← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

(١٤) باب في صفة الدجال وما يجيء معه من الفتن [٢٨٢٨] عَن حُذَيفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَأَنَا أَعلَمُ بِمَا مَعَ الدَّجَّالِ مِنهُ، مَعَهُ نَهرَانِ يَجرِيَانِ، أَحَدُهُمَا رَأيَ العَينِ مَاءٌ أَبيَضُ، وَالآخَرُ رَأيَ العَينِ نَارٌ تَأَجَّجُ، ــ (١٤ و ١٥) ومن باب: صفة الدجال (١) (قوله: لأنا أعلم بما مع الدجال منه) هذا جواب قسم محذوف؛ أي: والله لأنا أعلم؛ أي: أن الدجال لا يعلم حقيقة ما معه من الجنة والنار، ولا من النهرين؛ أي أنه يظنهما كما يراهما غيره، فيظن جنته جنة وماءه ماء، وحقيقة الأمر على الخلاف من ذلك، فيكون قد لبس عليه فيهما، والنبي ﷺ قد علم حقيقة كل واحد منهما، ولذلك بينه، فقال: ناره ماء بارد. وفي اللفظ الآخر: فجنته نار وناره جنة وهذا الكلام رواه مسلم عن حذيفة من قول النبي ﷺ في هذه الطريق، وقد رواه من طريق أخرى موقوفا على حذيفة من قوله، وقد رواه أبو داود من حديث ربعي بن خراش قال: اجتمع حذيفة وأبو مسعود، فقال حذيفة: لأنا أعلم بما مع الدجال منه (٢). و(قوله: رأي العين) منصوب على الظرف؛ أي: حين رأي العين، أو في رأي العين، ويصح أن يقال فيه: إنه مصدر صدره محذوف، تقديره: تراه رأي العين. وكل ما يظهره الله على يدي الدجال من الخوارق للعادة محن امتحن الله بها عباده، وابتلاء ابتلاهم به، ليتميز أهل التنزيه والتوحيد بما يدل عليه العقل السديد

стр. 4272

فَإِمَّا أَدرَكَنَّ أَحَدٌ فَليَأتِ النَّهرَ الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، وَليُغَمِّض ثُمَّ ليُطَأطِئ رَأسَهُ فَيَشرَبَ مِنهُ، فَإِنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ، وَإِنَّ الدَّجَّالَ مَمسُوحُ العَينِ، عَلَيهَا ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مَكتُوبٌ بَينَ عَينَيهِ كَافِرٌ، يَقرَؤُهُ كُلُّ مُؤمِنٍ، كَاتِبٍ وَغَيرِ كَاتِبٍ. وفي رواية: الدجال أعور العين اليسرى ــ من استحالة الإلهية على ذوي الأجسام، وإن أتوا على دعواهم بأمثال تلك الطوام، أو ليغتر أهل الجهل باعتقاد التجسيم، حتى يوردهم ذلك نار الجحيم. وفتنة الدجال من نحو فتنة أهل المحشر بالصورة الهائلة التي تأتيهم فتقول لهم: أنا ربكم، فيقول المؤمنون: نعوذ بالله منك، كما تقدَّم في الإيمان. ومقتضى روايتي حذيفة: أن معه نهرين وجنتين، وأنهما مختلفتان في المعنى واللفظ لأن النهر لا يقال عليه جنة، ولا الجنة يقال عليها نهر. هذا هو الظاهر، ويحتمل أن يقال: إن ذينك النهرين في جنة ونار، فحسن أن يعبر بأحدهما عن الآخر. و(قوله: فإما أدركن ذلك أحدكم) كذا الرواية عند جميع الشيوخ، والصواب: إسقاط النون، لأنه فعل ماض، وإنما تدخل هذه النون على الفعل المستقبل كقوله: ﴿فَإِمَّا نَذهَبَنَّ بِكَ﴾ و ﴿فَإِمَّا يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ ونحوه كثير. و(قوله: الدجال ممسوح العين عليها ظفرة غليظة) هي بالظاء المعجمة والفاء، وهما مفتوحتان، وهي جلدة تغشي العين، إن لم تقطع غشيت العين. ومعنى ممسوح العين؛ أي: مطموس ضوؤها وإدراكها، فلا يبصر بها شيئًا. و(قوله: الدجال أعور العين اليسرى) الأعور: هو الذي أصابه في عينه عور، وهو العيب الذي يذهب إدراكها، وهكذا صح في حديث حذيفة: اليسرى، وقد صح من حديت ابن عمر مرفوعا أنه أعور عينه اليمنى، كأنها عنبة

стр. 4273

جفال الشعر، معه جنة ونار، فناره جنة وجنته نار. رواه أحمد (٢/ ٣٨٣ و ٣٨٦)، ومسلم (٢٩٣٤) (١٠٤ و ١٠٥). [٢٨٢٩] وعَن النَّوَّاسِ بنِ سَمعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجَّالَ ــ طافية، ورواه الترمذي (١) أيضًا وصححه، وهذا اختلاف يصعب الجمع فيه بينهما، وقد تكلف القاضي أبو الفضل الجمع بينهما، فقال: جمع الروايتين عندي صحيح، وهو أن كل واحدة منهما عوراء من وجه ما؛ إذ العور في كل شيء: العيب، والكلمة العوراء: هي المعيبة. فالواحدة عوراء بالحقيقة، وهي التي وصفت في الحديث بأنها ليست جحراء، ولا ناتئة، وممسوحة ومطموسة. وطافئة - على رواية الهمز - والأخرى عوراء لعيبها اللازم لها لكونها جاحظة، أو كأنها كوكب، أو كأنها عنبة طافية -بغير همز- وكل واحدة منهما يصح فيها الوصف بالعور بحقيقة العرف والاستعمال، أو بمعنى العور الأصلي الذي هو العيب. قلت: وحاصل كلامه: أن كل واحدة من عيني الدجال عوراء. إحداهما بما أصابها حتى ذهب إدراكها، والثانية عوراء بأصل خلقتها معيبة. لكن يُبعد هذا التأويل: أن كل واحدة من عينيه قد جاء وصفها في الروايات بمثل ما وصفت به الأخرى من العور، فتأمله، فإنَّ تتبع تلك الألفاظ يطول. و(قوله: جفال الشعر) أي: كثيره. قال ذو الرمة يصف شعر امرأة: وأسود كالأساود مُسبَكِرًّا (٢) ... على المتنين مُنسدلا جُفالا وشعر الدجال مع كثرته جعد قطط، وهو الشديد الجعودة، الذي لا يمتد إلا باليد، كشعور السودان، وفي القطط لغتان: الفتح والكسر في الطاء الأولى.

стр. 4274

ذَاتَ غَدَاةٍ، فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَلَمَّا رُحنَا إِلَيهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، فَقَالَ: مَا شَأنُكُم؟ قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضتَ فِيهِ وَرَفَّعتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخلِ، فَقَالَ: غَيرُ الدَّجَّالِ أَخوَفُنِي عَلَيكُم، إِن يَخرُج وَأَنَا فِيكُم فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُم، وَإِن يَخرُج وَلَستُ فِيكُم فَامرُؤٌ حَجِيجُ نَفسِهِ، ــ و(قوله: فخفض فيه ورفع) بتخفيف الفاء، أي: أكثر من الكلام فيه، فتارة يرفع صوته ليسمع من بعد، وتارة يخفض ليستريح من تعب الإعلان، وهذه حالة المكثر من الكلام. وقيل: معناه: فحقره وصغره، كما قال: هو أهون على الله من ذلك وتارة عظمه، كما قال: ليس بين يدي الساعة خلق أكبر من الدجال والأول أسبق إلى الفهم، وقد روي ذلك اللفظ: فخفض فيه ورفع مشدد الفاء، وهي للتضعيف والتكثير. و(قوله: غير الدجال أخوفني عليكم) بنون الوقاية عند الجماعة، وهو وجه الكلام، وقد روي عن أبي بحر: أخوفي - بغير نون - وهي قليلة، حكاها ثابت، وقد وقع في الترمذي: أخوف لي. قلت: وهو وجه الكلام، وفيه اختصار؛ أي: غير الدجال أخوف لي عليكم من الدجال، فحذف للعلم به. و(قوله: إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه) هذا الكلام يدلّ: على أن النبي ﷺ ، لم يتبين له وقت خروجه، غير أنه كان يتوقعه ويقربه، وكذلك كان يقرب أمره حتى يظنوا أنه في النخل القريب منهم. وحجيجه: محاجه ومخاصمه، وقاطعه بالحجَّة بإظهار كذبه وإفساد قوله. و(قوله: فامرؤ حجيج نفسه) أي: ليحتج كل امرئ عن نفسه بما أعلمته

стр. 4275

وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ. إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَينُهُ طَافِئَةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبدِ العُزَّى بنِ قَطَنٍ، فَمَن ــ من صفته، وبما يدلّ العقل عليه من كذبه في دعوى الإلهية، وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات. و(قوله: والله خليفتي على كل مسلم) هذا منه ﷺ تفويض إلى الله تعالى في كفاية كل مسلم من تلك الفتن العظيمة، وتوكل عليه في ذلك، ولا شك في أن من صح إسلامه في ذلك الوقت، أنه يُكفى تلك الفتن لصدق النبي ﷺ في توكله وصحته، لضمان الله تعالى كفاية من توكل عليه، بقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسبُهُ﴾ أي: كافيه مشقة ما توكل عليه فيه، وموصله إلى ما يصلحه منه، ومع هذا فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقرؤه على الدجال، فيؤمّن من فتنته، وذلك عشر آيات من أول سورة الكهف، أو من آخرها، على اختلاف الرواية في ذلك. والاحتياط والحزم يقتضي: أن يقرأ عشرا من أولها، وعشرا من آخرها، على أنه قد روى أبو داود من حديث النواس: فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف فإنَّها جوار لكم من فتنته (١). و(قوله: عنبة طافئة) رويناه بالهمز، وصححناه على من يوثق بعلمه، وقد سمعناه بغير همز، وبالوجهين ذكره القاضي أبو الفضل، فقال: هو اسم فاعل من طُفئت النار، تُطفأ، فهي طافئة، وانطفأت فهي منطفئة، وأطفأتها أنا: فهي مطفأة. فكأن عينه كانت تنير كالسراج فانطفأت؛ أي: ذهب نورها، وهذا المعنى في هذه الرواية التي لم يذكر فيها عنبة واضح، ويبعد فيها ترك الهمز، وأما الرواية التي فيها: كأنها عنبة طافية فالأولى ترك الهمز، فإنَّه شبهها في استدارتها وبروزها كحبة العنب، وهو اسم فاعل من طفا يطفو: إذا علا، غير مهموز، فهي طافية،

стр. 4276

أَدرَكَهُ مِنكُم فَليَقرَأ عَلَيهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الكَهفِ؛ إِنَّهُ خَارِجٌ حَلَّةً بَينَ الشَّامِ وَالعِرَاقِ، ــ أي: قائمة جاحظة، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث. وقد روى أبو داود من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: إني قد حدثتكم عن الدجال حتى خشيت ألا تغفلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير أفحج، جعد أعور مطموس العين، ليست بناتئة، ولا جحراء (١). وهذا الحديث يقتضي أن عينه ليست بالفاحشة النتوء والجحوظ، ولا غائرة حتى كأنها في جحر؛ بل: متوسطة بحيث يصدق عليها أنها قائمة وجاحظة، والله تعالى أعلم. وقد زاد عبادة في هذا الحديث من أوصافه أنه قصير أفحج، والفحج: تباعد ما بين الساقين. و(قوله: إنه خارج حلة بين الشام والعراق) رويته وقيدته بفتح الحاء المهملة، وتشديد اللام، وهي رواية السجزي، وقيل معنى ذلك: قبالة وسمت. وفي كتاب العين: والحلة: موضع حزن وضمور، وسقطت هذه الكلمة من رواية العذري. وروي عن ابن الحذاء: حلُّه بضم اللام وهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله، وكذا في كتاب التميمي، وهكذا ذكره الحميدي، ورواه الهروي في غريبه: خَلّة: بالخاء المعجمة مفتوحة، وتشديد اللام، وفسره بأنه ما بين البلدتين، قال غيره: هو الطريق في الرمل، ويجمع: خلٌّ. قلت: وقد روى الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها: خراسان، يتبعه أفواج (٢)، كأن وجوههم المجان المطرقة (٣). قال: وفي الباب عن

стр. 4277

فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثبُتُوا، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبثُهُ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: أَربَعُونَ يَومًا، يَومٌ كَسَنَةٍ وَيَومٌ كَشَهرٍ وَيَومٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُم، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَلِكَ ــ أبي هريرة وعائشة ﵄ وهذا حديث حسن غريب، ووجه الجمع بين هذا وبين الذي قبله: أن مبتدأ خروج الدجال من خراسان، ثم يخرج إلى الحجاز فيما بين العراق والشام، والله تعالى أعلم. و(قوله: عاث يمينا وعاث شمالا) رويناه بالعين المهملة والثاء المثلثة مفتوحة غير منونة على أنه فعل ماض، وبكسرها وتنوينها على أنه اسم فاعل. وهو بمعنى الفساد. يقال: عثا في الأرض يعثو: أفسد، وكذلك عَثِي - بالكسر- يعثي. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدِينَ﴾ و(قوله: يا عباد الله اثبتوا) هذا من قول النبي ﷺ يأمر من لقي الدجال أن يثبت ويصبر؛ فإنَّ لبثه في الأرض قليل على ما يأتي، وأما من سمع به ولم يلقه فليبعد عنه، وليفر بنفسه، كما خرجه أبو داود من حديث عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات، أو: لما يبعث به من الشبهات (١). و(قوله: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أول يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك

стр. 4278

اليَومُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَومٍ؟ قَالَ: لَا، اقدُرُوا لَهُ قَدرَهُ، قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا إِسرَاعُهُ فِي الأَرضِ؟ قَالَ: كَالغَيثِ استَدبَرَتهُ الرِّيحُ، ــ الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرا، لا سيما على يدي الدجال. وقد تأوله أبو الحسين ابن المنادي على ما حكاه أبو الفرج الجوزي فقال: المعنى: يهجم عليكم غم عظيم لشدة البلاء، وأيام البلاء طوال، ثم يتناقص ذلك الغم في اليوم الثاني، ثم يتناقص في الثالث، ثم يعتاد البلاء، كما يقول الرجل: اليوم عندي سنة، كما قال: وليل المحب بلا آخر قال أبو الفرج: وهذا التأويل يرده قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره والمعنى: قدروا الأوقات للصلاة، غير أن أبا الحسين بن المنادي قد طعن في صحة هذه اللفظات. أعني قولهم: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره فقال: هذا عندنا من الدسائس التي كادنا بها ذوو الخلاف علينا قديما، ولو كان ذلك صحيحا لاشتهر على ألسنة الرواة، كحديث الدجال؛ فإنَّه قد رواه ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وحذيفة، وعبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأبو مسعود البدري، وأنس بن مالك، وعمران بن حصين، ومعاذ بن جبل، ومجمع بن جارية ﵃ في آخرين، ولو كان ذلك لقوي اشتهاره، ولكان أعظم وأقطع من طلوع الشمس من مغربها. قلت: هذه الألفاظ التي أنكرها هذا الرجل صحيحة في حديث النواس، خرجها الترمذي من حديث النواس، وذكر الحديث بطوله نحوا مِمَّا خرجه مسلم، وقال في الحديث: حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وقد خرجه أبو داود، وأيضًا من حديث عبد الرحمن بن يزيد المذكور، وذكر طرفا من الحديث ولم يذكره بطوله، فصح الحديث عند هؤلاء الأئمة، وانفراد الثقة بالحديث لا يخرم الثقة به؛ لأنَّه قد يسمع

стр. 4279

فَيَأتِي عَلَى القَومِ فَيَدعُوهُم فَيُؤمِنُونَ بِهِ وَيَستَجِيبُونَ لَهُ، فَيَأمُرُ السَّمَاءَ فَتُمطِرُ وَالأَرضَ فَتُنبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيهِم سَارِحَتُهُم أَطوَلَ مَا كَانَت ذُرًا وَأَسبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأتِي القَومَ فَيَدعُوهُم فَيَرُدُّونَ عَلَيهِ قَولَهُ، فَيَنصَرِفُ عَنهُم فَيُصبِحُونَ مُمحِلِينَ لَيسَ بِأَيدِيهِم شَيءٌ مِن أَموَالِهِم، ــ ما لا تسمعه الجماعة في وقت لا يحضر غيره، وكم يوجد من ذلك في الأحاديث، وقد رواه قاسم بن أصبغ (١) من حديث جابر بن عبد الله على ما يأتي. وتطريق إدخال المخالفين الدسائس على أهل العلم والتحرز والثقة، بعيد لا يلتفت إليه؛ لأنَّه يؤدي إلى القدح في أخبار الآحاد، وإلى خرم الثقة بها، مع أن ما تضمنته هذه الألفاظ أمور ممكنة الوقوع في زمان خرق العادات، كسائر ما جاء مما قد صح وثبت من خوارق العادات التي تظهر على يدي الدجال، مما تضمنه هذا الحديث وغيره، فلا معنى لتخصيص هذه الألفاظ بالإنكار، والكل ظنون مستندة إلى أخبار العدول، والله أعلم بحقائق الأمور. قال القاضي في قوله: اقدروا له هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع، ولو وكلنا فيه لاجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام. و(قوله: فتغدو عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرا، وأسبغه ضروعا) تغدو: تبكر. والسارحة: المواشي التي تخرج للسرح، وهو الرعي، كالإبل والبقر والغنم. والذرا: جمع ذروة، وهي الأسنمة، وأسبغه: أطوله ضروعا لكثرة اللبن. وأمده خواصر: لكثرة أكلها، وخصب مرعاها. و(قوله: فيصبحون ممحلين) وفي بعض الروايات: آزلين، والمحل والأزل، والقحط، والجدب، كلها واحد، والله تعالى أعلم. ويعاسيب النحل:

стр. 4280

وَيَمُرُّ بِالخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحلِ، ثُمَّ يَدعُو رَجُلًا مُمتَلِئًا شَبَابًا فَيَضرِبُهُ بِالسَّيفِ فَيَقطَعُهُ جَزلَتَينِ رَميَةَ الغَرَضِ، ثُمَّ يَدعُوهُ فَيُقبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجهُهُ يَضحَكُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ بَعَثَ اللَّهُ المَسِيحَ ابنَ مَريَمَ فَيَنزِلُ عِندَ المَنَارَةِ البَيضَاءِ شَرقِيَّ دِمَشقَ بَينَ مَهرُودَتَينِ، وَاضِعًا كَفَّيهِ عَلَى أَجنِحَةِ مَلَكَينِ، ــ فُحولها، واحدها: يعسوب، وقيل: أمراؤها، ووجه التشبيه أن يعاسيب النحل يتبع كل واحد منهم طائفة من النحل، فتراها جماعات في تفرقة، فالكنوز تتبع الدجال كذلك. و(قوله: فيقطعه جزلتين رمية الغرض) هو بفتح الجيم، وحكاه ابن دريد بكسرها. قلت: والأولى الفتح؛ لأن جزلتين هنا مصدر ملاق في المعنى ليقطعه، فكأنه قال: قطعه قطعتين، أو جزله جزلتين، وجزلة مصدر محدود بجزل جزلا وجزلة، ويجوز الكسر على أنه اسم. يعني قسمه قطعتين وفرقتين، رمية الغرض، منصوب نصب المصدر؛ أي: كرمية الغرض في السرعة والإصابة. وقيل: جعل بين القطعتين مثل رمية الغرض، وفيه بعد. والأول أشبه. و(قوله: بين مهرودتين) الرواية الصحيحة بالدال المهملة والتاء، باثنتين من فوقها، وبعض المحدثين يقولها بالذال المعجمة، وحكى ابن الأنباري أنها تقال بهما، والمعروف الأول. في الصحاح: هردت الثوب: شققته، والهِردى على وزن فِعلى، بكسر الهاء: نبت يصبغ به، وثوب مهرود؛ أي: صُبغ أصفر. ولما كان هذا هو المعروف في اللغة اختلف الشارحون لهذا اللفظ في هذا الحديث، فقيل: إن عيسى ﵇ ينزل في شقتي ثوب، والشقة نصف الملاءة، أو في حلتين، مأخوذ من الهرد، وهو القطع والشق. وقال أكثرهم: في

стр. 4281

إِذَا طَأطَأَ رَأسَهُ قَطَرَ ــ ثوبين مصبوغين بالصفرة، وكأنه الذي صبغ بالهردى. وقد اجترأ القتبي، وخطأ النَّقَلة في هذا اللفظ، وقال: هو عندي خطأ من النَّقَلة، وأراه مهرُوَّتَين، يقال: هريت العمامة: إذا لبستها صفراء، وكأن فعلت منه: هروت، وأنشدوا عليه: رأيتك هريت العمامة بعدما ... أراك زمانا حاسرا لم تعصب قال: إنما أراد أنك لبست العمامة صفراء كما يلبسها السادة، وكان السيد يعتم بعمامة صفراء، ولا يكون ذلك لغيره. قلت: لقد صدق من قال في ابن قتيبة: هَجوم وَلاج على ما لا يحسن. وقد خطئ ابنُ قتيبة فيما خطّأ فيه الثقاتِ وأهلَ التقييد والتثبت والعلم من وجهين: أحدهما: حكمه بالخطأ وجرأته (١) به على الأئمة الحفاظ الثقات العلماء، فكان حقه أن يتوقف إذ لم يجد محملا لتلك اللفظة على النحو المروي. وثانيهما: إن ما استدل به لا حجَّة فيه، لوجهين قد أشار إليهما أبو بكر فيما حكاه الإمام أبو عبد الله عنه. فقال: ما قاله خطأ؛ لأنَّ العرب لا تقول: هروت الثوب، لكن هريت، ولا يقال أيضًا: هريت، إلا في العمامة خاصة، فليس له أن يقيس على العمامة؛ لأنَّ اللغة رواية. قلت: والأصح: قول الأكثر، ويشهد له ما قد وقع في بعض الروايات بدل مهرودتين: ممصرتين والممصرة من الثياب هي المصبوغة بالصفرة، والله تعالى أعلم. و(قوله: إذا طأطأ رأسه قطر) أي: إذا خفض رأسه سال منه ما يعني به العرق. وهذا نحو مما قال في الحديث الذي تقدم: يقطر رأسه ماء، كأنما خرج من ديماس (٢) يعني: الحمام.

стр. 4282

وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كَاللُّؤلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنتَهِي حَيثُ يَنتَهِي طَرفُهُ، فَيَطلُبُهُ حَتَّى يُدرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقتُلُهُ، ثُمَّ يَأتِي عِيسَى ابنَ مَريَمَ قَومٌ قَد عَصَمَهُم اللَّهُ مِنهُ فَيَمسَحُ عَن وُجُوهِهِم وَيُحَدِّثُهُم بِدَرَجَاتِهِم فِي الجَنَّةِ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ أَوحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: ــ و(قوله: إذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ) الجمان: ما استدار من اللؤلؤ والدر، ويستعار لكل ما استدار من الحلي، قاله أبو الفرج الجوزي. شبه قطرات العرق بمستدير الجوهر، وهو تشبيه واقع. و(قوله: فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات) الرواية: لا يحل، بكسر الحاء، معناه: يحق ويجب، وهو من نحو قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَريَةٍ أَهلَكنَاهَا أَنَّهُم لا يَرجِعُونَ﴾ أي: واجب ذلك ولازم، وقيل: معناه: لا يمكن، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء: فلا يحل لكافر يجد نفس ريحه، ووجهه بين، وأما من رواه يحُل - بضم الحاء - فليس بشيء، إلا أن يكون بعده: بكافر، بالباء، فيكون له وجه. و(قوله: ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه) نفسه - بفتح الفاء - وطرفه - بسكون الراء - وهو عينه، ويعني بذلك أن الله تعالى قوّى نفس عيسى ﵇ حتى يصل إلى المحل الذي يصل إليه إدراك بصره، فمعناه: أن الكفار لا يقربونه، وإنَّما يهلكون عند رؤيته ووصول نفسه إليهم، تأييد من الله له وعصمة، وإظهار كرامة ونعمة. و(قوله: فيمسح عن وجوههم) يعني التي بالنون، لا التي باللام؛ أي: يزيل عن وجوههم بمسحه ما أصابها من غبار سفر الغزو ووعثائه؛ مبالغة في إكرامهم وفي اللطف بهم، والتحفي بهم. وقيل: معناه يكشف ما نزل بهم من الخوف والمشقات، والأولى: الحقيقة، وهذا توسع.

стр. 4283

إِنِّي قَد أَخرَجتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِم، فَحَرِّز عِبَادِي إِلَى الطُّورِ، وَيَبعَثُ اللَّهُ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ وَهُم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُم عَلَى بُحَيرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَشرَبُونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُم فَيَقُولُونَ: لَقَد كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، وَيُحصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأسُ الثَّورِ لِأَحَدِهِم خَيرًا مِن مِائَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُم اليَومَ، فَيَرغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ، فَيُرسِلُ اللَّهُ عَلَيهِم النَّغَفَ فِي رِقَابِهِم فَيُصبِحُونَ فَرسَى كَمَوتِ نَفسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهبِطُ ــ و(قوله: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم) أي: لا قدرة لأحد على قتال يأجوج ومأجوج. يقال: لا يد لفلان بهذا الأمر؛ أي: لا قوة. و(قوله: فحرز عبادي إلى الطور) هذه الرواية الصحيحة بالزاي؛ أي ارتحل بهم إلى جبل يحرزون فيه أنفسهم، والطور: الجبل بالسريانية. ويحتمل أن يكون ذلك هو طور سيناء، وقد رواه بعضهم: حوز، بالواو، ولم تقع لنا هذه الرواية، ومعناها واضح، وهو بمعنى الأولى. و(قوله: ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون) قد تقدم القول في يأجوج ومأجوج في أول كتاب الفتن. والحدب: النشز من الأرض، وهي الآكام والكداء. وينسلون: من النسلان، وهي مقاربة الخطو مع الإسراع، كمشي الذئب إذا بادر، قاله القتبي. وقال الزجاج: ينسلون: يسرعون. والنغف - جمع نغفة - وهو بفتح النون والغين المعجمة، وهي دود يكون في أنوف الإبل والغنم، وهي وإن كانت محتقرة، فإتلافها شديد، ويقال للرجل الحقير: ما أنت إلا نغفة. و(قوله: فيصبحون فرسى) أي هلكى قتلى، مِن فَرَسَ الذئبُ الشاةَ: إذا قتلها. والفريسة منه. والزهم، بفتح الهاء: النتن والرائحة الكريهة. وأصله: ما يعلق باليد من ريح اللحم. والبخت: إبل غلاظ الأعناق، عظام الأسنام.

стр. 4284

نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلَى الأَرضِ فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرضِ مَوضِعَ شِبرٍ إِلَّا مَلَأَهُ زَهَمُهُم وَنَتنُهُم، فَيَرغَبُ عِيسَى وَأَصحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرسِلُ اللَّهُ طَيرًا كَأَعنَاقِ البُختِ، فَتَحمِلُهُم فَتَطرَحُهُم حَيثُ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنهُ بَيتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ، فَيَغسِلُ الأَرضَ حَتَّى يَترُكَهَا كَالزَّلَفَةِ، ثُمَّ يُقَالُ ــ و(قوله: لا يكن منه بيت مدر، ولا وبر) أي: لا يستر من ذلك المطر لكثرته بيت مبني بالطين، ولا بيت شعر ولا وبر. و(قوله: حتى يتركها كالزلفة) الرواية بفتح الزاي واللام، وقيدته بالفاء والقاف معا، وكذلك روي عن الأسدي، وزاد فتح اللام وسكونها، فبالقاف: هي الأرض الملساء التي لا شيء فيها، ومنه قوله: ﴿فَتُصبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ وبالفاء: هي المصنعة الممتلئة، والجمع زلف، ومنه قول الراجز: من بعد ما كانت ملاء كالزلف وهي المصانع، والمعروف فيها فتح اللام. غير أن أبا زيد الأنصاري قال: يقال للمرآة: زلفة وزلقة بالقاف: الجماعة. والقحف: أعلى الجمجمة، وهي المحتوية على الدماغ. هذا أصله، واستعارة هنا للرمانة للشبه الذي بينهما. واللقحة - بفتح اللام - التي تحتلب من النوق. هذا أصلها، وقد قيلت هنا على التي تحتلب من البقر والغنم. والفئام: الجماعة من الناس، وهو بكسر الفاء. والفخذ دون القبيلة وفوق البطن. قال الزبير بن بكار: العرب على ست طبقات: شعب، وقبيلة، وعمارة، وبطن، وفخذ، وفصيلة، وما بينهما من الآباء، فإنَّها يعرفها أهلها، وسميت بالشعوب؛ لأنَّ القبائل تتشعب منها وسميت القبائل بذلك؛ لأنَّ العمائر تقابلت عليها، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ. قال ابن فارس: لا يقال في فخذ النسب إلا بسكون الخاء، بخلاف الجارحة، تلك يقال بكسر الخاء وسكونها، وبكسر الفاء أيضًا. وجبل الخمَر، بفتح الميم، وهو جبل بيت المقدس. والخمر:

стр. 4285

لِلأَرضِ: أَنبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَومَئِذٍ تَأكُلُ العِصَابَةُ مِن الرُّمَّانَةِ وَيَستَظِلُّونَ بِقِحفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسلِ حَتَّى أَنَّ اللِّقحَةَ مِن الإِبِلِ لَتَكفِي الفِئَامَ مِن النَّاسِ، وَاللِّقحَةَ مِن البَقَرِ لَتَكفِي القَبِيلَةَ مِن النَّاسِ، وَاللِّقحَةَ مِن الغَنَمِ لَتَكفِي الفَخِذَ مِن النَّاسِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأخُذُهُم تَحتَ آبَاطِهِم، فَتَقبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤمِنٍ وَكُلِّ مُسلِمٍ، وَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ، فَعَلَيهِم تَقُومُ السَّاعَةُ. زاد في أخرى بعد قوله: مرة ماء: ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخَمَر - وهو جبل بيت المقدس - فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما. رواه مسلم (٢٩٣٧) الفتن (١١٠ و ١١١)، وأبو داود (٤٣٢١ و ٤٣٢٢)، والترمذي (٢٢٤١)، وابن ماجه (٤٠٧٥). [٢٨٣٠] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَن الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ: يَأتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيهِ أَن يَدخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنتَهِي إِلَى بَعضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخرُجُ ــ الشجر الملتف، وأنقاب المدينة: طرقها وفجاجها. وفي كتاب العين: النُّقب والنَّقب: الطريق في رأس الجبل، والنقب في الحائط وغيره: ثقب يخلص به إلى ما وراءه. و(قوله: يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل المدينة ومكة) أي: هو ممنوع من دخول المدينة ومكة بالملائكة التي تحرسها على ما يأتي في حديث أنس المذكور بعد هذا.

стр. 4286

إِلَيهِ يَومَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيرُ النَّاسِ - أَو: مِن خَيرِ النَّاسِ - فَيَقُولُ لَهُ: أَشهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيتُم إِن قَتَلتُ هَذَا ثُمَّ أَحيَيتُهُ أَتَشُكُّونَ فِي الأَمرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، قَالَ: فَيَقتُلُهُ ثُمَّ يُحيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَن يَقتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيهِ. ــ و(قول الدجال: أرأيتم إن قتلت ثم أحييته أتشكون في الأمر) أي: في دعواه الإلهية والربوبية، كما روى قاسم بن أصبغ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يخرج الدجال في خفقة من الدين وإدبار من العلم، أربعون ليلة يسيحها في الأرض، يوم منها كالسنة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثم سائر أيامه كأيامكم هذه، وله حمار يركبه، عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب، يرد كل ماء ومنهل إلا مكة والمدينة، وقامت الملائكة بأبوابها (١). فهذا نص في أن الدجال إنما يدعي الربوبية لا النبوة، ولو ادعاها لما صدقه الله بإبداء خارق للعادة على يديه، لاستحالة تصديق الكاذب على الله؛ لأنَّه يلزم منه تكذيب الباري تعالى، والكذب محال على الله تعالى قطعا، عقلا ونقلا، فإن قيل: فيلزم مثل هذا في دعوى الربوبية ووقوع الخارق مقرونا بدعوى المدعي للإلهية، فيكون قد صدقه بذلك كما صدق النبي إذا جاء بمثل ذلك. فالجواب: أن اقتران الخارق بدعوة الربوبية محال أن يشهد بتصديقه في دعوى الإلهية لقيام الأدلة العقلية القطعية على استحالة الإلهية عليه، التي هي: حدثه، وافتقاره، ونقصه، فهذه الأدلة العقلية دلت على كذبه في دعوى الإلهية، فلم يبق معها دلالة للأدلة الاقترانية؛ لأنَّ اقتران المعجزة بالتحدي في حق النبي إنما دل على صدقه من حيث تنزلت منزلة التصديق بالقول،

стр. 4287

وفي رواية: قال: فَيَأمُرُ بِهِ الدَّجَّالُ فَيُشَبَّحُ فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهرُهُ وَبَطنُهُ ضَربًا، قَالَ: فَيَقُولُ: أَمَا تُؤمِنُ بِي؟ قَالَ: فَيَقُولُ: أَنتَ المَسِيحُ الكَذَّابُ، قَالَ: فَيُؤمَرُ بِهِ فَيُؤشَرُ بِالمِئشَارِ مِن مَفرِقِهِ حَتَّى يُفَرَّقَ بَينَ ــ أو منزلة قرائن الأحوال على اختلاف العلماء في ذلك. وذلك لا يحصل إلا إذا سلمت عما يشهد بنقيضها، ولم يسلم في حق الدجال؛ إذ المكذب لدعواه ملازم له عقلا، فلا دلالة لذلك الاقتران على صدقه؛ إذ لا يمكن مع وجود ما يدل على كذبه قطعا أن نقول: إن تلك الخوارق التي ظهرت على يديه تنزلت منزلة قول الله له: صدقت، كما أمكن ذلك في حق النبي الذي يسلم عما يكذبه، وحاصل هذا البحث: أن ما يدل بذاته لا يعارضه ما يدل بغير عينه. ولتفصيل هذا علم الكلام. وبما ذكرنا يُعلم قطعا: أن إظهار هذه الخوارق على يدي الدجال لم يقصد بها تصديقه، وإنما قصد بها أمر آخر، وهذا ما أخبرنا به (ل ادق ﷺ أنها فتن ومحن امتحن الله بها عباده ليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. وذلك على ما سبق به علمه ونفذ به حكمه، لا يسأل عما يفعل. و(قوله: فيأمر به الدجال فيشبح) أي: يمد، ومنه قولهم: الحرباء تشبح على الأعواد أي: تمتد. ومشهور الرواية هكذا، وقد روى السمرقندي وابن ماهان: فشجوه في رأسه بشجاج، وليس هذا بشيء؛ لأنَّه قد جاء بعده ما يبعده ويبين أن المراد خلاف ذلك. و(قوله: فيؤمر به فيوسع ظهره وبطنه ضربا) أي: يعمم جميعه حتى لا يترك منه موضع إلا يُضربه، وهو مأخوذ من السعة والاتساع. و(قوله: فيؤمر به فيؤشر بالمئشار) والرواية: يؤشر، بالياء، والمئشار بالهمز، وهو الصحيح المعروف، ويقال بالنون فيهما، وهذا يدلّ على أن هذا الرجل المكذب للدجال نشره الدجال بالمنشار، وقد تقدَّم في حديث النواس: أنه قطعه بالسيف جزلتين كرمية الغرض، فيحتمل أن يكون كل واحد منهما غير

стр. 4288

رِجلَيهِ، قَالَ: ثُمَّ يَمشِي الدَّجَّالُ بَينَ القِطعَتَينِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قُم، فَيَستَوِي قَائِمًا، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتُؤمِنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازدَدتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً، قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَفعَلُ بَعدِي بِأَحَدٍ مِن النَّاسِ، قَالَ: فَيَأخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذبَحَهُ فَيُجعَلَ مَا بَينَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرقُوَتِهِ نُحَاسًا، فَلَا يَستَطِيعُ إِلَيهِ سَبِيلًا، قَالَ: فَيَأخُذُ بِيَدَيهِ وَرِجلَيهِ فَيَقذِفُ بِهِ، فَيَحسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلقِيَ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَعظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِندَ رَبِّ العَالَمِينَ. قال أبو إسحاق: إن هذا الرجل هو الخضر. رواه أحمد (٣/ ٣٦)، والبخاريُّ (١٨٨٢ و ٧١٣٢)، ومسلم (٢٩٣٨) (١١٢ و ١١٣). [٢٨٣١] وعن أبي قتادة، قال: كنا نمر على هشام بن عامر، نأتي عمران بن حصين، فقال ذات يوم: إنكم لتجاوزوني إلى رجال ما كانوا بأحضر لرسول الله ﷺ مني، ولا أعلم بحديثه مني، سمعت رسول الله ﷺ ــ الآخر، ويحتمل أن يكون جمعهما عليه، والأول أمكن وأظهر. والترقوة، بفتح التاء وضم القاف وتخفيف الواو: هي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وتجمع تراقي. ويقذفه: يرميه. ووقع في الأم: المسالح، وهم القوم الحاملون للسلاح، المستعدون للقتال، سموا بذلك لحملهم إياها، قال القاضي في آخر هذا الحديث من رواية السمرقندي: قال أبو إسحاق - يعني ابن سفيان -: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر ﵇، وكذلك قال معمر في جامعه بإثر هذا الحديث. قلت: وقد تقدَّم القول في الخضر، وفي الخلاف في طول حياته في كتاب الأنبياء.

стр. 4289

يقول: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال. وفي رواية: أمر بدل: خلق. رواه مسلم (٢٩٤٦) (١٢٦). * * * ــ و(قوله: ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال) ظاهر هذا كبر الخلقة والجسم، وقد تقدَّم أنَّه يركب حمارا عرض ما بين أذنيه أربعون ذراعا، وهذا يقتضي أن يكون هذا الحمار أكبر حمار في الدنيا، فراكبه ينبغي أن يكون أكبر إنسان في الدنيا، وكذا قال تميم ﵁ في خبر الجساسة: فإذا أعظم إنسان رأيناه، وسيأتي، غير أنه قد تقدَّم من حديث أبي داود في وصف الدجال: أنه قصير أفحج (١) وإنما يكون قصيرا بالنسبة إلى نوع الإنسان، فمقتضى ذلك: أن يكون فيهم من هو أطول منه، ولهذا قيل: إن وصفه بالأكبرية إنما يعني بذلك عظم فتنته، وكبر محنته؛ إذ ليس بين يدي الساعة أعظم ولا أكبر منها، ويحتمل أن يريد به: أنه ينتفخ أحيانا حتى يكون في عين الناظر إليه أكبر من كل نوع الإنسان، كما تقدَّم في شأن ابن صياد أنه انتفخ عن غضبه حتى ملأ الطريق، والله أعلم بحقيقة ذلك. * * *

стр. 4290

(١٥) باب: في هوان الدجال على الله تعالى وأنه لا يدخل مكة والمدينة ومن يتبعه من اليهود وقد تقدم من حديث المغيرة، قوله ﷺ : هو أهون على الله من ذلك. انظر صحيح مسلم (٢٩٣٩) (١١٤ و ١١٥). ــ و(قوله: إنهم يقولون: إن معه الطعام والأنهار، هو أهون على الله من ذلك) أي: الدجال، على الله أهون أن يجعل ما يخلقه على يديه من الخوارق مضلا للمؤمنين ومشككا لهم، بل ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، وليرتاب الذين في قلوبهم مرض والكافرون، كما قال له الذي قتله ثم أحياه، ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، وقد تضمنت تلك الأحاديث المتقدمة أن عيسى ﵇ ينزل ويقتل الدجال، وهو مذهب أهل السنة، والذي دل عليه قوله تعالى: ﴿بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ والأحاديث الكثيرة الصحيحة المنتشرة. وليس في العقل ما يحيل ذلك ولا يرده، فيجب الإيمان به والتصديق بكل ذلك، ولا يبالى بمن خالف في ذلك من المبتدعة، ولا حجَّة لهم في اعتمادهم في نفي ذلك على التمسك بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وبما ورد في السنة من أنه لا نبي بعده، ولا رسول، ولا بإجماع المسلمين على ذلك، ولا على أن شرعنا لا يُنسخ. وهذا ثابت إلى يوم القيامة؛ لأنَّا نقول بموجب ذلك كله؛ لأنَّ عيسى ﵇ إنما ينزل لقتل الدجال، ولإحياء شريعة محمد ﷺ ، وليعمل بأحكامها، وليقيم العدل على مقتضاها، وليقهر الكفار، وليُظهر للنصارى ضلالتهم، ويتبرأ من إفكهم، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويأتم بإمام هذه الأمة، كما تقدم في كتاب الإيمان.

стр. 4291

[٢٨٣٢] عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين تحرسها، فينزل بالسبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج إليه منها كل كافر ومنافق. وفي أخرى: فيأتي سبخة الجرف فيضرب رواقه، وقال: فيخرج إليه كل منافق ومنافقة. رواه أحمد (٣/ ١٩١)، والبخاريُّ (١٨٨١)، ومسلم (٢٩٤٣) (١٢٣). [٢٨٣٣] وعنه، أن رسول الله ﷺ قال: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة. رواه البخاريُّ (٣٤٥٠)، ومسلم (٢٩٤٤) (١٢٤)، وأبو داود (٤٣١٥). ــ والحاصل: أنه لم يأت برسالة مستأنفة، ولا شريعة مبتدأة، وإنما يأتي عاضدا لهذه الشريعة، وملتزما أحكامها، غير مغير لشيء منها، والمنفي بالأدلة السابقة إنما هو رسول يزعم أنه قد جاء بشرع مبتدأ، أو برسالة مستأنفة، فمن ادعى ذلك كان كاذبا، كافرا قطعا. و(قوله: يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفا عليهم الطيالسة) هي جمع طيلسان، بفتح اللام، ولا تكسره العرب في المشهور، وحكاه البكري بكسر اللام، وهو الكساء. وهو أعجمي معرب، والهاء في جمعه للعجمة. ويدلّ هذا على أن اليهود أكثر أتباع الدجال، ومن يعتقد التجسيم. والرواية المشهورة سبعون ألفا. وعند ابن ماهان: تسعون ألفا.

стр. 4292

[٢٨٣٤] وعن أم شريك، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: ليفرن الناس من الدجال في الجبال. قالت أم شريك: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل. رواه أحمد (٦/ ٤٦٢)، ومسلم (٢٩٤٥). * * * (١٦) باب حديث الجساسة وما فيه من ذكر الدجال [٢٨٣٥] عن فاطمة بنت قيس - وكانت من المهاجرات الأول - أنها قالت: نَكَحتُ ابنَ المُغِيرَةِ وَهُوَ مِن خِيَارِ شَبَابِ قُرَيشٍ يَومَئِذٍ، فَأُصِيبَ فِي ــ (١٦) ومن باب: حديث الجساسة حديث فاطمة هذا في هذه الرواية مخالف للمشهور من حديثها في مواضع، فمنها: قولها: فنكحت ابن المغيرة فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله ﷺ ، فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف. وظاهره أنها تأيمت عنه بقتله في الجهاد، وهو خلاف ما تقدَّم في كتاب الطلاق أنها بانت منه بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وكذلك قالت في الرواية الأخرى المذكورة في هذا الباب. قالت: طلقني بعلي ثلاثا، فأذِن لي النبي ﷺ أن أعتد في أهلي، وهذا هو المشهور عند العلماء، على ما قاله القاضي أبو الوليد الكناني وغيره، وقد رام القاضي أبو الفضل تأويل هذا، فقال: لعل قولها: أصيب في أول الجهاد مع النبي ﷺ ، إنما أرادت به عد فضائله وذكر مناقبه، كما ابتدأت بالثناء عليه، وهو قولها: من خير شباب قريش. قال: وإذا كان هذا لم يكن فيه معارضة.

стр. 4293

أَوَّلِ الجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا تَأَيَّمتُ خَطَبَنِي عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ فِي ــ ومنها: أن ظاهر قولها: أنه قتل مع رسول الله ﷺ في الجهاد، في أوله. وقد اختلف في وقت وفاته، فقيل: مع علي بن أبي طالب ﵁ باليمن إثر طلاقها، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البر. وقيل: بل عاش إلى أيام عمر، وذكرت له معه قصة في شأن خالد بن الوليد، ذكر ذلك البخاري في التاريخ، وقد تقدَّم قول القاضي أبي الفضل: ولعل قولها: أصيب مع رسول الله ﷺ بغير القتل، إما بجرح، أو بشيء آخر، والله تعالى أعلم. ومنها: أنها قالت: فلما كلمني رسول الله ﷺ قلت: أمري بيدك، فأنكحني من شئت، فقال: انتقلي إلى أم شريك فظاهر هذا أنَّه أمرها بالانتقال إلى أم شريك، ثم إلى ابن أم مكتوم، إنما كان بعد انقضاء عدتها، وبعد أن خطبت، وفوضت أمرها للنبي ﷺ ، وليس الأمر كذلك، وإنما كان ذلك في حال عدتها لما خافت عورة منزلها، على المشهور، أو لأنها كانت تؤذي أحماءها، على ما قاله سعيد بن المسيب، كما تقدَّم. ومنها: أنها نسبت أم شريك إلى الأنصار، وليس بصحيح، وإنما هي قرشية من بني عامر بن لؤي، واسمها غزية، كذا وجدته مقيدا في أصل يعتمد عليه، وكنيت بابنها شريك، وقيل: اسمها: غُزَيلة، حكى هذا كله أبو عمر. ومنها: قوله: ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم، وهو رجل من فهر، فهر قريش، وهو من البطن الذي هي منه. قال القاضي أبو الفضل: والمعروف خلاف هذا، وليس بابن عمها، بل هي من محارب بن فهر، وهو من بني عامر بن لؤي، وليسا من بطن واحد، واختلف في اسم ابن أم مكتوم، والصحيح: عبد الله. و(قولها: فلما تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر) أي: فلما انقضت عدتها وحلت للأزواج، وقد تقدم أن الأيم هي التي لا زوج لها.

стр. 4294

نَفَرٍ مِن أَصحَابِ محمد ﷺ ، وَخَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَولَاهُ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وَكُنتُ قَد حُدِّثتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن أَحَبَّنِي فَليُحِبَّ أُسَامَةَ، فَلَمَّا كَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: أَمرِي بِيَدِكَ، فَأَنكِحنِي مَن شِئتَ، فَقَالَ: انتَقِلِي إِلَى أُمِّ شَرِيكٍ، وَأُمُّ شَرِيكٍ امرَأَةٌ غَنِيَّةٌ مِن الأَنصَارِ عَظِيمَةُ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَنزِلُ عَلَيهَا الضِّيفَانُ، فَقُلتُ: سَأَفعَلُ، فَقَالَ: لَا تَفعَلِي؛ إِنَّ أُمَّ شَرِيكٍ امرَأَةٌ كَثِيرَةُ الضِّيفَانِ، فَإِنِّي أَكرَهُ أَن يَسقُطَ عَنكِ خِمَارُكِ أَو يَنكَشِفَ الثَّوبُ عَن سَاقَيكِ، فَيَرَى القَومُ مِنكِ مَا تَكرَهِينَ، وَلَكِن انتَقِلِي إِلَى ابنِ عَمِّكِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِن بَنِي فِهرٍ، فِهرِ قُرَيشٍ، وَهُوَ مِن البَطنِ الَّذِي هِيَ مِنهُ، فَانتَقَلتُ إِلَيهِ، فَلَمَّا انقَضَت عِدَّتِي سَمِعتُ نِدَاءَ المُنَادِي - مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجتُ إِلَى المَسجِدِ فَصَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَكُنتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ الَّتِي تَلِي ظُهُورَ القَومِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَى المِنبَرِ وَهُوَ يَضحَكُ، فَقَالَ: لِيَلزَم كُلُّ إِنسَانٍ مُصَلَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدرُونَ لِمَ جَمَعتُكُم؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعتُكُم لِرَغبَةٍ وَلَا لِرَهبَةٍ، وَلَكِن جَمَعتُكُم لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصرَانِيًّا فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنتُ أُحَدِّثُكُم عَن مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِن لَخمٍ ــ و(قوله: أمري بيدك فأنكحني من شئت) دليل على صحة في النكاح. و(قوله: إني أكره أن يسقط عنك خمارك، أو ينكشف الثوب عن ساقك) دليل على أن أطراف شعر الحرة وساقيها عورة، فيجب عليها سترها في الصلاة، وقد تقدَّم ذلك.

стр. 4295

وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِم المَوجُ شَهرًا فِي البَحرِ ثُمَّ أَرفَؤُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي البَحرِ، حَتَّى مَغرِبِ الشَّمسِ فَجَلَسُوا فِي أَقرُب السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الجَزِيرَةَ فَلَقِيَتهُم دَابَّةٌ أَهلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدرُونَ مَا قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ مِن كَثرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيلَكِ مَا أَنتِ؟ قَالَت: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الجَسَّاسَةُ؟ قَالَت: أَيُّهَا القَومُ انطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُم بِالأَشوَاقِ، فلَمَّا سَمَّت لَنَا رَجُلًا فَرِقنَا مِنهَا أَن تَكُونَ شَيطَانَةً، قَالَ: فَانطَلَقنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلنَا الدَّيرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعظَمُ إِنسَانٍ رَأَينَاهُ قَطُّ خَلقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ مَا بَينَ رُكبَتَيهِ إِلَى كَعبَيهِ بِالحَدِيدِ، قُلنَا: وَيلَكَ مَا أَنتَ؟ قَالَ: قَد قَدَرتُم عَلَى خَبَرِي فَأَخبِرُونِي مَا أَنتُم؟ قَالُوا: نَحنُ أُنَاسٌ مِن العَرَبِ رَكِبنَا فِي سَفِينَةٍ بَحرِيَّةٍ فَصَادَفنَا البَحرَ حِينَ اغتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا ــ و(قوله: ثم أرفؤوا إلى جزيرة في البحر) أي: لجؤوا إليها، ومرفأ السفينة: حيث ترسي. يقال: أرفأت السفينة: إذا قربتها من الشط، وذلك الموضع مرفأ، وأرفأت إليه: لجأت إليه. و(قوله: فجلسوا في أقرب السفينة) كذا الرواية المشهورة. قال الإمام: هي القوارب الصغار يتصرف بها ركاب السفينة، والواحد قارب، جاء هاهنا على غير قياس. وأنكر غيره هذا، وقال: لا يجمع فاعل على أفعل. قال: وإنما يقال: الأقرب فيها: أقربات السفينة وأدانيها؛ كأنه ما قرب منها النزول، أو كأنه من القرب الذي هو الخاصرة، ويؤيده أن ابن ماهان روى هذا الحرف فقال: في أخريات السفينة، وفي بعضها: في آخر السفينة. قلت: ويشهد لما قاله الإمام ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: فقعدوا في قوارب السفينة (١) وهذا الجمع هو قياس قارب، ويقال بفتح الراء وكسرها.

стр. 4296

المَوجُ شَهرًا ثُمَّ أَرفَأنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ فَجَلَسنَا فِي أَقرُبِهَا فَدَخَلنَا الجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتنَا دَابَّةٌ أَهلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لَا يُدرَى مَا قُبُلُهُ مِن دُبُرِهِ مِن كَثرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلنَا: وَيلَكِ مَا أَنتِ؟ فَقَالَت: أَنَا الجَسَّاسَةُ، قُلنَا: وَمَا الجَسَّاسَةُ؟ قَالَت: اعمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُم بِالأَشوَاقِ، فَأَقبَلنَا إِلَيكَ سِرَاعًا وَفَزِعنَا مِنهَا وَلَم نَأمَن أَن تَكُونَ شَيطَانَةً، فَقَالَ: أَخبِرُونِي عَن نَخلِ بَيسَانَ، قُلنَا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: أَسأَلُكُم عَن نَخلِهَا هَل يُثمِرُ؟ قُلنَا لَهُ: نَعَم، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَن لَا تُثمِرَ، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن بُحَيرَةِ الطَّبَرِيَّةِ، قُلنَا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: هَل فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ المَاءِ، قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَن يَذهَبَ، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن عَينِ زُغَرَ، قَالُوا: عَن أَيِّ شَأنِهَا تَستَخبِرُ؟ قَالَ: هَل فِي العَينِ مَاءٌ؟ وَهَل يَزرَعُ ــ و(قوله: فلقيتهم دابة أهلب) أي: غليظة الشعر، والهلب: ما غلظ من الشعر، ومنه المهلبة، وهو شعر الخنزير الذي يخرز به. وذكر أهلب حملا على المعنى، وكأنه قال: حيوان أهلب أو شخص، ولو راعى اللفظ لقال هلباء، لأن قياس أهلب هلباء، كأحمر وحمراء. و(قوله: ما أنت؟ ) اعتقدوا فيها أنها مما لا يعقل، فاستفهموا بـ ما ثم إنها بعد ذلك كلمتهم كلام من يعقل، وعند ذلك رهبوا أن تكون شيطانة؛ أي: خافوا من ذلك. و(قوله: أنا الجساسة) بفتح الجيم وتشديد السين الأولى. قيل: سمت نفسها بذلك لتجسسها أخبار الدجال، من التجسس، بالجيم، وهو الفحص عن الأخبار والبحث عنها، ومنه الجاسوس. وقد روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن هذه الدابة هي دابة الأرض التي تخرج للناس في آخر الزمان فتكلمهم.

стр. 4297

أَهلُهَا بِمَاءِ العَينِ؟ قُلنَا لَهُ: نَعَم هِيَ كَثِيرَةُ المَاءِ وَأَهلُهَا يَزرَعُونَ مِن مَائِهَا، قَالَ: أَخبِرُونِي عَن نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَد خَرَجَ مِن مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ العَرَبُ؟ قُلنَا: نَعَم، قَالَ: كَيفَ صَنَعَ بِهِم؟ فَأَخبَرنَاهُ أَنَّهُ قَد ظَهَرَ عَلَى مَن يَلِيهِ مِن العَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ لَهُم: قَد كَانَ ذَلِكَ؟ قُلنَا: نَعَم، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيرٌ لَهُم أَن يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخبِرُكُم عَنِّي، إِنِّي أَنَا المَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَن يُؤذَنَ لِي فِي الخُرُوجِ فَأَخرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرضِ فَلَا أَدَعَ قَريَةً إِلَّا هَبَطتُهَا، فِي أَربَعِينَ لَيلَةً، غَيرَ مَكَّةَ وَطَيبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدتُ أَن أَدخُلَ وَاحِدَةً - أَو: وَاحِدًا - مِنهُمَا استَقبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيفُ صَلتًا يَصُدُّنِي عَنهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقبٍ مِنهَا ــ و(قوله: قد قدرتم على خبري) أي: اطلعتم عليه، وقدرتم على الوصول إليه. و(قوله: صادفنا البحر قد اغتلم) أي: قد هاج، وجاوز حده، ومنه الغلمة، وهي شدة شهوة النكاح. وبَيسان، بفتح الباء، ولا تقال بالكسر. وزُغر: بالزاي المضمومة والغين المعجمة على وزن نُغَر، وهما معروفان بالشام. ونبي الأميين، هو محمد ﷺ والأميون العرب؛ لأنَّ الغالب منهم لا يكتب ولا يحسب، كما قال ﷺ : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١). فكأنهم باقون على أصل ولادة الأم لهم، فنسب الأمي إليها. هذا أولى ما قيل فيه. وقد تقدَّم القول في تسمية المدينة طيبة وطابة، وأن كل ذلك مأخوذ من الطيب. و(قوله: استقبلني ملك بيده السيف صلتا) أي: مجردا عن غمده. قال ابن السكيت: فيه لغتان، فتح الصاد وضمها. والمخصرة، بكسر الميم: عصا، أو قضيب كانت تكون مع الملك إذا تكلم، وقد تقدَّم ذكرها.

стр. 4298

مَلَائِكَةً يَحرُسُونَهَا. قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَطَعَنَ بِمِخصَرَتِهِ فِي المِنبَرِ: هَذِهِ طَيبَةُ هَذِهِ طَيبَةُ هَذِهِ طَيبَةُ (يَعنِي المَدِينَةَ) أَلَا هَل كُنتُ حَدَّثتُكُم ذَلِكَ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَم؛ فَإِنَّهُ أَعجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنتُ أُحَدِّثُكُم عَنهُ وَعَن المَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحرِ الشَّامِ أَو بَحرِ اليَمَنِ، لَا بَل مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ مِن قِبَلِ المَشرِقِ، مَا هُوَ، وَأَومَأَ بِيَدِهِ إِلَى المَشرِقِ، قَالَت: فَحَفِظتُ هَذَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وفي رواية أن الشعبي سأل فاطمة بنت قيس عَن المُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، أَينَ تَعتَدُّ؟ قَالَت: طَلَّقَنِي بَعلِي ثَلَاثًا، فَأَذِنَ لِي النَّبِيُّ ﷺ أَن أَعتَدَّ فِي أَهلِي، قَالَت: فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، قَالَت: فَانطَلَقتُ فِيمَن انطَلَقَ مِن النَّاسِ، قَالَت: فَكُنتُ فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ مِن النِّسَاءِ، وَهُوَ يَلِي المُؤَخَّرَ مِن الرِّجَالِ، قَالَت: فَسَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ يَخطُبُ، وذكره وَزَادَ فِيهِ: قَالَت: وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَهوَى بِمِخصَرَتِهِ إِلَى الأَرضِ وَقَالَ: هَذِهِ طَيبَةُ، يَعنِي المَدِينَةَ. رواه أحمد (٦/ ٣٧٣ و ٣٧٤)، ومسلم (٢٩٤٢) (١١٩ و ١٢٠)، وأبو داود (٤٣٢٦)، وابن ماجه (٤٠٧٤). * * * ــ و(قوله: ألا إنَّه في بحر الشام، أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق) ما هو هذ كله كلام ابتدئ على الظن، ثم عرض الشك، أو قصد الإبهام، ثم نفى ذلك كله وأضرب عنه بالتحقيق، فقال: لا، بل من قبل المشرق، ثم أكد ذلك بـ (ما) الزائدة، وبالتكرار اللفظي، فـ (ما) فيه زائدة لا نافية، وهذا لا بُعد فيه؛ لأنَّ النبي ﷺ بشر يظن ويشك، كما يسهو وينسى، إلا أنه

стр. 4299

(١٧) باب كيف يكون انقراض هذا الخلق وتقريب الساعة وكم بين النفختين [٢٨٣٦] عن عبد الله بن عمرو، وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي تُحَدِّثُ بِهِ؟ تَقُولُ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ إِلَى كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ - أَو: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَو كَلِمَةً نَحوَهُمَا - لَقَد هَمَمتُ أَن لَا أُحَدِّثَ أَحَدًا شَيئًا أَبَدًا، إِنَّمَا قُلتُ: إِنَّكُم سَتَرَونَ بَعدَ قَلِيلٍ أَمرًا عَظِيمًا، يُحَرَّقُ البَيتُ وَيَكُونُ ــ لا يتمادى، ولا يُقر على شيء من ذلك، بل يُرشد إلى التحقيق، ويُسلك به سواء الطريق. والحاصل من هذا: أنه ﷺ ، ظن أن الدجال المذكور في بحر الشام؛ لأنَّ تميما إنما ركب في بحر الشام، ثم عرض له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنَّه يتصل ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك. ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك فحقق وأكد. وتاهت السفينة: صارت على غير اهتداء. والتيه: الحيرة. والرواق: سقف في مقدم البيت، ويجمع في القلة: أروقة، وفي الكثرة: روقا. (١٧) ومن باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق (قوله: لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا) إنما قال ذلك لأنَّهم نسبوا إليه ما لم يقل، فشق ذلك عليه، ثم إنَّه لما علم أنه لا يجوز له ذلك، ذكر ما عنده من علم ذلك. و(قوله: يحرق البيت) قد كان ذلك في عهد ابن الزبير، وذلك أن يزيد بن معاوية وجه من الشام مسلم بن عقبة المدني، في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فنزل بالمدينة، وقاتل أهلها وهزمهم، وأباحها ثلاثة أيام، وهي وقعة الحرة، وقد قدمنا ذكرها، ثم سار يريد مكة، فمات بقديد، وولي الجيش الحصين بن نمير، وسار إلى

стр. 4300

وَيَكُونُ. . . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَخرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي، فَيَمكُثُ أَربَعِينَ، لَا أَدرِي أَربَعِينَ يَومًا أَو أَربَعِينَ شَهرًا أَو أَربَعِينَ عَامًا، فَيَبعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابنَ مَريَمَ، كَأَنَّهُ عُروَةُ بنُ مَسعُودٍ فَيَطلُبُهُ فَيُهلِكُهُ، ثُمَّ يَمكُثُ النَّاسُ سَبعَ سِنِينَ، لَيسَ بَينَ اثنَينِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِن قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبقَى عَلَى وَجهِ الأَرضِ أَحَدٌ فِي قَلبِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن خَيرٍ أَو إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتهُ، حَتَّى لَو أَنَّ أَحَدَكُم دَخَلَ فِي كَبَدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتهُ عَلَيهِ حَتَّى تَقبِضَهُ. قَالَ: سَمِعتُهَا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: فَيَبقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيرِ وَأَحلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعرِفُونَ مَعرُوفًا وَلَا يُنكِرُونَ مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُم الشَّيطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَستَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأمُرُنَا؟ فَيَأمُرُهُم بِعِبَادَةِ الأَوثَانِ وَهُم فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزقُهُم حَسَنٌ عَيشُهُم، ثُمَّ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا، قَالَ: وَأَوَّلُ مَن ــ مكة فحاصر ابن الزبير، وأُحرقت الكعبة حتى انهدم جدارها وسقط سقفها، وجاء الخبر بموت يزيد فرجعوا. و(قوله: فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما، أو شهرا، أو سنة) هذا الشك من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار السابقة أنه أربعون يوما على التفصيل المتقدم. و(قوله: لو أن أحدكم دخل في كبد جبل) كذا صحيح الرواية، ووقع في بعض النسخ: كبد رجل، وهو مثل قصد به الإغياء، وكبد الشيء: داخله. و(قوله: ويبقى شرار الناس، في خفة الطير، وأحلام السباع) أي: هم في مسارعتهم، وخفتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات وغلبة الأهواء، كالطير لخفة طيرانه، وهم في الإفساد والعدوان كالسباع العادية. والصور: قرن يُنفخ فيه، كما جاء في الحديث. وأصغى: أمال، والليت: صفحة العنق، وهو جانبه.

стр. 4301

يَسمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوضَ إِبِلِهِ قَالَ: فَيَصعَقُ وَيَصعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرسِلُ اللَّهُ - أَو قَالَ: يُنزِلُ اللَّهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، أَو: الظِّلُّ - نُعمَانُ الشَّاكُّ - فَتَنبُتُ مِنهُ أَجسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنفَخُ فِيهِ أُخرَى، فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلَى رَبِّكُم، وَقِفُوهُم إِنَّهُم مَسئُولُونَ. قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: أَخرِجُوا بَعثَ النَّارِ، فَيُقَالُ: مِن كَم؟ فَيُقَالُ: مِن كُلِّ أَلفٍ تِسعمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ يَومَ ﴿يَجعَلُ الوِلدَانَ شِيبًا﴾ وَذَلِكَ ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ ــ و(قوله: كأنه الطل، أو الظل) هذا شك، والأصح أنه الطل بالطاء المهملة، لقوله في حديث أبي هريرة ﵁: ثم ينزل من السماء ماء، وفي حديث آخر: كمني الرجال. وهلموا؛ أي: تعالوا وأقبلوا، وقد تقدَّم أن فيها لغتين، وقد روي هنا بالوجهين: هلموا، وهلم. و(قوله: ثم يقال أخرجوا بعث النار) قد تقدَّم في الإيمان أن الذي يقال له ذلك: آدم ﵇ والجمع بينهما بأن المأمور أولا آدم، وهو يأمر الملائكة بالإخراج، ومعنى الإخراج هنا بتمييز بعضهم من بعض، وإلحاق كل طائفة بما أعد لها من الجنة أو النار. و(قوله: فذلك يوم يجعل الولدان شيبا) الولدان: جمع وليد، وهو الصغير. يقال عليه من حين الولادة إلى أن يرجع جفرا. وشيبا: جمع أشيب؛ أي: يصير الصغير أشيب لشدة أهوال ذلك اليوم. وقيل: هذا على التهويل والتمثيل، كما قال أبو تمام: خطوب تشيب (١) رأس الوليد و(قوله: وذلك يوم يكشف عن ساق) معناه ومعنى ما في كتاب الله تعالى

стр. 4302

رواه أحمد (٢/ ١٦٦)، ومسلم (٢٩٤٠) (١١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٦٢٩). [٢٨٣٧] عن عائشة قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسان منهم فقال: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم. رواه البخاريُّ (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢). ــ من ذلك واحد، وهو عبارة عن شدة الحال وصعوبة الأمر. قاله ابن عباس في الآية. يقال: كشفت الحرب عن ساقها. قال الشاعر: قد حلت الحرب بكم فجُدوا ... وكشفت عن ساقها فشُدوا وقال آخر: كشفت لكم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح وأصله: أن المُجِد في الأمر يشد إزاره، ويرفعه عن ساقه. قال قتادة: يقال للواقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد: قد كشف ساقه. قال الشاعر: في سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عراقها قلت: وهذا المعنى بين في هذا الحديث فتأمل مساقه، وعليه تُحمل الآية، ولا يلتفت إلى غير ذلك مما قيل فيها. و(قوله: إن يعش هذا لم يدركه الهرم، قامت عليكم ساعتكم) هذه الرواية رواية واضحة حسنة، وهي المفسرة لكل ما يرد في هذا المعنى من الألفاظ المشكلة، كقوله في حديث أنس ﵁: حتى تقوم الساعة، وفي لفظ آخر: القيامة، فإنَّه يعني به ساعة المخاطبين وقيامتهم، كما تقدم في تفسير الراوي، لقوله: يعني بذلك أن ينخرم ذلك القرن.

стр. 4303

[٢٨٣٨] ومن حديث أنس، قال: إن عُمِّر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة. قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذ. رواه مسلم (٢٩٥٣) (١٣٨). [٢٨٣٩] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : بُعثت أنا والساعة كهاتين. قال: وضم السبابة والوسطى. رواه أحمد (٣/ ١٢٣)، والبخاريُّ (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) (١٣٥)، والترمذيُّ (٢٢١٤). [٢٨٤٠] وعن أبي هريرة - يبلغ به النبي ﷺ قال: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم، والرجل يلط في حوضه، فما يصدر حتى تقوم. رواه أحمد (٢/ ٣٦٩)، والبخاريُّ (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤). ــ و(قوله: بُعثت أنا والساعة كهاتين وضم بين السبابة والوسطى) رويته: أنا والساعة بالضم والفتح، فالضم على العطف، والفتح على المفعول معه، والعامل: بُعثت. وكهاتين: حال، أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتمل أن يقع بالتفاوت الذي بين السبابة والوسطى فتأمله. ويدل عليه قول قتادة في بعض رواياته: كفضل إحداهما على الأخرى، وحاصله تقريب أمر الساعة التي هي القيامة، وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا﴾ قال الحسن: أول أشراطها: محمد ﷺ . و(قوله: تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم. . . الحديث) وقد تقدَّم أن اللقحة: الناقة ذات اللبن. ويلوط حوضه

стр. 4304

[٢٨٤١] وعنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين النفختين أربعون. قالوا: يا أبا هريرة أربعون يوما؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا. ــ ويتلوط في حوضه؛ أي يصلحه ويطينه، ويروى: يلط حوضه، بمعناه. ويقال: لاط حوضه يلوطه، وهي المعروفة، ويقال: ألاط حوضه يليطه: إذا طينه، وحاصل هذا الحديث أن الساعة تقوم بغتة، كما قال تعالى: ﴿لا تَأتِيكُم إِلا بَغتَةً﴾ و(قوله: ما بين النفختين أربعون) يعني: نفختي الصعق والبعث، يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ و(قول أبي هريرة: أبيت أبيت، لما سئل عن الأربعين ما هي) يدل على أنه كان عنده من ذلك علم، وامتنع من بثه، لأنه لا ترهق إليه حاجة ولا يتعلق به عمل، ويحتمل أن لا يكون عنده علم من ذلك. و(قوله: أبيت، أبيت) يعني أبيت أن أسأل عن ذلك النبي ﷺ ، وفيه بُعد. و(قوله: ثم ينزل الله من السماء ماء) يعني به بعد نفخة الصعق، ينزل هذا الماء الذي هو كمني الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذلك عبر بقوله: فينبتون كما ينبت البقل، فإذا تهيأت الأجسام وكملت نفخ في الصور نفخة البعث، فخرجت الأرواح من المحال التي هي فيها. قال بعضهم: فتأتي كل روح إلى جسده فيحييها الله تعالى، كل ذلك في لحظة بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾

стр. 4305

في رواية: لا تأكله الأرض أبدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة. وفي أخرى: منه خلق، وفيه يركب. رواه البخاريُّ (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥) (١٤١ و ١٤٢)، وأبو داود (٤٧٤٣)، والنسائي (٤/ ١١١). * * * ــ و(قوله: كل ابن آدم تأكله الأرض) أي: تبليه، وتصيره إلى أصله الذي هو التراب، هذا عموم مخصص بقوله ﷺ : حرم الله تعالى على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء (١). وبقوله ﷺ : المؤذن المحتسب كالمتشحط في دمه، وإن مات لم يُدَوّد في قبره (٢). وظاهر هذا أن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء والمؤذنين المحتسبين، وقد شوهد هذا فيمن اطُّلع عليه من الشهداء، فوُجدوا كما دُفنوا بعد آماد طويلة، كما ذكر في السير وغيرها. وعجب الذنب، يقال بالباء والميم، وهو جزء لطيف في أسفل الصلب، وقيل: هو رأس العصعص، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث: قيل: يا رسول الله وما هو؟ قال: مثل حبة خردل، ومنه تنتشرون (٣). و(قوله: منه خلق وفيه يركب) أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى. * * *

стр. 4306

(١٨) باب المبادرة بالعمل الصالح والفتن وفضل العبادة في الهرج [٢٨٤٢] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة. وفي رواية: الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من ــ (١٨ و ١٩ و ٢٠) ومن باب: المبادرة بالعمل الصالح الموانع والفتن (١) (قوله: بادروا) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة، واغتنموا التمكن منها قبل أن يحال بينكم وبينها بداهية من هذه الدواهي المذكورة، فيفوت العمل للمانع، أو تعدم منفعته لعدم القبول، وقد تقدم القول على أكثر هذه الست. و(قوله: وخاصة أحدكم) يعني به: الموانع التي تخصه مما يمنعه العمل، كالمرض والكبر والفقر المنسي، والغنى المطغي، والعيال والأولاد، والهموم، والأنكاد، والفتن، والمحن إلى غير ذلك مما لا يتمكن الإنسان مع شيء منه من عمل صالح، ولا يسلم له، وهذا المعنى هو الذي فصّله في حديث آخر حيث قال: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (٢).

стр. 4307

مغربها، وأمر العامة وخويصة أحدكم. رواه أحمد (٢/ ٣٢٤)، ومسلم (٢٩٤٧) (١٢٨ و ١٢٩). [٢٨٤٣] وعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: العبادة في الهرج كهجرة إلي. رواه أحمد (٥/ ٢٥)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذيُّ (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥). * * * ــ و(قوله: وأمر العامة) يعني: الاشتغال بهم فيما لا يتوجه على الإنسان فرضه؛ فإنَّهم يفسدون من يقصد إصلاحهم، ويهلكون من يريد حياتهم، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي قد مرجت فيها عهودهم وخانت أماناتهم، وغلبت عليهم الجهالات والأهواء، وأعانهم الظلمة والسفهاء، وعلى هذا فعلى العامل بخويصة نفسه، والإعراض عن أبناء جنسه إلى حلول رمسه، أعاننا الله على ذلك بفضله وكرمه. وقد جاءت هذه الستة في إحدى الروايتين معطوفة بـ (أو) فيجوز أن تكون للتنويع، أي: اتقوا أن يصيبكم أحد هذه الأنواع، ويصح أن تكون بمعنى الواو، كما جاء في الرواية الأخرى. و(قوله: العبادة في الهرج كهجرة إلي) قد تقدَّم أن الهرج: الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنَّه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ ، وكذلك هو المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه.

стр. 4308

(١٩) باب إغراء الشيطان بالفتن [٢٨٤٤] عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم. رواه أحمد (٣/ ٣١٣)، ومسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٨). [٢٨٤٥] وعنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه يفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة. وفي أخرى: إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، ــ و(قوله: إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) يعني - والله أعلم - أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة وذهب عنهم اسم المصلين، فإذ ذلك يكونون شرار الخلق، وهذا إنما يتم إذا قبض الله تعالى المؤمنين بالريح الباردة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو، ﵄. وحينئذ يتمثل لهم الشيطان فيقول لهم: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فماذا تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وحينئذ تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة، وتعبد اللات والعزى. والله أعلم، وقد تقدَّم القول في جزيرة العرب. و(قوله: ولكن في التحريش بينهم) أي: في الخلاف والشرور والعداوة والبغضاء بينهم، حتى تكون من ذلك أمثال تلك الفتن العظيمة والخطوب الجسيمة. و(قوله: إن عرش إبليس على البحر) أي سريره، يفعل ذلك تكبرا على جنوده وأحزابه، وهذا هو العرش الذي رآه ابن صياد، كما تقدَّم. وأصل العرش:

стр. 4309

فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت. قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه. رواه مسلم (٢٨١٣) (٦٦ و ٦٧). * * * (٢٠) باب في قوله ﵊: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، وهلك المتنطعون آخر الفتن [٢٨٤٦] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب ــ الرفع. ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَعرُوشَاتٍ وَغَيرَ مَعرُوشَاتٍ﴾ أي: منها ما هو مرفوع على ساق وهي الشجر، ومنها ما ليس كذلك، وهو النجم. و(قوله: فيدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت، ) كذا وجدته مقيدا في أصل الشيخ أبي الصبر؛ أي: يقربه منه ويعانقه ويمدحه بـ (نعم) التي للمحمدة، وقد أضمر فاعلها للعلم به من غير شرط، تقديره: نعم الحبيب، أو الولي أنت. وهذا الإضمار شاذ؛ لأنَّه لا يجوز إلا إذا فسر بنكرة منصوبة على التمييز، كما هو المعروف في النحو، ومن قال: إن (نعم) هنا حرف جواب، فليس على صواب إذ ليس في الكلام سؤال يقتضيه، ولا معنى يناسبه. و(قوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم) يروى (سنن) بضم السين وبفتحها،

стр. 4310

لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ رواه أحمد (٣/ ٨٤)، والبخاريّ (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩). [٢٨٤٧] وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : هلك المتنطعون. قالها ثلاثا. رواه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داود (٤٦٠٨). [٢٨٤٨] وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء. رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاريّ (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذي (٢٧٨٠). [٢٨٤٩] وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، ــ فبالضم: جمع سُنة، وهي الطريقة المسلوكة، وبالفتح: هو اسم للطريق. والضب: حِرذون الصحراء. والمتنطعون: المتعمقون والغالون، وقد تقدم القول في هذا الحديث. و(قوله: إن الدنيا حلوة خضرة) أي: مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها، كالثمر المُستحلَى المعجب المرأى. و(قوله: إن الله مستخلفكم فيها) أي: جعلكم فيها خلفا ممن كان قبلكم؛ فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد ذهاب آخرين. و(قوله: فينظر كيف تعملون) أي: يبصر أعمالكم فيجازي كلا بعمله؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
следующие страницы →