[٢٨٧٢] وعَن أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ يَومًا: أَتَدرُونَ أَينَ
ــ
جواهر الأرض، وكل شيء يحصل به صلاح فهو تِقن، ومنه إتقان الشيء وإحكامه.
و(قوله والنور يوم الأربعاء)، كذا الرواية الصحيحة المشهورة، وقد وقع في بعض نسخ مسلم النون بالنون - يعني به الحوت، وكذا جاء في كتاب ثابت في الأم، وفي رواية أخرى البحور مكان النور.
قلت: وهذه الرواية ليست بشيء؛ لأنَّ الأرض خُلقت بعد الماء وعلى الماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرشُهُ عَلَى المَاءِ﴾؛ أي: قبل خلق السماوات والأرض. إلا إن أراد بالبحور الأنهار التي خلق الله تعالى في الأرض فله وجه، والصحيح رواية النور، ويعني به الأجسام النيرة كالشمس والقمر والكواكب، ويتضمن هذا أنه تعالى خلق السماوات يوم الأربعاء؛ لأنَّ هذه الكواكب في السماوات، ونورها: ضوؤها الذي بين السماء والأرض، والله تعالى أعلم.
وتحقيق هذا أنه لم يذكر في هذا الحديث نصا على خلق السماوات، مع أنه ذكر فيه أيام الأسبوع كلها، وذكر ما خلق الله تعالى فيها، فلو خلق السماوات في يوم زائد على أيام الأسبوع لكان خلق السماوات والأرض في ثمانية أيام، وذلك خلاف المنصوص عليه في القرآن، ولا صائر إليه. وقد روي هذا الحديث في غير كتاب مسلم بروايات مختلفة مضطربة، وفي بعضها أنه خلق الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والشجر والأنهار والعمران يوم الأربعاء، والسماوات والشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة. فهذه أخبار آحاد مضطربة فيما لا يقتضي عملا، فلا يُعتمد على ما تضمنته من ترتيب المخلوقات في تلك الأيام، والذي يعتمد عليه في ذلك قوله تعالى: ﴿قُل أَإِنَّكُم لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي
стр. 4342
تَذهَبُ هَذِهِ الشَّمسُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ! قَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا تَحتَ العَرشِ، فَتَخِرُّ سَاجِدَةً، فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارتَفِعِي، ارجِعِي مِن حَيثُ جِئتِ! فَتَرجِعُ فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَطلِعِهَا، ثُمَّ تَجرِي لَا يَستَنكِرُ النَّاسَ مِنهَا شَيئًا، حَتَّى تَنتَهِيَ إِلَى مُستَقَرِّهَا ذَاكَ تَحتَ العَرشِ، فَيُقَالُ لَهَا: ارتَفِعِي، أَصبِحِي طَالِعَةً مِن مَغرِبِكِ! فَتُصبِحُ طَالِعَةً مِن مَغرِبِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَدرُونَ مَتَى ذَلكُم؟ حِينَ ﴿لا يَنفَعُ نَفسًا إِيمَانُهَا لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾
رواه أحمد (٥/ ١٤٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٩)(٢٥٠)، والنسائي في الكبرى (١١١٧٦).
ــ
يَومَينِ﴾ الآيات، فلينظر فيها من أراد تحقيق ذلك، وفيها أبحاث طويلة ليس هذا موضع ذكرها.
و(قوله إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها)، قد كثرت أقوال الناس في معنى مستقر الشمس، وأشبه ما يقال فيه: إنه عبارة عن انتهائها إلى أن تسامت جزءا من العرش معلوما بحيث تخضع عنده وتذل، وهو المعبر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد لها من ذلك المحل متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك وأن تؤمر بالرجوع من حيث جاءت وبأن تطلع من مغربها، فإن كانت الشمس ممن تعقل نسب ذلك كله إليها لأنَّه صدر عنها، وإن كانت مما لا يعقل فعل ذلك الملائكة الموكلون بها، والله تعالى أعلم - وكل ذلك ممكن، وهذا القول موافق لمعنى هذا الحديث، فتأمله!
стр. 4343
[٢٨٧٣] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَقُولُ اللَّهُ: مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثَالِهَا وَأَزِيدُ، وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثلُهَا أَو أَغفِرُ، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبرًا تَقَرَّبتُ مِنهُ ذِرَاعًا، وَمَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبتُ مِنهُ بَاعًا، وَمَن أَتَانِي يَمشِي أَتَيتُهُ هَروَلَةً، وَمَن لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرضِ خَطِيئَةً لَا يُشرِكُ بِي شَيئًا لَقِيتُهُ بِمِثلِهَا مَغفِرَةً.
وفي رواية أو أزيد بزيادة ألف.
رواه مسلم (٢٦٨٧).
* * *
ــ
و(قوله يقول الله: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وأزيد) مفتوح الهمزة مكسور الزاي مضموم الدال على أنه فعل مضارع، وكذا رويته، وقد روي هذا الحرف بالواو الجامعة وبأو التي معناها أحد الشيئين، وهو إشارة إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾ والحسنة تعم الحسنات كلها، فأي حسنة عملها المسلم ضوعف ثوابها كذلك، ولا معنى لقول من قصرها على بعض الحسنات دون بعض فإنَّه تحكم مخالف للفظ العام والكرم التام، وقد تقدَّم الكلام على قوله من أتاني يمشي أتيته هرولة وأن ذلك تمثيل.
و(قوله ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لقيته بمثلها مغفرة)، قراب الأرض: قدر ملئها، وهو بكسر القاف، وأصله الوعاء، ومنه قراب السيف، وهو في هذا الحديث مَثَل.
* * *
стр. 4344
(٧) ومن سورة الأعراف
[٢٨٧٤] عن ابن عباس قال: كانت امرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها! وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُم﴾
رواه مسلم (٣٠٢٨)، والنسائي (٥/ ٢٣٣).
* * *
ــ
(٧) ومن سورة الأعراف
(قوله كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا - تجعله على فرجها! )، التطواف بكسر التاء: ثوب تطوف به، وقد تقدَّم أن قريشا كانت ابتدعت في الحج أمورا منها أنه كان لا يطوف أحد بالبيت إلا عريانا إلا أن يكون أحمسيا، وهم من ولد كنانة، أو من أعاره تطوافا أحمسي، فإن طاف من لم يكن كذلك في ثيابه ألقاها فلا ينتفع بها هو ولا غيره، وتسمى تلك الثياب باللقى، حتى قال شاعر العرب:
كفى حزنا كري (١) عليه كأنه ... لَقًى بين أيدي الطائفين حريم
وكان هذا الحكم منهم عاما في الرجال والنساء، ولذلك طافت هذه المرأة عريانة وأنشدت الشعر المذكور في الأصل، قال القاضي: وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط - فلما جاء الإسلام ستر الله تعالى هذه العورات ورفع هذه الآثام، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُم عِندَ كُلِّ مَسجِدٍ﴾ وأذن مؤذن رسول الله ﷺ ألا يطوف بالبيت عريان، وفهم من
стр. 4345
(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة
[٢٨٧٥] عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لا يَعلَمُونَ﴾
رواه البخاريُّ (٤٦٤٨)، ومسلم (٢٧٩٦).
ــ
هذا الأمر وجوب ستر العورة للصلاة على خلاف فيه تقدَّم ذكره، وحاصله أن الجمهور على أنها فرض، واختلف فيها عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقا، والسنة مطلقا، والفرق؛ فتجب مع العمد، ولا تجب مع النسيان والعذر.
(٨) ومن سورة الأنفال وبراءة
(قول أبي جهل اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) غلب على أبي جهل جهله فساء قوله وفعله، انظر كيف غلبت عليه جهالته وشقوته فاستجيبت منه دعوته فجدل صريعا وسحب على وجهه إلى جهنم سحبا قصيفا! حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود، فقال اليهودي: ممن أنت؟ قال: من قريش. قال: أنت من القوم الذين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم؟ فهلا عليهم أن يقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له! إن هؤلاء قوم يجهلون. قال ابن عباس: وأنت يا إسرائيلي من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه وأنجي موسى وقومه حتى قالوا: ﴿اجعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُم آلِهَةٌ﴾! فقال لهم موسى: ﴿إِنَّكُم قَومٌ تَجهَلُونَ﴾ - فأطرق اليهودي مفحما.
стр. 4346
[٢٨٧٦] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَمِعتُ النبي ﷺ يَقُولُ: لَا يَذهَبُ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعبَدَ اللَّاتُ وَالعُزَّى! فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن كُنتُ لَأَظُنُّ حِينَ أَنزَلَ اللَّهُ ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾ أَنَّ ذَلِكَ تَامٌّ! قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَوَفَّى كُلَّ مَن
ــ
و(قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنتَ فِيهِم﴾؛ أي: إكراما لك واحتراما لوجودك بينهم، فإنك رحمة عامة للعالمين ونعمة خاصة للمؤمنين، فلما نقله الله عنهم أوقع عذابه بهم.
و(قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُم يَستَغفِرُونَ﴾؛ أي: وما كان الله مهلك جميعهم ومنهم من يستغفره. وقد اختلف في هذا الاستغفار؛ فقال ابن عباس: كانوا يقولون في الطواف غفرانك. مجاهد: هو الإسلام. قتادة: لو استغفروا. السدي: في أصلابهم من يستغفره. الضحاك: فيهم من يصلي ولم يهاجر بعد. وأولاها قول ابن عباس؛ لأنَّ الاستغفار - وإن وقع من الفجار - يُدفع به ضروب من الشرور والأضرار.
و(قوله: ﴿وَمَا لَهُم أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُم يَصُدُّونَ عَنِ المَسجِدِ الحَرَامِ﴾؛ أي: مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، لكن أخره عنهم حلم الحليم، وإن لكل أجل (١) كتاب.
و(قول عائشة يا رسول الله، ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ إن كنت لأظن (٢) أن ذلك تام إلى يوم القيامة! )، كأن عائشة فهمت من هذا أن الأصنام لا تعبد أبدا وأن دين الإسلام
стр. 4347
كان فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ، فَيَبقَى مَن لَا خَيرَ فِيهِ فَيَرجِعُونَ إِلَى دِينِ آبَائِهِم.
رواه مسلم (٢٩٠٧).
[٢٨٧٧] وعَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ التَّوبَةِ؟ قَالَ: آلتَّوبَةِ؟ بَل هِيَ الفَاضِحَةُ! مَا زَالَت تَنزِلُ: وَمِنهُم، وَمِنهُم - حَتَّى ظَنُّوا أَنها لَا تبقي مِنَّا أَحَدا إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا. قَالَ: قُلتُ: سُورَةُ الأَنفَالِ؟ قَالَ: تِلكَ سُورَةُ بَدرٍ. قَالَ: قُلتُ: فَالحَشرُ؟ قَالَ: نَزَلَت فِي بَنِي النَّضِيرِ.
رواه البخاري (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١).
وقد تقدم في كتاب التوبة قصة الثلاثة الذين خلفوا.
انظر صحيح مسلم (٢٧٦٩)(٥٣).
وكذلك قصة: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنهُم مَاتَ أَبَدًا﴾ تقدمت في الجنائز.
انظر صحيح مسلم (٢٧٧٤)(٣).
وقد تقدمت قصة بدر في الجهاد.
انظر صحيح مسلم (١٧٧٩)(٨٣).
* * *
ــ
لا يزال ظاهرا غالبًا على الأديان كلها إلى أن تقوم الساعة وهو على ذلك، فأجابها النبي ﷺ بما يقتضي أن ذلك يكون في أغلب البلدان وفي أكثر الأزمان، لا أن عبادة الأوثان تنقطع من الأرض، ولا أن جميع الأديان تذهب بالكلية حتى لا يبقى إلا دين الإسلام، لأنه تعالى لم يقل: يمحو به الأديان كلها - وإنما قال:
стр. 4348
(٩) ومن سورة إبراهيم
[٢٨٧٨] عن البراء بن عازب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ قال: نزلت في عذاب القبر.
رواه البخاريُّ (١٣٦٩)، ومسلم (٢٨٧١)(٧٤)، وأبو داود (٤٧٥٠)، والترمذيُّ (٣١١٩)، والنسائي (٦/ ١٠١)، وابن ماجه (٤٢٦٩).
[٢٨٧٩] وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء
ــ
﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، وقد أظهره على كل الأديان وأبقاه مع تجدد (١) الأزمان، كيف لا وقد امتد الإسلام في معمور الأرض، من مشرقها إلى أقصى مغربها حتى غلب أهلُه الأكاسرة والقياصرة والهراقلة والتتابعة والبلاد اليمنية وكثيرا من البلاد الهندية، فغلبوا على متعبداتهم ومواضع قرباتهم وصلواتهم، فلقد صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده.
(٩) ومن سورة إبراهيم
(قوله يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء)؛ أي: تضرب إلى الحمرة. والعفرة: بياض ليس ناصعا، بل يضرب إلى الحمرة، وكأنها تغيرت من لهب النار.
стр. 4349
كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد.
رواه البخاريُّ (٦٥٢١)، ومسلم (٢٧٩٠).
ــ
و(قوله كقرصة النقي)، القرصة: الخبزة. النقي - بفتح النون وكسر القاف - هو الحوّارى، وهو الدرمك، سمي بذلك لأنَّه ينقى ويصفى من نخالته ومما يغيره.
و(قوله ليس فيها علم لأحد)، الرواية المشهورة بفتح العين المهملة واللام؛ أي: ليس فيها علامة لأحد ولا أثر، أي لم يكن فيها أحد فيكون له أثر. قال ابن عباس: لم يعمل عليها خطيئة، وقد وجدته في أصل الشيخ أبي الصبر أيوب ليس بها عِلم لأحد بالباء الموحدة وبكسر العين وسكون اللام؛ أي: لم يتقدم بها لأحد من الخلق علم. وهذا الحديث والذي بعده يدل على أن المراد بتبديل الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ﴾ إنه تبديل ذات بذات، فيُذهب بهذه الأرض ويؤتى بأرض أخرى، وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن: تبدل صورتها ويطهر دنسها. وقال ابن عباس: تبدل آكام الأرض ونجوم السماء. وروي عن النبي ﷺ : تُمَد الأرض مد الأديم (١)، وأما تبديل السماوات فروي عن علي ﵁: تبدل الأرض فضة والسماء ذهبا (٢). كعب: الأرض نارا والسماء جنة (٣) - أي: يُزاد فيها. القاسم بن محمد: تطوى السماء كطي السجل. ابن الشجري (٤): تنشق فلا تظل. ابن الأنباري: تختلف أحوالها كالمهل والدهان.
стр. 4350
[٢٨٨٠] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَن قَولِهِ تعالى: ﴿يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فَأَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَومَئِذٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: عَلَى الصِّرَاطِ.
رواه مسلم (٢٧٩١)، والترمذي (٣١٢٠).
ــ
و(قوله ﷺ في جواب عائشة ﵂ على الصراط) ظاهره الصراط الذي هو جسر ممدود على متن جهنم، كما قد قال في الحديث المتقدِّم هم في الظلمة دون الجسر (١)، أي: على الجسر.
قلت: وهذا كله ممكن، والقدرة صالحة، ومن الممكن أن يعدم الله الأرض التي يخرجون منها، ويوجد أرضا أخرى وهم عليها ولا يشعرون بذلك.
و(قوله: تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة)؛ يعني الأرض التي يخرجون منها يقلبها الله تعالى بقدرته كما يقلب أحدنا خبزته، وهو تمثيل لسرعة الانقلاب وسهولته. ويكفؤها: مهموز، من كفأت الإناء إذا قلبته، ووقع في بعض النسخ يتكفؤها كما يتكفؤ بزيادة تاء. والمعنى واحد، وظاهره أن هذه الأرض تقلب فيعاد ما كان أسفلها أعلاها كما يفعل بالخبزة، وهو تبديل صحيح؛ لأنَّ الوجه الذي كان أسفل هو أرض أخرى غير الوجه الذي كان أعلى، فهو تبديل محقق، فيجوز أن يكون هذا هو التبديل الذي أراد الله تعالى في الآية المتقدِّمة، والله تعالى أعلم - وعلى هذا فيكون قوله نزلا لأهل الجنة مفعولا بفعل مضمر تقديره: يُعَد نزلا لأهل الجنة (٢)، والنزل: هو ما يعد للضيف من طعام وشراب وكرامة، وهو بضم النون والزاي، وقد يقال النزل على المنزل
стр. 4351
[٢٨٨١] وعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قَالَ: تَكُونُ الأَرضُ يَومَ القِيَامَةِ خُبزَةً وَاحِدَةً، يَكفَؤُهَا الجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكفَأُ أَحَدُكُم خُبزَتَهُ فِي السَّفَرِ، نُزُلًا لِأَهلِ الجَنَّةِ. فَأَتَى رَجُلٌ مِن اليَهُودِ فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحمَنُ عَلَيكَ أَبَا القَاسِمِ! أَلَا أُخبِرُكَ بِنُزُلِ أَهلِ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: تَكُونُ الأَرضُ خُبزَةً وَاحِدَةً. . . (كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ، فقَالَ: أَلَا أُخبِرُكَ بِإِدَامِهِم؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: إِدَامُهُم بَالَام وَنُونٌ. قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَورٌ وَنُونٌ، يَأكُلُ مِن زيادة كَبِدِهِمَا سَبعُونَ أَلفًا.
رواه البخاريُّ (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).
* * *
ــ
أيضًا وعلى الإنزال. والنواجذ يراد بها الضواحك، وقد تقدَّم استيعاب الكلام فيه.
و(قوله ألا أخبرك بإدامهم؟ )، هذا قول اليهودي لا قول النبي ﷺ ، والنبي ﷺ هو القائل بلى يستخرج بذلك ما عند اليهودي من ذلك ليظهر للحاضرين موافقة اليهودي للنبي ﷺ فيما كان يخبرهم عنه من إدام أهل الجنة، فقد جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ كان أخبر أصحابه بذلك وأن اليهود سألوا النبي ﷺ عن ذلك كما تقدم في الطهارة من حديث ثوبان (١).
و(قوله: إدامهم بالام ونون)، هكذا الرواية الصحيحة التي لا يروى غيرها، فأما بالام فيعني به اليهودي الثور الذي كان يأكل من أطراف الجنة كما في حديث ثوبان، فكانت هذه كلمة عبرانية تكلم بها اليهودي على لسانه، وقد قال
стр. 4352
(١٠) ومن سورة الحجر
[٢٨٨٢] عن عبد الله بن عمر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول الله ﷺ : لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم! ثم زجر فأسرع.
رواه أحمد (٢/ ٦٦)، والبخاريُّ (٣٣٨٠)، ومسلم (٢٩٨٠)(٣٩).
[٢٨٨٣] وعنه أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ على الحجر
ــ
بعض أئمتنا: إن هذه الكلمة صحفها بعض الرواة، وإنما هي اللأى على وزن اللَّعا، وهو الثور الوحشي، وهذا لا يُلتفت إليه لأنه يخرم الثقة بالعدول العلماء، ولأنه لو كان كذلك لما أشكلت على أصحاب النبي ﷺ ولا سألوه عنها، فإنهم يعرفون أن اللأى الثور، والله أعلم.
وأما النون فهو الحوت، وقد قدمنا في الصحاح أن النون الحوت، ويجمع أنوانا ونينانا. وذو النون: يونس ﵇. وزيادة الكبد: هي القطعة المتعلقة به المنفردة عنه.
(١٠) ومن سورة الحجر
(قوله لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين؛ حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم)؛ أي: خوفا من أن تُعاقبوا كما عوقبوا، لأن أكثر المخاطبين والموجودين في ذلك الوقت كانوا ظالمين لأنفسهم إما بالكفر وإما بالمعاصي، وإذا كان سبب العقوبة موجودا تعين الخوف من وجود العقوبة، فحق المار بموضع المعاقبين أن يجدد النظر والاعتبار ويكثر من الاستغفار ويخاف من نقمة العزيز القهار، وألا يطيل اللبث في تلك الدار.
و(قوله ثم زجر فأسرع)؛ أي: زجر ناقته فأسرع بها في المشي، ويستفاد منه كراهة دخول أمثال تلك المواضع والمقابر، فإن كان ولا بد من دخولها فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي ﷺ من الاعتبار والخوف والإسراع، وقد قال ﷺ :
стр. 4353
- أرض ثمود - فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة.
رواه البخاري (٣٣٧٨)، ومسلم (٢٩٨١)(٤٠).
* * *
ــ
لا تدخلوا أرض بابل فإنَّها ملعونة (١).
وأمره ﷺ بإراقة ما استقوا من بئر ثمود وعلف العجين الذي عجن به للدواب حكم على ذلك الماء بالنجاسة؛ إذ ذاك هو حكم ما خالطته نجاسة أو كان نجسا، ولولا نجاسته لما أتلف الطعام المحترم شرعا من حيث إنه مالية وإنه غذاء الأبدان وقوامها، وأمره لهم أن يستقوا من بئر الناقة دليل على التبرك بآثار الأنبياء والصالحين وإن تقادمت أعصارهم وخفيت آثارهم، كما أن في الأول دليلا على بغض أهل الفساد وذم ديارهم وآثارهم. هذا وإن كان التحقيق أن الجمادات غير مؤاخذات، لكن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمكروه المبغوض مبغوض، كما قال كثير:
أحب بحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
وقال آخر:
أمر على الديار ديار ليلى (٢) ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما تلك الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
وفي أمره بعلف الإبل العجين دليل على جواز حمل الرجل النجاسة إلى كلابه ليأكلوها خلافا لمن منع ذلك من أصحابنا وقال: تطلق الكلاب عليها ولا يحملها لهم.
стр. 4354
(١١) ومن سورة الإسراء
قد تقدمت في كتاب الإيمان أحاديث الإسراء.
انظر هذه الأحاديث في التلخيص في كتاب الإيمان.
[٢٨٨٤] عن عبد الله بن مسعود قَالَ: بَينَمَا أَنَا أَمشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرثٍ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ إِذ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن اليَهُودِ، فَقَالَ بَعضُهُم لِبَعضٍ: سَلُوهُ عَن الرُّوحِ! فَقَالُوا: مَا رَابَكُم إِلَيهِ؟ لَا يَستَقبِلُكُم بِشَيءٍ تَكرَهُونَهُ! فَقَالُوا: سَلُوهُ. فَقَامَ إِلَيهِ بَعضُهُم فَسَأَلَهُ عَن الرُّوحِ، قَالَ: فَأَسكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ شَيئًا، فَعَلِمتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيهِ. قَالَ: فَقُمتُ مَكَانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحيُ قَالَ: ﴿وَيَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِنَ العِلمِ إِلا قَلِيلا﴾.
وفي رواية: وما أوتوا.
رواه أحمد (١/ ٣٨٩)، والبخاري (١٢٥)، ومسلم (٢٧٩٤) (٣٢ و ٣٣)، والترمذي (٣١٤٠).
ــ
(١١) ومن سورة الإسراء
قد تقدم الكلام في الإسراء وفي أحاديثه في كتاب الإيمان، وتقدم الكلام في الروح في كتاب الصلاة، وقد اختلف الناس في الروح التي سألت اليهود عنها النبي ﷺ ؛ فقيل: هو عيسى ﵇. وقيل: هو جبريل ﵇. وقيل: هو روح الإنسان - وهذا الأخير هو الأولى؛ لأنَّ اليهود لا تقر بأن عيسى ﵇ ولد بغير أب، وجبريل عندها ملك معروف، فتعين الثالث، وهو الذي يناسب الإبهام في قوله حيث أجابهم بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي﴾ أي: هو أمر عظيم وشأن كبير من أمر الله تعالى مبهما له،
стр. 4355
[٢٨٨٥] وعنه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم - فنزلت.
رواه البخاريُّ (٤٧١٤)، ومسلم (٣٠٣٠)(٢٩).
ــ
وتاركا تفصيله ليعرف الإنسان على القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع العلم بوجودها، وإذا كان الإنسان في معرفة نفسه هكذا كان بعجزه عن إدراك حقيقة الحق أولى.
و(قوله فأسكت رسول الله ﷺ بمعنى سكت، يقال: سكت، وأسكت - لغتان، وقيل: معنى أسكت أطرق ساكتا.
و(قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، هي نحو مما قال الخضر لموسى ﵇: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر - وقد تقدَّم معناه.
و(قول ابن عباس ﵄ كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فاستمسك الإنس بعبادتهم، فنزل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، هذا هو المشهور عن ابن عباس، وروي عنه أنها نزلت فيمن كان يعبد العزير وعيسى وأمه.
قلت: والآية بحكم عمومها متناولة للفريقين؛ لأنَّ أولئك إشارة إلى ﴿الَّذِينَ زَعَمتُم مِن دُونِهِ﴾ والمخاطب بـ ﴿قُلِ ادعُوا﴾ كل من كان كذلك، والنفر من الإنس قيل: إنهم كانوا من خزاعة. وزعمتم: ادعيتم، ومعمولها محذوف، تقديره: زعمتم أنهم آلهة غير الله، فلا يملكون: أي لا يستطيعون. والضر: هو قحط سبع سنين، والأحسن حمله على جنس الضر؛ فإنَّهم لا يملكون كشف شيء منه كائنا ما كان ولا تحويلا، ولا يملكون تحويل شيء من أحوالهم ولا تبديله بغيره.
стр. 4356
[٢٨٨٦] وعن عائشة في قوله : ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾ قالت: أنزل هذا في الدعاء.
رواه البخاريّ (٤٧٢٣)، ومسلم (٤٤٧)(١٤٦).
وقد تقدم في كتاب الصلاة قول ابن عباس، هذه الآية: إنها نزلت مخافة سب المشركين للقرآن إذا قرئ جهرا.
انظر صحيح مسلم (٤٤٦)(١٤٥).
* * *
ــ
ويبتغون: يقصدون ويطلبون. وهذه الجملة هي خبر أولئك، والذين يدعون: نعت لأولئك. والوسيلة: القربة إلى الله تعالى. وأيهم أقرب؛ أي: كل واحد منهم يجتهد في التقرب إلى الله تعالى بعبادته، يريد بذلك أن يكون أقرب إليه من كل أحد. وهذا المعنى أمكن في حق العزير وعيسى وأمه، وبهذا يتأيد القول الثاني لابن عباس ﵄.
و(قوله: ﴿وَيَرجُونَ رَحمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، هكذا حال العارف بالله تعالى بين الرجاء والخوف، ولا بد منهما للمؤمن، ولذلك قال بعض السلف: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا. إلا أن الخوف أولى بالمسيء لكن بحيث لا يقنط من رحمة الله، والرجاء أولى بالمحسن لكن بحيث لا يغتر فيكسل عن الاجتهاد في عبادة الله.
و(قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحذُورًا﴾؛ أي: شيئا عظيما يجب أن يحذره المؤمن، فهو محذور للمؤمن العارف ومتروك للجاهل الآمن.
و(قوله: ﴿وَلا تَجهَر بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِت بِهَا﴾، قد ذكر في الأصل اختلاف عائشة وابن عباس في سبب نزولها، وأيهما كان فمقصود الآية
стр. 4357
(١٢) ومن سورة الكهف
[٢٨٨٧] وعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة! اقرؤوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزنًا﴾.
رواه البخاريُّ (٤٧٢٩)، ومسلم (٢٧٨٥).
ــ
التوسط في القراءة والدعاء، فلا يفرط في الجهر ولا يفرط في الإسرار، ولكن بين المخافتة والجهر، وخير الأمور أوساطها.
(١٢) ومن سورة الكهف
(قوله ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة)؛ أي: لا قيمة له ولا قدر؛ إذ لا عمل له يوزن، فإنَّ الأعمال هي التي توزن، أي صحتها لا أشخاص العاملين، وقد قال ﷺ في عبد الله بن مسعود ﵁: أتعجبون من حموشة ساقيه؟ لهي أثقل في الميزان من أحد (١)، أو كما قال - أي: الأعمال التي عمل بها أثقل في الميزان، لا أن ساقيه توضعان في الميزان ولا شخصه كما قد ذهب إليه بعض المتكلمين على هذه الآية فقال: إن الأشخاص توزن! ويُفهم من هذا الحديث أن السمن المكتسب للرجال مذموم، وقد قال ﷺ : إن أبغض الرجال إلى الله الحبر السمين (٢). وقال في حديث عمران: ويظهر فيهم السمن (٣). وسبب ذلك أن السمن المكتسب
стр. 4358
وقد تقدمت قصة موسى مع الخضر في كتاب الأنبياء.
انظر صحيح مسلم (٢٣٨٠) (١٧٠ - ١٧٤).
[٢٨٨٨] وعن أبي الدرداء أن نبي الله ﷺ قال: من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصم من الدجال.
وفي رواية: من آخر سورة الكهف.
رواه مسلم (٨٠٩)، وأبو داود (٤٣٢٣)، والترمذيّ (٢٨٨٨).
* * *
ــ
إنما هو من كثرة الأكل والشرب والدعة والراحة والأمن والاسترسال مع النفس على شهواتها.
وحاصل هذا الحديث يرجع إلى قوله في الحديث الآخر إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم (١)، وقد تقدَّم القول في حديث الخضر في كتاب الأنبياء وعلى قراءة عشر آيات من أول سورة الكهف في كتاب الصلاة.
* * *
стр. 4359
(١٣) ومن سورة مريم
[٢٨٨٩] عن خباب قال: كان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد! قال: فقلت له: لن أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث! قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد! قال: فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأتِينَا فَردًا﴾
وفي رواية قال خباب: كنت قينا في الجاهلية، فعملت للعاص بن وائل عملا، فأتيته. . . وذكره.
رواه البخاريُّ (٤٧٣٣)، ومسلم (٢٧٩٥) (٣٥ و ٣٦)، والترمذيُّ (٣١٦١).
* * *
ــ
(١٣) ومن سورة مريم
(قول خباب كنت قينا في الجاهلية)؛ أي: حدادا، وهذا أصل هذا اللفظ، وقد يقال على كل صانع، وقد تقدم ذلك.
و(قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمَنِ عَهدًا﴾؛ أي: أنَظَرَ في اللوح المحفوظ فرأى أمنيته أم أعطاه الله موثقا بذلك، وهذا توبيخ له على جهله وتحكمه، ثم إنه تعالى نفى ذلك وزجره عنه وتوعده عليه بقوله: ﴿كَلا سَنَكتُبُ مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نكتب في ديوان أعماله، أو نريه ذلك مكتوبا عليه في القيامة، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا﴾ أي: نزيده منه أضعافا، من قولهم: مد النهر، ومده نهر آخر، ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾؛ أي: نسلبه ما يقول بالموت، ويقول: بمعنى قال، يعني به ماله أو ولده، وعبر عن الحال بالماضي لقربه أو لتماديه على ذلك
стр. 4360
(١٤) ومن سورة الأنبياء
[٢٨٩٠] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك! أين ملوك الأرض؟
رواه البخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧)، ولم يذكره المؤلف في التلخيص، وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم.
ــ
القول. وفردا: وحيدا مسلوبا لا نصير له ولا مجير.
(١٤) ومن سورة الأنبياء
(قوله يقبض الله ﵎ في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى يطوي، وفي الثالثة يأخذ، هذا الاختلاف يدلّ على أنَّه نقل بالمعنى وأن اللفظ الذي قاله النبي ﷺ لم يتعين، وحاصل مدلول هذه الألفاظ أنه تعالى يفعل في السماوات والأرض فعلا وهو أنه يقبض مبسوطهما ويطمس أنوارهما، فعبر عن ذلك بعبارات مختلفة كالطي والتكوير وغير ذلك مما في معناه مما جاء في الكتاب. وقد تقدَّم أن اليد تطلق في اللسان على القدرة والنعمة، والمراد بها هنا القدرة، وكذلك الإصبع، وسيأتي تكميل هذا المعنى في الزمر.
و(قوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ﴾)، اختلف المفسرون في السجل؛ فقال يزيد: هو اسم كاتب النبي ﷺ . وقال ابن عباس: السجل بلغة الحبش الرجل. وقد روى ذلك أبو داود من حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس قال: كان للنبي ﷺ كاتب يسمى السجل (١). وهو قوله: ﴿يَومَ نَطوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُبِ﴾.
стр. 4361
[٢٨٩١] وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يطوي بدل يقبض، وفي رواية: يأخذ.
رواه البخاريُّ (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨) (٢٤ و ٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨) ولم يذكره المؤلف في التلخيص. وقد شرح ما أشكل فيه في المفهم.
* * *
(١٥) ومن سورة الحج
[٢٨٩٢] عن قيس بن عباد قال: سمعت أبا ذر يقسم قسما: إن ﴿هَذَانِ خَصمَانِ اختَصَمُوا فِي رَبِّهِم﴾ أنها نزلت في الذين
ــ
قلت: وفي إسناده مقال، وقال السدي: اسم ملك يكتب أعمال العباد. وقال مجاهد: هو الصحيفة. واللام بمعنى على، أي: على المكتوب، وقيل: هي على أصلها، ويكون معناه: ليصير كتابا. والمساجلة: المكاتبة، وأصله منازعة الدلو، قال:
من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب (١)(١٥) ومن سورة الحج
(قوله: ﴿هَذَانِ خَصمَانِ﴾ إشارة إلى الفريقين اللذين ذكرهما أبو ذر، وهما: علي وحمزة وعبيدة، وهم المؤمنون، والفريق الآخر: عتبة وشيبة، والوليد بن عتبة - التقيا يوم بدر في أول الحرب، فافتخر المشركون
стр. 4362
برزوا يوم بدر: حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة.
رواه البخاريُّ (٣٩٦٨)، ومسلم (٣٠٣٣).
* * *
ــ
بدينهم وانتسبوا إلى شركهم، وافتخر المسلمون بالإسلام وانتسبوا إلى التوحيد. ولما خرج المشركون ودعوا إلى البراز خرج إليهم عوف ومعوذ ابنا عفراء وعبد الله بن رواحة الأنصاري، فلما انتسبوا لهم قالوا: أكفاء كرام، ولكنا نريد قومنا! فخرج إليهم حمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث وعلي ﵃، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا صاحبيهما فقتلاهما، واختلفت بين عبيدة وشيبة ضربتان كلاهما أثبت (١) صاحبه، وكر حمزة وعلي على شيبة فقتلاه واحتملا صاحبيهما، فمات من جرحه ذلك بالصفراء عند رجوعه.
وقال قتادة: هم أهل الكتاب، افتخروا بسبق دينهم وكتابهم، فقال المسلمون: كتابنا مهيمن على الكتب، ونبينا خاتم الأنبياء. وقال مقاتل: أهل الملل في دعوى الحق.
و(قوله: ﴿قُطِّعَت لَهُم ثِيَابٌ مِن نَارٍ﴾)؛ أي أعدت، كما يقطع من الثوب القميص والسراويل، كما قال تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ وَتَغشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ فأُلبِسوا والله ثيابا العري خير منها، كما أطعموا طعاما وسقوا شرابا الجوع والظمأ خير منهما.
و(قوله: ﴿يُصهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم وَالجُلُودُ﴾ (٢))؛ أي: يُقطع به وينضج ويذاب.
стр. 4363
(١٦) ومن سورة النور
[٢٨٩٣] عَن عَائِشَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَن يَخرُجَ سَفَرًا أَقرَعَ بَينَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَت: فَأَقرَعَ بَينَنَا فِي غَزوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهمِي، فَخَرَجتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ بَعدَمَا أُنزِلَ الحِجَابُ، فَأَنَا أُحمَلُ فِي هَودَجِي وَأُنزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزوِهِ وَقَفَلَ
ــ
(١٦) ومن سورة النور
(قولها كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه) دليل على أن للقرعة مدخلا شرعيا في الحقوق المشتركة، وهو قول الكافة. قال أبو عبيدة: وقد عمل بها ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ومحمد صلى الله عليهم أجمعين. قال ابن المنذر: واستعمالها كالإجماع بين أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، ولا معنى لقول من ردها، وحكي عن أبي حنيفة إجازتها. قال: ولا تقسيم في القياس، ولكنا تركنا القياس للآثار.
قلت: ومقتضى هذا أنه قصرها على المواضع التي وردت في الأحاديث دون تعديتها إلى غيرها، وهو قول مالك أيضًا والمغيرة وبعض أصحابنا، وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة ترك القول بها، وأنكرها بعض الكوفيين وقال: هي كالأزلام. وبإجازتها في المشكلات قال الشافعي. قال القاضي: وهو مشهور مذهب مالك.
وأما القرعة بين النساء إذا أراد سفرا فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب مالك في أحد قوليه والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه لا يخرج منهن إلا من خرجت عليها القرعة تمسُّكًا بظاهر هذا الحديث فإنه كالنص في ذلك، وقال مالك أيضًا: إن له أن يسافر بمن شاء منهن بغير قرعة وإن القسمة هنا سقطت
стр. 4364
وَدَنَونَا مِن المَدِينَةِ آذَنَ لَيلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمتُ حِينَ أذنوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيتُ حَتَّى جَاوَزتُ الجَيشَ، فَلَمَّا قَضَيتُ مِن شَأنِي أَقبَلتُ إِلَى الرَّحلِ، فَلَمَستُ صَدرِي فَإِذَا عِقدِي مِن جَزعِ ظَفَارِ قَد انقَطَعَ، فَرَجَعتُ فَالتَمَستُ عِقدِي فَحَبَسَنِي ابتِغَاؤُهُ، وَأَقبَلَ الرَّهطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرحَلُونَ بي فَحَمَلُوا هَودَجِي
ــ
للضرورة؛ إذ قد تكون إحداهن أخف محملا وأقل مؤونة وأصلح للسفر والأخرى أصلح للمقام في بيته لسد ضيعته وللقيام بولده، وقد تكون أثقل جسما وأكثر مؤونة.
قلت: والذي يقع لي أن هذا ليس بخلاف في أصل القرعة في هذا، وإنما هذا لاختلاف أحوال النساء، فإذا كان فيهن من تصلح للسفر ومن لا تصلح تعين من تصلح، ولا يمكن أن يقال: يجب أن يسافر بمن لا تصلح؛ لأنَّ ذلك ضرر ومشقة عليه، ولا ضرر ولا ضرار، وإنما تدخل القرعة إذا كن كلهن صالحات للسفر، فحينئذ تتعين القرعة؛ لأنَّه لو أخرج واحدة منهن بغير قرعة لخيف أن يكون ذلك ميلا إليها، ولكان للأخرى مطالبته بحقها، فإذا خرج بمن وقعت عليها القرعة انقطعت حُجَّة الأخرى وارتفعت التهمة عنه، وطاب قلب من بقي منهن، والله تعالى أعلم.
و(قوله آذن ليلة بالرحيل) هو بالمد وفتح الذال، بمعنى أعلم. والهودج: القبة التي تكون فيها المرأة على ظهر البعير، وهو الخدر، ويجمع: هوادج.
و(قولها فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع)، قال ابن السكيت: الجَزع بفتح الجيم وإسكان الزاي الخرز اليماني. وظَفار بفتح الظاء قرية باليمن.
قلت: هكذا صحيح الرواية ظَفار كما قاله ابن السكيت، وفي الصحاح ظفار مثل قطام: مدينة في اليمن. يقال: من دخل ظفار حمَّر، وجزع ظفاري:
стр. 4365
فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيَ الَّذِي كُنتُ أَركَبُ وَهُم يَحسِبُونَ أَنِّي فِيهِ! قَالَت: وَكَانَت النِّسَاءُ إِذ ذَاكَ خِفَافًا لَم يُهَبَّلنَ وَلَم يَغشَهُنَّ اللَّحمُ، إِنَّمَا يَأكُلنَ العُلقَةَ مِن الطَّعَامِ، فَلَم يَستَنكِر القَومُ ثِقَلَ الهَودَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ، وَكُنتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الجَمَلَ وَسَارُوا، وَوَجَدتُ عِقدِي بَعدَمَا استَمَرَّ الجَيشُ، فَجِئتُ مَنَازِلَهُم وَلَيسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمتُ مَنزِلِي الَّذِي كُنتُ فِيهِ وَظَنَنتُ أَنَّ القَومَ سَيَفقِدُونِي فَيَرجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَينَا أَنَا
ــ
منسوب إليها، وكذلك عود ظفاري، وهو العود الذي يتبخر به، وعلى هذا فمن قيده جزع أظفار بألف فقد أخطأ، وبالوجه الصحيح رويته.
و(قولها وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلن ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلق)، اختلف الرواة في تقييد هذا الحرف؛ فرواه العذري بضم الياء وفتح الهاء وتشديد الباء على ما لم يُسم فاعله يُهَبَّلن، ومن طريق الطبري بفتح الياء وسكون الهاء وفتح الباء يَهبَلن، والصواب بضمها؛ لأنَّ ماضيه فَعُلَ، وفي بعض الروايات عن ابن الحذاء لم يُهَبِّلن بضم الياء وفتح الهاء وكسر الباء مشددة، وهذه الرواية هي المعروفة في اللغة. قال في الصحاح: هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه على بعض. وأهبله أيضًا، يقال: رجل مهبّل، قال أبو كبير:
. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . فشبَّ غير مُهَبَّلِ (١)
قال: وقالت عائشة في حديث الإفك: والنساء يومئذ لم يهبلهن اللحم.
والعلق: جمع علقة، وهو القليل من الطعام، وكأنه الذي يمسك الرمق ويعلق النفس للازدياد منه، أي: يشوقها إليه.
و(قولها فتيممت منزلي الذي كنت فيه)؛ أي: قصدته. وقد تقدم أن التيمم
стр. 4366
جَالِسَةٌ فِي مَنزِلِي غَلَبَتنِي عَينِي فَنِمتُ، وَكَانَ صَفوَانُ بنُ المُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكوَانِيُّ قَد عَرَّسَ مِن وَرَاءِ الجَيشِ، فَادَّلَجَ فَأَصبَحَ عِندَ مَنزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَقَد كَانَ يَرَانِي قَبلَ أَن يُضرَبَ الحِجَابُ عَلَيَّ، فَاستَيقَظتُ بِاستِرجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرتُ وَجهِي بِجِلبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعتُ مِنهُ كَلِمَةً غَيرَ استِرجَاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبتُهَا، فَانطَلَقَ يَقُودُ بِيَ الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَينَا الجَيشَ بَعدَمَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ فِي شَأنِي، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلُولَ، فَقَدِمنَا المَدِينَةَ،
ــ
في الأصل هو القصد. والتعريس: النزول من آخر الليل. وقال أبو زيد: هو النزول في أي وقت كان، وأدلج: سار من أول الليل، وادلج - مشددا - سار من آخره. وقيل: هما لغتان، والأول المعروف.
و(قولها فخمرت وجهي بجلبابي)؛ أي: غطيته بثوبي.
و(قولها بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة)، الرواية الصحيحة بالغين المعجمة والراء المهملة، من الوغرة بسكون الغين، وهي شدة الحر، ومنه قيل: في صدره علي وغر - بالتسكين، أي: ضغن وعداوة، تقول: وغر صدره علي يوغر وغرا، فهو واغر الصدر عليه، وقد أوغرت صدره على فلان. وقد رواه مسلم من حديث يعقوب بن إبراهيم موعزين بالعين المهملة والزاي، ويمكن أن يقال فيه: هو من وعزت إليه، أي: تقدمت. يقال: وعزت إليه وعزا، مخففا، ويقال: وعّزت إليه توعيزا، بالتشديد، والرواية الأولى أصح وأولى، والظهيرة: شدة الحر، وهي الهاجرة. ونحرها: صدرها؛ أي: أولها. وقد صحفه بعضهم فقال موعرين بالعين المهملة والراء، ولا يلتفت إليه.
و(قولها فهلك من هلك في شأني)؛ أي: بقول البهتان والقذف. وكبر
стр. 4367
فَاشتَكَيتُ حِينَ قَدِمنَا المَدِينَةَ شَهرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَولِ أَهلِ الإِفكِ وَلَا أَشعُرُ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعرِفُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللُّطفَ الَّذِي كُنتُ أَرَى مِنهُ حِينَ أَشتَكِي، إِنَّمَا يَدخُلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيفَ تِيكُم؟ فَذَاكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجتُ بَعدَمَا نَقَهتُ، وَخَرَجَت مَعِي أُمُّ مِسطَحٍ قِبَلَ المَنَاصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَلَا نَخرُجُ إِلَّا لَيلًا إِلَى لَيلٍ، وَذَلِكَ قَبلَ أَن نَتَّخِذَ الكُنُفَ قَرِيبًا مِن بُيُوتِنَا، وَأَمرُنَا أَمرُ العَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّنَزُّهِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالكُنُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِندَ بُيُوتِنَا، فَانطَلَقتُ أَنَا وَأُمُّ مِسطَحٍ، وَهِيَ بِنتُ أَبِي رُهمِ
ــ
الشيء: معظمه. والناس يفيضون؛ أي: يخوضون فيه ويكثرون القول. ويريبني: من الريبة، وهي اسم للتهمة والشك. تقول: رابني فلان: إذا رأيت منه ما يريبك، وهذيل تقول: أرابني فلان. قال الهذلي:
يا قوم ما لي وأبا ذؤيب ... كأنني أرَبتُه بريب
وأراب الرجل: صار ذا ريبة، فهو مريب - حكاه الجوهري، وقال غيره: يقال أرابني الأمر يريبني إذا توهمته وشككت فيه، فإذا استيقنته قلت: رابني منه كذا، يريبني، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في الشك.
و(قولها بعدما نقهت من مرضي) هو بفتح القاف؛ أي: أفقت، فأمَّا بكسر القاف فهو بمعنى فهمت الحديث. والمناصع: مواضع معروفة. والمتبرز بفتح الراء: هو موضع التبرز، وهو الخروج إلى البراز، وهو الفضاء من الأرض التي مَن خرج إليها فقد برز، أي ظهر، وكني به - هنا - عن الخروج للحدث. والكنف: جمع كنيف، وهو الموضع المتخذ للتخلي، وأصل الكنيف: الساتر. والمرط: الكساء.
стр. 4368
بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا ابنَةُ صَخرِ بنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَابنُهَا مِسطَحُ بنُ أُثَاثَةَ بنِ عَبَّادِ بنِ المُطَّلِبِ، فَأَقبَلتُ أَنَا وَبِنتُ أَبِي رُهمٍ قِبَلَ بَيتِي حِينَ فَرَغنَا مِن شَأنِنَا، فَعَثَرَت أُمُّ مِسطَحٍ فِي مِرطِهَا فَقَالَت: تَعِسَ مِسطَحٌ! فَقُلتُ لَهَا: بِئسَ مَا قُلتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا قَد شَهِدَ بَدرًا؟ قَالَت: أَي هَنتَاه! أَولَم تَسمَعِي مَا قَالَ؟ قُلتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَت: فَأَخبَرَتنِي بِقَولِ أَهلِ الإِفكِ، فَازدَدتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعتُ إِلَى بَيتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيفَ تِيكُم؟ قُلتُ: أَتَأذَنُ لِي أَن آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَت: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَن أَتَيَقَّنَ الخَبَرَ مِن قِبَلِهِمَا، فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَجِئتُ أَبَوَيَّ فَقُلتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاه، مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَت: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيكِ، فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَت امرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةٌ عِندَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرنَ عَلَيهَا! قَالَت: قُلتُ: سُبحَانَ اللَّهِ! وَقَد
ــ
و(قولها تعس مسطح) هو بكسر العين، معناه: انتكس وسقط على وجهه، دعت عليه لما قال. والمسطح: عود من أعواد الحناء، وهو - هنا - لقب لهذا الرجل، واسمه: عوف بن أثاثة بن عبد المطلب بن عبد مناف.
و(قولها يا هنتاه (١))؛ أي: يا امرأة. ويقال للرجل: يا هناه، ولا يستعملان إلا في النداء، وهما في الأصل عبارة عن كل نكرة، وقد تقدم الكلام عليها، ونونها مخففة، وحكى الهروي عن بعضهم تشديد النون فأنكره الأزهري.
و(قولها فوالله لقلما كانت امرأة وضيئة قط عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثّرن عليها)، وضيئة: فعيلة من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة. أي: جميلة، وكانت عائشة ﵂ كذلك. والضرائر: الضرات. وكثّرن؛ أي: بالقول والأذى - تُهوِّن عليها ما سمعت.
стр. 4369
تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَت: فَبَكَيتُ تِلكَ اللَّيلَةَ حَتَّى أَصبَحتُ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، ثُمَّ أَصبَحتُ أَبكِي، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بنَ زَيدٍ حِينَ استَلبَثَ الوَحيُ يَستَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهلِهِ. قَالَت: فَأَمَّا أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالَّذِي يَعلَمُ مِن بَرَاءَةِ أَهلِهِ وَبِالَّذِي يَعلَمُ فِي نَفسِهِ لَهُم مِن الوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُم أَهلُكَ، وَلَا نَعلَمُ إِلَّا خَيرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَم يُضَيِّق اللَّهُ عَلَيكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَإِن تَسأَل الجَارِيَةَ تَصدُقكَ. قَالَت: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: أَي بَرِيرَةُ، هَل رَأَيتِ مِن شَيءٍ يَرِيبُكِ مِن عَائِشَةَ؟ قَالَت لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِن رَأَيتُ عَلَيهَا أَمرًا قَطُّ أَغمِصُهُ عَلَيهَا أَكثَرَ مِن أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَن عَجِينِ أَهلِهَا
ــ
و(قولها لا يرقأ لي دمع)؛ أي: لا ينقطع، وهو مهموز. يقال: رقأ الدم يرقأ إذا انقطع، ومنه قولهم: لا تسبوا الإبل، فإنَّ فيها رَقوء الدم (١) بفتح الراء والهمز. واستلبث الوحي؛ أي استبطأه، فيكون الوحي منصوبا على المفعول، ويصح رفعه على أن يكون استلبث بمعنى لبث، كما قال استجاب بمعنى أجاب، وهو كثير.
و(قولها أهلك، ولا نعلم إلا خيرا) منصوب على أنه مفعول بفعل مضمر؛ أي: أمسك أهلك، أو الزم. هكذا وقع في نسخة بالنصب، وفي رواية: هم أهلك - على الابتداء والخبر؛ أي: العفائف واللائقات بك. وأغمصه: أعيبه، من الغمص وهو العيب. والداجن: الشاة المقيمة في البيت، ويقال على الحمام أيضًا. ودجن: إذا أقام.
стр. 4370
فَتَأتِي الدَّاجِنُ فَتَأكُلُهُ! قَالَت: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى المِنبَرِ فَاستَعذَرَ مِن عَبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ ابنِ سَلُولَ. قَالَت: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ: يَا مَعشَرَ المُسلِمِينَ، مَن يَعذِرُنِي مِن رَجُلٍ قَد بَلَغَ أَذَاهُ فِي أَهلِ بَيتِي؟ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي إِلَّا خَيرًا! وَلَقَد ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمتُ عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا! وَمَا كَانَ يَدخُلُ عَلَى أَهلِي إِلَّا مَعِي. فَقَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ الأَنصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَا أَعذِرُكَ مِنهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِن كَانَ مِن الأَوسِ ضَرَبنَا عُنُقَهُ، وَإِن كَانَ مِن إِخوَانِنَا الخَزرَجِ أَمَرتَنَا فَفَعَلنَا أَمرَكَ! قَالَت: فَقَامَ سَعدُ بنُ عُبَادَةَ - وَهُوَ سَيِّدُ الخَزرَجِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِن اجتَهَلَتهُ الحَمِيَّةُ، فَقَالَ لِسَعدِ بنِ مُعَاذٍ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللَّهِ، لَا تَقتُلُهُ وَلَا تَقدِرُ عَلَى قَتلِهِ! فَقَامَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ - وَهُوَ ابنُ عَمِّ سَعدِ بنِ مُعَاذٍ - فَقَالَ لِسَعدِ بنِ عُبَادَةَ: كَذَبتَ لَعَمرُ اللَّهِ، لَنَقتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَن المُنَافِقِينَ! فَثَارَ الحَيَّانِ الأَوسُ وَالخَزرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَن يَقتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى المِنبَرِ، فَلَم يَزَل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخَفِّضُهُم حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قَالَت: وَبَكَيتُ يَومِي ذَلِكَ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، ثُمَّ بَكَيتُ لَيلَتِي المُقبِلَةَ لَا يَرقَأُ لِي دَمعٌ وَلَا أَكتَحِلُ بِنَومٍ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ البُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي! فَبَينَمَا هُمَا
ــ
و(قولها فاستعذر من عبد الله بن أبي)؛ أي: طلب من يقبل عذره، كما قال: من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهلي، أي: من يقبل عذري في حقه وعقوبته. فقال سعد: أنا أعذرك منه - أي: أقبل عذرك فيه.
و(قولها ولكن اجتهلته الحمية)، كذا رواية الجلودي، وعند ابن ماهان احتملته، أي: حملته - والمعنى واحد، وهو أن الحمية حملته على الغضب حتى صدر عنه خلق الجاهلية.
وبين السعدين ما بين الكلمتين، والله يؤتي فضله من يشاء.
وثار الحيان: تواثب القبيلان؛ الأوس والخزرج.
стр. 4371
جَالِسَانِ عِندِي وَأَنَا أَبكِي استَأذَنَت عَلَيَّ امرَأَةٌ مِن الأَنصَارِ فَأَذِنتُ لَهَا، فَجَلَسَت تَبكِي. قَالَت: فَبَينَا نَحنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَت: وَلَم يَجلِس عِندِي مُنذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ، وَقَد لَبِثَ شَهرًا لَا يُوحَى إِلَيهِ فِي شَأنِي بِشَيءٍ.
قَالَت: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، يَا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَد بَلَغَنِي عَنكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِن كُنتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِن كُنتِ أَلمَمتِ بِذَنبٍ فَاستَغفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيهِ؛ فَإِنَّ العَبدَ إِذَا اعتَرَفَ بِذَنبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيهِ!
ــ
و(قوله فإنَّه قد بلغني كذا وكذا) هو كناية عما رُميت به من الإفك، وهذا يدلّ على أن كذا وكذا يكنى بها عن الأحوال كما يكنى بها عن الأعداد، وقد تقدم.
و(قوله إن كنتِ ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) من الإلمام، وهو النزول النادر غير المتكرر، كما قال:
متى تأتنا تُلمِم بنا في ديارنا (١) ... . . . . . . . . . . . . . .
أي: متى يقع منك هذا النادر؟ وهو أصل اللمم.
و(قوله فإن العبد إذا اعترف بذنبه (٢) ثم تاب تاب الله عليه) دليل على أن مجرد الاعتراف لا يغني عن التوبة، بل إذا اعترف به مُتصِّلا نادما، وقد تقدَّم القول في التوبة في كتابها.
стр. 4372
قَالَت: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمعِي، حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنهُ قَطرَةً.
فَقُلتُ لِأَبِي: أَجِب عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا قَالَ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! فَقُلتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا أَدرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقرَأُ كَثِيرًا مِن القُرآنِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَقَد عَرَفتُ أَنَّكُم قَد سَمِعتُم بِهَذَا حَتَّى استَقَرَّ فِي نُفُوسِكُم وَصَدَّقتُم بِهِ، فَإِن قُلتُ لَكُم إِنِّي بَرِيئَةٌ - وَاللَّهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ - لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِن اعتَرَفتُ لَكُم بِأَمرٍ وَاللَّهُ يَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُونَنِي، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُم مَثَلًا إِلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُستَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
قَالَت: ثُمَّ تَحَوَّلتُ فَاضطَجَعتُ عَلَى فِرَاشِي. قَالَت: وَأَنَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ أَعلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِن وَاللَّهِ مَا كُنتُ أَظُنُّ أَن يُنزَلَ فِي شَأنِي وَحيٌ يُتلَى، وَلَشَأنِي كَانَ أَحقَرَ فِي نَفسِي مِن أَن يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمرٍ يُتلَى،
ــ
و(قولها فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة)؛ أي: انقبض وارتفع، وإنَّما كان ذلك لأنَّ الحزن والموجدة قد انتهت نهايتها وبلغت غايتها، ومهما انتهى الأمر إلى ذلك جف الدمع لفرط حرارة المصيبة، كما قال الشاعر:
عينيَّ سُحَّا ولا تَشُحَّا ... جلّ مُصابي عن الدواء
إن الأسى والبكا جميـ ... ـعا ضدان كالداء والدواء
و(قولها ولشأني كان في نفسي أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى) دليل على أن الذي يتعين على أهل الفضل والعلم والعبادة والمنزلة احتقار
стр. 4373
وَلَكِنِّي كُنتُ أَرجُو أَن يَرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّومِ رُؤيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا.
قَالَت: فَوَاللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِن أَهلِ البَيتِ أَحَدٌ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأخُذُهُ مِن البُرَحَاءِ عِندَ الوَحيِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنهُ مِثلُ الجُمَانِ مِن العَرَقِ فِي اليَومِ الشَّاتِي مِن ثِقَلِ القَولِ الَّذِي أُنزِلَ عَلَيهِ.
قَالَت: فَلَمَّا سُرِّيَ عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَضحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَن قَالَ: أَبشِرِي يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ فَقَد بَرَّأَكِ. فَقَالَت لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيهِ! فَقُلتُ: وَاللَّهِ
ــ
أنفسهم وترك الالتفات إلى أعمالهم ولا إلى أحوالهم، وتجريد النظر إلى لطف الله ومنته وعفوه ورحمته وكرمه ومغفرته. وقد اغتر كثير من الجهال بالأعمال فلاحظوا أنفسهم بعين استحقاق الكرامات وإجابة الدعوات، وزعموا أنهم ممن يُتبرك بلقائهم ويُغتنم صالح دعائهم، وأنهم يجب احترامهم وتعظيمهم فيُتمسح بأثوابهم وتُقبَّل أيديهم، ويرون أن لهم من المكانة عند الله بحيث ينتقم لهم ممن تنقصهم في الحال وأن يؤخذ من أساء الأدب عليهم من غير إمهال، وهذه كلها نتائج الجهل العميم والعقل غير المستقيم؛ فإنَّ ذلك إنما يصدر من جاهل معجب بنفسه غافل عن جرمه وذنبه، مغتر بإمهال الله له عن أخذه. ولقد غلب أمثال هؤلاء الأنذال في هذه الأزمان، فاستتبعوا العوام، وعظمت بسببهم على أهل الدين المصائب والطوام، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهذه نفثات مصدور، وإلى الله عاقبة الأمور.
و(قولها فما رام رسول الله ﷺ مجلسه)؛ أي: ما برحه ولا قام عنه. يقال: رامه يريمه ريما؛ أي: برحه ولازمه، ويقال: رمت فلانا، ورمت من عند فلان. قال الأعشى:
أبانا فلا رِمت من عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم
стр. 4374
لَا أَقُومُ إِلَيهِ وَلَا أَحمَدُ إِلَّا اللَّهَ؛ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ بَرَاءَتِي! قَالَت: فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفكِ عُصبَةٌ مِنكُم﴾ عَشرَ آيَاتٍ، فَأَنزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي.
قَالَت: فَقَالَ أَبُو بَكرٍ - وَكَانَ يُنفِقُ عَلَى مِسطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنهُ وَفَقرِهِ: وَاللَّهِ لَا أُنفِقُ عَلَيهِ شَيئًا أَبَدًا بَعدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ! فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَن يُؤتُوا أُولِي القُربَى﴾، إِلَى قَولِهِ: ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لَكُم﴾
قَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ: هَذِهِ أَرجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَن يَغفِرَ اللَّهُ لِي! فَرَجَعَ إِلَى مِسطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنفِقُ عَلَيهِ، وَقَالَ: لَا أَنزِعُهَا مِنهُ أَبَدًا.
قَالَت عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ زَينَبَ بِنتَ جَحشٍ زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ عَن أَمرِي: مَا عَلِمتِ - أَو: مَا رَأَيتِ؟ فَقَالَت:
ــ
وأما رام بمعنى طلب فيقال منه: رام يروم روما. والبرحاء على فعلاء: شدة الحمى وغيرها، وهو البرح أيضًا. يقال: لقيت منه برحا بارحا، ولقيت منه البُرحين والبُرحين - بضم الباء وكسرها؛ أي: الشدائد والدواهي. وسُري عن رسول الله ﷺ ، أي: انكشف ما كان به وزال عنه، وهو بالتشديد مبني لما لم يُسم فاعله.
و(قوله تعالى: ﴿وَلا يَأتَلِ أُولُو الفَضلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ﴾. . .) الآية - أي: لا يحلف. يقال: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي - بمعنى واحد، والفضل هنا: المال والسعة في العيش والرزق.
و(قولها تساميني)؛ أي: تعاندني وتضاهيني في الجمال والمكانة عند رسول الله ﷺ ، من السمو وهو الارتفاع.
стр. 4375
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحمِي سَمعِي وَبَصَرِي! وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ إِلَّا خَيرًا.
قَالَت عَائِشَةُ: وَهِيَ الَّتِي كَانَت تُسَامِينِي مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالوَرَعِ، وَطَفِقَت أُختُهَا حَمنَةُ بِنتُ جَحشٍ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَت فِيمَن هَلَكَ.
قَالَ الزُّهرِيُّ: فَهَذَا مَا انتَهَى إِلَينَا.
ــ
و(قول زينب أحمي سمعي وبصري)؛ أي: أمنعهما من عقوبة الله تعالى بالكف عن قول سمعت أو رأيت. أي: لم أر ولم أسمع، وما علمت إلا خيرا، فعصمها الله من الهلاك بما رزقها من التثبت والدين والورع، مع أن اكانت تناصبها وتنافسها في المرتبة، فكان كما قال من لا يجوز عليه الخطأ ولا الكذب: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا * وَيَرزُقهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ﴾
و(قولها وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك)؛ أي: حُدت حد القذف فيمن حد.
و(قوله أسقطوا لها به)، كذا عند الجلودي؛ أي: كلموها بسقط من القول. يقال: أسقط الرجل إذا قال كلاما رديئا سقط فيه. وعلى هذا فيكون الضمير في به عائدا على القول، أي: أسقطوا لها بالقول. وقيل: معناه صرحوا لها بالفحش، ولذلك لما سمعته بريرة أعظمت ذلك وأنكرته، وقالت: سبحان الله! والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر. وقد وقعت هذه الكلمة التي هي سبحان الله في هذا الحديث على نحو ما جاءت في قوله: ﴿سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ﴾، والمقصود بذكرها في هذه المواضع إعظام نسبة السوء إلى عائشة ﵂ وتحقيق براءتها، وكأن المتكلم بها يريد أن يقول: التنزيه والبراءة لله من أن يجري ذلك على مثل عائشة وأن يوقعه في الوجود، والله تعالى أعلم.
стр. 4376
زاد في رواية: قال عروة: كَانَت عَائِشَةُ تَكرَهُ أَن يُسَبَّ حَسَّانُ عِندَهَا، وَتَقُولُ: إِنَّهُ قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي ... لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
وفي أخرى: قَالَت: لَمَّا ذُكِرَ مِن شَأنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهلِي، وَايمُ اللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي مِن سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُم بِمَن، وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهِ مِن سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي.
وَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَد دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا عَيبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَت تَرقُدُ حَتَّى تَدخُلَ الشَّاةُ فَتَأكُلَ عَجِينَهَا - أَو قَالَت: خَمِيرَهَا - فَانتَهَرَهَا بَعضُ أَصحَابِهِ، فَقَالَ: اصدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! حَتَّى أَسقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَت: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا إِلَّا مَا يَعلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبرِ الذَّهَبِ الأَحمَرِ! وَقَد بَلَغَ الأَمرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثَى قَطُّ.
قَالَت عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ــ
و(قوله أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي)؛ أي: اتهموهم وقذفوهم بالفاحشة، ويقال: رجل مأبون أي معروف بخلة من السوء؛ أي: متهم. ويقال: أبَنَه - بالفتح في الماضي - يأبِنه بالضم والكسر في المضارع.
و(قول صفوان ﵁ والله ما كشفت عن كنف أنثى قط) هو بفتح النون، وهو الثوب هنا، وأصله الساتر، وهو كناية عن الجماع؛ أقسم أنه ما جامع امرأة قط، وكأنه لم يكن له أرب في النساء، والله تعالى أعلم.
стр. 4377
وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسطَحٌ، وَحَمنَةُ، وَحَسَّانُ. وَأَمَّا المُنَافِقُ عَبدُ
ــ
و(قوله وكان الذين تكلموا به: مسطح (١)، وحمنة، وحسان)، وقد ذكرنا الخلاف في حسان في باب فضائله؛ هل صرح بالقذف أم لا؟ وهل حُد أم لا؟ والصحيح أنه حُد بما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدهم، وسمّاهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (٢). وفي كتاب الطحاوي: ثمانين ثمانين. وأما حمنة ومسطح فحُدا، ولم يُسمع بحد لعبد الله بن أُبي، والظاهر من الأخبار والأحاديث أنه لم يحد، وإنما لم يحد عدو الله لأنَّ الله قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما؛ لكان نقصا من عذابه في الأخرى وتخفيفا عنه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذ لَم يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ وإنما حُد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة. وقد قال النبي ﷺ في الحدود: إنها كفارة لمن أقيمت عليه - كما تقدم في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن قومه كما تقدَّم.
ومعنى يستوشيه: يطلبه ويبحث عنه ويشنعه. يقال: فلان يستوشي فرسه يعقبه؛ أي: يطلب ما عنده من الجري ويستخرجه.
وحديث الإفك هذا فيه أحكام كثيرة لو تُتُبعت لطال الأمر وأفضى إلى الملال، ومن تفقدها من أهل الفطنة وجدها.
стр. 4378
اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَستَوشِيهِ وَيَجمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ وَحَمنَةُ.
رواه أحمد (٦/ ١٩٥)، والبخاريُّ (٤٧٥٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) (٥٦ - ٥٨)، والترمذيُّ (٣١٧٩)، والنسائي (١/ ١٦٣).
ــ
ووقعت هذه القضية في غزوة المريسيع، وهو ماء في ناحية قديد مما يلي الساحل. أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارون؛ أي: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة وأسر، وكانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست من الهجرة. هذا أشهر الأقوال عند أهل السير، وعلى هذا ينشأ بحث يلزم منه وهم بعض النقلة؛ فإنَّه قد تقدَّم في هذا الحديث أن سعد بن معاذ هو الذي راجع سعد بن عبادة حتى سرى أمرهما، ولم يختلف أحد من الرواة في أن سعد بن معاذ ﵁ مات في منصرف رسول الله ﷺ من بني قريظة بعد أن حكم بحكم الله، وذلك سنة أربع، ولم يدرك غزوة المريسيع - هذا قول أهل النقل.
قلت: فعلى هذا يكون ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث وهما وغلطا، وكذلك قال أبو عمر بن عبد البر. قال: وإنما تراجع في ذلك سعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وكذلك ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهو الصحيح. قال القاضي أبو الفضل: قال ابن عقبة: إن غزوة المريسيع كانت سنة أربع في سنة غزوة الخندق، وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة في ذلك. قال: وقد وجدت الطبري ذكر ذلك عن الواقدي أن المريسيع سنة خمس، قال: وكانت الخندق وقريظة بعدها. قال: ووجدت القاضي إسماعيل قال: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبلها.
قلت: فعلى هذا يستقيم ما رواه مسلم والبخاري من ذكر سعد بن معاذ، ولا يكون ذكره وهما، والله تعالى أعلم.
стр. 4379
[٢٨٩٤] وعن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفي رواية: كان يقول لجاريته: اذهبي فابغينا شيئا.
رواه مسلم (٣٠٢٩) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٢٣١١).
* * *
ــ
و(قول جابر إن عبد الله بن أبي كانت له جاريتان: مسيكة وأميمة) يريدهما على الزنى، روى غيره أنهن كن ستا. قال: معاذة، ومسيكة، وأروى، وقتيلة، وعمرة، ونبيهة (١) - فكان يحملهن على الزنى ويأخذ منهن أجورهن.
والفتيات جمع فتاة، والفتيان جمع فتى - وهم المماليك. والبغاء: الزنى.
و(قوله: ﴿إِن أَرَدنَ تَحَصُّنًا﴾)؛ أي: عفافا، ولا دليل خطاب لهذا الشرط، ولا يجوز إكراههن عليه بوجه، سواء أردن تحصنا أو لم (٢) يردن، وإنما علق النهي على الإكراه على إرادة التحصن؛ لأنَّ الإكراه لا يتصور إلا مع ذلك، فأمَّا إذا رغبت في الزنى فلا إكراه يتصور.
و(قوله: ﴿وَمَن يُكرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعدِ إِكرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)؛ أي: لمن تاب من ذلك. وكان الحسن يقول: غفور لهن والله، لا لمُكرِهِّن - مستدلا على ذلك بإضافة الإكراه إليهن.
стр. 4380
(١٧) ومن سورة الفرقان
[٢٨٩٥] عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾ فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ إلى آخر الآية.
ــ
(١٧) ومن سورة الفرقان
(قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. . .) الآيتين - هذه الآية معطوفة على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، وكذلك ما بعد هذه الآية من الآيات معطوف بعضها على بعض، والكل معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ وهذه الجملة هي خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَعِبَادُ الرَّحمَنِ﴾ وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها، وقد تضمنت هذه الآية مدح من لم تقع منه هذه الفواحش الثلاث التي هي: الشرك بالله، والقتل - العدوان، والزنى. وذم من وقعت منه، ومضاعفة العذاب عليه، وهي محمولة على ظاهرها عند الجمهور، وعليه فيكون معنى قوله: ﴿إِلا بِالحَقِّ﴾ أي: بأمر موجب للقتل شرعا. وذلك الأمر هو المذكور في قوله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس (١). وقد صرف هذه الآية عن ظاهرها بعض