فَخَرَرتُ سَاجِدًا، وَعَرَفتُ أَن قَد جَاءَ فَرَجٌ.
قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ بِتَوبَةِ اللَّهِ عَلَينَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِن أَسلَمَ قِبَلِي وَأَوفَى الجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوتُ أَسرَعَ مِن الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعتُ صَوتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعتُ ثَوبَيَّ، فَكَسَوتُهُمَا إِيَّاهُ بِبِشَارَتِهِ، وَاللَّهِ مَا أَملِكُ غَيرَهُمَا يَومَئِذٍ، وَاستَعَرتُ ثَوبَينِ فَلَبِستُهُمَا، وَانطَلَقتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوجًا فَوجًا، يُهَنِّئُونِي بِالتَّوبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهنِئكَ تَوبَةُ اللَّهِ عَلَيكَ، حَتَّى دَخَلتُ المَسجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي المَسجِدِ وَحَولَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللَّهِ يُهَروِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ
ــ
والرحب - بضم الراء -: السعة. وأوفى: أطل وأشرف. وسلع: - بفتح السين وسكون اللام -: جبل بالمدينة معروف.
و(قوله: فخررت ساجدا) هذه سجدة الشكر، وظاهر هذا أنها كانت معلومة عندهم، معمولا بها فيما بينهم، وقال بها الشافعي ومالك في أحد قوليه، ومشهور مذهبه الكراهة. وركض الفرس: إجراؤه الجري الشديد. وكسوته للبشير ثوبيه مع كونه ليس له غيرهما، دليل على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصول ما يستبشر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نحر عمر لما حفظ سورة البقرة جزورا.
و(قوله: فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة) أي: زمرة زمرة، وجماعة بعد جماعة. وفيه دليل على جواز التهنئة بأمور الخير، بل على ندبيتها إذا كانت دينية؛ فإنه إظهار السرور بما يسر به أخوه المسلم، وإظهار المحبة، وتصفية القلب بالمودة.
و(قوله: فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني) دليل لمن
стр. 4100
مِن المُهَاجِرِينَ غَيرُهُ، قَالَ: فَكَانَ كَعبٌ لَا يَنسَاهَا لِطَلحَةَ. قَالَ كَعبٌ: فَلَمَّا سَلَّمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ يَبرُقُ وَجهُهُ مِن السُّرُورِ، وَيَقُولُ: أَبشِر بِخَيرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيكَ مُنذُ وَلَدَتكَ أُمُّكَ، قَالَ: فَقُلتُ: أَمِن عِندِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَم مِن عِندِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَا، بَل مِن عِندِ اللَّهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ استَنَارَ وَجهُهُ كَأَنَّ وَجهَهُ قِطعَةُ قَمَرٍ، قَالَ: وَكُنَّا نَعرِفُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَستُ بَينَ يَدَيهِ قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِن تَوبَتِي أَن أَنخَلِعَ مِن مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمسِك بَعضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيرٌ لَكَ، قَالَ: فَقُلتُ: فَإِنِّي أُمسِكُ سَهمِيَ الَّذِي بِخَيبَرَ، قَالَ: وَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدقِ، وَإِنَّ مِن
ــ
قال بجواز القيام للداخل والمصافحة. وقد بينا الخلاف في ذلك في الجهاد.
و(قوله: وكان كعب لا ينساها لطلحة) أي: تلك القومة والبشاشة التي صدرت له منه. ومعناه: أن تلك الفعلة أكدت في قلبه محبته، وألزمته حرمته حتى عدها من الأيدي الجسيمة، والمنن العظيمة.
و(قوله: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله) أي: إن من علامات صدق توبتي، أو من شكر توبتي أن أتصدق بمالي، أي إن علي ذلك، فهي صيغة نذر والتزام، خرج مخرج الشكر وابتغاء الثواب. أقر عليه النبي ﷺ فكان ذلك جائزا، ولم يدخل في عموم النذر المنهي عنه بقوله: لا تنذروا (١) وقد بينا ذلك فيما تقدَّم. وعلى مقتضى هذا اللفظ فقد وجب عليه إخراج كل ماله، لكن لما كان ذلك يؤدي إلى أن يبقى فقيرا محتاجا، وربما يفضي
стр. 4101
تَوبَتِي أَلَّا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدقًا مَا بَقِيتُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ أَنَّ أَحَدًا مِن المُسلِمِينَ أَبلَاهُ اللَّهُ فِي صِدقِ الحَدِيثِ مُنذُ ذَكَرتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحسَنَ مِمَّا أَبلَانِي اللَّهُ بِهِ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدتُ كَذِبَةً مُنذُ قُلتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَومِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرجُو أَن يَحفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ.
قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسرَةِ مِن بَعدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُم ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَت عَلَيهِمُ الأَرضُ بِمَا رَحُبَت وَضَاقَت عَلَيهِم أَنفُسُهُم﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ــ
به ذلك إلى سؤال الناس، والى الدخول في مفاسد، اكتفى الشرع منه ببعضه فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك وهذا البعض الذي أمره بإمساكه هو الأكثر، والمتصدق به هو الأقل، كما قال في حديث سعد: الثلث والثلث كثير (١) كما تقدم.
و(قوله: فما أعلم أحدا أبلاه الله في صدق الحديث أحسن مما أبلاني) أي: أنعم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِن رَبِّكُم عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة. ويقال في الخير والشر، ثلاثيا ورباعيا، وقد جمع بينهما زهير فقال:
. . . . . . . . . . . . . ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (٢)
وأصله من الابتلاء، وهو الامتحان والاختبار. ويمتحن بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبلُوكُم بِالشَّرِّ وَالخَيرِ فِتنَةً﴾ والعسرة: الشدة وسوء الحال، وهو العسر أيضًا، وتزيغ: تميل وتذهب ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم﴾
стр. 4102
اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
قَالَ كَعبٌ: وَاللَّهِ مَا أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعمَةٍ قَطُّ بَعدَ أن هَدَانِي اللَّهُ لِلإِسلَامِ أَعظَمَ فِي نَفسِي مِن صِدقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، أَلَّا أَكُونَ كَذَبتُهُ فَأَهلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنزَلَ الوَحيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ سبحانه: ﴿سَيَحلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُم إِذَا انقَلَبتُم إِلَيهِم لِتُعرِضُوا عَنهُم فَأَعرِضُوا عَنهُم إِنَّهُم رِجسٌ وَمَأوَاهُم جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ * يَحلِفُونَ لَكُم لِتَرضَوا عَنهُم فَإِن تَرضَوا عَنهُم فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرضَى عَنِ القَومِ الفَاسِقِينَ﴾
قَالَ كَعبٌ: كُنَّا خُلِّفنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَن أَمرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُم وَاستَغفَرَ لَهُم، وَأَرجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفنَا تَخَلُّفَنَا
ــ
أي: ألهمهم أسباب التوبة، وأعانهم عليها، ليتوبوا، أي: ليقبلها منهم. وقيل: تاب عليهم قبل توبتهم، وليتوبوا: أي: ليدوموا عليها.
و(قوله: ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ ألا أكون كذبته فأهلك) كذا عند جميع رواة مسلم والبخاري: ألا أكون، وهي زائدة، وتقدير الكلام: أن أكون، وكما قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسجُدَ﴾ معناه: أن تسجد، وقد رواه الأصيلي عن البخاري: إلا أن أكون كذبته، وليست بشيء، والأولى الصواب. والرجس: المستخبث المستقذر المذموم.
و(قوله: كنا خلفنا أيها الثلاثة) أي: أخروا عن المنافقين، ولم يقض فيهم بشيء، وقد بين ذلك في بقية الحديث.
стр. 4103
عَن الغَزوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرجَاؤُهُ أَمرَنَا عَمَّن حَلَفَ لَهُ وَاعتَذَرَ إِلَيهِ فَقَبِلَ مِنهُ.
رواه أحمد (٦/ ٣٨٦)، والبخاري (٢٧٥٧)، ومسلم (٢٧٦٩)(٥٣)، وأبو داود (٢٢٠٢)، والنسائي (٢/ ٥٣).
* * *
(٨) باب تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها
[٢٦٨٥] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه.
رواه أحمد (٢/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٧٠٣).
ــ
(٨) ومن باب: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه
يعني: أن التوبة تصح وتقبل دائما إلى الوقت الذي تطلع فيه الشمس من حيث تغرب، فإذا كان ذلك طبع على كل قلب بما فيه، ولم تنفع توبة أحد، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَومَ يَأتِي بَعضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾ وسر ذلك وسببه: أن ذلك هو أول قيام الساعة؛ فإذا شوهد ذلك، وعوين حصل الإيمان الضروري، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المكلف به، وسيأتي القول في تحقيق القول في طلوع الشمس من مغربها.
стр. 4104
[٢٦٨٦] وعن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها.
رواه أحمد (٤/ ٣٩٥)، ومسلم (٢٧٥٩)(٣١).
* * *
ــ
و(قوله: إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) وقد تقدم الكلام على اليد المنسوبة لله تعالى غير مرة، وهذا الحديث أجري مجرى المثل الذي يفهم منه دوام قبول التوبة، واستدامة اللطف والرحمة، وهذا تنزل عن مقتضى: الغني، القوي، القاهر، إلى مقتضى: اللطيف، الرؤوف، الغافر، وهو نحو قوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِي يُقرِضُ اللَّهَ قَرضًا حَسَنًا﴾
و(قوله ﷺ : من يقرض غير عدوم ولا ظلوم (١). فمن لطيف لطفه: أنه خاطبنا مخاطبة الأخذ لنفسه، المحتاج. ومن عجائب كرمه: أنه استقرض مِنَّا ماله استقراض من احتاج، فنسأله بعظمته وجلاله، وبحق محمد وآله أن يعاملنا بلطفه وعفوه وإفضاله.
* * *
стр. 4105
(٣٩) كتاب الزهد
(١) باب هوان الدنيا على الله تعالى وأنها سجن المؤمن
[٢٦٨٧] عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفتيه، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله، فأخذ
ــ
(٣٩) كتاب الزهد
(١ و ٢ و ٣ و ٤ و ٥ و ٦) باب: هوان الدنيا على الله تعالى، وأنها سجن المؤمن (١)
(قوله: والناس كنفتيه) أي: بجنبتيه، ويروى: كتفيه: تثنية كتف، وهو منصوب على الظرف، وهو خبر المبتدأ.
و(قوله: بجدي أسك) أي: صغير الأذنين، ضيق صماخهما، وقيل: هو الذي لا يسمع.
стр. 4106
بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ قال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم.
رواه أحمد (٣/ ٣٦٥)، ومسلم (٢٩٥٧)(٢).
ــ
و(قوله: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) الدنيا: وزنها فعلى، وألفها للتأنيث، وهي من الدنو بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف، كما قال تعالى: ﴿وَمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ غير أنه قد كثر استعمالها استعمال الأسماء، فاستغني عن موصوفها، كما جاء في هذا الحديث. والمراد: الدار الدنيا، أو الحياة الدنيا التي تقابلها الدار الأخرى، أو الحياة الأخرى، ومعنى هوان الدنيا على الله: أن الله تعالى لم يجعلها مقصودة لنفسها؛ بل: جعلها طريقا موصلة إلى ما هو المقصود لنفسه، وأنه لم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وإنَّما جعلها دار رحلة وبلاء، وأنه ملكها في الغالب الكفرة والجهال، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال. وقد أوضح النبي ﷺ هذا المعنى فقال: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء (١)، وحسبك بها هوانا أن الله قد صغرها وحقرها، وذمها، وأبغضها وأبغض أهلها ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها، والتأهب للارتحال عنها، ويكفيك من ذلك ما رواه أبو عيسى الترمذي، عن النبي ﷺ أنه قال: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالم أو متعلم (٢).
стр. 4107
[٢٦٨٨] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٣)، ومسلم (٢٩٥٦)، والترمذيُّ (٢٣٢٤)، وابن ماجه (٤١١٣).
* * *
ــ
رواه من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. ولا يفهم من هذا الحديث إباحة لعن الدنيا وسبها مطلقا؛ لما رويناه من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبوا الدنيا، فنعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر، إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا لربه (١). خرجه الشريف أبو القاسم زيد بن عبد الله بن مسعود الهاشمي.
وهذا يقتضي المنع من سب الدنيا ولعنها، ووجه الجمع بينهما: أن المباح لعنه من الدنيا ما كان منها مبعدا عن الله، وشاغلا عنه، كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله تعالى من مال وولد فهو عليك مشؤوم، وهو الذي نبه الله على ذمه بقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنيَا لَعِبٌ وَلَهوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُم وَتَكَاثُرٌ فِي الأَموَالِ وَالأَولادِ﴾ وأما ما كان من الدنيا يقرب إلى الله تعالى، ويعين على عبادة الله تعالى، فهو المحمود بكل لسان، والمحبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يرغب فيه، ويحب، وإليه الإشارة بالاستثناء حيث قال: إلا ذكر الله، وما والاه، أو عالم أو متعلم وهو المصرح به في قوله: فإنَّها نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر وبهذا يرتفع التعارض بين الحديثين. والله أعلم.
و(قوله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) إنما كانت الدنيا كذلك، لأن
стр. 4108
(٢) باب ما للعبد من ماله وما الذي يبقى عليه في قبره
[٢٦٨٩] عن مطرف عن أبيه قال: أتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقرَأُ: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾
ــ
المؤمن فيها مقيد بقيود التكاليف، فلا يقدر على حركة ولا سكون إلا أن يفسح له الشرع، فيفك قيده، ويمكنه من الفعل أو الترك، مع ما هو فيه من توالي أنواع البلايا والمحن والمكابدات من الهموم والغموم والأسقام والآلام، ومكابدة الأنداد والأضداد والعيال والأولاد.
وعلى الجملة: (وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. يبتلى الرجل بحسب دينه (١) كما قاله ﷺ ، وأي سجن أعظم من هذا؟ ! ثم هو في هذا السجن على غاية الخوف والوجل، إذ لا يدري بماذا يختم له من عمل. كيف وهو يتوقع أمرا لا شيء أعظم منه، ويخاف هلاكا لا هلاك فوقه؟ ! فلولا أنه يرتجي الخلاص من هذا السجن لهلك مكانه، لكنه لطف به، فهون عليه ذلك كله بما وعد على صبره، وبما كشف له من حميد عاقبة أمره. والكافر منفك عن تلك الحالات بالتكاليف، آمن من تلك المخاويف، مقبل على لذاته، منهمك في شهواته، معتز بمساعدة الأيام، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، وعن قريب يستيقظ من هذه الأحلام، ويحصل في السجن الذي لا يرام، فنسأل الله السلامة من أهوال يوم القيامة.
و(قوله: (ألهاكم التكاثر) يعني: شغلكم الإكثار من الدنيا، ومن الالتفات إليها عما هو الأولى بكم من الاستعداد للآخرة، وهذا الخطاب
стр. 4109
قَالَ: يَقُولُ ابنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَل لَكَ يَا بنَ آدَمَ مِن مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلتَ فَأَفنَيتَ، أَو لَبِستَ فَأَبلَيتَ، أَو تَصَدَّقتَ فَأَمضَيتَ.
رواه أحمد (٤/ ٢٤)، ومسلم (٢٩٥٨)، والترمذي (٢٣٤٢)، والنسائي (٦/ ٢٣٨).
[٢٦٩٠] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَقُولُ العَبدُ: مَالِي مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِن مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفنَى أَو لَبِسَ فَأَبلَى، أَو أَعطَى فَاقتَنَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ.
رواه مسلم (٢٩٥٩).
[٢٦٩١] وعن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلَاثَةٌ، فَيَرجِعُ اثنَانِ وَيَبقَى وَاحِدٌ، يَتبَعُهُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرجِعُ أَهلُهُ وَمَالُهُ وَيَبقَى عَمَلُهُ.
رواه البخاريُّ (٦٥١٤)، ومسلم (٢٩٦٠)، والترمذيُّ (٢٣٧٩).
* * *
ــ
للجمهور إذ جنس الإنسان على ذلك مفطور، كما قال تعالى: ﴿كَلا بَل تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ وكما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ﴾
و(قوله: يقول ابن آدم: مالي مالي) أي: يغتر بنسبة المال إليه، وكونه في يديه، حتى ربما يعجب به ويفخر به، ولعله ممن تعب هو في جمعه، ويصل غيره إلى نفعه، ثم أخبر بالأوجه التي ينتفع بالمال فيها، وافتتح الكلام بـ (إنما) التي هي للتحقيق والحصر، فقال: إنما له من ماله ثلاث. وذكر الحديث.
و(قوله: أو أعطى فاقتنى) هكذا وقع هذا اللفظ عند جمهورهم، ووجهه:
стр. 4110
(٣) باب ما يحذر من بسط الدنيا ومن التنافس
[٢٦٩٢] عن عمرو بن عوف - وهو حليف بني عامر بن لؤي - وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ إِلَى البَحرَينِ يَأتِي بِجِزيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهلَ البَحرَينِ وَأَمَّرَ عَلَيهِم العَلَاءَ بنَ الحَضرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيدَةَ بِمَالٍ مِن البَحرَينِ، فَسَمِعَت الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ، فَوَافَوا صَلَاةَ الفَجرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُم، ثُمَّ قَالَ: أَظُنُّكُم سَمِعتُم أَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ قَدِمَ بِشَيءٍ مِن البَحرَينِ؟ فَقَالُوا: أَجَل يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم، فَوَاللَّهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِنِّي أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ الدُّنيَا عَلَيكُم كَمَا بُسِطَت
ــ
أعطى الصدقة فاقتنى الثواب لنفسه، كما قال في الرواية الأخرى: تصدقت فأمضيت (١)، وقد رواه ابن ماهان: فأقنى بمعنى: أكسب غيره، كما قال تعالى: ﴿أَغنَى وَأَقنَى﴾
و(قوله: فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ أي: جاؤوا فاجتمعوا عند صلاة الصبح معه ليقسم بينهم ما جاء به أبو عبيدة؛ لأنَّهم أرهقتهم الحاجة والفاقة التي كانوا عليها، لا الحرص على الدنيا، ولا الرغبة فيها، ولذلك قال لهم رسول الله ﷺ : أبشروا وأملوا ما يسركم، وهذا تهوين منه عليهم ما هم فيه من الشدة، وبشارة لهم بتعجيل الفتح عليهم.
و(قوله: والله ما الفقر أخشى عليكم) الفقر منصوب على أنه مفعول مقدم
стр. 4111
عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم.
وفي رواية: وتلهيكم كما ألهتهم، بدل (فتهلككم).
رواه أحمد (٤/ ٣٢٧)، والبخاريُّ (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١)، والترمذيُّ (٢٤٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٧).
[٢٦٩٣] وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا فُتِحَت عَلَيكُم فَارِسُ وَالرُّومُ، أَيُّ قَومٍ أَنتُم؟ قَالَ عَبدُ الرَّحمَنِ
ــ
بـ (أخشى)، ولا يجوز رفعه إلا على وجه بعيد، وهو أن يحذف ضمير المفعول، ونعامله معاملة الملفوظ، كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . . . . ... فثوبا نسيت وثوبا أجر (١)
فكأنه قال: فثوب نسيته، وثوب أجره، وهي قليلة بعيدة. وفيه ما يدلّ على أن الفقر أقرب للسلامة، والاتساع في الدنيا أقرب للفتنة، فنسأل الله الكفاف والعفاف.
و(قوله: فتنافسوها كما تنافسوها) أي: تتحاسدون فيها، فتختلفون وتتقاتلون فيهلك بعضكم بعضا، كما قد ظهر ووجد، وقد سمى في هذا الحديث التحاسد تنافسا؛ توسعا، لقرب ما بينهما، وقد بينا حقيقة كل واحد منهما فيما تقدم، ومعنى تلهيكم: تشغلكم عن أمور دينكم، وعن الاستعداد لآخرتكم.
و(قوله: إذا فتحت عليكم فارس والروم، أي قوم أنتم؟ ) هذا استفهام يشوبه إخبار منه ﷺ عن أمر قبل وقوعه، وقع على نحو ما أخبر عنه، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته ﷺ ، وكم له ﷺ منها، وكم! ومعنى: (أي قوم أنتم؟ )
стр. 4112
بنُ عَوفٍ: نَقُولُ كَمَا أَمَرَنَا اللَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَو غَيرَ ذَلِكَ، تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ، ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ، أَو نَحوَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَنطَلِقُونَ فِي مَسَاكِينِ المُهَاجِرِينَ فَتَجعَلُونَ بَعضَهُم عَلَى رِقَابِ بَعضٍ.
رواه مسلم (٢٩٦٢)، وابن ماجه (٣٩٩٦).
* * *
ــ
أي: على أي حال تكونون؟ فكأنه قال: أتبقون على ما أنتم عليه؟ أو تتغير بكم الحال؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله تعالى. أي: نقول قولا مثل الذي أمرنا الله، وكان هذا منه إشارة إلى قول الله تعالى: ﴿حَسبُنَا اللَّهُ وَنِعمَ الوَكِيلُ﴾ وذلك أنه فهم أن رسول الله ﷺ خاف عليهم الفتنة من بسط الدنيا عليهم، فأجابه بذلك، فكأنه قال: نستكفي الفتن والمحن بالله، ونقول كما أمرنا، وهذا إخبار منهم عما يقتضيه حالهم في ذلك الوقت، فأخبرهم النبي ﷺ بأنهم لا يبقون على تلك الحال، وأنها تتغير بهم. وقال بعض الشارحين: لعله: نكون كما أمرنا الله، وهذا تقدير غلط للرواة، لا يحتاج إليه مع صحة المعنى الذي أبديناه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: أو غير ذلك) هو بسكون الواو، وهي القاطعة، و (غير) بالنصب على إضمار فعل، تقديره: أو تفعلون غير ذلك، ويجوز رفعه على تقدير: أو يكون غير ذلك.
و(قوله: تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون) أي: تتسابقون إلى أخذ الدنيا، ثم تتحاسدون بعد الأخذ، ثم تتقاطعون، فيولي كل واحد منكم دبره عن الآخر معرضا عنه، ثم تثبت البغضاء في القلوب، وتتراكم حتى يكون عنها الخلاف، والقتال، والهلاك، كما قد وجد.
و(قوله: ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض)، وفي رواية السمرقندي: فتحملون، قال بعضهم: لعل أصول هذا
стр. 4113
(٤) باب لا تنظر إلى من فضل الله عليك في الدنيا وانظر إلى من فضلت عليه
[٢٦٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُم إِلَى مَن فُضِّلَ عَلَيهِ فِي المَالِ وَالخَلقِ، فَليَنظُر إِلَى مَن هُوَ أَسفَلَ مِنهُ مِمَّن فُضِّلَ عَلَيهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٤)، ومسلم (٢٩٦٣)(٨).
ــ
الكلام: ثم تنطلقون في مساكين المهاجرين. قال القاضي: لا أدري ما الذي حمل هذا على تفسير الرواية مع عدم توجيه الكلام على ما قبله، واستقلاله بالمراد، لا سيما مع قوله بعد هذا: فتحملون بعضهم على رقاب بعض. والأشبه أن يكون الكلام على وجهه، وأراد أن مساكين المهاجرين وضعفتهم ستفتح عليهم إذ ذاك الدنيا، حتى يكونوا أمراء بعضهم على رقاب بعض.
قلت: والعجب من إنكار القاضي على هذا المتأول، واختياره هذا المعنى الذي لا يقبله مساق الحديث، ولا يشهد له معناه، وذلك أن معنى الحديث: أنه أخبرهم أنهم تتغير بهم الحال، وأنهم يصدر عنهم أو عن بعضهم أحوال غير مرضية، تخالف حالهم التي كانوا عليها معه من التنافس والتباغض، وانطلاقهم في مساكين المهاجرين، فلا بد أن يكون هذا الوصف غير مرضي كالأوصاف التي قبله، وأن تكون تلك الأوصاف المتقدمة توجبه، وحينئذ يلتئم الكلام أوله وآخره، ولا يصح ذلك إلا بذلك التقدير الذي أنكر القاضي، فيكون معنى الحديث أنه إذا وقع التنافس والتحاسد والتباغض، حملهم ذلك على أن يأخذ القوي ما أفاءه الله تعالى على المسكين الذي لا يقدر على مدافعته، فيمنعه عنه ظلما، وهذا بمقتضى التنافس والتحاسد والتباغض، ويعضده رواية السمرقندي: فيحملون بعضهم
стр. 4114
[٢٦٩٥] وعنه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انظُرُوا إِلَى مَن هو أَسفَلَ مِنكُم وَلَا تَنظُرُوا إِلَى مَن هُوَ فَوقَكُم، فَهُوَ أَجدَرُ أَلَّا تَزدَرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيكُم.
رواه أحمد (٢/ ٢٥٤)، ومسلم (٢٩٦٣)(٩)، والترمذي (٢٥١٣)، وابن ماجه (٤١٤٢).
* * *
(٥) باب في الابتلاء بالدنيا وكيف يعمل فيها
[٢٦٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسرَائِيلَ: أَبرَصَ، وَأَقرَعَ، وَأَعمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَن يَبتَلِيَهُم، فَبَعَثَ إِلَيهِم مَلَكًا، فَأَتَى الأَبرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: لَونٌ حَسَنٌ، وَجِلدٌ
ــ
على رقاب بعضهم. أي: بالقهر والغلبة، وأما ما اختاره القاضي فغير ملائم للحديث، فتدبره تجده كما أخبرتك، والله تعالى أعلم.
و(قوله: انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) أي: اعتبروا بمن فضلتم عليه في المال، والخلق، والعافية، فيظهر عليكم ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه على ذلك، فتقومون بحق النعمة، وذلك بخلاف ما إذا نظر إلى ما فضل عليه غيره من ذلك؛ فإنَّه يضمحل عنده ما أنعم الله عليه به من النعم، ويحتقرها، فلا يحسبها نعما، فينسى حق الله فيها، وربما حمله ذلك النظر إلى أن تمتد عينه إلى الدنيا فينافس أهلها، ويتقطع لحسرة فوتها، ويحسد أهلها، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة.
و(قوله: فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم) هو عائد على مصدر: انظروا، وأجدر بمعنى أحق وأوجب، والازدراء: الاحتقار.
стр. 4115
حَسَنٌ، وَيَذهَبُ عَنِّي الَّذِي قَد قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنهُ قَذَرُهُ، وَأُعطِيَ لَونًا حَسَنًا، وَجِلدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الإِبِلُ - (أَو قَالَ: البَقَرُ، شَكَّ إِسحَاقُ - إِلَّا أَنَّ الأَبرَصَ أَو الأَقرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ وَقَالَ الآخَرُ: البَقَرُ) قَالَ: فَأُعطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَقرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَد قَذِرَنِي النَّاسُ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنهُ، وَأُعطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: البَقَرُ، فَأُعطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: فَأَتَى الأَعمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: أَن يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبصِرَ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيكَ؟ قَالَ: الغَنَمُ، فَأُعطِيَ شَاةً وَالِدًا، فَأُنتِجَ هَذَانِ وَوَلَّدَ هَذَا. قَالَ: فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِن الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِن البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِن الغَنَمِ.
ــ
و(قوله: ناقة عشراء) هي التي مضى لها من حملها عشرة أشهر، وجمعها: عشار، وكانت أنفس أموال العرب لقرب ولادتها، ورجاء لبنها. وقال ابن جني: هي التي أتى عليها بعد وضعها عشرة أشهر. في الصحاح: العشار - بالكسر - جمع عشراء: وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، وزال عنها اسم المخاض، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعدما تضع أيضًا. يقال: ناقتان عشراوان، ونوق عشار، وعشراوات، يبدلون من همزة التأنيث واوا، وقد عشرت الناقة تعشيرا: إذا صارت عشراء.
و(قوله: فأنتج هذان، وولد هذا) أي: تولى نتاج ناقته وولادة شاته، ووقع هنا (أنتج) رباعيا، والمعروف الثلاثي، وحكى الأخفش: نتجها وأنتجها، بمعنى، وقد أشبعنا القول فيه فيما تقدَّم.
(٦) باب الخمول في الدنيا والتقلل منها
[٢٦٩٧] عن عامر بن سعد قال: كَانَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي إِبِلِهِ، فَجَاءَهُ ابنُهُ عُمَرُ، فَلَمَّا رَآهُ سَعدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِن شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَنَزَلَ، فَقَالَ لَهُ: أَنَزَلتَ فِي إِبِلِكَ وَغَنَمِكَ وَتَرَكتَ النَّاسَ يَتَنَازَعُونَ المُلكَ بَينَهُم؟
ــ
لا أبلغ منك جهدا ومشقة في صنعك شيئًا أخذته لله. قال صاحب الأفعال: جهدته وأجهدته: بلغت مشقته، وقيل: معنى لا أجهدك: لا أقلل لك فيما تأخذ، والجهد: ما يعيش به المقل، ومنه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهدَهُم﴾ وعند ابن ماهان: لا أحمدك، بالحاء المهملة والميم، من الحمد، وكذا رواه البخاري، ومعناه: لا أحمدك في أخذ شيء أو إبقائه، لطيب نفسي بما تأخذ، كما قال المرقش:
ليس على طول الحياة ندم (١) ... . . . . . . . . . . . . . .
أي: ليس على فوت الحياة ندم.
و(قوله: إنما ورثت هذا كابرا عن كابر) أي: كبيرا عن كبير، يعني: أنه ورث ذلك المال عن أجداده الكبراء، فحمله بخله على نسيان منة الله تعالى، وعلى جحد نعمه، وعلى الكذب، ثم أورثه ذلك سخط الله الدائم، وكل ذلك بشؤم البخل. واعتبر بحال الأعمى لما اعترف بنعمة الله تعالى عليه، وشكره عليها، وسمحت نفسه بها ثبتها الله عليه، وشكر فعله ورضي عنه، فحصل على الرتب الفاخرة، وجمعت له نعم الدنيا والآخرة.
стр. 4118
فَضَرَبَ سَعدٌ فِي صَدرِهِ فَقَالَ: اسكُت، سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقِيَّ الغَنِيَّ الخَفِيَّ.
رواه أحمد (١/ ١٦٨)، ومسلم (٢٩٦٥).
[٢٦٩٨] وعن سعد بن أبي وقاص، يقول: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ مِن العَرَبِ رَمَى بِسَهمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَد كُنَّا نَغزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَنَا طَعَامٌ نَأكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الحُبلَةِ، هَذَا السَّمُرُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ
ــ
و(قوله ﷺ : إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) جمهور الرواة قيدوه الخفي - بالخاء المعجمة - من الخفاء، والتقي: المتقي لله تعالى، وقد بينا التقوى فيما تقدم. والغني: يعني به: من استغنى بالله، ورضي بما قسم الله له، وقيل: يعني به غنى النفس. والخفي: يعني به الخامل الذي لا يريد العلو فيها، ولا الظهور في مناصبها، وهذا نحو ما قال في حديث آخر في صفة ولي الله: وكان غامضا في الناس (١) أي: لا يعرف موضعه ولا يؤبه له، وقد رواه الدولابي (٢): الحفي، بالحاء المهملة، فقيل: معناه العالم، من قوله: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا﴾. وقيل: المتحفي بأهله، الوصول لهم بماله، الساعي في حوائجهم.
و(قوله: ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة، هذا السمر) كذا وقع عند عامة الرواة. وعند الطبري والتميمي: وهذا السمر، بواو، ووقع في البخاري: إلا الحبلة، وورق السمر، وكذلك ذكره أبو عبيد.
الحبلة بضم الحاء وسكون الباء: ثمر العضاه. وقال ابن الأعرابي: ثمر
стр. 4119
الشَّاةُ، ثُمَّ أَصبَحَت بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الدِّينِ، لَقَد خِبتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي.
رواه أحمد (١/ ١٧٤)، والبخاريُّ (٥٤١٢)، ومسلم (٢٩٦٦)، والترمذيُّ (٢٣٦٦)، وابن ماجه (١٣١).
* * *
ــ
السمر شبه اللوبياء، ورواية البخاري: أحسنها؛ لأنَّه بين فيها أنهم يأكلون ثمر العضاه، وورق الشجر السمر.
و(قوله: ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الدين) هو بالزاي أولى، وبالراء ثانية، من التعزير، واختلف في معناه هنا، فقال الهروي: معناه: توقفني عليه، والتعزير: التوقيف على الأحكام والفرائض. وقال الطبري: أي: تقومني وتعلمني، ومنه تعزير السلطان؛ أي: تقويمه بالتأديب، وقال الحربي: التعزير بمعنى اللوم والعتب.
قلت: هذه أقوال الشارحين لهذه الكلمة، وفيها كلها بعد عن معنى الحديث، والذي يظهر لي: أن الأليق بمعناه: أن التعزير معناه الإعظام والإكبار، كما قال تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ أي: تعظموه وتبروه، فيكون معناه على هذا: أنه وصف ما كانت حالتهم عليه في أول أمرهم من شدة الحال، وصعوبة العيش، والجهد مع النبي ﷺ ، ثم إنهم اتسعت عليهم الدنيا، وفتحت عليهم الفتوحات، وولوا الولايات، فعظمهم الناس لشهرة فضلهم ودينهم، وكأنه كره تعظيم الناس له، وخص بني أسد بالذكر؛ لأنهم أفرطوا في تعظيمه، والله تعالى أعلم.
وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به عتبة بن غزوان في الحديث الآتي بعد هذا، حيث قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ سابع سبعة، وما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد بنصفها، فما أصبح منا اليوم أحد إلا أصبح أميرا على
стр. 4120
(٧) باب التزهيد في الدنيا والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن
[٢٦٩٩] عن خالد بن عمير العدوي، قَالَ: خَطَبَنَا عُتبَةُ بنُ غَزوَانَ - وكان أميرا على البصرة - فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ،
ــ
مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا (١). فيحتمل أن يكون هذا هو الذي عنى به سعد بن أبي وقاص، والله تعالى أعلم. وأما ما فسرت به المشايخ ذلك الكلام فيقتضي تفسيرهم: أن بني أسد كانوا عتبوا عليه أمورا من الدين، وعابوها عليه، فرد عليهم قولهم. ويعضد هذا ما ذكره البخاري (٢) من حديث جابر بن سمرة، قال: شكا أهل الكوفة سعدا حتى ذكروا: أنه لا يحسن أن يصلي، فاستحضره عمر ﵁ فقال: إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي، فقال: أما أنا فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله ﷺ ، وفيه: ولم يدع مسجدا إلا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم، يقال له: أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ نشدتنا، فإنَّ سعدا كان لا يسير بالسرية، ولا يعدل في القضية. . . وذكر الحديث.
(٧) ومن باب: الزهد في الدنيا (٣)
(قوله: خطبنا عتبة بن غزوان - وكان أميرا على البصرة -) عتبة هذا ﵁ مازني، وحليف لبني نوفل، قديم الإسلام. أسلم سابع سبعة كما
стр. 4121
فَإِنَّ الدُّنيَا قَد آذَنَت بِصَرمٍ وَوَلَّت حَذَّاءَ، وَلَم يَبقَ مِنهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَإِنَّكُم مُنتَقِلُونَ مِنهَا إِلَى دَارٍ لَا زَوَالَ لَهَا، فَانتَقِلُوا بِخَيرِ مَا بِحَضرَتِكُم، فَإِنَّهُ قَد ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الحَجَرَ يُلقَى مِن شَفير جَهَنَّمَ، فَيَهوِي فِيهَا
ــ
قال. وهاجر وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ، بدرا والمشاهد كلها، أمره عمر ﵁ على جيش، فتوجه إلى العراق، ففتح الأبلة والبصرة ووليها، وبنى مسجدها الأعظم بالقصب، ثم إنه حج فاستعفى عمر عن ولاية البصرة، فلم يعفه فقال: اللهم لا تردني إليها، فسقط عن راحلته، فمات سنة سبع عشرة، وهو منصرف من مكة إلى البصرة، بموضع يقال له: معذر، ببني سليم، قاله ابن سعد. ويقال: مات بالربذة، قاله المدائني.
و(قوله: إن الدنيا قد آذنت بصرم) أي: أشعرت وأعلمت بزوال وانقطاع.
و(قوله: وولت حذاء) أي: سريعة خفيفة، ومنه قيل للقطاة: حذاء، أي: منقطعة الذنب قصيرته، ويقال: حمار أحذ: إذا كان قصير الذنب، حكاه أبو عبيد، وهذا مثل كأنه قال: إن الدنيا قد انقطعت مسرعة.
و(قوله: ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها) الصبابة، بضم الصاد: البقية اليسيرة، والصبابة، بالفتح: رقة الشوق، ولطيف المحبة، ويتصابها: يروم صبها على قلة الماء وضعفه.
و(قوله: فانتقلوا بخير ما بحضرتكم) أي: ارتحلوا إلى الآخرة بخير ما يحضركم من أعمال البر. جعل الخير المتمكن منه كالحاضر.
و(قوله: فإنَّه قد ذكر لنا أن الحجر ليلقى (١) من شفير جهنم. . . الحديث إلى آخره) يعني: أنه ذكر له عن رسول الله ﷺ ذلك؛ لأنَّ مثل هذا لا يعرف إلا من جهة النبي ﷺ ، فكأنه لم يسمعه هو من النبي ﷺ ، سمعه من غيره، فسكت عنه إما
стр. 4122
سَبعِينَ عَامًا لَا يُدرِكُ لَهَا قَعرًا، وَوَاللَّهِ لَتُملَأَنَّ، أَفَعَجِبتُم؟ وَلَقَد ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَينَ المِصرَاعَينِ مِن مَصَارِيعِ الجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَربَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأتِيَنَّ عَلَيهَا يَومٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِن الزِّحَامِ، وَلَقَد رَأَيتُنِي سَابِعَ سَبعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ، حَتَّى قَرِحَت أَشدَاقُنَا، فَالتَقَطتُ بُردَةً فَشَقَقتُهَا بَينِي وَبَينَ سَعدِ بنِ مَالِكٍ، فَاتَّزَرتُ بِنِصفِهَا، وَاتَّزَرَ سَعدٌ بِنِصفِهَا، فَمَا أَصبَحَ اليَومَ مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَصبَحَ أَمِيرًا عَلَى مِصرٍ مِن الأَمصَارِ، وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَن أَكُونَ فِي نَفسِي عَظِيمًا، وَعِندَ اللَّهِ صَغِيرًا، وَإِنَّهَا لَم تَكُن نُبُوَّةٌ قَطُّ إِلَّا تَنَاسَخَت حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَاقِبَتِهَا مُلكًا، فَسَتَخبُرُونَ وَتُجَرِّبُونَ الأُمَرَاءَ بَعدَنَا.
رواه أحمد (٤/ ١٧٤)، ومسلم (٢٩٦٧)(١٤).
* * *
ــ
نسيانا، وإما لأمر يسوغ له ذلك. ويحتمل أن يكون سمعه هو من النبي ﷺ ، وسكت عن رفعه للعلم بذلك. وشفير جهنم: حرفها الأعلى. وحرف كل شيء أعلاه وشفيره. ومنه: شفير العين. ومصراع الباب: ما بين عضادتيه، وجمعه مصاريع، وهو ما يسده الغلق.
و(قوله: وهو كظيظ من الزحام) أي: ممتلئ منه. يقال: كظه الشراب كظيظا. وقرحت أشداقنا، أي: تقرحت، أي: انجرحت من خشونة الورق. والبردة: الشملة، والعرب تسمي الكساء الذي يُلتحف به بردة، والبرد - بغير تاء -: نوع من نوع ثياب اليمن الموشية.
و(قوله: وإنها لم تكن نبوة قط إلا تناسخت، حتى يكون آخرها (١) ملكا) يعني: أن زمان النبوة يكون الناس فيه يعملون بالشرع، ويقومون بالحق، ويزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة، ثم إنه بعد انقراضهم وانقراض خلفائهم يتغير الحال، وينعكس الأمر، ثم لا يزال الأمر في تناقص وإدبار إلى ألا يبقى على
стр. 4123
(٨) باب ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الإصبع في اليم وما جاء أن المؤمن فيه كخامة الزرع
[٢٧٠٠] وعن المستورد - أخي بني فهر - قال: قال رسول الله ﷺ : والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بن يحيى بالسبابة - في اليم، فلينظر بم ترجع.
ــ
الأرض من يقول: الله! الله، فيرتفع ما كان الصدر الأول عليه، وهذا هو المعبر عنه هنا: بالتناسخ؛ فإنَّ النسخ: هو الرفع والإزالة، وهذا الحديث نحو قوله ﷺ : ما من نبي بعثه الله تعالى في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. . . الحديث (١).
و(قوله: حتى يكون آخر عاقبتها ملكا) يعني أنهم يعدلون عن سنن النبيين (٢) وخلفائهم إلى الإقبال على الدنيا واتباع الهوى. وهذه أحوال أكثر الملوك، فأمَّا من سلك سبيل الصدر الأول الذي هو زمان النبوة والخلافة من العدل واتباع الحق، والإعراض عن الدنيا، فهو من خلفاء الأنبياء، وإن تأخر زمانه، كعمر بن عبد العزيز ﵁ إذ لم يكن بعد الخلفاء من سلك سبيلهم، واقتدى بهم في غالب أحوالهم غيره، ﵁. لا جرم هو معدود منهم، وداخل في زمرتهم إن شاء الله تعالى.
[(٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل الأصبع في اليم] (٣)
و(قوله: ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بماذا ترجع) اليم: البحر. وهذا مثل لحقارة الدنيا وقلتها، وهو نحو قوله
стр. 4124
رواه أحمد (٤/ ٢٢٨)، ومسلم في الجنة (٢٨٥٨)، والترمذيُّ (٢٣٢٣)، وابن ماجه (٤١٠٨).
[٢٧٠١] وعن كعب بن مالك، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَثَلُ المُؤمِنِ كَمَثَلِ الخَامَةِ مِن الزَّرعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصرَعُهَا مَرَّةً وَتَعدِلُهَا أُخرَى، حَتَّى تَهِيجَ - في رواية: حتى يأتيه أجله - وَمَثَلُ الكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرزَةِ المُجذِيَةِ عَلَى أَصلِهَا، لَا يُصيبهَا شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ انجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وفي رواية: (المنافق) بدل (الكافر).
رواه أحمد (٣/ ٤٥٤)، والبخاريُّ (٥٦٤٣)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١٠) (٥٩ و ٦٠).
ــ
تعالى: ﴿قُل مَتَاعُ الدُّنيَا قَلِيلٌ﴾ أي: كل شيء يتمتع به في الدنيا من أولها إلى آخرها قليل، إذ لا بقاء له ولا صفو فيه، وهذا بالنسبة إلى نفسها، وأما بالنسبة إلى الآخرة، فلا خطر، ولا قدر للدنيا، وهذا هو المقصود بتمثيل هذا الحديث، حيث قال: فلينظر بماذا يرجع. ووجه هذا التمثيل أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة إلى الآخرة.
و(قوله: مثل المؤمن كخامة الزرع) الخامة هي: الغضة الرطبة من النبات. وأنشدوا:
إنَّما نحن مثل خامة زرع ... فمتى يأن يأت محتصده
وتفيئها الرياح: أي: تردها من جانب إلى جانب، وقد بين ذلك بقوله: تصرعها مرة وتعدلها أخرى، وصوابه: تفيئها؛ بضم التاء وكسر الفاء، وتخفيف الياء والهمز، فإنَّه يقال: أفأت الشيء: رجعته. أو فاء هو في نفسه: رجع، ومن فتح الفاء وشدد الياء فقد أخطأ؛ لأنَّه إنما يقال: فيأت الشجرة، يعني إذا ظهر فيئها لا غير. والأرزة: شجرة الصنوبر، وسميت بذلك لثبوتها، يقال: شجرة أرزة؛
стр. 4125
[٢٧٠٢] ونحوه عن أبي هريرة. وهذا أتم، غير أنه قال: ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٤)، والبخاريُّ (٥٦٤٤)، ومسلم (٢٨٠٩)، والترمذيُّ (٢٨٦٦).
* * *
(٩) باب شدة عيش النبي ﷺ وقوله: اللهم اجعل رزق آل محمد كفافا
[٢٧٠٣] عن عائشة، قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا، حتى قُبض.
ــ
أي: ثابتة في الأرض، وقد أرزت تأرز، ويقال للناقة القوية: أرزة. والمجذية على أصلها: القائمة الراسخة، وهذا مثل للغالب من المؤمنين والغالب من الكافرين، وحكمة الله في ابتلاء المؤمنين في الدنيا أن يهديهم فيها، ويخلصهم من تبعاتها، وأن توفر أجورهم في الآخرة، وعكس ذلك في الكفار والمنافقين.
وفائدة هذا الحديث المصائب، والصبر عليها، وانتظار الثواب عليها، والخوف من عدم المصائب وبسط الدنيا.
(٩ و ١٠) ومن باب: شدة عيش النبي ﷺ (١)
الرف: خشبة ترفع عن الأرض، يلقى عليها ما يرفع، قاله الحربي، وقال غيره: هي الغرفة. والشطر: النصف، وهو هنا نصف وسق شعير. والدقل: أردأ
стр. 4126
وفي رواية: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قُبض.
وفي رواية: من خبز بر إلا وأحدهما تمر.
رواه أحمد (٦/ ٩٨)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم (٢٩٧٠) (٢٠ و ٢٢) و (٢٩٧١)(٢٥)، والترمذيُّ (٢٣٥٧)، وابن ماجه (٣٣٤٤).
[٢٧٠٤] وعنها؛ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ ، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين.
وفي رواية: توفي رسول الله ﷺ حين شبع الناس من الأسودين: التمر والماء.
وفي أخرى: (وقد شبعنا) بدل (حين شبع).
رواه أحمد (٦/ ١٥٦ و ٢٥٥)، والبخاريُّ (٥٤١٦)، ومسلم (٢٩٧٤)(٢٩)، و (٢٩٧٥) (٣٠ و ٣١)، والترمذيُّ (٢٣٥٦).
[٢٧٠٥] وعنها قالت: توفي رسول الله ﷺ وما في رفي من شيء يأكله ذو كبد، إلا شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي، فكِلته، ففني.
رواه أحمد (٦/ ١٠٨)، والبخاريُّ (٣٠٩٧)، ومسلم (٢٩٧٣)، والترمذي (٢٥٦٩).
ــ
التمر، وقد أدقل النخل: إذا ردئ. وقيل: هو جنس من النخل له تمر، وهو حب كبير له نواة مدورة مقدار الجوزة، يشبه نوى التمر، فإذا يبس صار عليه مثل الليفة. وأحاديث هذا الباب كلها وإن اختلفت ألفاظها تدل على: أن النبي ﷺ لم يكن
стр. 4127
[٢٧٠٦] وعَن عُروَةَ عَن عَائِشَةَ، أَنَّهَا كَانَت تَقُولُ: وَاللَّهِ يَا بنَ أُختِي، إِن كُنَّا لَنَنظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهرَينِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَارٌ، قَالَ: قُلتُ: يَا خَالَةُ فَمَا كَانَ يُعَيِّشُكُم؟ قَالَت: الأَسوَدَانِ؛ التَّمرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَد كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِيرَانٌ مِن الأَنصَارِ، وَكَانَت لَهُم مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أَلبَانِهَا فَيَسقِينَاهُ.
رواه أحمد (٦/ ٤٨)، والبخاريُّ (٦٤٥٦)، ومسلم (٢٩٧٢)(٢٨)، والترمذي (٢٤٦٩)، وابن ماجه (٤١٤٤).
[٢٧٠٧] وعن أبي هريرة قال: والذي نفس أبي هريرة بيده، ما أشبع رسول الله ﷺ أهله ثلاثة أيام تباعا، أو ثلاث ليال، من خبز حنطة، حتى فارق الدنيا. وفي رواية: ما شبع. وقال: ثلاثة أيام (من غير شك).
رواه أحمد (٢/ ٤٣٤)، والبخاريُّ (٥٤١٤)، ومسلم (٢٩٧٦) (٣٢ و ٣٣)، والترمذيُّ (٢٣٥٨).
[٢٧٠٨] وعن النعمان بن بشير، قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم، لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه.
رواه أحمد (٤/ ٢٦٨)، ومسلم (٢٩٧٧)(٣٤)، والترمذي (٢٣٧٢).
ــ
يديم الشبع، ولا الترفه في العيش، لا هو ولا من حوته بيوته، ولا آله. بل: كانوا يأكلون ما خشن من المأكل العلق، ويقتصرون منه على ما يسد الرمق، معرضين عن متاع الدنيا، مؤثرين ما يبقى على ما يفنى، ثم لم يزل كذلك حالهم مع إقبال الدنيا عليهم واجتماعها بحذافيرها لديهم، إلى أن وصلوا إلى ما طلبوا، وظفروا بما فيه رغبوا.
стр. 4128
[٢٧٠٩] وعنه؛ قال: ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يلتوي، ما يجد دقلا يملأ به بطنه.
رواه أحمد (١/ ٢٤)، ومسلم (٢٩٧٨)، وابن ماجه (٤١٤٦).
[٢٧١٠] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا.
وفي رواية: كفافا.
رواه أحمد (٢/ ٤٤٦)، والبخاريُّ (٦٤٦٠)، ومسلم في الزهد (١٠٥٥) (١٨ و ١٩)، والترمذيُّ (٢٣٦١)، وابن ماجه (٤١٣٩).
* * *
ــ
و(قوله ﷺ : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) أي: كفافا، كما جاء في الرواية الأخرى، ويعني به: ما يقوت الأبدان ويكف عن الحاجة والفاقة، وهذا الحديث حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الغنى والفقر، وقد تقدمت هذه المسألة في الزكاة. ووجه التمسك بهذا الحديث: أن النبي ﷺ إنما يدعو لنفسه بأفضل الأحوال، وأيضًا: فإنَّ الكفاف حالة متوسطة بين الغنى والفقر، وقد قال ﷺ : خير الأمور أوساطها (١). وأيضًا: فإنَّ هذه الحال سليمة من آفات الغنى، وآفات الفقر المدقع، فكانت أفضل منها، ثم إن حالة صاحب الكفاف حالة الفقير؛ إذ لا يترفه في طيبات الدنيا ولا في زهرتها، فكانت حاله إلى الفقر أقرب، فقد حصل له ما حصل للفقير من الثواب على الصبر، وكُفي مرارته وآفاته. لا يقال: فقد كانت حالة رسول الله ﷺ الفقر الشديد المدقع، كما دلت عليه أحاديث
стр. 4129
(١٠) باب سبق فقراء المهاجرين إلى الجنة، ومن الفقير السابق
[٢٧١١] عن أبي عبد الرحمن الحبلي، قال: سَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ
ــ
هذا الباب وغيرها، ألا ترى أنه يطوي الأيام، ولا يشبع يومين متواليين، ويشد على بطنه الحجر من الجوع والحجرين، ولم يكن له سوى ثوب واحد، فإذا غسله انتظره إلى أن يجف، وربما خرج وفيه بقع الماء، ومات ودرعه مرهونة في شعير لأهله، ولم يخلف دينارا ولا درهما، ولا شاة، ولا بعيرا، ولا حالة في الفقر أشد من هذه، وعلى هذا فلم يكن حاله الكفاف، بل: الفقر. فلم يجبه الله تعالى في الكفاف؛ لعلمه بأن الفقر أفضل له؛ لأنَّا نقول: إن النبي ﷺ قد جمع له حال الفقر والغنى والكفاف، فكانت أول أحواله الفقر؛ مبالغة في مجاهدة النفس وخطامها عن مألوفات عاداتها، فلما حصلت له ملكة ملكها وتخلص له خلاصة سبكها، خيره الله تعالى في أن يجعل له جبال تهامة ذهبا تسير معه حيث سار، فلم يلتفت إليها، وجاءته فتوحات الدنيا فلم يعرج عليها، بل صرفها وانصرف عنها، حتى قال: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم (١). وهذه حالة الغني الشاكر، ثم اقتصر من ذلك كله على قدر ما يرد ضروراته وضرورات عياله، ويرد حاجتهم، فاقتنى أرضه بخيبر، وكان يأخذ منها قوت عياله ويدخره لهم سنة، فاندفع عنه الفقر المدقع، وحصل الكفاف الذي دعا به، ثم إنه لما احتضر وقف تلك الأرض على أهله ليدوم لهم ذلك الكفاف الذي ارتضاه لنفسه، ولتظهر إجابة دعوته حتى في أهله من بعده، وعلى ذلك المنهج نهج الخلفاء الراشدون على ما تدل عليه سيرهم وأخبارهم. وعلى هذا فأهل الكفاف هم صدر
стр. 4130
عَمرِو بنِ العَاصِ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَلَسنَا مِن فُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ؟ فَقَالَ لَهُ عَبدُ اللَّهِ: أَلَكَ امرَأَةٌ تَأوِي إِلَيهَا؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: أَلَكَ مَسكَنٌ تَسكُنُهُ؟
ــ
كتيبة الفقراء الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؛ لأنَّهم وسطهم، والوسط: العدل. وليسوا من الأغنياء كما قررناه، فاقتضى ذلك ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
و(قول الرجل لعبد الله بن عمرو: ألسنا من الفقراء؟ ) سؤال تقرير، وكأنه سأل شيئًا من الفيء الذي قال الله تعالى فيه: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلا مِنَ اللَّهِ وَرِضوَانًا﴾ وكأن ذلك الرجل قال: ألسنا من الفقراء الذين يستحقون من الفيء سهما بنص القرآن؟ وكأنه أنجز له مع ذلك الالتفات إلى الفقراء المهاجرين، وتبجح به، فأجابه عبد الله بما يكسر ذلك منه، ويزيل آفة الالتفات إلى الأعمال بما يقتضي: أن الأحق باسم الفقر من المهاجرين من كان متجردا عن الأهل والمسكن، كما كان حال أهل الصفة في أول الأمر. وصار معنى هذا الحديث إلى نحو قوله ﷺ : ليس الشديد بالصرعة (١) وليس المسكين بالطواف (٢)، فكأن عبد الله قال له: ليس الفقير المهاجر الذي تكون له زوجة ومسكن، وإنما الفقير المتجرد عن ذلك، ولم يرد أن من كان فقيرا مهاجريا، له زوجة ومسكن، أنه لا يستحق من الفيء شيئا؛ لأنَّ صاحب العيال الفقير أشد فاقة وبلاء؟ ولأنه خلاف ما وقع لهم، فإنَّ النبي ﷺ كان يعطيهم بحسب فاقتهم وحاجتهم، ويفضل في العطاء من له عيال على من ليس كذلك، وكذلك فعل الخليفتان بعده، على ما هو المعلوم من حالهما، وإن حمل قول عبد الله على ظاهره لزم عليه: أن من كان له زوجة ومسكن لا غير ذلك، لم يُعدّ من الفقراء المهاجرين الذين وصفهم الله تعالى، والذين يسبقون إلى الجنة، فيلزم ألا يكون أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي من الفقراء من السابقين إلى الجنة، وذلك باطل قطعا.
стр. 4131
قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَأَنتَ مِن الأَغنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنتَ مِن المُلُوكِ.
قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ وَأَنَا عِندَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَقدِرُ عَلَى شَيءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُم: مَا شِئتُم، إِن شِئتُم رَجَعتُم إِلَينَا فَأَعطَينَاكُم مَا يَسَّرَ الَّهُ لَكُم، وَإِن شِئتُم ذَكَرنَا أَمرَكُم لِلسُّلطَانِ، وَإِن شِئتُم صَبَرتُم فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَسبِقُونَ الأَغنِيَاءَ يَومَ
ــ
و(قوله: أنت من الملوك) لما أخبره أن له خادما على جهة الإغياء والمبالغة، لا أنه ألحقه بالملوك حقيقة، ولا بالأغنياء، ولا سلبه ذلك اسم الفقراء، إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم.
و(قوله: جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو) هذه قضية أخرى غير القضية المتقدمة، وإن اتفق راوياهما، فإنَّهما من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنَّ هؤلاء ثلاثة وذلك واحد، ولأن مقصوده من هذا الحديث غير مقصوده من الأول، وذلك أن هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدة فاقتهم، وأنهم لا شيء لهم، فخيرهم بين الصبر على ما هم فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون على ما وعدهم الله به على لسان نبيه ﷺ من السبق إلى الجنة قبل الناس كلهم، وبين أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يغنيهم، وبين أن يواسيهم من ماله، فاختار القوم البقاء على الحالة الأولى، والصبر على مضض الفقر وشدته. ويفهم من هذا الحديث: أن مذهب عبد الله، وهؤلاء الثلاثة: أن الفقر المدقع والتجرد عن المكتسبات كلها أفضل، وقد بينا آنفا: أن المسألة مسالة خلاف، وأن الكفاف أفضل على ما ذكرناه آنفا.
و(قوله ﷺ : إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة
стр. 4132
القِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَربَعِينَ خَرِيفًا، قَالُوا: فَإِنَّا نَصبِرُ لَا نَسأَلُ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (٢٩٧٩).
* * *
ــ
بأربعين خريفا) هذا الحديث اختلفت ألفاظ الرواة فيه عن النبي ﷺ ، فروى عبد الله بن عمرو ﵄ الحديث المتقدم، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام (١). قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ويروى أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الفقراء الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، نصف يوم (٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام (٣). وقال: حديث حسن صحيح، وروي أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في أي الفقراء هم السابقون، وفي مقدار المدة التي بها يسبقون، فهذان موضعان، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيد روايته الأخرى، ورواية جابر ﵁ فيعني بالفقراء: فقراء المسلمين، وحينئذ يكون حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي سعيد، مخصوصا بفقراء المهاجرين، وحديث أبي هريرة وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدها وضوحا بما
стр. 4133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد صح عنه ﷺ أنه قال: أصحاب الجد محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يُسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم (١)، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني فقد تقدَّم: أن الخريف هو العام هنا، وأصل الخريف: فصل من فصول السنة، وهو الفصل الذي تخترف فيه الثمار، أي: تُجتنى، فسمي العام بذلك، ويمكن الجمع بين الأربعين وحديث الخمسمائة عام؛ بأن سباق الفقراء يدخلون (٢) قبل سباق الأغنياء بأربعين عاما، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سباق، والله أعلم.
وهذه الأحاديث حجَّة واضحة على تفضيل الفقر على الغنى، ويتقرر ذلك من وجهين:
أحدهما: أن النبي ﷺ قال هذا لجبر كسر قلوب الفقراء، ويهون عليهم ما يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده بمزية تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء، عوضا لهم عما حرموه من الدنيا، وصبرهم، ورضاهم بذلك.
وثانيهما: أن السبق إلى الجنة ونعيمها أولى من التأخر عنها بالضرورة، فهو أفضل.
وثالثها: أن السبق إلى الفوز من أهوال يوم القيامة والصراط، أولى من المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسابق إلى ذلك أفضل بالضرورة، وحينئذ لا يلتفت لقول من قال: إن السبق إلى الجنة لا يدلّ على أفضلية السابق. وزخرف ذلك بأن النبي ﷺ أفضل الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخر عن دخول هؤلاء الفقراء؛ لأنَّهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة؛ تارة عند الميزان،
стр. 4134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتارة عند الصراط، وتارة عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صح عنه، وهذا قول باطل صدر عمن هو بما ذكرناه وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم في كتاب الإيمان من قوله ﷺ : أنا أول من يقرع باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد. فيقول الخازن: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك (١). وفي حديث أنه ﷺ قال: أنا أول من يدخل الجنة، ومعي فقراء المهاجرين (٢). وعلى هذا فيدخل الجنة، ويتسلم ما أعد له فيها، ويبوئ الفقراء منازلهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة ليخلص أمته بمقتضى ما جعل الله في قلبه من الحنو على أمته والشفقة عليهم، والرأفة بهم، فيلازمهم في أوقات شدائدهم، ويسعى بمكنه في نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم بالسلامة عند جوازهم، ويشفع لمن دخل النار منهم، وهو مع ذلك كله في أعلى نعيم الجنة الذي هو غاية القرب من الحق، والجاه الذي لم ينله أحد غيره من الخلق، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطف خطاب وأكرم تكليم، كيف لا، وهو يسمع: يا محمد قل يسمع لك، سل تعط، اشفع تشفع، فيقول: أمتي! أمتي! أمتي، فيقال: انطلق فأدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٣). وهذه خطوة لا تتسع لها العبارات، ولا تحيط بها الإشارات، حشرنا الله في زمرته، ولا خيبنا من شفاعته.
قال القاضي أبو الفضل: ويحتمل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنعمون في أفنيتها وظلالها، ويتلذذون بما هم فيه إلى أن يدخل محمد ﷺ بعد تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قدر منازلهم وسبقهم، والله تعالى أعلم.
стр. 4135
(١١) باب كرامة من قنع بالكفاف وتصدق بالفضل
[٢٧١٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: بَينَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِن الأَرضِ فَسَمِعَ صَوتًا فِي سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرجَةٌ مِن تِلكَ الشِّرَاجِ قَد استَوعَبَت
ــ
قلت: وهذا لا يحتاج إلى تقديره؛ لأنَّ الذي هو فيه من النعيم بما ذكرناه، أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سبقهم لأدون النعيمين أشرف ممن سبق إلى أعظمها، وهذا واضح.
(١١ و ١٢ و ١٣) ومن باب: كرامة من قنع بالكفاف، والاجتهاد في العبادة وفي التواضع (١)
الفلاة من الأرض: هي القفر. والحديقة: البستان، وسميت بذلك؛ لأنَّها أحدق بها حاجز. قالوا: وأصله كل ما أحاط به البناء. والحديقة أيضًا: القطعة من النخل. والحرة: أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار. والشرجة: مسيل الماء، وهي بفتح الشين، وسكون الراء، وتجمع: شراج وشروج. ومن قال: شرجة -بفتح الراء - فقد أخطأ المعروف من اللغة. واستوعبت: جمعت. فتتبع الماء؛ أي: تبعه.
و(قوله: تنحى ذلك السحاب) أي: اعتمد وقصد. والنحو في أصله: هو القصد. وفى هذا الحديث دليل على صحة بكرامات الأولياء، وأن الولي قد