الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء.
رواه مسلم (٢٧٣٥)(٩٢).
* * *
ــ
يحل من الدعاء فيتركه ويقول: قد دعوت فلم يستجب لي، كما قال في الحديث. ومن شروط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا، كما قال: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب، ويدخل في قطيعة الرحم جميع حقوق المسلمين، ومظالمهم. وقد بينا أن الرحم ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة. ويستحسر، يعني: ويمل. يقال: حسر البعير يحسُر، ويحسِر حسورا: أعيا. واستحسر وتحسر مثله. وفائدة هذا: استدامة الدعاء، وترك اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في الدعاء؛ فإنَّ الله يحب الملحين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة وخلاصة العبودية. والقائل: قد دعوت فلم أر يستجاب لي، ويترك - قانطا - من رحمة الله، وفي صورة الممتن بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنَّه يظنها إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى: أن في عين ما طلب مفسدة، فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلم الله أن تأخيره إلى وقت آخر أصلح للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحب استماع دعائه، ودوام تضرعه، فتكثر أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضي له، وقد قال ﷺ : ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يستجاب له، وإما أن يدخر له، وإما أن يكفر عنه (١)، ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء - وإن وردت في مواضع من الشرع مطلقة - فهي مقيدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكشِفُ مَا تَدعُونَ إِلَيهِ إِن شَاءَ﴾
стр. 4062
(٢١) باب الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
[٢٦٦٤] عَن ابنِ عُمَرَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: بَينَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ - في رواية: ممن كان قبلكم - يَتَمَشَّونَ، أَخَذَهُم الطوفان فَأَوَوا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانحَطَّت عَلَى فَمِ غَارِهِم صَخرَةٌ مِن الجَبَلِ، فَانطَبَقَت عَلَيهِم، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: انظُرُوا أَعمَالًا عَمِلتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا، لَعَلَّ اللَّهَ يَفرُجُهَا عَنكُم، فَقَالَ أَحَدُهُم: اللَّهُمَّ، إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيخَانِ كَبِيرَانِ وَامرَأَتِي، وَلِي صِبيَةٌ صِغَارٌ أَرعَى عَلَيهِم، فَإِذَا أَرَحتُ عَلَيهِم حَلَبتُ فَبَدَأتُ بِوَالِدَيَّ، فَسَقَيتُهُمَا قَبلَ بَنِيَّ، وَإنّي نَأَى بِي ذَاتَ يَومٍ الشَّجَرُ فَلَم آتِ حَتَّى أَمسَيتُ، فَوَجَدتُهُمَا قَد نَامَا، فَحَلَبتُ كَمَا كُنتُ أَحلُبُ، فَجِئتُ
ــ
(٢١) ومن باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
غريب حديث الغار: الطوفان هنا: المطر الكثير. وأووا إلى غار: أي: انضموا، وقد تقدَّم أنه يمد ويقصر. فانحطت: نزلت. فأطبقت عليهم؛ أي: صارت على باب الغار كالطبق، وأرعى عليهم: أي أرعى الماشية وأكتسب بها لأجل العيال والأبوين. ونأى بي الشجر؛ أي: بعد عليه ابتغاء الشجر الذي رعاه بماشيته. والحلاب: إناء يحلب فيه، وهو المحلب أيضًا، وقد يكون اللبن. ويتضاغون: يضجون من الجوع، والضغاء ممدود، مضموم الأول، صوت الذلة والفاقة. والدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. وافرج: افتح. والفرجة بضم الفاء؛ لأنَّه من السعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرجة وفَرَج، وفعل كل واحد منهما: فَرَجَ، بالفتح والتخفيف، يفرُج، بالضم لا غير. والغبوق: شرب العشي، والصبوح: شرب الصباح، والجاشرية: عند انغلاق الفجر، يقال: جشر الصبح، أي: انفلق. وبغيت: طلبت.
(٢٢) باب فضل الدوام على الذكر
[٢٦٦٥] عَن حَنظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ - وَكَانَ مِن كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكرٍ فَقَالَ: كَيفَ أَنتَ يَا حَنظَلَةُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ، قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلتُ: نَكُونُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنَا بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأي عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا كَثِيرًا، قَالَ
ــ
ثلاثة آصع، ويقال: بفتح الراء، وهو الأفصح، وقال ابن دريد: ويقال بسكونها، وقد أنكره غيره، وفيه أبواب من الفقه لا تخفى.
[(٢٢) ومن باب: فضل الدوام على الذكر] (١)
قول حنظلة الأسيدي: هو بتخفيف الياء، منسوب إلى أسيد، قيل (٢): من بني تميم. ومن رواه الأسدي فقد أخطأ، وكان من كتاب رسول الله ﷺ .
و(قوله: نافق حنظلة). إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها خلاف ما يظهر منها بحضرة النبي ﷺ ، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق، وأراد من نفسه أن يستديم تلك الحالة التي كان يجدها عند موعظة النبي ﷺ ، ولا يشتغل عنها بشيء.
و(قوله: يذكرنا بالجنة والنار، كأنا رأي عين) الذي قرأته وقيدته: رأي عين، منصوبا على المصدر، كأنه قال: كأنا نراها رأي عين. قال القاضي: ضبطناه بالضم، أي: كأنا بحال من يراهما، ويصح النصب على المصدر.
و(قوله: عافسنا الأزواج، والأولاد والضيعات) الرواية الصحيحة
стр. 4065
أَبُو بَكرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلقَى مِثلَ هَذَا، فَانطَلَقتُ أَنَا وَأَبُو بَكرٍ حَتَّى دَخَلنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قُلتُ: نَافَقَ حَنظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ؟ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِندَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالجَنَّةِ؛ كَأَنَّا رَأيُ عَينٍ، فَإِذَا خَرَجنَا مِن عِندِكَ عَافَسنَا الأَزوَاجَ، وَالأَولَادَ، وَالضَّيعَاتِ، نَسِينَا
ــ
المعروفة: عافسنا، بالعين المهملة، وبالفاء والسين المهملة، ومعناه: عالجنا وحاولنا. في الصحاح: المعافسة: المعالجة، يعني أنهم إذا خرجوا من عند رسول الله ﷺ ، اشتغلوا بهذه الأمور، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا يجدونها عند سماع موعظة رسول الله ﷺ ، ومشاهدته، وروى الخطابي هذا الحرف: عانسنا بالنون، وفسره بلاعبنا، ورواه القتيبي: عانشنا، بالنون والشين المعجمة، وفسره بعانقنا، والتقييد الأول أولى رواية ومعنى. وقد جاء مفسرا في الرواية الأخرى، فقال: ضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة. والضيعات: جمع ضيعة، وهي: ما يكون معاش الرجل منه: من مال، أو حرفة، أو صناعة. وقد تقدَّم ذكرها.
و(قول أبي بكر ﵁: والله إنا لنلقى مثل هذا) رد على غلاة الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يعرجون بسببها على أهل ولا مال، ووجه الرد أن أبا بكر ﵁ أفضل الناس كلهم بعد رسول الله ﷺ إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدع خروجا عن جبلة البشرية، ولا تعاطى من دوام الذكر وعدم الفترة، ما هو خاصة الملائكة. وقد ادعى قوم منهم دوام الأحوال، وهو بما ذكرناه شبه المحال، وإنما الذي يدوم المقامات، لكنها تتفاوت فيها المنازلات. والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه وكسبه. والحال: ما يحصل له بهبة ربه. ولذلك قالوا: المقامات مكاسب، والأحوال مواهب، ومن طاب وقته علا نعته، ومن صفا وارده طاب ورده.
وعلى الجملة فسنة الله في هذا العالم الإنساني جعل تمكينهم في تلوينهم، ومشاهدتهم في مكابدتهم. وسر ذلك أن هذا العالم متوسط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكن الملائكة في الخير بحيث يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، ومكن الشياطين في الشر والإغواء
стр. 4066
كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَو تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِندِي، وَفِي الذِّكرِ، لَصَافَحَتكُم المَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُم وَفِي طُرُقِكُم، وَلَكِن يَا حَنظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
رواه مسلم (٢٧٥٠)(١٢).
* * *
ــ
بحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم الإنساني متلونا، فيمكنه ويلونه، ويفنيه ويبقيه، ويشهده ويفقده، وإليه أشار صاحب الشفاعة بقوله: ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة. وقال في حديث أبي ذر ﵁: وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب (١). هكذا الكمال، وما عداه ترهات وخيال.
و(قوله: لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة) هكذا صحت الرواية بالواو العاطفة للطرف الثاني على الأول، ويفيد أنه وقف مصافحة الملائكة على حصول حالتين لنا: على حال مشاهدة الجنة والنار مع ذكر الله تعالى ودوام ذلك، فيعني - والله تعالى أعلم - أن التمكن: إنما هو أن يشاهد الأمور كلها بالله تعالى، فإذا شاهد الجنة مثلا لم يحجبه ما يشاهد من نعيمها وحسنها من رؤية الله تعالى؛ بل: لا يلتفت إليها من حيث هي جنة؛ بل: من حيث هي أنها محل القرب من الله تعالى، ومحل رؤيته، ومشاهدته، فيكون فرقه في جمعه، وعطاؤه في منعه، ومن كان كذلك ناسب الملائكة في معرفتها، فبادرت إلى إكرامه ومشافهته، وإعظامه ومصافحته. والمسؤول من الكريم المتعال أن يمنحنا من صفاء هذه الأحوال.
* * *
стр. 4067
(٣٨) كتاب الرقاق
(١) باب وجوب التوبة وفضلها
وقد تقدم قوله ﷺ : يا أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة.
[٢٦٦٦] وعن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: سمعت
ــ
(٣٨) كتاب الرقاق
(١ و ٢) ومن باب وجوب التوبة وفضلها (١)
قد تقدم القول في وجوب التوبة، وفي معناها اللغوي، وقد اختلفت عبارات العلماء والمشايخ فيها، فقائل يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزم على ألا يعود، والآخر يقول: إنها الإقلاع عن الذنب، ورابع يجمع بين تلك الأمور الثلاثة، فيقول: إنها الندم على ذنب وقع، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على ألا يعود إليه، وهذا أكملها، غير أنه مع ما فيه من التركيب المحذور في الحدود غير مانع ولا جامع.
стр. 4068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بيان الأول: أنه قد يندم، ويقلع، ويعزم، ولا يكون تائبا شرعا، إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله، أو لئلا يعيره الناس من ذلك. ولا تصح التوبة الشرعية إلا بالنية والإخلاص؛ فإنَّها من أعظم العبادات الواجبات، ولذلك قال تعالى: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوبَةً نَصُوحًا﴾
وأما الثاني: فبيانه أنه يخرج منه مَن زنى مثلا، ثم قطع ذكره، فإنَّه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى من الزنى، وأما العزم والإقلاع فغير متصورين منه، ومع ذلك فالتوبة من الزنى صحيحة في حقه إجماعا، وبهذا اغتر من قال: إن الندم يكفي في حد التوبة، وليس بصحيح؛ لأنَّه لو ندم ولم يقلع، وعزم على العود، لم يكن تائبا اتفاقا، ولما فهم بعض المحققين هذا حد التوبة بحد آخر، فقال: هي ترك اختيار ذنب سبق منك مثله، حقيقة أو تقديرا؛ لأجل الله تعالى، وهذا أسد العبارات وأجمعها، وبيان ذلك: أن التائب لا بد أن يكون تاركا للذنب، غير أن ذلك الذنب الماضي قد وقع، وفرغ منه، فلا يصح تركه؛ إذ هو غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا، وإنما هو متمكن من مثله حقيقة، وهو زنى آخر مثلا، فلو جب لم تصح منه حقيقة الزنى، بل: الذي يصح منه أن يقدر أنه لو كان متمكنا من الزنى لتركه. فلو قدرنا من لم يقع منه ذنب لم يصح منه إلا اتقاء ما يمكن أن يقع، لا ترك مثل ما وقع، فيكون متقيا لا تائبا، فتدبر هذا.
و(قوله: لأجل الله تعالى) تحرز من ترك ذلك لغير الله تعالى؛ إذ ذلك لا يكون تائبا اتفاقا، فلا يكون فعله ذلك توبة، وهذا واضح، وإذا تقرر هذا فاعلم أن الباعث على التوبة تنبيه إلهي ينبه به من أراد سعادته لقبح الذنوب وضررها؛ فإنها سموم مهلكة تفوت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه وكرامته في الدار الآخرة. ومن انكشف له هذا، وتفقد نفسه وجد نفسه مشحونة بهذا السم، ومملوءة بهذه الآفات، فلا شك في أن
стр. 4069
رسول الله ﷺ يقول: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبدِهِ المُؤمِنِ مِن رَجُلٍ فِي أَرضٍ دَوِّيَّةٍ مَهلِكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَنَامَ فَاستَيقَظَ وَقَد
ــ
من حصل له علم ذلك، انبعث منه خوف هجوم الهلاك، فتتعين عليه المبادرة لطلب أمر يدفع به عن نفسه ضرر ما يتوقعه ويخافه. فحينئذ ينبعث منه الندم على ما فرط، وترك مثل ما سبق؛ مخافة عقوبة الله تعالى، فيصدق عليه أنه تائب، فإن لم يكن كذلك كان مصرا على المعصية، وملازما لأسباب الهلكة.
ثم اعلم بعد هذا: أن الذنوب إما كفر، وإما غيره، فتوبة الكافر عند موته مقطوع بعدم قبولها، وما عداها فمقبولة إن شاء الله، بوعده الصدق، وقوله الحق.
وأعني بالقبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل ذنبا، كما قال ﷺ : التائب من الذنب كمن لا ذنب له (١). ثم إن الذنب الذي يتاب منه إما حق لله تعالى، وإما حق لغيره، فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك الذي ذكرناه، غير أن منها: ما لم يكتف الشرع منه بمجرد الترك، بل: أضاف إلى ذلك في بعضها قضاء، كالصلاة والصوم، ومنها: ما أضاف إليها كفارة، كالحنث في الأيمان والظهار وغير ذلك، فلا يرتفع ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله تعالى به من القضاء والكفارة. وأما حقوق الآدميين، فلا بد من إيصالها إلى مستحقيها، فإن لم توصل إلى أربابها لم يتخلص من ضرر ذلك الذنب إلا بتركه وفعل ما أمره الله به، ومن اجتهد في الخروج عن الحقوق، فلم يقدر على الخروج منها، فعفو الله مأمول، وفضله مبذول، وكم ضمن من التبعات، وكم بذل من السيئات بالحسنات، وتفصيل ما أجملناه موجود في كتب مشايخ الإسلام، ﵏.
و(قوله: لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة. . . الحديث) هذا مثل قُصد به بيان سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب
стр. 4070
ذَهَبَت، فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدرَكَهُ العَطَشُ، ثُمَّ قَالَ: أَرجِعُ إِلَى مَكَانِيَ الَّذِي كُنتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاستَيقَظَ وَعِندَهُ رَاحِلَتُهُ، وَعَلَيهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ العَبدِ المُؤمِنِ مِن هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ.
رواه أحمد (١/ ٣٨٣)، والبخاريُّ (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)، والترمذيُّ (٢٤٩٩ و ٢٥٠٠).
ــ
فإنَّه يقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة من يفرح به. ووجه هذا المثل: أن العاصي حصل بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأسره. وقد أشرف على الهلاك. فإذا لطف الله تعالى به، وأرشده للتوبة، خرج من شؤم تلك المعصية، وتخلص من أسر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل الله تعالى عليه برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح، واستفزه السرور إلى أن نطق بالمحال، ولم يشعر به لشدة سروره وفرحه، وإلا فالفرح الذي هو من صفاتنا محال على الله تعالى؛ لأنَّه اهتزاز وطرب يجده الإنسان من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به الإنسان نقصانه، ويسد به خلته، أو يدفع عن نفسه ضررا، أو نقصا، وكل ذلك محال على الله تعالى، فإنَّه الكامل بذاته، الغني بوجوده، الذي لا يلحقه نقص ولا قصور، لكن هذا الفرح عندنا له ثمرة وفائدة، وهو الإقبال على الشيء المفروح به، وإحلاله المحل الأعلى، وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى، فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسميتها الشيء باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب. وقد قدمنا أن ذلك القانون جار في كل ما أطلقه الله تعالى على نفسه من الصفات التي لا تليق به، كالغضب والرضا والضحك، وغير ذلك.
و(قوله: دوية مهلكة) الرواية المشهورة بفتح الدال، وتشديد الواو المكسورة، وتشديد الياء مفتوحة، وهي: القفر والفلاة. وجمعها: داوي. قال
стр. 4071
[٢٦٦٧] ومن حديث أنس: فأخذ بخطامها فقال من شدة الفرح: اللهم، أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح.
رواه أحمد (٣/ ٢١٣)، والبخاريُّ (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧)(٧).
* * *
ــ
الخليل: الداوية: المفازة. وقال الهروي في خطبة الحجاج:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الداوي
قال: يعني الفلوات. الواحدة: داوية. في الصحاح: الدو والدوي: المفازة، وكذلك الدوية، لأنها مفازة مثلها، فنسبت إليها، قال: والدو أيضًا موضع، وهو من أرض العرب. وربما قالوا: داوية، قلبوا الواو الأولى الساكنة ألفا لانفتاح ما قبلها، ولا يقاس عليه.
و(قوله: مهلكة) الرواية بفتح الميم واللام، أي: يهلك فيها، وقد قُيد مهلكة بضم الميم وكسر اللام، اسم فاعل، أي: يهلك من يدخل فيها، وإنما سميت القفر المفازة من قولهم: فوز الرجل: إذا هلك. وقيل: بل على طريق التفاؤل، كما يقال للديغ: سليم.
و(قول الحارث بن سويد: حدثني عبد الله حديثين، أحدهما عن رسول الله ﷺ ، والآخر عن نفسه). ثم حدث بالحديث الذي ذكرناه في التوبة. ولم يذكر مسلم الحديث الأول الذي حدث به نفسه، وقد ذكره البخاري والترمذي وغيرهما، فقال: المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا (١)، فهذا هو الذي حدثه ابن مسعود عن نفسه، لا أنه رفعه للنبي ﷺ ، وهو صحيح المعنى، يشهد له ما في الوجود من خوف المؤمن، وتهاون الفاجر والمنافق.
стр. 4072
(٢) باب ما يخاف من عقاب الله على المعاصي
[٢٦٦٨] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد.
رواه أحمد (٢/ ٣٣٤)، ومسلم (٢٧٥٥)، والترمذي (٣٥٣٦).
[٢٦٦٩] وعنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ - لَم يَعمَل حَسَنَةً قَطُّ - لِأَهلِهِ إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذرُوا نِصفَهُ فِي البَرِّ وَنِصفَهُ فِي البَحرِ،
ــ
و(قوله: لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد) يعني: لو علم ذلك، وجرد النظر إليه، ولم يلتفت إلى مقابله، وأما إذا نظر إلى مقابل كل واحد من الطرفين، فالكافر ييأس من رحمة الله تعالى، والمؤمن يرجو رحمة الله تعالى، ويخاف عقابه، كما قال بعضهم: لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا.
و(قوله: قال رجل لم يعمل خيرا (١) قط) هذه الرواية فيها توسع في العبارة؛ لأنَّا نعلم قطعا أن هذا الرجل كان متدينا بدين حق، ومن كان كذلك لا بد أن يعمل حسنة: صوما، أو صلاة، أو تلفظا بخير، أو شيئًا من الخير الذي تقتضيه شريعته، وإنما الرجل كان خطاء، كثير المعاصي، وقد نص على هذا المعنى في رواية أخرى في الأصل فقال: أسرف رجل على نفسه، فلما حضرته الوفاة. . . (٢) وذكر الحديث.
стр. 4073
فَوَاللَّهِ لَئِن قَدَرَ اللَّهُ عَلَيهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِن العَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُم، فَأَمَرَ اللَّهُ البَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ البَحرَ
ــ
و(قوله: لئن قدر الله عليه ليعذبنه) الرواية التي لا يعرف غيرها: (قَدَر) بتخفيف الدال، وظاهر هذا اللفظ أنه شك في كون الله تعالى يقدر على إحيائه وإعادته، ولذلك أمر أهله أن يحرقوه، ويسحقوه، ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فكأنه توقع إذا فعل به ذلك تعذرت إعادته. وقد أوضح هذا المعنى ما رواه بعض الرواة في غير كتاب مسلم قال: فلعلي أُضل الله أي: أغيب عنه. وهذا ظاهر في شك الرجل في علم الله تعالى، والأولى ظاهرة في شكه في أنه تعالى يقدر على إعادته، ولما كان هذا، انقسم الناس في تأويل هذا الحديث قسمين: القسم الأول طائفة حملت ذلك على ظاهره، وقالوا: إن هذا الرجل جهل صفتين من صفات الله تعالى وهما: العلم والقدرة، ومن جهل ذلك لم يخرج من اسم الإيمان، بخلاف من جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، مع أنه قد كان تقدَّم له قول آخر بأنه مكفر. وهو مذهب الطبري.
قلت: وهذه الطائفة انصرفت عن معنى الحديث إلى معنى آخر، اختلف فيه المتكلمون. وهو تكفير من اعترف بأن الله قادر بلا قدرة، وعالم بلا علم، ومريد بلا إرادة، فهل يكفر أم لا يكفر؟ على اختلاف القولين المتقدمين. ولا يختلف المسلمون في أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالما به وقادرا على إعادته كافر، حلال الدم في الدنيا، مخلد في النار في الآخرة؛ لأنَّ ذلك معلوم من الشرع بالضرورة، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول ﷺ قطعا.
فمقتضى الحديث بظاهره أن الرجل كافر على مقتضى شريعتنا. ولذلك قالت طائفة: فلعل شرع ذلك الرجل لم يكن فيه الحكم بتكفير من جهل ذلك، أو شك فيه، والتكفير حكم من الأحكام الشرعية، فيجوز أن تختلف الشرائع فيه، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلنَا مِنكُم شِرعَةً وَمِنهَاجًا﴾
стр. 4074
فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلتَ هَذَا؟ قَالَ: مِن خَشيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنتَ أَعلَمُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ.
رواه البخاريُّ (٧٥٠٦)، ومسلم (٢٧٥٦)(٢٤).
ــ
قلت: وهذا فيه نظر؛ لأنَّ هاتين القاعدتين من ضروريات الشرائع، إذ لا تصح شريعة مع الجهل بأنَّ الله عالم قادر مريد، ولا مع الشك فيها، فلا بد أن تنص الرسل لقومهم على هذه الصفات، مع أن العقول تدل عليها، فيكون العلم بها (١) ضروريا من كل الشرائع، كما كان ذلك ضروريا في شرعنا، فيكون جاحد ذلك والشاك فيه مكذبا لرسوله، وتكذيب الرسل كفر في كل شرع بالضرورة.
وقالت طائفة ثالثة: يجوز أن تكون شريعة أولئك القوم أن الكافر يغفر له، فإنَّ هذا جائز عقلا، فلا يبعد أن يكون ذلك شرعا مع القطع بأن ذلك لا يصح في شرعنا، ومن شك فيه فهو كافر.
قلت: وهذا يتطلب أيضًا أحاديث الشفاعة المتقدِّمة في الإيمان، فإنها تقتضي أن أهل التوحيد المعذبين في النار إذا شفع فيهم أنبياؤهم، وشفع نبينا ﷺ حتى لا يبقى أحد من أمته في النار قال حينئذ نبينا: يا رب! ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول الله له: ليس ذاك إليك، فحينئذ يقول الله: وعزتي وجلالي لأخرجن من قال لا إله إلا الله (٢). وعمومات القرآن تدل على أن من مات كافرا، كائنا من كان، لا يخرج من النار، ولا تناله شفاعة شافع.
القسم الثاني: قالوا: إنه لم يكن جاهلا بصفة من صفات الله تعالى، ولا شاكا في شيء منها، وتأولوا الحديث تأويلات:
أحدها: أن الرجل صدر عنه ما صدر حالة خوف غالب عليه، فغلط، فلم
стр. 4075
[٢٦٧٠] وعن أبي سعيد الخدري، عَن النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا فِيمَن كَانَ قَبلَكُم رَاشَهُ اللَّهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفعَلُنَّ مَا آمُرُكُم بِهِ أَو لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيرَكُم، إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحرِقُونِي - وَأَكبَرُ عِلمِي أَنَّهُ قَالَ: - ثُمَّ
ــ
يؤاخذ بقوله ذلك، كما لم يؤاخذ القائل: اللهم أنت عبدي وأنا ربك (١).
وثانيها: أن هذا جار على نحو ما قد جرى في كلام العرب البليغ مِمَّا يسميه أهل النقد: تجاهل العارف، وسماه ابن المعتز: مزج الشك باليقين، وهو نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَو يَخشَى﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَو فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، وكقول الشاعر:
أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ... وبين النقا أأنت أم أم سالم
وقد علم أنها هي. ومثله كثير.
وثالثها: أن قدر معناه: ضيق. يعني أن الله تعالى إن ناقشه الحساب وضيقه عليه ليعذبنه أشد العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقُهُ﴾ أي: ضيق عليه، وهذا التأويل حسن، لكنه يخص لفظ قدر، والتأويل الأول أولى لأنه يعم: (قدر)، و (لعلي أضل الله) ويشهد لكون هذا الحديث مؤولا، وليس على ظاهره قوله في آخر الحديث حين قال الله له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: خشيتك يا رب. فلو كان جاهلا بالله أو بصفاته، لما خافه، ولما عمل شيئا لله، والله تعالى أعلم.
و(قوله: راشه الله مالا) كذا الرواية الصحيحة، ومعناه: أكسبه الله مالا. قال ابن الأعرابي: الرياش: المال. قال القتبي: أصله من الريش، كأن المعدم لا نهوض له مثل المقصوص من الطير. وعند الفاسي: رَأَسَه، بألف مهموزة وسين مهملة، وهو تصحيف، ولا وجه له. وفي رواية: رغسه الله مالا وولدا بغين
стр. 4076
اسحَقُونِي وَاذرُونِي فِي الرِّيحِ؛ فَإِنِّي لَم أَبتَهِر عِندَ اللَّهِ خَيرًا، وَإِنَّ اللَّهَ يَقدِرُ عَلَيَّ أَن يُعَذِّبَنِي. قَالَ: فَأَخَذَ مِنهُم مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ وَرَبِّي، فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ: فَمَا تَلَافَاهُ غَيرُهَا.
وفي رواية: رغسه الله مالا وولدا. وفيها: لم يبتئر عبد الله خيرا. فسرها قتادة: لم يدخر.
وفي أخرى: ما ابتأر.
وفي أخرى ما امتأر.
رواه البخاريُّ (٣٤٧٨)، ومسلم (٢٧٥٧) (٢٧ و ٢٨).
* * *
ــ
معجمة وسين مهملة، أي: أعطاه الله تعالى من ذلك كثيرا. قال أبو عبيد: يقال: رغسه الله يرغسُه رغسا: إذا كان ماله ناميا كثيرا، وكذلك هو في الحسب.
و(قوله: فلم يبتهر) بالهاء رواية الشيوخ، وعند ابن ماهان: لم يبتئر، بالهمزة، وكلاهما بمعنى واحد، والهمزة تبدل من الهاء، وكذلك ابتار وامتار بالباء والميم، فإنَّها تبدل منها. وقد فسرها في الأصل فقال: لم يدخر. وهو تفسير صحيح، ويشهد له المعنى والمساق.
و(قوله: فإنَّ الله يقدر على أن يعذبني) وجدنا الروايات والنسخ تختلف في ضبط هذه الكلمات، وحاصله يرجع إلى تقييدين:
أحدهما: تشديد إن مكسورة، ونصب الاسم المعظم بها، ويقدر مرفوعا فعل مضارع، وهو خبر إن، على أنّ يعذبني متعلق به، وهذا خبر محقق عن الرجل، أخبر به عن نفسه أن الله يقدر على تعذيبه، وهي رواية صحيحة لقول من قال: لم يكن جاهلا ولا شاكا، وإنما كان خائفا.
стр. 4077
(٣) باب في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته
[٢٦٧١] عن عبد الله بن مسعود قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ المَدحُ مِن اللَّهِ ، مِن أَجلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفسَهُ، وَلَيسَ
ــ
وثانيهما: تخفيف إن المكسورة، ورفع اسم الله تعالى بعدها، وجزم يقدر بها، علي مشددة الياء، ويعذبني مجزوم على جواب الشرط. وهذه الرواية مصححة لقول من قال: إن الرجل كان شاكا، على ما ذكرناه. والأول أشبه ما اخترناه، والله تعالى أعلم.
ومعظم فوائد هذا الحديث أن المسرف على نفسه لا ييأس من رحمة الله تعالى ومغفرته، وفيه ما يدلّ على أنه كان من شرائع من قبلنا أن للرجل أن يورث ماله من يشاء من الناس، فنسخ ذلك شرعنا.
(٣) ومن باب: رجاء مغفرة الله سبحانه وسعة رحمته
(قوله: ليس أحد أحب إليه المدح من الله) التقييد الصحيح رفع أحب على أنه خبر مقدم، ومبتدؤه: المدح، والجملة خبر: ليس. وقد قيده بعض الناس: أحبَّ، بالنصب على أنه خبر: ليس، وفيه بُعد وتكلف، وقد تقدَّم القول في محبة الله غير مرة، ومعناها هنا: أن الله تعالى يثيب مادحيه بما لا يثيب أحد من الخلق مادحه.
و(قوله: من أجل ذلك مدح نفسه) أي: من أجل أن يثيب مادحيه مدح نفسه، لا أنه يهتز للمدح ويرتاح له؛ فإنَّ ذلك من سمات فقرنا وحدوثنا، وهو منزه عن ذلك كله، وقد تقدَّم القول في غيرة الله تعالى في الحدود.
стр. 4078
أَحَدٌ أَغيَرَ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ، وَلَيسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيهِ العُذرُ مِن اللَّهِ، مِن أَجلِ ذَلِكَ أَنزَلَ الكِتَابَ وَأَرسَلَ الرُّسُلَ.
رواه أحمد (١/ ٣٨١)، والبخاريُّ (٥٢٢٠)، ومسلم (٢٧٦٠)(٣٥).
[٢٦٧٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وَإِنَّ المُؤمِنَ يَغَارُ، وَغَيرَةُ اللَّهِ أَن يَأتِيَ المُؤمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٣)، والبخاريُّ (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)، والترمذيُّ (١١٦٨).
[٢٦٧٣] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفسِي
ــ
و(قوله: وليس أحد أحب إليه العذر من الله تعالى) أي: الاعتذار، يعني التقدمة بالبيان والأعذار، ويحتمل أن يريد الاعتذار من عباده له من ذنوبهم إذا استغفروا منها.
و(قوله: ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله (١)) الصبر في اللغة: حبس النفس على ما تكرهه، أو يشق عليها، وذلك على الله تعالى محال، لكنه قد يكون معه الصفح عن الجاني، والحلم عليه والرفق به، وكل ذلك موجود من الله تعالى فحسن أن يطلق الله تعالى ذلك على نفسه، وقد سمى نفسه بالصبور كما جاء في الحديث.
стр. 4079
بِيَدِهِ لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُم، وَلَجَاءَ بِقَومٍ يُذنِبُونَ فَيَستَغفِرُونَ اللَّهَ فَيَغفِرُ لَهُم.
رواه مسلم (٢٧٤٩).
[٢٦٧٤] وعن أبي أيوب: نحوه
رواه مسلم (٢٧٤٨) (٩ و ١٠)، والترمذيُّ (٣٥٣٣).
[٢٦٧٥] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ قَالَ: لَمَّا قضى اللَّهُ الخَلقَ كَتَبَ فِي كتاب على نفسه - فهو موضوع عنده -: إِنَّ رَحمَتِي تَغلِبُ غَضَبِي.
رواه أحمد (٢/ ٣٨١)، والبخاريُّ (٧٥٥٤)، ومسلم (٢٧٥١)(١٦).
ــ
و(قوله: لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، ويستغفرون الله فيغفر لهم) هذا خبر من الله تعالى عن ممكن مقدور الوقوع مع علم الله تعالى بأنه لا يقع، فحصل منه أن الله تعالى يعلم حال المقدر الوقوع، كما يعلم حال المحقق الوقوع، ونحو من هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَو رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنهُ﴾ وقد عبر بعض العلماء عن هذا بأن قال: إن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لو كان كيف كان يكون، وحاصل هذا الحديث: أن الله تعالى سبق في علمه أنه يخلق من يعصيه فيتوب، فيغفر له، فلو قدر ألا عاصي يظهر في الوجود لذهب الله تعالى بالطائعين إلى جنته، ولخلق من يعصيه فيغفر له، حتى يوجد ما سبق في علمه، ويظهر من مغفرته ما تضمنه اسمه الغفار، ففيه من الفوائد: رجاء مغفرته والطماعية في سعة رحمته.
стр. 4080
[٢٦٧٦] وعنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحمَةٍ، أَنزَلَ مِنهَا رَحمَةً بَينَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالبَهَائِمِ وَالهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ وَبِهَا
ــ
و(قوله: لما قضى الله الخلق: كتب في كتاب عنده (١)، على نفسه) أي: لما أظهر قضاءه، وأبرز أمره لمن شاء، أظهر كتابا في اللوح المحفوظ، أو فيما شاءه، فقضاه خبر حق، ووعد صدق: إن رحمتي تغلب غضبي أي: تسبقه وتزيد عليه. وقد تقدَّم القول في غضب الله ورضاه، وأن ذينك يرجعان إلى إرادته، وإلى متعلقها من إيصال المنافع والألطاف إلى المرحوم، أو إيصال المضار والانتقام للمغضوب عليه، فيرجع غضبه إذًا ورحمته إلى الأفعال، وهو المراد بهذا الحديث. وإذا ظهر هذا فمعنى غلبة الرحمة، أو سبقها على ما جاء في الرواية الأخرى: أن رفقه بالخلق وإنعامه عليهم، ولطفه بهم، أكثر من انتقامه وأخذه، كيف لا، وابتداؤه الخلق وتكميله وإتقانه، وترتيبه، وخلق أول نوع الإنسان في الجنة، كل ذلك رحمته السابقة، وكذلك ما رتب على ذلك من النعم والألطاف في الدنيا والآخرة، وكل ذلك رحمات متلاحقات، ولو بدأ بالانتقام لما كمل لهذا العالم نظام. ثم العجب أن الانتقام به كملت الرحمة والإنعام، وذلك أن بانتقامه من الكافرين كملت رحمته على المؤمنين، وبذلك حصل صلاحهم وإصلاحهم، وتم لهم دينهم وفلاحهم، وظهر لهم قدر نعمة الله عليهم في صرف ذلك الانتقام عنهم، فقد ظهر أن رحمته سبقت غضبه، وإنعامه غلب انتقامه.
و(قوله: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة) هذا نص في أن الرحمة يراد بها متعلق إرادة الحق سبحانه، لا نفس الإرادة، وأنها راجعة إلى المنافع والنعم، ومقتضى هذا الحديث: أن الله تعالى علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع، فأرسل منها فيهم في هذه الدار نوعا واحدا، فبه انتظمت مصالحهم،
стр. 4081
يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعطِفُ الوَحشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسعًا وَتِسعِينَ رَحمَةً، يَرحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَومَ القِيَامَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، ومسلم (٢٧٥٢)(١٩)، وابن ماجه (٤٢٩٣).
[٢٦٧٧] وعَن سَلمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَومَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ، مِائَةَ رَحمَةٍ، كُلُّ رَحمَةٍ طِبَاقَ مَا بَينَ السَّمَاءِ
ــ
وحصلت مرافقهم، كما نبه عليها في بقية الحديث، فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي في علمه، وهو التسعة والتسعون، فكملت الرحمة كلها للمؤمنين، وهو المشار إليه بقوله: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ وهو الذي صرح به النبي ﷺ حيث قال لهم: إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه (١). وعند هذا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالمُؤمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فإنَّ ﴿رَحِيمًا﴾ من أبنية المبالغة التي لا شيء أبلغ منها، ويفهم من هذا أن الكافرين لا يبقى لهم في النار رحمة، ولا تنالهم نعمة، لا من جنس رحمات الدنيا، ولا من غيرها، إذ كمل كل ما علم الله من الرحمات للمؤمنين، ختم الله لنا بما ختم للمؤمنين، ووقانا أحوال الكافرين.
وما قلناه في هذا الحديث أولى من قول من قال: إن معنى قوله: إن لله مائة رحمة الإغياء والتكثير؛ لأنَّه لم تجر عادتهم بذلك في مائة، وإنما جرت بالسبعين، ولو جرت بذلك لكان ذلك مجازا، وما ذكرناه حقيقة، فكان أولى، والله أعلم.
و(قوله: إن الله خلق - يوم خلق السماوات والأرض - مائة رحمة معنى
стр. 4082
وَالأَرضِ، فَجَعَلَ مِنهَا فِي الأَرضِ رَحمَةً، فَبِهَا تَعطِفُ الوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَالوَحشُ وَالطَّيرُ بَعضُهَا عَلَى بَعضٍ، وَإِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أَكمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحمَةِ.
رواه أحمد (٤٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٣)(٢١).
[٢٦٧٨] وعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبي، فَإِذَا امرَأَةٌ مِن السَّبيِ تَبتَغِي، إِذَا وَجَدَت صَبِيًّا فِي السَّبيِ أَخَذَتهُ فَأَلصَقَتهُ بِبَطنِهَا وَأَرضَعَتهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرَونَ هَذِهِ المَرأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلنَا: لَا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقدِرُ عَلَى أَلا تَطرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَلَّهُ أَرحَمُ بِعِبَادِهِ مِن هَذِهِ بِوَلَدِهَا.
رواه البخاريُّ (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤).
* * *
ــ
خلق - هنا -: قدر، وهو أصل هذا اللفظ، كما قال زهير:
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثمَّ لا يفري
أي: يقدر، ويكون معناه: إن الله أظهر تقديره لتلك الرحمات، أي: علمه بها، يوم أظهر تقديره لاختراع السماوات. ويصح أن يقال: إن معنى خلق: اخترع وأوجد يوم خلق السماوات والأرض المائة الرحمة، فأرسل في هذا العالم نوعا واحدا من تلك الأنواع، وادخر في الجنة سائرها ليوم القيامة.
و(قوله: كل رحمة طباق بين السماء والأرض) إغياء وتكثير، وقد جاء هذا الإغياء بهذا النوع كثيرا في الشرع واللغة، وقد جاء في بعض ألفاظ رواة مسلم: جعل الله الرحم مائة جزء روي بضم الراء وفتحها، وهو بمعنى الرحمة، واللفظ الذي ذكرناه هو الأصح والأوضح.
و(قوله: فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبيا أخذته) قال القاضي:
стр. 4083
(٤) باب من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار
[٢٦٧٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ ، فِيمَا يَحكِي عَن رَبِّهِ ، قَالَ: أَذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ، وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ،
ــ
كذا في جميع نسخ مسلم، ولرواته فيه وهم، وفي كتاب البخاري: تسعى، مكان: تبتغي. وهو وجه الكلام وصوابه.
قلت: ولا خفاء بحسن رواية: تسعى، ووضوحها، لكن لرواية (تبتغي) وجه واضح، فلا يغلط الرواة كلهم، وذلك أن (تبتغي) معناه: تطلب ولدها، وحذف مفعوله للعلم به.
[(٤) ومن باب: من عاد إلى الذنب فليعد إلى الاستغفار] (١)
(قوله: أذنب عبد ذنبا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبا، علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب) يدلّ على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته، وحلمه وكرمه، ولا شك في أن هذا الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل الذي يثبت معناه في الجنان، فيحل به عقد الإصرار، ويندم معه على ما سلف من الأوزار. فإذًا الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها، ولذلك قال: خياركم كل مفتن تواب (٢). قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، وأما من قال
стр. 4084
ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ، اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذنَبَ فَقَالَ: أَي رَبِّ، اغفِر لِي ذَنبِي، فَقَالَ ﵎: أَذنَبَ عَبدِي ذَنبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ وَيَأخُذُ بِالذَّنبِ، اعمَل مَا شِئتَ فَقَد غَفَرتُ لَكَ.
رواه أحمد (٢/ ٤٠٥)، والبخاريّ (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)(٢٩).
* * *
ــ
بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصر على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار إذ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. وفائدة هذا الحديث أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنها انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه.
و(قوله: اعمل ما شئت فقد غفرت لك) قد تقدَّم القول فيه، ونزيد هنا نكتة، وهي: أن هذا الأمر يحتمل أن يكون معناه الإكرام، فيكون من باب قوله تعالى: ﴿ادخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب؛ لأنَّه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ - إن شاء الله - فيما يستقبل من شأنه.
* * *
стр. 4085
(٥) باب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾
[٢٦٨٠] عن عبد الله بن مسعود، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي عَالَجتُ امرَأَةً فِي أَقصَى المَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبتُ مِنهَا مَا دُونَ أَن أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا فَاقضِ فِيَّ مَا شِئتَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَد سَتَرَكَ اللَّهُ
ــ
(٥) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾
(قوله: إني عالجت امرأة) أي: حاولتها لأصيب منها غرضا وشهوة، وأقصى المدينة: ما بعد منها، يعني موضعا خاليا عن الناس.
و(قوله: إني أصبت منها ما دون أن أمسها) أي: لم أجامعها، وقد قال في رواية أخرى: إن الذي أصاب منها قبلة قبلها، وإياها عنى في الرواية الأخرى بقوله: أصبت حدا، ويحتمل أن يكون معناه: أصبت منها شيئا ممنوعا؛ لأن الحد في أصله هو المنع، ويحتمل أنه ظن أن في ذلك حدا فأطلق عليه ذلك. وهو الظاهر من قوله: أصبت حدا فأقم علي كتاب الله.
و(قوله: فانطلق فأتبعه النبي ﷺ رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ﴾ إنما دعاه النبي ﷺ بعد انصرافه عنه، لأن الله تعالى أنزل الآية بعد انصرافه بسبب سؤال الرجل المذكور، كما جاء نصا في رواية أخرى: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له. قال: فنزلت الآية (١). فبين أن الآية نزلت بسبب ذلك الرجل. وإقامة الصلاة: القيام بفعلها على سنتها والمثابرة عليها. وطرفا النهار: هما الصبح والعصر. وقيل: الظهر والعصر، وقيل: العشاء والمغرب. وزلفا من الليل: بفتح اللام على قراءة الجماعة، وهي الساعات المتقاربة، جمع زلفة، وهي القربة والمنزلة
стр. 4086
لَو سَتَرتَ على نَفسكَ، قَالَ: فَلَم يَرُدَّ عليه النَّبِيُّ ﷺ شَيئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانطَلَقَ، فَأَتبَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا دَعَاهُ فَتَلَا عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فَقَالَ رَجُلٌ مِن القَومِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذَا لَهُ خَاصَّةً؟ قَالَ: بَل لِلنَّاسِ كَافَّةً.
رواه أحمد (١/ ٤٤٥)، ومسلم (٢٧٦٣)(٤٢)، وأبو داود (٤٤٦٨)، والترمذيُّ (٣١١٢)، والنسائي في الكبرى (٧٣٢٤)، وابن ماجه (١٣٩٨).
[٢٦٨١] وعَن أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبتُ حَدًّا فَأَقِمهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَت الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ
ــ
وقرأها يزيد بضم اللام، وابن محيصن بسكونها، والمراد المغرب والعشاء، والله أعلم.
و(قوله: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذهِبنَ السَّيِّئَاتِ﴾) يعني الصلوات الخمس، كما قد جاء مفسرا عنه ﷺ ، قاله الطبري، وقال مجاهد: هي: لا إله إلا الله، والله أكبر والحمد لله.
قلت: واللفظ بحكم عمومه صالح لما قالاه، ولزيادة عليه، كما قال ﷺ : الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر (١). وقد تقدم القول في معنى هذا الحديث في الطهارة.
و(قوله: ﴿ذَلِكَ ذِكرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾) أي تذكر لمن تذكر واتعاظ لمن اتعظ، وقيل: إن هذا الرجل هو عمرو بن غزية، كان يبيع التمر، فقال لامرأة: في البيت
стр. 4087
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبتُ حَدًّا فَأَقِم فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: هَل حَضَرتَ مَعَنَا الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: قَد غُفِرَ لَكَ.
رواه مسلم (٢٧٦٤).
[٢٦٨٢] وفي رواية عن أبي أمامة قال: أَلَيسَ قَد تَوَضَّأتَ فَأَحسَنتَ الوُضُوءَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: ثُمَّ شَهِدتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَد غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَو قَالَ: ذَنبَكَ.
رواه مسلم (٢٧٦٥).
* * *
(٦) باب لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس
[٢٦٨٣] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ فِيمَن كَانَ قَبلَكُم رَجُلٌ قَتَلَ تِسعَةً وَتِسعِينَ نَفسًا، فَسَأَلَ عَن أَعلَمِ أَهلِ الأَرضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وَتِسعِينَ نَفسًا، فَهَل لَهُ مِن
ــ
تمر أجود من هذا، فدخلت، فوثب عليها وقبلها ثم تركها نادما. فجاء باكيا إلى النبي ﷺ ، فنزلت الآية، فقال له: هل حضرت معنا الصلاة؟ فقال: نعم. قال: غُفر لك، وقيل: إنها كانت صلاة العصر.
[(٦) ومن باب: لا ييأس من قبول التوبة ولو قتل مائة نفس] (١)
(قول الراهب لقاتل التسعة والتسعين: إنه لا توبة له). دليل على: قلة علم
стр. 4088
تَوبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَن أَعلَمِ أَهلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفسٍ فَهَل لَهُ مِن تَوبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَم،
ــ
ذلك الراهب، وعدم فطنته، حيث لم يصب وجه الفتيا، ولا سلك طريق التحرز على نفسه، ممن صار القتل له عادة معتادة، فقد صار هذا مثل الأسد الذي لا يبالي بمن يفترسه، فكان حقه ألا يشافهه بمنع التوبة مداراة لدفع القتل عن نفسه، كما يداري الأسد الضاري، لكنه أعان على نفسه، فإنَّه لما آيسه من رحمة الله وتوبته قتله، بحكم سبعيته ويأسه من رحمة الله وتوبته عليه، ولما لطف الله به بقي في نفسه الرغبة في السؤال عن حاله. فما زال يبحث إلى أن ساقه الله تعالى إلى هذا الرجل العالم الفاضل، فلما سأله نطق بالحق والصواب، فقال له: ومن يحول بينك وبينها؟ مفتيا ومنكرا على من ينفيها عنه، ثم إنه أحاله على ما ينفعه، وهو مفارقته لأرضه التي كانت غلبت عليه بحكم عادة أهلها الفاسدة، ولقومه الذين كانوا يعينونه على ذلك، ويحملونه عليه. وبهذا يُعلم فضل العلم على العبادة، فإنَّ (ل ول غلبت عليه الرهبانية. واغتر بوصف الناس له بالعلم، فأفتى بغير علم، فهلك في نفسه وأهلك غيره.
والثاني كان مشتغلا بالعلم ومعتنيا به، فوفق للحق، فأحياه الله في نفسه، وأحيا به الناس. قال القاضي: ومذهب أهل السنة والجماعة أن التوبة تكفر القتل كسائر الذنوب، وهو قول كافة العلماء، وما روي عن بعضهم من تشديد في الزجر وتورية في القول فإنما ذلك؛ لئلا يجترئ الناس على الدماء، وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ فقيل: معناه: إن جازاه، وقيل: الخلود: طول الإقامة لا التأبيد، وقيل: الآية في رجل بعينه قتل رجلا له عليه دم بعد أخذ الدية، ثم ارتد، وقد تقدَّم القول على أن كل ما دون الشرك يجوز أن يغفره الله تعالى، وأنه ليس من ذلك شيء كفرا، قتلا كان أو ترك صلاة أو غيرها، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ولقوله في حديث عبادة بن الصامت ﵁: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا
стр. 4089
وَمَن يَحُولُ بَينَهُ وَبَينَ التَّوبَةِ؟ انطَلِق إِلَى أَرضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعبُدُونَ اللَّهَ، فَاعبُد اللَّهَ مَعَهُم، وَلَا تَرجِع إِلَى أَرضِكَ فَإِنَّهَا أَرضُ سَوءٍ. فَانطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ ملك المَوت فَاختَصَمَت فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ، وَمَلَائِكَةُ العَذَابِ، فَقَالَت مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقبِلًا بِقَلبِهِ
ــ
تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه (١). ولقوله ﷺ في حديث عبادة أيضًا: خمس صلوات افترضهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا، كان له عند الله عهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه (٢). وهذه حجج صريحة تبين فساد مذهب المكفرة بشيء من ذلك.
و(قوله: نصف الطريق) أي: بلغ نصفه، يقال: نصف الماء والشجرة وغيرهما: إذا بلغ نصف ذلك.
و(قوله: نأى بصدره) أي: نهض به مع ثقل ما أصابه من الموت، وذلك دليل على صحة توبته وصدق رغبته.
و(قوله: فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: إنه جاء تائبا مقبلا بقلبه). هذا نص صريح في أن الله تعالى أطلع ملائكة الرحمة على ما في قلبه من صحة قصده إلى التوبة وحرصه عليها، وأن ذلك خفي على ملائكة العذاب حتى قالت: إنه لم يعمل خيرا قط. ولو اطلعت على ما في قلبه من التوبة، لما صح لها أن تقول هذا، ولا تنازع ملائكة الرحمة في قولها: إنه
стр. 4090
إِلَى اللَّهِ، وَقَالَت مَلَائِكَةُ العَذَابِ: إِنَّهُ لَم يَعمَل خَيرًا قَطُّ، فَأَتَاهُم مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بَينَهُم، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَينَ الأَرضَينِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدنَى إِلَى الأَرضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتهُ مَلَائِكَةُ الرَّحمَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: قَالَ الحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ المَوتُ نَأَى
ــ
جاء تائبا مقبلا بقلبه، بل شهدت بما في علمها، كما شهد الآخرون بما تحققوه. لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادة ملائكة العذاب على عدم علم، وشهادة الإثبات مقدمة. فلا جرم لما تنازع الصنفان وخرج كلاهما عن الشهادة إلى الدعاوى، بعث الله إليهما ملكا حاكما يفصل بينهما، وصوره بصورة الآدمي، إخفاء عن الملائكة وتنويها ببني آدم، وأن منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا.
و(قوله: فجعلوه بينهم) فيه حجَّة لمالك على قوله: إن المتخاصمين إذا حكما بينهما رجلا يصلح للتحكيم لزمهما ما يحكم به، وقد خالفه في ذلك الشافعي.
و(قوله: فقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له). دليل على أن الحاكم إذا تعارضت الأقوال عنده، وتعذرت الشهادات، وأمكنه أن يستدل بالقرائن على ترجيح بعض الدعاوى، نفذ الحكم بذلك، كما فعله سليمان ﵇ حيث قال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما.
تنبيه: قال القاضي: جعل الله قُربه من القرية علامة للملك عند اختلافهم مع عدمهم معرفة حقيقة باطنه التي اطلع الله عليها، ولو تحققوا توبته لم يختلفوا ولم يحتاجوا للمقايسة.
قلت: وهذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله . وهذا نص في أن ملائكة الرحمة علمت ما في قلبه، فلو علمت
стр. 4091
بِصَدرِهِ. وزاد في أخرى: فَأَوحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِي وَإِلَى هَذِهِ أَن تَقَرَّبِي.
رواه أحمد (٣/ ٢٠)، والبخاريُّ (٣٤٧)، ومسلم (٢٧٦٦) (٤٦ و ٤٨)، وابن ماجه (٢٦٢٢).
* * *
ــ
ملائكة العذاب ما في قلبه لما تنازعوا؛ لأن الملائكة كلهم لا يخفى عليهم أن التوبة إذا صحت في القلب، وعمل على مقتضاها بالجوارح بالقدر الممكن، مقبولة بفضل الله تعالى، ووعده الصادق، والأحسن ما ذكرناه إن شاء الله تعالى، وإنما جعل الله قرب تلك الأرض سببا مرجحا لحجَّة ملائكة الرحمة، ومصدقا لصحة التوبة، وفيه دليل على أن أعمال الظاهر عنوان على الباطن.
و(قوله: فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي). إنما كان ذلك لما حكم الحاكم بقياس الأرض. ويفهم منه أن الرجل كان أقرب إلى الأرض التي خرج منها، فلو ترك الله الأرض على حالها، لقبضته ملائكة العذاب، لكن غمرته الألطاف الإلهية، وسبقت له العناية الأزلية، فقربت البعيد، وألانت الحديد. ويستفاد منه أن الذنوب وإن عظمت، فعفو الله أعظم منها، وأن من ألهم صدق التوبة. فقد سلك به طريق اللطف والقربة.
* * *
стр. 4092
(٧) باب يهجر من ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة وكيف تكون أحوال التائب
[٢٦٨٤] عن كعب بن مالك، يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّومَ، وَنَصَارَى العَرَبِ بِالشَّامِ، قَالَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ: لَم أَتَخَلَّف عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ، إِلَّا فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، غَيرَ أَنِّي قَد تَخَلَّفتُ فِي غَزوَةِ بَدرٍ، وَلَم يُعَاتِب أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنهُ، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَينَهُم وَبَينَ عَدُوِّهِم عَلَى غَيرِ مِيعَادٍ، وَلَقَد شَهِدتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقنَا عَلَى الإِسلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشهَدَ بَدرٍ، وَإِن كَانَت بَدرٌ أَذكَرَ فِي النَّاسِ مِنهَا، وَكَانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفتُ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، أَنِّي لَم أَكُن قَطُّ أَقوَى وَلَا أَيسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفتُ عَنهُ تِلكَ الغَزوَةِ، وَاللَّهِ مَا جَمَعتُ قَبلَهَا رَاحِلَتَينِ قَطُّ حَتَّى جَمَعتُهُمَا فِي تِلكَ الغَزوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاستَقبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا فَجَلَّى لِلمُسلِمِينَ أَمرَهُم لِيَتَأَهَّبُوا أُهبَةَ
ــ
(٧) ومن باب: يُهجَر مَن ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته، وقبول الله تعالى للتوبة الصادقة، وكيف تكون أحوال التائب
العير: الإبل التي عليها أحمالها. وقد جلى للناس أمرهم؛ أي: كشفه وأوضحه. يعني: أنه بين لهم وجهه.
стр. 4093
غَزوِهِم، فَأَخبَرَهُم بِوَجهِهِم الَّذِي يُرِيدُ، وَالمُسلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا يَجمَعُهُم كِتَابُ حَافِظٍ (يُرِيدُ بِذَلِكَ: الدِّيوَانَ).
قَالَ كَعبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَتَغَيَّبَ، يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ سَيَخفَى لَهُ مَا لَم يَنزِل فِيهِ وَحيٌ مِن اللَّهِ ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلكَ الغَزوَةَ حِينَ طَابَت الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيهَا أَصعَرُ. فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالمُسلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقتُ أَغدُو لِكَي أَتَجَهَّزَ مَعَهُم، فَأَرجِعُ وَلَم أَقضِ شَيئًا، وَأَقُولُ فِي نَفسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدتُ، فَلَم يَزَل ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى استَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فَأَصبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَادِيًا وَالمُسلِمُونَ مَعَهُ، وَلَم أَقضِ مِن جَهَازِي شَيئًا، ثُمَّ غَدَوتُ فَرَجَعتُ وَلَم أَقضِ شَيئًا، فَلَم يَزَل ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزوُ، فَهَمَمتُ أَن أَرتَحِلَ فَأُدرِكَهُم - فَيَا لَيتَنِي فَعَلتُ - ثُمَّ لَم يُقَدَّر ذَلِكَ لِي، فَطَفِقتُ إِذَا خَرَجتُ فِي النَّاسِ بَعدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَحزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغمُوصًا عَلَيهِ فِي النِّفَاقِ، أَو رَجُلًا مِمَّن عَذَرَ اللَّهُ مِن الضُّعَفَاءِ.
وَلَم يَذكُرنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي القَومِ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ؟ قَالَ رَجُلٌ مِن بَنِي
ــ
و(قوله: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له) كذا وقع هذا الكلام في سائر روايات مسلم، وفي نسخه، وسقط من الكلام (إلا) قبل (يظن) وبه يستقيم الكلام. وهي إيجاب بعدما تضمنه (َلّ) من معنى النفي؛ لأن معنى قوله: قل رجل، بمعنى: ما رجل، فكأنه قال: ما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له.
و(قوله: فأنا إليها أصعر) هو بالعين المهملة، ومعناه: أميل.
و(قوله: وتفارط الغزو) أي: تقدَّم الغزاة. والفرط والفارط: المتقدم. وجمعه: فراط. والأسوة: القدوة. والمغموص عليه: المعيب، المتهم، المحتقر.
стр. 4094
سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَبَسَهُ بُردَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطفَيهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ: بِئسَ مَا قُلتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمنَا عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَينَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا مُبَيِّضًا، يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كُن أَبَا خَيثَمَةَ، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيثَمَةَ الأَنصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمرِ حِينَ لَمَزَهُ المُنَافِقُونَ.
فَقَالَ كَعبُ بنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد تَوَجَّهَ قَافِلًا مِن
ــ
و(قوله: حبسه برداه والنظر في عطفيه) البردان: يعني به: الرداء والإزار، والرداء والقميص، وسماهما بردين؛ لأنَّ القميص والإزار قد يكونان من برود، والبرود: ثياب من اليمن فيها خطوط. ويحتمل أن تسميتها بردين على طريقة: العمرين، والبكرين، والقمرين. والعِطف: الجانب. وكأن هذا القائل كان في نفسه حقد، ولعله كان منافقا، فنسب كعبا إلى الزهو والكبر، وكانت نسبة باطلة بدليل شهادة العدل الفاضل معاذ بن جبل، إذ قال: بئس ما قلت، والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيرا. فيه جواز الذم والتقبيح للمتكلم في حق المسلم بالعيب والقبيح، ونصرة المسلم في حال غيبته، والرد عن عرضه.
و(قوله: إذ رأى رجلا مبيضا يزول به السراب)، هو بكسر الياء: اسم فاعل، من: بيض فهو مبيض؛ أي: أظهر بياض نفسه في السراب. ويزول: يتحرك ويضطرب. والسراب: ما يرى نصف النهار كأنه ماء.
و(قوله: كن أبا خيثمة) هذه صيغة أمر، ومعناها الخبر، أي: هو أبو خيثمة، وقيل معناها: لتوجد أبا خيثمة، واسمه عبد الله، وقيل: مالك بن قيس. ولمزه المنافقون: عابوه، واللمز: الطعن والعيب. وقافلا: راجعا. والبث: أشد الحزن. وطفقت: أخذت، وهي من أفعال المقاربة على ما تقدم. وأظل قادما: أقبل، وهو رباعي. وزاح: ذهب وزال. وأجمعت صدقه: عزمت عليه.
стр. 4095
تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا؟ وَأَستَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأيٍ مِن أَهلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَد أَظَلَّ قَادِمًا، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ حَتَّى عَرَفتُ أَنِّي لَن أَنجُوَ مِنهُ بِشَيءٍ أَبَدًا، فَأَجمَعتُ صِدقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأَ بِالمَسجِدِ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعتَذِرُونَ إِلَيهِ، وَيَحلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُم وَبَايَعَهُم وَاستَغفَرَ لَهُم، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُم إِلَى اللَّهِ، حَتَّى جِئتُ، فَلَمَّا سَلَّمتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئتُ أَمشِي حَتَّى جَلَستُ بَينَ يَدَيهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَم تَكُن قَد ابتَعتَ ظَهرَكَ؟ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي وَاللَّهِ لَو جَلَستُ عِندَ غَيرِكَ مِن أَهلِ الدُّنيَا لَرَأَيتُ أَنِّي سَأَخرُجُ مِن سَخَطِهِ بِعُذرٍ، وَلَقَد أُعطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ، لَقَد عَلِمتُ لَئِن حَدَّثتُكَ اليَومَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَن يُسخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِن حَدَّثتُكَ حَدِيثَ صِدقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرجُو فِيهِ عُقبَى اللَّهِ، وَاللَّهِ، مَا كَانَ لِي عُذرٌ، وَاللَّهِ، مَا كُنتُ قَطُّ أَقوَى وَلَا أَيسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفتُ عَنكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا هَذَا فَقَد صَدَقَ،
ــ
و(قوله: وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه) إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقوم بشكر نعمة الله تعالى عليه في سلامته، ويسلم عليه الناس، وليسن ذلك في شرعه. والجدل: الخصومة المحكمة. والظهر هنا: الإبل التي يحمل على ظهورها. ومرارة بن ربيعة، كذا وقع في كتاب مسلم، وذكره البخاري: ابن الربيع. وذكره أبو عمر بالوجهين، ونسبه مسلم فقال: العامري. والصواب: العمري، وكذا ذكره البخاري، وابن إسحاق، وأبو عمر بن عبد البر، وهو منسوب لعمرو بن عوف.
فَخَرَرتُ سَاجِدًا، وَعَرَفتُ أَن قَد جَاءَ فَرَجٌ.
قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوبَةِ اللَّهِ عَلَينَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِن أَسلَمَ قِبَلِي وَأَوفَى الجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوتُ أَسرَعَ مِن الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعتُ صَوتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعتُ ثَوبَيَّ، فَكَسَوتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَملِكُ غَيرَهُمَا يَومَئِذٍ، وَاستَعَرتُ ثَوبَينِ فَلَبِستُهُمَا، وَانطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوجًا فَوجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهنِئكَ تَوبَةُ اللَّهِ عَلَيكَ، حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَحَولَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ يُهَروِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ
ــ
والرحب - بضم الراء -: السعة. وأوفى: أطل وأشرف. وسلع: - بفتح السين وسكون اللام -: جبل بالمدينة معروف.
و(قوله: فخررت ساجدا) هذه سجدة الشكر، وظاهر هذا أنها كانت معلومة عندهم، معمولا بها فيما بينهم، وقال بها الشافعي ومالك في أحد قوليه، ومشهور مذهبه الكراهة. وركض الفرس: إجراؤه الجري الشديد. وكسوته للبشير ثوبيه مع كونه ليس له غيرهما، دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نحر عمر لما حفظ سورة البقرة جزورا.
و(قوله: فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة) أي: زمرة زمرة، وجماعة بعد جماعة. وفيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير، بل على ندبيتها إذا كانت دينية؛ فإنه إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم، وإظهار المحبة، وتصفية القلب بالمودة.
و(قوله: فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) دليل لمن
стр. 4100
مِن المُهَاجِرِينَ غَيرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعبٌ لَا يَنسَاهَا لِطَلحَةَ. قَالَ كَعبٌ: فَلَمَّا سَلَّمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ يَبرُقُ وَجهُهُ مِن السُّرُورِ، وَيَقُولُ: أَبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيكَ مُنذُ وَلَدَتكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَقُلتُ: أَمِن عِندِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَم مِن عِندِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ استَنَارَ وَجهُهُ كَأَنَّ وَجهَهُ قِطعَةُ قَمَرٍ، قَالَ: وَكُنَّا نَعرِفُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيهِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِن تَوبَتِي أَن أَنخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمسِك بَعضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ، قَالَ: فَقُلتُ: فَإِنِّي أُمسِكُ سَهمِيَ الَّذِي بِخَيبَرَ، قَالَ: وَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدقِ، وَإِنَّ مِن
ــ
قال بجواز القيام للداخل والمصافحة. وقد بينا الخلاف في ذلك في الجهاد.
و(قوله: وكان كعب لا ينساها لطلحة) أي: تلك القومة والبشاشة التي صدرت له منه. ومعناه: أن تلك الفعلة أكدت في قلبه محبته، وألزمته حرمته حتى عدها من الأيدي الجسيمة، والمنن العظيمة.
و(قوله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله) أي: إن من علامات صدق توبتي، أو من شكر توبتي أن أتصدق بمالي، أي إن علي ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرج مخرج الشكر وابتغاء الثواب. أقر عليه النبي ﷺ فكان ذلك جائزا، ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه بقوله: لا تنذروا (١) وقد بينا ذلك فيما تقدَّم. وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيرا محتاجا، وربما يفضي