ثُمَّ تَغزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفتَحُها اللَّهُ. قَالَ: وَقَالَ نَافِعٌ: يَا جَابِرُ لَا نَرَى الدَّجَّالَ يَخرُجُ حَتَّى تُفتَحَ الرُّومُ.
رواه أحمد (٤/ ٣٣٧ و ٣٣٨)، ومسلم (٢٩٠٠)، وابن ماجه (٤٠٩١).
* * *
(١٠) باب الآيات العشر التي تكون قبل الساعة وبيان أولها
[٢٨٠٥] عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. قال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: إنها لن
ــ
و(قوله: ثم تغزون الدجال فيفتحها الله) وقد وقع في بعض النسخ: فيفتحه، بضمير المذكر، فيحتمل أنه يعني بذلك قتل الدجال نفسه الذي يكون على يدي عيسى ابن مريم ﵇ كما تقدَّم، وكما يأتي. ويحتمل أن يعود على ملكه. ووجدته في أصل الشيخ: فيفتحها الله، بضمير المؤنث، فيعني بذلك مملكته أو أرضه التي يغلب عليها. وجزيرة العرب: أرضهم التي نشؤوا فيها، وسميت جزيرة؛ لأنَّها مجزورة بالبحار والأنهار؛ أي: مقطوعة بها. والجزر: هو القطع. وقيل: لأنها جزرت بالبحار التي أحدقت بها، وقد تقدَّم القول فيها في الجهاد.
(١٠) ومن باب: الآيات العشر التي تكون قبل قيام الساعة (١)
حذيفة بن أسيد: هو بفتح الهمزة وكسر السين، يكنى أبا سريحة، بفتح السين وكسر الراء، وهو غفاري كان ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، يعد
стр. 4237
تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. فذكر الدخان والدجال والدابة
ــ
في الكوفيين وبالكوفة مات، وحديث حذيفة في العشر الآيات رواه سفيان بن عيينة عن فرات القزاز عن أبي الطفيل، عن حذيفة على نص ما ذكرناه في المختصر، والعشر الآيات فيه مجموعة غير مرتبة، وقد رواه شعبة عن فرات، فجاء بها مرتبة مجموعة، فكانت هذه الرواية بالذكر في المختصر أولى، لكن لم يقدر ذلك، فلنذكر هذه الرواية هنا. قال حذيفة: كان رسول الله ﷺ في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع إلينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن ترحل الناس (١). قال شعبة: وحدثني عبد العزيز بن رفيع عن أبي الطفيل عن أبي سريحة مثل ذلك، لا يذكر النبي ﷺ ، وقال أحدهما في العاشرة: ونزول عيسى ابن مريم. وقال الآخر: وريح تلقي الناس في البحر. وهذه الرواية مرتبة محسنة، فلنرد إليها الرواية التي لا ترتيب فيها، فأول هذه الآيات: الخسوفات الثلاثة، وقد وقع بعضها. ذكر أبو الفرج الجوزي: أنها وقعت بعراق العجم زلازل وخسوفات هائلة، هلك بسببها خلق كثير، وقد سمعنا ونحن بالأندلس أن بلدا بشرقها خسف به، وهلك كثير من أهله. وأما الدخان فهو الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ على ما ذهب إليه غير ابن مسعود، وهم جماعة من السلف، وهو مروي عن علي وابن عمر وأبي هريرة، وابن عباس، والحسن، وابن أبي مليكة. وروى حذيفة عن النبي ﷺ أن من أشراط الساعة دخانا يمكث في الأرض أربعين يوما.
стр. 4238
وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة
ــ
قلت: ويؤيد هذا قوله تعالى في الآية: ﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ وهذا يبعد قول من قال: إنه الدخان الذي يعذب به الكفار يوم القيامة، وهو مروي عن زيد بن علي، وسيأتي القول في حديث ابن مسعود في التفسير. وأما الدابة فهي التي قال الله فيها: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِم أَخرَجنَا لَهُم دَابَّةً مِنَ الأَرضِ تُكَلِّمُهُم﴾ ذكر أهل التفسير أنها خلق عظيم تخرج من صدع من الصفا لا يفوتها أحد، تسم المؤمن فينير وجهه، ويُكتب بين عينيه مؤمن، وتسم الكافر فيسود وجهه ويكتب بين عينيه كافر. وعن عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الدابة هي الجساسة المذكورة في الحديث بعد هذا، وعن ابن عباس: أنها الثعبان الذي كان ببئر الكعبة، فاختطفته العقاب (١)، وقد اختلف في صورتها، وفي أي موضع تخرج منه على أقوال كثيرة، وليس في شيء من ذلك خبر صحيح مرفوع. قال بعض المتأخرين من المفسرين: الأقرب أن تكون هذه الدابة إنسانا متكلما يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم لينقطعوا، فيهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
قلت: وإنما كان هذا عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُم﴾ وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آية خاصة خارقة للعادة، ولا تكون من جملة العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأنَّ وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير. فلا آية خاصة، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر وترتفع خصوصية وجودها، فإذا وقع القول ثمَّ: فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي يحتج على أهل الأرض باسم الإنسان، أو بالعالم، أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك
стр. 4239
العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم.
وفي رواية: تقديم الخسوفات على الدخان وما بعده.
رواه أحمد (٤/ ٦ - ٧)، ومسلم (٢٩٠١) (٣٩ و ٤٠).
[٢٨٠٦] وعن عبد الله قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا.
رواه أحمد (٢/ ٢٠١)، ومسلم (٢٩٤١)، وأبو داود (٤٣١٠).
* * *
(١١) باب: أمور تكون بين يدي الساعة
[٢٨٠٧] عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى.
رواه البخاريُّ (٧١١٨)، ومسلم (٢٩٠٢).
ــ
دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير. وأما كيفية صفتها وخلقتها، وبماذا تكلمهم، فالله أعلم بذلك.
و(قوله: آخر ذلك نار تخرج من اليمن) وقال فيما تقدَّم: من قعر عدن وقال في رواية: من أرض الحجاز. قال القاضي: فلعلهما ناران تجتمعان لحشر الناس، أو يكون ابتداء خروجها من اليمن، وظهورها من الحجاز.
[(١١): باب: أمور تكون بين يدي الساعة] (١)
و(قوله: تضيء أعناق الإبل ببصرى) أي: تكشف بضوئها أعناق الإبل
стр. 4240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ببصرى، وهي بالشام، فيعني - والله تعالى أعلم - أن هذه النار الخارجة من قعر عدن تمر بأرض الحجاز مقبلة إلى الشام، فإذا قاربت الشام أضاءت ما بينها وبين بصرى حتى ترى بسبب ضوئها أعناق الإبل، ويقال: ضاوت النار وأضاءت، لغتان. وبصرى - بضم الباء - هي مدينة من مدن الشام. قيل: هي حوران. وقيل: قيسارية (١).
و(قوله: إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى) يعني - والله أعلم - أول الآيات الكائنة في زمان ارتفاع التوبة والطبع على كل قلب بما فيه؛ لأنَّ ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة، وإيمان الكافر يصح فيه، بدليل ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا (٢). ومعنى قوله: إذا طلعت ورآها الناس آمن من عليها أي: حصل لجميع من على الأرض التصديق الضروري بأمور القيامة الذي لا يكلف به ولا ينفع صاحبه، لكون أمور الآخرة معاينة، وإنما كان طلوع الشمس مخصوصا بذلك؛ لأنَّه أول تغيير هذا العالم العلوي الذي لم يشاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى، وإلى ذلك الوقت، وأما ما قبله من الآيات فقد شوهد ما يقرب من نوعه، فإذا كان ذلك وطبع على كل قلب بما فيه من كفر أو إيمان، أخرج الله الدابة معرفة لما في بواطن الناس من إيمان أو كفر، فتكلمهم بذلك. أي: تعرف المؤمن من الكافر بالكلام، وتسم وجوه الفريقين بالنفح، فينتقش وصفه في جبهته مؤمن أو كافر، حتى يتعارف الناس بذلك، فيقول المؤمن للكافر: بكم سلعتك
стр. 4241
[٢٨٠٨] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : تبلغ المساكن إهاب - أو: يهاب - قال زهير: قلت لسهيل: وكم ذلك من المدينة؟ قال: كذا وكذا ميلا.
رواه مسلم (٢٩٠٣).
ــ
يا كافر؟ ويقول الكافر: بكذا يا مؤمن، ثم يبقى الناس على ذلك ما شاء الله، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد على وجه الأرض في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، على ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو الآتي بعد هذا، وغيره. وقد تقدَّم في كتاب الإيمان حديث أبي هريرة الذي قال فيه: ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرا: طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، وذكر من جملة الثلاث: الدجال (١). ويلزم عليه أن يرتفع التكليف بالإيمان وبالتوبة عند خروجه. والأحاديث الآتية في صفة الدجال تدل على خلاف ذلك على ما سنبينه، فدل على أن ذكر الدجال مع الطلوع والدابة، وهم من بعض الرواة، والله تعالى أعلم.
وقد اختلفت الآثار والأقوال في أول الآيات المذكورة، وما ذكرته أشبهها وأولاها، إن شاء الله تعالى.
و(قوله: تبلغ المساكن إهاب أو يهاب) فالأول بكسر الهمزة، والثاني بالياء المكسورة عند أكثرهم، وعند ابن عيسى: أو نهاب، بالنون المكسورة، وهو موضع بينه وبين المدينة القدر الذي كنى عنه سهيل بكذا كذا ميلا. وقد تقدَّم أن من أهل اللسان من حمل هذا على الأعداد المعطوفة التي أولها أحد وعشرون، وآخرها تسعة وتسعون، وهذا إخبار منه ﷺ بأن الناس يكثرون بالمدينة، ويتسعون في مساكنها وبنيانها، حتى يصل بنيانهم ومساكنهم إلى هذا الموضع، وقد كان ذلك - والله تعالى أعلم - في مدة بني أمية، ثم بعد ذلك تناقص أمرها إلى أن أقفرت جهاتها كما تقدَّم.
стр. 4242
[٢٨٠٩] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة. وكانت صنما تعبدها دوس في الجاهلية بتبالة.
رواه أحمد (٢/ ٢٧١)، والبخاريُّ (٧١١٦)، ومسلم (٢٩٠٦).
[٢٨١٠] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه.
ــ
و(قوله: حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة) المعروف في ذي الخلصة: الفتح في الخاء واللام، وهكذا قرأته ورويته في كتاب مسلم، وفي السيرة لابن إسحاق. قال القاضي: يقال بفتح الخاء واللام وضمهما، وبسكون اللام وجدته بخطي عن أبي بحر في الأم. وتبالة، بفتح التاء والباء: موضع باليمن، وليس بتبالة التي يُضرب بها المثل الذي يقال فيه: هو أهون على الحجاج من تبالة. تلك بالطائف. قال ابن إسحاق: وذو الخلصة: بيت فيه صنم يسمى ذا الخلصة، لدوس، وخثعم، وبجيلة، وكان يسمى: الكعبة اليمانية، بعث إليه رسول الله ﷺ جرير بن عبد الله فحرقه بالنار.
قلت: ومعنى هذا الحديث أن دوسا يظهر فيها الارتداد عن دين الإسلام، ويرجعون إلى ما كانوا عليه من عبادة الأوثان، كما قال في حديث عائشة ﵂: لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى (١)، وسيأتي في التفسير. وتضطرب: تتحرك عند الطواف بذلك الصنم. والأليات: جمع ألية.
و(قوله: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، وفي الأخرى: فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا
стр. 4243
وفي رواية قال: والذي نفسي بيده لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل على القبر فيتمرغ عليه، ويقول: يا ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين إلا البلاء.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٦)، والبخاريُّ (٧١١٥)، ومسلم (١٥٧) الفتن (٥٣ و ٥٤)، وابن ماجه (٤٠٣٧).
[٢٨١١] وعنه عن النبي ﷺ قال: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة.
رواه أحمد (٢/ ٣١٠)، والبخاريُّ (١٥٩١)، ومسلم (٢٩٠٩) (٥٧ و ٥٨)، والنسائي (٥/ ٢١٦).
ــ
القبر) يعني: من شدة المحن وكثرة الفتن والأنكاد اللاحقة للإنسان في نفسه وماله وولده، ولذلك قال: ليس به الدين إلا البلاء، وكأن هذا إشارة إلى أن كثرة الفتن والمشقات والأنكاد قد أذهبت الدين من أكثر الناس، أو قللت الاعتناء به من الذي يتمسك بالدين عند هجوم الفتن، ولذلك عظم قدر العبادة في حالة الفتن حتى قد قال ﷺ : العبادة في الهرج كهجرة إلي (١).
و(قوله: يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة)، وزاد أبو داود في هذا الحديث: ويخرج كنزها (٢)) السويقتان: تصغير الساقين، وإحداهما سويقة، وصغرهما لدقتهما ورقتهما، وهي صفة سوق الحبشة غالبًا، وقد وصفه النبي ﷺ في حديث آخر بقوله: كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرا حجرا (٣). والفحج:
стр. 4244
[٢٨١٢] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه.
رواه أحمد (٢/ ٤١٧)، والبخاريُّ (٧١١٧)، ومسلم (٢٩١٠).
[٢٨١٣] وعنه عن النبي ﷺ قال: لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له: الجهجاه.
رواه مسلم (٢٩١١).
ــ
تباعد ما بين الساقين، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿أَوَلَم يَرَوا أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِن حَولِهِم﴾؛ لأنَّ تخريب الكعبة على يدي هذا الحبشي إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعل ذلك في الوقت الذي لا يبقى إلا شرار الخلق، فيكون حرما آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى.
قلت: وتحقيق الجواب عن ذلك أنه لا يلزم من قوله تعالى: ﴿أَنَّا جَعَلنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ أن يكون ذلك دائما في كل الأوقات، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما، فقد صدق اللفظ وصح المعنى، ولا يعارضه ارتفاع ذلك المعنى في وقت آخر، فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : إن الله أحل لي مكة ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامة (١). قلنا: أما الحكم بالحرمة والأمن فلم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة إذ لم ينسخ ذلك بالإجماع، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها، فقد وجد ذلك كثيرا، ويكفيك بعوث يزيد بن معاوية، وجيوش عبد الملك، وقتال الحجاج لعبد الله بن الزبير، وغير ذلك مما جرى لها، وما فُعل فيها من إحراق الكعبة ورميها بحجارة المنجنيق.
و(قوله: يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) أي: يملكهم
стр. 4245
[٢٨١٤] وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حمر الوجوه صغار الأعين.
وفي رواية: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين ذلف الآنف.
ــ
ويتصرف فيهم كما يتصرف الراعي في الماشية، ولعل هذا الرجل القحطاني، هو الذي يقال له الجهجاه، وأصل الجهجهة: الصياح بالسبع ليكف، يقال: جهجهت بالسبع؛ أي: زجرته بالصياح، ويقال: تجهجه عني، أي: انته.
و(قوله: يقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر، كأن وجوههم المجان المطرقة) المجان بفتح الميم: جمع مجن - بكسر الميم - وهو الترس. والمطرقة: التي ألبست العقب طاقة فوق أخرى، ومنه طارقت النعل: إذا أطبقت طاقة فوق أخرى، ووجه التشبيه: أن وجوههم غالبًا عراض الأعالي محددة الأذقان صلبة.
و(قوله: نعالهم الشعر، وفي رواية: ينتعلون الشعر) أي: يصنعون من الشعر حبالا، ويصنعون منه نعالا، كما يصنعون منه ثيابا. ويشهد لهذا قوله في رواية أخرى: يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر. هذا ظاهره، ويحتمل أن يريد بذلك أن شعورهم كثيفة طويلة، فهي إذا سدلوها كاللباس، وذوائبها لوصولها إلى أرجلهم كالنعال.
و(قوله: ذلف الأنوف) ويروى: الآنف، فالأول جمع الكثرة كفلس وفلوس، والثاني جمع قلة كأفلس، ويجمع أيضًا آنافا، وأنف كل شيء أوله، والذلف في الإنسان بالذال المعجمة: صغر الأنف واستواء الأرنبة وقصرها. وقيل: تطامن الأرنبة، والأول أعرف وأشهر، تقول: رجل أذلف بين الذلف، وقد ذلف. والمرأة ذلفاء من نساء ذلف، ولا شك في أن هذه الأوصاف هي أوصاف الترك
стр. 4246
وفي أخرى: حتى يقاتل المسلمون الترك، قوما وجوههم كالمجان المطرقة، يلبسون الشعر ويمشون في الشعر.
رواه أحمد (٢/ ٢٧١)، ومسلم (٢٩١٢) (٦٤ و ٦٦)، وأبو داود (٤٣٠٣)، والنسائي (٦/ ٤٤).
[٢٨١٥] وعنه؛ أن النبي ﷺ قال: سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق، فإذا جاؤوها نزلوا فلم
ــ
غالبًا، وقد سماهم النبي ﷺ في الرواية الأخرى، فقال: (يقاتل المسلمون الترك، وهذا الخبر قد وقع على نحو ما أخبر، فقد قاتلهم المسلمون في عراق العجم مع سلطان خوارزم ﵀ وكان الله قد نصره عليهم، ثم رجعت لهم الكرة فغلبوا على عراق العجم وغيره، وخرج منهم في هذا الوقت أمم لا يحصيهم إلا الله، ولا يردهم عن المسلمين إلا الله، حتى كأنهم يأجوج ومأجوج، أو مقدمتهم، فنسأل الله تعالى أن يهلكهم ويبدد جمعهم. ولما علم النبي ﷺ عددهم وكثرتهم وحدة شوكتهم قال ﷺ : اتركوا الترك ما تركوكم (١). لكنا نرجو من فضل الله تعالى النصر عليهم والظفر بهم، وذلك لما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: تقاتلكم الترك، قوم صغار الأعين، قال: يعني الترك. قال: تسوقونهم ثلاث مرار حتى تلحقوهم بجزيرة العرب (٢) فأمَّا في السياقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما في الثانية فينجو بعض ويهلك بعض، وأما في الثالثة فيصطلمون (٣).
و(قوله: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفا من بني إسحاق) هكذا
стр. 4247
يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط أحد جانبيها - قال ثور: لا أعلمه إلا قال: الذي في البحر - ثم يقولوا الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولوا الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون المغانم إذ جاءهم الصريخ فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون.
رواه مسلم (٢٩٢٠).
ــ
صحت الرواية عند الجميع، وفي الأمهات. قال القاضي أبو الفضل: قال بعضهم: المعروف المحفوظ: من بني إسماعيل، وهو الذي يدلّ عليه الحديث وسياقه؛ لأنَّه إنما يعني به: العرب والمسلمين، بدليل الحديث الذي سماها فيه في الأم (١)، وأنها: القسطنطينية، وإن لم يصفها بما وصفها به هنا.
قلت: وهذا فيه بُعد من جهة اتفاق الرواة والأمهات على بني إسحاق، فإذًا المعروف خلاف ما قال هذا القائل، ويمكن أن يقال: إن الذي وقع في الرواية صحيح غير أنه أراد به العرب ونسبهم إلى عمهم، وأطلق عليهم ما يطلق على ولد الأب، كما يقال ذلك في الخال، حتى قد قيل: الخال أحد الأبوين، والله تعالى أعلم.
وأما قوله: إن هذه القرية هي القسطنطينية، فينبغي أن يُبحث عن صفتها، هل توافق ما وصفه النبي ﷺ في هذه المدينة أم لا؟ وأما ما ذكره مسلم في الأم من حديث القسطنطينية فهو ما تقدَّم في حديث أبي هريرة ﵁ الذي قال في أوله: لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق قال فيه: فيقاتلهم المسلمون فينهزم ثلث، ويُقتل ثلث، ويفتح الثلث القسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم (١). وظاهر هذا يدلّ على أن القسطنطينية، إنما تفتح بالقتال، وهذا
стр. 4248
[٢٨١٦] وعنه أن رسول الله ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود.
رواه أحمد (٢/ ٤١٧)، ومسلم (٢٩٢٢).
ــ
الحديث يدلّ على أنها تفتح بالتهليل والتكبير، فقول بعضهم فيه بعد، والحاصل: أن القسطنطينية لا بد من فتحها، وأن فتحها من أشراط الساعة على ما شهدت به أخبار كثيرة، منها ما ذكرناه آنفا، ومنها ما خرجه الترمذي من حديث معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: الملحمة العظمى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر (١). قال: هذا حديث حسن صحيح، وفيه عن أنس بن مالك: أن فتح القسطنطينية مع قيام الساعة (٢). هكذا رواه موقوفا. قال محمد (٣): هذا حديث غريب، والقسطنطينية: هي مدينة الروم، تفتح عند خروج الدجال، والقسطنطينية قد فتحت (٤) في زمان بعض أصحاب النبي ﷺ .
قلت: وعلى هذا فالفتح الذي يكون مقارنا لخروج الدجال هو الفتح المراد بهذه الأحاديث؛ لأنَّها اليوم بأيدي الروم - دمرهم الله تعالى - والله بتفاصيل هذه الوقائع أعلم.
стр. 4249
[٢٨١٧] وعنه عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله. وفي رواية: حتى ينبعث.
رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، ومسلم (١٥٧) الفتن (٨٤)، وأبو داود (٤٣٣٣ - ٤٣٣٥)، والترمذي (٢٢١٩).
* * *
ــ
و(قوله: لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون) الحديث، هذا إنما يكون - والله أعلم - بعد قتل الدجال؛ فإن اليهود هم أكثر أتباعه، وسيأتي منصوصا عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
و(قوله: لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريبا من ثلاثين) وقد تقدم القول في اشتقاق اسم الدجال؟ وأنه المموه بالكذب. قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث قد ظهر، فلو عد من تنبأ من زمن النبي ﷺ إلى الآن ممن اشتهر بذلك وعرف واتبعه جماعة على ضلاله، لوجد هذا العدد فيهم، ومن طالع في كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا، ولولا التطويل لسردنا منهم هذا العدد.
* * *
стр. 4250
(١٢) باب الخليفة الكائن في آخر الزمان وفيمن يهلك أمة النبي ﷺ وتقتل عمارا الفئة الباغية وإخماد الفتنة الباغية ولتفنى كنوز كسرى في سبيل الله
[٢٨١٨] عَن أَبِي نَضرَةَ قَالَ: كُنَّا عِندَ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ فَقَالَ: يُوشِكُ أَهلُ العِرَاقِ ألا يُجبَى إِلَيهِم قَفِيزٌ وَلَا دِرهَمٌ، قُلنَا: مِن أَينَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِن قِبَلِ العَجَمِ، يَمنَعُونَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَهلُ الشَّأمِ ألا يُجبَى إِلَيهِم دِينَارٌ وَلَا مُديٌ، قُلنَا: مِن أَينَ ذَاكَ؟ قَالَ: مِن قِبَلِ الرُّومِ، ثُمَّ أسكتَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحثِي المَالَ حَثيًا، ولَا يَعُدُّهُ عَدَدًا، قيل لِأَبِي نَضرَةَ وَأَبِي العَلَاءِ: أَتَرَيَانِ أَنَّهُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ؟ فَقَالَا: لَا.
رواه أحمد (٣/ ٣١٧)، ومسلم (٢٩١٣).
ــ
(١٢) ومن باب: الخليفة الكائن في آخر الزمان
(قوله: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا، ولا يعده عدا) أي: يصبه صبا. يقال: حثى يحثي حثيا، وحثا يحثو حثوا، وقد وقع الفعلان في الأم، والمصدر حثيا بفتح الحاء وإسكان الثاء، وضبط عن أبي بحر حِثيًّا، بكسر الثاء، وتشديد الياء، وليس بمعروف، وإنما نفى أبو نضرة أن يكون هذا الخليفة هو عمر بن عبد العزيز لقوله ﷺ : في آخر أمتي، وذلك لا يصدق على زمن عمر بن عبد العزيز إلا بالتوسع البعيد، ولأنه لم يصب المال كما جاء في هذا الحديث، وقد روى الترمذي وأبو داود أحاديث صحيحة في هذا الخليفة، وسمياه بالمهدي، فروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، قال
стр. 4251
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديث حسن صحيح. وخرجه أبو داود، وزاد فيه: يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا (١). ومن حديث أبي هريرة ﵁: لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي (٢). قال: حديث حسن صحيح. ومن حديث أبي سعيد قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألناه، فقال: إن في أمتي المهدي، يخرج، يعيش خمسا، أو سبعا، أو تسعا. زيد الشاك. قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: سنين. قال: فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني؛ يا مهدي أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله (٣). قال: هذا حديث حسن. وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : المهدي في أمتي: أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت جورا وظلما، يملك سبع سنين (٤). وروى أيضًا أبو داود عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ قال: يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من أهل الشام فيخسف بهم بالبيداء بين مكة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال أهل الشام، وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسنة نبيهم، ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيلبث سبع سنين ثم يتوفى، ويصلي عليه
стр. 4252
[٢٨١٩] وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: يُهلك أمتي هذا الحي من قريش، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم.
رواه أحمد (٢/ ٣٠١)، والبخاريُّ (٣٦٠٤)، ومسلم (٢٩١٧).
ــ
المسلمون (١). وفي رواية: تسع سنين. فهذه أخبار صحيحة ومشهورة عن النبي ﷺ تدل على خروج هذا الخليفة الصالح في آخر الزمان، وهو ينتظر إذ لم يسمع بمن كملت له جميع تلك الأوصاف التي تضمنتها تلك الأخبار، والله تعالى أعلم.
و(قوله: يُهلك أمتي هذا الحي من قريش، وفي البخاري: هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش) الحي: القبيل، وأشار النبي ﷺ إلى قبيل قريش، وهو يريد بعضهم، وهم الأغيلمة المذكورون في حديث البخاري، كما أنه لم يرد بالأمة جميع أمته من أولها إلى آخرها، بل ممن كان موجودا من أمته في ولاية أولئك الأغيلمة، وكان الهلاك الحاصل من هؤلاء لأمته في ذلك العصر إنما سببه: أن هؤلاء الأغيلمة لصغر أسنانهم لم يتحنكوا، ولا جربوا الأمور، ولا لهم محافظة على أمور الدين، وإنما تصرفهم على مقتضى غلبة الأهواء، وحدة الشباب.
و(قوله: لو أن الناس اعتزلوهم) لو: معناها التمني؛ أي: ليت الناس اعتزلوهم، فيه دليل على إقرار أئمة الجور وترك الخروج عليهم، والإعراض عن هنات ومفاسد تصدر عنهم، وهذا ما أقاموا الصلاة، ولم يصدر منهم كفر بواح عندنا من الله فيه برهان، كما قدمناه في كتاب الإمامة.
وهؤلاء الأغيلمة كان أبو هريرة ﵁ يعرف أسماءهم وأعيانهم، ولذلك كان يقول: لو شئت قلت لكم: هم بنو فلان، وبنو فلان، لكنه سكت عن يقينهم مخافة ما يطرأ من ذلك من المفاسد، وكأنهم - والله تعالى أعلم -
стр. 4253
[٢٨٢٠] وعن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير مني - أبو قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بؤس ابن سمية، تقتلك فئة باغية.
ــ
يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد، ومن تنزل منزلتهم من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم مِن قَتل أهل بيت رسول الله ﷺ وسبيهم، وقتل خيار المهاجرين والأنصار بالمدينة، وبمكة وغيرها، وغير خاف ما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك، وولده من سفك الدماء وإتلاف الأموال وإهلاك خيار الناس بالحجاز والعراق، وغير ذلك.
وأغيلمة: تصغير غلمة، على غير مكبره؛ فكأنهم قالوا: أغلمة ولم يقولوه، كما قالوا: أُصيبية بتصغير صبية. وبعضهم يقول: غليمة على القياس، وقد تقدَّم القول في الغلام، وأن أصله فيمن لم يحتلم، ثم قد يتوسع فيه، ويقال على الحديث السن - وإن كان قد احتلم - وعلى هذا جاء في هذا الحديث.
و(قوله ﷺ لعمار بن ياسر ﵁: تقتلك فئة باغية، وفي لفظ آخر: الفئة الباغية) هذه شهادة من النبي ﷺ على فئة معاوية بالبغي، فإنهم هم الذين قتلوه؛ فإنَّه كان بعسكر علي بصفين، وأبلى في القتال بلاء عظيما، وحرض أصحاب رسول الله ﷺ على قتال معاوية وأصحابه. قال أبو عبد الرحمن السلمي: شهدنا مع علي صفين، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية من أودية صفين إلا رأيت أصحاب محمد يتبعونه كأنه علم لهم، قال: وسمعته يقول يومئذ لهاشم بن عتبة: يا هاشم تقدم، الجنة تحت الأبارقة (١)، اليوم ألقى الأحبة، محمدا وحزبه، والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا شغفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل، ثم قال:
стр. 4254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحن ضربناكم على تنزيله
فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله
ويذهل الخليل عن خليله
أو يرجع الحق إلى سبيله
قال: فلم أر أصحاب محمد قُتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ، وقال عبد الرحمن بن أبزى: شهدنا صفين مع علي ﵁ في ثمانمائة ممن بايع بيعة الرضوان، قتل منهم ثلاثة وستون، منهم عمار بن ياسر. وروى الشعبي عن الأحنف بن قيس في خبر صفين قال: ثم حمل عمار بن ياسر فحمل عليه ابن جزء السكسكي، وأبو الغادية الفزاري، فأمَّا أبو الغادية فطعنه، وأما ابن جزء فاحتز رأسه، وكان سنه وقت قتل نيفا على تسعين سنة، وكانت صفين في ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين، ودفنه علي ﵁ في ثيابه، ولم يغسله كما فعل بشهداء أحد، ولما ثبت أن أصحاب معاوية قتلوا عمارا صدق عليهم خبر رسول الله ﷺ عنهم أنهم البغاة، وأن عليا ﵁ هو الحق، ووجه ذلك واضح، وهو أن عليا ﵁ أحق بالإمامة من كل من كان على وجه الأرض في ذلك الوقت من غير نزاع من معاوية ولا من غيره. وقد انعقدت بيعته بأهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وأهل دار الهجرة، فوجب على أهل الشام والحجاز والعراق وغيرهم مبايعته، وحرمت عليهم مخالفته، فامتنعوا عن بيعته وعملوا على مخالفته، وكانوا له ظالمين، وعن سبيل الحق ناكبين، فاستحقوا اسم البغي الذي شهد به عليهم النبي ﷺ ، ولا ينجيهم من هذا تأويلاتهم الفاسدة، فإنها تحريفات عن سنن الحق حائدة. نقل الأخباريون: أن معاوية تأول الخبر تأويلين:
أحدهما: أنه قال بموجب الخبر فقال: نحن الباغية لدم عثمان ﵁ أي الطالبة له.
стр. 4255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وثانيهما: أنه قال: إنما قتله من أخرجه للقتل وعرضه له، وهذان التأويلان فاسدان.
أما بيان فساد الأول: فالبغي - وإن كان أصله الطلب - فقد غلب عرف استعماله في اللغة والشرع على التعدي والفساد، ولذلك قال اللغويون، أبو عبيد وغيره: البغي: التعدي. وبغى الرجل على الرجل: استطال عليه. وبغت السماء: اشتد مطرها. وبغى الجرح: ورم وترامى إلى فساد، وبغى الوالي: ظلم. وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء: بَغي. وبرئ جرحه على بغي: وهو أن يبرأ وفيه شيء من نغل، وعلى هذا فقد صار الحال في البغي كالحال في الصلاة، والدابة، وغير ذلك من الأسماء العرفية التي إذا سمعها السامع سبق لفهمه المعنى العرفي المستعمل، لا الأصلي الذي قد صار كالمطرح، كما بيناه في الأصول، وإلى حمل اللفظ على ما قلناه صار عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره يوم قُتل عمار، وأكثر أهل العصر، ورأوا أن ذلك التأويل تحريف. سلمنا نفي العرف، وأن لفظ الباغية صالح للطلب وللتعدي، لكن النبي ﷺ ذكر الفئة الباغية في هذا الحديث في معرض إظهار فضيلة عمار وذم قاتليه، ولو كان المقصود البغي الذي هو مجرد الطلب لما أفاد شيئا من ذلك، وقد أفادهما بدليل مساق الحديث فتأمله بجميع طرقه تجده كذلك، وأيضًا فلو كان ذلك هو المقصود لكان تخصيص قتلة عمار بالبغي الذي هو الطلب ضائعا لا فائدة له؛ إذ علي وأصحابه طالبون للحق ولقتلة عثمان، لو تفرغوا لذلك، وتمكنوا منه، وإنما منعهم من ذلك معاوية وأصحابه بما أبدوا من الخلاف، ومن الاستعجال مع قول علي لهم: ادخلوا فيما دخل فيه الناس، ونطلب قتلة عثمان، ونقيم عليهم كتاب الله. فلم يلتفتوا لهذا ولا عرجوا عليه، ولكن سبقت الأقدار، وعظمت المصيبة بقتيل الدار.
وأما فساد التأويل الثاني فواضح؛ لأنَّه عدل عمن وجد القتل منه إلى من
стр. 4256
وفي رواية: ويس ابن سمية. أو: يا ويس.
رواه مسلم (٢٩١٥) (٧٠ و ٧١).
[٢٨٢١] ونحوه عن أم سلمة.
رواه أحمد (٦/ ٢٨٩)، ومسلم (٢٩١٦) (٧٢ و ٧٣).
ــ
لا تصح نسبته إليه، إذ لم يجبر عمار على الخروج؛ بل هو خرج بنفسه وماله مجاهدا في سبيل الله، قاصدا لقتال من بغى على الإمام الحق، وقد نقلنا ما صدر عنه في ذلك، وحاش معاوية عن مثل هذا التأويل، والعهدة على الناقل، بل قد حكي عن معاوية أنه قال عندما جاءه قاتل عمار برأسه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بشروا قاتل ابن سمية بالنار (١). فلما سمع القاتل ذلك قال: بئست البشارة، وبئست التحفة، وأنشد في ذلك شعرا، والله أعلم بحقيقة ما جرى من ذلك، وقد تقدَّم قول النبي ﷺ في الخوارج: تقتلهم أولى الطائفتين بالحق (٢)، والقاتل لهم هو علي ﵁ وأصحابه.
و(قوله: بؤس ابن سمية) هو منادى مضاف محذوف حرف النداء، تقديره: يا بؤس ابن سمية، وهي أم عمار، والبأس والبؤس والبأساء: المكروه والضرر، وفي الرواية الأخرى: يا ويسَ ابن سمية، وفي البخاري: يا ويح ابن سمية (٣)، وكلاهما بمعنى التفجع والترحم. والويل: بمعنى الهلكة، هذا هو الصحيح، وقد تقدَّم الخلاف فيهما.
стр. 4257
[٢٨٢٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لقد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله.
رواه أحمد (٢/ ٣١٣)، والبخاريُّ (٣٠٢٧)، ومسلم (٢٩١٨)(٧٥).
ــ
و(قوله: لقد مات كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده) كذا جاء هذا الحديث في الأم: قد مات كسرى، بلفظ الماضي المحقق بقد، وقد وقع هذا اللفظ في كتاب الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ وعنه سعيد بن المسيب، وعنه الزهري، وعنه سفيان، وبهذا السند رواه مسلم، غير أن الترمذي قال: إذا هلك كسرى (١)، ولم يقل: قد مات وبين اللفظين بون عظيم، فلفظ مسلم يقتضي أن كسرى قد كان وقع موته، فأخبر عنه النبي ﷺ ، وعلى هذا يدل حديث أبي بكرة الذي خرجه البخاري، قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (٢)، يعني: أنه لما مات كسرى ولوا عليهم ابنته، وعلى هذا فلا يصح أن يقال: مكان: قد مات: إذا مات، ولا إذا هلك؛ لأنَّ إذا للمستقبل، ومات للماضي، وهما متناقضان، فلا يصح الجمع بينهما لاتحاد الراوي، واختلاف المعنى، إلا على تأويل بعيد، وهو أن يقدر أن أبا هريرة سمع الحديث من النبي ﷺ مرتين، فسمع أولا: إذا هلك كسرى، وبعده: قد هلك كسرى. فيكون النبي ﷺ قال الحديث الأول قبل موت كسرى؛ لأنَّه علم أنه يموت ويهلك، ويكون النبي ﷺ أيضًا قال الحديث الثاني بعد موته، ويحتمل أن يفرق بين الموت
стр. 4258
[٢٨٢٣] وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لتفتحن عصابة من المسلمين - أو من المؤمنين - كنز آل كسرى الذي في
ــ
والهلاك، فيقال: إن موت كسرى كان قد وقع في حياة النبي ﷺ فأخبر عنه بذلك، وأما هلاك ملكه، فلم يقع ذلك إلا بعد موت النبي ﷺ وموت أبي بكر، وإنَّما هلك ملكه في خلافة عمر ﵁ على يدي سعد بن أبي وقاص وغيره من الأمراء الذين ولاهم عمر حرب فارس، فهزموا جموعه، وفتحوا بلاده، وانتقلوا كنوزه إلى المدينة، وذخائره، وحليته، حتى تاجه كما هو المعروف في كتب التواريخ، وكان موت كسرى وتمزيق ملكه بسبب دعوة النبي ﷺ ، كما خرجه البخاري (١) من حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا رسول الله ﷺ أن يُمزقوا كل ممزق، فعجل الله تعالى موته، ومزق بعد ذلك ملكه. وقد تقدَّم أن كل ملك للفرس يقال له كسرى، وكل ملك للروم يقال له قيصر. وكل ملك للحبشة يقال له: النجاشي. ويقال كسرى، بفتح الكاف، وهو قول الأصمعي، والكسر لغيره.
و(قوله: فلا كسرى بعده، ولا قيصر بعده). قال القاضي: معناه عند أهل العلم: لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، فأعلم بانقضاء ملكهما وزواله من هذين القطرين، فكان كما قال، وانقطع أمر كسرى بالكلية، وتمزق ملكه واضمحل، وتخلى قيصر عن الشام، ورجع القهقرى إلى داخل بلاده، واحتوى المسلمون على ملكهما وكنوزهما، وأنفقا في سبيل الله، كما أخبر عنه نبينا محمد ﷺ .
و(قوله: لتفتحن عصابة من المسلمين كنز آل كسرى) العصابة: الجماعة
стр. 4259
الأبيض. وقد روي (من المسلمين) ولم يشك.
رواه أحمد (٥/ ١٠٠)، ومسلم (٢٩١٩)(٧٨).
* * *
ــ
من الناس والطير والوحش، سموا بذلك؛ لأنَّهم يشد بعضهم بعضا، والعصب: هو الشد. والعصبة: ما بين العشرين إلى الأربعين، وإنما أطلق النبي ﷺ على المفتتحين كنز كسرى: عصابة، وإن كانوا عساكر بالنسبة إلى عدد عدوهم وجيوشه، فإنَّهم كانوا بالنسبة إليهم قليلا. ويحتمل أن يريد بالعصابة الجماعة السابقة لفتح القصر الأبيض دون الجيش كله؛ فإنَّ الله لما هزم الفرس وجيوشهم العظيمة على يدي سعد بن أبي وقاص ﵁ وعسكره، وكان عدد من معه يوم فتح القادسية ستة آلاف، أو سبعة آلاف على ما ذكره محمد بن جرير الطبري. فر المنهزمة من الفرس إلى المدائن منزل كسرى، فتبعهم المسلمون إلى أن وصلوا إلى دجلة، وهي تقذف بالزبد، فاقتحمها المسلمون فرسانا ورجالة، خائضين يتحدث بعضهم مع بعض، فلما رأى ذلك الفرس هالهم ذلك، فتخففوا بما أمكنهم من المال والذخائر النفيسة، وفروا ولم يبق فيها إلا من ثقل عن الفرار، ودخل المسلمون المدائن، وفيها القصر الأبيض الذي فيه إيوان كسرى وأمواله وذخائره النفيسة التي لم يسمع بمثلها. قال أهل التاريخ: كان في البيت الأبيض ثلاثة آلاف ألف ألف ألف - ثلاث مرات - غير أن رستما لما فر منهزما حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال، وترك النصف الآخر، فملكه (١) الله المسلمين، فأصاب الفارس من فيء المدائن اثنا عشر ألفا، ولما دُخل القصر الأبيض وجدوا فيه ملابس كسرى، وحليته، وبساطه الذي ما سمع في العالمين بمثله، فجاؤوا بكل ذلك إلى عمر ﵁ فكان ذلك كله مظهرا لصدق رسول الله ﷺ للعيان، بحيث يضطر إليه كل إنسان.
стр. 4260
(١٣) باب ما ذكر من أن ابن صياد: الدجال
[٢٨٢٤] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ قَالَ: خَرَجنَا حُجَّاجًا - أَو: عُمَّارًا - وَمَعَنَا ابنُ صَائِدٍ، قَالَ: فَنَزَلنَا مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَبَقِيتُ أَنَا وَهُوَ، فَاستَوحَشتُ مِنهُ وَحشَةً شَدِيدَةً مِمَّا يُقَالُ عَلَيهِ، قَالَ: وَجَاءَ بِمَتَاعِهِ فَوَضَعَهُ مَعَ مَتَاعِي، فَقُلتُ: إِنَّ الحَرَّ شَدِيدٌ فَلَو وَضَعتَهُ تَحتَ تِلكَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَرُفِعَت لَنَا غَنَمٌ فَانطَلَقَ فَجَاءَ بِعُسٍّ، فَقَالَ: اشرَب أَبَا سَعِيدٍ، فَقُلتُ: إِنَّ الحَرَّ شَدِيدٌ وَاللَّبَنُ حَارٌّ، مَا بِي إِلَّا أَنِّي أَكرَهُ أَن أَشرَبَ عَن يَدِهِ - أَو قَالَ: آخُذه عَن يَدِهِ - فَقَالَ: أَبَا سَعِيدٍ لَقَد هَمَمتُ أَن آخُذَ حَبلًا فَأُعَلِّقَهُ بِشَجَرَةٍ ثُمَّ أَختَنِقَ مِمَّا يَقُولُ لِي النَّاسُ، يَا أَبَا سَعِيدٍ مَن خَفِيَ عَلَيهِ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَفِيَ عَلَيكُم مَعشَرَ الأَنصَارِ، أَلَستَ مِن أَعلَمِ النَّاسِ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ كَافِرٌ، وَأَنَا مُسلِمٌ؟ أَوَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هُوَ عَقِيمٌ لَا يُولَدُ لَهُ، وَقَد تَرَكتُ وَلَدِي بِالمَدِينَةِ؟ أَوَلَيسَ قَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَدخُلُ المَدِينَةَ
ــ
(١٣) ومن باب: ما ذكر في ابن صياد
ويقال: ابن صائد، واسمه صاف، وكل ذلك في الحديث. قال الواقدي: نسبه في بني النجار، وقيل: هو من اليهود، وكانوا حلفاء بني النجار، وكانت حاله في صغره حالة الكهان، يصدق مرة ويكذب مرارا، ثم إنه أسلم لما كبر، وظهرت منه علامة الخير من الحج والجهاد مع المسلمين، ثم ظهرت منه أحوال، وسمعت منه أقوال، تشعر بأنه الدجال، وبأنه كافر، كما يأتي في تفاصيل أحاديثه، فقيل: إنه تاب ومات بالمدينة، ووقف على عينه هناك، وقيل: بل فقد في يوم الحرة، ولم يوقف عليه، وكان جابر وابن عمر ﵃ يحلفان أنه الدجال،
стр. 4261
وَلَا مَكَّةَ، وَقَد أَقبَلتُ مِن المَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ؟ - وَفِي رِوَايَةٍ: قَد حَجَجتُ - قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: حَتَّى كِدتُ أَن أَعذِرَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعرِفُهُ وَأَعرِفُ مَولِدَهُ وَأَينَ هُوَ الآنَ، قَالَ: قُلتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَومِ.
وفي رواية: قال، وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال: لو عرض علي ما كرهت.
رواه مسلم (٢٩٢٦) (٩٠ و ٩١)، والترمذيُّ (٢٢٤٦).
ــ
لا يشكان فيه، وعلى الجملة فأمره كله مشكل على الأمة، وهو فتنة ومحنة.
وقد تقدم أن الأطم: هو الحصن، ويجمع: آطام. ويروى أطم ابن مغالة، وبني مغالة، وكلاهما صحيح، وبنو مغالة بغين معجمة. وفي حديث ابن حميد، وفي حديث الحلواني: بني معاوية، والأول المعروف، وبنو مغالة: كل ما كان عن يمينك إذا وقفت آخر البلاط مستقبل مسجد النبي ﷺ ، وبنو جديلة ما كان عن يسارك، ومسجد النبي ﷺ في بني مغالة، قاله الزبير. وقال بعضهم: بنو مغالة حي من قضاعة، وبنو معاوية: هم بنو جديلة.
و(قوله: فرفصه) رسول الله ﷺ بالفاء والصاد المهملة - رواية الجماعة. قال بعض الشارحين: الرفص: الضرب بالرجل، مثل الرفس.
قلت: وهذا ليس بمعروف عند أهل اللغة، وإنما رفس، بالسين المهملة. يقال: رفسه يرفِسُه ويرفُسُه: إذا ضربه برجله. فأمَّا رفص بالصاد: فهو من الرفصة، وهي النوبة من الماء تكون بين القوم، وهم يترافصون الماء، أي: يتناوبونه، وقد وقع عند الصدفي: فرفضه، بضاد معجمة. قال القاضي: وهو وهم.
قلت: ويحتمل أن يقال: ليس بوهم، ويكون معناه من الرفض، وهو الرمي، وكأنه أعرض عنه، ولم يلتفت إليه لما سمع منه ما سمع، فعل المغضب. وأبعد من هذه ما وقع في البخاري من رواية المروزي: فرقصه، بالقاف والصاد
стр. 4262
[٢٨٢٥] وعن عبد الله بن عمر، أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ انطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فِي رَهطٍ قِبَلَ ابنِ صَيَّادٍ، حَتَّى وَجَدَهُ يَلعَبُ مَعَ الصِّبيَانِ عِندَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَد قَارَبَ ابنُ صَيَّادٍ يَومَئِذٍ الحُلُمَ، فَلَم يَشعُر حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ظَهرَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابنِ صَيَّادٍ: أَتَشهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَنَظَرَ إِلَيهِ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ: أَشهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ، فَقَالَ ابنُ صَيَّادٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَتَشهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: آمَنتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَاذَا تَرَى؟ قَالَ ابنُ صَيَّادٍ: يَأتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خُلِّطَ عَلَيكَ الأَمرُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنِّي قَد خَبَأتُ لَكَ خَبِيئًا، فَقَالَ ابنُ
ــ
المهملة، وفي حديث كتاب الأدب من البخاري، فَرَضَّه، بالضاد المعجمة من الرض، وقال بعضهم فيه: فرصَّه، بالصاد المهملة؛ أي: ضغطه.
و(قوله: يأتيني صادق وكاذب) يعني به تابعه من الشيطان، كان تارة يصدق له وتارة يكذب، وهذه حالة الكهان.
و(قوله: خُلط عليك الأمر) أي: لبس عليك تابعك الجني حالك.
و(قوله ﷺ : خبئت لك خبيئا) رواية الجماعة: خبيئا، بكسر الباء، وعند التميمي: خَبأ، بسكونها، وكلاهما بمعنى. في الصحاح: الخبء: ما خبئ، وكذلك: الخبيء، وكلاهما مهموز، واختلف في هذا المخبأ ما هو؟ فالأكثر على أنه: أضمر له في نفسه: ﴿يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وقال الداودي: وكانت في يده سورة الدخان مكتوبة، وعلى هذا فيكون قوله: الدخ، يعني به الدخان. قالوا: هي لغة معروفة في الدخان، وأنشدوا:
عند رواق البيت يغشى الدخا
وحكى هذه اللغة في الصحاح، ووجدته في كتاب الشيخ: الدخ، ساكن
стр. 4263
صَيَّادٍ: هُوَ الدُّخُّ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اخسَأ فَلَن تَعدُوَ قَدرَكَ، فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: ذَرنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضرِب عُنُقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِن يَكُنهُ فَلَن تُسَلَّطَ عَلَيهِ، وَإِن لَم يَكُنهُ فَلَا خَيرَ لَكَ فِي قَتلِهِ.
ــ
الخاء. ومصححا عليه، أعني: الذي جاء في الحديث، وكأنه على الوقف، وأما الذي في الشعر فهو مشدد الخاء، وكذلك قرأته في الحديث فيما أعلم، وقيل: إنما أراد ابن صياد أن يقول: الدخان، فزجره النبي ﷺ فقال: الدخ، وهذا فيه بعد. وقيل: الدخ: نبت موجود بين النخيل والبساتين خبأه له. واخسأ: زجر للكلب، ولمن يذم ويهان.
و(قوله: لن تعدو قدرك) أي: لن تجاوز حالة الكهان المتخرصين الكذابين، لا يليق بك إلا ذلك، وإنَّما اختبره النبي ﷺ بذلك لينظر هل طريقته طريقة الكهان أو لا؟ فظهر أنه كذلك، وأن الشياطين تلعب به، وتلبس عليه.
و(قوله ﷺ لعمر ﵁: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير في قتله) هذا يدلّ على أن النبي ﷺ لم يتضح له شيء من أمر كونه هو الدجال أم لا؟ وليس هذا نقصا في حق النبي ﷺ ؛ لأنَّه لم يكن يعلم إلا ما علمه الله، وهذا مما لم يعلمه الله تعالى به، ولا هو مما ترهق إلى علمه حاجة لا شرعية، ولا عادية، ولا مصلحية، ولعل الله تعالى قد علم في إخفائه مصلحة فأخفاه، والذي يجب الإيمان به: أنه لا بد من خروج الدجال يدعي الإلهية، وأنه كذاب أعور، كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي قد حصلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك.
و(قوله: وإن لم يكنه، فلا خير لك في قتله) أي: لأنه صبي حينئذ. وقيل: لأنه كان لقومه عهد من النبي ﷺ ، كما عاهد يهود المدينة، أو لأنه من حلفاء بني النجار كما تقدَّم. وهذا الضمير المتصل في (يكنه) هو خبرها، وقد وضع موضع المنفصل، واسمها مستتر فيها، ونحوه قول أبي الأسود الدؤلي:
стр. 4264
وَقَالَ أيضا: انطَلَقَ بَعدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأُبَيُّ بنُ كَعبٍ إِلَى النَّخلِ الَّتِي فِيهَا ابنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخلَ، طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخلِ، وَهُوَ يَختِلُ أَن يَسمَعَ مِن ابنِ صَيَّادٍ شَيئًا قَبلَ أَن يَرَاهُ ابنُ صَيَّادٍ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُضطَجِعٌ عَلَى فِرَاشٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ، فِيهَا زَمزَمَةٌ، فَرَأَت أُمُّ ابنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخلِ، فَقَالَت لِابنِ صَيَّادٍ: يَا صَافِ - وَهُوَ اسمُ ابنِ صَيَّادٍ - هَذَا مُحَمَّدٌ، فَثَارَ ابنُ صَيَّادٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو تَرَكَتهُ بَيَّنَ. قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ
ــ
دع الخمر تشربها الغواة فإنني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها (١)
فإن لا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها
أي: فإلا يكن هو إياها أو تكن هي إياه.
و(قوله: طفق يتقي) أي: أخذ وجعل، وقد تقدَّم أنها من أفعال المقاربة. ويتقي: يستتر بجذوع النخل، أي: بأصول النخل.
و(قوله: فثار ابن صياد) أي: وثب وثبة شديدة.
و(قوله ﷺ : لو تركته بين) أي: كان يعبر عن حاله في نومه، هل هو الدجال، أم لا؟ وقد يشكل هذا مع قوله: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ. . . (٢) وبالإجماع على أن النائم غير مؤاخذ بما يقوله في حال نومه، ولا بما يصدر عنه، ولا يعول على هذا الإشكال؛ لأنَّ هذا ليس من باب المؤاخذة، ولا التكليف، وإنما هو من باب النظر في قرائن الأحوال؛ فإنَّ النائم الغالب عليه
стр. 4265
فَأَثنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ له أَهل، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: إِنِّي لَأُنذِرُكُمُوهُ، مَا مِن نَبِيٍّ إِلَّا وَقَد أَنذَرَهُ قَومَهُ، لَقَد أَنذَرَهُ نُوحٌ قَومَهُ، وَلَكِن أَقُولُ لَكُم فِيهِ قَولًا لَم يَقُلهُ نَبِيٌّ لِقَومِهِ، إنَّهُ أَعوَرُ وَإنَّ اللَّهَ ﵎ لَيسَ بِأَعوَرَ.
ــ
أنه يتكلم في نومه بما يكون غالبا عليه في يقظته، ولعل النبي ﷺ كان ينتظر أن يظهر له منه في حال نومه ما يدل على حاله دلالة خاصة به، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إني لأنذركم الدجال، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه) إنما كان هذا من الأنبياء لما علموا من عظيم فتنته، وشدة محنته، على ما يأتي تفصيلها في الأحاديث المذكورة بعد، ولأنهم لما لم يُعيّن لواحد منهم زمان خروجه، توقع كل واحد منهم خروجه في زمان أمته، فبالغ في التحذير. وفائدة هذا الإنذار الإيمان بوجوده والعزم على معاداته ومخالفته، وإظهار تكذيبه وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوذ من فتنته. وهذا مذهب أهل السنة، وعامة أهل الفقه والحديث، خلافا لمن أنكر أمره وأبطله من الخوارج وبعض المعتزلة، وخلافا للجبائي من المعتزلة، ومن وافقنا على إثباته من الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخارق وحيل، قال: لأنها لو كانت أمورا صحيحة لكان ذلك إلباسا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبئ، وهذا هذيان لا يلتفت إليه؛ فإنَّ هذا إنما كان يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة، وليس كذلك؛ فإنه إنما ادعى الإلهية، وكذبه في هذه الدعوى واضح للعقول؛ إذ أدلة حدثه ونقصه وفقره مدرك بأول الفطرة، بحيث لا يجهله من له أدنى فكرة، وقد زاد النبي ﷺ هذا المعنى إيضاحا في هذا الحديث من ثلاثة أوجه:
أحدها: بقوله: ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لأمته، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور وهذا تنبيه للعقول القاصرة أو الغافلة على أن من كان ناقصا في ذاته، عاجزا عن إزالة نقصه، لم يصلح لأن يكون إلها لعجزه وضعفه، ومن كان عاجزا عن إزالة نقصه كان أعجز عن نفع غيره، وعن مضرته.
стр. 4266
وقَالَ بَعضُ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ يَومَ حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ، يَقرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ، أَو يَقرَؤُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ. وَقَالَ: تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَن يَرَى أَحَدُكُم رَبَّهُ حَتَّى يَمُوتَ.
رواه أحمد (٢/ ١٤٨) و (١٦٩) في إثر الرقم السابق، والبخاريُّ (٣٠٥٥ - ٣٠٥٧)، ومسلم (٢٩٣٠)(٩٥) و (٢٩٣١)، وأبو داود (٤٣٢٩)، والترمذي (٢٢٣٥).
ــ
وثانيها: قوله: إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا أمر مشاهد للحس يشهد بكذبه وكفره.
وثالثها: قوله: تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت، وهذا نص جلي في أن الله تعالى لا يُرى في هذه الدار، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿لا تُدرِكُهُ الأَبصَارُ﴾ أي: في الدنيا، ولقوله تعالى لموسى ﵇: ﴿لَن تَرَانِي﴾ أي في الدنيا. ولقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحيًا﴾ الآية.
وحاصل هذا: أن الصادق قد أخبر أن الله تعالى لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، فليس بإله، وهذا منه ﷺ نزول إلى غاية البيان، بحيث لا يبقى معه ريبة لإنسان، وقد تقدَّم الخلاف في رؤية نبينا محمد ﷺ ربه في كتاب الإيمان، وقد قلنا: إنه لم يثبت في الباب قاطع يعتمد عليه، والأصل: التمسك بما دلت هذه الأدلة عليه، وقد تأول بعض الناس قوله ﷺ : مكتوب بين عينيه كافر. وقال: معنى ذلك ما ثبت من سمات حدثه، وشواهد عجزه، وظهور نقصه. قال: ولو كان على ظاهره وحقيقته لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر، وهذا عدول وتحريف عن حقيقة الحديث من غير موجب لذلك، وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم؛ لوجهين:
أحدهما: أن الله تعالى يمنع الكافر من إدراكه، لا سيما وذلك الزمان قد
стр. 4267
[٢٨٢٦] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ، وَذَكَرَ بَعضُ مَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الحَدِيثُ، قَالَ فِيهِ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا تَرَى؟ قَالَ: عَرشًا عَلَى المَاءِ. فَقَالَ ﷺ : تَرَى عَرشَ إِبلِيسَ عَلَى البَحرِ.
رواه مسلم (٢٩٢٥)، والترمذيُّ (٢٢٤٩).
ــ
انحرفت فيه عوائد، فليكن هذا منها. وقد نُص على هذا في بعض طرقه فقال: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة.
وثانيهما: أن المؤمن إنما يدركه لتثبته ويقظته، ولسوء ظنه بالدجال، وتخوفه من فتنته، فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويستزيد بصيرة في كذبه، فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره وضلاله ويتبين عين محاله. وأما الكافر فمصروف عن ذلك كله بغفلته وجهله، وكما انصرف عن إدراك نقص عوره، وشواهد عجزه، كذلك يصرف عن فهم قراءة سطور كفره ورمزه.
وأما الفرق بين النبي والمتنبئ، فالمعجزة لا تظهر على يدي المتنبئ؛ لأنَّه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب، وهو محال، وللبحث فيها مجال في علم الكلام، وأما من قال أن ما يأتي به الدجال حيل ومخارق، فهو معزول عن الحقائق؛ لأنَّ ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق لا يحيل العقل شيئا منها، فوجب إبقاؤها على حقائقها، وسيأتي تفصيلها. والرواية في (تعلموا) بتشديد اللام بمعنى: اعلموا وتعلموا.
و(قوله: فرفعت لنا غنم) أي: أبصرناها على بعد، وكأن الآل الذي هو السراب رفعها لهم؛ أي: أظهرها. والعُس، بضم العين: القدح الكبير.
و(قول ابن صياد لأبي سعيد: أليس قد قال رسول الله ﷺ : هو كافر وأنا مسلم إلخ. . .) هذا الحديث من أوله إلى آخره يدلّ على أن هذه القصة اتفقت لأبي سعيد مع ابن صياد بعد أن كبر، وصار رجلا وولد له، وبعد موت النبي ﷺ ، وأن ابن صياد أسلم وحج، وأنه حفظ الحديث عن رسول الله ﷺ ، ولذلك ذكره
стр. 4268
[٢٨٢٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: لَقِيتُ ابنَ صَيَّادٍ مَرَّتَينِ، فَقُلتُ لِبَعضِهِم: هَل تَحَدَّثُونَ أَنَّهُ هُوَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: قُلتُ: كَذَبتَنِي، وَاللَّهِ لَقَد أَخبَرَنِي بَعضُكُم أَنَّهُ لَن يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ أَكثَرَكُم مَالًا وَوَلَدًا، فَكَذَلِكَ هُوَ زَعَمُوا اليَومَ. قَالَ: فَتَحَدَّثنَا ثُمَّ فَارَقتُهُ،
ــ
ابن جرير وغيره في الصحابة، غير أنه قد ظهرت منه في هذا الحديث أمور بعضها كفر، وذلك قوله: لو عرض علي ما كرهت، فإنَّ من يرضى لنفسه دعوى الإلهية، وحالة الدجال هو كافر، ولا يتصور في هذا خلاف، وبعضها يشعر بأنه الدجال، وهو قوله: والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو. زاد الترمذي (١): وأين هو الساعة من الأرض، وأعرف والده. فإنَّ هذا يقارب النص في أنه هو، وما لبس به من أن مسلم فسيكفر، أو هو منافق كافر في الحال، وحجه وغيره محبط بكفره، أو لعله كان ذلك منه نفاقا. وأما كونه لا يولد له، ولا يدخل مكة والمدينة، فيحتمل أن يكون ذلك منه إذا خرج على الناس، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
و(قول أبي سعيد الخدري له: تبا لك سائر اليوم)، أي: خسارا لك دائما؛ لأنَّ اليوم هنا يراد به الزمان، وتبا: منصوب بفعل مضمر لا يستعمل إظهاره؛ أي: لقيت تبا، أي: تبابا، أو صادفت، أو لقّاه الله تبابا.
و(قول ابن عمر ﵄: لقيت ابن صائد مرتين، فقلت لبعضهم: هل تحدثون أنه هو؟ ) يعني لبعض من كان معه، والذي قال: لا والله، هو ذلك البعض الذي خاطبه، وله قال ابن عمر: كذبتني، ألا ترى أنه خاطبه بقوله: لقد أخبرني بعضكم، ولا يتخيل أن الخطاب لابن صياد؛ لأنَّه لم يتكلم معه بهذه اللقيا، وإنما تكلم معه في اللقية الأخرى.
و(قوله: لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالا وولدا، فكذلك هو زعموا اليوم) مثل هذا الخبر لا يتوصل إليه إلا بالنقل، ولم يكن عندهم
стр. 4269
قَالَ: فَلَقِيتُهُ لَقيَةً أُخرَى وَقَد نَفَرَت عَينُهُ، قَالَ: فَقُلتُ: مَتَى فَعَلَت عَينُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدرِي، قَالَ: قُلتُ: لَا تَدرِي وَهِيَ فِي رَأسِكَ؟ قَالَ: إِن شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ هَذِهِ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعتُ، قَالَ: فَزَعَمَ بَعضُ أَصحَابِي أَنِّي ضَرَبتُهُ بِعَصًا كَانَت مَعِيَ حَتَّى تَكَسَّرَت، وَأَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ مَا شَعَرتُ، قَالَ: وَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ فَحَدَّثَهَا فَقَالَت: مَا تُرِيدُ إِلَيهِ؟ أَلَم تَعلَم أَنَّهُ قَد قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَبعَثُهُ عَلَى النَّاسِ غَضَبٌ يَغضَبُهُ.
ــ
شيء يعتمدونه إلا الخبر عن رسول الله ﷺ ، فهو مرفوع بالمعنى لا باللفظ، فكأنه قال: أخبرني بعضكم عن النبي ﷺ .
و(قوله: فلقيته لقية أخرى، وقد نفرت عينه) كذا وقع لأكثرهم، والصواب الفتح في اللام من لقية؛ لأنَّه مصدر، ولم يحكه ثعلب إلا بالرفع، ونفرت، بالنون والفاء المفتوحتين: رواية جماعة الشيوخ؛ أي: ورمت، وفي أصل القاضي التميمي: نقرت وفقئت، معا، فقلت: فقئت في الموضعين، وكتب على الأول بخطه: نقرت، بالنون والقاف. ورواه أبو عبد الله المازري: نفرت، بالفاء، وهي كلها متقاربة، وأشبهها الأولى، فإنَّ عينه في ذلك الوقت لم تكن مفقوءة؛ إذ لو كان ذلك لكان من أعظم الأدلة على أنه الدجال، ولاستدل بذلك من قال: إنه هو، على من خالفه في ذلك، ولم يرد ذلك، غير أنه قد حكى أبو الفرج الجوزي في أنه ولد وهو أعور مختون مسرور، وهذا فيه نظر؛ لأنَّ الظاهر من هذا الحديث أشهر مما ذكر. ويحتمل أن يكون ذلك الورم مبتدأ فقء عينه إن كان هو الدجال، والله أعلم. وكون ابن عمر لم يشعر بضربه لابن صياد بالعصا حتى تكسرت، كان ذلك لشدة موجدته عليه، وكأنه تحقق منه أنه الدجال.
و(قوله: فنخر كأشد نخير حمار سمعت) النخير: صوت الأنف. تقول منه: نَخَر ينخِر ينخُر نَخِيرا.
стр. 4270
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ابنَ عُمَرَ لَقِيَ ابنَ صَيَّادٍ فِي بَعضِ طُرُقِ المَدِينَةِ، فَقَالَ قَولًا أَغضَبَهُ، فانتفخ حتى ملأ السكة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: يرحمك الله ما أردت من ابن صياد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: إنما يخرج من غضبة يغضبها؟
رواه أحمد (٦/ ٢٨٣)، ومسلم (٢٩٣٢) (٩٨ و ٩٩).
* * *
ــ
و(قوله: فقال له قولا أغضبه) يعني: أن ابن عمر قال لابن صياد قولا غضب ابن صياد لأجله، فانتفخ حتى ملأ السكة، وهي الطريق، وتجمع سككا، وهذا الانتفاخ محمول على حقيقته وظاهره، ويكون هذا أمرا خارقا للعادة في حق ابن صياد، ويكون من علامات أنه الدجال؛ لأنَّ هذا موافق لما قالته حفصة ﵂ عن النبي ﷺ : إنما يخرج من غضبة يغضبها. وقد اجتمعت في أحاديث ابن عمر هذه قرائن كثيرة تفيد أن ابن صياد هو الدجال، ولذلك كان ابن عمر ﵄ قد اعتقد ذلك وصمم عليه، بحيث كان يحلف على ذلك، وكذلك جابر بن عبد الله، ﵃.
* * *
стр. 4271
(١٤) باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن
[٢٨٢٨] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَنَا أَعلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنهُ، مَعَهُ نَهرَانِ يَجرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأيَ العَينِ مَاءٌ أَبيَضُ، وَالآخَرُ رَأيَ العَينِ نَارٌ تَأَجَّجُ،
ــ
(١٤ و ١٥) ومن باب: صفة الدجال (١)
(قوله: لأنا أعلم بما مع الدجال منه) هذا جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأنا أعلم؛ أي: أن الدجال لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار، ولا من النهرين؛ أي أنه يظنهما كما يراهما غيره، فيظن جنته جنة وماءه ماء، وحقيقة الأمر على الخلاف من ذلك، فيكون قد لبس عليه فيهما، والنبي ﷺ قد علم حقيقة كل واحد منهما، ولذلك بينه، فقال: ناره ماء بارد. وفي اللفظ الآخر: فجنته نار وناره جنة وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة من قول النبي ﷺ في هذه الطريق، وقد رواه من طريق أخرى موقوفا على حذيفة من قوله، وقد رواه أبو داود من حديث ربعي بن خراش قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا أعلم بما مع الدجال منه (٢).
و(قوله: رأي العين) منصوب على الظرف؛ أي: حين رأي العين، أو في رأي العين، ويصح أن يقال فيه: إنه مصدر صدره محذوف، تقديره: تراه رأي العين. وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به، ليتميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد
стр. 4272
فَإِمَّا أَدرَكَنَّ أَحَدٌ فَليَأتِ النَّهرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَليُغَمِّض ثُمَّ ليُطَأطِئ رَأسَهُ فَيَشرَبَ مِنهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمسُوحُ العَينِ، عَلَيهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ، يَقرَؤُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيرِ كَاتِبٍ.
وفي رواية: الدجال أعور العين اليسرى
ــ
من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بأمثال تلك الطوام، أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم، حتى يوردهم ذلك نار الجحيم. وفتنة الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون: نعوذ بالله منك، كما تقدَّم في الإيمان. ومقتضى روايتي حذيفة: أن معه نهرين وجنتين، وأنهما مختلفتان في المعنى واللفظ لأن النهر لا يقال عليه جنة، ولا الجنة يقال عليها نهر. هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يقال: إن ذينك النهرين في جنة ونار، فحسن أن يعبر بأحدهما عن الآخر.
و(قوله: فإما أدركن ذلك أحدكم) كذا الرواية عند جميع الشيوخ، والصواب: إسقاط النون، لأنه فعل ماض، وإنما تدخل هذه النون على الفعل المستقبل كقوله: ﴿فَإِمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ﴾ و ﴿فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ ونحوه كثير.
و(قوله: الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة) هي بالظاء المعجمة والفاء، وهما مفتوحتان، وهي جلدة تغشي العين، إن لم تقطع غشيت العين. ومعنى ممسوح العين؛ أي: مطموس ضوؤها وإدراكها، فلا يبصر بها شيئًا.
و(قوله: الدجال أعور العين اليسرى) الأعور: هو الذي أصابه في عينه عور، وهو العيب الذي يذهب إدراكها، وهكذا صح في حديث حذيفة: اليسرى، وقد صح من حديت ابن عمر مرفوعا أنه أعور عينه اليمنى، كأنها عنبة
стр. 4273
جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار.
رواه أحمد (٢/ ٣٨٣ و ٣٨٦)، ومسلم (٢٩٣٤) (١٠٤ و ١٠٥).
[٢٨٢٩] وعَن النَّوَّاسِ بنِ سَمعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ
ــ
طافية، ورواه الترمذي (١) أيضًا وصححه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما، فقال: جمع الروايتين عندي صحيح، وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما؛ إذ العور في كل شيء: العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة. فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست جحراء، ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة. وطافئة - على رواية الهمز - والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب، أو كأنها عنبة طافية -بغير همز- وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي الذي هو العيب.
قلت: وحاصل كلامه: أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء. إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة. لكن يُبعد هذا التأويل: أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الروايات بمثل ما وصفت به الأخرى من العور، فتأمله، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطول.
و(قوله: جفال الشعر) أي: كثيره. قال ذو الرمة يصف شعر امرأة:
وأسود كالأساود مُسبَكِرًّا (٢) ... على المتنين مُنسدلا جُفالا
وشعر الدجال مع كثرته جعد قطط، وهو الشديد الجعودة، الذي لا يمتد إلا باليد، كشعور السودان، وفي القطط لغتان: الفتح والكسر في الطاء الأولى.
стр. 4274
ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَلَمَّا رُحنَا إِلَيهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضتَ فِيهِ وَرَفَّعتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَقَالَ: غَيرُ الدَّجَّالِ أَخوَفُنِي عَلَيكُم، إِن يَخرُج وَأَنَا فِيكُم فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُم، وَإِن يَخرُج وَلَستُ فِيكُم فَامرُؤٌ حَجِيجُ نَفسِهِ،
ــ
و(قوله: فخفض فيه ورفع) بتخفيف الفاء، أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقره وصغره، كما قال: هو أهون على الله من ذلك وتارة عظمه، كما قال: ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجال والأول أسبق إلى الفهم، وقد روي ذلك اللفظ: فخفض فيه ورفع مشدد الفاء، وهي للتضعيف والتكثير.
و(قوله: غير الدجال أخوفني عليكم) بنون الوقاية عند الجماعة، وهو وجه الكلام، وقد روي عن أبي بحر: أخوفي - بغير نون - وهي قليلة، حكاها ثابت، وقد وقع في الترمذي: أخوف لي.
قلت: وهو وجه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدجال أخوف لي عليكم من الدجال، فحذف للعلم به.
و(قوله: إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه) هذا الكلام يدلّ: على أن النبي ﷺ ، لم يتبين له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه ويقربه، وكذلك كان يقرب أمره حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم. وحجيجه: محاجه ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة بإظهار كذبه وإفساد قوله.
و(قوله: فامرؤ حجيج نفسه) أي: ليحتج كل امرئ عن نفسه بما أعلمته
стр. 4275
وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ.
إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَينُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فَمَن
ــ
من صفته، وبما يدلّ العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات.
و(قوله: والله خليفتي على كل مسلم) هذا منه ﷺ تفويض إلى الله تعالى في كفاية كل مسلم من تلك الفتن العظيمة، وتوكل عليه في ذلك، ولا شك في أن من صح إسلامه في ذلك الوقت، أنه يُكفى تلك الفتن لصدق النبي ﷺ في توكله وصحته، لضمان الله تعالى كفاية من توكل عليه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال، فيؤمّن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك. والاحتياط والحزم يقتضي: أن يقرأ عشرا من أولها، وعشرا من آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنَّها جوار لكم من فتنته (١).
و(قوله: عنبة طافئة) رويناه بالهمز، وصححناه على من يوثق بعلمه، وقد سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من طُفئت النار، تُطفأ، فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها أنا: فهي مطفأة. فكأن عينه كانت تنير كالسراج فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه الرواية التي لم يذكر فيها عنبة واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي فيها: كأنها عنبة طافية فالأولى ترك الهمز، فإنَّه شبهها في استدارتها وبروزها كحبة العنب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا، غير مهموز، فهي طافية،