(٦٧) باب يدخل الجنة من أمة النبي ﷺ سبعون ألفًا بغير حساب
[١٦٣] عَن حُصَينِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ قَالَ: كُنتُ عِندَ سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ فَقَالَ: أَيُّكُم رَأَى الكَوكَبَ الَّذِي انقَضَّ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: أَنَا. ثُمَّ قُلتُ: أَمَا إِنِّي لَم أَكُن فِي صَلاةٍ، وَلَكِنِّي لُدِغتُ. قَالَ: فَمَاذَا صَنَعتَ؟ قُلتُ: استَرقَيتُ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعبِيُّ. فقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعبِيُّ؟ قُلتُ: حَدَّثَنَا عَن بُرَيدَةَ بنِ حُصَيبٍ الأَسلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لا رُقيَةَ إِلا مِن عَينٍ أو حُمَةٍ. فَقَالَ: قَد أَحسَنَ انتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ. وَلَكِن حَدَّثَنَا ابنُ عَبَّاسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَالَ: عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ لَيسَ مَعَهُ
ــ
(٦٧) ومن باب كم يدخل الجنّة من أمّة محمد ﷺ بغير حساب؟
(قوله: لا رقيةَ إلاّ من عين أو حُمَة) العين: إصابة العين، والحمة - بضمّ الحاء وفتح الميم مخفَّفة -: حرقة السُمّ ولذعه، وقيل: السُمّ نفسه.
قال الخطّابيّ: ومعنى ذلك: لا رقيةَ أشفى وأولى من رقية العين والحُمّة. وكان ﵊ قد رقي ورقى، وأمر بها وأجازها، وإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى، فهي مباحة أو مأمور بها. وإنّما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنّه ربّما كان كفرًا أو قولاً يدخله الشرك.
قال: ويحتمل أن يكون الذي يُكره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهليّة التي كانوا يتعاطونها، وأنّها تَدفع عنهم الآفات، ويعتقدون أنّ ذلك من قِبَل الجنّ ومعونتهم.
стр. 457
أَحَدٌ. إِذ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنتُ أَنَّهُم أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَومُهُ. وَلَكِنِ انظُر إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: انظُر إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُم سَبعُونَ أَلفًا يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ. ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعضُهم: فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ الله ﷺ . وَقَالَ بَعضُهُم: فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسلامِ وَلَم يُشرِكُوا بِاللهِ، وَذَكَرُوا أَشيَاءَ. فَخَرَجَ عَلَيهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ فَأَخبَرُوهُ. فَقَالَ: هُمِ الَّذِينَ لا يَرقُونَ، وَلا يَستَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ،
ــ
وقد اختلفت الرواية عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم، فأجازها مرّةً إذا رقى بكتاب الله، ومنعها أخرى؛ إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به.
و(قوله: فإذا سواد عظيم) يعني به: أشخاصًا كثيرةً، وجمعه أَسوِدَة، وقد تقدّم.
و(قوله: هم الذين لا يرقون ولا يستَرقَون ولا يكتوون ولا يتطيّرون) اختلف الناس في معنى هذا الحديث وعلى ماذا يُحمل؟ فحمله الإمام المازَرِيّ ﵀ على أنّهم الذين جانبوا اعتقاد الطبائعيّين في أنّ الأدوية تنفع بطباعها واعتقاد الجاهليّة في ذلك ورقاهم. وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه؛ إذ مقصوده إثبات مزيَّةٍ وخصوصيّةٍ لهؤلاء السبعين ألفًا، وما ذكره يرفع المزيّة والخصوصيّة، فإنّ مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافَّةً، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا. ثمّ إنّ ظاهر لفظ الحديث إنّما هو: لا يرقون ولا يكتوون أي: لا يفعلون هذه الأمور، وما ذكره خروج عنه من غير دليل.
وقال الداوديّ. المراد بذلك الذين يجتنبون فعله في الصحّة، فإنّه يُكره
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لمن ليست به علّة أن يتّخذ التمائم ويستعمل الرقى، فأمّا من يستعمل ذلك في مرضٍ به فهو جائز. وهذا إن صحّ أن يقال في التمائم وفي بعض الرقى، فلا يصحّ أن يقال في التعويذات، وهي من باب الرقى؛ إذ قد يجوز أن يتعوّذ من الشرور كلّها قبل وقوعها. ولا يصح ذلك في التطبب، فإنه يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها، وأمّا الكيّ، فيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى.
وذهب الخطّابيّ وغيره إلى أنّ وجه ذلك أن يكون تركُها على جهة التوكّل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء، قال: وهذه أرفع درجات المحقِّقين بالإيمان، قال: وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، وسمّاهم. قال القاضي أبو الفضل عياض: وهذا هو ظاهر الحديث؛ ألا ترى قوله: وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ ومضمون كلامه أنّه لا فرق بين ما ذكر من الكيّ والرقى وبين سائر أبواب الطبّ.
وقد ذهب غيره إلى أنّ استعمال الرقى والكيّ قادح في التوكّل بخلاف سائر أنواع الطبّ، فإنّها غير قادحة في التوكّل، وفرّق بين القسمين بأن قال: باب الرقى والكيّ والطِيَرة موهوم (١) فيقدح في التوكل، وما عداها غير موهوم بل محقّق، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للريّ، فلا يقدح. قال الشيخ: وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنّ أكثرَ أبواب الطبّ موهومة كالكيّ، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ والرقى.
وثانيهما: أنّ الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكّل على الله تعالى، فإنّه التجاء إليه، ويتضمّن ذلك رغبته له وتبرّكًا بأسمائه، والتعويل عليه في كشف الضُرّ والبلاء، فإن كان هذا قادحًا في التوكّل، فليكن الدعاء والأذكار قادحا في
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التوكّل، ولا قائل به، وكيف يكون ذلك؟ وقد رقى النبيّ ﷺ واسترقى. ورقاه جبريل وغيره ورقته عائشة، وفعل ذلك الخلفاء والسلف، فإن كانت الرقى قادحة في التوكّل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا، فالتوكّل لم يتمّ للنبيّ ﷺ ولا لأحد من الخلفاء، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا مع أنّهم أفضل مَن وافى القيامة بعد الأنبياء، ولا يتخيل هذا عاقل (١).
قال الشيخ ﵀: والذي يظهر لي أنّ القول ما قاله الخطّابيّ وحكاه عن جماعة من السلف، وذلك ظاهر في الطيرة والكيّ، فإذا دفع الطيرة عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكّل على الله تعالى، كان في المقام الأرفع من التوكّل؛ لأنّ الطيرة قد تلازم قلب الإنسان ولا يجد الانفصال (١) عنها، ولذلك قال ﷺ حين سئل عن الطيرة فقال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم (٢) فإذا استعمل المؤمن الإعراض عنها والتفويض إلى الله في أموره، ذهب ما كان يجده منها، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: الطيرة شرك، الطيرة شرك - ثلاثًا - وما منّا إلا، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل (٣).
و(قوله: إلاّ) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه: ذاك شيء يجدونه في صدورهم.
وأمّا الكيّ، فالمأمون منه جائز، وقد كوى النبيّ ﷺ أُبيًّا يوم الأحزاب على
стр. 460
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أكحله لما رمي. وفي البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ ﷺ قال: الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كيّة بنار، وأنا أنهى أمّتي عن الكيّ (١)، وفي حديث جابر: وما أُحِبُّ أن أكتوي (٢). وعلى هذا فالمأمون من الكيّ وإن كان نافعًا - جائز، إلاّ أنّ تركه خير من فعله، وهذا معنى نهيه ﷺ عنه، وسببه أنّه تعذيب بعذاب الله، وقد قال ﷺ : لا تُعذِّبوا بعذاب الله (٣) يعني: النار. وبهذا ينفرد الكيّ ولا يُلحق به التطبُّب بغير ذلك في الكراهة، فإنّ النبيّ ﷺ قد تطبَّب وطبب، وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطبّ بقوله: يا عبادَ الله! تداووا، فإنّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء (٤).
وأمّا الرقي والاسترقاء، فما كان منه من رقي الجاهليّة أو بما لا يعرف، فواجب اجتنابه على سائر المسلمين، وتركه حاصل من أكثرهم، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى وبالمرويّ عن رسول الله ﷺ ؛ لما قدّمناه من أنّه التجأ إلى الله، وتبرّك بأسمائه.
ويظهر لي - والله تعالى أعلم - أنّ المقصود: اجتناب رقي خارج عن القسمين، كالرقي بأسماء الملائكة والنبيّين والصالحين، أو بالعرش والكرسيّ والسماوات والجنّة والنار وما شاكل ذلك ممّا يعظَّم، كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى، فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور (٥) الذي يعمّ
стр. 461
وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ.
ــ
اجتنابه، وليس من قبيل الرقي الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرُّك بأسمائه، وكأنّ هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله، غير أنّ تركه أولى؛ من حيث إنّ الرقي بذلك تعظيم، وفيه تشبيه المَرقيِّ به بأسماء الله تعالى وكلماته، فينبغي أن يُجتنب لذلك. وهذا كما نقوله في الحلف بغير الله، فإنّه ممنوع، فإنّ فيه تعظيمًا لغير الله تعالى بمثل ما يعظّم به الله، والله أعلم.
وهذا ما ظهر لي، فمن ظهر له ذلك فليقبله شاكرًا، وإلا فليتركه عاذرًا. وسيأتي الكلام في اشتقاق لفظ الطِيَرَة في كتاب الصلاة، إن شاء الله.
و(قوله: وعلى ربّهم يتوكّلون) التوكّل لغةً: هو إظهار العجز عن أمر ما، والاعتماد فيه على الغير، والاسم التكلان، يقال منه: اتّكلتُ عليه في أمري، وأصله اوتَكلت، قُلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، ثمّ أُبدل منها التاءُ وأُدغمت في تاء الافتعال. ويقال: وكّلتُه بأمر كذا توكيلاً، والاسم الوِكالة بكسر الواو وفتحها.
واختلف العلماء في التوكّل وفيمن يستحِقّ اسم المتوكِّل على الله، فقالت طائفة من المتصوِّفة: لا يستحقّه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سَبُع أو غيره، وحتّى يترك السعي في طلب الرزق؛ لضمان الله تعالى.
وقال عامّة الفقهاء: إنّ التوكّل على الله تعالى هو الثقة بالله والإيقان بأنّ قضاءه ماضٍ، واتّباع سنّة نبيّه في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرّز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنّة الله تعالى المعتادة. وإلى هذا ذهب محقِّقو المتصوِّفة، لكنّه لا يستحقّ اسم المتوكّل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب، والالتفات إليها بالقلوب، فإنّها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا، بل السبب والمسبّب فعل الله تعالى، والكلّ منه وبمشيئته. ومتى وقع من المتوكِّل ركون إلى تلك الأسباب، فقد انسلخ عن ذلك الاسم.
стр. 462
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بنُ مِحصَنٍ، فَقَالَ: ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. فَقَالَ: أَنتَ مِنهُم. ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادعُ اللهَ أَن يَجعَلَنِي مِنهُم. فَقَالَ: سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ.
رواه أحمد (١/ ٢٧١)، والبخاري (٦٥٤١)، ومسلم (٢٢٠)، والترمذي (٢٤٤٨).
ــ
ثمّ المتوكِّلون على حالين:
الحال الأوّل: حال المتمكِّن في التوكُّل، فلا يَلتفِت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه، ولا يتعاطاها إلاّ بحكم الأمر.
الحال الثاني: حال غير المتمكِّن، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا، غير أنّه يدفعها عن نفسه بالطرق العلميّة والبراهين القطعيّة والأذواق الحاليّة، فلا يزال كذلك إلى أن يُرقِيَه الله بجوده إلى مقام المتمكِّنين، ويلحقه بدرجات العارفين.
و(قوله: فقام إليه عُكّاشة بن مِحصَن فقال: ادع اللهَ أن يجعلَني منهم) عكاشة هذا هو بضمّ العين وتشديد الكاف، قال ثعلب. وقد تخفَّف. قال الشيخ ﵀: ولعلّه منقول من عُكاشة اسمٍ لبيت النمل بالتخفيف، أو مأخوذ من عَكِش الشَعر وتعكَّش إذا التوى. وعُكاشة هذا من أفاضل الصحابة وخيارهم وشجعانهم، له ببدر المقام المشهود والعَلَم المنشور، وذلك أنّه ضرب بسيفه في الكفّار حتّى انقطع، فأعطاه رسول الله ﷺ جِزل حطب فأخذه فهزّه فعاد في يده سيفًا صارمًا، فقاتل به حتّى فتح الله على المسلمين. وكان ذلك السيف يسمَّى العون، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله ﷺ حتّى قُتل عُكاشة في الردّة وهو عنده، قتله طُليحة الأسديّ، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : منّا خيرُ فارسٍ في العرب، قالوا. ومن هو يا رسول الله؟ قال:
стр. 463
[١٦٤] وَعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِي سَبعُونَ أَلفًا بِغَيرِ حِسَابٍ قَالُوا: مَن هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: هُمِ الَّذِينَ لا يَستَرقُونَ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ، وَلا يَكتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ.
رواه أحمد (٤/ ٤٤٨)، ومسلم (٢١٨).
* * *
ــ
عُكاشة بن محصن (١). ولقوّة يقينه وشدّة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبحانه، سبق الصحابةَ كلَّهم بقوله: ادع الله أن يجعلني منهم. ولمّا لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال الشريفة ما كان عند عُكاشة، قال له: سبقك بها عُكاشة، وأيضًا فلئلاّ يطلبَ كلّ من هنالك ما طلبه عُكاشة، والرجل الآخر، ويتسلسل الأمر، فسدّ رسول الله ﷺ الباب بما قال لعكاشة. وهذا أولى من قول من قال: إنّ ذلك الرجل كان منافقًا؛ لوجهين:
أحدهما: أنّ الأصل في الصحابة صحة الإيمان والعدالة، فلا يُظنُّ بأحد منهم شيءٌ يقتضي خلاف ذلك الأصل، ولا يُسمع ما لا يصح نقله، ولا يجوز تقديره.
والثاني: أنّه قلّ أن يصدر مثل ذلك السؤال عن منافق، إذ ذلك السؤال يقتضي تصديقا صحيحا ويقينا ثابتا، والله أعلم.
* * *
стр. 464
(٦٨) باب أمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة
[١٦٥] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَقُولُ اللهُ: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيكَ! وَسَعدَيكَ! وَالخَيرُ فِي يَدَيكَ! قَالَ: يَقُولُ: أَخرِج بَعثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِن كُلِّ أَلفٍ تِسعَمِائَةٍ وَتِسعَةً وَتِسعِينَ. قَالَ: فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَملٍ حَملَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ،
ــ
(٦٨) ومن باب: أن أمّة محمّد ﷺ شطر أهل الجنّة
(قوله تعالى لآدم: أخرج بعث النار) إنّما خصّ آدم بذلك القول؛ لأنه أب للجميع، ولأنّ الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه، وهم الأسودة التي رآها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء عن يمين آدم، وهم أهل الجنّة، وعن يساره وهم أهل النار، كما تقدّم.
وبعث النار من يبعث إليها، وكذلك بعث أهل الجنة. ومعنى أخرج هنا ممن يخرج، ويميز بعضهم عن بعض، وذلك يكون في المحشر حيث يجتمع الناس ويختلطون، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون معنى أخرج؛ أي: احضر إخراجهم، فكأنهم يعرضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم، كما قد عرضت عليه نسمهم.
و(قوله: وما بعث النار؟ ) وضعت هنا ما موضع كم العددية؛ لأنه أجيب عنها بعدد، وأصل ما أن يسأل بها عن ذوات الأشياء وحدودها. ولَمَّا سمع أصحاب النبي ﷺ أن ألفًا إلا واحدًا للنار، وواحدًا للجنة، اشتد خوفهم لذلك، واستقلوا عدد أهل الجنة منهم، واستبعد كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد، فسكّن النبي ﷺ خوفهم، وطيَّب قلوبهم، فقال: أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم رجل؛ ويعني بالألف هنا: التسعمائة والتسعة والتسعين
стр. 465
قَالَ: فَاشتَدَّ ذَلِكَ عَلَيهِم. قَالُوا: يَا رسولَ الله! أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: أَبشِرُوا، فَإِنَّ مِن يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ أَلفًا، وَمِنكُم رَجُلٌ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا رُبُعَ أهل الجَنَّةِ فَحَمِدنَا اللهَ
ــ
المتقدمة الذكر. ويأجوج ومأجوج خلق كفار وراء سد ذي القرنين. والمراد بهم في هذا (١) الحديث: هم ومن كان على كفرهم، كما أن المراد بقوله: منكم أصحابه ومن كان على إيمانهم؛ لأن مقصود هذا الحديث: الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم، ألا ترى أن قوله ﵊: إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرّقمة في ذراع الحمار؛ يدل على ذلك المقصود؟ .
وأما نسبة هذه الأمّة إلى من يدخل الجنة من الأمم، فهذه الأمة شطر أهل الجنة كما نص عليه. والشطر: النصف، ومنه يقال: شاطرتُه مُشاطَرَةً، إذا قاسمتُه فأخذتُ نصفَ ما في يديه. والرقمتان للفرس أو الحمار الأثرانِ بباطن أعضادهما، والرقمتانِ للشاة هَيئتَان في قوائمها متقابلتانِ كالظفرين. ولبّيك معناه: إجابةً لك بعد إجابة، وسَعدَيك: مساعدة بعد مساعدة، وكلاهما منصوبٌ على المصدر، ولم تستعمل العرب له فعلاً من لفظه يكون مصدره.
و(قوله: والخير في يديك) أي: تملكه أنت لا يملكه غيرك، وهذا كقوله تعالى: بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، أي: بيدك الخير والشرّ، ولكن سكت عن نسبة الشرّ إليه تعالى؛ مراعاة لأدب الحضرة، ولم ينسب الله لنفسه الشر؛ تعليمًا لنا مراعاة الأدب واكتفى بقوله: إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ؛ إذ قد استغرق كلّ الموجودات الممكنات.
стр. 466
وَكَبَّرنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أهل الجَنَّةِ فَحَمِدنَا اللهَ وَكَبَّرنَا. ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي لأَطمَعُ أَن تَكُونُوا شَطرَ أهل الجَنَّةِ. إِنَّ مَثَلَكُم فِي الأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعرَةِ البَيضَاءِ فِي جِلدِ الثَّورِ الأَسوَدِ، أو كَالرَّقمَةِ فِي ذِرَاعِ الحِمَارِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٢ و ٣٣)، والبخاري (٦٥٣٠)، ومسلم (٢٢٢).
* * *
ــ
و(قوله: إنّي لأَطمعُ أن تكونوا شطرَ أهل الجنّة) هذه الطماعية قد حُقِّقت له بقوله: وَلَسَوفَ يُعطِيكَ رَبُّكَ فَتَرضَى وبقوله: إنّا سنُرضيك في أمّتك، كما تقدّم، لكن علّق هذه البُشرى على الطمع؛ أدبًا مع الحضرة الإلهيّة ووقوفًا مع أحكام العبوديّة.
* * *
стр. 467
(٢) كتاب الطهارة
(١) باب فضل الطهارة وشرطها في الصلاة
[١٦٦] عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشعَرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الطُّهُورُ شَطرُ الإِيمَانِ،
ــ
(٢) كتاب الطهارةِ
(١) باب: فضل الطهارة
(قوله ﵊: الطهور شطر الإيمان) الطَّهُور بفتح الطاء: الاسم، وبضمها: المصدر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. وكذلك الوضوء والوقود والوَجور (١) والفطور (٢) الفتح للاسم، والضم للمصدر.
وحكي عن الخليل في الوضوء الفتح فيهما، ولم يعرف الضم، قال ابن الأنباري: والأول هو المعروف والذي عليه أهل اللغة. فأما الغسل
стр. 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فالفتح للمصدر، والضم للماء، عكس الوضوء، على ما حكاه الجوهري، وقد قيل في الغسل ما قيل في الوضوء.
والطهور والطهارة مصدران بمعنى: النظافة. تقول العرب: طَهَرَ الشيء: بفتح الهاء وضمها، يطهُر بضَمِّها لا غير طهارةً وطهورًا، كما تقول: نظف ينظف نظافةً، ونزه ينزه نزاهَةً، بضمها لا غير، وهي التنزه عن المستخبثات المحسوسة والمعنوية، كما قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ الرِّجسَ أَهلَ البَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا. والشطر: النصفُ، وقد تقدم، والشطر أيضًا: النحو والقَصد، ومنه: شَطرَ المَسجِدِ الحَرَامِ وقول الشاعِر (١):
أقول لأم زنباع أقيمي ... صدُور العيس شطرَ بني تميم
أي: نحوهم، ويقال: شطر عنه؛ أي: بعُدَ، وشطر إليهِ؛ أي: أقبل. والشاطر من الشبان: البعيد من الخير.
وقد اختُلِف في معنى قوله ﵊: الطَهُور شطر الإيمان؛ على أقوالٍ كثيرةٍ؛ أولاها: أن يقال: إنه أراد بالطهور الطهارةَ من الم تخبثات الظَاهرِة والباطنةِ. والشطرُ: النصف، والإيمان هنا: هو بالمعنى العام، كما قد دللنا عليه بقوله ﵊: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان (٢).
ولا شك أن هذا الإيمان ذو خصال كثيرة، وأحكام متعددةٍ، غير أنها منحصرةٌ فيما ينبغي التنزه والتطَهر منه، وهي كل ما نهى الشرع عنه، وفيما
стр. 469
وَالحَمدُ لِلَّهِ تَملأُ المِيزَانَ، وَسُبحَانَ اللهِ وَالحَمدُ لِلَّهِ تَملآنِ - أَو تَملأُ - مَا بَينَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ،
ــ
ينبغي التلبس والاتصاف به، وهي: كل ما أمر الشَّرعُ به، فهذان الصنفان عبر عن أحدهما بالطهارة على مستعمل اللغة، وهذا كما قد روي مرفُوعًا: الإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر (١)، وقد قيل: إن الطهارة الشرعية لما كانت تكفر الخطايا السابقة كانت كالإيمان الذي يجبُّ ما قبله؛ فكانت شطر الإيمان بالنسبة إلى محو الخطايا، وهذا فيه بعدٌ؛ إذ الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة تكفر الخطايا؛ فلا يكون لخصوصية الطهارة بذلك معنًى. ثم لا يصح أيضًا معنى كون الطهارة نصف الإيمان بذلك الاعتبار؛ لأنها إنما تكون مثلاً له في التكفير، ولا يقال على المثل للشيء: شطره، وقيل: إن الإيمان هنا يراد به الصلاة، كما قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم؛ أي: صلاتكم على قول المفسرين، ومعناه على هذا: أن الصلاة لما كانت مفتقرة إلى الطَّهارة كانت كالشطر لها، وهذا أيضًا فاسد؛ إذ لا يكون شرط الشيء شطره لا لغة ولا معنًى، فالأولى التأويل الأول، والله أعلم.
فإن قيل: كل ما ذكرتم مبني على أن المراد بالطهور: الطهارة، وذلك لا يصح؛ لأنه لم يروه أحدٌ فيما علمناه: الطُّهور، بالضم، وإنما روي بالفتح، فإذا هو الاسم على ما تقدم. قلنا: يصح أن يقال: يحمل هذا على مذهب الخليل كما تقدَّم، ويُمكن حمله على المعروف، ويراد به استعمال الطَّهور شطر الإيمان.
و(قوله: والحمد لله تملأ الميزان) قد تقدم معنى الحمد، وأنه راجعٌ إلى الثناء على مُثنى مَّا بأوصاف كماله، فإذا حمد الله حامدٌ مستحضرًا معنى الحمد في
стр. 470
وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهَانٌ،
ــ
قلبه امتلأ ميزانه من الحسنات، فإن أضاف إلى ذلك: سبحان الله، الذي معناه تبرئة الله، وتنزيهه عن كل ما لا يليق به من النقائص، ملأت حسناته وثوابها زيادة (١) على ذلك ما بين السماوات والأرض؛ إذ الميزان مملوء بثواب التحميد، وذكر السماوات والأرض على جهة الإغياء (٢) على العادة العربية، والمرادُ: أن الثواب على ذلك كثيرٌ جدًّا، بحيث لو كان أجسامًا لَمَلأ ما بين السماوات والأرض.
و(قوله: والصلاة نور) معناه: أن الصلاةَ إذا فعلت بشروطها: المصححة والمكملة نوّرت القلب؛ بحيث تشرق فيه أنوار المكاشفات والمعارف، حتى ينتهي أمر من يراعيها حق رعايتها أن يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة (٣). وأيضًا: فإنها تنوِّر بين يدي مراعيها يوم القيامة في تلك الظلم، وأيضًا: تنوَّر وجه المصلي يوم القيامة، فيكون ذا غرةٍ وتحجيل، كما قد ورد في حديث عبد الله بن بسر مرفوعًا: أمتي يوم القيامة غر من السجود محجلون من الوضوء (٤).
و(قوله: والصدقة برهان) أي: على صحة إيمان المتصدق، أو على أنه ليس من المنافقين الذين يلمزون المطوّعين من المؤمنين في الصدقات، أو على صحة محبةِ المتصدق لله تعالى، ولما لديه من الثواب؛ إذ قد آثر محبة الله تعالى وابتغاء ثوابه، على ما جُبل عليه من حُبّ الذهب والفضّة؛ حتى أخرَجُه لله تعالى.
стр. 471
وَالصَّبرُ ضِيَاءٌ، وَالقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغدُو، فَبَائعٌ نَفسَهُ، فَمُعتِقُهَا أو مُوبِقُهَا.
ــ
و(قوله: والصبر ضياء) كذا صحت روايتنا فيه، وقد رَوَاهُ بعض المشايخ: والصوم ضياء بالميم، ولم تقع لنا تلك الرواية، على أنه يصح أن يُعبر بالصبر عن الصوم، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلَاةِ فإن تنزلنا على ذلك؛ فيقال في كون الصبر ضياء؛ كما قيل في كون الصلاة نورًا، وحينئذ لا يكون بين النور والضياء فرق معنوي بل لفظي. والأولى أن يقال: إن الصبر في هذا الحديث غير الصوم؛ بل هو الصَّبر على العبادات والمشاق والمصائب، والصبر عن المخالفات، والمنهيات، كاتباع هوى النفس والشهوات وغير ذلك، فمن كان صابرًا في تلك الأحوال، متثبتًا فيها، مقابلاً لكُلِّ حالٍ بما يليق به ضاءت له عواقب أحواله، ووضحت له مصالح أعماله، فظفر بمطلوبه، وحصل له من الثواب على مرغوبه، كما قيل:
فَقَل من جدَّ في أمر تطلبه (١) ... واستعمل الصبر إلا فاز بالظفر
و(قوله: والقرآن حجة لك أو عليك) يعني: أنك إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه كان حجَّة لك في المواقف التي تسأل فيها عنه، كمسألة الملكين في القبر، والمسألة عند الميزان، وفي عقبات الصراط، وإن لم تمتثل ذلك احتجّ به عليك، ويحتمل أن يراد به: أن القرآن هو الذي يُنتهى إليه عند التَنازُع في المباحث الشرعيَّة والوقائع الحكمية، فبه تَستَدلُّ على صحة دعواك، وبه يستدل عليك خصمك.
و(قوله: كل الناس يغدو. . الحديث) يغدو بمعنى: يبكر، يقال:
стр. 472
رواه أحمد (٥/ ٣٤٢ و ٣٤٣ و ٣٤٤)، ومسلم (٢٢٣)، والترمذي (٣٥١٧)، والنسائي (٥/ ٥ - ٦).
[١٦٧] وَعَن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ؛ قَالَ: دَخَلَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ عَلَى ابنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وهو مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَلا تَدعُو اللهَ لِي يَا ابنَ عُمَرَ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: لا تُقبَلُ صَلاةٌ بِغَيرِ طُهُورٍ، وَلا صَدَقَةٌ مِن
ــ
غدا إذا خرج صباحًا في مصالحه، يغدو. وراح: إذا رجع بعشي، ومعنى ذلك أن كل إنسان يصبح ساعيًا في أموره مُتصرفًا في أغراضه، ثم إما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الشرع والحق، فهو الذي يبيع نفسه من الله، وهو بيع آيل إلى عتق وحرية، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشتَرَى مِنَ المُؤمِنِينَ أَنفُسَهُم وَأَموَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ. وإما أن تكون تصرفاته بحسب دواعي الهوى والشيطان، فهو الذي باع نفسه من الشيطان فأوبقها؛ أي: أهلكها، ومنه: أَو يُوبِقهُنَّ بِمَا كَسَبُوا. ومنه قول ابن مسعود: الناس غاديان، فبائع نفسه فموبقها، أو مفاديها فمعتقها (١).
و(قوله: لا يقبل الله صلاة بغير طهور) دليلٌ لمالكٍ وابن نافع على قولهما: إن من عدم الماء والصَعيدَ لم يصلِّ، ولم يقضِ إن خرج وقت الصلاة؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدلّ على أنه ليس مخاطبًا بها حالة عدم شرطِها فلا يترتب شيء في الذمة، فلا تقضى؛ وعلى هذا فتكون الطهارة من شروط الوجوب. واختلف أصحاب مالك في هذه المسألة لاختلافهم في هذا الأصل، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
стр. 473
غُلُولٍ، وَكُنتَ عَلَى البَصرَةِ.
رواه أحمد (٢/ ٥٧)، ومسلم (٢٢٤)، والترمذي (١).
[١٦٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ : لا تُقبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُم إِذَا أَحدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٠٨)، والبخاري (١٣٥)، ومسلم (٢٢٥)، وأبو داود (٦٠)، والترمذي (٧٦).
* * *
ــ
والغلول هنا: الخيانة مطلقًا، والمال الحرام. وذِكر ابن عمر هذا الحديث لابن عامر حين سأله في الدعاء، إنما كان على جهةِ الوعظ والتذكير، حتى يخرج عن المظالم، وكأنه يشير له إلى أن الدعاء مع الاستمرار على المظالم لا ينفع، كما لا تنفع صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول.
و(قوله: وكنتَ على البَصرَة) تنبيه على الزمان الذي تعلقت به فيه الحقوق، حتى يحاسب نفسه على تلك المدة، فيتخلص مما ترتب عليه فيها.
و(قوله: لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) الحدث هنا كناية عما يخرج من السبيلين معتادًا في جنسه وأوقاته (١)، عند مالكٍ وجُلِّ أصحابه، وقال ابن عبد الحكم والشافعي: المعتبر الخارج النجس من المخرجين. وقال أبو حنيفة: المعتبر الخارج النجس وحده، فمن أي مَحلٍّ خرج نقض وأوجب.
стр. 474
(٢) باب في صفة الوضوء
[١٦٩] عَن حُمرَانَ مَولَى عُثمَانَ؛ أَنَّ عُثمَانَ بنَ عَفَّانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضمَضَ وَاستَنثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى إِلَى المِرفَق ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يده اليُسرَى مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى إِلَى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ اليُسرَى مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ نحو وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن تَوَضَّأَ نحو وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكعَتَينِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ.
قَالَ ابنُ شِهَابٍ: وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الوُضُوءُ أَسبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلاةِ.
ــ
(٢) ومن باب صفة الوضوء
(قوله: ثلاث مرات) هو تعديد الغسلات لا تعديد الغرفات كما ذهب إليه بعضهم، وليس بشيءٍ؛ إذ لم يجر للغرفات في هذا الحديث ذِكرٌ، وإنما قال: غسل يديه ثلاث مرات. وثلاث: منصوبٌ نصب المصدر لإضافته إليه فكأنه قال: غسلات ثلاثًا، ومن ضرورة ذلك تعديد الغرفات. والمضمضة: وضعُ الماء في الفم، وخَضخضتُهُ فيه، والاستنثار: إيصال الماء إلى الأنف ونثره منه بنَفَسٍ أو بأصبعيه، وسمي: استنثارًا بآخرِ الفعل، وقد يسمى: استنشاقًا بأولهِ، وهو استدعاء الماء بنفس الأنف.
و(قوله: هذا الوضوء أسبغ) أي: أكمل، والدرع السابغ: الكامل، وقد يقال على هذا، فكيف يكون هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحدٌ، ولم يذكر فيه
стр. 475
رواه أحمد (٢/ ٥٩)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٦)، وأبو داود (١٠٦ - ١١٠)، والنسائي (١/ ٦٤ - ٦٥).
[١٧٠] وَعَن أَبِي أَنَسٍ؛ أَنَّ عُثمَانَ تَوَضَّأَ بِالمَقَاعِدِ فَقَالَ: أَلا أُرِيكُم وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا.
رواه أحمد (١/ ٥٧)، ومسلم (٢٣٠).
ــ
مسح الأذنين؟ والجوابُ: أن اسم الرأس تضمنهما (١)، والله أعلم. والمقاعد: دكاكين ومواضع كانوا يقعدون عليها، وكانت بقرب المسجد.
و(قوله: ثلاثًا ثلاثًا) تمسّك به الشافعي في استحبابه تكرار مسح الرأس بمياهٍ متعددةٍ كالأعضاء المغسولة. وخالفه في ذلك مالك وأبو حنيفة، ورأيا: أن هذا اللفظ مخصصٌ، أو مبين بما ورد من حديث عثمان نفسه، حيث ذكر أعضاء الوضوء مفصلةً، وقال فيها: ثلاثًا ثلاثًا، ولم يذكر لمسح الرأس عددًا، وليس في شيء من أحاديث عثمان الصحاح؛ ذكر أنه ﵊ مسح رأسه ثلاثًا على ما قاله أبو داود، بل قد جاء في حديث عبد الله بن زيد: أنه مسح رأسه مرة واحدة، وعضدا هذا بإبداء مناسبةٍ، وهي: أن المسح شرع تخفيفًا، وفرض مشروعية التكرار فيه تثقيلٌ، فلا يكون مشروعًا.
و(قوله: عن أبي أنس) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي، قال أحمد بن حنبل: وهم وكيعٌ في قوله: عن أبي أنس، وإنما هو أبو النضر عن بشر بن سعيد عن عثمان، وقال الدارقطني: هذا مما وهم فيه وكيع عن الثوري، وخالفه بقية أصحاب الثوري الحفاظ فرووه عن الثوري، عن أبي النضر، عن بشر بن سعيد، عن عثمان.
стр. 476
[١٧١] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَبي ﷺ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُم فَلِيَجعَل فِي أَنفِهِ مَاءً، ثُمَّ لِيَنتَثِر، وَمَنِ استَجمَرَ فَليُوتِر.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٢ و ٢٧٨)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٧)، وأبو داود (١٤٠)، والنسائي (١/ ٦٦ - ٦٧).
ــ
و(قوله: لا يحدث فيهما نفسه) أي: حديثًا مكتسبًا له؛ بحيث يتمكن من إيقاعه ودفعه، فأما ما لا يكون مكتسبًا للإنسان، فلا يتعلق عليه ثواب ولا عقاب.
و(قوله: ثم لينتثر) متمسك لأحمد، وإسحاق، وأبي ثور على وجوب الاستنشاق في الوضوء والغسل. والجمهور على أن ذلك من السُّنن فيهما، متمسكين بأن فروض الوضوء محصورة في آية الوضوء، بدليل قول النبي ﷺ للأعرابي: توضأ كما أمرك الله (١). وليس في الآية ذكر الاستنثار؛ وبدليل أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه اقتصر في وضوئه على الأعضاء الأربعة، ولم يزد عليها، وذلك يدل على أن غيرها من الأعضاء ليس فعله بواجبٍ، وهذه عمدة أصحابنا في حكمهم بحصر فُروض الوضوء في ستة، فإن النية مفهومة من قوله: إِذَا قُمتُم؛ أي: إذا أردتم القيام، والماء المطلق من قوله: فَلَم تَجِدُوا مَاءً، ومن تضمن الغسل له، والأربعة الأعضاء منصوص عليها في الآية، وما عدا ذلك من أحكام الوضوء مأخوذ من فعل النبي ﷺ ، فمنه: متأكدٌ، ويسمى: سنة، وغير متأكد، ويسمى: فضيلة، كما هو معروف في كتب أصحابنا.
و(قوله: من استجمر فليوتر) الاستجمار: هو التمسح من الغائط بالجمار، وهي: الأحجار الصغار، ومنه: الجمار التي يرمى بها في الحج، وقد نص عليها في حديث سلمان (٢)، وقال أبو الحسن بن القصار: ويجوز أن يقال:
стр. 477
[١٧٢] وَعَنهُ؛ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن مَنَامِهِ فَليَستَنثِر ثَلاثًا، فَإِنَّ الشَّيطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٩٥)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (٦ - ٧).
ــ
إنه أُخذ من الاستجمار بالبخور؛ لأنه يزيل الرائحة القبيحة.
وقد اختلف قول مالكٍ وغيره في معنى الاستجمار في هذا الحديث. فقيل ما تقدم، وقيل: هو البخور، فيجعل منه ثلاث قطعٍ، أو يأخذ منه ثلاث مرات، واحدةً بعد أخرى، والأول أظهر.
و(قوله: فإن الشيطان يبيت على خياشيمه) هو جمع خيشوم، وهو أعلى الأنف، وقيل: الأنف كله، ويحتمل البقاء على ظاهره كما جاء: إن الشيطان يدخل إذا لم يكظم المتثائب فاه (١) ويحتمل أن يكون ذلك عبارة عما ينعقد من رطوبة الأنفِ وقَذره الموافقة للشيطان، وهذا على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستشنع إلى الشيطان، كما قال تعالى: كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ وكما قال الشاعر (٢):
. . . . . . . . . . . . . . ... ومسنونة زرقٌ كأنياب أغوالِ (٣)
وهي الشياطينُ، ويحتمل أن يكون ذلك عبارةً عن تكسيله عن القيام إلى الصلاة كما قال ﵊: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا
стр. 478
[١٧٣] وَعَن عبد الله بنِ زَيدِ بنِ عَاصِمٍ الأَنصَارِيِّ - وَكَانَت لَهُ صُحبَةٌ - قَالَ: قِيلَ لَهُ: تَوَضَّأ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكفَأَ مِنه
ــ
هو نام ثلاث عقد (١). ويكون أمره بالاستنثار أمرًا بالوضوء كما قد جاء مفسرًا في غير كتاب مسلم: فليتوضأ، وليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه.
و(قوله في الحديث قبله: ومن استجمر فليوتر) تمسك به من يراعي عدد الثلاث مع الإنقاء، وهو قول أبي الفرج، وابن شعبان من أصحابنا. والشافعي وأصحابه صائرين (٢) إلى أن أقل الوتر هنا ثلاث، بدليل حديث سلمان؛ حيث نهى أن يستنجى بأقل من ثلاثة أحجار (٣). والجمهور يستحبون الوتر؛ بدليل قوله: الاستجمار تَو (٤) أي: وترٌ، ولا يشترطون عددًا، بل الإنقاء إذا حصل هو المقصود الأصلي، وقد استدعى النبي ﷺ ثلاثة أحجار، فأتي بحجرين وروثةٍ، فأخذ الحجرين وألقى الروثة.
وقد جاء عنه ﵊ في كتاب أبي داود: إذا استجمر أحدكم فليستجمر بثلاثة أحجار، من فعل فقد أحسن، ومن لا، فلا حرج (٥). وإنما جرى ذكر الثلاث في الأحجار، إما لأن الإنقاء يحصل بها غالبًا، وإما لأن الاثنين للصفحتين، والثالث للوسط، والله أعلم.
و(قوله في حديث عبد الله بن زيد: وقيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ ، فتوضأ. المعلم للوضوء إذا نوى به رفع الحدث أجزأه، فإن لم ينو، لم يُجزه عند من يشترط النية على ما يأتي، وكذلك المتعلمُ.
стр. 479
عَلَى يَدَيهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا، فَمَضمَضَ وَاستَنشَقَ مِن كَفٍّ وَاحِدَةٍ، ففَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ وَجهَهُ ثَلاثًا،
ــ
و(قوله: فغسلهما ثلاثًا) حجة لأشهب في اختياره في غسلهما الإفراغ عليهما معًا، وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه استحب أن يفرغ على يده اليمنى فيغسلها، ثم يدخلها ويصب بها على اليسرى، محتجًّا بقوله في الموطأ في هذا الحديث: فأفرغ على يديه وغسلهما مرتين مرتين (١). وقد يكون منشأ الخلاف في هذا الفرع الخلاف في غسلهما، هل هو عادة فيغسل كل عضو منهما بانفراده كسائر الأعضاء؟ أو هو للنظافة فتغسلان مجتمعين (٢).
و(قوله: فمضمض واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثًا) أي: جمع بين المضمضة والاستنشاق في كف واحدة. وفعل ذلك ثلاثًا من ثلاث غرفات، كما بينه في رواية ابن وهبٍ، فإنه قال: فمضمض واستنشق من ثلاث غرفات. وقد اختلف في الأَولى من ذلك عن مالك والشافعي، فقيل: الأولى عندهما: جمعهما في غرفة واحدة، والإتيان بها كذلك في ثلاث غرفات، وقيل: بل الأولى عندهما إفرادُ كلِّ واحدةٍ منهما متفرقين بثلاث غرفات، ويشهد للأولى رواية ابن وهب، والثاني ما في كتاب أبي داود من قوله: فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. قيل: بل يفعلان معًا ثلاث مرات من غرفة واحدة، كما روى البخاري قال: فمضمض واستنشق ثلاثًا من غرفة.
و(قوله: ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه) ظاهِرُه: أنه أدخل يدَهُ الواحدة في الماء فأفرغ بها على اليسرى. وهو أحد القولين عندنا، وأنه كذلك
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يفعل في جميع الأعضاء. وفي البخاري في بعض طرق هذا الحديث: ثم أدخل يديه فاغترف بهما. وهذا حجة لاختيار مالك في هذه المسألة، وكذلك القول في غرفة مسح الرأس.
وفي البخاري: ثم أخذ بيديه ماء فمسح برأسه. واختلف عن مالك في حدِّ الوجه طولاً وعرضًا. فأما الطول فمن منابت شعر الرأس المعتاد إلى الذقن مُطلقًا، للأمردِ والملتحي. وقيل: إلى آخر اللحية للملتحي. وأما حدُّه عرضًا؛ فمن الأذن إلى الأذن. وقيل: من العذار (١) إلى العذار، وقيل: بالفرق بين الأمرد والملتحي، وسبب هذا الخلاف: الاختلاف في اسم الوجه والمواجهة على ماذا يقعان؟
و(قوله: فغسل يديه إلى المرفقين) المرفق: هو العظم الناتئ في آخر الذراع، سمي بذلك؛ لأنه يرتفق عليه، أي: يُتَّكأُ ويُعتمدُ. واختلف فيهما: هل يدخُلانِ في الغسل أم لا؟
وسببه: توهم الاشتراك في إلى وذلك (٢) أنها لانتهاء الغاية في الأصل، وقد تأتي بمعنى: مع في مثل (٢) قوله تعالى: وَلَا تَأكُلُوا أَموَالَهُم إِلَى أَموَالِكُم، وفي قوله تعالى: مَن أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ. وفي قول العرب: الذود (٣) إلى الذود إبلٌ، والأصل فيها: انتهاء الغاية، فيجب أن تحمل عليه. ويمكن أن يقال: إن إلى وإن كانت لانتهاء الغاية فهي محتملة لدخول الغاية فيما قبلها، والذي يرفع الخلاف فيها ما حكي عن سيبويه: أن الغاية إن كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن لم تدخل، مثال ذلك: أن تقول: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة، والمبيع شجرٌ، فلا شك في دخول
стр. 481
ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيهِ إِلَى المِرفَقَينِ، مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَمَسَحَ بِرَأسِهِ
ــ
الشجرتين في جملة الشجر المبيعة، وإن كان المبيع أرضًا لم يدخلا، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين) دليل على عدم كراهة الشفع في الغسلات، ولا خلاف أنه يجوز الاقتصار على الواحدة إذا أسبغ، وأن الاثنتين أفضل من الاقتصار على الواحدة، وأن الثلاث أفضل من الاثنتين، وأن الزيادة على الثلاث ممنوعةٌ، إلا أن يفعل بنية تجديد الوضوء، فإن أبا حنيفة أجاز ذلك، وعندنا أنه لا يصح له التجديد حتى يفعل بذلك الوضوء صلاةً، وسيأتي. وقد كره مالك الاقتصار على الواحدة للجاهل؛ لما يخاف من تفريطه، وللعالم لئلا يقتدي به الجاهل.
و(قوله: فمسح برأسه) الباء في برأسه باء التعدية؛ أي: التي يجوز حذفها وإثباتها، كقولك: مسحت برأس اليتيم، ومسحتُ رأسَهُ، وسميت ابني بمحمد ومحمدًا، ولا يصح أن تكون للتبعيض، خلافًا للشافعي؛ لأن المحققين من أئمة النحويين البصريين وأكثر الكوفيين أنكروا ذلك، ولأنها لو كانت للتبعيض لكان قولك: مسحت برأسه كقولك: مسحت ببعض رأسه، ولو كان كذلك لما حَسُنَ أن تقول: مسحت ببعض رأسه، ولا برأسه بعضه؛ لأنه كان يكون (١) تكريرًا، ولا مسحت برأسه كله؛ لأنه: كان يكون مناقضًا له، ولو كانت للتبعيض لما جاز إسقاطها هنا (٢)؛ فإنه يقال: مسحتُ برأسهِ، ومسَحت رأسَه بمعنى واحدٍ، وأيضًا فلو كانت مبعضةً في مسح الرأس في الوضوء لكانت مُبعضَةً في مسح
стр. 482
فَأَقبَلَ بِيَدَيهِ وَأَدبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ إِلَى الكَعبَينِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
ــ
الوجه في التيمم؛ لتساوي اللفظين في المحلين، ولم لا فلا (١)، ومذهب مالك ﵀ وجوب عموم (٢) مسح الرأس تمسكًا باسم الرأس، فإنه للعضو بجملته كالوجه، وتمسكًا بهذه الأحاديث، ثم نقول: نحن وإن تنزلنا على أن الباء تكون مبعضةً وغير مُبعضة، فذلك يُوجب فيها إجمالاً أزالَهُ النبي ﷺ بفعله، فكان فعله بيانًا لمجمل واجب، فكان مسحه كله واجبًا (٣)، وسيأتي القول في حديث المغيرة الذي ذكر فيه أنه ﵊: مسح مقدم رأسه وعلى عمامته.
و(قوله: فأقبل بيديه (٤) وأدبر) معناه: أقبل إلى جهة قفاه، والإدبار: رجوعُهُ إلى حيث بدأ، كما فسره حيث قال: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه. وقيل: المراد: أدبر وأقبل؛ لأن الواو لا تُعطي رتبةً. وفي البخاري: فأدبر بهما وأقبل، وهذا أولى لهذا النص. وقيل: معنى أقبل: دخل في قبل الرأس، كما يقال: أنجدَ وأتهم: إذا دخل نجدًا وتهامةَ.
وقيل: معناه: أنه ابتدأ من الناصية مقبلاً إلى الوجه، ثم ردَّهُما إلى القفا، ثم رجع إلى الناصيةِ. وهذا ظاهرُ اللفظ. والإقبال والإدبار مسحة واحدة؛ لأنها بماء واحد، والمقصود بالرَّدة على الرأس: المبالغة في استيعابه.
و(قوله: ثم غسل رجليه إلى الكعبين) الكعب في اللغة: هو العظم الناشِز
стр. 483
زَادَ فِي أُخرى: فَأَقبَلَ بِهِمَا وَأَدبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنهُ.
وَفِي أُخرى: فَمَضمَضَ وَاستَنشَقَ وَاستَنثَرَ مِن ثَلاثِ غَرَفَاتٍ. وَفِيها: فَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَقبَلَ بِهِ وَأَدبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَفِي أُخرى: وَمَسَحَ بِرَأسِهِ ب ماءٍ غَير فَضل يَديهِ، وَغَسَلَ رِجلَيهِ حَتى أَنقَاهُما.
رواه أحمد (٤/ ٣٩)، والبخاري (١٨٥)، ومسلم (٢٣٥) و (٢٣٦)، وأبو داود (١١٨ - ١٢٠)، والترمذي (٣٥ و ٤٧)، والنسائي (١/ ٧١ - ٧٢).
* * *
ــ
عند ملتقى الساق والقدم، وأنكر الأصمعي قول الناس: إن الكعب في ظهر القدم، قاله في الصحاح، والأول هو المشهور عند أهل المذهب والفقهاءِ. وقد روي عن ابن القاسم: أنه العظم الذي في ظهر القدم عند معقد الشراك، والأول هو الصحيح المعروف.
و(قوله: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه) دليل على مشروعية تجديد الماء لمسح الرأس، وأنه سنة، خلافًا للأوزاعي والحسن وعروة في تجويزهم مسحه ابتداءً بما فضل في يديه.
ولم يجئ في هذا الحديث ولا في حديث عثمان للأذنين ذكرٌ، ويمكن أن يكون ذلك؛ لأن اسم الرأس تضمنهما. وقد جاءت الأحاديث صحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهما: أن النبي ﷺ مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخيه (١)، وسيأتي ذكرهما.
стр. 484
(٣) باب فضل تحسين الوضوء والمحافظة على الصلوات
[١٧٤] عَن عُثمَانَ؛ قَالَ: قَالَ سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: مَا مِنِ امرِئٍ مُسلِمٍ تَحضُرُهُ صَلاةٌ مَكتُوبَةٌ، فَيُحسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا، إِلا كَانَت كَفَّارَةً لِمَا قَبلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَم يؤتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهرَ كُلَّهُ.
رواه البخاري (٦٤٣٣)، ومسلم (٢٢٨)، والنسائي (١/ ٩١).
[١٧٥] وَعَن حُمرَانَ، قَالَ: أَتَيتُ عُثمَانَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا يَتَحَدَّثُونَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَحَادِيثَ، لا أَدرِي مَا هِيَ؟ ألا أَنِّي رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ تَوَضَّأَ مِثلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَن تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَكَانَت صَلاتُهُ وَمَشيُهُ إِلَى المَسجِدِ نَافِلَةً.
ــ
وهذه الأحاديث أعني حديث عثمان وعبد الله تدل على مراعاة الترتيب في الوضوء والموالاة. وقد اختلف أهل المذهب في ذلك وغيرهم على ثلاثة أقوال: الوجوب، والسنة، والاستحباب، والأولى القول بالسنة فيهما؛ إذ لم يصح قط عن النبي ﷺ أنه توضأ مُنكسًا ولا مفرقًا تفريقًا مُتفاحشًا، وليس في آية الوضوء ما يدل على وجوبهما، وما ذكر من أن الواو ترتب لا يصح، ومما يدل على بطلان ذلك وقوعها في موضع يستحيل فيه الترتيب، وذلك بابُ المفاعلة، فإنها لا تكون إلا من اثنين، فإن العرب تقولُ: تخاصم زيدٌ وعمرو، ولا يجوز أن يكون هنا ترتيبٌ، ولا أن يقع موقعها حرفٌ من حروف الترتيب بوجهٍ من الوجوه، فصح ما قلناهُ.
(٣) ومن باب فضل تحسين الوضوء
(قوله: وكانت صلاتُه ومشيه إلى المسجد نافلة) يعني: أن الوضوء لم يُبق
стр. 485
رواه أحمد (١/ ٦٥ - ٦٦)، والبخاري (١٦٤)، ومسلم (٢٢٩).
[١٧٦] وَعَن عُثمَانَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن أَتَمَّ الوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، فَالصَّلَوَاتُ المَكتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَينَهُنَّ.
رواه أحمد (١/ ٦٦)، ومسلم (٢٣١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والنسائي (١/ ٩١).
ــ
عليه ذنبًا، فلما فعل بعده الصلاة كان ثوابها زيادة له على المغفرة المتقدمة. والنَّفل: الزيادة، ومنه: نفل الغنيمة؛ وهو ما يعطيه الإمام من الخمس بعد القسمة.
وهذا الحديث يقتضي أن الوضوء بانفراده يستقل بالتكفير. وكذلك حديث أبي هريرة، فإنه قال فيه: إذا توضأ العبد المسلِمُ فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه (١)، وهكذا إلى أن قال: حتى يخرج نقيًا من الذنوب، وهذا بخلاف أحاديث عثمان المتقدمة؛ إذ مضمونها: أن التكفير إنما يحصل بالوضوء إذا صلى به صلاة مكتوبةً يتم ركوعها وخشوعها. والتلفيق من وجهين:
أحدهما: أن يرُدَّ مطلق الأحاديث إلى مُقيدِها.
والثاني: أن نقول: إن ذلك يختلف بحسب اختلاف أحوال الأشخاص؛ فلا بُعد في أن يكون بعض المتوضئين يحصل له من الحضور، ومراعاة الآداب المكملة ما يستقل بسببها وضوؤه بالتكفير، ورب متوضئ لا يحصل له مثل ذلك، فيكفر عنه بمجموع الوضوء والصلاة، ولا يعترض على هذا بقوله ﵊: من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات المكتوبة كفارات لما بينهن، لأنا نقول: من اقتصر على واجبات الوضوء فقد توضأ كما أمره الله تعالى، كما قال النبي ﷺ للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، فأحاله على آية
стр. 486
[١٧٧] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: الصَّلَوَاتُ الخَمسُ، وَالجُمعَةُ إِلَى الجُمعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ لمِا بَينَهُنَّ، إِذَا اجتَنَبَت الكَبَائِرَ.
رواه أحمد (٢/ ٣٥٩ و ٤٠٠ و ٤١٤)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤).
[١٧٨] وَعَنه؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: إِذَا تَوَضَّأَ العَبدُ المُسلِمُ - أو المُؤمِنُ - فَغَسَلَ وَجهَهُ،
ــ
الوضوء، على ما قدمناه. وكذلك ذكر النسائي من حديث رفاعة بن رافع، فقال النبي ﷺ : إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله تعالى، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين (١)، ونحن إنما أردنا المحافظة على الآداب المكملة التي لا يراعيها إلا من نوَّر الله باطنه (٢) بالعلم والمراقبة، والله تعالى أعلم.
و(قوله: إذا اجتنبت الكبائر؛ يدل على أن الكبائر إنما تغفر بالتوبة المعبر (٣) عنها بالاجتناب في قوله تعالى: ﴿إِن تَجتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنهَونَ عَنهُ نُكَفِّر عَنكُم سَيِّئَاتِكُم﴾ وقد تقدم القول في الكبائر ما هي؟ فقوله: حتى يخرج نقيًّا من الذنوب يعني به: الصغائر، ولا بُعدَ في أن يكون بعض الأشخاص تغفر له الكبائر والصغائر بحسب ما يحضره من الإخلاص بالقلب (٤)، ويراعيه من الإحسان والأدب، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
стр. 487
خَرَجَ مِن وَجهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيهَا بِعَينَيهِ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيهِ خَرَجَ مِن يَدَيهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتهَا يَدَاهُ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ -، فَإِذَا غَسَلَ رِجلَيهِ خَرَجَت كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتهَا رِجلاهُ مَعَ المَاءِ - أو مَعَ آخِرِ قَطرِ المَاءِ - حَتَّى يَخرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٠٣)، ومسلم (٢٤٤)، والترمذي (٢).
* * *
ــ
و(قوله: إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن) شكٌّ من بعض الرواة، وكذلك (قوله: مع الماء، أو مع آخر قطر الماء) ويدل على أنه على الشك زيادة مالك فيه: مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا، ويفهم منه: أن الغسل لا بد فيه من نقل الماء، ولا يفهم منه: أن غاية الغسل أن يقطر الماء؛ لأنه على الشك، ولما جاء: حتى يسبغ.
و(قوله: خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه) هذه عبارةٌ مستعارة، المقصود بها الإعلام بتكفير الخطايا ومحوها، وإلا فليست الخطايا أجساما حتى يصح منها الخروج.
وقد استدل أبو حنيفة ﵀ بهذا الحديث على نجاسة الماء المستعمل، ولا حجة له فيه لما ذكرناه، وعند مالك: أن الماء المستعمل طاهرٌ مطهرٌ؛ غير أنه يكره استعماله مع وجود غيره؛ للخلاف فيه، وعند أصبغ بن الفرج (١): أنه طاهرٌ غير مُطهرٍ. وقيل: إنه مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، وقد سماه بعضهم: ماء الذنوب.
وقد روى هذا الحديث مالكٌ من رواية أبي عبد الله الصُنابحي، وهو عبد الرحمن بن عُسَيلة، ولم يدرك النبيَّ ﷺ ، وقال فيه: فإذا
стр. 488
(٤) باب ما يقال بعد الوضوء
[١٧٩] عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ؛ قَالَ: كَانَت عَلَينَا رِعَايَةُ الإِبِلِ، فَجَاءَت نَوبَتِي، فَرَوَّحتُهَا بِعَشِيٍّ، فَأَدرَكتُ رسولَ الله ﷺ قَائِمًا يُحَدِّثُ النَّاسَ. فَأَدرَكتُ مِن قَولِهِ: مَا مِن مُسلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحسِنُ وُضُوءَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكعَتَينِ، مُقبِل عَلَيهِمَا بِقَلبِهِ وَوَجهِهِ، إِلا وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ قَالَ: فَقُلتُ: مَا أَجوَدَ هَذِهِ! فَإِذَا قَائِلٌ بَينَ يَدَيَّ يَقُولُ: الَّتِي قَبلَهَا أَجوَدُ، فَنَظَرتُ فَإِذَا عُمَرُ.
ــ
مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أُذُنيه؛ استدل به بعض أصحابنا على صحة قول مالك: الأذنان من الرأس، ولم يُرد بذلك أن الأذنين جزءٌ من الرأس؛ بدليل أنه لم يختلف عنه أنهما يمسحان بماء جديد، وأن من تركهما حتى صلى لم تلزمهُ إعادة، وإنما أراد مالك بقوله: الأذنان من الرأس؛ أنهما يمسحان كما يمسح الرأس، لا أنهما يغسلان كما يغسل الوجه، تحرُّزًا مما يحكى عن ابن شهاب أنه قال: إن ما أقبل منهما على الوجه هو من الوجه، فيغسل معه، وما يلي الرأس هو من الرأس، فيمسح معهُ.
(٤) ومن باب ما يقال بعد الوضوء
(قول عقبة: كانت علينا رعاية الإبل) يعني (١): إبل الصدقة المنتظر بها تفريقها، أو الإبل المعدة لمصالح المسلمين.
و(قوله: فروحتُها بعشي) يعني: رددتُها إلى حيث تبيتُ. والمُراح - بضم الميم -: مبيتُ الماشية.
стр. 489
قَالَ: إِنِّي قَد رَأَيتُكَ جِئتَ آنِفًا. قَالَ: مَا مِنكُم مِن أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبلِغُ - أو فَيُسبِغُ - الوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُ الله وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَت لَهُ أَبوَابُ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدخُلُ مِن أَيِّهَا شَاءَ.
رواه أحمد (٤/ ١٤٦ و ١٥٣)، ومسلم (٢٣٤)، وأبو داود (١٦٩ و ١٧٠)، والترمذي (٥٥)، والنسائي (١/ ٩٢ - ٩٣).
* * *
(٥) باب توعد من لم يُسبِغ، وغسله ما ترك، وإعادته الصلاة
[١٨٠] عَن سَالِمٍ مَولَى شَدَّادٍ؛ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ يَومَ تُوُفِّيَ سَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ. فَدَخَلَ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَبِي بَكرٍ فَتَوَضَّأَ عِندَهَا. فَقَالَت: يَا عَبدَ الرَّحمَنِ! أَسبِغِ الوُضُوءَ. فَإِنِّي سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ.
رواه أحمد (٦/ ٨١ و ٨٤ و ٩٩ و ١٩٢)، ومسلم (٢٤٠).
ــ
وفي هذا الحديث ما يدل على أن الذكر بعد الوضوء فضيلة من فضائله، وعلى أن أبواب الجنة ثمانية لا غير، وعلى أن داخل الجنة يخير في أي الأبواب شاء، وقد تقدم استيعاب هذا المعنى.
(٥) ومن باب توعد من لم يُسبغ
(قوله: ويل للأعقاب من النار) ويل: كلمة عذابٍ وقبُوحٍ وهلاكٍ، مثل: ويح، وعن أبي سعيد الخدري وعطاء بن يسار: هو وادٍ في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حرّه. وقال ابن مسعودٍ: صديدُ أهلِ النارِ، ويقال: وَيلٌ لزيد،
стр. 490
[١٨١] وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ عمرو؛ قَالَ: رَجَعنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ. تَعَجَّلَ قَومٌ عِندَ العَصرِ، فَتَوَضَّؤوا وَهُم عِجَالٌ، فَانتَهَينَا إِلَيهِم، وَأَعقَابُهُم تَلُوحُ لَم يَمَسَّهَا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ. أَسبِغُوا الوُضُوءَ.
ــ
وويلاً له بالرفع على الابتداء، والنصب على إضمارِ الفعلِ، فإن أضفته لم يَكُن إلا النصب؛ لأنك لو رفعته لم يكن له خبرٌ.
والأعقاب: جمع عقبٍ، وعقب كل شيء: آخره، والعراقيب: جمع عرقوب، وهو العصب الغليظ الموتر فوق عقب الإنسان، وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يَدِها، قال الأصمعي: وكل ذي أربع فعرقوباه في رجليه، وركبتاه في يديه. ومعنى ذلك: أن الأعقاب والعراقيب تعذب إن لم تعمم بالغسل.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن فرض الرجلين الغسل، لا المسح، وهو مذهب جمهور السلف وأئمة الفتوى، وقد حكي عن ابن عباس وأنس وعكرمة: أن فرضهما المسح إن صح ذلك عنهما، وهو مذهب الشيعة.
وذهب ابن جرير الطبري: إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح، وسبب الخلاف اختلاف القراء (١)، في قوله تعالى: وَأَرجُلَكُم بالخفض والنصب، وقد أكثر الناس في تأويل هاتين القراءتين. والذي ينبغي أن يقال: إن قراءة الخفض عطف على الرأس فهما يُمسحان. لكن إذا كان عليهما خُفان، وتلقينا هذا القيد من فعل رسول الله ﷺ ؛ إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خُفان. والمتواتر عنه غسلهما، فبيّن النبي ﷺ بفعله الحال الذي تغسل فيه الرجل، والحال الذي تمسح فيه (٢)، فليكتف بهذا فإنه بالغ، وقد طولنا النفس في هذه المسألة في (٣) كتابنا في شرح التلقين أعان الله على تمامه.
стр. 491
وَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرنَاهُ، فَأَدرَكَنَا وَقَد حَضَرَت صَلاةُ العَصرِ فَجَعَلنَا نَمسَحُ عَلَى أَرجُلِنَا، فَنَادَى: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ.
رواه أحمد (٢/ ١٩٣)، والبخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، وأبو داود (٩٧)، والنسائي (١/ ٧٨).
[١٨٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً لَم يَغسِل عَقِبَيه، فَقَالَ: وَيلٌ لِلأَعقَابِ مِنَ النَّارِ.
وَفِي أخرى: وَيلٌ لِلعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ.
رواه أحمد (٢/ ٢٨٢ و ٢٨٤ و ٤٠٦ و ٤٠٩ و ٤٣٠)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، والترمذي (٤١)، والنسائي (١/ ٧٧).
ــ
و(قوله: فجعلنا نمسح على أرجلنا، قد يتمسك به من قال بجواز مسح الرجلين، ولا حجة له فيه لأربعة أوجه:
أحدها: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز، أن يقولوا: تمسحنا للصلاة؛ أي: توضأنا.
وثانيها: أن قوله: وأعقابهم تلُوحُ لم يمسها الماء يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم؛ إذ لو كانوا يمسحونها؛ لكانت القدم كلها لائحة، فإن المسح لا يحصل منه بَللُ الممسوح.
وثالثها: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار (١).
стр. 492
[١٨٣] وَعَن عُمَر بنِ الخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارجِع فَأَحسِن وُضُوءَكَ، فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى.
رواه أحمد (١/ ٢١ و ٢٤)، ومسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣)، وابن ماجه (٦٦٦).
* * *
(٦) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره
٢٤٦ - [١٨٤] عَن نُعَيمِ بنِ عَبدِ اللهِ المُجمِرِ؛ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ؛ فَغَسَلَ وَجهَهُ وَأَسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ،
ــ
ورابعها: أنا لو سلمنا أنهم مسحوا، لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله تعالى أعلم.
و(قوله للرجل الذي ترك موضع ظفر على قدمه: ارجع فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين، وأن تارك بعض وضوئه جهلاً أو عمدًا يستأنفه؛ إذ لم يقل له: اغسل ذلك الموضع فقط. وقد جاء في كتاب أبي داود في هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وهذا نصٌّ.
(٦) ومن باب الغرّة والتحجيل
قوله: ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضُد) أشرع: رباعي؛ أي:
стр. 493
ثُمَّ يَدَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ
ــ
مَدَّ يده بالغسل إلى العضُدِ، وكذلك: حتى أشرع في الساق أي: مَدَّ يدهُ إليه، من قولهم: أشرعت الرمح قِبَله؛ أي: مددته إليه، وسددته نحوهُ، وأشرع بابًا إلى الطريق؛ أي: فتحه مسددًا إليه، وليس هذا من: شرعت في هذا الأمر، ولا من: شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي وذاك رباعي. وكان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطيه وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يحكهِ عن النبي ﷺ فعلاً، وإنما استنبطه من قوله ﵊: أنتم الغر المحجلون. ومن قوله: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ منه الوضوء. قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يتعدى بالوضوء حدوده لقوله ﵊: فمن زاد فقد تعدى وظلم (١).
والإشراعُ المروي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة هو محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما. وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاةٍ وإدامته، فتطول غرته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه.
قال الشيخ ﵀: وأصل الغرة لمعةٌ بيضاء في جبهةِ الفرس، تزيد على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغر، ثم قد استعمل في الجمال والشهرة وطيب الذكر، كما قال (٢):
ثياب بني عوف طهارى نقيةٌ ... وأوجههم عند المشاهد غُرَّار
стр. 494
رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، مِن إِسبَاغِ الوُضُوءِ، فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُم فَليُطِل غُرَّتَهُ وَتَحجِيلَهُ.
رواه أحمد (٢/ ٤٠٠)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).
ــ
والتحجيل: بياضٌ في اليدين والرجلين من الفرس، وأصله من الحجل؛ وهو الخلخال والقيد. ولا بد أن يجاوز التحجيل الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، وهو في هذا الحديث مستعارٌ عبارةً عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة.
و(قوله: أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) المقبرة: تقال بفتح الباء وضمها، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك. وفيه معنى الدعاء لهم.
ويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ، وعلى دوام الحُرمة، ويحتمل أن يَرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ﵇ من قبره (١). وإتيان النبي ﷺ المقبرة يدل على جواز زيارة القبور. ولا خلاف في جوازه للرجال، وأن النهي عنه قد نسخ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي.
و(قوله: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) يحتمل أوجهًا:
أحدها: أنه امتثال لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت.
стр. 495
[١٨٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَتَى المَقبُرَةَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَومٍ مُؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُم لاحِقُونَ، وَدِدتُ أَنَّا قَد رَأَينَا إِخوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسنَا إِخوَانَكَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: أَنتُم
ــ
وثانيها: أنه يكون أراد: إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره، كما قال: وَمَا أَدرِي مَا يُفعَلُ بِي وَلَا بِكُم.
وثالثها: أن يكون استثناء في الواجب، كما قال تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكون فائدته التفويض المطلق.
ورابعها: أن يكون أراد: لاحقون بكم في هذه البقعةِ الخاصةِ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم (١)، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر، وكلها أقوال لعلمائنا.
و(قوله: وددت أنا قد رأينا إخواننا) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني، والحب الصحيح للرسول ﷺ . وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أنه ﵊ قال: إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ من هذا الحديث ومن قوله ﷺ : إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين منكم (٢)؛ أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون