قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَأَنتَ مِن الأَغنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنتَ مِن المُلُوكِ.
قَالَ أَبُو عَبدِ الرَّحمَنِ: وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ وَأَنَا عِندَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَقدِرُ عَلَى شَيءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُم: مَا شِئتُم، إِن شِئتُم رَجَعتُم إِلَينَا فَأَعطَينَاكُم مَا يَسَّرَ الَّهُ لَكُم، وَإِن شِئتُم ذَكَرنَا أَمرَكُم لِلسُّلطَانِ، وَإِن شِئتُم صَبَرتُم فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ يَسبِقُونَ الأَغنِيَاءَ يَومَ
ــ
و(قوله: أنت من الملوك) لما أخبره أن له خادما على جهة الإغياء والمبالغة، لا أنه ألحقه بالملوك حقيقة، ولا بالأغنياء، ولا سلبه ذلك اسم الفقراء، إذ لم يكن له غير ما ذكر، والله تعالى أعلم.
و(قوله: جاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو) هذه قضية أخرى غير القضية المتقدمة، وإن اتفق راوياهما، فإنَّهما من رواية أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنَّ هؤلاء ثلاثة وذلك واحد، ولأن مقصوده من هذا الحديث غير مقصوده من الأول، وذلك أن هؤلاء الثلاثة شكوا إليه شدة فاقتهم، وأنهم لا شيء لهم، فخيرهم بين الصبر على ما هم فيه حتى يلقوا الله، فيحصلون على ما وعدهم الله به على لسان نبيه ﷺ من السبق إلى الجنة قبل الناس كلهم، وبين أن يرفع أمرهم إلى السلطان، فيدفع إليهم ما يغنيهم، وبين أن يواسيهم من ماله، فاختار القوم البقاء على الحالة الأولى، والصبر على مضض الفقر وشدته. ويفهم من هذا الحديث: أن مذهب عبد الله، وهؤلاء الثلاثة: أن الفقر المدقع والتجرد عن المكتسبات كلها أفضل، وقد بينا آنفا: أن المسألة مسالة خلاف، وأن الكفاف أفضل على ما ذكرناه آنفا.
و(قوله ﷺ : إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة
стр. 4132
القِيَامَةِ إِلَى الجَنَّةِ بِأَربَعِينَ خَرِيفًا، قَالُوا: فَإِنَّا نَصبِرُ لَا نَسأَلُ شَيئًا.
رواه أحمد (٢/ ١٦٩)، ومسلم (٢٩٧٩).
* * *
ــ
بأربعين خريفا) هذا الحديث اختلفت ألفاظ الرواة فيه عن النبي ﷺ ، فروى عبد الله بن عمرو ﵄ الحديث المتقدم، وروى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام (١). قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ويروى أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يدخل الفقراء الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، نصف يوم (٢)، قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي طريق أخرى: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمسمائة عام (٣). وقال: حديث حسن صحيح، وروي أيضًا عن جابر بن عبد الله ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا (٤). قال: هذا حديث حسن صحيح، فاختلفت هذه الأحاديث في أي الفقراء هم السابقون، وفي مقدار المدة التي بها يسبقون، فهذان موضعان، ويرتفع الخلاف عن الموضع الأول بأن يرد مطلق حديث أبي هريرة إلى مقيد روايته الأخرى، ورواية جابر ﵁ فيعني بالفقراء: فقراء المسلمين، وحينئذ يكون حديث عبد الله بن عمرو وحديث أبي سعيد، مخصوصا بفقراء المهاجرين، وحديث أبي هريرة وجابر يعم جميع فقراء قرون المسلمين، فيدخل الجنة فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالمقدار المذكور، وهذه طريقة حسنة، ونزيدها وضوحا بما
стр. 4133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قد صح عنه ﷺ أنه قال: أصحاب الجد محبوسون على قنطرة بين الجنة والنار، يُسألون عن فضول أموال كانت بأيديهم (١)، وهذا واضح. وأما الموضع الثاني فقد تقدَّم: أن الخريف هو العام هنا، وأصل الخريف: فصل من فصول السنة، وهو الفصل الذي تخترف فيه الثمار، أي: تُجتنى، فسمي العام بذلك، ويمكن الجمع بين الأربعين وحديث الخمسمائة عام؛ بأن سباق الفقراء يدخلون (٢) قبل سباق الأغنياء بأربعين عاما، وغير سباق الأغنياء بخمسمائة عام؛ إذ في كل صنف من الفريقين سباق، والله أعلم.
وهذه الأحاديث حجَّة واضحة على تفضيل الفقر على الغنى، ويتقرر ذلك من وجهين:
أحدهما: أن النبي ﷺ قال هذا لجبر كسر قلوب الفقراء، ويهون عليهم ما يجدونه من مرارة الفقر، وشدائده بمزية تحصل لهم في الدار الآخرة على الأغنياء، عوضا لهم عما حرموه من الدنيا، وصبرهم، ورضاهم بذلك.
وثانيهما: أن السبق إلى الجنة ونعيمها أولى من التأخر عنها بالضرورة، فهو أفضل.
وثالثها: أن السبق إلى الفوز من أهوال يوم القيامة والصراط، أولى من المقام في تلك الأهوال بالضرورة، فالسابق إلى ذلك أفضل بالضرورة، وحينئذ لا يلتفت لقول من قال: إن السبق إلى الجنة لا يدلّ على أفضلية السابق. وزخرف ذلك بأن النبي ﷺ أفضل الخليقة، ومع ذلك فدخوله الجنة متأخر عن دخول هؤلاء الفقراء؛ لأنَّهم يدخلون قبله، وهو في أرض القيامة؛ تارة عند الميزان،
стр. 4134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وتارة عند الصراط، وتارة عند الحوض، كما قد أخبر عن ذلك فيما صح عنه، وهذا قول باطل صدر عمن هو بما ذكرناه وبالنقل جاهل، فكأنه لم يسمع ما تقدَّم في كتاب الإيمان من قوله ﷺ : أنا أول من يقرع باب الجنة، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: أنا محمد. فيقول الخازن: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك (١). وفي حديث أنه ﷺ قال: أنا أول من يدخل الجنة، ومعي فقراء المهاجرين (٢). وعلى هذا فيدخل الجنة، ويتسلم ما أعد له فيها، ويبوئ الفقراء منازلهم، ثم يرجع إلى أرض القيامة ليخلص أمته بمقتضى ما جعل الله في قلبه من الحنو على أمته والشفقة عليهم، والرأفة بهم، فيلازمهم في أوقات شدائدهم، ويسعى بمكنه في نجاتهم، فيحضرهم عند وزن أعمالهم، ويسقيهم عند ظمئهم، ويدعو لهم بالسلامة عند جوازهم، ويشفع لمن دخل النار منهم، وهو مع ذلك كله في أعلى نعيم الجنة الذي هو غاية القرب من الحق، والجاه الذي لم ينله أحد غيره من الخلق، ولذة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه الحكيم بألطف خطاب وأكرم تكليم، كيف لا، وهو يسمع: يا محمد قل يسمع لك، سل تعط، اشفع تشفع، فيقول: أمتي! أمتي! أمتي، فيقال: انطلق فأدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٣). وهذه خطوة لا تتسع لها العبارات، ولا تحيط بها الإشارات، حشرنا الله في زمرته، ولا خيبنا من شفاعته.
قال القاضي أبو الفضل: ويحتمل أن هؤلاء السابقين إلى الجنة يتنعمون في أفنيتها وظلالها، ويتلذذون بما هم فيه إلى أن يدخل محمد ﷺ بعد تمام شفاعته، ثم يدخلونها معه على قدر منازلهم وسبقهم، والله تعالى أعلم.
стр. 4135
(١١) باب كرامة من قنع بالكفاف وتصدق بالفضل
[٢٧١٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: بَينَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِن الأَرضِ فَسَمِعَ صَوتًا فِي سَحَابَةٍ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرجَةٌ مِن تِلكَ الشِّرَاجِ قَد استَوعَبَت
ــ
قلت: وهذا لا يحتاج إلى تقديره؛ لأنَّ الذي هو فيه من النعيم بما ذكرناه، أعلى وأشرف مما هم فيه، فلا يكون سبقهم لأدون النعيمين أشرف ممن سبق إلى أعظمها، وهذا واضح.
(١١ و ١٢ و ١٣) ومن باب: كرامة من قنع بالكفاف، والاجتهاد في العبادة وفي التواضع (١)
الفلاة من الأرض: هي القفر. والحديقة: البستان، وسميت بذلك؛ لأنَّها أحدق بها حاجز. قالوا: وأصله كل ما أحاط به البناء. والحديقة أيضًا: القطعة من النخل. والحرة: أرض ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار. والشرجة: مسيل الماء، وهي بفتح الشين، وسكون الراء، وتجمع: شراج وشروج. ومن قال: شرجة -بفتح الراء - فقد أخطأ المعروف من اللغة. واستوعبت: جمعت. فتتبع الماء؛ أي: تبعه.
و(قوله: تنحى ذلك السحاب) أي: اعتمد وقصد. والنحو في أصله: هو القصد. وفى هذا الحديث دليل على صحة بكرامات الأولياء، وأن الولي قد
стр. 4136
ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبدَ اللَّهِ مَا اسمُكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، لِلِاسمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَاب، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبدَ اللَّهِ لِمَ تَسأَلُنِي عَن اسمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ صَوتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسمِكَ، فَمَا تَصنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذ قُلتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنظُرُ إِلَى مَا يَخرُجُ مِنهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ.
وفي رواية: وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل.
رواه مسلم (٢٩٨٤).
* * *
(١٢) باب الاجتهاد في العبادة والدوام على ذلك، ولن ينجي أحدا منكم عمله
[٢٧١٣] عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ صلى حتى انتفخت
ــ
يكون له مال وضيعة، ولا يناقضه قوله ﷺ : لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا (١) لما قدمنا من أن المقصود بالنهي إنما هو: من اتخذها مستكثرا ومتنعما ومتمتعا بزهرة الدنيا، لما يخاف عليه من الميل إلى الدنيا والركون إليها، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله، فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال. وهي من أفضل الأموال.
стр. 4137
قدماه، فقيل له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟
رواه البخاري (١١٣٠)، ومسلم (٢٨١٩)، والترمذيُّ (٤١٢)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٤١٩).
[٢٧١٤] وعن عائشة زوج النبي ﷺ ، أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : سددوا وقاربوا، وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحدا عمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله
ــ
و(قولهم للنبي ﷺ : أتكلف هذا؟ ) أي: أتتكلف فعله وتتحمل مشقته؟ وهذا أخرجه منهم ظن أنه إنما يعبد الله تعالى خوفا من الذنوب وطلبا للمغفرة وهو الشكر على مغفرته للذنوب، وإيصاله نعمه لمن لا يستحق عليه منها شيئا، فيتعين الشكر على ذلك، ثم الشكر قد قلنا: إنه اعتراف بالنعمة وقيام بالخدمة، فمن كثر عنه ذلك وتكرر سمي الشكور، ولذلك قال الحليم الغفور: ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾
و(قوله: سددوا وقاربوا وأبشروا) أي سددوا في الأعمال؛ أي: اعملوها مسددة لا غلو فيها ولا تقصير، وقاربوا في أزمانها بحيث لا يكون فيها قصر، ولا تطويل، وأبشروا على ذلك بالثواب الكثير والخير الجزيل.
و(قوله: فإنه لن يُدخِل الجنة أحدا عملُه) أي: إن أعمال العباد الصالحة ليست مما تقتضي دخول الجنة؛ إذ ليست في أنفسها على صفات تقتضي ذلك، ولا يستحق المكلف على الله تعالى بسببها شيئا؛ إذ لا منفعة له فيها ولا غرض؛ فإنه الغني بذاته، الذي لا يُستغنى عنه. وكأن هذا نص في الرد على أهل البدع والمعتزلة في قولهم في قاعدتي التحسين والتقبيح والاستحقاق العقليين.
و(قولهم: ولا أنت؟ ) كأنهم وقع لهم أن النبي ﷺ لعظيم معرفته بالله،
стр. 4138
برحمته. واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
رواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، والبخاري (٦٤٦٧)، ومسلم (٢٨١٨)، وأبو داود (١٣٦٨)، والنسائي (٣/ ٢١٨).
[٢٧١٥] ونحوه عن أبي هريرة، وقال: برحمة وفضل.
رواه أحمد (٢/ ٣١٢)، والبخاريُّ (٦٦٣٧)، ومسلم (٢٨١٦)(٧٦).
[٢٧١٦] وعن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا يدخل أحدا منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله.
رواه أحمد (٣/ ٣٩٤)، ومسلم (٢٨١٧)(٧٧).
* * *
(١٣) باب في التواضع
[٢٧١٧] عن عياض بن حمار المجاشعي - من حديثه الطويل - أن رسول الله ﷺ قال: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد. وسيأتي.
ــ
وكثرة عباداته؛ أنه ينجيه عمله، فرد النبي ﷺ ذلك بأن قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة وفضل فسوى بينه وبينهم في ذلك المعنى، وأخبر أنه عن فضله ورحمته لا يُستغنى.
و(قوله: إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد) التواضع نقيض التكبر، والتكبر: هو الترفع على الغير، فالتواضع: هو الانخفاض
стр. 4139
رواه أحمد (٤/ ١٦٢)، ومسلم (٢٨٦٥)(٦٤).
* * *
ــ
للغير، وحاصله أن المتكبر يرى لنفسه مزية على الغير تحمله على احتقاره، والمتواضع لا يرى لنفسه مزية، بل يراها لغيره؛ بحيث يحمله ذلك على الانخفاض له، مراعاة لحقه، ولا شك في أن الكبر مذموم، فمنه كفر، وهو الكبر على الله وعلى أنبيائه، وما عداه من الكبائر، والتواضع أيضا، منه: أعلى وأدنى، والأعلى: هو التواضع لله تعالى، ولكتابه ولرسوله، والأدنى: هو ما عداه، والله تعالى أعلم، وقد تكلمنا على ذلك فيما تقدم.
* * *
стр. 4140
(٤٠) كتاب ذكر الموت وما بعده
(١) باب الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء: أن كل عبد يبعث على ما مات عليه
[٢٧١٨] عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل وفاته بثلاث يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٣)، ومسلم (٢٨٧٧)(٨١)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧).
ــ
(٤٠) كتاب: ذكر الموت
[(١) من باب: الأمر بحسن الظن بالله عند الموت وما جاء أن كل عبد يُبعث على ما مات عليه] (١)
(قوله ﷺ : لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله أي: استصحبوا الأعمال الصالحة، والآداب الحسنة التي يرتجي العامل لها قبولها، ويحقق ظنه
стр. 4141
[٢٧١٩] وعنه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يبعث كل عبد على ما مات عليه.
رواه أحمد (٣/ ٣٣١)، ومسلم (٢٨٧٨).
[٢٧٢٠] وعن عبد الله بن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم.
رواه أحمد (٢/ ٤٠)، ومسلم (٢٨٧٩).
* * *
ــ
برحمة ربه عند فعلها، فإن رحمة الله قريب من المحسنين، وعقابه مخوف على العصاة والمذنبين، وقد قلنا: إن حسن الظن بغير عمل غرة، كما قال ﷺ : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله (١) وهذا إنما يكون في حالة الصحة والقوة على العمل، وأما في حال حضور الموت فليس ذلك الوقت وقتا يقدر فيه على استئناف غير الفكر في سعة رحمة الله تعالى وعظيم فضله، وأنه لا يتعاظمه ذنب يغفره، وأنه الكريم الحليم الغفور الشكور المنعم الرحيم. ويذكر بآيات الرخص وأحاديثها، لعل ذلك يقع بقلبه، فيحب الله تعالى، فيختم عليه بذلك، فيلقى الله تعالى، وهو محب لله تعالى، فيحشر في زمرة المحبين بعد أن كان في زمرة الخطائين، ويشهد له قوله: يبعث كل عبد على ما مات عليه.
و(قوله: إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم) يعني: إذا أراد الله أخذ قوم بما ظهر فيهم من المنكر، أهلك
стр. 4142
(٢) باب إذا مات المرء عرض عليه مقعده وما جاء في عذاب القبر
[٢٧٢١] عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل
ــ
جميعهم بعذاب يرسله على جميعهم، صالحهم وطالحهم، فأما تعذيب الصالح فترفيع له في درجاته، وتكثير لثوابه، ثم يحشر على نيته الصالحة، فتتم له الصفقة الرابحة، وأما تعذيب الطالح فانتقام منه، المؤخر له أعظم من الواقع به، وهذا نحو مما قالته عائشة ﵂: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث (١).
(٢ و ٣ و ٤ و ٥) ومن باب: من عرض مقعده عليه بعد الموت (٢)
(قوله: إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) هذا منه ﷺ إخبار عن غير الشهداء؛ فإنه قد تقدم أن أرواحهم في حواصل طير تسرح في الجنة، وتأكل من ثمارها، وغير الشهداء: إما مؤمن، وإما غير مؤمن. فغير المؤمن هو الكافر. فهذا يرى مقعده من النار غدوا وعشيا، وهذا هو المعني بقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدخِلُوا آلَ فِرعَونَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ وأما المؤمن: فإما ألا يدخل النار، أو يدخلها بذنوبه، فالأول يرى
стр. 4143
الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة.
وفي رواية: هذا مقعدك الذي تبعث إليه يوم القيامة
رواه أحمد (٢/ ١١٣)، والبخاريُّ (١٣٧٩)، ومسلم (٢٨٦٦) (٦٥ و ٦٦)، والترمذيُّ (١٠٧٢)، والنسائي (٤/ ١٠٧)، وابن ماجه (٤٢٧٠).
[٢٧٢٢] وعن زيد بن ثابت؛ قال: بَينَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغلَةٍ لَهُ، وَنَحنُ مَعَهُ؛ إِذ حَادَت بِهِ فَكَادَت تُلقِيهِ، وَإِذَا أَقبُرٌ سِتَّةٌ أَو خَمسَةٌ أَو أَربَعَةٌ (كَذَا كَانَ يَقُولُ الجُرَيرِيُّ) فَقَالَ: مَن يَعرِفُ أَصحَابَ هَذِهِ الأَقبُرِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الإِشرَاكِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَولَا أَلا تَدَافَنُوا لَدَعَوتُ اللَّهَ أَن يُسمِعَكُم مِن عَذَابِ القَبرِ الَّذِي أَسمَعُ مِنهُ. ثُمَّ أَقبَلَ عَلَينَا
ــ
مقعده من الجنة، لا يرى غيره رؤية خوف، وأما المؤمن المؤاخذ بذنوبه فله مقعدان: مقعد في النار زمن تعذيبه، ومقعد في الجنة بعد إخراجه، فهذا يقتضي أن يعرضا عليه بالغداة والعشي، إلا إن قلنا: إنه أراد بأهل الجنة كل من يدخلها كيف كان، فلا يحتاج إلى ذلك التفسير، والله أعلم. وهذا الحديث وما في معناه يدل على أن الموت ليس بعدم، وإنما هو انتقال من حال إلى حال ومفارقة الروح للبدن، ويجوز أن يكون هذا العرض على الروح وحده، ويجوز أن يكون عليه مع جزء من البدن , والله أعلم بحقيقة ذلك. والغداة والعشي: إنما هما بالنسبة إلى الحي لا بالنسبة إلى الميت؛ إذا لا يتصور في حقه شيء من ذلك.
و(قوله: لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) قد تقدم القول على عذاب القبر، وأنه مما يجب الإيمان به، وقد صح
стр. 4144
بِوَجهِهِ فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن عَذَابِ القَبرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن عَذَابِ القَبرِ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن فِتنَةِ الدَّجَّالِ.
رواه أحمد (٥/ ١٩٠)، ومسلم (٢٨٦٧)(٦٧).
[٢٧٢٣] وعن أبي أيوب قال: خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس فسمع صوتا، فقال: يهود تعذب في قبورها.
رواه أحمد (٥/ ٣٤٥)، والبخاريُّ (١٣٧٥)، ومسلم (٢٨٦٩)، والنسائي (٤/ ١٠٢).
* * *
ــ
الإخبار عنه في الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، ولا يلتفت لاستبعاد المبتدعة، فإن الإمكانات متسعة والقدرة صالحة، وامتناع التدافن لو سمع عذاب القبر يحتمل أن يكون سببه: غلبة الخوف عند سماعه، فيغلب الخوف على الحي فلا يقدر على قرب القبر للدفن، أو يهلك الحي عند سماعه؛ إذ لا يطاق سماع شيء من عذاب الله في هذه الدار. بل: بنفس سماعه يهلك السامع؛ لضعف هذه القوى في هذه الدار. ألا ترى أنه إذا سمع الناس صعقة الرعد القاصف أو الزلازل الهائلة هلك كثير من الناس؟ أو أين صعقة الرعد من صيحة الذي تضربه الملائكة بمطارق الحديد، التي يسمعها كل من يليه إلا الثقلين؟ وقد قال ﷺ : ولو سمعها إنسان لصعق (١).
стр. 4145
(٣) باب سؤال الملكين للعبد حين يوضع في القبر وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ﴾
[٢٧٢٤] عن أنس بن مالك قال: قَالَ رسول اللَّهِ ﷺ : إِنَّ العَبدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبرِهِ وَتَوَلَّى عَنهُ أَصحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسمَعُ قَرعَ نِعَالِهِم، قَالَ: يَأتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَأَمَّا المُؤمِنُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَنَّهُ عَبدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انظُر إِلَى مَقعَدِكَ مِن النَّارِ قَد أَبدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقعَدًا مِن الجَنَّةِ، قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفسَحُ لَهُ فِي قَبرِهِ سَبعُونَ
ــ
و(قوله: إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم) هذا نص في أن الميت يسمع، وقد تقدم الكلام في هذا وفي إنكار عائشة ﵂ إياه على ابن عمر في كتاب الجنائز.
و(قوله: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار) أي: لو لم تؤمن ولم تقم بحجتك، قد أبدلك الله تعالى به مقعدا من الجنة لما قمت بحجتك.
و(قوله: فيراهما جميعا) يدل على أن رؤيته لهما حقيقة بالعين، وعلى هذا فيحيا الميت في قبره حياة محققة بحيث يرى ويسمع ويسأل ويتكلم، وعلى هذا تدل أدلة الكتاب والسنة في غير ما موضع. والحكمة في أن الله تعالى يريه إياهما ليعلم قدر نعمة الله، فيما صرف عنه من عذاب جهنم، وفيما أوصل إليه من كرامة الجنة.
و(قوله: فيفسح له في قبره) أي: يوسع له فيه سبعون ذراعا، فيحتمل البقاء على ظاهره، ويكون معناه: أنه ترفع الموانع عن بصره، فيبصر مما يجاوره مقدار سبعين ذراعا، حتى لا تناله ظلمة القبر ولا ضيقه، متى رد روحه فيه إليه.
стр. 4146
ذِرَاعًا، وَيُملَأُ عَلَيهِ خَضِرًا إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ.
رواه أحمد (٣/ ١٢٦)، والبخاريُّ (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠)(٧٠)، والنسائي (٤/ ٩٧).
[٢٧٢٥] وعَن البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ قَالَ: نَزَلَت فِي عَذَابِ القَبرِ، فَيُقَالُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَذَلِكَ قَولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾
وفي رواية أنه قول البراء، ولم يذكر: عن النبي ﷺ .
رواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١) (٧٣ و ٧٤)، وأبو داود (٤٧٩)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائي (٦/ ١٥١)، وابن ماجه (٤٢٦٩).
* * *
ــ
ويحتمل أن يكون ذلك كله استعارة عن سعة رحمة الله تعالى له، وإكرامه إياه. والأول أولى، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ويملأ عليه خضرا) أي: نعما غضة ناعمة، وأصله من خضرة الشجر، والخضر - بكسر الضاد -: اسم جنس للنبات الرطب الأخضر.
و(قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ أي: يثبتهم في هذه الدار على التوحيد والإيمان بالنبي ﷺ حتى يميتهم عليه، وفي الآخرة عند المساءلة في القبر، كما فسرها النبي ﷺ ، فإن كان النبي ﷺ قاله فهو المقصود، وإن كان من قول البراء، فهذا
стр. 4147
(٤) باب في أرواح المؤمنين وأرواح الكافرين
[٢٧٢٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: إِذَا خَرَجَت رُوحُ المُؤمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصعِدَانِهَا. قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِن طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ المِسكَ. قَالَ: وَيَقُولُ أَهلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَت مِن قِبَلِ الأَرضِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنتِ تَعمُرِينَهُ، فَيُنطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: انطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ. قَالَ: وَإِنَّ الكَافِرَ إِذَا خَرَجَت رُوحُهُ. قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِن نَتنِهَا وَذَكَرَ لَعنًا. وَيَقُولُ أَهلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَت مِن قِبَلِ الأَرضِ، قَالَ: فَيُقَالُ: انطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ. قَالَ
ــ
لا يقوله أحد من قِبَل نفسه ورأيه، فهو محمول على أن النبي ﷺ قاله، وسكت البراء عن رفعه لعلم المخاطب بذلك، والله تعالى أعلم. وقد قيل عن البراء أنه قال: هما سؤال القبر وسؤال القيامة، يعني: يرشد المؤمن فيهما إلى الصواب، ويصرف الكافر عن الجواب.
و(قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: يخذلهم عند السؤال، قاله قتادة.
و(قوله: ﴿وَيَفعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: لا حجر عليه فيما يفعل. فهدى من شاء، ومن شاء خذل.
و(قوله: صلى الله عليك وعلى جسد كنت تعمرينه) الصلاة هنا بمعنى الرحمة، وهذا يدلّ على أن الروح كالساكن في المنزل، فهو عامره ومدبره. ويفيد أن الروح من قبيل الجواهر، وأنها داخلة في الجسد، وقد تكلمنا على الأرواح.
و(قوله: فينطلق به إلى ربه) أي: إلى كرامة ربه، أو إلى محل إكرام ربه
[٢٧٢٨] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ قَتلَى بَدرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُم فَقَامَ عَلَيهِم فَنَادَاهُم فَقَالَ: يَا أَبَا جَهلِ بنَ هِشَامٍ، يَا أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ، يَا عُتبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيبَةَ بنَ رَبِيعَةَ، أَلَيسَ قَد وَجَدتُم مَا وَعَدَ رَبُّكُم حَقًّا؟ فَإِنِّي قَد وَجَدتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. فَسَمِعَ عُمَرُ قَولَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيفَ يَسمَعُون وَأَنَّى يُجِيبُون وَقَد جَيَّفُوا؟ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا أَنتُم بِأَسمَعَ ممَا أَقُولُ مِنهُم، وَلَكِنَّهُم لَا يَقدِرُونَ أَن يُجِيبُوا. ثُمَّ أَمَرَ بِهِم فَسُحِبُوا فَأُلقُوا فِي قَلِيبِ بَدرٍ.
رواه أحمد (٣/ ٢٩٩)، ومسلم (٢٨٧٤)، وأبو داود (٢٦٨١).
[٢٧٢٩] وعَن أَبِي طَلحَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ بَدرٍ وَظَهَرَ عَلَيهِم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، أَمَرَ بِبِضعَةٍ وَعِشرِينَ - وفي رواية بِأَربَعَةٍ وَعِشرِينَ رَجُلًا - مِن صَنَادِيدِ قُرَيشٍ، فَأُلقُوا فِي طَوِيٍّ مِن أَطوَاءِ بَدرٍ.
رواه أحمد (٣/ ١٤٥)، ومسلم (٢٨٧٥).
* * *
ــ
و(قوله: كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جيفوا) هذا من عمر ﵁ استبعاد على حكم ما جرت به العادة، فأجابه النبي ﷺ بأنهم يسمعون كسمع الأحياء، فيجوز أن يكون ذلك منهم دائما، غير أنه منع الأحياء من إدراك ذلك من الميت، ويجوز أن يكون في بعض الأوقات. وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الجنائز. والرواية في (جيفوا) بفتح الجيم والياء، مبني للفاعل، ومعناه: أنتنوا، فصاروا جيفا. وصناديد قريش: ساداتها، واحدهم صنديد. والطوي: البئر المطوي، وقد سماها في الرواية الأخرى قليبا، وهي البئر غير المطوية، وهي: الركي أيضًا، وقد تسامح من أطلق على القليب طويا.
* * *
стр. 4150
(٦) باب في الحشر وكيفيته
[٢٧٣٠] عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا. قلت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال ﷺ : يا عائشة إن الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض.
رواه البخاريُّ (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩)، والنسائي (٤/ ١١٤).
[٢٧٣١] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَوعِظَةٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُم تُحشَرُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً غُرلًا ﴿كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ وَعدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الناس يُكسَى يَومَ القِيَامَةِ إِبرَاهِيمُ، أَلَا إِنَّهُ سَيُجَاءُ بِرِجَالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدرِي مَا
ــ
(٦) ومن باب: الحشر وكيفيته
الحشر: الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَشَرنَاهُم فَلَم نُغَادِر مِنهُم أَحَدًا﴾ والغرل: جمع أغرل، وهو الأقلف، والغرلة والقلفة: ما يقطعه الخاتن.
و(قوله: ﴿كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلقٍ نُعِيدُهُ﴾) أي: يعيده على خلقته الأولى لا ينقص منها شيء.
و(قوله: ألا إن أول الناس يكسى يوم القيامة إبراهيم ﵇ هذا، يدل على أن الناس كلهم - الأنبياء وغيرهم - يحشرون عراة، كما قال في الحديث
стр. 4151
أَحدَثُوا - وفي رواية: بَعدَكَ - فَأَقُولُ كَمَا قَالَ العَبدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيهِم شَهِيدًا مَا دُمتُ فِيهِم﴾ إلى قوله: ﴿أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قَالَ: فَيُقَالُ: إِنَّهُم لَم يَزَالُوا مدبرين مُرتَدِّينَ عَلَى أَعقَابِهِم مُنذُ فَارَقتَهُم.
رواه أحمد (١/ ٢٣٥)، والبخاريُّ (٤٦٢٥)، ومسلم (٢٨٦٠)(٥٨)، والترمذي (٢٤٢٣)، والنسائي (٤/ ١١٦).
[٢٧٣٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُحشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ ورَاهِبِين، وَاثنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ وَأَربَعَةٌ
ــ
المتقدم، وأن أهل السعادة يكسون من ثياب الجنة، ولا شك في أن من كسي من ثياب الجنة فقد لبس جبة تقيه مكاره الحشر وعرقه، وحر الشمس والنار، وغير ذلك، فظاهر عمومه يقتضي: أن إبراهيم يكسى قبل نبينا محمد ﷺ ، فيجوز أن يكون هذا من خصائص إبراهيم، كما قد خص موسى ﵇ بأن النبي ﷺ يجده متعلقا بساق العرش، مع أن النبي ﷺ أول من تنشق عنه الأرض، ولا يلزم من هذا أن يكونا أفضل منه مطلقا، بل: هو أفضل من وافى القيامة، وسيد ولد آدم، كما دللنا عليه فيما تقدَّم، ويجوز أن يراد بالناس من عداه من الناس، فلم يدخل تحت خطاب نفسه، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول على قوله: إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم.
و(قوله: يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين وراهبين) الطرائق: الأحوال المختلفة، والفرق المتفرقة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: فرقا مختلفة. قال القاضي: هذا الحشر هو في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها، كما ذكره مسلم بعد هذا في آيات الساعة، قال فيه: وآخر ذلك نار تخرج من قعر عدن ترحل الناس وفي رواية: تطرد الناس إلى
стр. 4152
عَلَى بَعِيرٍ وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحشُرُ بَقِيَّتَهُم النَّارُ، تَبِيتُ مَعَهُم حَيثُ بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُم حَيثُ قَالُوا، وَتُصبِحُ مَعَهُم حَيثُ أَصبَحُوا وَتُمسِي مَعَهُم حَيثُ أَمسَوا.
رواه البخاريُّ (٦٥٢٢)، ومسلم (٢٨٦١)، والنسائي (١/ ١١٤).
* * *
ــ
محشرهم (١). وفي حديث آخر: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (٢). ويدل على أنها قبل يوم القيامة قوله: (فتقيل معهم حيث قالوا، وتمسي معهم حيث أمسوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا. قال: وفي بعض الروايات في غير مسلم: فإذا سمعتم بها فاخرجوا إلى الشام كأنه أمر بسبقها إليه قبل إزعاجها لهم. وقد قال الأزهري في قوله: ﴿لأَوَّلِ الحَشرِ﴾ إن الحشر الأول إلى الشام: إجلاء بني النضير من بلادهم إلى الشام.
قلت: وعلى هذا فيكون معنى راغبين: في لقاء الله وفي ثوابه، وهؤلاء هم المؤمنون الذين وسموا باسم الإيمان. وراهبين؛ أي: خائفين، يعني بهم الكفار الذي وُسموا باسم الكفر، وذلك إذا طبع على كل قلب بما فيه عند طلوع الشمس من مغربها، وإذا خرجت دابة الأرض فنفخت في وجوه الناس ما تسم في وجه المؤمن: مؤمن، وفي وجه الكافر: كافر، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 4153
(٧) باب دنو الشمس من الخلائق في المحشر وكونهم في العرق على قدر أعمالهم
[٢٧٣٣] عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود، قال: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تُدنَى الشَّمسُ يَومَ القِيَامَةِ مِن الخَلقِ حَتَّى تَكُونَ مِنهُم كَمِقدَارِ مِيلٍ. قَالَ سُلَيمُ بنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا يَعنِي بِالمِيلِ، أَمَسَافَةَ الأَرضِ أَم المِيلَ الَّذِي تُكتَحَلُ بِهِ العَينُ. قَالَ: فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدرِ أَعمَالِهِم فِي العَرَقِ، فَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى كَعبَيهِ وَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى رُكبَتَيهِ وَمِنهُم مَن يَكُونُ إِلَى حَقوَيهِ، وَمِنهُم مَن يُلجِمُهُ العَرَقُ إِلجَامًا، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ.
رواه مسلم (٢٨٦٤)، والترمذيُّ (٢٤٢٣).
ــ
(٧ و ٨) ومن باب: دنو الشمس من الخلائق يوم القيامة والمحاسبة (١)
(قوله: تدنى الشمس يوم القيامة) أي: تقرب. والميل: اسم مشترك بين مسافة الأرض، والمرود الذي تكحل به العين. ولذلك أشكل المراد على سليم بن عامر، والأولى به هنا: مسافة الأرض؛ لأنَّها إذا كان بينها وبين الرؤوس مقدار المرود فهي متصلة بالرؤوس لقلة مقدار المرود.
و(قوله: ويكون الناس في العرق على قدر أعمالهم، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما) وقد تقدَّم أن الحقوين: الخصران. وقيل: هما طرفا
стр. 4154
[٢٧٣٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ العَرَقَ يَومَ القِيَامَةِ لَيَذهَبُ فِي الأَرضِ سَبعِينَ بَاعًا، وَإِنَّهُ لَيَبلُغُ إِلَى أَفوَاهِ النَّاسِ أَو إِلَى آذَانِهِم. يَشُكُّ ثَورٌ أَيَّهُمَا قَالَ.
رواه البخاريُّ (٦٥٣٢)، ومسلم (٢٨٦٣).
[٢٧٣٥] وعَن ابنِ عُمَرَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : ﴿يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ: يَقُومُ أَحَدُهُم فِي رَشحِهِ إِلَى أَنصَافِ أُذُنَيهِ.
رواه البخاريُّ (٦٥٣١)، ومسلم (٢٨٦٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٤ و ٣٣٣٣).
* * *
ــ
الوركين، والأول المعروف. وهذا العرق إنما هو لشدة الضغط، وحر الشمس التي على الرؤوس بحيث تغلي منها الهام (١)، وحرارة الأنفاس، وحرارة النار المحدقة بأرض المحشر، ولأنها تخرج منها أعناق تلتقط الناس من الموقف، فترشح رطوبة الأبدان من كل إنسان بحسب عمله، ثم يجمع عليه ما يرشح منه بعد أن يغوص عرقهم في الأرض مقدار سبعين باعا، أو ذراعا، أو عاما، على اختلاف الروايات، فإن قيل: فعلى هذا يكون الناس في مثل البحر من العرق، فيلزم أن يسبح الكل فيها سبحا واحدا، فكيف يكونون متفاضلين بعضهم إلى عقبيه، وبعضهم إلى فمه، وما بينهما. قلنا: يزول هذا الاستبعاد بأوجه، أقربها وجهان:
أحدهما: أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض التي تحت قدم كل إنسان بحسب عمله، فيرتفع عن الأرض بحسب ارتفاع ما تحته.
وثانيهما: أن يحشر الناس جماعات في تفرقة، فيحشر كل من يبلغ عرقه إلى
стр. 4155
(٨) باب في المحاسبة ومن نوقش هلك
[٢٧٣٦] عَن عَائِشَةَ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن حُوسِبَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ، فَقُلتُ: أَلَيسَ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾
ــ
كعبيه في جهة، وكل من يبلغ حقويه في جهة، وهكذا. والقدرة صالحة لأن تمسك عرق كل إنسان عليه بحسب عمله، فلا يتصل بغيره، وإن كان بإزائه، كما قد أمسك جرية البحر لموسى ﵇ حيث طلب لقاء الخضر، ولبني إسرائيل حين اتبعهم فرعون، والله تعالى أعلم بالواقع من هذه الأوجه. والحاصل أن هذا المقام مقام هائل لا تفي بهوله العبارات، ولا تحيط به الأوهام، ولا الإشارات، وأبلغ ما نطق به في ذلك الناطقون: ﴿قُل هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُم عَنهُ مُعرِضُونَ﴾
و(قوله: من حوسب يوم القيامة عذب) يعني حساب مناقشة ومطالبة، كما قال في اللفظ الآخر: من نوقش المحاسبة. والمناقشة: الاستقصاء في المطالبة بالجليل والحقير، والصغير والكبير، وترك المسامحة في شيء من ذلك. قال الهروي: يقال: انتقشت منه حقي؛ أي: استقصيته منه.
و(قوله: عذب) ظاهره: عذاب النار جزاء عن سيئات ما أظهره حسابه. ويدل على ذلك قوله هلك أي بالعذاب في النار. ويجوز أن يكون عذاب بعض من يناقش نفس المناقشة، وما يلازمها من التوبيخ واللوم، ثم يغفر الله تعالى، كما حكي أن بعض الصالحين رؤي في النوم بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: حاسبونا فدققوا، ثم منوا فأعتقوا. واعتراض عائشة ﵂ بقول الله تعالى: ﴿فَسَوفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ إنما حملها عليه أنها تمسكت بظاهر لفظ الحساب؛ لأنَّه يتناول القليل والكثير، ولو سمعت لفظ المناقشة لما وقع لها ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 4156
فَقَالَ: لَيسَ ذَاكِ الحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ العَرضُ، مَن نُوقِشَ الحِسَابَ يَومَ القِيَامَةِ عُذِّبَ.
وفي رواية: مَن نُوقِشَ المحاسبة هلك.
رواه أحمد (٦/ ٤٧)، والبخاري (٤٩٣٩)، ومسلم (٢٨٧٦) (٧٩ و ٨٠)، وأبو داود (٣٠٩٣)، والترمذي (٢٤٢٦ و ٣٣٣٧).
[٢٧٣٧] وعن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
ــ
و(قوله: إنما ذلك العرض) يعني: أن الحساب المذكور في الآية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه، ويوقف عليها تفصيلا حتى يعرف منة الله تعالى عليه في سترها عليه في الدنيا، وفي عفوه عنها في الآخرة، كما جاء (١) في حديث ابن عمر الآتي بعد هذا.
و(قوله: لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع) عبد هنا: يراد به العموم؛ لأنَّه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصص بمن لا حساب عليه، وهم الزمرة السابقة إلى الجنة أولا الذين يقال للنبي ﷺ فيهم: أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن (٢). وبقوله تعالى: ﴿يُعرَفُ المُجرِمُونَ بِسِيمَاهُم فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقدَامِ﴾ ويؤيد هذا ما قد صح في الحديث: أنه يخرج من النار عنق فيقول: وُكّلت بكل جبار (٣) وكأن المراد بهذا الحديث الأكثر من الناس، والله تعالى أعلم.
стр. 4157
عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه (١).
رواه الترمذيُّ (٢٤١٧)، ومن العجيب أن يدخل المؤلف ﵀ هذا الحديث في التلخيص ويشرح مشكله في المفهم ولم يخرجه مسلم.
[٢٧٣٨] وعَن صَفوَانَ بنِ مُحرِزٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابنِ عُمَرَ: كَيفَ سَمِعتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجوَى؟ قَالَ: سَمِعتُهُ يَقُولُ: يُدنَى المُؤمِنُ مِن رَبِّهِ يَومَ القِيَامَةِ
ــ
و(قوله: عن عمره فيم أفناه؟ وعن جسده فيم أبلاه؟ وعن علمه ما عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ ) ظاهره: أنه يُسأل عن هذه الأربع مجملة كما نطق بها، وليس كذلك، بل يسأل عن آحاد كل نوع منها، فيسأل عن أزمانه من وقت تكليفه زمانا زمانا، وعما عمل، عملا عملا، وعن معلوماته، وما عمل بها واحدا واحدا، وهكذا في سائرها تعيينا، وتعديدا وتفصيلا. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ * وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقالوا: ﴿يَا وَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحصَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ المَوَازِينَ القِسطَ لِيَومِ القِيَامَةِ فَلا تُظلَمُ نَفسٌ شَيئًا وَإِن كَانَ مِثقَالَ حَبَّةٍ مِن خَردَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
ومثل هذا كثير في الشريعة، ومن تصفح ذلك حصل على العلم القطعي واليقين الضروري من ذلك.
و(قوله: يدنى المؤمن من ربه يوم القيامة) هذا إدناء تقريب وإكرام، لا إدناء مسافة ومكان، ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كما قال: ﴿وَاسأَلِ القَريَةَ﴾ أي: أهلها.
стр. 4158
حَتَّى يَضَعَ عَلَيهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ: هَل تَعرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَعرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي سَتَرتُهَا عَلَيكَ فِي الدُّنيَا وَإِنِّي أَغفِرُهَا لَكَ اليَومَ، فَيُعطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ. وَأَمَّا الكُفَّارُ وَالمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِم عَلَى رُؤوسِ الخَلَائِقِ: الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ.
رواه أحمد (٢/ ٧٤)، والبخاريُّ (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨)، وابن ماجه (١٨٣).
* * *
ــ
و(قوله: حتى يضع عليه كنفه) أي: ستره وجناح إكرامه ولطفه، فيخاطبه خطاب الملاطفة، ويناجيه مناجاة المصافاة والمحادثة، فيقول: هل تعرف؟ فيقول بلسان الفرح والاستبشار: رب أعرف، فيقول الله له ممتنًّا عليه، ومظهرا فضله لديه: فإني سترتها عليك في الدنيا أي: لم أفضحك بها بين الخلائق، ولم أطلعهم على شيء منها. ويحتمل أن يكون معنى ستره إياها: ترك المؤاخذة عليها؛ إذ لو واخذه بها لفضحت العقوبة الذنب، كما افتضحت ذنوب الأمم السالفة بسبب العقوبات التي وقعت بهم، فسارت بذنوبهم وعقوبتهم الركبان، وعلمها كل إنسان. وهل هذه الذنوب كبائر وصغائر، أو صغائر فقط؟ وهل كان تاب منها، أو لم يكن؟ هذه مباحث تطول، وقد أشرنا إلى نكت منها فيما تقدَّم.
* * *
стр. 4159
(٩) باب حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات وصفة أهل الجنة وصفة أهل النار
[٢٧٣٩] وعن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.
رواه أحمد (٣/ ١٥٣)، ومسلم (٢٨٢٢)، والترمذي (٢٥٥٩).
[٢٧٤٠] وعن عياض بن حمار المجاشعي - وقد تقدم أول حديثه
ــ
(٩) ومن باب: قوله: حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات.
هذا من التمثيل الواقع موقعه، ومن الكلام البليغ الذي انتهى نهايته، وذلك أنه مثَّل المكارهَ بالحفاف، وهو الداء بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إلى ذلك الشيء إلا بعد أن يُتخطى، وفائدة هذا التمثيل: أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره، وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها. وقد روي عنه ﷺ أنه مثل طريق الجنة وطريق النار بتمثيل آخر، فقال: طريق الجنة حزن بربوة، وطريق النار سهل بسهوة (١). والحزن: هو الطريق الوعر المسلك، والربوة: المكان المرتفع، وأراد به أعلى ما يكون من الروابي. والسهوة، بالسين المهملة، وهي الموضع السهل الذي لا غلظ فيه، ولا وعورة، وهذا أيضًا تمثيل حسن واقع موقعه، وقد تقدَّم القول على أول حديث عياض في كتاب العلم.
стр. 4160
في العلم - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهلِ الأَرضِ فَمَقَتَهُم، عَرَبَهُم وَعَجَمَهُم، إِلَّا بَقَايَا مِن أَهلِ الكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثتُكَ لِأَبتَلِيَكَ وَأَبتَلِيَ بِكَ،
ــ
و(قوله: إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) نظر: بمعنى أبصر، والمقت: أشد البغض، وأراد بالعجم هنا: كل من لا يتكلم بكلام العرب، ويعني بذلك قبل بعث النبي ﷺ ، وذلك أن كلا الفريقين كان يعبد غير الله، أو يشرك معه غيره، فكان الكل ضلالا عن الحق، خارجين عن مقتضى العقول والشرائع، فأبغضهم الله لذلك أشد البغض، لكن لم يعاجلهم بالانتقام منهم حتى أعذر إليهم بأن أرسل إليهم رسولا، وأنزل عليهم كتابا قطعا لمعاذيرهم، وإظهارا للحجة عليهم. وإنما استثنى البقايا من أهل الكتاب؛ لأنَّهم كانوا متمسكين بالحق الذي جاءهم به نبيهم، ويعني بذلك - والله أعلم - من كان في ذلك الزمان متمسِّكًا بدين المسيح؛ لأنَّ من كفر من اليهود بالمسيح لم يبق على دين موسى، ولا متمسِّكًا بما في التوراة، ولا دخل في دين عيسى، فلم يبق أحد من اليهود متمسِّكًا بدين حق إلا من آمن بالمسيح واتبع الحق الذي كان عليه، وأما من لم يؤمن به، فلا تنفعه يهوديته ولا تمسكه بها؛ لأنَّه قد ترك أصلا عظيما مِمَّا فيها، وهو العهد الذي أخذ عليهم في الإيمان بعيسى ﵇ وكذلك نقول: كل نصراني بلغه أمر نبينا وشرعنا، فلم يؤمن به، لم تنفعه نصرانيته؛ لأنَّه قد ترك ما أخذ عليه من العهد في شرعه. ولذلك قال ﷺ : والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت، إلا كان من أصحاب النار (١).
و(قوله: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) أي: لأمتحنك بتبليغ الرسالة، والصبر على معاناة أهل الجاهلية، وأمتحن بك؛ أي: من آمن بك واتبعك أثبته،
стр. 4161
وَأَنزَلتُ عَلَيكَ كِتَابًا لَا يَغسِلُهُ المَاءُ، تَقرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقظَانَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَن أُحَرِّقَ قُرَيشًا،
ــ
ومن كذبك وخالفك انتقمت منه وعاقبته.
و(قوله: وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء) أي: يسرت تلاوته وحفظه، فخف على الألسنة، ووعته القلوب، فلو غسلت المصاحف لما انغسل من الصدور، ولما ذهب من الوجود، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾
وفي الإسرائيليات: أن موسى ﵇ قال: يا رب إني أجد أمة تكون أناجيلها في صدورها فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد.
و(قوله: تقرؤه نائما ويقظان) يحتمل أن يريد بذلك: أنه يوحى إليه القرآن في اليقظة والمنام، وقد تقدَّم أن رؤيا الأنبياء وحي. ويحتمل أن يكون معنى نائم هنا: مضطجعا، يعني في صلاة المريض، قالهما القاضي، وفيهما بعد، وأشبه منهما - إن شاء الله - أن الله يسره على لسان نبيه، وذكره، بحيث كان يقرؤه نائما كما كان يقرؤه منتبها. لا يخل منه بحرف، لا سيما وقد كان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه (١). وقد شاهدنا المديمين على تكرار القرآن يقرؤون منه الكثير وهم نيام، وذلك قبل استحكام غلبة النوم عليهم.
و(قوله: إن الله أمرني أن أحرق قريشا) أي: أغيظهم بما أسمعهم من الحق الذي يخالف أهواءهم، وأؤلم قلوبهم بعيب آلهتهم، وتسفيه أحلام آبائهم، وقتالهم، ومغالبتهم حتى كأني أحرق قلوبهم بالنار. ولا يصح أن يحمل ذلك على حقيقته؛ لأنَّ النبي ﷺ لم يصح عنه أنه حرق أحدا من قريش بالنار، بل قد نهى عن التعذيب بالنار، وقال: لا يعذب بالنار إلا الله (٢).
стр. 4162
فَقُلتُ: رَبِّ إِذن يَثلَغُوا رَأسِي فَيَدَعُوهُ خُبزَةً،
ــ
و(قوله: فقلت إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة) الرواية الصحيحة المشهورة بالثاء المثلثة والعين المعجمة، ومعناه: يشدخوا. قاله الهروي، وقال شمر: الثلغ: فضخك الشيء الرطب باليابس، وقد رواه العذري: فقلعوا - بالقاف والعين المهملة - ولا يصح مع قوله: فيدعوه خبزة ومعنى هذا أنه شبه الرأس إذا شدخ بالخبزة إذا شدخت لتثرد.
قلت: وهذا الذي قاله النبي ﷺ من نحو ما قاله موسى ﵇ حين أمر بتبليغ الرسالة إلى فرعون فـ: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرسِل إِلَى هَارُونَ * وَلَهُم عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقتُلُونِ﴾ فهذا صريح في أنهما خافا غير الله، وحينئذ يعارضه قوله تعالى في صفة الرسل ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخشَونَهُ وَلا يَخشَونَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ﴾ وهذا نص في أن الرسل لا تخشى إلا الله، وهذا هو المناسب لمعرفتهم بالله، وأنه ليس في الوجود فاعل، ولا خالق إلا هو، وخصوصا لأولي العزم من الرسل، وخصوصا لمحمد وموسى - صلى الله عليهما - ويرتفع التعارض من وجهين:
أحدهما: أن ذلك الخوف كان منهما في بدايتهم قبل تمكنهم وإعلامهم بحميد عواقب أحوالهم، وقبل تأمينهم، فلما مكنوا وأمنوا لم يخشوا إلا الله، ولذلك كان النبي ﷺ في أول أمره يحرس وهو في منزله، فلما أنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أخرج رأسه إليهم فقال: اذهبوا فقد عصمني ربي (١).
وثانيهما: على تسليم أن يكون ذلك منهم في غير بدايتهم، لكن ذلك الخوف هو الذي لا ينفك البشر عن فجأته ووقوع بادرته، حتى إذا راجع الإنسان عقله، وتدبر أمره اضمحل ذلك الخوف أي اضمحلال، وحصل له من
стр. 4163
قَالَ: استَخرِجهُم كَمَا استَخرَجُوكَ، وَاغزُهُم نُغزِكَ، وَأَنفِق فَسَنُنفِقَ عَلَيكَ، وَابعَث جَيشًا نَبعَث خَمسَةً مِثلَهُ، وَقَاتِل بِمَن أَطَاعَكَ مَن عَصَاكَ، وقَالَ: أَهلُ الجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلطَانٍ مُقسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلبِ لِكُلِّ ذِي قُربَى وَمُسلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، قَالَ: وَأَهلُ النَّارِ
ــ
معرفة الله وخشيته ما يستحقر معه رسوخ الجبال، والله تعالى أعلم.
و(قوله: استخرجهم كما استخرجوك) أي: أخرجهم كما أخرجوك. والسين والتاء زائدتان كما يقال: استجاب، بمعنى أجاب. وقد رواه العذري: كما أخرجوك. وهذا يدل على أن هذا القول صدر عن النبي ﷺ بالمدينة بعد الهجرة؛ فإنَّ أهل مكة هم الذين أخرجوه من مكة حتى هاجر إلى المدينة.
و(قوله: واغزهم نغزك) أي: اعزم على غزوهم، واشرع فيه نعنك على غزوهم، وننصرك عليهم.
و(قوله: وابعث جيشا نبعث خمسة مثله) هذا يدل على أن هذا كان قبل غزوة بدر؛ لأنَّ النبي ﷺ كان يوم بدر في ثلاثمائة من أصحابه ونيف، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر، فأمده الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة، كما نطق القرآن به.
و(قوله: أهل الجنة ثلاثة) أي: المتأهلون لدخولها، الصالحون له.
و(قوله: ذو سلطان مقسط، متصدق، موفق) مقسط وما بعده مرفوع على أنها صفات لـ (ذو) وهي بمعنى صاحب. والمقسط: العادل. والمتصدق: المعطي للصدقات. والموفق: المسدد لفعل الخيرات.
و(قوله: رحيم، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين (١)) رحيم: كثير
стр. 4164
خَمسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبرَ لَهُ، والَّذِينَ هُم فِيكُم تَبَعًا لَا يَبتَغُونَ أَهلًا وَلَا مَالًا
ــ
الرحمة. والقربى: القرابة. ورقيق القلب: لينه عند التذكر والموعظة، ويصح أن يكون بمعنى الشفيق.
و(قوله: وضعيف متضعف) يعني: ضعيفا في أمور الدنيا، قويا في أمر دينه، كما قال: المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير (١). وكما قد ذم الضعف في أمور الدين، جعله من صفات أهل النار كما قال: وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له. والزبر هنا: العقل. قاله الهروي. وفي الصحاح: يقال: ما له زبر، أي: عقل وتماسك.
قلت: وسمي العقل زبرا؛ لأنَّ الزبر في أصله هو المنع والزجر. يقال: زبره يزبره - بالضم - زبرا: إذا انتهره ومنعه. ولما كان العقل هو المانع لمن اتصف به من المفاسد والزاجر عنها، سمي بذلك. وقد قيل في الزبر في هذا الحديث: أنه المال، وليس بشيء.
و(قوله: الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا) هذا تفسير من النبي ﷺ لقوله أولا: الضعيف الذي لا زبر له) فيعني بذلك: أن هؤلاء القوم ضعفاء العقول، فلا يسعون في تحصيل مصلحة دنيوية، ولا فضيلة نفسية ولا دينية، بل: يهملون أنفسهم إهمال الأنعام، ولا يبالون بما يثبون عليه من الحلال والحرام، وهذه الأوصاف الخبيثة الدنيئة هي أوصاف هذه الطائفة المسماة بالقلندرية (٢).
стр. 4165
(وزاد هنا في رواية: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم، والله، لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدة يطؤها) وَالخَائِنُ الَّذِي لَا يَخفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِن دَقَّ إِلَّا خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا يُصبِحُ وَلَا يُمسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَن أَهلِكَ وَمَالِكَ - وَذَكَرَ البُخلَ والكَذِبَ - وَالشِّنظِيرُ الفَحَّاشُ.
رواه مسلم (٢٨٦٥) (٦٣ و ٦٤).
ــ
و(قوله: قلت: ويكون ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: نعم! والله لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها) هذا القائل هو قتادة. وأبو عبد الله هو مطرف بن الشخير الذي روى عن عياض بن حمار. ويدل هذا على أن مطرفا أدرك الجاهلية، وأنَّه صحابي وإن لم يذكره أبو عمر في الصحابة، وكان حقه أن يذكره؛ لأنَّ من شرطه أن يذكر من ولد في زمن النبي ﷺ ، ومطرف ولد في زمانه ﷺ ، على ما قاله ابن قتيبة وغيره. والحي: القبيل. والوليدة: الأمة، ووجدت مقيدا في أصل أبي الصبر، معتنى به، مصححا عليه: إلا وليدتهم بفتح التاء، ووجهه أنه استثناء من مستثنى محذوف، تقديره: ما به شيء أو حاجة إلا وليدتهم. ووقع في بعض النسخ: إلا وليدة، غير مضاف.
و(قوله: والخائن الذي لا يخفى له طمع - وإن دق - إلا خانه) الخائن: هو الذي يأخذ مما اؤتمن عليه بغير إذن مالكه، ويخفى له - هنا - بمعنى يظهر، كما قال (١):
خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من عشي مجلب
أي: أظهرهن. وخفي من الأضداد. يقال: خفيت الشيء؛ أي: أظهرته وسترته. قاله أبو عبيد.
و(قوله: وذكر البخل والكذب) هكذا الرواية المشهورة فيه بالواو
стр. 4166
[٢٧٤١] وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر.
ــ
الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بـ (أو) التي للشك. قال القاضي: ولعله الصواب. وبه وتصح القسمة؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذي وصف، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف. قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشنظير الفحاش، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشنظير الفحاش. وكذلك قوله: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: كذا قيدناه بخفض (مسلم) عطفا على ما قبله، وفي رواية أخرى: ومسلم عفيف بالرفع وحذف الواو.
قلت: العفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش، وعما لا يليق. والمتعفف: المتكلف للعفة. والشنظير: السيئ الخلق، في الصحاح: رجل شنظير وشنظيرة، أي: سيئ الخلق. قالت امرأة من العرب:
شنظيرة زوجنيه أهلي
من حمقه يحسب رأسي
رجلي كأنه لم ير أنثى قبلي
وربما قالوا: شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفحاش: الكثير الفحش. وقيل: الشنظير: هو الفحاش. قال صاحب العين: يقال: شنظر بالقوم: شتم أعراضهم. والشنظير: الفحاش من الرجال الغلق، وكذلك من الإبل.
و(قوله: ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف) الصحيح في
стр. 4167
وفي رواية: عتل، ولم يذكر (زنيم)
رواه البخاريُّ (٦٠٧١)، ومسلم (٢٨٥٣) (٤٦ و ٤٧)، والترمذيُّ (٢٦٠٨).
ــ
متضعف: فتح العين، على أنه اسم مفعول، وكذا وجدته في كتاب الشيخ أبي الصبر، ويعني بذلك: أن الغالب على صفة أهل الجنة الضعيف عن نيل الدنيا، ومالها، وجاهها، ومناصبها، وإيثار الخمول والتواضع فيها، يلبسون زري الملابس، ولا يلتفتون إلى فاخر المراكب، ولا إلى صدور المجالس، علما منهم بأنهم على جادة سفر، وأن الدنيا ليست بمقر، فأحوالهم أحوال المسافرين المرملين. فهم كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره (١). والأشعث: المتلبد الشعر، والأغبر: الذي علته غبرة الغبار. والأطمار: الثياب الرثة. ولا يؤبه له: لا يلتفت إليه. يقال: فلان لا يؤبه، ولا يؤبه له؛ أي: لا يبالى به. ابن السكيت: ما وبهت به، وما وبهت له؛ أي: ما فطنت له. وأنت تيبه، بكسر التاء مثل تيجل؛ أي: تبالي. فإن قيل: كيف تكون هذه أوصاف أهل الجنة، وكيف تحمد هذه الأوصاف وقد أمر الشرع بالنظافة والزينة في الجمع والأعياد والتطيب، وكان النبي ﷺ يتطيب ويتنظف، ويتزين للوفود وللجمع والأعياد؟ قلنا: لا تناقض بين هذا وبين ما وصف به النبي ﷺ أهل الجنة، فإنه ﷺ إنما وصف هؤلاء القوم بأغلب أحوالهم. وغالب أحوالهم: ملازمة الأسفار الشرعية من الحج والجهاد، والسياحة في الأرض، والفرار بأديانهم من الفتن. ومع ذلك كله فيتنظفون النظافة الشرعية، ويتزينون التزين الشرعي إذا حضر وقته وأمكنهم ذلك، ويحضرون جماعات المسلمين وجمعاتهم. فهم مع الناس كائنون، وعنهم بائنون، داخلون في غمارهم، ومستترون بخمولهم وأطمارهم، وقد توجهوا إلى الحق وأعرضوا عن الخلق. وعلى الجملة فمقصود هذا الحديث أن أحوال أهل الجنة على النقيض من أحوال أهل النار، ألا ترى أنه
стр. 4168
[٢٧٤٢] وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
رواه مسلم (٢٨٥٤).
ــ
قابل صفات أهل الجنة وذكر نقائضها في أهل النار؟ فقال: وأهل النار كل جواظ، زنيم، متكبر، عتل. فالجواظ: الجموع المنوع. حكاه الهروي. وقال غيره: الكثير اللحم المختال، يقال: جاظ يجوظ جوظا: إذا كان كذلك. وقال ابن دريد: هو الجافي القلب. والعتل، قيل: الجافي الشديد الخصومة. وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم. والعَتل: هو العُنف. ومنه سميت القسي الفارسية: عُتلا لشدتها، والزنيم هنا: هو الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقيل: هو اللئيم، وأما الزنيم المذكور في الآية، فقيل: إنه رجل بعينه له زنمة كزنمة التيس، وهي الغديرة المتعلقة بعنقه. وقيل: هو الوليد، وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو الأخنس بن شريق. وكان حليفا ملحقا. والمتكبر: الموصوف بالكبر المستعمل له، وقد بينا الكبر فيما تقدَّم.
و(قوله: رب أشعث مدفوع بالأبواب) أصل (رب) للتقليل وقد تأتي للتكثير. وقد جاءت كذلك في شعر امرئ القيس كثيرا. قال:
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني
وقال:
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال
ومثله كثير قصد به مدح نفسه، ولا يتمدح بالقليل النادر، بل: بالكثير المتكرر، وتصلح رب في هذا الحديث أن تحمل على الكثير، فكأنه قال: كثير ممن يكون هذا حاله لو أقسم على الله لأبره.
و(قوله: مدفوع بالأبواب) أي: عن أبواب الملوك والكبراء، فلا يسمع له
стр. 4169
[٢٧٤٣] وعنه؛ عن النبي ﷺ قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير.
رواه أحمد (٢/ ٣٣١)، ومسلم (٢٨٤٠).
* * *
ــ
قول، ولا تقضى له حاجة؛ لكونه لا يُعرف، ورث الهيئة؛ أي: زريها بحيث تحتقره العين.
و(قوله: لو أقسم على الله لأبره) قيل فيه: لو دعا لأجابه.
قلت: وهذا عدول عن أصل وضع الكلام من غير ضرورة، بل هو على أصله، وقد دل على هذا ما تقدَّم من حديث أم الربيع حيث قال أنس بن النضر: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع، ثم لما رضي الطالب بالدية قال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره (١).
و(قوله: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) يحتمل أن يقال: إنما شبهها بها لضعفها ورقتها، كما قال في أهل اليمن: هم أرق قلوبا، وأضعف أفئدة (٢) ويحتمل أنه أراد بها أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير على الجملة أكثر الحيوانات خوفا وحذرا، حتى قيل: أحذر من غراب. وقد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا.
* * *
стр. 4170
(١٠) باب في صفة الجنة وما أعد الله فيها
[٢٧٤٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا، بله ما أطلعكم الله عليه. ثم قرأ: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾
رواه أحمد (٢/ ٤٦٦)، والبخاريُّ (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤)(٤)، والترمذيّ (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨).
ــ
(١٠) ومن باب: صفة الجنة وما أعد الله فيها
(قوله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ذُخرا الرواية المشهورة بالدال المعجمة المضمومة، أي: مدخرا، وهو مصدر، يقال: ذخرت الشيء أذخره ذخرا، وادخرته أدخره ادخارا، بالإدغام، هو افتعلت، ووقع في طريق الفارسي (ذكرا) بالكاف، ولبعضهم دخر بغير تنوين. وليسا بشيء، ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق، لا بالإخبار عنه، ولا بالفكرة فيه، وقد تعرض بعض الناس لتعيينه، وهو تكلف ينفيه الخبر نفسه، إذ قد نفى علمه والشعور به عن كل أحد، ويشهد له ويحققه قوله: بله ما أطلعكم الله عليه أي: دع ما أطلعكم عليه. يعني: أن المعد المذكور غير الذي أطلع عليه أحدا من الخلق. و (بله): اسم من أسماء الأفعال بمعنى: دع. هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنى غير، وهذا تفسير معنى.