[٢٧٤١] وعن حارثة بن وهب الخزاعي قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر.
ــ
الجامعة، وقد رواه ابن أبي جعفر عن الطبري بـ (أو) التي للشك. قال القاضي: ولعله الصواب. وبه وتصح القسمة؛ لأنَّه ذكر أن أصحاب النار خمسة: الضعيف الذي وصف، والخائن الذي وصف، والرجل المخادع الذي وصف. قال: وذكر البخل والكذب، ثم ذكر الشنظير الفحاش، فرأى هذا القائل أن الرابع هو صاحب أحد الوصفين، وقد يحتمل أن يكون الرابع من جمعهما على رواية واو العطف، كما جمعهما في الشنظير الفحاش. وكذلك قوله: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسكين، وعفيف متعفف ذو عيال. قال: كذا قيدناه بخفض (مسلم) عطفا على ما قبله، وفي رواية أخرى: ومسلم عفيف بالرفع وحذف الواو.
قلت: العفيف: الكثير العفة، وهي الانكفاف عن الفواحش، وعما لا يليق. والمتعفف: المتكلف للعفة. والشنظير: السيئ الخلق، في الصحاح: رجل شنظير وشنظيرة، أي: سيئ الخلق. قالت امرأة من العرب:
شنظيرة زوجنيه أهلي
من حمقه يحسب رأسي
رجلي كأنه لم ير أنثى قبلي
وربما قالوا: شنذيرة - بالذال المعجمة - لقربها من الظاء لغة، أو لثغة. والفحاش: الكثير الفحش. وقيل: الشنظير: هو الفحاش. قال صاحب العين: يقال: شنظر بالقوم: شتم أعراضهم. والشنظير: الفحاش من الرجال الغلق، وكذلك من الإبل.
و(قوله: ألا أخبركم بأهل الجنة: كل ضعيف متضعف) الصحيح في
стр. 4167
وفي رواية: عتل، ولم يذكر (زنيم)
رواه البخاريُّ (٦٠٧١)، ومسلم (٢٨٥٣) (٤٦ و ٤٧)، والترمذيُّ (٢٦٠٨).
ــ
متضعف: فتح العين، على أنه اسم مفعول، وكذا وجدته في كتاب الشيخ أبي الصبر، ويعني بذلك: أن الغالب على صفة أهل الجنة الضعيف عن نيل الدنيا، ومالها، وجاهها، ومناصبها، وإيثار الخمول والتواضع فيها، يلبسون زري الملابس، ولا يلتفتون إلى فاخر المراكب، ولا إلى صدور المجالس، علما منهم بأنهم على جادة سفر، وأن الدنيا ليست بمقر، فأحوالهم أحوال المسافرين المرملين. فهم كما وصفهم النبي ﷺ بقوله: رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره (١). والأشعث: المتلبد الشعر، والأغبر: الذي علته غبرة الغبار. والأطمار: الثياب الرثة. ولا يؤبه له: لا يلتفت إليه. يقال: فلان لا يؤبه، ولا يؤبه له؛ أي: لا يبالى به. ابن السكيت: ما وبهت به، وما وبهت له؛ أي: ما فطنت له. وأنت تيبه، بكسر التاء مثل تيجل؛ أي: تبالي. فإن قيل: كيف تكون هذه أوصاف أهل الجنة، وكيف تحمد هذه الأوصاف وقد أمر الشرع بالنظافة والزينة في الجمع والأعياد والتطيب، وكان النبي ﷺ يتطيب ويتنظف، ويتزين للوفود وللجمع والأعياد؟ قلنا: لا تناقض بين هذا وبين ما وصف به النبي ﷺ أهل الجنة، فإنه ﷺ إنما وصف هؤلاء القوم بأغلب أحوالهم. وغالب أحوالهم: ملازمة الأسفار الشرعية من الحج والجهاد، والسياحة في الأرض، والفرار بأديانهم من الفتن. ومع ذلك كله فيتنظفون النظافة الشرعية، ويتزينون التزين الشرعي إذا حضر وقته وأمكنهم ذلك، ويحضرون جماعات المسلمين وجمعاتهم. فهم مع الناس كائنون، وعنهم بائنون، داخلون في غمارهم، ومستترون بخمولهم وأطمارهم، وقد توجهوا إلى الحق وأعرضوا عن الخلق. وعلى الجملة فمقصود هذا الحديث أن أحوال أهل الجنة على النقيض من أحوال أهل النار، ألا ترى أنه
стр. 4168
[٢٧٤٢] وعن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره.
رواه مسلم (٢٨٥٤).
ــ
قابل صفات أهل الجنة وذكر نقائضها في أهل النار؟ فقال: وأهل النار كل جواظ، زنيم، متكبر، عتل. فالجواظ: الجموع المنوع. حكاه الهروي. وقال غيره: الكثير اللحم المختال، يقال: جاظ يجوظ جوظا: إذا كان كذلك. وقال ابن دريد: هو الجافي القلب. والعتل، قيل: الجافي الشديد الخصومة. وقيل: هو الأكول الشروب الظلوم. والعَتل: هو العُنف. ومنه سميت القسي الفارسية: عُتلا لشدتها، والزنيم هنا: هو الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقيل: هو اللئيم، وأما الزنيم المذكور في الآية، فقيل: إنه رجل بعينه له زنمة كزنمة التيس، وهي الغديرة المتعلقة بعنقه. وقيل: هو الوليد، وكان له زنمة تحت أذنه، وقيل: هو الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو الأخنس بن شريق. وكان حليفا ملحقا. والمتكبر: الموصوف بالكبر المستعمل له، وقد بينا الكبر فيما تقدَّم.
و(قوله: رب أشعث مدفوع بالأبواب) أصل (رب) للتقليل وقد تأتي للتكثير. وقد جاءت كذلك في شعر امرئ القيس كثيرا. قال:
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغل عنه ففداني
وقال:
ويا رب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة كأنها خط تمثال
ومثله كثير قصد به مدح نفسه، ولا يتمدح بالقليل النادر، بل: بالكثير المتكرر، وتصلح رب في هذا الحديث أن تحمل على الكثير، فكأنه قال: كثير ممن يكون هذا حاله لو أقسم على الله لأبره.
و(قوله: مدفوع بالأبواب) أي: عن أبواب الملوك والكبراء، فلا يسمع له
стр. 4169
[٢٧٤٣] وعنه؛ عن النبي ﷺ قال: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير.
رواه أحمد (٢/ ٣٣١)، ومسلم (٢٨٤٠).
* * *
ــ
قول، ولا تقضى له حاجة؛ لكونه لا يُعرف، ورث الهيئة؛ أي: زريها بحيث تحتقره العين.
و(قوله: لو أقسم على الله لأبره) قيل فيه: لو دعا لأجابه.
قلت: وهذا عدول عن أصل وضع الكلام من غير ضرورة، بل هو على أصله، وقد دل على هذا ما تقدَّم من حديث أم الربيع حيث قال أنس بن النضر: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّع، ثم لما رضي الطالب بالدية قال رسول الله ﷺ : إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره (١).
و(قوله: يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير) يحتمل أن يقال: إنما شبهها بها لضعفها ورقتها، كما قال في أهل اليمن: هم أرق قلوبا، وأضعف أفئدة (٢) ويحتمل أنه أراد بها أنها مثلها في الخوف والهيبة، والطير على الجملة أكثر الحيوانات خوفا وحذرا، حتى قيل: أحذر من غراب. وقد غلب الخوف على كثير من السلف حتى انصدعت قلوبهم فماتوا.
* * *
стр. 4170
(١٠) باب في صفة الجنة وما أعد الله فيها
[٢٧٤٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ذخرا، بله ما أطلعكم الله عليه. ثم قرأ: ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾
رواه أحمد (٢/ ٤٦٦)، والبخاريُّ (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤)(٤)، والترمذيّ (٣١٩٧)، وابن ماجه (٤٣٢٨).
ــ
(١٠) ومن باب: صفة الجنة وما أعد الله فيها
(قوله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) ذُخرا الرواية المشهورة بالدال المعجمة المضمومة، أي: مدخرا، وهو مصدر، يقال: ذخرت الشيء أذخره ذخرا، وادخرته أدخره ادخارا، بالإدغام، هو افتعلت، ووقع في طريق الفارسي (ذكرا) بالكاف، ولبعضهم دخر بغير تنوين. وليسا بشيء، ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق، لا بالإخبار عنه، ولا بالفكرة فيه، وقد تعرض بعض الناس لتعيينه، وهو تكلف ينفيه الخبر نفسه، إذ قد نفى علمه والشعور به عن كل أحد، ويشهد له ويحققه قوله: بله ما أطلعكم الله عليه أي: دع ما أطلعكم عليه. يعني: أن المعد المذكور غير الذي أطلع عليه أحدا من الخلق. و (بله): اسم من أسماء الأفعال بمعنى: دع. هذا هو المشهور فيها، وقيل: هي بمعنى غير، وهذا تفسير معنى.
стр. 4171
[٢٧٤٥] وعنه؛ عن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها.
رواه أحمد (٢/ ٤١٨)، والبخاريُّ (٤٨٨١)، ومسلم (٢٨٢٦) (٦ و ٧)، والترمذيُّ (٢٥٢٣)، والنسائي في الكبرى (١١٥٦٤)، وابن ماجه (٤٣٣٥).
[٢٧٤٦] ومن حديث أبي سعيد: يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام. . .
رواه البخاري (٦٥٥٣)، ومسلم (٢٨٢٨)، والترمذي (٢٥٢٦).
[٢٧٤٧] وعن سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم اقترأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ﴾ إلى قوله: بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ.
رواه أحمد (٥/ ٣٣٤)، ومسلم (٢٨٢٥).
ــ
و(قوله: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها) الرواية التي لا يعرف غيرها (الراكب) مرفوع، فاعل: يسير، والجواد: منصوب مفعول بيسير، والمضمر: نعته، وكذلك السريع، ومعناه: يجري الراكب فرسه السريع الذي قد ضمر هذه المدة فلا يقطعها، وقيل: هي شجرة طوبى، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول في تضمير الخيل في كتاب الجهاد. ومعنى ظلها: نعيمها وراحتها، من قولهم: عيش ظليل، وقيل: معنى ظلها: ذراها وناحيتها وكنفها، كما يقال: أنا في ظلك، أي: في كنفك وحوطتك.
стр. 4172
[٢٧٤٨] وعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
رواه البخاريُّ (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩)، والترمذي (٢٥٥٨).
* * *
ــ
قلت: والذي أحوج إلى هذين التأويلين أن الظل المتعارف عندنا إنما هو وقاية عن حر الشمس وأذاها، وليس في الجنة شمس، وإنما هي أنوار متوالية لا حر فيها، ولا قر، بل: لذات متوالية، ونعم متتابعة.
و(قوله: أحل عليكم رضواني) أي: أوجب لكم رضائي، فلا يزول عنكم أبدا دائما لا انقطاع له بوجه من الوجوه، وقد أكد ذلك بقوله: فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
* * *
стр. 4173
(١١) باب في غرف الجنة وتربتها وأسواقها
[٢٧٤٩] عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب؛ لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله
ــ
(١١ و ١٢ و ١٣ و ١٤) ومن باب: غرف الجنة (١)
قوله: إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري) يعني: أن أهل السفل من الجنة ينظرون إلى من فوقهم على تفاوت منازلهم، كما ينظر من على الأرض دراري السماء، على تفاوت منازلها. فيقال: هذا منزل فلان، كما يقال: هذا المشتري مثلا، أو الزهرة، أو المريخ، وقد بين ذلك بقوله: لتفاوت ما بينهما وسمي الكوكب دريا لبياضه وصفائه، وقيل: لأنه شبه بالدر في صفائه.
و(قوله: الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب) الرواية المشهورة: الغابر، بواحدة، ومعناه الذاهب والباقي، على اختلاف المفسرين، وغبر من الأضداد. يقال: غبر: إذا ذهب، وغبر: إذا بقي، ويعني به: أن الكوكب حالة طلوعه وغروبه بعيد عن الأبصار، فيظهر صغيرا لبعده، وقد بينه بقوله: في الأفق من المشرق أو المغرب، والأفق: ناحية السماء، وهو بضم الهمزة والفاء وبسكونها،
стр. 4174
تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين.
رواه أحمد (٥/ ٣٤٠)، والبخاري (٦٥٥٥)، ومسلم (٢٨٣٠). وهو عند ابن حبان (٢٠٩) كما في التلخيص. ورواه مسلم بطوله من حديث أبي سعيد الخدري (٢٨٣١)(١١).
ــ
كما يقال: عُشر وعُشُر، وجمعه: آفاق، وقد قيدنا تلك اللفظة على من يوثق به: الغائر - بالهمز - اسم فاعل من غار. وقد روي في غير مسلم: الغارب، بتقديم الراء، ويروى: العازب بالعين المهملة والزاي؛ أي: البعيد، ومعانيها كلها متقاربة. ومن الأفق: رويناه بـ (من) التي لابتداء الغاية، وهي الظرفية، وأما من المشرق، فلم يرو في كتاب مسلم إلا بـ (من). وقد رواه البخاري في المشرق بـ (في) وهي أوضح، فأمَّا من رواهما بـ (من) في الموضعين فأوجه ما فيهما أن تكون الأولى لابتداء الغاية، والثانية بدل منها مبينة لها. وقيل: إنها في قوله: من المشرق؛ لانتهاء الغاية، وهو خروج عن أصلها، وليس معروفا عند أكثر النحويين.
و(قولهم: تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين) كذا وقع هنا هذا الحرف. بلى؛ التي أصلها حرف جواب وتصديق، وليس هذا موضعها؛ لأنَّهم لم يستفهموا، وإنَّما أخبروا أن تلك المنازل للأنبياء لا لغيرهم. فجواب هذا يقتضي: أن تكون (بلى) التي للإضراب عن الأول وإيجاب المعنى للثاني، فكأنه تسومح فيها، فوضعت بلى موضع بل. و: رجال، مرفوع بالابتداء المحذوف، تقديره: هم رجال. وفيه أيضًا توسع؛ أي: تلك المنازل منازل رجال آمنوا بالله، أي: حق إيمانه، وصدقوا المرسلين، أي: حق تصديقهم، وإلا فكل من يدخل الجنة آمن بالله، وصدق رسله، ومع ذلك فهم متفاوتون في الدرجات والمنازل، وهذا واضح.
стр. 4175
[٢٧٥٠] وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ لابن صائد: ما تراب الجنة؟ قال: درمكة بيضاء مسك يا أبا القاسم. قال: صدقت.
رواه مسلم (٢٩٢٨)(٩٢).
[٢٧٥١] وعنه؛ أن ابن صياد سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة، قال: درمكة بيضاء مسك خالص.
رواه مسلم (٢٩٢٨)(٩٣).
[٢٧٥٢] وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة،
ــ
و(قوله ﷺ لابن صياد: ما تربة (١) الجنة) هذا نص في أن النبي ﷺ هو السائل لابن صياد عن تربة الجنة (٢)، وفي الرواية الأخرى: أن ابن صياد هو الذي سأل النبي ﷺ عن تربة الجنة، فهاتان روايتان، والواقع منهما إحداهما، والله أعلم، وكيفما كان فالخبر عن تربة الجنة صدق وصحيح؛ لأنَّه إن كان الجواب من النبي ﷺ فهو حق، إذ الكذب عليه محال، وإن كان ابن صياد هو الذي قاله فقد علمنا صحة ذلك من جهة أن النبي ﷺ صدقه في ذلك، ويكون ابن صياد علم ذلك من جهة ما ألقاه إليه شيطانه من الكلمات التي استرق سمعها؛ لأنَّ ابن صياد كان من الكهان على ما يأتي في حديثه. والدرمكة: دقيق الحوارى. شبه تربة الجنة به في حسن لونها ونعيمها، وشبه رائحتها بالمسك، وهذا تشبيه تقريب، وأين الثريا من الثرى؟ !
و(قوله: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة) السوق: يذكر ويؤنث،
стр. 4176
فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٤)، ومسلم (٢٨٣٣).
* * *
ــ
وسمي سوقا لقيام الناس فيها على ساق، وقيل: لسوق الناس بضائعهم إليها، فيحتمل أن يكون سوق الجنة عبارة عن مجتمع أهل الجنة، ومحل تزاورهم، وسمي سوقا بالمعنى الأول، ويؤيد هذا أن أهل الجنة لا يفقدون شيئا حتى يحتاجوا إلى شرائه من السوق، ويحتمل أن يكون سوقا مشتملا على محاسن مشتهيات مستلذات، تجمع هنالك مرتبة محسنة، كما تجمع في الأسواق، حتى إذا جاء أهل الجنة فرأوها، فمن اشتهى شيئا وصل إليه من غير مبايعة ولا معاوضة، ونعيم الجنة وخيرها أعظم وأوسع من ذلك كله، وخص يوم الجمعة بذلك لفضيلته، ولما خصه الله تعالى به من الأمور التي تقدَّم ذكرها، ولأنه يوم المزيد؛ أي اليوم الذي يوفى لهم ما وعدوا به من الزيادة. وأيام الجنة تقديرية؛ إذ لا ليل هناك ولا نهار، وإنما هناك أنوار متوالية لا ظلمة معها، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
و(قوله: فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم) ريح الشمال في الدنيا: هي التي تأتي من دبر القبلة من ناحية الشام، وهي التي تأتي بلاد العرب بالأمطار، فهي عندهم أحسن الأرياح، فلذلك سمي ريح الجنة بالشمال، وفي الشمال لغات. يقال: شمال، وشمأل، وشأمل، وشمل، وشمول. حكاها صاحب العين. ويقابلها: الجنوب، وقد سميت هذه الريح في حديث آخر بالمثيرة؛ لأنَّها تثير النعيم والطيب على أهل الجنة.
стр. 4177
(١٢) باب في الجنة أكل وشرب ونكاح حقيقة ولا قذر فيها ولا نقص
[٢٧٥٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إن أَوَّل زُمرَةٍ يدخلون الجَنَّةَ - في رواية: مِن أُمَّتِي - عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم عَلَى أَشَدِّ كوكب دري فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً (في رواية: ثُمَّ هُم بَعدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ) لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يتفلون وَلَا يَمتَخِطُونَ.
ــ
و(قوله: أول زمرة يدخلون الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر) الصورة بمعنى الصفة، يعني: أنهم في إشراق وجوههم على صفة القمر ليلة تمامه وكماله، وهي ليلة أربعة عشر، وبذلك سمي القمر بدرا في تلك الليلة، ومقتضى هذا أن أبواب الجنة متفاوتة بحسب درجاتهم.
و(قوله: لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) إنما لم تصدر هذه الفضلات عن أهل الجنة؛ لأنَّها أقذار مستخبثة، والجنة منزهة عن مثل ذلك، ولما كانت أغذية (١) أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لم يكن لها فضلة تستقذر، بل تستطاب وتستلذ، وهي التي عبر عنها بالمسك، كما قال: ورشحهم المسك. وقد جاء في لفظ آخر: لا يبولون ولا يتغوطون، وإنما هو عرق يجري من أعراضهم مثل المسك (٢) يعني: من أبدانهم.
стр. 4178
أَمشَاطُهُم الذَّهَبُ - في رواية: والفضة - وَرَشحُهُم المِسكُ وَمَجَامِرُهُم الأَلُوَّةُ، وأزواجهم الحور العين.
وفي رواية: لكل واحد منهم زوجتان،
ــ
و(قوله: أمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة) يقال هنا: أي حاجة في الجنة للأمشاط، ولا تتلبد شعورهم ولا تتسخ، وأي حاجة للبخور وريحهم أطيب من المسك؟ ويجاب عن ذلك: بأن نعيم أهل الجنة وكسوتهم ليس عن دفع ألم اعتراهم، فليس أكلهم عن جوع، ولا شرابهم عن ظمأ، ولا تطيبهم عن نتن، وإنما هي لذات متوالية، ونعم متتابعة، ألا ترى قوله تعالى لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعرَى * وَأَنَّكَ لا تَظمَأُ فِيهَا وَلا تَضحَى﴾ وحكمة ذلك أن الله تعالى نعمهم في الجنة بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا، وزادهم على ذلك ما لا يعلمه إلا الله كما قدمناه. وقد تقدَّم الكلام في الألوة وفي لغاتها، وأنها: العود الهندي، في كتاب الطب.
و(قوله: وأزواجهم الحور العين) الحور: جمع حوراء. والحَوَر في العين: شدة بياضها في شدة سوادها. هذا المعروف. قال أبو عمرو: الحَوَر أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، [وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور العين؛ لأنهن تشبهن بالظباء والبقر] (١). قال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. والعِين: جمع عيناء، وهي: الواسعة العين. وفي الصحاح: رجل أعين: واسع العين، والجمع: عين، وأصله فُعل، بالضم، ومنه قيل لبقر الوحش: عين، والثور أعين، والبقرة عيناء.
و(قوله: لكل واحد منهم زوجتان) يعني: أن أدنى من في الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس في الجنة أعزب، كما قال. وأم غير هؤلاء فمن ارتفعت منزلته
стр. 4179
يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا.
ــ
فزوجاتهم على قدر درجاتهم، كما يأتي في قوله: في الجنة درة طولها ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين. وبهذا يعلم أن نوع النساء المشتمل على الحور والآدميات في الجنة أكثر من نوع رجال بني آدم، ورجال بني آدم أكثر من نسائهم، وعن هذا قال ﷺ : أقل ساكني الجنة نساء، وأكثر ساكني جهنم النساء (١) يعني: نساء بني آدم هن أقل في الجنة وأكثر في النار.
و(قوله: يرى مخ ساقها من وراء اللحم) يعني: من شدة صفاء لحم الساقين، فكأنه يرى مخ الساقين من وراء اللحم، كما يرى السلك في جوف الدرة الصافية.
و(قوله: قلوبهم قلب واحد) أي: كقلب واحد، يعني: أنها مطهرة عن مذموم الأخلاق، مكملة بمحاسنها، فلا اختلاف بينهم، ولا تباغض.
و(قوله: يسبحون الله بكرة وعشيا) هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام، لأن الجنة ليست محل تكليف، وإنما هي محل جزاء، وإنما هو عن تيسير وإلهام، كما قال في الرواية الأخرى: يُلهمون التسبيح والتحميد والتكبير، كما تلهمون النفس. ووجه التشبيه: أن تنفس الإنسان لا بد له منه، ولا كلفة ولا مشقة عليه في فعله. وآحاد التنفيسات مكتسبة للإنسان، وجملتها ضرورية في حقه، إذ يتمكن من ضبط قليل الأنفاس، ولا يتمكن من جميعها، فكذلك يكون ذكر الله تعالى على ألسنة أهل الجنة، وسر ذلك: أن قلوبهم قد تنورت بمعرفته، وأبصارهم قد تمتعت برؤيته، وقد غمرتهم سوابغ نعمته، وامتلأت أفئدتهم بمحبته ومخاللته. فألسنتهم ملازمة ذكره، ورهينة بشكره، فإنَّ من أحب شيئا أكثر من ذكره، وقد تقدم: أن أوقات الجنة من الأيام والساعات تقديريات.
стр. 4180
وفي رواية: أخلاقهم على خلق رجل واحد، على طول أبيهم.
وفي رواية: على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء.
وقال أبو كريب: على خلق رجل.
وقال أبو هريرة حين تذاكروا ألرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال: لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب.
رواه البخاريُّ (٣٢٥٤)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٤ - ١٧).
ــ
و(قوله: أخلاقهم على خلق رجل واحد) قد ذكر مسلم اختلاف الرواة في تقييد خلق؛ هل هو بفتح الخاء وسكون اللام، أو بضمها؟ وكذلك اختلف فيه رواة البخاري، والذي يناسب ما قبله الضم، فيكون معناه: أن أخلاقهم متساوية في الحسن والكمال. كلهم كريم الخلق؛ إذ لا تباغض، ولا تحاسد، ولا نقص، ويشهد له قوله فيما تقدَّم: قلوبهم قلب واحد.
و(قوله: على طول أبيهم آدم، أو على صورة أبيهم) استئناف خبر آخر عنهم، ويحتمل أن يريد به الخلق، بالفتح والسكون، ويكون قوله على طول أبيهم وما بعده مفسرا لذلك الخلق، والأول أولى لما ذكرناه، ولأنا إذا حملناه عليه استفدنا منه فائدتين، ومن الوجه الثاني فائدة واحدة، وحمل كلام الشارع والفصحاء على تكثير الفوائد أولى، كما قررناه في الأصول.
و(قوله: ستون ذراعا في السماء) أي: في الارتفاع، وكل ما علاك فهو سماء، ويعني بذلك: أن الله تعالى أعاد أهل الجنة إلى خلقة أصلهم الذي هو آدم، وعلى صفته وطوله الذي خلقه الله عليه في الجنة، وكان طوله فيها ستين ذراعا في الارتفاع، من ذراع نفسه، والله أعلم. ويحتمل أن يكون ذلك الذراع مقدرا بأذرعتنا
стр. 4181
[٢٧٥٤] وعن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون. قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك، يُلهمون التسبيح والتحميد - وفي رواية: والتكبير - كما يُلهمون النفس.
رواه مسلم (٢٨٣٥) (١٨ و ٢٠)، وأبو داود (٤٧٤١).
* * *
(١٣) باب في حسن صورة أهل الجنة وطولهم وشبابهم وثيابهم وأن كل ما في الجنة دائم لا يفنى
[٢٧٥٥] عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا،
ــ
المتعارفة عندنا. ثم لم يزل خَلق ولده وطولهم ينقص، كما جاء في الرواية الأخرى.
و(قوله: خلق الله آدم على صورته) هذا الضمير عائد على أقرب مذكور، وهو آدم، وهو أعم، وهذا الأصل في عود الضمائر، ومعنى ذلك: أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا، ولا تردد في الأرحام أطوارا؛ إذ لم يخلقه صغيرا فكبر، ولا ضعيفا فقوي، بل خلقه رجلا كاملا سويا قويا، بخلاف سنة الله في ولده، ويصح أن يكون معناه للإخبار عن أن الله تعالى خلقه يوم خلقه على الصورة التي كان عليها بالأرض، وأنه لم يكن في الجنة على صورة أخرى، ولا اختلفت صفاته، ولا صورته، كما تختلف صور الملائكة
стр. 4182
فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذهَب فَسَلِّم عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُم نَفَرٌ مِن المَلَائِكَةِ جُلُوسٌ - فَاستَمِع بمَا يُحيونَكَ؛ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحمَةُ اللَّهِ، قَالَ: وَكُلُّ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَم يَزَل الخَلقُ يَنقُصُ بَعدَهُ حَتَّى الآنَ.
رواه أحمد (٢/ ٣١٥)، والبخاريّ (٣٣٢٦)، ومسلم (٢٨٤١).
[٢٧٥٦] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ وَأَبِي هُرَيرَةَ، عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُم أَن تَصِحُّوا فَلَا تَسقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَحيَوا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَشِبُّوا فَلَا تَهرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُم أَن تَنعَمُوا فَلَا تَبأَسُوا أَبَدًا، فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿وَنُودُوا أَن تِلكُمُ الجَنَّةُ أُورِثتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ﴾
رواه مسلم (٢٨٣٧)، والترمذيُّ (٣٢٤١).
ــ
والجن، والله تعالى أعلم. ولو سلمنا أن الضمير عائد على الله تعالى لصح أن يقال هنا: إن الصورة بمعنى الصفة، وقد بيناه فيما تقدم. وقد ذكرنا في قوله: أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر فإنَّ معناه على صفته من الإضاءة، لا على صورته من الاستدارة.
و(قوله: فلما خلقه الله قال: اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس) الكلام إلى آخره دليل على تأكد حكم السلام، فإنَّه مما شرع وكلف به آدم، ثم لم ينسخ في شريعة من الشرائع، فإنَّه تعالى أخبره أنها تحيته وتحية ذريته من بعده، ثم لم يزل ذلك معمولا به في الأمم على اختلاف شرائعها، إلى أن انتهى ذلك إلى نبينا محمد ﷺ ، فأمر به وبإفشائه، وجعله سببا للمحبة
стр. 4183
[٢٧٥٧] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ يَنعَمُ ولَا يَبأَسُ، لَا تَبلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفنَى شَبَابُهُ.
رواه مسلم (٢٨٣٦).
* * *
(١٤) باب في خيام الجنة وما في الدنيا من أنهار الجنة
[٢٧٥٨] عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: فِي الجَنَّةِ خَيمَة مِن لُؤلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عرضها سِتُّونَ مِيلًا، في كل زاوية منها أهل ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمن.
وفي رواية: قال: الخيمة درة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن ما يرون الآخرين.
رواه البخاريُّ (٤٨٧٩)، ومسلم (٢٨٣٨) (٢٤ و ٢٥).
[٢٧٥٩] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : سيحان وجيحان والفرات والنيل، كل من أنهار الجنة.
رواه مسلم (٢٨٣٩).
* * *
ــ
الدينية، ولدخول الجنة العلية، وهذا كله يشهد لمن قال بوجوبه، وهو أحد القولين للعلماء، وقد تقدَّم القول في ذلك.
و(قوله: سيحان وجيحان والنيل والفرات: كل من أنهار الجنة) هذه الأنهار الأربعة أكبر أنهار الإسلام. فالنيل ببلاد مصر، والفرات بالعراق،
стр. 4184
(١٥) باب في صفة جهنم وحرها وأهوالها وبعد قعرها، أعاذنا الله منها
[٢٧٦٠] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.
رواه مسلم (٢٨٤٢).
ــ
وسيحان وجيحان ببلاد خراسان، ويقال: سيحون وجيحون، وظاهر هذا الحديث: أن أصل هذه الأنهار ومادتها من الجنة، كما قدمناه في أحاديث الإسراء. وقد تقدَّم: أن النيل والفرات يخرجان من أصل سدرة المنتهى، وقد نص عليه البخاري، ويحتمل أن يكون المراد أنها تشبه أنهار الجنة في عذوبتها وبركاتها، وأبعد من هذا احتمال أن يكون المراد بذلك: أن الإيمان غمر بلاد هذه الأنهار وفاض عليها، وأن غالب الأجسام المتغذية بهذه المياه مصيرها إلى الجنة.
(١٥ و ١٦) ومن باب: صفة جهنم أعاذنا الله منها (١)
(قوله: يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) قد تقدَّم: أن جهنم اسم علم لنار الآخرة، وكذلك: سقر، ولها أسماء كثيرة - أعاذنا الله منها - ويعني: أنها يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه، فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. والزمام: ما يزم به الشيء؛ أي: يشد ويربط، وهذه الأزمة
стр. 4185
[٢٧٦١] وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرها.
رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، ومسلم (٢٨٤٣)، والترمذي (٢٥٥٩).
[٢٧٦٢] وعنه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة، فقال
ــ
التي تساق جهنم بها أيضًا تمنع من خروجها على أهل المحشر، فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه. وملائكتها، كما وصفهم الله تعالى: ﴿غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ وأما هذا العدد المحصور للملائكة فكأنه عدد رؤسائهم، وأما جملتهم فالعبارة عنها ما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾
و(قوله: ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم) يعني: أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها بنو آدم لكانت جزءا من أجزاء جهنم المذكورة، وبيانه: أنه لو جمع حطب الدنيا فوقد كله حتى صار نارا، لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا، أشد من حر نار الدنيا، كما بينه في آخر الحديث.
و(قولهم: والله إن كانت لكافية) (١)، إن: في مثل هذا الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين، وهذه اللام هي المفرقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة، وهي عند الكوفيين بمعنى ما، واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم: ما كانت إلا كافية. وعند البصريين: إنها كانت كافية. فأجابهم النبي ﷺ بأنها كما فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وستين جزءا فضلت عليها في شدة الحر بتسعة وتسعين ضعفا.
و(قوله: إذ سمع وجبة) أي: هدة، وهي صوت وقع الشيء الثقيل.
стр. 4186
النبي ﷺ : تدرون ما هذا؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حين انتهى إلى قعرها.
رواه أحمد (١/ ١٨٨)، ومسلم (٢٨٤٤).
* * *
(١٦) باب تعظيم جسد الكافر وتوزيع العذاب بحسب أعمال الأعضاء
[٢٧٦٣] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ضرس الكافر - أو: ناب الكافر - مثل أحد، وغلظ جلده مسيرة ثلاث.
وفي رواية: قال: ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع.
رواه مسلم (٢٨٥١ و ٢٨٥٢)، والترمذي (٢٥٧٩).
ــ
و(قوله: أتدرون ما هذا؟ ) دليل على أنهم حين سمعوا الوجبة خرق الله لهم العادة، فسمعوا ما مُنِعه غيرهم، وإلا فالعادة تقتضي مشاركة غيرهم في سماع هذا الأمر العظيم، ففيه دليل على أن النار قد خُلقت وأعد فيها ما شاء الله مما يعذب به من يشاء، وهو مذهب أهل السنة خلافا للمبتدعة.
و(قوله: ضرس الكافر، أو ناب الكافر مثل أحد. . . الحديث) إنما عظم خلقه ليعظم عذابه ويتضاعف، وهذا إنما هو في بعض الكفار، بدليل أنه قد جاءت أحاديث أخر تدل على أن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أمثال الذر في
стр. 4187
[٢٧٦٤] وعن سمرة بن جندب أن نبي الله ﷺ قال: منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته.
وفي رواية: حقويه، مكان: حجزته.
رواه مسلم (٢٨٤٥) (٣٢ و ٣٣).
* * *
ــ
صور الرجال، يساقون إلى سجن في جهنم يسمى: بولس (١) وقد تقدم قوله: إن أهون أهل النار عذابا مَن في رجليه نعلان من نار تغلي منها دماغه، وهو أبو طالب (٢). ولا شك في أن الكفار في عذاب جهنم متفاوتون، كما قد علم من الكتاب والسنة، ولأنا نعلم على القطع والثبات أنه ليس عذاب من قتل الأنبياء والمسلمين وفتك فيهم، وأفسد في الأرض وكفر، مساويا لعذاب من كفر فقط، وأحسن للأنبياء والمسلمين، وهذا البحث ينبني على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وقد ذكرنا ذلك في الأصول.
و(قوله: فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه. . . الحديث) والحجزة: معقد السراويل والإزار. والترقوة، بفتح التاء وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. وهذا الحديث أيضًا يدلّ على أن أهل النار يتفاوتون فيها، ويصح مثل هذا في الكفار، كما قلناه في حديث أبي طالب، ويصح أن يكون ذلك فيمن يعذب من الموحدين، إلا أن الله تعالى يميتهم إماتة، كما صح في الحديث.
* * *
стр. 4188
(١٧) باب ذبح الموت وخلود أهل الجنة وأهل النار
[٢٧٦٥] عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : يجاء بالموت. وفي رواية: إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار - يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون من هذا؟ فيشرئبون
ــ
(١٧) ومن باب: ذبح الموت
(قوله: يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح) قد تقدَّم الكلام على الأملح في الضحايا، وأنه الذي فيه بياض وسواد، والبياض أكثر، كما قاله الكسائي. وقيل: يحتمل أن تكون الحكمة في كون هذا الكبش أملح لأن البياض من جهة الجنة، والسواد من جهة النار. قلت: ظاهر هذا الحديث مستحيل، وذلك أن العقلاء اتفقوا على: أن الموت: إما عرض مخصوص، وإما نفي الحياة، ولم يذهب أحد إلى أنه من قبيل الجواهر، وأيضًا: فإن المدرك من الموت والحياة إنما هما أمران متضادان متعاقبان على الجواهر، كالحركة وكالسكون، وقد دل على ذلك من جهة السمع قوله تعالى: ﴿خَلَقَ المَوتَ وَالحَيَاةَ لِيَبلُوَكُم أَيُّكُم أَحسَنُ عَمَلا﴾ فهذا يبطل قول من قال من المعتزلة: إن الموت عدم الحياة؛ لأنَّ العدم لا يخلق، ولا يوجب اختصاصا للجواهر. واستيفاء المباحث العقلية في علم الكلام، وإذا تقرر ذلك استحال أن ينقلب الموت كبشا؛ لأنَّ ذلك انقلاب الحقائق وهو محال. وقد تأول الناس ذلك الخبر على وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى خلق صورة كبش خلق فيها الموت، فلما رآه أهل
стр. 4189
فينظرون، فيقولون: نعم، هذا الموت، قال: ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِيَ الأَمرُ وَهُم فِي غَفلَةٍ وَهُم لا يُؤمِنُونَ﴾ وأشار بيده إلى الدنيا.
رواه مسلم (٢٨٤٩) (٤٠ و ٤١).
* * *
ــ
الجنة وأهل النار وعرفوه، فعل الله فيه فعلا يشبه الذبح، أعدمه عند ذلك الفعل حتى يأمنه أهل الجنة، فيزدادوا سرورا إلى سرورهم، وييأس منه أهل النار فيزدادوا حزنا إلى حزنهم، وعلى هذا يدلّ باقي الحديث، ولا إحالة في شيء من ذلك ولا بعد.
والوجه الثاني: أن المراد بالحديث تمثيل عدم الموت على جهة التشبيه والاستعارة، ووجهه: أن الموت لما عدم في حق هؤلاء صار بمثابة الكبش الذي يذبح فينعدم، فعبر عنه بذلك، وهذا فيه بُعد وتحميل للكلام على ما لا يصلح له، والوجه المعني: الأول. والله أعلم.
ويشرئبون: يرفعون رؤوسهم ويتشوفون ليبصروا ما عرض عليهم.
و(قوله: ﴿وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِيَ الأَمرُ﴾، ومعنى أنذرهم: أعلمهم وحذرهم، والنذارة: إعلام بالشر، والبشارة: إعلام بالخير، ويوم الحسرة: يعني به زمن ذبح الموت إذا سمعوا: خلود فلا موت. وقضي: بمعنى أحكم وتمم. والأمر: يعني به خلود أهل النار فيها.
و(قوله: ﴿وَهُم فِي غَفلَةٍ وَهُم لا يُؤمِنُونَ﴾ استئناف خبر عما كانوا عليه في الدنيا، لا تعلق له بما قبله، يدلّ عليه قوله في الحديث: وأشار بيده إلى الدنيا، يعني أنهم كانوا كذلك في الدنيا، والله تعالى أعلم.
стр. 4190
(١٨) باب محاجة الجنة والنار
[٢٧٦٦] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: تحاجت النار والجنة، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. في رواية: وغرتهم، بدل: وعجزهم. فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من
ــ
(١٨) ومن باب: محاجة الجنة والنار
(قوله: تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين. . . الحديث) ظاهر هذه المحاجة: أنها لسان مقال، فيكون خزنة كل واحد منهما هم القائلون بذلك، ويجوز أن يخلق الله ذلك القول فيما شاء من أجزاء الجنة، وقد قلنا فيما تقدَّم: إنه لا يشترط عقلا في الأصوات المقطعة أن يكون محلها حيا، خلافا لمن اشترط ذلك من المتكلمين. ولو سلمنا ذلك لكان من الممكن أن يخلق الله في بعض أجزاء الجنة والنار الجمادية حياة، بحيث يصدر ذلك القول عنه، والله تعالى أعلم. لا سيما وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾ إن كل ما في الجنة حي، ويحتمل أن يكون ذلك لسان حال، فيكون ذلك عبارة عن حالتيهما، والأول أولى، والله تعالى أعلم.
و(قول الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم، وفي رواية: وغرتهم) الضعفاء: جمع ضعيف: يعني به الضعفاء في أمر الدنيا، ويحتمل أن يريد به هنا الفقراء. وحمله على الفقراء أولى من حمله على الأول؛ لأنَّه يكون معنى الضعفاء معنى العجزة المذكورين بعد. وسقطهم - بفتح السين والقاف -: جمع ساقط وهو النازل القدر، وهو الذي عبر عنه بأنه لا يؤبه له، وأصله من سقط المتاع: وهو رديئه. وعجزهم، قال القاضي: هو بفتح العين والجيم، جمع عاجز.
стр. 4191
أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض.
وفي رواية: فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله تبارك وتعلى رجله تقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، فلا يظلم الله من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا.
رواه أحمد (٢/ ٢٧٦)، والبخاريُّ (٤٨٤٩)، ومسلم (٢٨٤٦) (٣٥ و ٣٦)، والترمذيُّ (٢٥٦١).
[٢٧٦٧] وعن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: لا تزال جهنم يلقى
ــ
قلت: ويلزمه على ذلك أن يكون بالتاء ككاتب وكتبة، وحاسب وحسبة، وسقوط التاء في مثل هذا الجمع نادر، وإنما يسقطونها إذا سلكوا بالجمع مسلك اسم الجنس، كما فعلوا ذلك في سقطهم، وصواب هذا اللفظ: أن يكون عُجَّزهم بضم العين وتشديد الجيم، كنحو: شاهد وشهد، وكذلك أذكر أني قرأته: وغَرثهم: بفتح الغين المعجمة والثاء المثلثة، جمع غرثان، وهو الجيعان، والغرث: الجوع. وقد رواه الطبري: غِرتهم: بكسر الغين وبالتاء باثنتين فوقها، وتشديد لراء؛ أي غفلتهم وأهل البله منهم، كما قال في الحديث الآخر: أكثر أهل الجنة البله (١) يعني به: عامة أهل الإيمان الذين لم يتفطنوا للشبه، ولم توسوس لهم الشياطين بشيء من ذلك، فهم صحاح العقائد، ثابتو الإيمان، وهم أكثر المؤمنين، وأما العارفون والعلماء والحكماء، فهم الأقل، وهم أصحاب الدرجات العلى والمنازل الرفيعة.
و(قوله: وأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، وفي اللفظ الآخر:
стр. 4192
فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي
ــ
حتى يضع رب العزة فيها قدمه. وفي اللفظ الآخر: حتى يضع الله رجله ولم يذكر لا فيها ولا عليها، وقد ضل بظاهر هذا اللفظ من أذهب الله عقله، وأعدم فهمه، وهم المجسمة المشبهة، فاعتقدوا: أن لله تعالى رجلا من لحم وعصب تشبه رجلنا، كما اعتقدوا في الله تعالى أنه جسم يشبه أجسامنا ذو وجه وعينين، وجنب ويد ورجل وهكذا. . . وهذا ارتكاب جهالة خالفوا بها العقول وأدلة الشرع المنقول، وما كان سلف هذه الأمة عليه من التنزيه عن المماثلة والتشبيه، وكيف يستقر هذا المذهب الفاسد في قلب من له أدنى فكرة، ومن العقل أقل مسكة، فإنَّ الأجسام من حيث هي كذلك متساوية في الأحكام العقلية، وما ثبت للشيء ثبت لمثله، وقد ثبت لهذه الأجسام الحدوث، فيلزم عليه أن يكون الله تعالى حادثا، وهو محال باتفاق العقلاء والشرائع. ثم انظر غفلتهم وجهلهم بكلام الله تعالى وبمعانيه، فكأنهم لم يسمعوا قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ويلزم على قولهم أن يكون كل واحد منا مثلا له تعالى من جهة الجسمية والحيوانية، والجوارح، وغير ذلك من الأعضاء والأعصاب واللحم والجلود والشعور، وغير هذا، وكل ذلك جهالات وضلالات، ولله سر في إبعاد بعض العباد ﴿وَمَن يُضلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن هَادٍ﴾ وقد تأول علماؤنا ذلك الحديث تأويلات (١). وأشبه ما فيها تأويلان:
أحدهما: أن النار تتغيظ وتتهيج؛ حنقا على الكفار والمتكبرين والعصاة، كما قال تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيظِ﴾ وكما قال: ﴿يَومَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتَلأتِ وَتَقُولُ هَل مِن مَزِيدٍ﴾ وكما قال في هذا الحديث: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ ، وكما قال: تخرج عنق من النار فتقول:
стр. 4193
بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة.
رواه أحمد (٣/ ١٣٤)، والبخاريّ (٧٣٨٤)، ومسلم (٢٨٤٨)(٣٨).
* * *
ــ
وكلت بالجبارين والمتكبرين (١). فكأنها تعلو وتطغى حتى كأنها تجاوز الحد، وفي بعض الحديث: أنها تكاد أن تلتقم أهل المحشر فيكسر الله سورتها، وحدتها، ويردها ويذللها ذل متكبر وطئ بالقدم والرجل، فعبر عن تذليلها بذلك، ويشهد لذلك قوله ﷺ : فيضع قدمه عليها، وعلى هذا فيكون فيها في الرواية الأخرى بمعنى عليها. كما قال: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُم فِي جُذُوعِ النَّخلِ﴾ أي: على جذوع النخل.
وثانيهما: أن القدم والرجل عبارة عمن تأخر دخوله في النار من أهلها، وهم جماعات كثيرة؛ لأنَّ أهل النار يلقون فيها فوجا بعد فوج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلقِيَ فِيهَا فَوجٌ سَأَلَهُم خَزَنَتُهَا﴾ ويؤيده قوله في هذا الحديث: لا يزال يلقى فيها فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، كما روي عن ابن مسعود أنه قال: ما في النار بيت ولا سلسلة ولا مقمع ولا تابوت، إلا وعليه اسم صاحبه، فكل واحد من الخزنة ينتظر صاحبه الذي قد عرف اسمه وصفته، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به وما ينتظره ولم يبق منهم أحد، قالت الخزنة: قط قط؛ أي: حسبنا حسبنا، اكتفينا اكتفينا. فحينئذ تنزوي جهنم على من فيها؛ أي: تجتمع وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم، كما عبرت العرب عن جماعة الجراد بالرجل، فتقول:
стр. 4194
(١٩) باب شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة وكيف يحشر
[٢٧٦٨] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَل نَرَى رَبَّنَا يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: هَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمسِ فِي الظَّهِيرَةِ، لَيسَت فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَهَل تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ القَمَرِ لَيلَةَ البَدرِ، لَيسَ
ــ
جاء رجل من جراد؛ أي: جماعة منها، ويشهد بصحَّة هذا التأويل قوله في آخر الحديث: ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة. والله بمراد رسوله أعلم، والتسليم في المشكلات أسلم. وقد تقدَّم القول في قط الزمانية، وأنها مبنية على الضم مشددة ومخففة، وأنها تقال بفتح القاف، وهو الأصل فيها، ويقال بالضم إتباعا. وأما قط بمعنى حسب، فهي مبنية على السكون، وقد تكسر وتلحقها نون الوقاية إذا أضيفت (١)، وتقال بالدال، ويصح فيها ما يصح في الطاء.
(١٩ و ٢٠ و ٢١ و ٢٢) ومن باب: شهادة أركان الكافر عليه يوم القيامة (٢)
قد تقدَّم القول على رؤية الله تعالى في كتاب الإيمان، وعلى قوله: تضارون.
стр. 4195
فِي سَحَابَةٍ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ رَبِّكُم، إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ أَحَدِهِمَا. قَالَ: فَيَلقَى العَبدَ فَيَقُولُ: أَي فُل، أَلَم أُكرِمكَ وَأُسَوِّدكَ وَأُزَوِّجكَ وَأُسَخِّر لَكَ الخَيلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَركَ تَرأَسُ وَتَربَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: أَفَظَنَنتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا،
ــ
(قوله: أي فل) هو منادى مرخم، فكأنه قال: يا فلان، ولا يرخم في غير النداء إلا في ضرورة الشعر.
و(قوله: ألم أكرمك؟ ) أي: بما فضلتك به على سائر الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلا﴾
و(قوله: وأسودك) أي: جعلتك سيدا على قومك. والسؤدد: التقدم بالأوصاف الجميلة، والأفعال الحميدة.
و(قوله: وأذرك ترأس وتربع؟ ) أي: ألم أتركك تترأس على قومك؟ أي: تكون رئيسا عليهم. وتربع - بالموحدة - أي: تأخذ المرباع، أي: الربع فيما يحصل لقومك من الغنائم والكسب. وكانت عادتهم: أن أمراءهم يأخذون من الغنائم الربع، ويسمونه المرباع. قال قطرب: المرباع: الربع. والمعشار: العشر، ولم يسمع في غيرهما. ورواية الجمهور: تربع بالباء، وعند ابن ماهان: ترتع، بتاء باثنتين من فوقها، ومعناه: تتنعم.
و(قوله: أفظننت أنك ملاقي؟ ) أي: أعلمت؟ كقوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُوَاقِعُوهَا﴾ أي: علموا.
و(قوله: فإني أنساك كما نسيتني) أي: أتركك في العذاب كما تركت معرفتي وعبادتي.
стр. 4196
فَيَقُولُ: فَإِنِّي أَنسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلقَى الثَّانِيَ، فَيَقُولُ له مثل ذلك. ويقول هو مثل ذلك بعينه، ثُمَّ يَلقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ مِثلَ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرسُولِكَ وَصَلَّيتُ وَصُمتُ وَتَصَدَّقتُ، وَيُثنِي بِخَيرٍ مَا استَطَاعَ، قال: فَيَقُولُ: هَاهُنَا إِذًا، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: الآنَ نَبعَثُ شَاهِدًا عَلَيكَ، فَيفكّرُ فِي نَفسِهِ مَن ذَا الَّذِي يَشهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انطِقِي، فَتَنطِقُ فَخِذُهُ وَلَحمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، فَذَلِكَ لِيُعذِرَ مِن نَفسِهِ، وَذَلِكَ المُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي يَسخَطُ اللَّهُ عَلَيهِ.
رواه مسلم (٢٩٦٨).
ــ
و(قوله للثالث: هاهنا إذًا؟ ) يعني: أهاهنا تكذب وتقول غير الحق، وذلك أن هذا المنافق أنجاه كذبه ونفاقه في الدنيا من سفك دمه، واستباحة ماله، فاستصحب الكذب إلى الآخرة، حتى كذب بين يدي الله تعالى.
و(قوله: فيختم على فيه) أي: يمنع من الكلام المكتسب له، وينطق لسانه وسائر أركانه بكلام ضروري لا كسب له فيه، ولا قدرة على منعه، كما قال تعالى: ﴿يَومَ تَشهَدُ عَلَيهِم أَلسِنَتُهُم وَأَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ﴾ فإذا شهدت عليه أركانه بعمله خُلي بينه وبين الكلام المقدور ل، فيلوم جوارحه الشاهدة عليه بقوله: ويلكن فعنكن كنت أناضل أي: أدافع وأحتج، والرواية المشهورة: إذًا التي للتعليل. وقد رواها ابن الحذاء: إذن والأول أصح وأشهر، وقد سقطت هذه اللفظة جملة عند الصدفي. واقتصر على: هاهنا. وقيل: معناها: هنا اثبت مكانك، كما تقول لمن تهدده: اثبت مكانك حتى أريك وما ذكرناه أولى وأشبه، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ليعذر من نفسه) بضم الياء وكسر الذال المعجمة، مِن: أعذر، أي: بالغ في حجَّة نفسه. يعني أن المنافق قال ما قال من ادعاء فعل الخيرات المتقدمة.
стр. 4197
[٢٧٦٩] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقَالَ: هَل تَدرُونَ مِمَّ أَضحَكُ؟ قَالَ: قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: مِن مُخَاطَبَةِ العَبدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَم تُجِرنِي مِن الظُّلمِ؟ قَالَ: فيَقُولُ: بَلَى، قَالَ: فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي، قَالَ: فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ شَهِيدًا وَبِالكِرَامِ الكَاتِبِينَ شُهُودًا، قَالَ: فَيُختَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَركَانِهِ: انطِقِي، قَالَ: فَتَنطِقُ بِأَعمَالِهِ، قَالَ: ثُمَّ يُخَلَّى بَينَهُ وَبَينَ الكَلَامِ، قَالَ: فَيَقُولُ: بُعدًا لَكُنَّ وَسُحقًا، فَعَنكُنَّ كُنتُ أُنَاضِلُ.
رواه مسلم (٢٩٦٩)(١٧).
[٢٧٧٠] وعن أنس بن مالك أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ قال قتادة: بلى وعزة ربنا.
رواه البخاريُّ (٦٥٢٣)، ومسلم (٢٨٠٦).
* * *
ــ
و(قوله في الرواية الأخرى: ألم تجرني من الظلم؟ . . . إلى آخر الكلام. .) ليبالغ في عذر نفسه الذي يظن أنه ينجيه، يقال: أعذر الرجل في الأمر، أي: بالغ فيه، وقد تقدم القول في أن أقل ساكني الجنة النساء الآدميات، وأنهن أكثر ساكني النار.
стр. 4198
(٢٠) باب أكثر أهل الجنة وأكثر أهل النار
[٢٧٧١] عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قُمتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَن دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَإِذَا أَصحَابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، إِلَّا أَصحَابَ النَّارِ، فَقَد أُمِرَ بِهِم إِلَى النَّارِ، وَقُمتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّسَاءُ.
رواه أحمد (٥/ ٢٠٥)، والبخاريُّ (٥١٩٦)، ومسلم (٢٧٣٦).
[٢٧٧٢] وعَن أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: كَانَ لِمُطَرِّفِ بنِ عَبدِ اللَّهِ امرَأَتَانِ، فَجَاءَ مِن عِندِ إِحدَاهُمَا فَقَالَت الأُخرَى: جِئتَ مِن عِندِ فُلَانَةَ؟ فَقَالَ: جِئتُ مِن عِندِ عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، فَحَدَّثَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَقَلَّ سَاكِنِي الجَنَّةِ النِّسَاءُ.
رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، ومسلم (٢٧٣٨).
* * *
(٢١) باب لكل مسلم فداء من النار من الكفار
[٢٧٧٣] عن أبي بردة عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فكاكك من النار.
ــ
و(قوله: إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديا، أو نصرانيا، فيقول: هذا فكاكك من النار) يعني: مسلما مذنبا، بدليل الرواية الأخيرة التي قال
стр. 4199
وفي أخرى: لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا.
قال: فاستحلفه عمر بن عبد العزيز بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات - أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ . قال: فحلف له.
رواه مسلم (٢٧٦٧) (٤٩ و ٥٠).
* * *
ــ
فيها: يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال (١). ومعنى كونه فكاكا للمسلم من النار، وأن الله يغفر للمسلم ذنوبه، ويضاعف للكافر العذاب بحسب جرائمه؛ لأنَّه تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، كما قال: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾
و(قوله في الرواية الأخرى: فيغفرها لهم) أي: يسقط المؤاخذة عنهم بها حتى كأنهم لم يذنبوا، ومعنى قوله: ويضعها على اليهود والنصارى أي: أنه يضاعف عليهم عذاب ذنوبهم حتى يكون عذابهم بقدر جرمهم، وجرم مذنبي المسلمين لو أخذوا بذلك، وله تعالى أن يضاعف لمن يشاء العذاب، ويخففه عمن يشاء، بحكم إرادته ومشيئته؛ إذ لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولما كان خلاص المؤمن من ذنوبه عندما يدفع له الكافر سمي بذلك فكاكا كما سمي تخليص الرهن من يد المرتهن: فكاكا.
وأما قوله في الرواية الأخرى: لا يموت مسلم (٢) إلا أدخل الله مكانه النار يهوديا أو نصرانيا، فيعني بذلك - والله أعلم - أن المسلم المذنب لما كان يستحق
стр. 4200
(٢٢) باب آخر من يخرج من النار وآخر من يدخل الجنة وما لأدنى أهل الجنة منزلة وما لأعلاهم
[٢٧٧٤] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعلَمُ آخِرَ أَهلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنهَا، وَآخِرَ أَهلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ: رَجُلٌ يَخرُجُ مِن النَّارِ حَبوًا، فَيَقُولُ له اللَّهُ: اذهَب فَادخُل الجَنَّةَ، فَيَأتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَرجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذهَب فَادخُل الجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثلَ الدُّنيَا وَعَشَرَةَ أَمثَالِهَا - أَو: إِنَّ لَكَ عَشَرَةَ
ــ
مكانا من النار بسبب ذنوبه، وعفا الله تعالى عنه، وبقي مكانه خاليا منه، أضاف الله ذلك المكان إلى يهودي أو نصراني ليعذب فيه، زيادة على تعذيب مكانه الذي يستحقه بسبب كفره، ويشهد لذلك قوله ﷺ في حديث أنس للمؤمن الذي ثبت عند السؤال في القبر: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة (١)، وقد تقدَّم الكلام عليه، وإنما احتاج علماؤنا لتأويل ألفاظ حديث أبي موسى المذكور في هذا الحديث لما عارضها من قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى﴾ ولقوله: ﴿وَأَن لَيسَ لِلإِنسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ ولقوله: ﴿وَإِن تَدعُ مُثقَلَةٌ إِلَى حِملِهَا لا يُحمَل مِنهُ شَيءٌ وَلَو كَانَ ذَا قُربَى﴾ ولقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ﴾ ولقوله ﷺ : ألا لا يجني جان إلا على نفسه (٢)، ومثله كثير. وعلى الجملة فهي قاعدة معلومة من الشرع لا يختلف فيها.
стр. 4201
أَمثَالِ الدُّنيَا - قَالَ: فَيَقُولُ: أَتَسخَرُ بِي - أَو: أَتَضحَكُ بِي - وَأَنتَ المَلِكُ؟ قَالَ: لَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، قَالَ: فَكَانَ يُقَالُ: ذَاكَ أَدنَى أَهلِ الجَنَّةِ مَنزِلًا.
رواه مسلم (١٨٦)(٣٠٨)، والترمذي (٢٥٩٩)، وابن ماجه (٤٣٣٩).
[٢٧٧٥] وعنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: آخِرُ مَن يَدخُلُ الجَنَّةَ رَجُلٌ، فَهوَ يَمشِي مَرَّةً وَيَكبُو مَرَّةً، وَتَسفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا مَا جَاوَزَهَا التَفَتَ إِلَيهَا، فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنكِ، لَقَد أَعطَانِي اللَّهُ شَيئًا مَا أَعطَاهُ أَحَدًا مِن الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ أَدنِنِي مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلِأَستَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشرَبَ مِن مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تعالى: يَا ابنَ آدَمَ لَعَلِّي إِنَّ أَعطَيتُكَهَا سَأَلتَنِي غَيرَهَا، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، وَيُعَاهِدُهُ أَلا يَسأَلَهُ غَيرَهَا، وَرَبُّهُ يَعذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبرَ لَهُ عَلَيهِ، فَيُدنِيهِ مِنهَا، فَيَستَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشرَبُ مِن مَائِهَا، ثُمَّ تُرفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحسَنُ مِن الأُولَى،
ــ
و(قوله: أتسخر مني وأنت الملك؟ ، وفي اللفظ الآخر: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ) يحتمل أن يكون هذا القول صدر من هذا الرجل عند غلبة الفرح عليه، واستحقاقه إياه، فغلط كما غلط الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. ويحتمل أن يكون معناه: أتجازيني على ما كان مني في الدنيا من الاستهزاء والسخرية بأعمالي وقلة احتفالي بها، فيكون هذا على جهة المقابلة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَستَهزِئُ بِهِم﴾ و ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ وقد تقدَّم القول في ضحك الله تعالى، وأنه راجع إلى الرضا.
و(قوله: يكبو مرة وتسفعه النار مرة) أي: يسقط، ويعثر بخطاطيف الصراط وعقباته، وتسفعه: أي: تحرقه، وتغير لونه.
نَفسُكَ، وَلَذَّت عَينُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّي، قَالَ: رَبِّ فَأَعلَاهُم مَنزِلا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدتُ، غَرَستُ كَرَامَتَهُم بِيَدِي، وَخَتَمتُ عَلَيهَا، فَلَم تَرَ عَينٌ، وَلَم تَسمَع أُذُنٌ، وَلَم يَخطُر عَلَى قَلبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ الآيَةَ. وقد روي موقوفا عن المغيرة قوله.
رواه مسلم (١٨٩) (٣١٢ و ٣١٣)، والترمذيُّ (٣١٩٦).
* * *
ــ
يقال: صريت ما بينهم صريا، أي: فصلت، ويقال: اختصمنا إلى الحاكم فصرَّى بيننا؛ أي قطع وفصل.
* * *
стр. 4204
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة
(١) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ومن أين تجيء
[٢٧٧٧] عن زينب بنت جحش - زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب،
ــ
(٤١) كتاب الفتن والأشراط
[(١) باب الفتن ونزولها كمواقع القطر، ومن أين تجيء] (١)
(قوله ﷺ : ويل للعرب من شر قد اقترب) هذا تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قتل عثمان ﵁ ولذلك أخبر عنه بالقرب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة،
стр. 4205
فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه،
ــ
كما قال في الحديث الآخر: أوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها (١). قال ذلك مخاطبا للعرب، ولهم خاطب أيضًا بقوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
و(قوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) الردم: هو السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج، ويهمزان ولا يهمزان لغتان. وقرئ بهما، فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها، وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح ﵇ الضحاك: من الترك. كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف، فخُلقوا من ذلك، وفيه نظر؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتلمون. وذكر الغزنوي في كتابه المسمى بعيون المعاني: أن النبي ﷺ قال: يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده. صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم. مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال علي ﵁: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون،