرَمِ وَعَذَابِ القَبرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفسِي
ــ
وعماده، والأمر بمعنى الشأن، ومعنى هذا أن الدين إن فسد لم يصلح للإنسان دنيا ولا آخرة، وهذا دعاء عظيم جمع خير الدنيا والآخرة، والدين والدنيا، فحق على كل سامع له أن يحفظه ويدعو به آناء الليل وآناء النهار، لعل الإنسان يوافق ساعة إجابة فيحصل على خير الدنيا والآخرة.
و(قوله: اللهم إني أسألك الهدى والتقى. . . الحديث) الهدى يعني: إلى الصراط المستقيم، وهو صراط الذين أنعم عليهم، والتقى: يعني الخوف من الله، والحذر من مخالفته، ويعني بالعفاف: الصيانة من مطامع الدنيا، وبالغنى: غنى النفس.
стр. 4048
تَقوَاهَا وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عِلمٍ لَا يَنفَعُ وَمِن قَلبٍ لَا يَخشَعُ، وَمِن نَفسٍ لَا تَشبَعُ وَمِن دَعوَةٍ لَا يُستَجَابُ لَهَا.
رواه أحمد (٣/ ١١٣)، ومسلم (٢٧٢٢)، والترمذي (٣٥٦٧)، والنسائي (٨/ ٢٦٠).
[٢٦٥١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ، أَعَزَّ جُندَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ، وَغَلَبَ الأَحزَابَ وَحدَهُ، فَلَا شَيءَ بَعدَهُ.
رواه أحمد (٢/ ٤٩٤)، والبخاري (٤١١٤)، ومسلم (٢٧٢٤).
[٢٦٥٢] وعن عبد الله بن عمر قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك.
رواه مسلم (٢٧٣٩)، وأبو داود (١٥٤٥).
* * *
ــ
و(قوله: اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) هو الذي لا يعمل به. كما قال ﷺ : العلم الذي لا يعمل به كالكنز الذي لا ينفق منه، أتعب صاحبه نفسه في جمعه، ثم لم يصل إلى نفعه (١).
و(قوله: فلا شيء بعده) أي: لا شيء ينصر، ولا يدفع غيره.
стр. 4049
(١٤) باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء
[٢٦٥٣] عن عبد الله بن مسعود قال: كان نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمسَى قَالَ: أَمسَينَا وَأَمسَى المُلكُ لِلَّهِ، وَالحَمدُ لِلَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: أُرَاهُ قَالَ فِيهِنَّ: لَهُ المُلكُ وَلَهُ الحَمدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسأَلُكَ خَيرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ وَخَيرَ مَا بَعدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ هَذِهِ اللَّيلَةِ وَشَرِّ مَا بَعدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن الكَسَلِ وَسُوءِ الكِبَرِ. وفي رواية: وفتنة الدنيا رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي القَبرِ.
وَإِذَا أَصبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيضًا: أَصبَحنَا وَأَصبَحَ المُلكُ لِلَّهِ.
رواه أحمد (١/ ٤٤٠)، ومسلم (٢٧٢٣) (٧٤ و ٧٥ و ٧٦)، وأبو داود (٥٠٧١)، والترمذيُّ (٣٣٩٠).
* * *
ــ
[(١٤) ومن باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء] (١)
(قوله: من الكسل وسوء الكبر) يروى بفتح الباء وإسكانها، وبالفتح يعني به: الهرم. وقد قلنا: إن المراد بذلك: أرذل العمر، وبالإسكان: يعني بذلك: كبر النفس المذموم المحرم الذي تقدَّم ذكره.
* * *
стр. 4050
(١٥) باب كثرة ثواب الدعوات الجوامع وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني دعواته في قلبه
[٢٦٥٤] عن ابن عباس عن جويرية: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِن عِندِهَا بُكرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبحَ وَهِيَ فِي مَسجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعدَ أَن أَضحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: مَا زِلتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقتُكِ عَلَيهَا؟ قَالَت: نَعَم، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَقَد قُلتُ بَعدَكِ أَربَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَو وُزِنَت بِمَا قُلتِ مُنذُ اليَومِ لَوَزَنَتهُنَّ: سُبحَانَ اللَّهِ وَبِحَمدِهِ عَدَدَ خَلقِهِ
ــ
[(١٥) ومن باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع، وما جاء في أن الداعي يستحضر معاني دعواته في قلبه] (١)
(قوله: لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن) أي: لرجحت عليهن في الثواب. وهو دليل على أن الدعوات والأذكار الجوامع يحصل عليهن من الثواب، أضعاف ما يحصل على ما ليست كذلك. ولذلك كان ﷺ يحب الدعوات الجوامع.
و(قوله: سبحان الله، وبحمده) هذا الكلام على اختصاره جملتان؛ إحداهما: جملة سبحان الله؛ فإنَّها واقعة موقع المصدر، والمصدر يدلّ على صدره، فكأنه قال: سبحت الله التسبيح الكثير، أو التسبيح كله، على قول من قال: إن سبحان الله: اسم علم للتسبيح، وبحمده: متعلق بمحذوف تقديره: وأثني
стр. 4051
وَرِضَا نَفسِهِ وَزِنَةَ عَرشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
وفي رواية: سبحان الله عدد خلقه، سُبحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفسِهِ، سُبحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرشِهِ، سُبحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ.
رواه أحمد (١/ ٢٥٨)، ومسلم (٢٧٢٦)، وأبو داود (١٥٠٣)، والنسائي في الكبرى (٩٩٩٢).
[٢٦٥٥] عن علي قال: قال لي رسول الله ﷺ : قل: اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم.
رواه أحمد (١/ ١٥٤)، ومسلم (٢٧٢٥)، وأبو داود (٤٢٢٥)، والنسائي (٨/ ١٧٧).
* * *
ــ
عليه بحمده؛ أي: بذكر صفات كماله وجلاله، فهذه جملة ثانية غير الجملة الأولى.
و(قوله: مداد كلماته) هو بكسر الميم، وبألف بين الدالين، ويعني به: كلامه القديم المنزه عن الحروف والأصوات، وعن الانقطاع، والتغييرات، كما قال تعالى: ﴿قُل لَو كَانَ البَحرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَو جِئنَا بِمِثلِهِ مَدَدًا﴾ وزنة عرشه؛ أي: وزنه الذي لا يعلم مقداره إلا الله. ورضا نفسه: يعني أن رضاه عمن رضي عنه من النبيين والصالحين لا ينقطع ولا ينقضي، وإنما ذكر النبي ﷺ هذه الأمور على جهة الإغياء والكثرة التي لا تنحصر، منبها على أن الذاكر بهذه الكلمات ينبغي له أن يكون بحيث لو تمكن من تسبيح الله وتحميده وتعظيمه عددا لا يتناهى ولا ينحصر، لفعل ذلك، فحصل له من الثواب ما لا يدخل في حساب.
و(قوله: واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم) هذا الأمر
стр. 4052
(١٦) باب التسلي عند الفاقات بالأذكار وما يدعى به عند الكرب
[٢٦٥٦] عن علي بن أبي طالب، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ اشتَكَت مَا تَلقَى مِن الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ سَبيٌ، فَانطَلَقَت فَلَم تَجِدهُ وَلَقِيَت عَائِشَةَ فَأَخبَرَتهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخبَرَتهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ
ــ
منه ﷺ ، يدل على أن الذي ينبغي له أن يهتم بدعائه فيستحضر معاني دعواته في قلبه ويبالغ في ذكرها بلفظه بضرب من الأمثال، وتأكيد الأقوال، فإذا قال: اهدني الصراط المستقيم، وسددني سداد السهم الصائب، كان أبلغ وأهم من قوله: اهدني وسددني فقط، وهذا واضح.
(١٦) ومن باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار
(قوله: إن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها) يعني: من مشقة الطحن في الرحى. وفي غير كتاب مسلم: أنها جرّت بالرحى حتى مجلت يدها، وقمت البيت حتى اغبر شعرها، وخبزت حتى تغير وجهها. ففيه دليل على: أن المرأة وإن كانت شريفة، عليها أن تخدم بيت زوجها، وتقوم بعمله الخاص به. وبه قال بعض أهل العلم، وقيل: ليس عليها شيء من ذلك، سواء كانت شريفة أو دنيئة، حكاه ابن خوازمنداد عن بعض أصحابنا، ومشهور مذهب مالك الفرق بين الشريفة فلا يلزمها، وبين من ليس كذلك فيلزمها. ومحمل هذا الحديث على أن فاطمة تبرعت بذلك، ولا خلاف في استحباب ذلك لمن تبرع به؛ لأنَّه معونة للزوج، وهي مندوب إليها، وقد تقدَّم هذا في النكاح. وفيه ما يدلّ على ما كان عليه ذلك الصدر الصالح من شظف العيش وشدة الحال، وأن الله تعالى حماهم
стр. 4053
فَاطِمَةَ إِلَيهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَينَا وَقَد أَخَذنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى مَكَانِكُمَا، فَقَعَدَ بَينَنَا حَتَّى وَجَدتُ بَردَ قَدَمِهِ عَلَى صَدرِي، وقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيرًا مِمَّا سَأَلتُمَا؟ إِذَا أَخَذتُمَا مَضَاجِعَكُمَا أَن تُكَبِّرَا اللَّهَ أَربَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهوَ خَيرٌ لَكُمَا.
زاد في رواية: قال علي: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ . قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.
رواه أحمد (١/ ١٣٦)، والبخاريُّ (٣٧٠٥)، ومسلم (٢٧٢٧).
ــ
الدنيا، مع أنه مكنهم منها، وهي سنة الله في الأنبياء والأولياء، كما قال ﷺ : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل (١).
و(قوله: فجاء وقد أخذنا مضاجعنا) كان هذا المجيء بالليل؛ لأنَّه قد جاء في بعض طرقه أنه قال: طرقهما ليلا.
و(قوله: على مكانكما) أي: اثبتا على مكانكما والزماه. وقعود النبي ﷺ بين ابنته وبين علي دليل على جواز مثل ذلك، وأنه لا يعاب على من فعله إذا لم يؤد ذلك إلى اطلاع على عورة، أو إلى شيء ممنوع شرعا.
و(قوله: ما ألفيتيه عندنا (٢)) أي: ما وجدت الخادم عندنا، ثم إنه أحالهما على التسبيح والتهليل والتكبير؛ ليكون ذلك عوضا من الدعاء عند الكرب والحاجة، كما كانت عادته عند الكرب على ما يأتي في الحديث المذكور بعد هذا. ويمكن أن يكون من جهة أنه أحب لابنته ما يحب لنفسه، إذ كانت بضعة منه، من
стр. 4054
[٢٦٥٧] وعن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم.
وفي رواية: (إذا حزبه أمر) مكان (عند الكرب).
رواه أحمد (١/ ٢٢٨)، والبخاريُّ (٦٣٤٥)، ومسلم (٢٧٣٠).
* * *
ــ
إيثار الفقر، وتحمل شدته والصبر عليه، ترفيعا لمنازلهم وتعظيما لأجورهم، وبهذين المعنيين، أو أحدهما تكون تلك الأذكار خيرا لهما من خادم؛ أي من التصريح بسؤال خادم، والله تعالى أعلم.
و(قوله: كان ﷺ يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم. . . الحديث) قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمونه: دعاء الكرب، فإن قيل: كيف يسمى هذا دعاء وليس فيه من معنى الدعاء شيء، وإنَّما هو تعظيم لله تعالى، وثناء عليه؟ فالجواب: إن هذا يسمى دعاء لوجهين:
أحدهما: أنه يستفتح به الدعاء، ومِن بعده يدعو. وقد ورد في بعض طرقه: ثم يدعو.
وثانيهما: أن ابن عيينة قال - وقد سئل عن هذا -: أما علمت أن الله تعالى يقول: إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين؟ (١). وقد قال أمية بن أبي الصلت:
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك (٢) الثناء
стр. 4055
(١٧) باب ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير
[٢٦٥٨] عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانا.
ــ
قلت: وهذا الكلام حسن، وتتميمه أن ذلك إنما كان لنكتتين:
إحداهما: كرم المثنى عليه، فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال دل ذلك على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كرم الحق.
وثانيهما: أن المثني لما آثر الثناء، الذي هو حق المثنى عليه على حق نفسه الذي هو حاجته، بودر إلى قضاء حاجته من غير إحواج إلى إظهار مذلة السؤال؛ مجازاة له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم.
ومما قد جاء منصوصا عليه وسمي دعاء، وإن لم يكن فيه دعاء ولا طلب، ما أخرجه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : دعوة ذي النون إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجيب له (١).
ومعنى إذا حزبه أمر، أي أصابه ودهمه، وهو بالحاء المهملة وبالزاي، وبالباء المعجمة بواحدة.
[(١٧) ومن باب: ما يقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير] (٢)
(قوله: إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا) هذا يدل على أن الله تعالى خلق للديكة إدراكا تدرك به الملائكة، كما خلق
стр. 4056
رواه أحمد (٢/ ٣٢١)، والبخاريُّ (٣٣٠٣)، ومسلم (٢٧٢٩)، وأبو داود (٥١٠٢)، والترمذي (٣٤٥٩)، والنسائي في الكبرى (١١٣٩١).
* * *
(١٨) باب أحب الكلام إلى الله تعالى
[٢٦٥٩] عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله لملائكته - أو: لعباده - سبحان الله وبحمده.
ــ
للحمير إدراكا تدرك به الشياطين. ويفيد: أن كل نوع من الملائكة والشياطين موجودان، وهذا معلوم من الشرع قطعا، والمنكر لشيء منهما كافر، وكأنه إنما أمر النبي ﷺ بالدعاء عند صراخ الديكة لتؤمن الملائكة على ذلك الدعاء، فتتوافق الدعوتان، فيستجاب للداعي، والله أعلم.
وإنما أمر بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير، لأن الشيطان لما حضر يخاف من شره، فينبغي أن يتعوذ منه.
[(١٨) ومن باب: أحب الكلام إلى الله تعالى] (١)
(قوله ﷺ وقد سئل: أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفى الله لملائكته، أو لعباده: سبحان الله وبحمده. وفي الرواية الأخرى: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده).
стр. 4057
وفي رواية: أن رسول الله ﷺ قال له: ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ قلت: أخبرني يا رسول الله، قال: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده.
رواه أحمد (٥/ ١٦١)، ومسلم (٢٧٣١) (٨٤ و ٨٥).
* * *
ــ
قلت: هذا الحديث يعارضه قوله في حديث أبي هريرة المتقدِّم في فضل التهليل: ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا أحد عمل أكثر من ذلك. وقوله: أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله (١). وقد تقدَّم في حديث سمرة بن جندب قوله ﷺ : أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت (٢) فقد مضى هذا الحديث بأن الأربعة متساوية في الأفضلية والأحبية من غير مراعاة تقديم بعضها على بعض، ولا تأخيره، وأن التسبيح وحده لا ينفرد بالأفضلية، ولا التهليل وحده أيضًا ينفرد بها. وإذا ثبت ذلك فحيث أطلق أن أحد هذه الأذكار الأربعة أفضل الكلام أو أحبه، إنما يراد إذا انضمت إلى أخواتها الثلاث المذكورة في هذا الحديث. إما مجموعة في اللفظ، أو في القلب بالذكر؛ لأنَّ اللفظ إذا دل على واحد منهما بالمطابقة دل على سائرها باللزوم. وبيان ذلك: أن معنى سبحان الله: البراءة له من كل النقائص، والتنزيه عما لا يليق بجلاله، ومن جملتها تنزيهه عن الشركاء والأنداد، وهذا معنى لا إله إلا الله. هذا مدلول اللفظ من جهة مطابقته، ولما وجب تنزيهه عن صفات النقص لزم اتصافه بصفات الكمال؛ إذ لا واسطة بينهما، وهي المعبر عنها بالحمد لله. ثم لما تنزه عن صفات النقص واتصف بصفات الكمال، وجبت له العظمة والجلال،
стр. 4058
(١٩) باب ما يقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب
[٢٦٦٠] عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها.
رواه أحمد (٣/ ١٠٠)، ومسلم (٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٧).
ــ
وهو معنى: الله أكبر. فقد ظهر لك أن هذه الأربعة الأذكار متلازمة في المعنى، وأنها قد شملها لفظ الأحبية، كما جاء في الحديث. فمن نطق بجميعها فقد ذكر الله تعالى بأحب الكلام إلى الله، لفظا ومعنى، ومن نطق بأحدها فقد ذكر الله ببعض أحب الكلام نطقا، وبجميعها معنى من جهة اللزوم الذي ذكرناه. فتدبر هذه الطريقة، فإنَّها حسنة، وبها يرتفع التعارض المتوهم بين تلك الأحاديث - والله تعالى أعلم - ولم أجد في كلام المشايخ ما يقنع، وقد استخرت الله فيما ذكرته.
[(١٩) ومن باب: ما يقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب] (١)
(قوله: إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة، فيحمده عليها، أو يشرب الشربة، فيحمده عليها) قد تقدَّم أن الأكلة بفتح الهمزة: المرة الواحدة من الأكل، وبالضم: اللقمة، ويصلح هذا اللفظ هنا للتقييدين، وبالفتح وجدته مقيدا في كتاب شيخنا. والحمد هنا بمعنى الشكر، وقد قدمنا: أن الحمد يوضع موضع الشكر،
стр. 4059
[٢٦٦١] وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل.
رواه مسلم (٢٧٣٢)(٨٦).
* * *
ــ
ولا يوضع الشكر موضع الحمد، وفيه دلالة على أن شكر النعمة، وإن قلت سبب نيل رضا الله تعالى، الذي هو أشرف أحوال أهل الجنة، وسيأتي قول الله لأهل الجنة حين يقولون: أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ [فيقولون: ما هو؟ ألم تبيض وجوهنا، وتدخلنا الجنة، وتزحزحنا عن النار؟ ] (١)، فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا (٢). وإنما كان الشكر سببا لذلك الإكرام العظيم؛ لأنَّه يتضمن معرفة المنعم، وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعم عليه، تفضلا من المنعم وكرما ومنة، وإن المنعم عليه فقير محتاج إلى تلك النعم، ولا غنى به عنها، فقد تضمن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحق العبد وفاقته وفقره، فجعل الله تعالى جزاء تلك المعرفة تلك الكرامة الشريفة.
و(قوله: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثل) المسلم هنا: هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، الذي يحب للناس ما يحب لنفسه؛ لأنَّ هذا هو الذي يحمله حاله وشفقته على أخيه المسلم أن يدعو له بظهر الغيب، أي: في حال غيبته عنه، وإنما خص حالة الغيبة بالذكر لبعدها عن الرياء، والأغراض المفسدة أو المنقصة؛ فإنه في حال الغيبة يتمحض الإخلاص، ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملك في الدعاء، ويبشره على لسان رسوله ﷺ بأن له مثل ما دعا به لأخيه. والأخوة هنا: هي الأخوة الدينية، وقد
стр. 4060
(٢٠) باب يستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم
[٢٦٦٢] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت فلا يستجاب لي.
رواه أحمد (٢/ ٤٨٧)، والبخاريُّ (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥)، وأبو داود (١٤٨٤)، والترمذي (٦٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣).
[٢٦٦٣] وعنه؛ عن النبي ﷺ أنه قال: لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل. قيل: يا رسول الله، ما
ــ
تكون معها صداقة ومعرفة، وقد لا يكون، وقد يتعين، وقد لا يتعين، فإنَّ الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا، وصدق الله في دعائه، وأخلص فيه في حال الغيبة عنهم، أو عن بعضهم، قال الملك له ذلك القول، بل قد يكون ثوابه أعظم؛ لأنَّه دعا بالخير، وقصده للإسلام، ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم.
[(٢٠) ومن باب: يستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم] (١)
(قوله: يستجاب للمسلم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) يعني بالعبد: الصالح لقبول دعائه، فإنَّ الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي، وفي الدعاء، وفي الشيء المدعو به، فمن شرط الداعي بأن يكون عالما بأنه لا قادر على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائط في قبضته، ومسخرة بتسخيره، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام، كما قدمناه، وألا
стр. 4061
الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء.
رواه مسلم (٢٧٣٥)(٩٢).
* * *
ــ
يحل من الدعاء فيتركه ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث. ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما قال: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في قطيعة الرحم جميع حقوق المسلمين، ومظالمهم. وقد بينا أن الرحم ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة. ويستحسر، يعني: ويمل. يقال: حسر البعير يحسُر، ويحسِر حسورا: أعيا. واستحسر وتحسر مثله. وفائدة هذا: استدامة الدعاء، وترك اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في الدعاء؛ فإنَّ الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة وخلاصة العبودية. والقائل: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك - قانطا - من رحمة الله، وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنَّه يظنها إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى: أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحب استماع دعائه، ودوام تضرعه، فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضي له، وقد قال ﷺ : ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه (١)، ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء - وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة - فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾
стр. 4062
(٢١) باب الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
[٢٦٦٤] عَن ابنِ عُمَرَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: بَينَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ - في رواية: ممن كان قبلكم - يَتَمَشَّونَ، أَخَذَهُم الطوفان فَأَوَوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَطَّت عَلَى فَمِ غَارِهِم صَخرَةٌ مِن الجَبَلِ، فَانطَبَقَت عَلَيهِم، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: انظُرُوا أَعمَالًا عَمِلتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفرُجُهَا عَنكُم، فَقَالَ أَحَدُهُم: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَامرَأَتِي، وَلِي صِبيَةٌ صِغَارٌ أَرعَى عَلَيهِم، فَإِذَا أَرَحتُ عَلَيهِم حَلَبتُ فَبَدَأتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيتُهُمَا قَبلَ بَنِيَّ، وَإنّي نَأَى بِي ذَاتَ يَومٍ الشَّجَرُ فَلَم آتِ حَتَّى أَمسَيتُ، فَوَجَدتُهُمَا قَد نَامَا، فَحَلَبتُ كَمَا كُنتُ أَحلُبُ، فَجِئتُ
ــ
(٢١) ومن باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
غريب حديث الغار: الطوفان هنا: المطر الكثير. وأووا إلى غار: أي: انضموا، وقد تقدَّم أنه يمد ويقصر. فانحطت: نزلت. فأطبقت عليهم؛ أي: صارت على باب الغار كالطبق، وأرعى عليهم: أي أرعى الماشية وأكتسب بها لأجل العيال والأبوين. ونأى بي الشجر؛ أي: بعد عليه ابتغاء الشجر الذي رعاه بماشيته. والحلاب: إناء يحلب فيه، وهو المحلب أيضًا، وقد يكون اللبن. ويتضاغون: يضجون من الجوع، والضغاء ممدود، مضموم الأول، صوت الذلة والفاقة. والدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. وافرج: افتح. والفرجة بضم الفاء؛ لأنَّه من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرجة وفَرَج، وفعل كل واحد منهما: فَرَجَ، بالفتح والتخفيف، يفرُج، بالضم لا غير. والغبوق: شرب العشي، والصبوح: شرب الصباح، والجاشرية: عند انغلاق الفجر، يقال: جشر الصبح، أي: انفلق. وبغيت: طلبت.
(٢٢) باب فضل الدوام على الذكر
[٢٦٦٥] عَن حَنظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ - وَكَانَ مِن كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكرٍ فَقَالَ: كَيفَ أَنتَ يَا حَنظَلَةُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ، قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَكُونُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأي عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ
ــ
ثلاثة آصع، ويقال: بفتح الراء، وهو الأفصح، وقال ابن دريد: ويقال بسكونها، وقد أنكره غيره، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.
[(٢٢) ومن باب: فضل الدوام على الذكر] (١)
قول حنظلة الأسيدي: هو بتخفيف الياء، منسوب إلى أسيد، قيل (٢): من بني تميم. ومن رواه الأسدي فقد أخطأ، وكان من كتاب رسول الله ﷺ .
و(قوله: نافق حنظلة). إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة النبي ﷺ ، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة التي كان يجدها عند موعظة النبي ﷺ ، ولا يشتغل عنها بشيء.
و(قوله: يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين) الذي قرأته وقيدته: رأي عين، منصوبا على المصدر، كأنه قال: كأنا نراها رأي عين. قال القاضي: ضبطناه بالضم، أي: كأنا بحال من يراهما، ويصح النصب على المصدر.
و(قوله: عافسنا الأزواج، والأولاد والضيعات) الرواية الصحيحة
стр. 4065
أَبُو بَكرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلقَى مِثلَ هَذَا، فَانطَلَقتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ حَتَّى دَخَلنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِندَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ؛ كَأَنَّا رَأيُ عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِكَ عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا
ــ
المعروفة: عافسنا، بالعين المهملة، وبالفاء والسين المهملة، ومعناه: عالجنا وحاولنا. في الصحاح: المعافسة: المعالجة، يعني أنهم إذا خرجوا من عند رسول الله ﷺ ، اشتغلوا بهذه الأمور، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا يجدونها عند سماع موعظة رسول الله ﷺ ، ومشاهدته، وروى الخطابي هذا الحرف: عانسنا بالنون، وفسره بلاعبنا، ورواه القتيبي: عانشنا، بالنون والشين المعجمة، وفسره بعانقنا، والتقييد الأول أولى رواية ومعنى. وقد جاء مفسرا في الرواية الأخرى، فقال: ضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة. والضيعات: جمع ضيعة، وهي: ما يكون معاش الرجل منه: من مال، أو حرفة، أو صناعة. وقد تقدَّم ذكرها.
و(قول أبي بكر ﵁: والله إنا لنلقى مثل هذا) رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل ولا مال، ووجه الرد أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس كلهم بعد رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدع خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة، ما هو خاصة الملائكة. وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال، وإنما الذي يدوم المقامات، لكنها تتفاوت فيها المنازلات. والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه وكسبه. والحال: ما يحصل له بهبة ربه. ولذلك قالوا: المقامات مكاسب، والأحوال مواهب، ومن طاب وقته علا نعته، ومن صفا وارده طاب ورده.
وعلى الجملة فسنة الله في هذا العالم الإنساني جعل تمكينهم في تلوينهم، ومشاهدتهم في مكابدتهم. وسر ذلك أن هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر والإغواء