نَفسُكَ، وَلَذَّت عَينُكَ، فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّي، قَالَ: رَبِّ فَأَعلَاهُم مَنزِلا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدتُ، غَرَستُ كَرَامَتَهُم بِيَدِي، وَخَتَمتُ عَلَيهَا، فَلَم تَرَ عَينٌ، وَلَم تَسمَع أُذُنٌ، وَلَم يَخطُر عَلَى قَلبِ بَشَرٍ، قَالَ: وَمِصدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ : ﴿فَلا تَعلَمُ نَفسٌ مَا أُخفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أَعيُنٍ﴾ الآيَةَ. وقد روي موقوفا عن المغيرة قوله.
رواه مسلم (١٨٩) (٣١٢ و ٣١٣)، والترمذيُّ (٣١٩٦).
* * *
ــ
يقال: صريت ما بينهم صريا، أي: فصلت، ويقال: اختصمنا إلى الحاكم فصرَّى بيننا؛ أي قطع وفصل.
* * *
стр. 4204
(٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة
(١) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ومن أين تجيء
[٢٧٧٧] عن زينب بنت جحش - زوج النبي ﷺ قالت: خرج رسول الله ﷺ يوما فزعا محمرا وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب،
ــ
(٤١) كتاب الفتن والأشراط
[(١) باب الفتن ونزولها كمواقع القطر، ومن أين تجيء] (١)
(قوله ﷺ : ويل للعرب من شر قد اقترب) هذا تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب، وأول ذلك قتل عثمان ﵁ ولذلك أخبر عنه بالقرب، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة،
стр. 4205
فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه،
ــ
كما قال في الحديث الآخر: أوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها (١). قال ذلك مخاطبا للعرب، ولهم خاطب أيضًا بقوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
و(قوله: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) الردم: هو السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج، ويهمزان ولا يهمزان لغتان. وقرئ بهما، فمن همزهما جعلهما من أجيج النار، وهو ضوءها وحرارتها، وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم، وقيل: من الأجاج، وهو الماء الشديد الملوحة، وقيل: هما اسمان أعجميان غير مشتقين. قال مقاتل: هم من ولد يافث بن نوح ﵇ الضحاك: من الترك. كعب: احتلم آدم ﵇ فاختلط ماؤه بالتراب فأسف، فخُلقوا من ذلك، وفيه نظر؛ لأنَّ الأنبياء لا يحتلمون. وذكر الغزنوي في كتابه المسمى بعيون المعاني: أن النبي ﷺ قال: يأجوج أمة لها أربعمائة أمير، وكذلك مأجوج، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده. صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم. مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان، يشربون أنهار المشرق، وبحيرة طبرية، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس. وقال علي ﵁: وصنف منهم في طول شبر، لهم مخالب وأنياب السباع، وتداعي الحمام، وتسافد البهائم، وعواء الذئب، وشعور تقيهم الحر والبرد، وآذان عظام، إحداها وبرة يشتون فيها، والأخرى جلدة يصيفون فيها، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه، فيعيده الله كما كان، حتى يقولوا: ننقبه غدا - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون،
стр. 4206
وحلق بإصبعيه: الإبهام والتي تليها.
قالت: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.
رواه أحمد (٧/ ٤٢٨)، والبخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠)(٢)، والترمذي (٢١٨٧)، وابن ماجه (٣٩٥٣).
ــ
ويتحصن الناس بالحصون، فيرمون إلى السماء، فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم، يعني: الدود.
قلت: وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين.
و(قوله: مثل هذه - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها -) هذا إخبار وتفسير من الصحابة التي شاهدت إشارة النبي ﷺ . ثم إن الرواة بعدهم عبروا عن ذلك باصطلاح الحساب، فقال بعضهم: وعقد سفيان بيده عشرة، وقال بعضهم: وعقد وهيب بيده تسعين، وهذا تقريب في العبارة. والحاصل: أن الذي فتحوا من السد قليل، وهم مع ذلك لم يلهمهم الله أن يقولوا: غدا نفتحه إن شاء الله تعالى، فإذا قالوها خرجوا، والله أعلم.
و(قوله: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث) رويناه بفتح الباء وهو اسم للزنى. قال القاضي: العرب تسمي الزنى خبثا وخبيثة، ومنه في المُخدج: أنه وجد مع أمة يخبث بها (١)، أي: يزني بها، وهو أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿الخَبِيثَاتُ لِلخَبِيثِينَ﴾ وقيل: هو الفسوق والفجور، ويروى: الخَبث، بسكون الباء، وهو مصدر، يقال: خبث الرجل خبثا، فهو
стр. 4207
[٢٧٧٨] وعن أسامة أن النبي ﷺ أشرف على أطم من آطام المدينة ثم قال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى موقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر.
رواه أحمد (٥/ ٢٥٠)، والبخاري (١٨٧٨)، ومسلم (٢٨٨٥).
(٤٥) [٢٧٧٩] وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ وهو مستقبل المشرق يقول: ألا إن الفتنة هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان.
رواه أحمد (٢/ ٧٢)، والبخاري (٣٢٧٩)، ومسلم (٢٩٠٥)(٤٥)، والترمذيُّ (٢٢٦٩).
[٢٧٨٠] وعن سالم بن عبد الله أنه قال: يا أهل العراق ما أسألكم عن الصغيرة وأركبكم للكبيرة، سمعت أبي، عبد الله بن عمر يقول:
ــ
خبيث، وأخبثه غيره: علّمه الخبث. وقد تقدَّم أن الله تعالى إذا أهلك قوما مهلكا واحدا بعثهم على نياتهم.
و(قوله: أشرف على أطم من آطام المدينة) أي: على حصن من حصونها، وتسمى أيضًا: الآجام، وقد تقدَّم ذلك. وأشرف: ارتفع.
و(قوله: إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم) مواقع: جمع موقع، وهو: موضع سقوط الشيء، ووقوعه. وخلال: بمعنى بين، وهو خبر عن أنه رأى مواضع الفتن، وعاينها، وقد نص في الخبر الآتي بعد هذا على أنها تأتي من قبل المشرق، وقد وجد كل ذلك كما أخبر عنه ﷺ ، فكان ذلك من أدلة صحة نبوته ورسالته، ظهرت بعد وفاته. وقد تقدَّم القول في قرني الشيطان في كتاب الصلاة.
و(قول سالم لأهل العراق: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ. . . الكلام إلى آخره) تعظيم لما أقدموا عليه من قتل أخيار المسلمين
стр. 4208
سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الفتنة تجيء من هاهنا - وأومأ بيده نحو المشرق - من حيث يطلع قرنا الشيطان، وأنتم يضرب بعضكم رقاب بعض، وإنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ، فقال الله له: ﴿وَقَتَلتَ نَفسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾
رواه مسلم (٢٩٠٥)(٥٠).
* * *
ــ
وصدورهم، وتقبيح عليهم، وتهديد لهم، ووجه ذلك: أن الله تعالى عظم على موسى ﵇ وهو صفيه وكليمه، ﵇ قتل كافر لم يُنه عن قتله، مع أن قتله كان خطأ، وكرر عليه، وامتن عليه بمغفرته له ذلك مرارا، فكيف يكون حال من سفك دماء خيار المسلمين من صدور هذه الأمة من الصحابة والتابعين؟ ! كل ذلك بمحض الهوى، والتجرؤ على استباحة الدماء، فهم الذين قتلوا الحسين، وسبوا نساءه وأولاده من غير توقف ولا سؤال، وسألوا عن دم البراغيث ليرتفع عنهم الإشكال، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
و(قوله: ﴿فَنَجَّينَاكَ مِنَ الغَمِّ﴾ أي: من غم البحر، وقيل: غم الخوف والقود. ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ فتنة بعد فتنة؛ أي: محنة بعد محنة، وفتونا: مصدر فتن، كخرج خروجا، وقعد قعودا. وقال قتادة: بلوناك بلاء بعد بلاء، يعني: أنعمنا عليك بنعم كثيرة. وقد تقدَّم: أن البلاء يكون بمعنى الابتلاء بالخير والشر. وكل ذلك بمعنى الفتنة والمحنة؛ لأنَّها كلها بمعنى واحد.
* * *
стр. 4209
(٢) باب الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها وما جاء: أن القاتل والمقتول في النار
[٢٧٨١] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه، ومن وجد فيها ملجأ فليعذ به.
رواه أحمد (٢/ ٢٨٢)، والبخاريُّ (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦)(١٠).
[٢٧٨٢] وعن أبي بكرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتَنٌ، القَاعِدُ فِيهَا خَيرٌ مِن المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيرٌ مِن السَّاعِي إِلَيهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَت - أَو وَقَعَت - فَمَن كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَليَلحَق بِإِبِلِهِ، وَمَن كَانَت لَهُ غَنَمٌ فَليَلحَق بِغَنَمِهِ، وَمَن كَانَت لَهُ أَرضٌ فَليَلحَق بِأَرضِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ مَن لَم يَكُن لَهُ إِبِلٌ، وَلَا
ــ
(٢) ومن باب: الفرار من الفتن وكسر السلاح فيها
(قوله: من تشرف إليها تستشرفه) أي: من تعاطاها أو تشوف إليها صرعته وأهلكته، وهو مأخوذ من أشرف المريض على الهلاك: إذا أشفى عليه، وقد روي: من يتشرف إليها على أنه فعل مضارع مجزوم بالشرط. والأول على أنه فعل ماض بموضع جزم بالشرط.
و(قوله: إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتن. . . الحديث إلى آخره) كله تضمن الإخبار عن وقوع فتن هائلة عظيمة بعده، والأمر بالكف عنها والفرار منها.
стр. 4210
غَنَمٌ وَلَا أَرضٌ؟ قَالَ: فليَعمِد إِلَى سَيفِهِ، فَيَدُقّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنجُ إِن استَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ هَل بَلَّغتُ اللَّهُمَّ هَل
ــ
و(قوله: يعمد إلى سيفه فيدق عليه بحجر) هذا محمول على ظاهره، وذلك أنه إذا فعل ذلك لم يكن له شيء يستعين به على الدخول فيها فيفر منها أو يسلم.
و(قوله: ثم لينج إن استطاع النجاء) أي: ليسرع وليفر إن وجد إلى ذلك سبيلا. وقد قال بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف، فاجتنبوا جميع ما وقع بين الصحابة من الخلاف والقتال، منهم: أبو بكرة وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، فأما عبد الله بن عمر فندم على تخلفه عن نصر علي بن أبي طالب ﵁ وقال عند موته: ما آسى على شيء ما آسى على تركي قتال الفئة الباغية. يعني فئة معاوية. وأما محمد بن مسلمة فاتخذ سيفا من خشب، وقال: إن رسول الله ﷺ أمره بذلك وأقام بالربذة. فمن هؤلاء من تمسك بمثل هذه الأحاديث فانكف، ومنهم من أشكل عليه الأمر فانكف لذلك، كعبد الله بن عمر إلى أن اتضح له الحق فندم. قال القاضي: ويتوجه في هذا الحديث الكلام في دماء الصحابة وقتالهم. وللناس في ذلك غلو وإسراف واضطراب من المقالات واختلاف، والذي عليه جماعة أهل السنة والحق: حسن الظن بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وطلب أحسن التأويل لفعلهم , وأنهم مجتهدون غير قاصدين للمعصية والمجاهرة بذلك، وطلب حب الدنيا، بل: كل عمل على شاكلته وبحسب ما أداه إليه اجتهاده، لكن منهم المخطئ في اجتهاده، ومنهم المصيب، وقد رفع الله تعالى الحرج عن المجتهد المخطئ في فروع الدين، وضعف الأجر للمصيب. وقد توقف الطبري وغيره عن تعيين المحق منهم، وعند الجمهور أن عليا وأشياعه مصيبون في ذبهم عن الإمامة، وقتالهم من نازعهم فيها؛ إذ كان أحق الناس بها وأفضل من على الأرض حينئذ، وغيره تأول وجوب القيام بتغيير المنكر
стр. 4211
بَلَّغتُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ إِن أُكرِهتُ حَتَّى يُنطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّينِ - أَو: إِحدَى الفِئَتَينِ - فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيفِهِ، أَو يَجِيءُ سَهمٌ فَيَقتُلُنِي؟ قَالَ: يَبُوءُ بِإِثمِهِ وَإِثمِكَ وَيَكُونُ مِن أَصحَابِ النَّارِ.
رواه أحمد (٥/ ٤٨)، ومسلم (٢٨٨٧)، وأبو داود (٤٢٥٦).
[٢٧٨٣] وعَن الأَحنَفِ بنِ قَيسٍ قَالَ: خَرَجتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا
ــ
في طلب قتلة عثمان الذين في عسكر علي ﵁ وأنهم لا يعطون بيعة ولا يعقدون إمامة حتى يقضوا ذلك، ولم يطلبوا سوى ذلك، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم إلى الإمام، وكانت الأمور لم يستقر استقرارها، ولا اجتمعت الكلمة بعد، وفيهم عدد ولهم شوكة ومنعة. ولو أظهر تسليمهم أولا أو القصاص، لاضطرب الأمر وابنتَّ الحبل. ومنهم جماعة لم يروا الدخول في شيء من ذلك؛ محتجين بنهي النبي ﷺ عن التلبس بالفتن، والنهي عن قتال أهل الدعوة، كما احتج به أبو بكرة ﵁ في هذا الحديث على الأحنف، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها.
و(قوله: أرأيت إن أكرهت؟ إلى قوله: يبوء بإثمه وإثمك) أي: يرجع، والمباءة: المرجع، وقد تقدم ذلك، ويعني: أنه يبوء بإثمه فيما دخل فيه، وبإثمك بقتله إياك، أو لإكراهه إياك على ما أكرهك، وفيه: رفع الحرج عن المكره على مثل هذا، والمكره هنا هو الذي لا يملك من نفسه شيئا، لقوله: أرأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي، ولم يقل: إنه انطلق من قبل نفسه. ولم يختلفوا: أن الإكراه على القتل لا يعذر به أحد، وإنما يعذر فيما تعلق بالقلب، أو ما لم يملك الإنسان نفسه. واختلف في الإكراه على المعاصي التي بين الله تعالى وبين عبده، هل يعذر المكره فيها في أحكام الدنيا والآخرة أم لا؟ وفي المسألة أبحاث تعرف في كتب الأصول.
стр. 4212
الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكرَةَ فَقَالَ: أَينَ تُرِيدُ يَا أَحنَفُ؟ قَالَ: قُلتُ: أُرِيدُ نَصرَ ابنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَعنِي عَلِيًّا، قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا أَحنَفُ ارجِع؛ فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِذَا تَوَاجَهَ المُسلِمَانِ بِسَيفَيهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقتُولُ فِي النَّارِ، قَالَ: فَقُلتُ: - أَو قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ قَد أَرَادَ قَتلَ صَاحِبِهِ.
رواه أحمد (٥/ ٤٣ و ٥١)، والبخاريُّ (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨)(١٤)، وأبو داود (٤٢٦٨ و ٤٢٦٩)، والنسائي (٧/ ١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٦٥).
[٢٧٨٤] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي
ــ
و(قوله: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) معناه: أنهما مستحقان لذلك، أما القاتل فبالقتل الحرام، وأما المقتول فبالقصد الحرام، والمستحق للشيء قد يعفى عنه، وإن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فأما من اعتقد استحلال دم المسلم بغير سبب ولا تأويل فهو كافر، وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في الأم: إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا (١). رواه الطبري والعذري: وهما على جرف جهنم كما ذكرناه، بالجيم، وعند بعضهم: حرف بالحاء، وكلاهما متقارب في المعنى والصورة. ورواه ابن ماهان: في حر بالحاء المهملة والراء، وغير فاء، مصدر حرت النار تحر حرا وحرارة.
стр. 4213
بيده! لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل، ولا المقتول فيما قتل، فقلت: فكيف ذلك؟ قال: الهرج، القاتل والمقتول في النار.
رواه مسلم (٢٩٠٨)(٥٦).
* * *
(٣) باب لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، وحتى يكثر الهرج وجعل بأس هذه الأمة بينها
[٢٧٨٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، تكون بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة.
ــ
و(قوله: لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل) يعني بذلك أن الأهواء تغلب، والهرج والقتل يكثر ويستسهل حتى لا يبالى به. فيكون قتل المسلم عند قاتله كقتل نملة، كما هو الحال الآن في أقصى المغرب، والهرج: هو كثرة الاختلاف والقتل، وهو ساكن الراء.
و(قوله هنا: القاتل والمقتول في النار) يوضح أن ذلك محمول في هذا الحديث وفي حديث أبي بكرة على ما إذا كان القتال في طلب الدنيا، أو على مقتضى الأهواء، وليس في المتأولين المسلمين ولا فيمن قاتل الباغين.
(٣) ومن باب: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان
يعني بهما فئة علي ومعاوية ﵄ والله تعالى أعلم.
و(قوله: دعواهما واحدة) أي دينهما واحد؛ إذ الكل مسلمون، يدعون
стр. 4214
رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاري (٣٦٠٩)، ومسلم (١٥٧) الفتن (١٧).
[٢٧٨٦] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل.
رواه مسلم (٢٨٨٨)(١٨).
[٢٧٨٧] وعن ثوبان قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الأَرضَ فَرَأَيتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبلُغُ مُلكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنهَا،
ــ
بدعوة الإسلام عند الحرب، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
و(قوله في تفسير الهرج: القتل القتل) وجدته في كتاب الشيخ برفع اللام من القتل في اللفظين، معتنى به مصححا عليه، وهو مرفوع على خبر مبتدأ محذوف؛ أي هو القتل هو القتل. وأصل الهرج: الاختلاط. يقال: هرج القوم: إذا اختلطوا، وسمي القتل بالهرج لأنه لا يكون غالبا إلا عن الاختلاط.
و(قوله: وإن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها) أي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها. وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع عنه الموانع المعتادة، فأدرك البعيد من موضعه، كما أدرك بيت المقدس من مكة، وأخذ يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، وكما قال: إني لأبصر قصر المدائن الأبيض (١). ويحتمل أن يكون مثلها الله له فرآها، والأول أولى.
стр. 4215
وَأُعطِيتُ الكَنزَينِ: الأَحمَرَ وَالأَبيَضَ، وَإِنِّي سَأَلتُ رَبِّي لِأُمَّتِي ألا يُهلِكَهَا بِسَنَةٍ بعَامَّةٍ، وألا يُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أَنفُسِهِم فَيَستَبِيحَ
ــ
و(قوله: إن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) هذا الخبر قد وجد مخبره كما قال ﷺ ، وكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى بحر طنجة الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق، مما وراء خراسان والنهر، وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر أنه أريه، ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه.
و(قوله: أعطيت الكنزين) يعني به: كنز كسرى، وهو ملك الفرس، وملك قيصر، وهو ملك الروم، وقصورهما، وبلادهما، وقد دل على ذلك قوله ﷺ في الحديث الآخر حين أخبر عن هلاكهما: (لتنفقن كنوزهما في سبيل الله (١)، وعبر بالأحمر عن كنز قيصر؛ لأنَّ الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى؛ لأنَّ الغالب كان عندهم الفضة والجوهر. وقد ظهر ذلك، ووجد كذلك في زمان الفتوح في خلافة عمر ﵁ فإنَّه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر، لما فتحت بلاده.
و(قوله: وإني دعوت (٢) ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة بعامة) كذا صحت الرواية بالباء في (بعامة) وكأنها زائدة؛ لأنَّ عامة صفة لسنة، فكأنه قال: بسنة عامة، ويعني بالسنة: الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام. ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَد أَخَذنَا آلَ فِرعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: بالجدب المتوالي. وبيضة المسلمين:
стр. 4216
بَيضَتَهُم، وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعطَيتُكَ لِأُمَّتِكَ ألا أُهلِكَهُم بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَلا أُسَلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِن سِوَى أَنفُسِهِم يَستَبِيحُ بَيضَتَهُم، وَلَو اجتَمَعَ عَلَيهِم مَن بِأَقطَارِهَا - أَو قَالَ: مَن بَينَ أَقطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعضُهُم يُهلِكُ بَعضًا وَيَسبِي بَعضُهُم بَعضًا.
رواه مسلم (٢٨٨٩)(١٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢).
[٢٧٨٨] وعن سعد بن أبي وقاص أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقبَلَ ذَاتَ يَومٍ مِن العَالِيَةِ - في رواية: في طائفة من أصحابه - حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكعَتَينِ، وَصَلَّينَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انصَرَفَ
ــ
معظمهم وجماعتهم، وفي الصحاح: بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل من بين أقطار الأرض، وهي: جوانبها.
و(قوله: حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا) ظاهر (حتى): الغاية، فيقتضي ظاهر هذا الكلام: أنه لا يسلط عليهم عدوهم فيستبيحهم، إلا إذا كان منهم إهلاك بعضهم لبعض، وسبي بعضهم لبعض. وحاصل هذا أنه إذا كان من المسلمين ذلك تفرقت جماعتهم، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، فقويت شوكة العدو واستولى، كما شاهدناه في أزماننا هذه في المشرق والمغرب، وذلك أنه لما اختلف ملوك الشرق، وتجادلوا استولوا كافر الترك على جميع عراق العجم، ولما اختلف ملوك المغرب وتجادلوا استولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس، والجزر القريبة منها، وها هم قد طمعوا في جميع بلاد الإسلام، فنسأل الله أن يتدارك المسلمين بالعفو والنصر واللطف. ولا يصح أن يكون (حتى) هنا بمعنى كي، لفساد المعنى، فتدبره.
стр. 4217
إِلَينَا فَقَالَ ﷺ : سَأَلتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعطَانِي ثِنتَينِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلتُ رَبِّي أَلا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ ألا يُهلِكَ أُمَّتِي بِالغَرَقِ فَأَعطَانِيهَا، وَسَأَلتُهُ ألا يَجعَلَ بَأسَهُم بَينَهُم فَمَنَعَنِيهَا.
رواه أحمد (١/ ١٧٥)، ومسلم (٢٨٩٠)(٢٠).
* * *
ــ
و(قوله: وسألته ألا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها) يعني: ألا يهلك جميعهم بطوفان كطوفان نوح ﵇ حتى يغرق جميعهم، وهذا فيه بعد، ولعل هذا اللفظ كان بالعدو، فتصحف على بعض الرواة لقرب ما بينهما في اللفظ، ويدل على صحة ذلك: أن هذا الحديث قد رواه عن النبي ﷺ خباب بن الأرت، وثوبان وغيرهما، وكلهم قال: بدل الغرق المذكور في هذا الحديث: عدوا من غير أنفسهم. والله تعالى أعلم.
و(قوله: وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها) البأس: الحروب والفتن، وأصله من بئس يبأس: إذا أصابه البؤس، وهو الضر، ويقال: بأسا وضرا.
و(قوله: يا محمد إني إذا قضيت قضاء لا يرد) يستفاد منه: أنه لا يستجاب من الدعاء إلا ما وافقه القضاء، وحينئذ يشكل بما قد روي عنه ﷺ أنه قال: لا يرد القضاء إلا الدعاء (١). ويرتفع الإشكال بأن يقال: إن القضاء الذي لا يرده دعاء ولا غيره، هو الذي سبق علم الله بأنه لا بد من وقوعه. والقضاء الذي يرده الدعاء أو صلة الرحم، هو الذي أظهره الله بالكتابة في اللوح المحفوظ، الذي قال الله تعالى فيه: ﴿يَمحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ وقد تقدم ذلك في كتاب القدر.
стр. 4218
(٤) باب إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة
[٢٧٨٩] عن حذيفة قال: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَامًا، مَا تَرَكَ فيه شَيئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَن حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَن نَسِيَهُ، قَد عَلِمَهُ أَصحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنهُ الشَّيءُ قَد نَسِيتُهُ فَأَرَاهُ فَأَذكُرُهُ كَمَا يَذكُرُ الرَّجُلُ وَجهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ.
ــ
(٤ و ٥) ومن باب: إخبار النبي ﷺ بما يكون إلى قيام الساعة (١)
(قول حذيفة ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك فيه شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به) هذا المجرور الذي هو (في مقامه) يجوز أن يتعلق بترك، والأليق أن يكون متعلقا بحدث؛ لأنَّ الظاهر من الكلام: أنه أراد أنه ما ترك شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا حدث به في ذلك المقام، وهذا المقام المذكور في هذا الحديث هو اليوم الذي أخبر عنه أبو زيد عمرو بن أخطب المذكور بعد، وبالحري يتسع يوم للإخبار عما ذكره. على أنه قد روى الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر بنهار، ثم قام خطيبا، فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه (٢). فظاهر هذا أن هذا المقام كان من بعد العصر لا قبل ذلك. ويجوز أن يكون: كانت الخطبة من بعد صلاة الصبح إلى غروب
стр. 4219
وفي رواية: قال: أخبرني رسول الله ﷺ بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، فما منه شيء إلا قد سألته، إلا أني لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٥)، والبخاريّ (٦٦٠٤)، ومسلم (٢٨٩١) (٢٣ و ٢٤).
ــ
الشمس، كما في حديث أبي زيد. واقتصر أبو سعيد في الذكر على ما بعد العصر، وفيه بعد، وعلى كل تقدير فعمومات هذه الأحاديث يراد بها الخصوص؛ إذ لا يمكن أن يحدث في يوم واحد، بل ولا في أيام، ولا في أعوام بجميع ما يحدث بعد النبي ﷺ تفصيلا، وإنما مقصود هذه العمومات الإخبار عن رؤوس الفتن والمحن ورؤسائها، كما قال حذيفة بعد هذا حين قال: لكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار.
قلت: على أني أقول: إن النبي ﷺ كأن الله تعالى قد أعلمه بتفاصيل ما يجري بعده لأهل بيته وأصحابه، وبأعيان المنافقين، وبتفاصيل ما يقع في أمته من كبار الفتن، وصغارها، وأعيان أصحابها وأسمائهم، وأنه بث الكثير من ذلك عند من يصلح لذلك من أصحابه كحذيفة ﵁ قال: ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، وقبيلته (١). خرجه أبو داود، وبهذا يعلم أن أصحابه كان عندهم من علم الكوائن الحادثة إلى يوم القيامة العلم الكثير والحظ الوافر، لكن لم يشيعوها إذ ليست من أحاديث الأحكام، وما كان فيها شيء من ذلك حدثوا به، ونقضوا عن عهدته. ولحذيفة في هذا الباب زيادة مزية، وخصوصية لم تكن لغيره منهم؛ لأنَّه كان كثير السؤال عن هذا الباب، كما دلت عليه أحاديثه، وكما دل عليه
стр. 4220
[٢٧٩٠] وعن أبي زَيدٍ، يَعنِي عَمرَو بنَ أَخطَبَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الفَجرَ، وَصَعِدَ المِنبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَت الظُّهرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَ العَصرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ، فَأَخبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعلَمُنَا أَحفَظُنَا.
رواه أحمد (٥/ ٣٤١)، ومسلم (٢٨٩٢).
* * *
(٥) باب في الفتنة التي تموج موج البحر وفي ثلاث فتن لا يكدن يذرن شيئا
وقد تقدم في كتاب الإيمان حديث حذيفة في التي تموج موج البحر.
[٢٧٩١] وعنه أنه قال: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَينِي وَبَينَ السَّاعَةِ، وَمَا بِي إِلَّا أَن يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسَرَّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيئًا لَم يُحَدِّثهُ غَيرِي، وَلَكِن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ يُحَدِّثُ مَجلِسًا أَنَا
ــ
اختصاص عمر له بالسؤال عن ذلك دون غيره. وأبو زيد المذكور في هذا الباب: هو عمرو بن أخطب - بالخاء المعجمة - الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج. صحب النبي ﷺ وقال: غزوت معه ست غزوات، أو سبعا. وقد تقدم القول في حديث حذيفة في كتاب الإيمان.
و(قوله: ما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدث به غيري) كذا وقع هذا اللفظ، وكذا صح في الرواية، وما بي إلا أن يكون بـ (إلا)
стр. 4221
فِيهِ عَن الفِتَنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَعُدُّ الفِتَنَ: مِنهُنَّ ثَلَاثٌ لَا يَكَدنَ يَذَرنَ شَيئًا، وَمِنهُنَّ فِتَنٌ كَرِيَاحِ الصَّيفِ، مِنهَا صِغَارٌ وَمِنهَا كِبَارٌ. قَالَ حُذَيفَةُ: فَذَهَبَ أُولَئِكَ الرَّهطُ كُلُّهُم غَيرِي.
رواه أحمد (٥/ ٣٨٨)، ومسلم (٢٨٩١)(٢٢).
[٢٧٩٢] وعن جندب قال: جِئتُ يَومَ الجَرَعَةِ فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ
ــ
الإيجابية، و (أن) المصدرية. فقيل: الوجه إسقاط إلا؛ لأنَّ مقصود الكلام: أن حذيفة أخبر عن نفسه بأنه يعلم كل فتنة تكون بين يدي الساعة. فيظن سامع هذا القول: أن رسول الله ﷺ أسر إليه من ذلك بشيء لم يسره إلى غيره، فنفى هذا الظن بذلك القول. ثم نبه على سبب علمه بذلك فقال: ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فيعني بذلك أنه سمع من النبي ﷺ في ذلك المجلس مع الناس، لكنه حفظ ما لم يحفظ غيره، وضبط ما لم يضبط غيره. كما قال في الحديث المتقدم. وقيل: (إلا) ثابتة في الرواية، فلا سبيل إلى تقدير إسقاطها، ومعنى الكلام مع ثبوتها: وما بي عذر في الإعلام بجميعها والحديث عنها، إلا ما أسر إلي النبي ﷺ مِمَّا لم يحدث به غيري، فيكون في كلامه إشارة إلى أن النبي ﷺ عهد إليه، وأسر له ألا يحدث بكل ما يعلمه من الفتن، أو لا يذيعه إن رأى في ذلك مصلحة. وهذا أولى لما ذكرناه من ثبوت الرواية، ولأن المعلوم من حال حذيفة أن النبي ﷺ خصه من العلم بالفتن، وأسر إليه منها بما لم يخص به غيره، وأما ما لم يسره إليه، ولا خصه به، فهو الذي يحدث به، كما جاء متصلا بقوله: لكن النبي ﷺ قال وهو يحدث مجلسا أنا فيهم عن الفتن. والله تعالى أعلم.
و(قول جندب: جئت يوم الجرعة) كذا هو بفتح الجيم والراء والعين المهملة، وهو موضع بجهة الكوفة. وروي عن بعضهم بسكون الراء. وأصل
стр. 4222
فَقُلتُ: لَيُهرَاقَنَّ اليَومَ هَاهُنَا دِمَاءٌ، فَقَالَ ذَاكَ الرَّجُلُ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، قُلتُ: بَلَى وَاللَّهِ، قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَحَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنِيهِ، قُلتُ: بِئسَ الجَلِيسُ لِي أَنتَ مُنذُ اليَومِ، تَسمَعُنِي أُخَالِفُكَ وَقَد سَمِعتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا تَنهَانِي؟ ثُمَّ قُلتُ: مَا هَذَا الغَضَبُ؟ فَأَقبَلتُ عَلَيهِ وَأَسأَلُهُ، فَإِذَا الرَّجُلُ حُذَيفَةُ.
رواه مسلم (٢٨٩٣)(٢٨).
* * *
ــ
الجرعة: الرمل الذي فيه سهولة. يقال: جرع وأجرع وجرعاء. وذلك اليوم هو يوم خرج أهل الكوفة إلى سعيد بن العاص، وكان عثمان ولاه عليهم فردوه، وولى أبا موسى الأشعري، وسألوا عثمان توليته فأقره.
و(قوله: تسمعني أخالفك) لأكثر الشيوخ، بالحاء المهملة، من الحلف الذي هو اليمين، وقد رواه بعضهم بالخاء المعجمة، وهي التي أذكرها، وكلاهما يصح، فتأمل مساقه.
* * *
стр. 4223
(٦) باب ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج، ويغزو البيت جيش فيخسف به
[٢٧٩٣] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد وهيب بيده تسعين.
رواه أحمد (٢/ ٣٤١)، والبخاريُّ (٣٣٤٧)، ومسلم (٢٨٨١).
[٢٧٩٤] وعن أم سلمة أم المؤمنين، وسئلت عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير
ــ
(٦) ومن باب: ما فتح من ردم يأجوج ومأجوج ويغزو البيت جيش فيخسف بهم
(قوله: وكان ذلك في أيام ابن الزبير) ذلك إشارة إلى سؤال أم سلمة عن الجيش الذي يخسف به، وسألها عن ذلك الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان. هذا ظاهره، لكن قال أبو الوليد الكناني: هذا لا يصح؛ لأنَّ أم سلمة ماتت في أيام معاوية قبل موته بسنة، ولم تدرك أيام ابن الزبير. قال القاضي: وقد قيل: إنها ماتت أيام يزيد بن معاوية في أولها، فعلى هذا يستقيم الخبر، فإنَّ عبد الله نازع يزيد لأول ما بلغته البيعة له عند موت معاوية، وداجاه (١) شيئا، فوجه إليه يزيد أخاه عمرو بن الزبير ليجيئه به، أو يقاتله، فظفر به عبد الله بن الزبير، ومات في سجنه وصلبه. ذكر ذلك الطبري وغيره، وذكر وفاة أم سلمة أيام يزيد: أبو عمر بن عبد البر. قلت: هذا الحديث رواه عن أم سلمة عبد الله بن صفوان من طريق صحيح
стр. 4224
فقالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَعُوذُ بالبيت عَائِذٌ فَيُبعَثُ إِلَيهِ بَعثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ خُسِفَ بِهِم، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَكَيفَ بِمَن كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: يُخسَفُ بِهِ مَعَهُم، وَلَكِنَّهُ يُبعَثُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ. وَقَالَ أَبُو جَعفَرٍ: هِيَ بَيدَاءُ المَدِينَةِ. فقال له عَبدُ العَزِيزِ بنُ رُفَيعٍ: إِنَّمَا قَالَت: بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ. قَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَبَيدَاءُ المَدِينَةِ.
رواه أحمد (٢٩٠)، ومسلم (٢٨٨٢) (٤ و ٥)، وأبو داود (٤٢٨٩).
ــ
في الأصل، وفيه أيضًا عنه أنه رواه عن حفصة زوج النبي ﷺ ، قال الدارقطني: والحديث عن أم سلمة، ومحفوظ عن حفصة، وعلى هذا فتكون كل واحدة منهما حدثت به عن النبي ﷺ ، فلا اضطراب.
و(قوله: يعوذ بالبيت عائذ فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم) الذي أثار هذا الحديث في وقت عبد الله بن الزبير: أن عبد الله بن الزبير لجأ إلى البيت عندما طالبه يزيد بن معاوية بأن يبايعه، ففر من المدينة إلى مكة، واستجار بالبيت، ووافقه على رأيه ذلك جماعة على خلاف يزيد، فجهز يزيد جيشا من أهل الشام إلى مكة، فحدث الناس أن ذلك الجيش يخسف به، وذكروا الحديث عن رسول الله ﷺ ، وحينئذ قال لهم عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش، كما قد ظهر أن ذلك الجيش لم يخسف به. والبيداء: أرض ملساء لا شيء فيها، وفي الصحاح: البيداء: المفازة. والجمع: بيد. وهل هي بيداء المدينة أم لا؟ اختلف في ذلك أبو جعفر وعبد العزيز بن رفيع، كما ذكر في الأصل. وليؤمن: ليقصدن. والشريد: الطريد عن أهله، ويعني به هنا المنفرد عن ذلك الجيش الذي يخسف به. ومنعة، بتحريك النون: جمع مانع، ككاتب وكتبة، وبالسكون: مصدر منع. والمستبصر: البصير بالأمور. والمجبور: المكره الذي لا حيلة له في دفع ما يحمل عليه، وهو من جبرت الرجل على الشيء يفعله، فهو مجبور، ثلاثيا، ويقال: أجبرته، وهو الأصح والأكثر، فهو مجبر.
стр. 4225
[٢٧٩٥] وعن حفصة أَنَّهَا سَمِعَت رسول الله ﷺ يَقُولُ: لَيَؤُمَّنَّ هَذَا البَيتَ جَيشٌ يَغزُونَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ يُخسَفُ بِأَوسَطِهِم وَيُنَادِي أَوَّلُهُم آخِرَهُم، ثُمَّ يُخسَفُ بِهِم فَلَا يَبقَى إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخبِرُ عَنهُم.
رواه مسلم (٢٨٨٣)(٦)، والنسائي (٥/ ٢٠٧)، وابن ماجه (٤٠٦٣).
[٢٧٩٦] وعن عبد الله بن صفوان، عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَيَعُوذُ بِهَذَا البَيتِ - يَعنِي الكَعبَةَ - قَومٌ لَيسَت لَهُم مَنَعَةٌ وَلَا عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ، يُبعَثُ إِلَيهِم جَيشٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيدَاءَ مِن الأَرضِ خُسِفَ بِهِم، قَالَ يُوسُفُ بن ماهك: وَأَهلُ الشَّامِ يَومَئِذٍ يَسِيرُونَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ صَفوَانَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهَذَا الجَيشِ.
رواه مسلم (٢٨٨٣)(٧).
[٢٧٩٧] وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَت: عَبَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعتَ شَيئًا فِي مَنَامِكَ لَم تَكُن تَفعَلُهُ، فَقَالَ: العَجَبُ أنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالبَيتِ بِرَجُلٍ مِن قُرَيشٍ قَد
ــ
و(قوله: عبث رسول الله ﷺ في منامه) وجدته مقيدا بفتح الباء؛ أي: أتى بكلمات كأنها مختلطة. يقال: عبث الشيء، يعبثه: إذا خلطه، بفتح الباء في الماضي، وكسرها في المضارع، فأمَّا عبث بكسر الماضي وفتح المضارع فمعناه: لعب.
و(قوله: إن ناسا من أمتي يؤمون البيت برجل) أشرب يؤمون معنى ينزلون، فعداه بالباء، وهو مما يتعدى بنفسه، كما تقدَّم غير مرة.
стр. 4226
لَجَأَ بِالبَيتِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالبَيدَاءِ خُسِفَ بِهِم، فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الطَّرِيقَ قَد يَجمَعُ النَّاسَ، قَالَ: نَعَم، فِيهِم المُستَبصِرُ وَالمَجبُورُ وَابنُ السَّبِيلِ، يَهلِكُونَ مَهلَكًا وَاحِدًا وَيَصدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى، يَبعَثُهُم اللَّهُ عَلَى نِيَّاتِهِم.
رواه البخاريُّ (٢١١٨)، ومسلم (٢٨٨٤).
* * *
(٧) باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، وحتى يمنع أهل العراق ومصر والشام ما عليهم
[٢٧٩٨] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب، يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل
ــ
و(قوله: يهلكون مهلكا واحدا، ويصدرون مصادر شتى) المهلك: الهلاك. ويصدرون: يرجعون، وأصل الصدر: الرجوع عن موضع الماء، وشتى: مختلفين بحسب نياتهم.
(٧ و ٨ و ٩) ومن باب: الأمور التي لا تقوم الساعة حتى تكون (١)
(قوله: يحسر الفرات عن جبل من ذهب) أي: يكشف. ومنه حسرت المرأة عن وجهها؛ أي: كشفت. والحاسر: الذي لا سلاح عليه، وكأن هذا إنما
стр. 4227
مائة تسعة وتسعون، ويقول كل رجل منهم: لعلي أكون أنا الذي أنجو.
في رواية: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا.
رواه أحمد (٢/ ٢٦١)، والبخاريُّ (٧١١٩)، ومسلم (٢٨٩٤) (٢٩ و ٣٠ و ٣١)، وأبو داود (٤٣١٣)، والترمذي (٢٥٦٩)، وابن ماجه (٤٠٤٦).
[٢٧٩٩] ونحوه عن أبي، ولم يقل: فمن حضره، إلى آخره.
رواه أحمد (٥١٣٩)، ومسلم (٢٨٩٥).
[٢٨٠٠] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشأم مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها
ــ
يكون إذا أخذت الأرض تقيء ما في جوفها، كما تقدم في كتاب الزكاة.
و(قوله: فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) نهي على أصله من التحريم؛ لأنَّه ليس ملكا لأحد، وليس بمعدن ولا ركاز، فحقه أن يكون في بيت المال، ولأنه لا يوصل إليه إلا بقتل النفوس، فيحرم الإقدام على أخذه.
و(قوله: منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها) كذا الرواية المشهورة بغير إذا، فيكون ماضيا بمعنى الاستقبال، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمرُ اللَّهِ فَلا تَستَعجِلُوهُ﴾ أي: يأتي. وكقوله: ﴿وَإِذ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: إذ يقول. ومثله كثير، وقد رواه ابن ماهان: إذا منعت وهو أصل الكلام. غير أنه يحتاج إلى جواب إذا، ويحتمل ذلك وجهين:
أحدهما: أن يكون الجواب: عدتم من حيث بدأتم، وتكون الواو زائدة. كما قال امرؤ القيس:
стр. 4228
ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم. شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
رواه أحمد (٢/ ٢٦٢)، ومسلم (٢٨٩٦)، وأبو داود (٣٠٣٥).
* * *
ــ
فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى (١) ... . . . . . . . . . . . . . . .
أي: لما أجزنا انتحى، فزاد الواو. ويحتمل أن يكون جواب إذا محذوفا، تقديره: إذا كانت هذه الأمور جاءت الساعة، أو ذهب الدين. ونحو ذلك، والله أعلم. وتسمية النبي ﷺ مكيال كل قوم باسمه المعروف عندهم دليل على أنه كان يعرف كلام الناس، وإن بعدت أقطارهم واختلفت عباراتهم. وقد ثبت أنه كان يخاطب كل قوم بلغتهم في غير موضع، وهذا منه إخبار بأن أمور الدين وقواعده يترك العمل بها لضعف القائم بها، أو لكثرة الفتن واشتغال الناس بها، وتفاقم أمر المسلمين، فلا يكون من يأخذ الزكاة ولا الجزية ممن وجبت عليه، فيمتنع من وجب عليه حق من أدائه. والله تعالى أعلم.
و(قوله: وعدتم من حيث بدأتم) أي: رجعتم على الحالة الأولى التي كنتم عليها من فساد الأمر وافتراق الكلمة، وغلبة الأهواء، وذهاب الدين.
و(قوله: شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه) أي: صدق بهذا الحديث وشهد بصدقه كل جزء في أبي هريرة. ومعناه بأن هذا الحديث حق في نفسه، ولا بد من وقوعه.
стр. 4229
(٨) باب لا تقوم الساعة حتى تفتح قسطنطينية، وتكون ملحمة عظيمة، ويخرج الدجال ويقتله عيسى ابن مريم .
[٢٨٠١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنزِلَ الرُّومُ بِالأَعمَاقِ - أَو: بِدَابِقٍ - فَيَخرُجُ إِلَيهِم جَيشٌ مِن المَدِينَةِ مِن خِيَارِ أَهلِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَت الرُّومُ: خَلُّوا بَينَنَا وَبَينَ الَّذِينَ سَبَوا مِنَّا نُقَاتِلهُم، فَيَقُولُ المُسلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَينَكُم وَبَينَ إِخوَانِنَا،
ــ
و(قوله: تنزل الروم بالأعماق، أو بدابق) الأعماق: جمع عمق - بضم العين وفتحها -: وهي ما بعد من أطراف المفاوز. قال رؤبة:
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ودابق: اسم بلد، والأغلب عليه التذكير والصرف؛ لأنَّه في الأصل نهر. قال الراجز:
بدابق وأين مني دابق
وقد يؤنث ولا يصرف، وهو بفتح الباء. وكذا وجدته مقيدا مصححا في كتاب الشيخ، ويقال بالكسر فيما أحسب.
و(قول الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا) الرواية الصحيحة بفتح السين والباء؛ أي: الذين أصابوا منا سبيا، وقد قيده بعضهم بضم السين والباء، وليس بشيء؛ لأنَّ قول المسلمين في جوابهم: لا والله ما نخلي بينكم وبين إخواننا. يعنون: أنهم منهم في الأنساب والدين، فلو أن الروم طلبوا من سُبي منهم لما قالوا لهم ذلك مطلقا. والله تعالى أعلم.
стр. 4230
فَيُقَاتِلُونَهُم، فَيَنهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِم أَبَدًا، وَيُقتَلُ ثُلُثُهُم أَفضَلُ الشُّهَدَاءِ عِندَ اللَّهِ، وَيَفتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفتَتِحُونَ قُسطَنطِينِيَّةَ، فَبَينَمَا هُم يَقتَسِمُونَ الغَنَائِمَ قَد عَلَّقُوا سُيُوفَهُم بِالزَّيتُونِ إِذ صَاحَ فِيهِم الشَّيطَانُ: أنَّ المَسِيحَ قَد خَلَفَكُم فِي أَهلِيكُم، فَيَخرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤوا الشَّأمَ خَرَجَ، فَبَينَمَا هُم يُعِدُّونَ لِلقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذ أُقِيمَت الصَّلَاةُ، فَيَنزِلُ عِيسَى ابنُ مَريَمَ ﵇، فَآمَّهُم، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ، فَلَو تَرَكَهُ لَانذَابَ حَتَّى يَهلِكَ، وَلَكِن يَقتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهِم دَمَهُ فِي حَربَتِهِ.
رواه مسلم (٢٨٩٧).
ــ
و(قوله: فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدا؛ لأنَّهم فروا من الزحف، حيث لا يجوز لهم الفرار، فلا يتوب الله عليهم؛ أي: لا يلهمهم إياها، ولا يعينهم عليها، بل: يصرون على ذنبهم ذلك ولا يندمون عليه. ويجوز أن يكون معنى ذلك: أنه تعالى لا يقبل توبتهم وإن تابوا، ويكونون هؤلاء ممن شاء الله ألا تقبل توبتهم لعظيم جرمهم.
و(قوله: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم) كذا الرواية الجيدة مخففة اللام بغير ألف، أي: بشر. يقال: خلفك الرجل في أهلك بخير أو بشر، وقد تقدم قوله ﷺ : من خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا (١) وقد رواه بعضهم: خالفكم، والأول أجود، لأن خالف يتعدى بـ (إلى)، وخلف يتعدى بـ (في) ورد خالف إلى خلف يجوز. وقد تقدَّم القول في اسم المسيح في كتاب الإيمان، وسيأتي الكلام في الدجال.
стр. 4231
[٢٨٠٢] وعَن يُسَيرِ بنِ جَابِرٍ قَالَ: هَاجَت رِيحٌ حَمرَاءُ بِالكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبدَ اللَّهِ بنَ مَسعُودٍ، جَاءَت السَّاعَةُ، قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقسَمَ مِيرَاثٌ وَلَا يُفرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَنَحَّاهَا نَحوَ الشَّامِ، فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجمَعُونَ لِأَهلِ الإِسلَامِ وَيَجمَعُ لَهُم أَهلُ الإِسلَامِ، قُلتُ: الرُّومَ تَعنِي؟ قَالَ: نَعَم، وَيَكُونُ عِندَ ذَاكُم القِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشتَرِطُ المُسلِمُونَ شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقتَتِلُونَ حَتَّى يَحجُزَ بَينَهُم اللَّيلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ، وَتَفنَى الشُّرطَةُ، ثُمَّ يَشتَرِطُ المُسلِمُونَ شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، يَحجُزَ بَينَهُم اللَّيلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ وَتَفنَى الشُّرطَةُ، ثُمَّ يَشتَرِطُ المُسلِمُونَ
ــ
و(قوله: هاجت ريح حمراء) أي: شديدة، احمرت بها السحاب ويبست لها الشجر، وانكشفت الأرض، فظهرت حمرتها.
و(قوله: فجاء رجل ليس له هجيرى إلا يا عبد الله جاءت الساعة) كذا رويته هجيرا على وزن فعيلا، وهو تقييد أبي الفتح الشاشي والتميمي، وقيدها العذري: هِجِّير على وزن خِمِّير.
قلت: وكلاهما لغة صحيحة. قال الجوهري: الهجير مثل الفسيق: الدأب والعادة، وكذلك الهجيرى والإهجيرى. يقال: ما زال ذلك هجيراه، وإهجيراه، وإجريَّاه؛ أي: دأبه وعادته. قال غيره: وهجيرى أفصحها.
والشرطة، بضم الشين، وهي هنا: أول طائفة من الجيش تقاتل. ومنه الشَّرَطان (١) لتقدمهما أول الربيع، وقيل: إنهم سموا بذلك لعلامات تميزوا بها، والأشراط: العلامات. وهذا هو الأعرف. ويحجز بينهم الليل، أي: يحول بينهم وبين القتال بسبب ظلمته، والحاجز: هو الفاصل بين شيئين. ويفيء هؤلاء؛ أي: يرجع. ونهد إليهم؛ أي: تقدَّم. ومنه سمي النهد؛ لأنَّه متقدم في الصدر.
стр. 4232
شُرطَةً لِلمَوتِ لَا تَرجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقتَتِلُونَ حَتَّى يُمسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيرُ غَالِبٍ وَتَفنَى الشُّرطَةُ، فَإِذَا كَانَ اليَومُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيهِم بَقِيَّةُ أَهلِ الإِسلَامِ، فَيَجعَلُ اللَّهُ الدَّبرَةَ عَلَيهِم فَيَقتُلُونَ مَقتَلَةً - إِمَّا قَالَ: لَم يُرَ مِثلُهَا، وَإِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثلُهَا - حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِم فَمَا يُخَلِّفُهُم حَتَّى يَخِرَّ مَيتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنهُم إِلَّا الرَّجُلُ الوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفرَحُ؟ أَو أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ؟ فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذ سَمِعُوا بِناسٍ هُم أَكثرُ مِن ذَلِكَ، فَجَاءَهُم الصَّرِيخُ: أنَّ الدَّجَّالَ قَد خَلَفَهُم فِي ذَرَارِيِّهِم،
ــ
و(قوله: فيجعل الله الدبرة عليهم) كذا لكافتهم بالباء بواحدة وسكونها، ورواه العذري: الدائرة، ومعناهما متقارب. قال الأزهري: الدائرة: الدولة تدور على الأعداء. والدبرة: النصر والظفر، يقال: لمن الدبرة؛ أي: الدولة. وعلى من الدبرة؟ أي: الهزيمة. قاله الهروي.
و(قوله: حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم، فما يخلفهم) كذا رواية الجماعة، وهي جمع جنبة، وهي الجانب، ووقع لبعضهم: بجثمانهم؛ أي: بأشخاصهم. والجثمان، والآل، والطلل، والشخص، كلها بمعنى، فأمَّا الجثة، فتقال على الجالس والنائم.
و(قوله: إذا سمعوا بناس هم أكثر) بنون وسين مهملة. كذا للعذري، وكذا قرأته، وعند غيره: ببأس بباء بواحدة، وأكبر بباء بواحدة أيضًا، وهو الحرب الشديد، والأمر الهائل. قال بعض المشايخ: وهو الصواب. وتصححه رواية أبي داود: إذ سمعوا بأمر أكبر من ذلك (١). . . ويسير بن جابر: يُروى
стр. 4233
فَيَرفُضُونَ مَا فِي أَيدِيهِم وَيُقبِلُونَ، فَيَبعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي لَأَعرِفُ أَسمَاءَهُم وَأَسمَاءَ آبَائِهِم وَأَلوَانَ خُيُولِهِم، هُم خَيرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، أَو: مِن خَيرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهرِ الأَرضِ يَومَئِذٍ.
رواه أحمد (١/ ٤٣٥)، ومسلم (٢٨٩٩).
* * *
(٩) باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس وما يفتح للمسلمين مع ذلك
[٢٨٠٣] عن موسى بن علي عن أبيه قال: قَالَ المُستَورِدُ القُرَشِيُّ عِندَ عَمرِو بنِ العَاصِ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكثَرُ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عَمرٌو: أَبصِر مَا تَقُولُ، قَالَ: أَقُولُ مَا سَمِعتُ
ــ
بالياء باثنتين من تحتها وبالهمزة. والصريخ: الصارخ، أي: الصوت عند الأمر الهائل أو الصراخ، ويرفضون: يرمون ويتركون، والطليعة: هو الذي يتطلع الأمر ويستكشفه.
و(قوله: إني لأعرف أسماءهم وأسماء آبائهم وألوان خيولهم) دليل على صحة ما قلناه من أن النبي ﷺ كان قد أعلم بتفاصيل ما يجري بعده، وأشخاص من يجري منه شيء له تعلق بالأمة.
و(قوله: تقوم الساعة والروم أكثر الناس) هذا الحديث رواه مسلم من طريقين: أحدهما: لا تعقب فيه عليه، والآخر: فيه تعقب. وهو الذي قال فيه: حدثني حرملة بن يحيى التجيبي، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني أبو شريح أن
стр. 4234
مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: لَئِن قُلتَ ذَلِكَ إِنَّ فِيهِم لَخِصَالًا أَربَعًا: إِنَّهُم لَأَحلَمُ النَّاسِ عِندَ فِتنَةٍ، وَأَسرَعُهُم إِفَاقَةً بَعدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوشَكُهُم كَرَّةً بَعدَ فَرَّةٍ، وَخَيرُهُم لِمِسكِينٍ وَيَتِيمٍ وَضَعِيفٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وَأَمنَعُهُم مِن ظُلمِ المُلُوكِ.
في رواية: وأجبر الناس عند مصيبة.
رواه مسلم (٢٨٩٨) (٣٥ و ٣٦).
ــ
عبد الكريم بن الحارث حدثه أن المستورد القرشي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك. قال الدارقطني: عبد الكريم لم يدرك المستورد، والحديث مرسل.
قلت: هذا الإسناد ذكره مسلم مردفا على الإسناد السليم الذي لا تعقب فيه، وكأن مسلما تحقق ما قاله الدارقطني، ولذلك أردفه على الإسناد الأول الذي هو عُمدته وعلى شرطه. وهذا وغيره مما تقدَّم مثله يدلّ على أن القسم الثالث الذي ذكره مسلم في أول كتابه أدخله في مسنده، والله أعلم.
وهذا الحديث قد صدقه الوجود، فإنَّهم اليوم أكثر من في العالم غير يأجوج ومأجوج؛ إذ قد عمروا من الشام إلى أقصى منقطع أرض الأندلس، وقد اتسع دين النصارى اتساعا عظيما لم تتسعه أمة من الأمم، وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره. ووصف عبد الله بن عمرو لهم بما وصفهم به من تلك الأوصاف الجميلة، إنما كانت غالبة على الروم الذين أدرك هو زمانهم، وأما ما في الوجود منهم اليوم فهم أنجس الخليقة وأركسهم، وهم موصوفون بنقيض تلك الأوصاف.
و(قوله: وأجبر الناس عند مصيبة) كذا رواية الجمهور، وهو من جبرت العظم والرِّجل: إذا شددت مفاقره، وقد فسر معنى هذه الرواية في الرواية الأخرى التي قال فيها: وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ووقع لبعضهم: أصبر الناس بدل: أجبر الناس. والأول أصح وأحسن.
стр. 4235
[٢٨٠٤] وعَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ عَن نَافِعِ بنِ عُتبَةَ - هو ابن أبي وقاص - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزوَةٍ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ قَومٌ مِن قِبَلِ المَغرِبِ، عَلَيهِم ثِيَابُ الصُّوفِ، فَوَافَقُوهُ عِندَ أَكَمَةٍ، فَإِنَّهُم لَقِيَامٌ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ، قَالَ: فَقَالَت لِي نَفسِي: ائتِهِم فَقُم بَينَهُم وَبَينَهُ، لَا يَغتَالُونَهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلتُ: لَعَلَّهُ نَجِيٌّ مَعَهُم، فَأَتَيتُهُم فَقُمتُ بَينَهُم وَبَينَهُ، قَالَ: فَحَفِظتُ مِنهُ أَربَعَ كَلِمَاتٍ أَعُدُّهُنَّ فِي يَدِي، قَالَ: تَغزُونَ جَزِيرَةَ العَرَبِ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ فَارِسَ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ ثُمَّ تَغزُونَ الرُّومَ فَيَفتَحُهَا اللَّهُ،
ــ
و(قوله: أتى النبي ﷺ قوم من قبل المغرب - يعني: من قبل مغرب المدينة - عليهم ثياب الصوف) هذا لباس أهل البادية، والأكمة: القطعة الغليظة من الرمل. ووافقوه (١): وقفوا أمامه، فوقف لهم، أو استدعوا منه ذلك.
و(قوله: قالت لي نفسي: ائتهم فقم بينهم) كذا الرواية المعروفة، وفي بعض الروايات: إذ قالت لي نفسي ائتهم - بزيادة إذ - ومعنى ائتهم: جئهم. ويغتالونه: يقتلونه غيلة؛ أي: خديعة. والنجي: المناجي، وهو المتحدث في خلوة.
و(قوله: تغزون فارس فيفتحها الله. . . الحديث إلى آخره) هذا الخطاب وإن كان لأولئك القوم الحاضرين فالمراد هم ومن كان على مثل حالهم من الصحابة والتابعين الذين فتحت بهم تلك الأقاليم المذكورة، ومن يكون بعدهم من أهل هذا الدين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى قيام الساعة. ويرجع معنى هذا الحديث إلى الحديث الآخر الذي قال فيه: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم إلى قيام الساعة (٢).
стр. 4236
ثُمَّ تَغزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفتَحُها اللَّهُ. قَالَ: وَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخرُجُ حَتَّى تُفتَحَ الرُّومُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٣٧ و ٣٣٨)، ومسلم (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٤٠٩١).
* * *
(١٠) باب الآيات العشر التي تكون قبل الساعة وبيان أولها
[٢٨٠٥] عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. قال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن
ــ
و(قوله: ثم تغزون الدجال فيفتحها الله) وقد وقع في بعض النسخ: فيفتحه، بضمير المذكر، فيحتمل أنه يعني بذلك قتل الدجال نفسه الذي يكون على يدي عيسى ابن مريم ﵇ كما تقدَّم، وكما يأتي. ويحتمل أن يعود على ملكه. ووجدته في أصل الشيخ: فيفتحها الله، بضمير المؤنث، فيعني بذلك مملكته أو أرضه التي يغلب عليها. وجزيرة العرب: أرضهم التي نشؤوا فيها، وسميت جزيرة؛ لأنَّها مجزورة بالبحار والأنهار؛ أي: مقطوعة بها. والجزر: هو القطع. وقيل: لأنها جزرت بالبحار التي أحدقت بها، وقد تقدَّم القول فيها في الجهاد.
(١٠) ومن باب: الآيات العشر التي تكون قبل قيام الساعة (١)
حذيفة بن أسيد: هو بفتح الهمزة وكسر السين، يكنى أبا سريحة، بفتح السين وكسر الراء، وهو غفاري كان ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، يعد
стр. 4237
تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. فذكر الدخان والدجال والدابة
ــ
في الكوفيين وبالكوفة مات، وحديث حذيفة في العشر الآيات رواه سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل، عن حذيفة على نص ما ذكرناه في المختصر، والعشر الآيات فيه مجموعة غير مرتبة، وقد رواه شعبة عن فرات، فجاء بها مرتبة مجموعة، فكانت هذه الرواية بالذكر في المختصر أولى، لكن لم يقدر ذلك، فلنذكر هذه الرواية هنا. قال حذيفة: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس (١). قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر النبي ﷺ ، وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم. وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر. وهذه الرواية مرتبة محسنة، فلنرد إليها الرواية التي لا ترتيب فيها، فأول هذه الآيات: الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها. ذكر أبو الفرج الجوزي: أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة، هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدا بشرقها خسف به، وهلك كثير من أهله. وأما الدخان فهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة. وروى حذيفة عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما.
стр. 4238
وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة
ــ
قلت: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية: ﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي، وسيأتي القول في حديث ابن مسعود في التفسير. وأما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم أَخرَجنَا لَهُم دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم﴾ ذكر أهل التفسير أنها خلق عظيم تخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد، تسم المؤمن فينير وجهه، ويُكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة المذكورة في الحديث بعد هذا، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة، فاختطفته العقاب (١)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
قلت: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُم﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأنَّ وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير. فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثمَّ: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك
стр. 4239
العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم.
وفي رواية: تقديم الخسوفات على الدخان وما بعده.
رواه أحمد (٤/ ٦ - ٧)، ومسلم (٢٩٠١) (٣٩ و ٤٠).
[٢٨٠٦] وعن عبد الله قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا.
رواه أحمد (٢/ ٢٠١)، ومسلم (٢٩٤١)، وأبو داود (٤٣١٠).
* * *
(١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨٠٧] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى.
رواه البخاريُّ (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).
ــ
دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير. وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم، فالله أعلم بذلك.
و(قوله: آخر ذلك نار تخرج من اليمن) وقال فيما تقدَّم: من قعر عدن وقال في رواية: من أرض الحجاز. قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز.
[(١١): باب: أمور تكون بين يدي الساعة] (١)
و(قوله: تضيء أعناق الإبل ببصرى) أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل
стр. 4240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ببصرى، وهي بالشام، فيعني - والله تعالى أعلم - أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة إلى الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل، ويقال: ضاوت النار وأضاءت، لغتان. وبصرى - بضم الباء - هي مدينة من مدن الشام. قيل: هي حوران. وقيل: قيسارية (١).
و(قوله: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى) يعني - والله أعلم - أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأنَّ ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (٢). ومعنى قوله: إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه، لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا بذلك؛ لأنَّه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك وطبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان، أخرج الله الدابة معرفة لما في بواطن الناس من إيمان أو كفر، فتكلمهم بذلك. أي: تعرف المؤمن من الكافر بالكلام، وتسم وجوه الفريقين بالنفح، فينتقش وصفه في جبهته مؤمن أو كافر، حتى يتعارف الناس بذلك، فيقول المؤمن للكافر: بكم سلعتك