(١٨) باب المبادرة بالعمل الصالح والفتن وفضل العبادة في الهرج
[٢٨٤٢] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة.
وفي رواية: الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من
ــ
(١٨ و ١٩ و ٢٠) ومن باب: المبادرة بالعمل الصالح الموانع والفتن (١)
(قوله: بادروا) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة، واغتنموا التمكن منها قبل أن يحال بينكم وبينها بداهية من هذه الدواهي المذكورة، فيفوت العمل للمانع، أو تعدم منفعته لعدم القبول، وقد تقدم القول على أكثر هذه الست.
و(قوله: وخاصة أحدكم) يعني به: الموانع التي تخصه مما يمنعه العمل، كالمرض والكبر والفقر المنسي، والغنى المطغي، والعيال والأولاد، والهموم، والأنكاد، والفتن، والمحن إلى غير ذلك مما لا يتمكن الإنسان مع شيء منه من عمل صالح، ولا يسلم له، وهذا المعنى هو الذي فصّله في حديث آخر حيث قال: اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك (٢).
стр. 4307
مغربها، وأمر العامة وخويصة أحدكم.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٤)، ومسلم (٢٩٤٧) (١٢٨ و ١٢٩).
[٢٨٤٣] وعن معقل بن يسار أن رسول الله ﷺ قال: العبادة في الهرج كهجرة إلي.
رواه أحمد (٥/ ٢٥)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذيُّ (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥).
* * *
ــ
و(قوله: وأمر العامة) يعني: الاشتغال بهم فيما لا يتوجه على الإنسان فرضه؛ فإنَّهم يفسدون من يقصد إصلاحهم، ويهلكون من يريد حياتهم، لا سيما في مثل هذه الأزمان التي قد مرجت فيها عهودهم وخانت أماناتهم، وغلبت عليهم الجهالات والأهواء، وأعانهم الظلمة والسفهاء، وعلى هذا فعلى العامل بخويصة نفسه، والإعراض عن أبناء جنسه إلى حلول رمسه، أعاننا الله على ذلك بفضله وكرمه. وقد جاءت هذه الستة في إحدى الروايتين معطوفة بـ (أو) فيجوز أن تكون للتنويع، أي: اتقوا أن يصيبكم أحد هذه الأنواع، ويصح أن تكون بمعنى الواو، كما جاء في الرواية الأخرى.
و(قوله: العبادة في الهرج كهجرة إلي) قد تقدَّم أن الهرج: الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، فالمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزل عن الناس، أجره كأجر المهاجر إلى النبي ﷺ ؛ لأنَّه يناسبه من حيث أن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بالنبي ﷺ ، وكذلك هو المنقطع للعبادة، فر من الناس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه.
стр. 4308
(١٩) باب إغراء الشيطان بالفتن
[٢٨٤٤] عن جابر، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم.
رواه أحمد (٣/ ٣١٣)، ومسلم (٢٨١٢)، والترمذي (١٩٣٨).
[٢٨٤٥] وعنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه يفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة.
وفي أخرى: إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه،
ــ
و(قوله: إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المصلون في جزيرة العرب) يعني - والله أعلم - أن المسلمين في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، فإذا تركوا الصلاة وذهب عنهم اسم المصلين، فإذ ذلك يكونون شرار الخلق، وهذا إنما يتم إذا قبض الله تعالى المؤمنين بالريح الباردة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو، ﵄. وحينئذ يتمثل لهم الشيطان فيقول لهم: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فماذا تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وحينئذ تضطرب أليات دوس حول ذي الخلصة، وتعبد اللات والعزى. والله أعلم، وقد تقدَّم القول في جزيرة العرب.
و(قوله: ولكن في التحريش بينهم) أي: في الخلاف والشرور والعداوة والبغضاء بينهم، حتى تكون من ذلك أمثال تلك الفتن العظيمة والخطوب الجسيمة.
و(قوله: إن عرش إبليس على البحر) أي سريره، يفعل ذلك تكبرا على جنوده وأحزابه، وهذا هو العرش الذي رآه ابن صياد، كما تقدَّم. وأصل العرش:
стр. 4309
فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه، ويقول: نعم أنت. قال الأعمش: أراه قال: فيلتزمه.
رواه مسلم (٢٨١٣) (٦٦ و ٦٧).
* * *
(٢٠) باب في قوله ﵊: لتتبعن سنن الذين من قبلكم، وهلك المتنطعون آخر الفتن
[٢٨٤٦] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب
ــ
الرفع. ومنه قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَعرُوشَاتٍ وَغَيرَ مَعرُوشَاتٍ﴾ أي: منها ما هو مرفوع على ساق وهي الشجر، ومنها ما ليس كذلك، وهو النجم.
و(قوله: فيدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت، ) كذا وجدته مقيدا في أصل الشيخ أبي الصبر؛ أي: يقربه منه ويعانقه ويمدحه بـ (نعم) التي للمحمدة، وقد أضمر فاعلها للعلم به من غير شرط، تقديره: نعم الحبيب، أو الولي أنت. وهذا الإضمار شاذ؛ لأنَّه لا يجوز إلا إذا فسر بنكرة منصوبة على التمييز، كما هو المعروف في النحو، ومن قال: إن (نعم) هنا حرف جواب، فليس على صواب إذ ليس في الكلام سؤال يقتضيه، ولا معنى يناسبه.
و(قوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم) يروى (سنن) بضم السين وبفتحها،
стр. 4310
لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟
رواه أحمد (٣/ ٨٤)، والبخاريّ (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩).
[٢٨٤٧] وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : هلك المتنطعون. قالها ثلاثا.
رواه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داود (٤٦٠٨).
[٢٨٤٨] وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء.
رواه أحمد (٥/ ٢٠٠)، والبخاريّ (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذي (٢٧٨٠).
[٢٨٤٩] وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون،
ــ
فبالضم: جمع سُنة، وهي الطريقة المسلوكة، وبالفتح: هو اسم للطريق. والضب: حِرذون الصحراء. والمتنطعون: المتعمقون والغالون، وقد تقدم القول في هذا الحديث.
و(قوله: إن الدنيا حلوة خضرة) أي: مستطابة في ذوقها معجبة في منظرها، كالثمر المُستحلَى المعجب المرأى.
و(قوله: إن الله مستخلفكم فيها) أي: جعلكم فيها خلفا ممن كان قبلكم؛ فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد ذهاب آخرين.
و(قوله: فينظر كيف تعملون) أي: يبصر أعمالكم فيجازي كلا بعمله؛ إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
стр. 4311
فاتقوا النار واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء.
رواه أحمد (٣/ ١٩)، ومسلم (٢٧٤٢)، والترمذي (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠).
[٢٨٥٠] وعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
رواه أحمد (١/ ٣٩٤)، ومسلم (٢٩٤٩).
* * *
ــ
و(قوله: فاتقوا النار، واتقوا النساء) أي: احذروا الأعمال المقربة من النار، واحذروا فتنة النساء، فإنَّهن أول فتنة بني إسرائيل، وفتنتهن على الرجال أشد كل فتنة، والمحنة بهن أعظم كل محنة؛ لأنَّ النفوس مجبولة على الميل إليهن، وعلى اتباع أهوائهن مع نقص عقولهن وفساد آرائهن، ومن ملَّك قيادَه سفيه ناقص فجَدُّه ناكص.
* * *
стр. 4312
(٤٢) كتاب التفسير
(١) باب من فاتحة الكتاب
وقد تقدم في كتاب الصلاة من حديث أبي هريرة قوله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.
انظر صحيح مسلم (٣٩٥)(٣٨).
* * *
ــ
(٤٢) كتاب التفسير
وهو مصدر فسَّر يفسِّر: إذا كشف المراد وبينه، وأصله من الفَسر، وهو البيان. يقال: فسرت الشيء أفسره - بالكسر - فسرا. والتأويل: صرف الكلام إلى ما يؤول إليه من المعنى، من آلَ إلى كذا: إذا رجع إليه. وقد حده الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ معضود بدليل خارج عنه. فالتفسير بيان اللفظ، كقوله: ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، والتأويل: بيان المعنى، كقولهم: لا شك فيه عند المؤمنين، أو لأنه حق في نفسه فلا تقبل ذاته الشك، وإنما الشك وصف الشاك، ونحو ذلك.
[(١) ومن باب: من فاتحة الكتاب (١)]
وقد تقدم القول على قوله: قسمت الصلاة، وفي الملائكة.
стр. 4313
(٢) ومن سورة البقرة
[٢٨٥١] عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وآدم مما وصف لكم.
رواه أحمد (٦/ ١٥٣)، ومسلم (٢٩٩٦).
[٢٨٥٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجدا وقولوا حطة يُغفر لكم خطاياكم، فبدلوا،
ــ
(٢) ومن باب: ومن سورة البقرة
(قوله: خلقت الملائكة من نور) أي: من جواهر مضيئة منيرة، فكانوا خيرا محضا.
و(قوله: وخلق الجان من مارج من نار) أي: من شواظ ذي لهب واتقاد ودخان، فكانوا شرا محضا، والخير فيهم قليل.
و(قوله: وخلق آدم مما تعلمون (١)) أي: مما أعلمكم به، أي: من تراب صُيِّر طينا، ثم فُخارا، كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه. والفخار: الطين اليابس، وفي الخبر: إن الله تعالى لما خلق آدم أمر مَن قبض قبضة مِن جميع أجزاء تراب الأرض، فأخذ من حزنها وسهلها، وأحمرها وأسودها، فجاء ولده كذلك (٢).
و(قوله: ادخلوا الباب سجدا، وقولوا حطة) هذا الباب: هو الباب الثامن من بيت المقدس. قاله مجاهد. وقيل: باب القرية، وقال أبو علي: باب قرية فيها موسى ﵇ وسُجدا: قال ابن عباس: منحنين ركوعا. وقال
стр. 4314
فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة.
رواه أحمد (٢/ ٣١٨)، والبخاريُّ (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥)، والترمذي (٢٩٥٦).
[٢٨٥٣] وعنه؛ أن رسول الله ﷺ قال: نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: بلى،
ــ
غيره: خضوعا وشكرا لتيسير الدخول. وحطة: بمعنى حط عنا ذنوبنا، قاله الحسن. وقال ابن جبير: معناه الاستغفار. ثعلب: التوبة. قال الشاعر:
فاز بالحطة التي جعل اللـ ... ـه بها ذنب عبده مغفورا
الكلبي: تعبدوا بقولها كفارة. وهو مرفوع على أنه خبر ابتداء محذوف؛ أي: مسألتنا وأمرنا حطة.
و(قوله: فدخلوها يزحفون على استاههم) أي: ينجرون على ألياتهم فعل المقعد الذي يمشي على أليته. يقال: زحف الصبي: إذا مشى كذلك، وزحف البعير: إذا أعيا. وقالوا مستهزئين: حبة في شعرة، وفي غير كتاب مسلم: حنطة في شعر، فعصوا، وتمردوا، واستهزؤوا، فعاقبهم بالرجز، وهو العذاب بالهلاك. قال ابن زيد: كان طاعونا أهلك منهم سبعين ألفا.
و(قوله: نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحيِ المَوتَى﴾ اختلف العلماء قديما وحديثا في هذا السؤال، هل صدر عن شك وقع أم لا؟ فهم فرقتان: المثبتة للشك والنافية له. فالمثبتون اختلفوا فيمن وقع له هذا الشك، فمنهم من قال: إنما وقع الشك لأمة إبراهيم، بدليل أول القصة، وهو قوله: ﴿أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. . . الآية، فسأل إبراهيم ربه تعالى أن يريه وأمته كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه بظهور حجته عليهم، وبإزالة الشك عنهم. قاله الضحاك، وابن إسحاق.
стр. 4315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومنهم من قال: الشك من إبراهيم، لكن فيماذا اختلفوا فيه، فمنهم من قال: في الإحياء. حكي عن ابن عباس أنه قال: دخل قلبه بعض ما يدخل على القلوب، وهذا لا يصح نقله ولا معناه؛ لأنَّ الله تعالى قد أخبر عنه في أول القصة بأنه قال للمحتج عليهم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ وكيف يجوز على الأنبياء مثل هذا الشك، وهو كفر؟ فإنَّ الأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. ومنهم من قال: وقع له الشك في كونه خليلا، أو في كونه مجاب الدعوة، فسأل الله تعالى ودعاه بأن يريه إحياء الموتى حتى يطمئن قلبه بذلك. ومنهم من قال: وقع له شك في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء. قال الحسن: رأى جيفة نصفها في البر توزّعها السباع، ونصفها في البحر توزّعها دواب الماء، فلما رأى تفرقها أحب أن يرى انضمامها، فسأل ليطمئن قلبه برؤية كيفية الجمع، كما رأى كيفية التفريق. ويتنزل قول نبينا ﷺ : نحن أحق بالشك من إبراهيم على هذه الأقوال واحدا واحدا، بحسب ما يليق به.
وأما النافون للشك فاختلفوا، فمنهم من قال: أُري من نفسه الشك، وما شك، ولكن ليجاب فيزداد قربه. قال القاضي: وهذا تكلف في اللفظ والمعنى.
ومنهم من قال: لم يشك إبراهيم، وقول نبينا محمد ﷺ : نحن أحق بالشك من إبراهيم نفي للشك عنه، لا إثبات له، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شك إبراهيم لكنا نحن أولى بذلك منه، على طريق الأدب، وإكبار حال إبراهيم ﵇ لا على جهة أنه وقع شك لواحد منهما.
ومنهم من قال: إنما جاوب نبينا ﷺ بقوله: نحن أحق بالشك مَن سمعه يقول: شك إبراهيم، ولم يشك نبينا، فقال ذلك.
قلت: هذه جملة ما سمعناه من شيوخنا، ووقفنا عليه في كتب أئمتنا، وكلها محتمل يرتفع به الإشكال، إلا ما حكي عن ابن عباس؛ فإنَّه قول فاسد، وليس في الآية ما يدلّ على أن إبراهيم شك، بل الذي تضمنته أن إبراهيم ﵇ سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتصال
стр. 4316
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، بقوله: ﴿أَرِنِي كَيفَ﴾ طلب مشاهدة الكيفية.
و(قوله تعالى: ﴿أَوَلَم تُؤمِن﴾ استفهام تقرير، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَم نُعَمِّركُم مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ أي: قد عمرناكم.
و(قوله: ﴿لِيَطمَئِنَّ قَلبِي﴾ أي: بحصول الفرق بين المعلوم برهانا، والمعلوم عيانا. فإذا لم يكن في الآية ما يدلّ على شك وقع لإبراهيم، ولا لنبينا ﷺ ، وإنَّما صدر ذلك من نبينا ﷺ ، على الفرض الذهني، والتقدير الشرطي، فكأنه قال: لو شك إبراهيم في إحياء الموتى لكنا نحن أحق بالشك منه، ولم نشك نحن، فهو أولى وأحق بألا يشك، وهذا هو البرهان المسمى عند أئمتنا النظار: البرهان الشرطي المتصل، وأهل المنطق يسمونه بالقياس الاستثنائي الذي ينتج منه استثناء عين التالي، ونقيض المقدم، على ما هو معروف في موضعه.
و(قوله: ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي) يعني به: الداعي الذي دعاه إلى الخروج من السجن المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارجِع إِلَى رَبِّكَ فَاسأَلهُ﴾ الآية، يصف يوسف ﵇ بالتثبت والصبر على المحنة، وأنه أقام في السجن والتضييق عليه مدة طويلة، والنفوس متشوقة إلى الخروج من الضيق، والحبس الطويل، لا سيما إذا بُشر بالتخلص، ودعي إليه. فمقتضى الطبع: المبادرة إلى أول دعوة، والانفلات بمرة، لكنه لما جاءه الداعي لم يبادر لإجابته، ولا استخفه الفرح بالتخلص من محنته، لكنه سكن وثبت إلى أن ظهرت براءته وعُلمت منزلته (١). ثم إن نبينا ﷺ تأدب معه غاية الأدب، واعترف له بأنه من التثبت والصبر في أعلى الرتب، وحمده على ذلك، وقدر أنه لو امتُحن بذلك لبادر إلى التخلص من ذلك
стр. 4317
ولكن ليطمئن قلبي. ويرحم الله لوطا؛ لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٦)، والبخاريُّ (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١)(٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٢٦).
ــ
لأول داع. هذا مع أن النبي ﷺ قد أُعطي من التثبت في الأمور، والصبر على المكاره الحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، لكنه تواضع لله، وتأدب مع أخيه نبي الله.
و(قوله: ويرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وفي الرواية الأخرى: يغفر الله للوط (١)) هذا تنبيه على قول لوط لضيفه: ﴿لَو أَنَّ لِي بِكُم قُوَّةً أَو آوِي إِلَى رُكنٍ شَدِيدٍ﴾ وهذا من النبي ﷺ إشارة إلى أن لوطا لم يرضَ منه بذلك القول في ذلك الموطن؛ فإنَّه قد كان انتهى من كمال المعرفة بالله تعالى إلى حال لا يليق به فيها أن يلتفت إلى غير الله تعالى في كفاية المحن، ودفع الشدائد، فلما ضعُف عما كان ينبغي له عوتب على ذلك، ونُسب إلى التقصير. والذي أصدر ذلك القول من لوط ضيق صدره بما لقي من قومه من التكذيب والأذى. وحياؤه من أضيافه عند هم قومه بالفاحشة، وأنه لم تكن له عشيرة، ولا أصحاب آمنوا به حتى ينتصر بهم على قومه؛ فإنَّه لم يؤمن به أحد ممن أرسل إليه غير ابنتيه، ولما أُهلك قومه لم ينج منهم إلا هو وابنتاه، ومع هذه الأعذار كلها لم يُرض منه بأن يصدر منه ذلك في حال تمكنه وتمكينه. وكأن النبي ﷺ أراد من لوط أن يكون على مثل حال إبراهيم ﵇ في شدائده، فإنَّه قال حين رُمي بالمنجنيق، وهو في الهواء، وقال له جبريل ﵇: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. ونحو ذلك صدر عن نبينا ﷺ حين كان في الغار، والكفار عند فم الغار، فقال لأبي بكر ﵁ وقد رأى جزعه: لا تحزن إن الله معنا (٢).
стр. 4318
[٢٨٥٤] وعن البراء، قال: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا، لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها، قال: فجاء رجل من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَيسَ البِرُّ بِأَن تَأتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾
رواه البخاريُّ (١٨٠٣)، ومسلم (٣٠٢٦).
ــ
والحاصل أن لأهل المعرفة بالله تعالى من الأنبياء، والأولياء حالين: حال حضور ومراقبة، فتتوجه عليهم بحسبها المناقشة والمعاتبة، وحال غيبة وبشرية، فيجرون فيها على الأمور العادية، فتارة يناقَشون، وأخرى يسامَحون، فضلا من الله ونعمة، ورفقا بهم ورحمة، وقد تقدَّم بسط هذا المعنى.
و(قوله: ولو لبثت في السجن لبث (١) يوسف) أي: لو مكثت وأقمت. يقال: لبِث يلبَث، بالكسر في الماضي والفتح في المضارع، لُبثا، بضم اللام وسكون الباء، ولباثا، وكلاهما على غير قياس؛ لأنَّ المصدر من فعِل، بالكسر، قياسه التحريك إذا لم يُعَدَّ، مثل: تعب تعبا، وقد جاء في الشعر على القياس. قال جرير:
وقد أكون على الحاجات ذا لُبَث ... وأحوذيا إذا انضم الذعاليب
فهو لابث، ولَبِثٌ أيضًا، وقرئ (لَبِثِينَ فِيهَا أَحقَابًا).
و(قوله: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا، لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها) إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنَّهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقف إلى أن ينقضي إحرامهم، ويصلوا إلى منازلهم، فإذا دخلوا منازلهم دخلوها من ظهورها. قاله الزهري. يعتقدون أن ذلك من البر والقرب،
стр. 4319
[٢٨٥٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِن تُبدُوا مَا فِي أَنفُسِكُم أَو تُخفُوهُ يُحَاسِبكُم بِهِ اللَّهُ﴾ قَالَ: دَخَلَ قُلُوبَهُم مِنهَا شَيءٌ لَم يَدخُل قُلُوبَهُم مِن شَيءٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قُولُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا وَسَلَّمنَا، قَالَ: فَأَلقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِم، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلا وُسعَهَا
ــ
فنفى الله ذلك بقوله: ﴿وَلَيسَ البِرُّ بِأَن تَأتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا﴾ ثم بين ما يكون فيه البر بقوله: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ أي: بر من اتقى الله، وعمل بما أمره الله به من طاعته. ويستفاد منها: أن الطاعات والقُرب إنما يتوصل إليها بالتوقيف الشرعي، والتعريف، لا بالعقل والتخريف. فالبيوت على هذا محمولة على حقائقها، وقد قال بعض العلماء: إن المراد بها إتيان الأمور من وجوهها، وهو بعيد، وأبعد من قول من قال: إن المراد بها إتيان النساء في فروجهن، لا في أدبارهن، والصحيح الأول. وأما القولان الآخران فيؤخذان من موضع آخر، لا من الآية.
و(قوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفسًا إِلا وُسعَهَا﴾ التكليف هو الأمر بما يشق عليه (١)، وتكلفت الشيء: تجشمته. حكاه الجوهري، والوسع: الطاقة والجدة. وهذا خبر من الله تعالى أنه لا يأمرنا إلا بما نطيقه ويمكننا إيقاعه عادة، وهو الذي لم يقع في الشريعة غيره، ويدلّ على ذلك تصفحها، وقد حكي الإجماع على ذلك. وإنما الخلاف في جواز التكليف بما لا يمكننا إيقاعه عقلا، كالجمع بين الضدين، أو عادة، كالطيران في الهواء، والمشي على الماء، فمن مجوز، ومن مانع، وقد بينا ذلك في الأصول، واستيفاء الكلام عليها في علم الكلام.
تنبيه: الله تعالى بلطفه بنا وإنعامه علينا، وإن كان قد كلفنا بما يشق علينا،
стр. 4320
لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت رَبَّنَا لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ ﴿رَبَّنَا وَلا تَحمِل عَلَينَا إِصرًا كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِنَا﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ ﴿وَاغفِر لَنَا وَارحَمنَا أَنتَ مَولانَا فَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ﴾ قَالَ: قَد فَعَلتُ.
رواه مسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٥).
* * *
ــ
ويثقل، كثبوت الواحد للعشرة، وهجرة الإنسان وخروجه عن وطنه، ومفارقة أهله وولده وعادته، لكنه لم يكلفنا بالمشقات المثقلة، ولا بالأمور المؤلمة كما كلف من قبلنا؛ إذ كلفهم بقتل أنفسهم، وقرض موضع البول من أبدانهم، بل سهل ورفق بنا، ووضع عنا الإصر والأغلال التي وضعها على من كان قبلنا، فله الحمد والمنة، والفضل والنعمة.
و(قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَت وَعَلَيهَا مَا اكتَسَبَت﴾ دليل على صحة إطلاق أئمتنا على أفعال العباد: كسبا واكتسابا، ولذلك لم يطلقوا على ذلك: لا خلق، ولا خالق، خلافا لمن أطلق ذلك من مجترئة المبتدعة، ومن أطلق من أئمتنا على العبد فاعل، فالمجاز المحض، كما يعرف في الكلام.
و(قوله: ﴿لا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخطَأنَا﴾ أي: اعف عن إثم ما يقع منا على هذين الوجهين أو أحدهما، كقوله ﷺ : رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (١) أي: إثم ذلك، وهذا لم يختلف فيه: أن الإثم مرفوع، وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام؛ هل ذلك مرفوع لا يلزم
стр. 4321
(٣) ومن سورة آل عمران
[٢٨٥٦] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ أَنَّ رِجَالًا مِن المُنَافِقِينَ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا إِذَا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الغَزوِ تَخَلَّفُوا عَنهُ وَفَرِحُوا بِمَقعَدِهِم خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ اعتَذَرُوا لَهُ وَحَلَفُوا،
ــ
منه شيء، أو يلزم أحكام ذلك كله؟ اختلف فيه. والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع، فقسم: لا يسقط بالخطأ والنسيان باتفاق، كالغرامات والديات والصلوات، وقسم يسقط باتفاق، كالقصاص والنطق بكلمة الكفر ونحو ذلك. وقسم ثالث يختلف فيه، وصوره لا تنحصر، ويُعرف تفصيل ذلك في الفروع.
والإصر: الثقل والمشقة الفادحة. وقول ابن عباس في هذا الحديث حكاية عن الله تعالى: قد فعلت. وقول أبي هريرة في حديثه الذي تقدم في كتاب الإيمان: قال: نعم دليل على أنهم كانوا ينقلون الحديث بالمعنى، وقد قررنا في الأصول: أن ذلك جائز من العالم بمواقع الألفاظ، وأن ذلك لا يجوز لمن بعد الصدر الأول لتغير اللغات، وتباين الكلمات. والمولى: الولي. والناصر: المعين على العدو. والكافر: الجاحد.
(٣) ومن سورة آل عمران
(قوله تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم)، تخلفوا: تأخروا. والمقعد: القعود. وحديث أبي سعيد هذا يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿لا تَحسَبَنَّ﴾ الآية - نزلت في المنافقين، وحديث ابن عباس الذي بعده يدل على أنها نزلت في أهل الكتاب، ولا بعد في ذلك لإمكان نزولها على السببين لاجتماعهما في زمان واحد، فكانت جوابا للفريقين، والله تعالى أعلم.
والمفازة: الموضع الذي يُفاز فيه من المكروه.
стр. 4322
وَأَحَبُّوا أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا، فَنَزَلَت: ﴿لا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا فَلا تَحسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ﴾
رواه البخاريُّ (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧).
[٢٨٥٧] عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال: إنَّ مَروَانَ قَالَ: اذهَب يَا رَافِعُ - لِبَوَّابِهِ - إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ فَقُل: لَئِن كَانَ كُلُّ امرِئٍ مِنَّا فَرِحَ بِمَا أَتَى وَأَحَبَّ أَن يُحمَدَ بِمَا لَم يَفعَل مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجمَعُونَ! فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: مَا لَكُم وَلِهَذِهِ الآيَةِ؟ إِنَّمَا أُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ فِي أَهلِ الكِتَابِ - ثُمَّ تَلَا
ــ
و(قوله: ﴿لا تَحسَبَنَّ﴾)؛ أي: لا تظنن، أي: لتعلموا أنهم غير فائزين من عذاب الله لأنَّهم كتموا الحق وأحبوا أن يُحمدوا به؛ أي: يثنى عليهم بأنهم عليه. والذين فاعل لـ تحسبن، ومفعولاها محذوفان لدلالة تحسبنهم عليه، وهذا نحو قول الشاعر (١):
بأي كتاب أم بأية سنة ... ترى حُبهم عارا علي وتحسب؟
اكتفى بذكر مفعولي الفعل الواحد عن ذكر مفعولي الثاني، وهذا أحسن ما قيل فيه.
و(قوله واستحمدوا بذلك عنده)؛ أي: طلبوا أن يحمدوا.
و(قول مروان لابن عباس ﵄ لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون) دليل على القول بأن للعموم صيغا مخصوصة، وأن الذين منها، وهذا مقطوع به من بعضهم، ذلك من القرآن والسنة.
стр. 4323
ابنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكتُمُونَهُ﴾ وَتَلَا: ﴿لا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمَا لَم يَفعَلُوا﴾ وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: سَأَلَهُم النَّبِيُّ ﷺ عَن شَيءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخبَرُوهُ بِغَيرِهِ، فَخَرَجُوا قَد أَرَوهُ أَن قَد أَخبَرُوهُ بِمَا سَأَلَهُم عَنهُ، وَاستَحمَدُوا بِذَلِكَ إِلَيهِ، وَفَرِحُوا بِمَا أَتَوا مِن كِتمَانِهِم إِيَّاهُ مَا سَأَلَهُم عَنهُ.
رواه البخاريُّ (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذي (٣٠١٨).
[٢٨٥٨] وعن أنس بن مالك قال: يقال للكافر يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال: كذبت! لقد سئلت أيسر من ذلك.
رواه أحمد (٣/ ٢١٨)، والبخاريُّ (٦٥٣٨)، ومسلم (٢٨٠٥)(٥٢).
* * *
(٤) ومن سورة النساء
[٢٨٥٩] عن عروة بن الزبير أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَن قَولِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ قَالَت: يَا ابنَ أُختِي، هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ
ــ
(٤) ومن سورة النساء
(قوله: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾، خفتم: فزعتم وفرقتم، وهو ضد الأمن، ثم قد يكون الخوف منه معلوم الوقوع
стр. 4324
فِي مَالِهِ، فَيُعجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَن يَتَزَوَّجَهَا بِغَيرِ أَن يُقسِطَ فِي صَدَاقِهَا فَيُعطِيَهَا مِثلَ مَا يُعطِيهَا غَيرُهُ، فَنُهُوا أَن يَنكِحُوهُنَّ إِلَّا أَن يُقسِطُوا لَهُنَّ وَيَبلُغُوا بِهِنَّ أَعلَى سُنَّتِهِنَّ مِن الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَن يَنكِحُوا مَا طَابَ
ــ
وقد يكون مظنونا، فلذلك اختلف العلماء في تفسير هذا الحديث هل هو بمعنى العلم أو بمعنى الظن؛ فقال بعضهم: خفتم علمتم، وقال آخرون: خفتم ظننتم، وحقيقة الخوف ما ذكرناه أولا. ﴿وَتُقسِطُوا﴾ تعدلوا. وقد تقدَّم أن أقسط بمعنى عدل، وقسط بمعنى جار. وقد تقدم أن اليتم في بني آدم من قِبل فقد الأب، وفي غيرهم من قبل فقد الأم، وأن اليتيم إنما أصله أن يقال على من لم يبلغ، وقد أطلق في هذه الآية على المحجور عليها - صغيرة كانت أو كبيرة - استصحابا لإطلاق اسم اليتيم لبقاء الحجر عليها، وإنما قلنا إن اليتيمة الكبيرة قد دخلت في الآية لأنَّها قد أبيح العقد عليها في الآية، ولا تُنكح اليتيمة الصغيرة إذ لا إذن لها، فإذا بلغت جاز نكاحها لكن بإذنها، كما قال النبي ﷺ فيما خرج الدارقطني وغيره في بنت عثمان بن مظعون وأنها يتيمة ولا تنكح إلا بإذنها (١)، وهذا مذهب الجمهور خلافا لأبي حنيفة فإنَّه قال: إذا بلغت لم تحتج إلى ولي، بناء على أصله في عدم اشتراط الولي في صحة النكاح - كما قدمناه في كتاب النكاح.
و(قوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾)، قد تقدَّم أن ما أصلها لما لا يعقل، وقد تجيء بمعنى الذي فتطلق على من يعقل، كما جاءت في هذه الآية فإنَّها فيها للنساء وهن ممن يعقل، ولا يُلتفت لقول من قال: إن المراد بها هنا العقد؛ لقوله تعالى بعد ذلك من النساء مبينا لمبهم ما.
و(قوله: ﴿مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾)، قد فَهِم مِن هذا مَن بَعُد فَهمُه للكتاب
стр. 4325
لَهُم مِن النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُروَةُ: قَالَت عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ استَفتَوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَستَفتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفتِيكُم فِيهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ قَالَت: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتلَى عَلَيكُم فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا﴾ قَالَت: وَقَولُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخرَى: ﴿وَتَرغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ رَغبَةَ أَحَدِكُم عَن يتيمته الَّتِي
ــ
والسنة وأعرض عما كان عليه سلف هذه الأمة وقل علمه باللسان واللغة أنه يجوز لنا أن ننكح تسعا ونجمع بينهن في عصمة واحدة من هذه الآية، وزعم أن الواو جامعة، وعضد ذلك بأن النبي ﷺ نكح تسعا وجمع بينهن في عصمة، والذي صار إلى هذه الجهالة الرافضة وطائفة من أهل الظاهر، فجعلوا مثنى وثلاث ورباع مثل اثنين وثلاث وأربع، وبينهما من الفرقان ما بين الجماد والإنسان، فإنَّ أهل اللغة مطبقون على الفرق بينهما، ولا نعلم بينهم خلافا في ذلك، وبيان الفرق أن العرب إذا قالت جاءت الخيل مثنى مثنى إنما تعني بذلك اثنين اثنين؛ أي جاءت مزدوجة. قال الجوهري: وكذلك جميع معدول العدد.
قلت: وعلى هذا جاء قوله تعالى في وصف الملائكة: ﴿أُولِي أَجنِحَةٍ مَثنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾، ويعلم على القطع والبتات أنه لم يرد هنا توزيع هذه الأعداد على الملائكة حتى يكونوا هم أولي تسعة أجنحة يشتركون فيها ولا أنه جمع كل واحد من آحاد الملائكة تسعة أجنحة، وتلزم هذه الفضائح من قال بالجمع في آية النكاح، إذ لا فرق بين هاتين الآيتين في هذا اللفظ في العدل (١)
стр. 4326
تَكُونُ فِي حَجرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، فَنُهُوا أَن يَنكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِن يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسطِ مِن أَجلِ رَغبَتِهِم عَنهُنَّ.
ــ
والعطف بالواو الجامعة، وإنما المراد أن الله تعالى خلق الملائكة أصنافا؛ فمنهم صنف جعل لكل واحد منهم جناحين، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم ثلاثة، ومنهم صنف جعل لكل واحد منهم أربعة، وكذلك آية النكاح معناها أن الله تعالى أباح لكل واحد منهم من الزوجات ما يقدر على العدول فيه، فمن يقدر على العدل في اثنتين أبيح له ذلك، ومن يقدر على العدل في أكثر أبيح له ذلك، فإن خاف ألا يعدل فواحدة كما قال تعالى، وغاية الإباحة أربع؛ لأنَّه انتهى إليهن في العدد، ولقول النبي ﷺ لغيلان بن أمية: أمسك أربعا، وفارق سائرهن (١)، ولأنه لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته بين أكثر من أربع، وما أبيح للنبي ﷺ من ذلك فذلك من خصوصياته بدليل أن أصحابه قد علموا ذلك وتحققوه، فلو علموا أن ذلك مسوَّغ لهم لاقتدوا به في ذلك فكانوا يجمعون بين تسع، فإنَّهم كانوا لا يعدلون عن الاقتداء به في جميع أفعاله وأحواله ويبادرون إلى ذلك مبادرة من علم أن التوفيق والفلاح والحصول على خير الدنيا والآخرة في الاقتداء به، فلولا أنهم علموا خصوصيته بذلك لما امتنعوا منه، وما يروي الرافضة في ذلك عن علي أو غيره من السلف فغير معروف عند أهل السنة ولا مأخوذ عن أحد من علماء الأمة، وكيف لا وقوله لغيلان قد بين القدر المباح غاية البيان، وهو من الأحاديث المعروفة المشهورة عند كل أحد بحيث لا يحتاج فيه إلى إقامة سند. وقد ذهب بعض أهل الظاهر إلى إباحة الجمع بين ثماني عشرة تمسُّكًا بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار لما لم يمكنه لذلك إنكار، لكنه لما حمل الواو على الجمع جمع بين هذه الأعداد وقصر كل صيغة
стр. 4327
وفي رواية قَالَت: أُنزِلَت فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وَهُوَ وَلِيُّهَا وَوَارِثُهَا، ولَهَا مَالٌ وَلَيسَ لَهَا أَحَدٌ يُخَاصِمُ دُونَهَا، فَلَا يُنكِحُهَا لِمَالِهَا فَيَضُرُّ بِهَا وَيُسِيءُ صُحبَتَهَا، فَقَالَ: ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ﴾
يَقُولُ: مَا أَحلَلتُ لَكُم، وَدَع هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِهَا.
ــ
من العدد المعدود على أقله، فجعل مثنى بمعنى اثنين واثنين، وثلاث بمعنى ثلاث وثلاث، ورباع بمعنى أربع وأربع. وهذا القائل أعور بأي عينيه شاء، فإنَّ كل ما ذكرناه يبطل دعواه، ونزيد هنا نكتة تضمنها الكلام المتقدِّم، وهي أن قصره كل صيغة على أقل ما تقتضيه بزعمه تحكم بما لا يوافقه أهل اللسان عليه، ولا يرشد معنى الاثنين إليه لأنَّ مقصود الآية إباحة نكاح اثنتين لمن أراد ونكاح ثلاث لمن أراد ونكاح أربع لمن أراد، وكل واحد من آحاد كل نوع من هذه الثلاثة لا ينحصر، فكل اثنين وثلاث وأربع لا ينحصر، فقصره على بعض أعداد ما تضمنه ذلك مخالف لمقصود الآية، فتفهم ذلك فإنَّه من لطيف الفهم، وللكلام في هذه الآية متسع، وفيما ذكرناه تنبيه ومقنع.
وبعد أن فهمت أفراد تلك الكلمات فاعلم أن العلماء اختلفوا في سبب نزول هذه الآية وفي معناها؛ فذهبت عائشة ﵂ إلى ما ذُكر في الأصل عنها، وحاصل الروايات المذكورة عنها أنها نزلت في ولي اليتيمة التي لها مال فأراد وليها أن يتزوجها فأمر بأن يوفيها صداق أمثالها، أو يكون لها مال عنده بمشاركة أو غيرها وهو لا حاجة له لتزويجها لنفسه ويكره أن يزوجها غيره مخافة أخذ مالها من عنده، فأمر الله الأولياء بالقسط وهو العدل، بحيث إن تزوجها بذل لها مهر مثلها، وإن لم تكن له رغبة فيها زوجها من غيره وأوصلها إلى مالها على الوجه المشروع، وتكميل معنى الآية أن الله تعالى قال للأولياء: إن خفتم ألا تقوموا بالعدل فتزوجوا غيرهن ممن طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين إن شئتم، وثلاثا ثلاثا لمن شاء، وأربعا أربعا لمن شاء - هذا قول عائشة في
стр. 4328
وفي أخرى: أُنزِلَت فِي اليَتِيمَةِ تَكُونُ عِندَ الرَّجُلِ فَتَشرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَرغَبُ عَنهَا أَن يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكرَهُ أَن يُزَوِّجَهَا غَيرَهُ فَيَشرَكُهُ فِي مَالِهِ، فَيَعضِلُهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا غَيرَهُ.
رواه البخاري (٤٥٧٤)، ومسلم (٣٠١٨) (٦ و ٨)، وأبو داود (٢٠٦٨)، والنسائي (٦/ ١١٥).
ــ
الآية.
وقال ابن عباس في معنى الآية: إنه قصر الرجال على أربع لأجل أموال اليتامى، فنزلت جوابا لتحرجهم عن القيام بإصلاح أموال اليتامى. وفسر عكرمة قول ابن عباس هذا بألا تُكثروا من النساء فتحتاجوا إلى أخذ أموال اليتامى.
وقال السدي وقتادة: معنى الآية إن خفتم الجور في أموال اليتامى فخافوا مثله في النساء، فإنَّهن كاليتامى في الضعف، فلا تنكحوا أكثر مما يمكنكم إمساكهن بالمعروف.
قلت: وأقرب هذه الأقوال وأصحها قول عائشة إن شاء الله تعالى، وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى ﴿وَإِن خِفتُم أَلا تُقسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ ليس له مفهوم؛ إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة: اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا - كمن خاف، فدل ذلك على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف وأن حكمها أعم من ذلك، وفي الآية مباحث تسكت الناقث (١). والمعدولة عن أسماء العدد صفات، وقيل: للعدل والتأنيث؛ لأنَّ أسماء العدد مؤنثة، وقيل: لتكرار العدد في اللفظ، والمعنى: لأنه عدل عن لفظ اثنين إلى لفظ مثنى وإلى معنى اثنين اثنين، ومبدأ العدل آحاد ومنتهاه رباع، ولم يسمع فيما فوق ذلك إلا في عشار في قول الكميت:
ولم يستريثوك حتى رميـ ... ـت فوق الرجال خصالا عشارا
стр. 4329
[٢٨٦٠] وعنها في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعرُوفِ﴾ قالت: أنزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجا أن يأكل منه.
في أخرى: بقدر ماله بالمعروف.
رواه البخاري (٤٥٧٥)، ومسلم (٣٠١٩) (١٠ و ١١).
ــ
وتختلف صيغ المعدول عن العدد، فيقال: موحد وآحاد وأحد، ومثنى وثنا وثناي، ومثلث وثلاث وثلث، ومربع ورباع وربع. وقرأ النخعي ثلث وربع.
و(قول عائشة في قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَليَستَعفِف وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَليَأكُل بِالمَعرُوفِ﴾ أُنزلت في والي اليتيم)، فعلى هذا: المراد بها أولياء الأيتام، وهو قول الجمهور. وقال بعضهم: المراد به اليتيم؛ إن كان غنيا وسع عليه وأعف من ماله، وإن كان فقيرا أنفق عليه بقدره، وهذا في غاية البعد؛ لأنَّ اليتيم لا يخاطب بالتصرف في ماله لصغره ولسفهه، ولأنه إنما يأكل من ماله بالمعروف على الحالين، فيضيع التنويع والتقسيم المذكور في الآية، وعلى قول الجمهور فالولي الغني لا يأخذ من مال يتيمه شيئا ولا يستحق على قيامه عليه أجرا دنيويا؛ بل ثوابا أخرويا. وأما الفقير فاختلف فيه هل يأخذ من مال يتيمه شيئًا أم لا؟ فذهب زيد بن أسلم إلى أنه لا يأخذ منه شيئًا وإن كان فقيرا، وحكي ذلك عن ابن عباس بناء على أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكُلُونَ أَموَالَ اليَتَامَى ظُلمًا﴾ الآية، وقيل: بقوله ﴿وَلا تَأكُلُوا أَموَالَكُم بَينَكُم بِالبَاطِلِ﴾
قلت: وهذا لا يصح النسخ فيه لعدم شرطه؛ إذ الجمع ممكن، إذ الأخذ الذي أباحه الله تعالى ليس ظلما ولا أكل مال بالباطل فلم تتناوله الآيتان، وهذا هو القول بالموجب. وذهب جمهور المجوزين إلى إباحة الأخذ، لكنهم اختلفوا
стр. 4330
[٢٨٦١] وعن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس ممن كان معه، فكان أصحاب النبي ﷺ فيهم فرقتين، قال بعضهم: نقتلهم. وقال بعضهم: لا. فنزلت: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ﴾
رواه البخاريُّ (٤٠٥٠)، ومسلم (٢٧٧٦)، والترمذيُّ (٣٠٣١).
ــ
في القدر المأخوذ وفي قضاء المأخوذ وفي وجه الأخذ؛ فروي عن عمر ﵁ أنه قال: إن أكلتَ قضيتَ. وبه قال عبيدة السلماني وأبو العالية، وهو أحد قولي ابن عباس وعكرمة، وقال من عدا هؤلاء: إن له الأخذ ولا قضاء عليه، لكنهم اختلفوا في وجه الأخذ، فذهب عطاء إلى أنه يأخذ بقدر الحاجة (١)، وقال الضحاك: يضارب بماله ويأكل من ربحه. الحسن: يسد الجوعة ويستر العورة. الشعبي: من التمر واللبن. وقد روي هذا عن ابن عباس ﵄ فقال: يأكل ويشرب ويركب الظهر غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب. قال القاضي أبو بكر بن العربي: وعليه مذهب مالك.
قلت: والصحيح من هذه الأقوال - إن شاء الله - أن مال اليتيم إن كان كثيرا يحتاج إلى كثير قيام عليه بحيث يشغل الولي عن حاجاته ومهماته فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلا مما لا يشغله عن حاجاته فلا يأكل منه شيئا، غير أنه يُستحب له شرب قليل اللبن وأكل القليل من الطعام والتمر غير مضر به ولا مستكثر له، بل ما جرت به العادة بالمسامحة فيه. وما ذكرته من الأجرة ونيل القليل من الثمر واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك، والله أعلم.
و(قوله: ﴿فَمَا لَكُم فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَينِ﴾)؛ أي فريقين
стр. 4331
[٢٨٦٢] وعن قيس بن عباد قال: قلنا لعمار: أرأيت قتالكم؛ أرأيا رأيتموه؟ فإن الرأي يخطئ ويصيب! أو عهدا عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. وقال: إن رسول الله ﷺ قال: إن من أمتي - أو في أمتي - اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم
ــ
مختلفين في قتلهم، ويعني بالمنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أُحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا معه إلى أحد، فلم يأمر الله بقتلهم لما علم من المفسدة الناشئة عن ذلك، وهي التي نص عليها النبي ﷺ حيث قال: لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه (١). ثم قال بعد هذا: ﴿وَاللَّهُ أَركَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي بكسبهم - عن الزجاج. ابن عباس: أي ردهم إلى كفرهم. قتادة: أهلكهم. السدي: أضلهم - وكلها قريب بعضه من بعض. وقيس بن عباد: هو بضم العين وفتح الباء الموحدة وتخفيفها.
و(قول عمار ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة) تكذيب من عمار للشيعة فيما يدعونه ويكذبون به على رسول الله ﷺ وعلى علي ﵁ في يوم غدير خم وغيره، وقد تقدَّم هذا المعنى. والدبيلة: الداهية. يقال: دبلتهم الدبيلة؛ أي: أصابتهم الداهية - حكاها أبو عبيد، وصيغتها صيغة التصغير يراد به التكثير، كما يقال:
. . . . . . . . . . . . ... دويهية تصفر منها الأنامل (٢)
стр. 4332
الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة سراج من نار يظهر في أكتافهم حتى ينجم من صدورهم.
رواه أحمد (٤/ ٣٢٠)، ومسلم (٢٧٧٩)(١٠).
[٢٨٦٣] وعن عائشة: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا﴾ الآية، قالت: أنزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلعله ألا يستكثر منها، ويكون لها صحبة وولد فتكره أن يفارقها، فتقول له: أنت في حل من شأني.
رواه البخاريُّ (٤٦٠٠)، ومسلم (٣٠٢١)(١٤).
ــ
والأظهر أنه اسم سُمي به مصغرا، كما قالوا: كميت. وأراد به هنا الورم المهلك الذي يخرج بين الكتفين، والظاهر أن المراد بالحديث أن الله تعالى يهلك هؤلاء الثمانية من المنافقين بهذا الداء في الدنيا، ولذلك قال: تكفيكهم الدبيلة؛ أي: يميتهم الله بها.
و(قوله حتى ينجم من صدورهم)؛ أي: تبلغ إلى قلوبهم وتنفذ في صدورهم، والله أعلم.
وسم الخياط: ثقب الإبرة. والسم: الثقب في كل شيء، يقال في فتح السين وضمها، وكذلك السم القاتل، ويجمعان على سموم وسمام. ومسام الجسد: ثقبه. والجمل: واحد الجمال، ودخول الجمل في ثقب الإبرة محال، والمعلق على المحال محال، فدخول المنافقين الجنة محال، وهذا من نحو قول العرب:
إذا شاب الغراب رجعت أهـ ... ـلي وصار القار كاللبن الحليب
أي: شيب الغراب وبياض القار لا يكونان، فرجوعه إلى أهله لا يكون.
و(قوله: ﴿وَإِنِ امرَأَةٌ خَافَت مِن بَعلِهَا نُشُوزًا أَو إِعرَاضًا﴾، البعل: الزوج. والنشوز: البغض. والإعراض: الميل عنها إلى غيرها. والجناح: الإثم
стр. 4333
[٢٨٦٤] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَلِمَن قَتَلَ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوبَةٍ؟ قَالَ: لَا. فَتَلَوتُ عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الفُرقَانِ:
ــ
والحرج. ويصّالحا - بتشديد الصاد - أي: يتصالحا؛ أي: يعقدان بينهما صلحا على ما يجوز كإسقاط مهر أو قسم أو غير ذلك. وعن علي ﵁: يعطيها مالا ليحول قسمها. وقرأه الكوفيون: أَن يُصلِحَا بَينَهُمَا صُلحًا من أصلح، ويكون صلحا مفعولا لا مصدرا، ويكون المعنى: أن يعقدا بينهما عقد صلح أو يفعلا صلحا.
و(قوله: ﴿وَالصُّلحُ خَيرٌ﴾؛ أي: من النشوز - قاله الزجاج. من الفرقة: ابن عباس.
وقول سعيد بن جبير لابن عباس ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة؟ قال: لا. . الحديث، هذا هو المشهور عن ابن عباس، وقد روي عنه أن توبته تقبل، وهذا هو قول أهل السنة والذي دل عليه الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ وكقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ وَلا يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا * يُضَاعَف لَهُ العَذَابُ يَومَ القِيَامَةِ وَيَخلُد فِيهِ مُهَانًا * إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وكقوله: ﴿وَمَن يَعمَل سُوءًا أَو يَظلِم نَفسَهُ ثُمَّ يَستَغفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
وأما السنة فكثيرة؛ كحديث عبادة بن الصامت الذي قال فيه: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه (١)، وكحديث
стр. 4334
﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقتُلُونَ النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالحَقِّ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هَذِهِ آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾
ــ
أبي هريرة ﵁ في الذي قتل مائة نفس، وكحديث جابر في الذي قتل نفسه بقطعه براجمه، وقد تقدَّم كل ذلك.
و(قول ابن عباس ﵄ هذه آية مكية نسختها آية مدنية) قول لا يليق بعلم ابن عباس ولا بفهمه؛ لأنَّه إن أراد به حقيقة النسخ كان غير صحيح، لأن الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل تلك الأمور المذكورة في الآية، والنسخ لا يدخل الأخبار كما قررناه في الأصول، سلمنا أنه يدخلها النسخ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن بحيث لا يبقى بينهما تعارض، وذلك بأن يُحمل مطلق آية النساء على مقيد آية الفرقان، فيكون معناها: فجزاؤه جهنم إلا من تاب، لا سيما وقد اتحد الموجِب وهو القتل والموجَب وهو المتوعد بالعقاب، وقد قلنا في أصول الفقه: إن مثل هذه الصورة متفق عليها.
وقد تأول جمهور العلماء آية سورة النساء تأويلات:
أحدها: أن المتعمد المعنى فيها هو المستحل لقتل المسلم، ومن كان كذلك كان كافرا.
وثانيها: أن قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ لا يلزم منه دخوله في جهنم ولا بد؛ لأنَّ معناه: إن جازاه، وقد رُفع هذا التقييد إلى النبي ﷺ .
قلت: وتحري هذا القول أن قوله ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هو خبر عن استحقاقه لذلك لا عن وقوع ذلك، ويجوز العفو عن المستحق، وحاصله راجع إلى القول بموجب الآية، فلا دلالة فيها.
وثالثها: أن الخلود ليس نصا في التأبيد الذي لا انقطاع له، بل مقتضاه
стр. 4335
وفي رواية: فنزلت ﴿إِلا مَن تَابَ﴾
رواه مسلم (٣٠٢٣) (١٩ و ٢٠).
[٢٨٦٥] وعن ابن عباس قال: لقي ناس من المسلمين رجلا في غنيمة له فقال: السلام عليكم! فأخذوه فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت: وَلَا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلَمَ (١) لَستَ مُؤمِنًا. وقرأها ابن عباس: السلام (٢).
رواه البخاري (٤٥٩١)، ومسلم (٣٠٢٥)، وأبو داود (٣٩٧٤)، والترمذيُّ (٣٠٣٣).
ــ
تطويل الآماد وتكرير الأزمان ما لم يرد معه من القرائن ما يقتضي التأبيد، كما ورد في وعيد الكفار، فيجوز أن يدخل القاتل في جهنم ويعذب فيها ما شاء الله من الأزمان ثم يلحقه ما يلحق الموحدين من الشفاعة والغفران، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَن أَلقَى إِلَيكُمُ السَّلامَ لَستَ مُؤمِنًا﴾، هذه قراءة ابن عباس وجماعة من القراء؛ السلام بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة أخرى السلم بغير ألف يعنون بذلك الصلح، والقراءتان في السبع، وقرأ ابن وثاب السِّلم بكسر السين وسكون اللام، وهي لغة في السَّلَم الذي هو الصلح.
و(قوله: ﴿تَبتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنيَا﴾؛ أي: تريدون المال وما يعرض من الأعراض الدنيوية.
стр. 4336
[٢٨٦٦] وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى.
وفي رواية تكر بدل تعير.
رواه أحمد (٢/ ٦٨)، ومسلم (٢٧٨٤)(١٧)، والنسائي (٨/ ١٢٤).
* * *
ــ
و(قوله: ﴿فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أي: إن اتقيتم الله وكففتم عما ينهاكم عنه سلمكم وغنمكم.
و(قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ﴾؛ أي: قبل الهجرة حين كنتم تُخفون الشهادة. وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة.
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم﴾؛ أي بالإسلام وبإعزازكم بمحمد ﷺ ، فَتَبَيَّنُوا: من البيان، وتثبتوا: من التثبت. والقراءتان في السبع، وتفيدان وجوب التوقف والتبين عند إرادة الأفعال إلى أن يتضح الحق ويرتفع الإشكال.
و(قوله مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين؛ تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة)، العائرة: المترددة، وتعير: ترجع وتكر - وإنما ثنّى الغنم وإن كانت اسم جنس لأنَّه أراد قطعتين منها.
وهذا الحديث مناسب لقوله تعالى: ﴿مُذَبذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾
* * *
стр. 4337
(٥) ومن سورة العقود
[٢٨٦٧] عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا! قال: وأي آية؟ قال: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾ فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي أنزلت فيه والمكان الذي أنزلت فيه؛ نزلت على رسول الله ﷺ بعرفة في يوم جمعة.
رواه البخاري (٤٦٠٦)، ومسلم (٣٠١٧)(٥)، والترمذي (٣٠٤٦)، والنسائي (٨/ ١١٤).
ــ
(٥) ومن سورة العقود (١)
(قوله تعالى: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِينًا﴾، يعني باليوم يوم عرفة في حجة الوداع التي نزلت فيها هذه الآية، كما جاء في هذا الحديث من قول عمر ﵁، وهذا أولى من قول مجاهد: هو يوم فتح مكة. ودينكم؛ أي: شرائع دينكم، فإنَّها نزلت نجوما، وآخر ما نزل فيها هذه الآية، ولم ينزل بعدها حكم - قاله ابن عباس. وقال القتبي: يعني برفع النسخ. قتادة: يعني أمر حجكم؛ إذ لم يحج في تلك السنة مشرك ولا طاف بالبيت عريان، ووقف الناس كلهم بعرفة.
و(قوله: ﴿وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي﴾)؛ أي: بإكمال الشرائع والأحكام وإظهار دين الإسلام. ورضيت لكم الإسلام دينا؛ أي: أعلمتكم برضاي به لكم دينا، فإنَّه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا، فلا يكون لاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه على ظاهره، ويحتمل أن يريد ورضيت الإسلام لكم دينا قائما بكماله لا أنسخ منه شيئًا، والله تعالى أعلم.
стр. 4338
[٢٨٦٨] وعَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، أَلَا وَإِنَّ الخَمرَ نَزَلَ تَحرِيمُهَا يَومَ نَزَلَ وَهِيَ مِن خَمسَةِ أَشيَاءَ؛ مِن الحِنطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالعَسَلِ. وَالخَمرُ مَا خَامَرَ العَقلَ، وَثَلَاثَةُ أَشيَاءَ وَدِدتُ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَهِدَ إِلَينَا فِيهَا: الجَدُّ، وَالكَلَالَةُ، وَأَبوَابٌ مِن أَبوَابِ الرِّبَا.
وفي رواية العنب بدل الزبيب، وكان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه.
رواه البخاريُّ (٤٦١٩)، ومسلم (٣٠٣٢) (٣٢ و ٣٣)، وأبو داود (٣٦٦٩)، والترمذي (١٨٧٤ و ١٨٧٥)، والنسائي (٨/ ٢٩٥).
[٢٨٦٩] وعَن ابنِ شِهَابٍ قَالَ: سَمِعتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: إِنَّ البَحِيرَةَ الَّتِي يُمنَعُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ، فَلَا يَحلُبُهَا أَحَدٌ مِن النَّاسِ، وَأَمَّا السَّائِبَةُ الَّتِي كَانُوا يُسَيِّبُونَهَا لِآلِهَتِهِم، فَلَا يُحمَلُ عَلَيهَا شَيءٌ. وَقَالَ
ــ
و(قول عمر ﵁ ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء. . .) الحديث - دليل واضح يقارب القطع بأن النبيذ يسمى خمرا وأن اسم الخمر ليس مقصورا على ما يعتصر من العنب، وأن الخمر كل ما خامر العقل؛ فإنَّ عمر ﵁ قال بذلك ونص عليه في معدن الفصاحة، وبين خيار أهل البلاغة وهم من هم علما وفضلا وقوة وعدلا، لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يبالون في الحق باقتحام العظائم، فلو لم يكن ما قاله لسانهم، ومعرفة ذلك شأنهم لبادروا بالإنكار، ولما وجد منهم صحيح ذلك الإقرار.
وقد تقدَّم القول على هذا الحديث في الأشربة وفي الصلاة، وتقدم القول أيضًا في البحيرة والسائبة في الكسوف.
стр. 4339
ابنُ المُسَيَّبِ: قَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : رَأَيتُ عَمرَو بنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَن سَيَّبَ السوائب.
وفي رواية: عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف، أخا بني كعب هؤلاء.
رواه أحمد (٢/ ٣٦٦)، والبخاريّ (٣٥٢١)، ومسلم (٢٨٥٦) (٥٠ و ٥١).
[٢٨٧٠] وعن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : لو تابعني من اليهود عشرة لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم.
رواه البخاريُّ (٣٩٤١)، ومسلم (٢٧٩٣).
* * *
ــ
و(قوله ﷺ لو تابعني من اليهود عشرة لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم)؛ يعني - والله تعالى أعلم - عشرة معينين، وكأنهم كانوا رؤساء اليهود وزعماءهم وذوي رأيهم في ذلك الوقت، فلو أسلموا لتابعهم من دونهم من أتباعهم، ولو كان ذلك لأضففت (١) يهود المدينة وجهاتها على الدخول في الإسلام، وعليها إعادة الضمير في قوله لم يبق على ظهرها.
* * *
стр. 4340
(٦) ومن سورة الأنعام
[٢٨٧١] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّربَةَ يَومَ السَّبتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الجِبَالَ يَومَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَومَ الِاثنَينِ، وَخَلَقَ المَكرُوهَ يَومَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَومَ الأَربِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَومَ الخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعدَ العَصرِ مِن يَومِ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ الخَلقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِن سَاعَاتِ الجُمُعَةِ فِيمَا بَينَ العَصرِ إِلَى اللَّيلِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، ومسلم (٢٧٨٩).
ــ
(٦) ومن سورة الأنعام
(قول أبي هريرة ﵁ أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت. . .) الحديث - ذكر هذا الحديث هنا لأنَّه مفصل لما أجمله قوله تعالى: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ والتربة: التراب - أي: الأرض، وكأنه خلق التراب يوم السبت غير منعقد ولا متجمد، ثم يوم الأحد جمده وجعل منه الجبال أرسى بها الأرض، وكمل خلق الأرض بجبالها في يومين.
و(قوله وخلق الأشجار يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء)؛ أي: ما يكره مما يهلك أو يؤلم كالسموم والخشاش (١) والحيوانات المضرة، وقد ذكر هذا الحديثَ ثابثٌ في كتابه، وقال فيه وخلق التِّقن يوم الثلاثاء بدل المكروه، قال: والتقن ما يقوم به المعاش ويصلح به التدبير كالحديد وغيره من
стр. 4341
[٢٨٧٢] وعَن أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ يَومًا: أَتَدرُونَ أَينَ
ــ
جواهر الأرض، وكل شيء يحصل به صلاح فهو تِقن، ومنه إتقان الشيء وإحكامه.
و(قوله والنور يوم الأربعاء)، كذا الرواية الصحيحة المشهورة، وقد وقع في بعض نسخ مسلم النون بالنون - يعني به الحوت، وكذا جاء في كتاب ثابت في الأم، وفي رواية أخرى البحور مكان النور.
قلت: وهذه الرواية ليست بشيء؛ لأنَّ الأرض خُلقت بعد الماء وعلى الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾؛ أي: قبل خلق السماوات والأرض. إلا إن أراد بالبحور الأنهار التي خلق الله تعالى في الأرض فله وجه، والصحيح رواية النور، ويعني به الأجسام النيرة كالشمس والقمر والكواكب، ويتضمن هذا أنه تعالى خلق السماوات يوم الأربعاء؛ لأنَّ هذه الكواكب في السماوات، ونورها: ضوؤها الذي بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم.
وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصا على خلق السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السماوات في يوم زائد على أيام الأسبوع لكان خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد روي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها أنه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسماوات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. فهذه أخبار آحاد مضطربة فيما لا يقتضي عملا، فلا يُعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُل أَإِنَّكُم لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي
стр. 4342
تَذهَبُ هَذِهِ الشَّمسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ! قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي لَا يَستَنكِرُ النَّاسَ مِنهَا شَيئًا، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا ذَاكَ تَحتَ العَرشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارتَفِعِي، أَصبِحِي طَالِعَةً مِن مَغرِبِكِ! فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَغرِبِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدرُونَ مَتَى ذَلكُم؟ حِينَ ﴿لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾
رواه أحمد (٥/ ١٤٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٩)(٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٦).
ــ
يَومَينِ﴾ الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك، وفيها أبحاث طويلة ليس هذا موضع ذكرها.
و(قوله إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها)، قد كثرت أقوال الناس في معنى مستقر الشمس، وأشبه ما يقال فيه: إنه عبارة عن انتهائها إلى أن تسامت جزءا من العرش معلوما بحيث تخضع عنده وتذل، وهو المعبر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد لها من ذلك المحل متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك وأن تؤمر بالرجوع من حيث جاءت وبأن تطلع من مغربها، فإن كانت الشمس ممن تعقل نسب ذلك كله إليها لأنَّه صدر عنها، وإن كانت مما لا يعقل فعل ذلك الملائكة الموكلون بها، والله تعالى أعلم - وكل ذلك ممكن، وهذا القول موافق لمعنى هذا الحديث، فتأمله!
стр. 4343
[٢٨٧٣] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ: مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا أَو أَغفِرُ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ مِنهُ ذِرَاعًا، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا، وَمَن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً، وَمَن لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطِيئَةً لَا يُشرِكُ بِي شَيئًا لَقِيتُهُ بِمِثلِهَا مَغفِرَةً.
وفي رواية أو أزيد بزيادة ألف.
رواه مسلم (٢٦٨٧).
* * *
ــ
و(قوله يقول الله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيد) مفتوح الهمزة مكسور الزاي مضموم الدال على أنه فعل مضارع، وكذا رويته، وقد روي هذا الحرف بالواو الجامعة وبأو التي معناها أحد الشيئين، وهو إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ والحسنة تعم الحسنات كلها، فأي حسنة عملها المسلم ضوعف ثوابها كذلك، ولا معنى لقول من قصرها على بعض الحسنات دون بعض فإنَّه تحكم مخالف للفظ العام والكرم التام، وقد تقدَّم الكلام على قوله من أتاني يمشي أتيته هرولة وأن ذلك تمثيل.
و(قوله ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بمثلها مغفرة)، قراب الأرض: قدر ملئها، وهو بكسر القاف، وأصله الوعاء، ومنه قراب السيف، وهو في هذا الحديث مَثَل.
* * *
стр. 4344
(٧) ومن سورة الأعراف
[٢٨٧٤] عن ابن عباس قال: كانت امرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها! وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُم﴾
رواه مسلم (٣٠٢٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٣).
* * *
ــ
(٧) ومن سورة الأعراف
(قوله كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها! )، التطواف بكسر التاء: ثوب تطوف به، وقد تقدَّم أن قريشا كانت ابتدعت في الحج أمورا منها أنه كان لا يطوف أحد بالبيت إلا عريانا إلا أن يكون أحمسيا، وهم من ولد كنانة، أو من أعاره تطوافا أحمسي، فإن طاف من لم يكن كذلك في ثيابه ألقاها فلا ينتفع بها هو ولا غيره، وتسمى تلك الثياب باللقى، حتى قال شاعر العرب:
كفى حزنا كري (١) عليه كأنه ... لَقًى بين أيدي الطائفين حريم
وكان هذا الحكم منهم عاما في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأة عريانة وأنشدت الشعر المذكور في الأصل، قال القاضي: وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط - فلما جاء الإسلام ستر الله تعالى هذه العورات ورفع هذه الآثام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ وأذن مؤذن رسول الله ﷺ ألا يطوف بالبيت عريان، وفهم من
стр. 4345
(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة
[٢٨٧٥] عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾
رواه البخاريُّ (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦).
ــ
هذا الأمر وجوب ستر العورة للصلاة على خلاف فيه تقدَّم ذكره، وحاصله أن الجمهور على أنها فرض، واختلف فيها عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقا، والسنة مطلقا، والفرق؛ فتجب مع العمد، ولا تجب مع النسيان والعذر.
(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة
(قول أبي جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) غلب على أبي جهل جهله فساء قوله وفعله، انظر كيف غلبت عليه جهالته وشقوته فاستجيبت منه دعوته فجدل صريعا وسحب على وجهه إلى جهنم سحبا قصيفا! حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: أنت من القوم الذين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؟ فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه وأنجي موسى وقومه حتى قالوا: ﴿اجعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَةٌ﴾! فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ﴾ - فأطرق اليهودي مفحما.