← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَفِي رِوَايَةٍ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرنَاهُ، فَأَدرَكَنَا وَقَد حَضَرَت صَلاةُ العَصرِ فَجَعَلنَا نَمسَحُ عَلَى أَرجُلِنَا، فَنَادَى: وَيلٌ لِلأعقَابِ مِنَ النَّارِ. رواه أحمد (٢/ ١٩٣)، والبخاري (٦٠)، ومسلم (٢٤١)، وأبو داود (٩٧)، والنسائي (١/ ٧٨). [١٨٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلاً لَم يَغسِل عَقِبَيه، فَقَالَ: وَيلٌ لِلأَعقَابِ مِنَ النَّارِ. وَفِي أخرى: وَيلٌ لِلعَرَاقِيبِ مِنَ النَّارِ. رواه أحمد (٢/ ٢٨٢ و ٢٨٤ و ٤٠٦ و ٤٠٩ و ٤٣٠)، والبخاري (١٦٥)، ومسلم (٢٤٢)، والترمذي (٤١)، والنسائي (١/ ٧٧). ــ و(قوله: فجعلنا نمسح على أرجلنا، قد يتمسك به من قال بجواز مسح الرجلين، ولا حجة له فيه لأربعة أوجه: أحدها: أن المسح هنا يراد به الغسل، فمن الفاشي المستعمل في أرض الحجاز، أن يقولوا: تمسحنا للصلاة؛ أي: توضأنا. وثانيها: أن قوله: وأعقابهم تلُوحُ لم يمسها الماء يدل على أنهم كانوا يغسلون أرجلهم؛ إذ لو كانوا يمسحونها؛ لكانت القدم كلها لائحة، فإن المسح لا يحصل منه بَللُ الممسوح. وثالثها: أن هذا الحديث قد رواه أبو هريرة فقال: إن النبي ﷺ رأى رجلاً لم يغسل عقبه، فقال: ويل للأعقاب من النار (١).

стр. 492

[١٨٣] وَعَن عُمَر بنِ الخَطَّابِ؛ أَنَّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوضِعَ ظُفُرٍ عَلَى قَدَمِهِ، فَأَبصَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ارجِع فَأَحسِن وُضُوءَكَ، فَرَجَعَ ثُمَّ صَلَّى. رواه أحمد (١/ ٢١ و ٢٤)، ومسلم (٢٤٣)، وأبو داود (١٧٣)، وابن ماجه (٦٦٦). * * * (٦) باب الغرة والتحجيل من الإسباغ وأين تبلغ الحلية وفضل الإسباغ على المكاره ٢٤٦ - [١٨٤] عَن نُعَيمِ بنِ عَبدِ اللهِ المُجمِرِ؛ قَالَ: رَأَيتُ أَبَا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ؛ فَغَسَلَ وَجهَهُ وَأَسبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ــ ورابعها: أنا لو سلمنا أنهم مسحوا، لم يضرنا ذلك، ولم تكن فيه حجة لهم؛ لأن ذلك المسح هو الذي توعد عليه بالعقاب، فلا يكون مشروعًا، والله تعالى أعلم. و(قوله للرجل الذي ترك موضع ظفر على قدمه: ارجع فأحسن وضوءك) دليل على استيعاب الأعضاء، ووجوب غسل الرجلين، وأن تارك بعض وضوئه جهلاً أو عمدًا يستأنفه؛ إذ لم يقل له: اغسل ذلك الموضع فقط. وقد جاء في كتاب أبي داود في هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمره أن يعيد الوضوء والصلاة، وهذا نصٌّ. (٦) ومن باب الغرّة والتحجيل قوله: ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضُد) أشرع: رباعي؛ أي:

стр. 493

ثُمَّ يَدَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي العَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُمنَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَهُ اليُسرَى حَتَّى أَشرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَتَوَضَّأُ. وَقَالَ: قَالَ ــ مَدَّ يده بالغسل إلى العضُدِ، وكذلك: حتى أشرع في الساق أي: مَدَّ يدهُ إليه، من قولهم: أشرعت الرمح قِبَله؛ أي: مددته إليه، وسددته نحوهُ، وأشرع بابًا إلى الطريق؛ أي: فتحه مسددًا إليه، وليس هذا من: شرعت في هذا الأمر، ولا من: شرعت الدواب في الماء بشيء؛ لأن هذا ثلاثي وذاك رباعي. وكان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطيه وساقيه، وهذا الفعل منه مذهبٌ له، ومما انفرد به، ولم يحكهِ عن النبي ﷺ فعلاً، وإنما استنبطه من قوله ﵊: أنتم الغر المحجلون. ومن قوله: تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ منه الوضوء. قال أبو الفضل عياض: والناس مجمعون على خلاف هذا، وأن لا يتعدى بالوضوء حدوده لقوله ﵊: فمن زاد فقد تعدى وظلم (١). والإشراعُ المروي عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة هو محمول على استيعاب المرفقين والكعبين بالغسل، وعبر عن ذلك بالإشراع في العضد والساق؛ لأنهما مباديهما. وتطويل الغرّة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاةٍ وإدامته، فتطول غرته بتقوية نور وجهه، وتحجيله بتضاعف نور أعضائه. قال الشيخ ﵀: وأصل الغرة لمعةٌ بيضاء في جبهةِ الفرس، تزيد على قدر الدرهم، يقال منه: فرسٌ أغر، ثم قد استعمل في الجمال والشهرة وطيب الذكر، كما قال (٢): ثياب بني عوف طهارى نقيةٌ ... وأوجههم عند المشاهد غُرَّار

стр. 494

رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يَومَ القِيَامَةِ، مِن إِسبَاغِ الوُضُوءِ، فَمَنِ استَطَاعَ مِنكُم فَليُطِل غُرَّتَهُ وَتَحجِيلَهُ. رواه أحمد (٢/ ٤٠٠)، والبخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦). ــ والتحجيل: بياضٌ في اليدين والرجلين من الفرس، وأصله من الحجل؛ وهو الخلخال والقيد. ولا بد أن يجاوز التحجيل الأرساغ ولا يجاوز الركبتين والعرقوبين، وهو في هذا الحديث مستعارٌ عبارةً عن النور الذي يعلو أعضاء الوضوء يوم القيامة. و(قوله: أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين) المقبرة: تقال بفتح الباء وضمها، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك. وفيه معنى الدعاء لهم. ويدل أيضًا على حسن التعاهُد وكرم العَهدِ، وعلى دوام الحُرمة، ويحتمل أن يَرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون. وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثًا صحيحًا عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد ﵇ من قبره (١). وإتيان النبي ﷺ المقبرة يدل على جواز زيارة القبور. ولا خلاف في جوازه للرجال، وأن النهي عنه قد نسخ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي. و(قوله: وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) يحتمل أوجهًا: أحدها: أنه امتثال لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت.

стр. 495

[١٨٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَتَى المَقبُرَةَ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكُم دَارَ قَومٍ مُؤمِنِينَ، وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ بِكُم لاحِقُونَ، وَدِدتُ أَنَّا قَد رَأَينَا إِخوَانَنَا، قَالُوا: أَوَلَسنَا إِخوَانَكَ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: أَنتُم ــ وثانيها: أنه يكون أراد: إنا بكم لاحقون في الإيمان، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره، كما قال: وَمَا أَدرِي مَا يُفعَلُ بِي وَلَا بِكُم. وثالثها: أن يكون استثناء في الواجب، كما قال تعالى: لَتَدخُلُنَّ المَسجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وتكون فائدته التفويض المطلق. ورابعها: أن يكون أراد: لاحقون بكم في هذه البقعةِ الخاصةِ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها، فإنه قد قال للأنصار: المحيا محياكم والممات مماتكم (١)، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر، وكلها أقوال لعلمائنا. و(قوله: وددت أنا قد رأينا إخواننا) هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني، والحب الصحيح للرسول ﷺ . وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث: أنه ﵊ قال: إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر ﵀ من هذا الحديث ومن قوله ﷺ : إن من ورائكم أيامًا الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين منكم (٢)؛ أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون

стр. 496

أَصحَابِي. وَإِخوَانُنَا الَّذِينَ لَم يَأتُوا بَعدُ. فَقَالُوا: كَيفَ تَعرِفُ مَن لَم يَأتِ بَعدُ مِن أُمَّتِكَ يَا رسولَ الله؟ فَقَالَ: أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ، ــ أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا، وأن من صحب النبي ﷺ ، ورآه ولو مرة من عمره، أفضل من كل من (١) يأتي بعد، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عملٌ. وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره؛ لأمور: أولها: مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله ﷺ . وثانيها: فضيلة السبق للإسلام. وثالثها: خصوصية الذب (٢) عن حضرةِ رسول الله ﷺ . ورابعها: فضيلة الهجرة والنصرة. وخامسها: ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله ﷺ . وسادسها: تبليغها لمن بعدهم. وسابعها: السبق في النفقة في أول الإسلام. وثامنها: أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة، فحظهم منه أكمل حظٍ، وثوابهم فيه أجزل ثواب؛ لأنهم سنوا سنن الخير، وافتتحوا أبوابه، وقد قال ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (٣)، ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن،

стр. 497

بَينَ ظَهرَي خَيلٍ دُهمٍ بُهمٍ أَلا يَعرِفُ خَيلَهُ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رسولَ الله! قَالَ: ــ وسابقوا إلى المكارم. ولو عددت مكارِمُهُم، وفسرت خواصهم، وحصرت لملأت أسفارًا، ولكلت الأعينُ بمطالعتها حيارى. وعن هذه الجملة قال ﷺ فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعًا: إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة - يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا - فجعلهم أصحابي، وقال: في أصحابي كلهم خير (١). وكذلك قال ﷺ : اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أُحُدٍ ذَهبًا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصِيفَهُ (٢). وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلاً، وتعيينًا وإبهامًا، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم. فأما استدلال المخالف بقوله ﵊: إخواننا فلا حجة فيه؛ لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر؛ لأنها الأخوة اليقينية العامة، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة. وأما قوله: للعامل منهم أجر خمسين منكم، فلا حجَّة فيه؛ لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه قد قال ﵊ في آخرِه: لأنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون، ولا بُعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث، والله أعلم.

стр. 498

فَإِنَّهُم يَأتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُم عَلَى الحَوضِ. أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَن حَوضِي كَمَا يُذَادُ البَعِيرُ الضَّالُّ. أُنَادِيهِم: أَلا هَلُمَّ! أَلا هَلُمَّ! فَيُقَالُ: إِنَّهُم قَد بَدَّلُوا بَعدَكَ. ــ و(قوله: وأنا فرطُهمُ على الحوض) أي: متقدمهم إليه، يقال: فرطت القوم: إذا تقدمت لترتاد لهم الماءَ. وعلى وقعت هُنا موقع إلى ويحتمل أن يقدر هناك فعل يدل عليه مساق الكلام، تقديرهُ: فيجدوني على الحوض. و(قوله: ألا ليذادَنَّ) كذا روايته هاهنا من غير خلاف، واختلف فيه في الموطأ (١) فرُوي: فليذادن بلام القسم. وروي: فلا يُذادنَّ، بلا النافية، وكلاهما صحيح، فاللام على قسم محذوف تقديره: فوالله ليذادن، وبـ لا يكون من باب قولهم: لا أرينك هاهنا؛ أي: لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي، ومعنى ليذادن: ليدفعن. والذود: الدفع. والدهم: جمع أدهم، وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة. والبهم: جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة. و(قوله: أناديهم ألا هلم) أي: تعالوا. وفي هلم لغتان: إلحاق علامة التثنية والجمع، وبهذه اللغة جاء لفظ هذا الحديث، وبها جاء القرآن. و(قوله: فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث -: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا، وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي ﷺ ، كما قد تقدم من قوله: وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي ﷺ عرفهم بالسيماء، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم: ألا هلم، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأُخِذ بهم ذات الشمال. فيقول النبي ﷺ : يا رب أمتي ومن أمتي، وفي لفظٍ آخر: أصحابي،

стр. 499

فَأَقُولُ: سُحقًا سُحقًا. رواه أحمد (٢/ ٣٧٥)، ومسلم (٢٤٩). [١٨٦] وَفِي رِوَايَةٍ قال: إِنَّ حَوضِي أَبعَدُ مِن أَيلَةَ إِلَى عَدَنٍ، لَهُو أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلجِ وَأَحلَى مِنَ العَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكثَرُ مِن عَدَدِ ــ فيقال له إذ ذاك: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم، فإذ ذاك تذهَبُ عنهم الغُرةُ والتحجيلُ، ويُطفأ نورُهُم، فيبقون في الظلمات، فينقطع بهم عن الورود، وعن جوازِ الصراطِ، فحينئذ يقولون للمؤمنين: انظُرُونَا نَقتَبِس مِن نُورِكُم فيقال لهم: ارجِعُوا وَرَاءَكُم فَالتَمِسُوا نُورًا، مكرًا وتنكيلاً ليتحققوا مقدار ما فاتهم، فيعظم أسفهُم وحسرتُهم، أعاذنا الله من (١) أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده المخلصين. وقال الداودي وغيره: يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته، ويشفع لهم النبي ﷺ . قال القاضي عياض: والأول أظهر. و(قوله: سحقًا سحقًا) أي: بُعدًا، والمكان السحيق: البعيد، والتكرار للتاكيد. و(قوله: إن حوضي أبعد من أيلة إلى عدن) يريد طوله وعرضه، وقد جاء في الحديث الآخر: زواياه سواء (٢). وسيأتي الكلام على الحوض إن شاء الله تعالى.

стр. 500

النُّجُومِ، وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عنه كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَن حَوضِهِ، قَالُوا: يَا رسولَ الله! أَتَعرِفُنَا يَومَئِذٍ؟ قَالَ: نَعَم، لَكُم سِيمَا لَيسَت لأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أَثَرِ الوُضُوءِ. رواه مسلم (٢٤٧). ــ و(قوله: إني لأصد الناس) أي: لأمنع وأطرد الناس؛ بمعنى: أنه يأمر بذلك، والمطرودون هنا الذين لا سيماء لهم من غير هذه الأمة. ويحتمل أن يكون هذا الصد هو الذود الذي قال فيه في الحديث الآخر: إني لأذود الناس عن حوضي بعصاي لأهل اليمن مبالغة في إكرامهم، يعني به السُّبَّاق للإسلام من أهل اليمن، والله أعلم. و(قوله: كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه) وفي أخرى: الإبل الغريبة، وهذا كقوله: كما يذاد البعير الضال، ووجه التشبيه: أن أصحاب الإبل إذا وردوا المياه بإبلهم ازدحمت الإبل عند الورود، فيكون فيها الضال (١) والغريب، وكل واحدٍ من أصحاب الإبل يدفعه عن إبله، حتى تشرب إبله، فيكثر ضاربوه ودافعوه حتى لقد صار هذا مثلاً شائعًا. قال الحجاج لأهل العراق: لأحزمنكم حزم السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل. و(قوله: لكم سيماء ليست لأحد غيركم) السيماء: العلامة، يُمَد ويهمز ويقصر ويترك همزه، وهذا نص في أن الغرة والتحجيل من خواص هذه الأمة، ولا يعارضه قوله ﵊: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي (٢)؛ لأن الخصوصية بالغرة والتحجيل لا بالوضوء، وهما من الله تفضل يختص به من يشاء.

стр. 501

[١٨٧] وَعَن أَبِي حَازِمٍ؛ قَالَ: كُنتُ خَلفَ أَبِي هُرَيرَةَ وهو يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبلُغَ إِبطَهُ، فَقُلتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيرَةَ! مَا هَذَا الوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُّوخَ! أَنتُم هَاهُنَا؟ لَو عَلِمتُ أَنَّكُم هَاهُنَا مَا تَوَضَّأتُ هَذَا الوُضُوءَ. سَمِعتُ خَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: تَبلُغُ الحِليَةُ مِنَ المُؤمِنِ حَيثُ يَبلُغُ الوَضُوءُ. رواه أحمد (٢/ ٣٧١)، ومسلم (٢٥٠)، والنسائي (١/ ٩٣). [١٨٨] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: أَلا أَدُلُّكُم عَلَى مَا يَمحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا وَيَرفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: إِسبَاغُ الوُضُوءِ عَند المَكَارِهِ، وَكَثرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانتِظَارُ الصَّلاةِ بَعدَ الصَّلاةِ. ــ وقول أبي هريرة: يا بني فروخ؛ تقييده بفتح الفاء والخاء المعجمة من فوق، وهو رجل من ولد إبراهيم بعد إسماعيل وإسحاق، كثر نسله، والعجم الذين في وسط البلاد من ولده؛ عنى به أبو هريرة: الموالي. وكان خطابه لأبي حازم سلمان الأعرج الأشجعي الكوفي مولى عزة الأشجعية، وليس بأبي حازم سلمة بن دينار، الفقيه الزاهد المدني مولى بني مخزوم، وكلاهما خرج عنه في الصحيح. وإنكارهم على أبي هريرة، واعتذاره عن إظهاره ذلك الفعل، يدل على انفراده بذلك الفعل. و(قوله: إسباغ الوضوء عند المكاره) أي: تكميله وإيعابه مع شدة البرد وألم الجسم ونحوه. وكثرة الخطا إلى المساجد ببعد الدار، وبكثرة التكرار. و(قوله: وانتظار الصلاة بعد الصلاة) قال الباجي: هذا في المشتركتين (١)

стр. 502

فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ. رواه أحمد (٢/ ٢٧٧)، ومسلم (٢٥١)، والترمذي (٥١)، والنسائي (١/ ٨٩ - ٩٠). * * * (٧) باب السواك عند كل صلاة والتيمن في الطهور [١٨٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَولا أَن أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرتُهُم بِالسِّوَاكِ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ. ــ من الصلوات (١)، وأما غيرها فلم يكن من عمل الناس. و(قوله: فذلكم الرباط) أصله: الحبس على الشيء؛ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة، ويحتمل أنه أفضل الرباط، كما قال: الجهاد جهاد النفس (٢) والحج عرفة (٣)، ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن، وتكراره تعظيم لشأنه. (٧) ومن باب السواك (قوله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي: لأوجبت ذلك عليهم؛ عبر بالأمر عن الوجوب؛ لأنه الظاهر منه. وهل المندوب مأمورٌ به أو لا؟

стр. 503

رواه أحمد (٥/ ٤١٠)، والبخاري (٧٢٤٠)، ومسلم (٢٥٢)، وأبو داود (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي (١/ ١٢). [١٩٠] وَعَنِ المِقدَامِ بنِ شُرَيحٍ؛ عَن أَبِيهِ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ. قُلتُ: بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ يَبدَأُ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ بَيتَهُ؟ قَالَت: بِالسِّوَاكِ. رواه أحمد (٦/ ٤١)، ومسلم (٢٥٣)، وأبو داود (٥١ و ٥٦ و ٥٧)، والنسائي (١/ ١٧). [١٩١] وَعَن حُذَيفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ، ــ اختلف في ذلك أهل الأصول، والصحيح أنه مأمورٌ به؛ لأنه قد اتفق على أنه مطلوبٌ مقتضى، كما قد حكاه أبو المعالي. وهذا الحديث نصٌ في أن السواك ليس بواجب، خلافًا لداود، وهو حجةٌ عليه. وقوله ﵊: ما لكم تدخلون عليّ قُلحًا؟ استاكوا (١)؛ على جهة الندب، ولم يختلف الناس في أن السواك مشروع عند الوضوء، أو عند الصلاة. وفيه حجة لمن قال: إن النبي ﷺ كان يجتهد في الأحكام على ما يذكر في الأصول. و(قول عائشة إنه ﵊ كان يبدأ إذا دخل بيته بالسواك) يدل على استحباب تعاهُد السواك؛ لما يكره من تغيّر رائحة الفم بالأبخرة والأطعمة وغيرها، وعلى أنه يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس، ولم يرو عنه ﷺ أنه تسوّك في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر الناس. ولا يليق بذوي المروءات، فعل ذلك في الملأ من الناس. ويحتمل أن يكون ابتداء النبي ﷺ عند دخول بيته بالسواك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد. و(قوله: كان إذا قام ليتهجد) أي: ليصلي بالليل امتثالاً لقوله تعالى: وَمِنَ

стр. 504

يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. رواه البخاري (٢٤٥)، ومسلم (٢٥٤)، وأبو داود (٥٥)، والنسائي (١/ ٨). [١٩٢] وَعَن ابنَ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ بَاتَ عِندَ نَبِيِّ الله ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ. فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ مِن آخِرِ اللَّيلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمرَانَ: إِنَّ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاختِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلبَابِ، حَتَّى بَلَغَ: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى البَيتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. رواه أحمد (١/ ٢٢٠ و ٣٥٤)، والبخاري (١١٧)، ومسلم (٢٥٦)، وأبو داود (٥٨)، والنسائي (٢/ ٣٠). ــ اللَّيلِ فَتَهَجَّد بِهِ نَافِلَةً لَكَ وتهجد من الأضداد، يقال: تهجد بمعنى قام، وتهجد بمعنى نام. و(قولها: يشوص فاه بالسواك) قيل: هو أن يستاك عرضًا، كذلك: الموص، وقال الهروي: يغسله، وكل شيء غسلته فقد شصته ومُصتَهُ. وقال ابن الأعرابي: الشوص: الدلك، والموص: الغسل. وقال وكيع: الشوص بالطول، والموص بالعرض، وقال ابن دريد: الشوص: الاستياك من سفل إلى علو. ومنه المشوصة: ريح ترفع القلب عن موضعه. وفي الصحاح: الشوص: الغسل والتنظيف.

стр. 505

[١٩٣] وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ التَّيَمُّنَ فِي شَأنِهِ كُلِّهِ، فِي تَنَعُلِهِ، وَفِي تَرَجُّلِهِ، وَطُهُورِهِ. رواه أحمد (٦/ ٩٤ و ١٣٠ و ١٤٧)، والبخاري (٥٨٥٤)، ومسلم (٢٦٨)، وأبو داود (٤٤٤٠). * * * (٨) باب خصال الفطرة والتوقيت فيها [١٩٤] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَشرٌ مِنَ الفِطرَةِ: ــ و(قولها: كان يحب التيمن في شأنه كله) كان ذلك منه تبركًا باسم اليمين لإضافة الخير إليها؛ كما قال تعالى: وَأَصحَابُ اليَمِينِ مَا أَصحَابُ اليَمِينِ، وَنَادَينَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيمَنِ، ولما فيه من اليمن والبركة، وهو من باب التفاؤل، ونقيضه الشمال. ويؤخذ من هذا الحديث: احترام اليمين وإكرامها، فلا تستعمل في إزالة شيء من الأقذار، ولا في شيء من خسيس الأعمال، وقد نهى ﷺ عن الاستنجاء ومسّ الذكر باليمين. (٨) ومن باب خصال الفطرة (قوله: عشرٌ من الفطرة) المراد بالفطرة هنا: السنة، قاله الخطابي، وقد تقدم القول فيها عن الإسراء. وهذه الخصال هي التي ابتلى الله بها إبراهيم فأتمهن فجعله الله إمامًا، قاله ابن عباس. وهذه الخصال مجتمعة في أنها محافظةٌ على

стр. 506

قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعفَاءُ اللِّحيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاستِنشَاقُ المَاءِ، وَقَصُّ الأَظفَارِ، ــ حسن الهيئة والنظافة، وكلاهما يحصل به البقاء على أصل كمال الخلقة (١) التي خلق الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها يشوه الإنسان ويقبحه، بحيث يُستقذر ويجتنب، فيخرج عما تقتضيه الفطرة الأولى، فسميت هذه الخصال: فطرة لهذا المعنى، والله أعلم. ولا تباعُد في أن يقول: هي: عشرٌ، وهي: خمسٌ؛ لاحتمال أن يكون أعلم بالخمسِ أولاً، ثم زيد عليها، قاله عياض. ويحتمل: أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة هي أوكد من غيرها، فقصدنا بالذكر هنا تنبيهًا على غيرها من خصال الفطرة. ومن في قوله: عشر من الفطرة للتبعيض؛ ولذلك لم يذكر فيها الختان، ولعله هو الذي نسيه مصعب. وقص الشارب: أن يأخذ ما يطول عن إطار الشفة بحيث لا يشوش على الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ. والإحفاء والجز في الشارب: هو ذلك القص المذكور، وليس بالاستئصال عند مالك وجماعة من العلماء. وهو عنده مُثلَةٌ يؤدب من فعله؛ إذ قد وجد من يقتدى به من الناس لا يُحفون جميعه ولا يستأصلون ذلك. وروي عن عمر بن الخطاب أنه كان إذا حزبه أمر فتل شاربه، ولو كان يستأصله لم يكن له ما يفتل. وذهب الكوفيون وغيرهم: إلى الاستئصال، تمسكًا بظاهر اللفظ. وذهب بعض العلماء إلى التخيير في ذلك. وأما إعفاء اللحية: فهو توفيرها وتكثيرها. قال أبو عبيد: يقال: عفا الشيء؛ إذا كثر وزاد. وأعفيته أنا وعفا إذا درس، وهو من الأضداد. وقال غيره: يقال: عفوت الشعر وأعفيته لغتان، فلا يجوز حلقُها، ولا نتفُها، ولا قص الكثير منها. فأما أخذ ما تطاير منها، وما يُشوِّهُ ويدعو إلى الشهرة طولاً

стр. 507

وَغَسلُ البَرَاجِمِ، وَنَتفُ الإِبِطِ، وَحَلقُ العَانَةِ، وَانتِقَاصُ المَاءِ. قَالَ مُصعَبٌ بنِ شَيبَة: وَنَسِيتُ العَاشِرَةَ إِلا أَن تَكُونَ المَضمَضَةَ. قَالَ وَكِيعٌ: انتِقَاصُ المَاءِ: يَعنِي الاستِنجَاءَ. رواه أحمد (٦/ ١٣٧)، ومسلم (٢٦١)، وأبو داود (٥٣)، والترمذي (٢٧٥٨)، والنسائي (٨/ ١٢٦ - ١٢٧). [١٩٥] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الفِطرَةُ خَمسٌ: الاختِتَانُ، وَالاستِحدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتفُ الإِبِطِ. رواه البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧)، وأبو داود (٤١٩٨)، والترمذي (٢٧٥٧)، والنسائي (١/ ١٤ - ١٥). ــ وعرضًا فحسنٌ عند مالك وغيره من السلف، وكان ابن عمر يأخذ من طولها ما زاد على القبضة. والبراجم: مفاصل الأصابع، وقد تقدم الكلام عليها، وهي إن لم تتعاهد بالغسل أسرع إليها الوسخ. وانتقاص الماء؛ قال أبو عبيد: انتقاص البول بالماء: إذا غسل مذاكيره به، وقيل: هو الانتضاح. وقال وكيع: هو الاستنجاء بالماء. وخرج نتف الإبط وحلق العانة على المتيسر في ذلك، ولو عكس: فحلق الإبط ونتف العانة جاز لحصول النظافة بكل ذلك، وقد قيل: لا يجوز في العانة إلا الحلق؛ لأن نتفها يؤدي إلى استرخائها، وذكره أبو بكر بن العربي. والاستحداد: استعمال الحديدة في الحلق. وتقليم الأظفار: قصها، والقُلامَةُ: ما يزال منها.

стр. 508

[١٩٦] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قال: قال رسول الله ﷺ : خَالِفُوا المُشرِكِينَ، أَحفُوا الشَّوَارِبَ، وَأَوفُوا اللِّحَى. رواه البخاري (٥٨٩٢)، ومسلم (٢٥٩)، وأبو داود (٤١٩٩)، والترمذي (٢٧٦٤)، والنسائي (١/ ١٦). [١٩٧] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : جُزُّوا الشَّوَارِبَ، وَأَرخُوا اللِّحَى، خَالِفُوا المَجُوسَ. ــ وأمَّا الختان: فسنةٌ منتشرة في العرب، معمول بها من لدن إبراهيم، فإنه أول من اختتن، وهو عند مالك وعامة العلماء سنة مؤكدة، وشعارٌ من شعائر الإسلام، إلا أنه لم يرد من الشرع ذم تاركه، ولا توعده بعقاب، فلا يكون واجبًا خلافًا للشافعي، وهو مقتضى قول سحنون من أصحابنا. واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة، وقال: لولا أن الختان فرضٌ لما أبيح النظر إليها من المختُون. وأجيب: بأن مثل هذا قد يباح لمصلحة الجسم؛ كنظر الطبيب؛ على ما قد ثبت عن جماعة من السلف من إباحة ذلك، على ما حكاه أبو عمر، ولم يذكر في إباحة ذلك خلافًا، والطبُّ ليس بواجبٍ إجماعًا، فما فيه مصلحة دينية أولى بذلك. و(قوله: أحفوا الشوارب) بألف القطع رباعيًا، وهو المشهور فيه، وهو في أصل اللغة للمبالغة في استقصاء ذلك الشيء؛ ومنه: أحفى في المسألة، وفي الكلام: إذا أكثر من ذلك وبلغ غايته، وقد قال ابن دريد: يقال: حفا شاربه، يحفوه، حفوًا: إذا استأصل جزَّه. قال: ومنه: احفوا الشوارب، فعلى هذا يكون ثلاثيًّا، وتكون ألفه ألف وصل تبتدأ مضمومة بضم ثالث الفعل، وقد قدمنا أن هذا الظاهر غير مُراد بما تقدَّم.

стр. 509

رواه أحمد (٢/ ٣٦٥ و ٣٦٦)، ومسلم (٢٦٠). [١٩٨] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمِ الأَظفَارِ، وَنَتفِ الإِبِطِ، وَحَلقِ العَانَةِ، أَلا نُترَك أَكثَرَ مِن أَربَعِينَ لَيلَةً. رواه أحمد (٣/ ١٢٢ و ٢٠٣)، ومسلم (٢٥٨)، وأبو داود (٤٢٠٠)، والترمذي (٢٧٥٩)، والنسائي (١/ ١٥ - ١٦). * * * ــ و(قوله: جزوا الشوارب) كذا الرواية الصحيحة عند الكافة، ووقع: خذوا الشوارب. وكأنه تصحيفٌ. ووقع لابن ماهان: ارجوا اللحى، بالجيم، وكأن هذا تصحيف، وتخريجه على أنه أراد أرجئوا من الإرجاء، فسهل الهمزة فيه. و(قوله: خالفوا المشركين والمجوس) دليل على اجتناب التشبه بهم. و(قوله في حديث أنس: وُقِّت لنا في قص الشارب. . إلى آخره) هذا تحديد أكثر المدة، والمستحب تفَقّدُ ذلك من الجمعة إلى الجمعة، وإلا فلا تحديد فيه للعلماء، إلا أنه إذا كثر ذلك أزيل. وهذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان. قال العقيلي: في حديثه نظر. وقال أبو عمر فيه: ليس بحجة لسوء حفظه، وكثرة غلطه (١). قال الشيخ ﵀: وفي قولهما نظر (٢).

стр. 510

(٩) باب ما يُستَنجَى به والنهي عن الاستنجاء باليمين [١٩٩] عَن سَلمَانَ؛ قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَد عَلَّمَكُم نَبِيُّكُم ﷺ كُلَّ شَيءٍ حَتَّى الخِرَاءَةَ، قَالَ: فَقَالَ: أَجَل، لَقَد نَهَانَا أَن نَستَقبِلَ القِبلَةَ بِغَائِطٍ أو بَولٍ، ــ (٩) ومن باب الاستنجاء (قوله: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة) هو بكسر الخاء ممدود مهموز، وهو اسم فعل الحدث، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود، وتفتح خاؤه وتكسر، ويقال: بفتحها وسكون الراء والقصر من غير مدٍّ. و(قوله: أجل) أي: نعم. قال الأخفش: إلا أنه أحسن من نعم في الخبر، ونعم أحسن منه في الاستفهام، وهما لتصديق ما قبلهما مطلقًا، نفيًا كان أو إيجابًا، فأما بلى فهو جواب بعد النفي عاريًا من حرف الاستفهام، أو مقرونًا به. قال الجوهري: بلى؛ إيجاب لما يقال لك؛ لأنها ترد النفي، وربما ناقضتها نعم. فإذا قال: ليس لك وديعة. فقولك: نعم، تصديق له، وبلى تكذيب له. و(قوله: نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بولٍ) دليل لمن ذهب إلى منع الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وهو أحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه، وزاد النخعي وابن سيرين: منع استقبال القبلة المتقدمة واستدبارها. وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث ابن عمر الآتي (١)، أو لم يصلح عندهم للتخصيص؛ لأنه فعل في خلوة. وذهب ربيعة وداود: إلى جواز ذلك مطلقًا؛ متمسكين بحديث ابن عمر، وبما رواه الترمذي عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلة ببولٍ، فرأيته قبل أن يموت بعامٍ يستقبلها (٢). قال: وقال فيه البخاري: هو صحيحٌ.

стр. 511

أو أَن نَستَنجِيَ بِاليَمِينِ، أو أَن نَستَنجِيَ بِأَقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أَحجَارٍ، أو أَن نَستَنجِيَ بِرَجِيعٍ أو بِعَظمٍ. ــ وذهب الشافعي إلى التفريق بين القُرى والصحارى تعويلًا على أن حديث ابن عمر مخصص لأحاديث النهي. وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساتر وكنفٌ ملجئة إلى ذلك جاز، وإن كان الساتر وحده فروايتان. وسبب هذا الاختلاف: اختلاف هذه الأحاديث، وبناء بعضها على بعض. وقد أشرنا إلى ذلك. وقد تقدم القول على قوله: وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار. والضابط فيما يستنجى به عندنا: كل طاهر منق، ليس بمطعوم ولا ذي حرمة، ولا تخفى قيوده. و(قوله: برجيع أو بعظم) الرَّجيع: العذرة، والأرواث، ولا يستنجى بها لنجاستها، ولذلك قال ﵊ لعبد الله بن مسعود حيث أتاه بالحجرين والروثة: إنها رجس (١)، ذكره البخاري. وقد جاء أيضًا من حديثه في كتاب أبي داود ما يدل على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها. وبالعظم؛ لكونهما زادا للجن. قال: قدم وفد الجن على النبي ﷺ فقالوا: يا محمد! انه أُمَّتَك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة؛ فإن الله جاعل لنا فيها رزقًا (٢). وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال: فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا (٣)، وفي بعض الحديث: وأما الروث فعلف دوابهم (٤).

стр. 512

وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَهَانا عَنِ الرَّوثِ وَالرمة. رواه مسلم (٢٦٢)، وأبو داود (٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي (١/ ٣٨ - ٣٩). ــ ويؤخذ من هذا الحديث: احترام أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات. ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث؛ لأنها زاد الجن وطعامهم؛ فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم. والرِّمَّة (١) العظم البالي، وقد أطلق عليه أيضًا: الحائل؛ أي: قد أتت عليه أحوالٌ فحال، ويمكن جريان العلة المتقدمة في الرّمة من حيث هو عظم فيجدون عليها طعامًا، كما قد صح. وقيل: لأنها تتفتت فلا تثبت عند الاستنجاء بها، ولا يتأتى بها قلع ما هنالك. وقيل: لأنها تصير مثل الزجاج من حيث ملوستها فلا تقلع شيئًا. والحُمم الفحم، وعلل بأنه زاد الجن، وهو أيضًا لا صلابة لأكثره، فيتفتت عند الاستنجاء، ويلوث الجسد ويسخمه (٢)، والدين مبني على النظافة. تنبيه: إن وقع الاستنجاء والإنقاء بالطاهر المنقي المنهي عن الاستنجاء به فإنه يجزئه عندنا. وهل يعيد الصلاة في الوقت أو لا؟ قولان، وكذلك مسألة من بيمينه فإنه أساء وأجزأه. وقال أهل الظاهر: لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه. وعند الجمهور لا يقتضيه، وأيضًا (٣) فإن الجمهور صرفوا هذا النهي

стр. 513

[٢٠٠] وَعَن أَبِي قَتَادَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا يُمسِكَنَّ أَحَدُكُم ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وهو يَبُولُ، وَلا يَتَمَسَّح مِنَ الخَلاءِ بِيَمِينِهِ، وَلا يَتَنَفَّس فِي الإِنَاءِ. رواه البخاري (٥٦٣٠)، ومسلم (٢٦٧)، وأبو داود (٣١)، والترمذي (١٥)، والنسائي (١/ ٢٥). ــ إلى غير ذات المنهي عنه، وهو احترام المطعوم واليمين، والمطلوب - الذي هو الإنقاء - قد حصل، فيجزئ عنه. ونهيه في حديث أبي قتادة عن إمساك الذكر باليمين، وعن التمسح في الخلاء باليمين، يلزم منهما تعذُّرٌ. اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه؛ فقال المازري: يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرًا ليسلم على مقتضى الحديثين. قال الشيخ ﵀: وهذا إن أمكنه حجر ثابت، أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض؛ فأما إذا لم يمكنه شيء من ذلك؟ فقال الخطابي: يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشيء الذي يتمسح به ويتناول ذكره بشماله. قال الشيخ: وقد يكون بموضع لا يتأتى له فيه الجلوس، فقال عياض: الأولى من ذلك: أن يأخذ ذكره بشماله، ثم يأخذ الحجر بيمينه، فيمسكه أمامه، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره، ويمسحه بذلك، دون أن يستعمل اليمين في غير إمساك ما يتمسح به. قال الشيخ: وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها وتأتيها (١)، ولسلامتها عن ارتكاب منهي عنه؛ إذ لم يمسك ذكره باليمين ولم تمسح به، وإنما أمسك ما يتمسح به. و(قوله: ولا يتنفس في الإناء) هذا التأديب مبالغة في النظافة؛ إذ قد يخرج مع النفس بصاق، أو مخاط، أو بخار رديءٌ فيكسبه رائحة كريهة، فيتقذر الغير عن شربه، أو الشارب نفسه، وهذا من باب النهي عن النفخ في الشراب، ومن باب

стр. 514

[٢٠١] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَبَرَّزُ لِحَاجَتِهِ، فَآتِيهِ بِالمَاءِ، فَيَتَغَسَّلُ بِهِ. ــ النهي عن اختناث الأسقية، وتزيد هذه مصالح أخر، يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في مواضعها. و(قول أنس: كان النبي ﷺ يتبرز لحاجته) يتبرز: يخرج إلى البَرازِ من الأرض بحيث يبعد عمن كان معه، وقد كان يأتي المُغمس (١) لحاجته، وهو من المدينة على نحو الميلين. و(قوله: فآتيه بالماءِ) دليل على استعمال الخادم فيما يختفي به عن غيره، وعلى استعمال الماء في إزالة النجو (٢) عن هذين المحلين، وأن الماء ليس من قبل المطعوم فيحترم في هذا، خلافًا لمن شذ من الفقهاء، ولم ير الاستنجاء بالماء العذب؛ لأنه زعم أنه طعامٌ، وخلافًا لما قال سعيد بن المسيب في الاستنجاء بالماء: إنما ذلك وضوء النساء. ولا شك في أن الماء أولى من الحجارة؛ ولأجل هذا أنزل الله تعالى في أهل قباء: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا، قال أبو داود: عن أبي هريرة: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم (٣). وقد شذ ابن حبيب من أصحابنا، فقال: لا يجوز استعمال الأحجار مع وجود الماء. وهذا ليس بشيءٍ؛ إذ قد صح في البخاري (٤) من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ استعمل الحجارة مع وجود الماء في الإداوة مع أبي هريرة يتبعه بها. ولبُعدِ قياس إزالة النجاسة - والمقصود به النظافة - على التيمم وهو محض العبادة، والله أعلم.

стр. 515

رواه أحمد (٣/ ١١٢)، والبخاري (٢١٧)، ومسلم (٢٧١). * * * (١٠) باب ما جاء في استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط والنهي عن التخلي في الطرق والظلال [٢٠٢] عَن أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَتَيتُمُ الغَائِطَ فَلا تَستَقبِلُوا القِبلَةَ وَلا تَستَدبِرُوهَا، بِبَولٍ ولا غَائِطٍ، وَلَكِن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا. ــ و(قوله: فيتغسل به) كذا صح بالتاء والتشديد، وهو يدل على المبالغة في غسل تلك المواضع. وقد روى أبو داود هذا الحديث وزاد فيه: ثم مسح يده على الأرض. وهي زيادة حسنة تدل على أنه لا بد من إزالة رائحة النجاسة في غسلها إذا أمكن ذلك، والله أعلم. واختلف العلماء في الاستنجاء؛ فقال أبو حنيفة: الاستنجاء ليس بفرض، وإزالة النجاسة فرض، وقال الجمهور: هو من باب إزالة النجاسة، إلا أنهم اختلفوا في حكم إزالتها على ثلاثة أقوال: هل هي فريضة مطلقًا، أو سنة مطلقًا، أو هي واجبة بشرط الذكر والقدرة؟ وهذا اختلاف أصحاب مالك عنه. (١٠) ومن باب ما جاء في استقبال القبلة ببول أو غائط (قوله: ولكن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا) هذا الحديث قيل لأهل المدينة ومن وراءها من أهل الشام والمغرب؛ لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة، ولم يستدبروها، فأما من كانت الكعبة في شرق بلاده أو غربها فلا يشرق ولا يغرب إكرامًا للقبلة. واختلف أصحابنا في تعليل هذا الحكم؛ فقيل: إنه معلَّل بحرمة

стр. 516

قَالَ أبو أَيُّوبَ: فَقَدِمنَا الشَّامَ، فَوَجَدنَا مَرَاحِيضَ قَد بُنِيَت قِبَلَ القِبلَةِ؛ فننحرف عنها، وَنَستَغفِرُ اللهَ. رواه أحمد (٥/ ٤٢١)، والبخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأبو داود (٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (١/ ٢١ - ٢٢). [٢٠٣] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ قَالَ: رَقِيتُ عَلَى بَيتِ أُختِي حَفصَةَ فَرَأَيتُ رسولَ الله ﷺ قَاعِدًا لِحَاجَتِهِ، مُستَقبِلَ الشَّامِ، مُستَدبِرَ القِبلَةِ. ــ القبلة، وقيل: بحرمة المصلين من الملائكة. والصحيح الأول، بدليل ما رواه الدارقطني مرسلاً عن طاووس مرفوعًا: إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله، فلا يستقبلها ولا يستدبرها (١). وقول أبي أيوب: فننحرف عنها، ونستغفر الله؛ دليل على أنه لم يبلغه حديث ابن عمر، أو لم يره مخصصًا، وحمل ما رواه على العموم. و(قول ابن عمر: رقيت على بيت أختي حفصة) هذا الرُّقي من ابن عمر الظاهرُ منه أنه لم يكن عن قصد الاستكشاف، وإنما كان لحاجة غير ذلك. ويحتمل أن يكون ليطلع على كيفية جلوس النبي ﷺ للحدث، على تقدير أن يكون قد استشعر ذلك، وأنه تحفظ من أن يطلع على ما لا يجوز له، وفي هذا الثاني بُعدٌ، وكونه ﷺ على لبنتين؛ يدل لمالك على قوله: إذا اجتمع المرحاض الملجِئ والسَّاتر جاز ذلك. واستقباله بيت المقدس يدل على خلاف ما ذهب إليه النخعي وابن سيرين، فإنهما منعا ذلك. وما روي من النهي عن استقبال شيء من القبلتين بالغائط لا يصح؛ لأنه من رواية عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيفٌ. وقد ذهب

стр. 517

وفي رواية: قاعدا عَلَى لَبِنَتَينِ مُستَقبِلاً بَيت المَقدِس. رواه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٦٦)، وأبو داود (١٢)، والترمذي (١١)، والنسائي (١/ ٢٣). ــ بعض من منع استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا: إلى أن حديث ابن عمر لا يصلح تخصيص حديث أبي أيوب؛ لأنه فعل في خلوة، وهو محتمل للخصوص، وحديث أبي أيوب قولٌ قعدت به القاعدة، فبقاؤه على عمومه أولى. والجواب عن ذلك أن نقول: أما فعله ﵊ فأقل مراتبه أن يحمل على الجواز؛ بدليل مطلق اقتداء الصحابة بفعله، وبدليل قوله تعالى: لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ، وبدليل قوله ﷺ لعائشة حين سألتها المرأة عن قبلة الصائم: ألا أخبرتها أني أفعل ذلك (١)، وقالت عائشة: فعلتُهُ أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، يعني: التقاء الختانين (٢). وقبل ذلك الصحابة وعملوا عليه. وأما كون هذا الفعل في خلوة فلا يصلح مانعا من الاقتداء؛ لأن الحدث كله كذلك يفعل، ويمنع أن يفعل في الملأ، ومع ذلك فقد نقل وتحدث به، سيما وأهل بيته كانوا ينقلون ما يفعله في بيته من الأمور المشروعة (٣). وأما دعوى الخصوص فلو سمعها النبي ﷺ لغضب على مُدّعِيها، وأنكر ذلك (٤) كما قد غضب على من ادعى تخصيصه بجواز القُبلَة، فإنه غضب عليه؛ وأنكر ذلك، وقال: والله إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده (٥)، وكيف يجوز تَوهُّم هذا؟ وقد تبين أن

стр. 518

[٢٠٤] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: اتَّقُوا اللَاّعَّنَينِ، قَالُوا: وَمَا اللَاّعَّنَانِ يَا رسولَ الله؟ قَالَ: الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أو فِي ظِلِّهِم. رواه أحمد (٢/ ٣٧٢)، ومسلم (٢٦٩)، وأبو داود (٢٥). * * * ــ ذلك إنما شرع إكرامًا للقبلة، وهو أعلم بحرمتها وأحق بتعظيمها، وكيف يستهين بحرمة ما حرم الله؟ هذا ما لا يصدر توهمه إلا من جاهل بما يقول، أو غافل عما كان يحترمه الرسول ﷺ . و(قوله: اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان؟ ) يروى هكذا. وصحيح روايتنا: اللعانين، قالوا: وما اللعانان؟ بالتشديد على المبالغة وكلاهما صحيح، وقد تقدم القول: أن اللعن: الطرد والبعد، وقد فسّرها: بالتخلي في الطرق والظلال. وجاء في الترمذي من حديث معاذ مرفوعًا: اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل بخرأة (١). وسميت هذه ملاعن لأنها تجلب اللعن على فاعلها العادي والشرعي؛ لأنه ضرر عظيم بالمسلمين؛ إذ يعرضهم للتنجيس، ويمنعهم من حقوقهم في الماء والاستظلال وغير ذلك. ويفهم من هذا: تحريم التخلي في كل موضع كان للمسلمين إليه حاجة، كمجتمعاتهم، وشجرهم المثمر، وإن لم يكن له ظلال وغير ذلك.

стр. 519

(١١) باب ما جاء في البول قائمًا [٢٠٥] عَن أَبِي وَائِلٍ؛ قَالَ: كَانَ أبو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي البَولِ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسرَائِيلَ كَانواَ إِذَا أَصَابَ جِلدَ أَحَدِهِم بَولٌ قَرَضَهُ بِالمَقَارِيضِ. فَقَالَ حُذَيفَةُ: لَوَدِدتُ أَنَّ صَاحِبَكُم لا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشدِيدَ، فَلَقَد رَأَيتُنِي أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَة قَومٍ خَلفَ ــ (١١) ومن باب ما جاء في البول قائمًا (قول أبي موسى: إن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه) يعني الجلود التي كانوا يلبسونها، وقد سمعت بعض أشياخي من يحمل هذا على ظاهره، ويقول: إن هذا كان من الإصر الذي حُمّلوُه، والله تعالى أعلم. وقرضه: قطعه. والسباطة: المزبلة. وقول حذيفة: فانتبذت منه أي: صرت منه بعيدًا. واختلف العلماء في البول قائمًا؛ فمنعه قوم مطلقًا، منهم عائشة وابن مسعود. وقد ردّ سعد بن إبراهيم شهادة من بال قائمًا؛ متمسكين في ذلك بما روي عن النبي ﷺ : أنه قال لعمر وقد رآه يبول قائمًا: يا عمر! لا تَبُل قائمًا، قال: فما بلت قائمًا بعد (١)، وبقول عائشة: من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، وما كان يبول إلا قاعدًا (٢). وذهب الجمهور إلى جواز ذلك؛ إذا أمن مما يؤدي إليه: من تطاير البول، وانكشاف العورة؛ مستدلين بحديث حذيفة هذا، منفصلين عن حديث عمر، فإن في إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو ضعيف، وعلى تقدير تسليم صحته فكأن ذلك لما يؤدي إليه من التطاير

стр. 520

حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُم، فَبَالَ، فَانتَبَذتُ مِنهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فَجِئتُ، فَقُمتُ عِندَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَتَوَضَّأَ فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ. رواه البخاري (٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣)، وأبو داود (٢٣)، والترمذي (١٣)، والنسائي (١/ ٣٥). * * * ــ والانكشاف، وعن حديث عائشة: فإنها أخبرت عما أدركته من النبي ﷺ ، ولا شك في أن بوله قاعدًا كان أكثر أحواله، ولا يلزم من قولها تكذيب حذيفة؛ إذ هو العَالِم العَلمُ المرجوعُ إليه في قبول الأحاديث بإجماع الصحابة. وقد انفصل المانعون عن حديث حذيفة: باحتمال أن يكون فعله لجرحٍ بمأبضيه (١)، أو لنجاسة السُّباطة، فلم يمكنه القعود فيها، أو لأنه كان بين الناس ولم يمكنه التباعد؛ لأن البول حَفَزهُ؟ فبال قائمًا؛ لئلا يخرج منه حدثٌ، كما قد جاء عنه أنه قال للذي كان معه: تنح عني، فإن كل بائلة تُفيخ (٢). والجواب: أن هذه الأوجه وإن كانت محتملة، إلا أن حذيفة كان شاهدًا لحالته كلها، واستدل بهذا الفعل على جواز البول قائمًا، وعلى ترك التعمق في التحرز من النجاسة، فلو كان هناك شك من تلك الاحتمالات لما استدل به، ولنقل ذلك المعنى، والله أعلم. وكون النبي ﷺ لم يتوار على خلاف عادته؛ لأن البول حفزه، والله أعلم. ومع ذلك فارتاد لبوله السُّباطة خلف الحائط، ويقال: إنه استقبل الجدار، واستتر من المارين خلفه بحذيفة، ولذلك دعاه فقام عند عقبه حتى فرغ، والله تعالى أعلم.

стр. 521

(١٢) باب المسح على الخفين والتوقيت فيه [٢٠٦] عَن هَمَّامٍ؛ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ، فَقِيلَ: تَفعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: نَعَم. رأيت رسولَ الله ﷺ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ. ــ (١٢) ومن باب المسح على الخفين أنكر طائفة من أهل البدع المسح على الخفين في السفر والحضر، كالخوارج؛ لأنهم لم يجدوه في القرآن، على أصلهم وردهم أخبار الآحاد، وأنكرته الشيعة؛ لما رُوي عن علي أنه كان لا يمسح. وأنكره غير هؤلاء زاعمين أن التمسك بآية الوضوء أولى؛ إما لأنها ناسخة لما تقدمها من جواز المسح الثابت بالسنة، وإما لأنها أرجح من أخبار الآحاد. وأما جمهور العلماء من السلف وأئمة الفتوى فالمسح عندهم جائز. قال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله ﷺ أنه مسح على الخفين، ثم إنه قد ورد من الأحاديث الصحيحة والمشهورة ما يفيد مجموعها القطع بأن النبي ﷺ مسح على الخفين. وقد روي عن مالك إنكار المسح على الخفين، وليس ذلك بصحيح مطلقًا، وإنما الذي صح عنه من رواية ابن وهب في هذا؛ أنه قال: لا أمسح في حضر ولا سفر، نقلها أبو محمد بن أبي زيد في نوادره وغيره. فظاهر هذا أنه اتقاه في نفسه. وقد روى ابن نافع في المبسوط عن (١) مالك ما يزيل كل إشكال، أنه قال له عند موته: المسح على الخفين في الحضر والسفر صحيح، يقين، ثابت، لا شك فيه، إلا أني كنت أجد في خاصة نفسي بالطهور،

стр. 522

قَالَ إبرَاهِيمُ: كَانَ يُعجِبُهُم هَذَا الحَدِيثُ، لأَنَّ إِسلامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعدَ نُزُولِ المَائِدَةِ. رواه أحمد (٤/ ٣٥٨)، والبخاري (٣٨٧)، ومسلم (٢٧٢)، وأبو داود (١٥٤)، والترمذي (٩٣)، والنسائي (١/ ٨١). ــ ولا أرى من مسح مقصرًا فيما يجب عليه؛ وعلى هذا حمل أحمد بن حنبل قول مالك. كما روي عن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا أخفافهم، وخلع هو وتوضأ، وقال: حُبب إلي الوضوء. ونحوه عن أبي أيوب. قال الشيخ ﵀: وعلى هذا يحمل ما روي عن علي. قال أحمد بن حنبل: فمن ترك ذلك على نحو ما تركه عمر، وأبو أيوب، ومالك، لم أنكره عليه، وصلينا خلفه ولم نعبه إلا أن يترك ذلك ولا يراه، كما صنع أهل البدع، فلا نصلي خلفه. فأما من أنكر المسح في الحضر - وهي أيضًا رواية عن مالك - فلأن أكثر أحاديث المسح إنما هي في السفر، والصحيح جواز المسح فيه، إذ هو ثابت عن النبي ﷺ من قوله وفعله، وحديث السُّباطة مما يدل عليه؛ حيث كانت السُّباطة خلف الحائط، بل قد روي في ذلك الحديث عن حذيفة، قال: كنت مع النبي ﷺ بالمدينة. . وذكر الحديث. وقد روى أبو داود عن بلال: أن النبي ﷺ دخل الأسواق لحاجته، ثم خرج فتوضأ، ومسح على خفيه (١). والأسواق: موضع بالمدينة. وسيأتي حديث عليّ في توقيت المسافر والمقيم (٢). و(قول النخعي: كان يُعجبُهُم) يعني: أصحاب عبد الله، وقد جاء في

стр. 523

[٢٠٧] وَعَنِ المُغِيرَةِ؛ قَالَ: كُنتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ فِي مَسِيرٍ فَقَالَ لِي: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ قُلتُ: نَعَم. فَنَزَلَ عَن رَاحِلَتِهِ، فَمَشَى حَتَّى تَوَارَى فِي سَوَادِ اللَّيلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَأَفرَغتُ عَلَيهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ وَجهَهُ، وَعَلَيهِ جُبَّةٌ مِن صُوفٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: شَامِيَّةٌ ضَيِّقَةُ الكُمَّينِ - فَلَم يَستَطِع أَن يُخرِجَ ــ روايةٍ مفسرًا هكذا. وإنما أعجبهم ذلك؛ لأنه إنما رأى النبي ﷺ بعد أن أسلم، وأسلم بعد نزول المائدة، فمسح النبي ﷺ بعد نزول المائدة، فلا تكون آية الوضوء التي في المائدة ناسخة للسُّنة الثابتة في ذلك (١)، ولا مرجحة عليها؛ خلافًا لمن ذهب إلى ذلك. و(قوله في حديث المغيرة: ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي، وهي منصوبة على الظرفية، كما تقول: ذات مرة؛ أي: مرة من المرات، ويقال للمذكر: ذا صباح وذا مساءٍ، كما قال الشاعر (٢): عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود وكان هذا المسير في غزوة تبوك، كما في الموطأ. والمسير: السير، وقد يكون: الطريق الذي يسار فيه. وتوارى: غاب. والإداوة: الإناء من الجلد، وفي طريق آخر: مطهرة، وفيه حجة للجماعة في جواز صب الماء على المتوضئ. وقد رُوي عن عمر وابنه كراهة ذلك، وقد روي عنهما خلاف ذلك. فروي عن عمر: أن ابن عباس صب على يديه الوضوء. وقال ابن عمر: لا أبالي، أعانني رجل على وضوئي وركوعي وسجودي (٣). وهو الصحيح. وفيه دليلٌ على جواز الاقتصار على فروض الوضوء دون السنن، إذا

стр. 524

ذِرَاعَيهِ مِنهَا، حَتَّى أَخرَجَهُمَا مِن أَسفَلِ الجُبَّةِ. فَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أَهوَيتُ لأَنزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: دَعهُمَا، فَإِنِّي أَدخَلتُهُمَا طَاهِرَتَينِ وَمَسَحَ عَلَيهِمَا. ــ أرهقت إلى ذلك ضرورة. ويحتمل أن يكون النبي ﷺ فعلها ولم يذكرها المغيرة، والظاهر خلاف، وقد روى البخاري من حديث عبد الله بن زيد: أنه ﵊ اقتصر على الفروض (١)، وقد قدمنا قوله للأعرابي: توضأ كما أمرك الله (٢)، وفيه دليلٌ على أن يسير التفريق في الطهارة لا يفسدها. قال أبو محمد عبد الوهاب: لا يختلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يُفسد الوضوء. واختلف في الكثير المتفاحش، فروي عن ابن وهب: أنه يفسده في العمد والسهو، وهو أحد قولي الشافعي، وحكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي في قول آخر. وعند ابن القاسم: أنه يفسده مع العمد أو التفريط، ولا يفسده مع السهو. وقال أبو الفضل عياض: إن مشهور المذهب أن سنة، وهذا هو الصحيح؛ بناءً على ما تقدم: من أن الفرائض محصورة في الآية، وليس في الآية ما يدل على الموالاة، وإنما أخذت من فعل النبي ﷺ ، وإذ لم يرو عنه قط أنه فرق تفريقًا متفاحشًا. واختلف في الفرق بين اليسير والكثير؛ فقيل: ذلك يرجع إلى الاجتهاد، وليس فيه حدٌّ، وقيل: جفاف الوضوء هو الكثير. وفيه دليلٌ على أن الصوف لا ينجس بالموت؛ لأن الجبة كانت من عمل الشام، والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك من مجوس وغيرهم، وأكثر مأكلهم ميتة، ولم يسأل عن ذلك ﷺ ولا توقف فيه. وفيه دليلٌ على الضيق والتشمير للأسفار. و(قوله: دعهما، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان) حمل الجمهور هذه

стр. 525

رواه أحمد (٤/ ٢٥١)، والبخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٢٧٤)، وأبو داود (١٤٩ و ١٥٠ و ١٥١)، واقرمذي (٩٧ - ١٠٠)، والنسائي (١/ ٨٢). [٢٠٨] وَعَن شُرَيحِ بنِ هَانِئٍ؛ قَالَ: أَتَيتُ عَائِشَةَ أَسأَلُهَا عَنِ المَسحِ عَلَى الخُفَّينِ. فَقَالَت: عَلَيكَ بِابنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلهُ. فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَسَأَلنَاهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلمُسَافِرِ، وَيَومًا وَلَيلَةً لِلمُقِيمِ. رواه مسلم (٢٧٦)، والنسائي (١/ ٨٤). * * * ــ الطهارة على العرفية، وهي طهارة الحدث، وخصّوها بالماء؛ لأنه الأصل، والطهارة به هي الغالبة. ورأى أصبغ: أن طهارة التيمم تدخل تحت مطلق قوله: هما طاهرتان، وقيل عنه: إنه بناه على أن التيمم يرفع الحدث. وذهب داود إلى أن المراد بالطهارة هنا: هي الطهارة من النجس فقط، فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين، وسبب الخلاف: الاشتراك في اسم الطهارة. و(قوله (١) في حديث علي: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم) نصٌّ في اشتراط التوقيت في المسح، وبه أخذ أبو حنيفة، والثوري، وأصحاب الحديث، والشافعي، ومالك وأحمد في أحد قوليهما، ومشهور مذهب مالك: أنه لا توقيت فيه، وهو قول الأوزاعي والليث، والقول

стр. 526

(١٣) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار [٢٠٩] عَنِ المُغِيرَةِ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَخَلَّفتُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ فَأَتَيتُهُ بِمِطهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ وَوَجهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحسِرُ عَن ذِرَاعَيهِ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فَأَخرَجَ يَدَهُ مِن تَحتِ الجُبَّةِ، وَأَلقَى الجُبَّةَ عَلَى مَنكِبَيهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ ــ الآخر للشافعي، وأقوى ما يتمسك به لمشهور مذهب مالك حديث عقبة بن عامر، الذي خرجه الدارقطني، وصححه، قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت المدينة يوم الجمعة، ودخلتُ على عمر، فقال لي: متى أولجت خُفّيكَ في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، فقال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السُّنة (١). ومثل هذا يشيع، ولم ينكره أحد، مع أنه قال فيه: أصبت السنة. وهذا ملحقٌ بالمُسند المرفوع. وأما حديث أبي عِمارة الذي قال فيه: امسح ما شئت، ما بدا لك. فقال فيه أبو داود: ليس بالقوي، ومآل هذا: أن حديث عقبة يعارض حديث علي، غير أن حديث عقبة وافقه عمل الصحابة، فهو أولى عنده، والله تعالى أعلم. (١٣) ومن باب المسح على الناصية والعمامة والخمار (٢) (قوله في الرواية الأخرى: ومسح بناصيته وعلى العمامة) تمسّك أبو حنيفة وأشهب من أصحابنا بهذا الحديث على إجزاء مسح الناصية فقط، ولا حجة لهما فيه، فإن النبي ﷺ لم يقتصر عليه، وأنه مسح على الناصية وعلى

стр. 527

وَعَلَى خُفَّيهِ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبتُ، فَانتَهَينَا إِلَى القَومِ وَقَد قَامُوا فِي الصَّلاةِ، يُصَلِّي بِهِم عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، وَقَد رَكَعَ بِهِم رَكعَةً. فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَومَأَ إِلَيهِ، فَصَلَّى بِهِم. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمتُ. فَرَكَعنَا الرَّكعَةَ الَّتِي سَبَقَتنَا. ــ كل العمامة. واحتج به الشافعي وأحمد بن حنبل: على جواز المسح على العمامة، وأنه يجزئ، ولا حجة لهما فيه؛ لأنه ﵊ لم يقتصر عليها، بل مسح معها الناصية. واشترط بعض من أجاز المسح على العمامة أن يكون لبسها على طهارة كالخفين، وزاد بعضهم: أن تكون بحنك (١)؛ ليكون في نزعها مشقة. وذهب مالك وجل أصحابه إلى أن الرأس على حائل لا يجوز، تمسكًا بظاهر قوله تعالى: وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وهذا يقتضي المباشرة، كقوله في التيمم: فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم إلا أن يدعو إلى ذلك ضرورة مرض أو تخوف على النفس، فحينئذ يجوز المسح على الحائل، كالحال في الجبائر والعصائب (٢). وحمل بعض أصحابنا هذا الحديث على أنه ﵊ كان به مرض منعه من كشف رأسه كله، أو توقُعه توقُعًا صحيحًا، وهذه طريقة حسنةٌ، فإنه تمسك بظاهر الكتاب، وتأول هذه الواقعة المعينة، ويتأيد تأويله (٣) بأمرين: أحدهما: أن هذه الواقعة كانت في السفر، وهو مظنّة الأعذار والأمراض. والثاني: أنه مسح من رأسه الموضع الذي لم يؤلمه أو لم يتوقع فيه شيئًا. ومسحه ﵊ جميع العمامة دليلٌ لمالك: على وجوب عموم الرأس؛ إذ قد نزّل العمامة عند الضرورة منزلة الرأس، فمسح جميعها، كما فعل

стр. 528

وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَفزَعَ ذَلِكَ المُسلِمِينَ، فَأَكثَرُوا التَّسبِيحَ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلاتَهُ، أَقبَلَ عَلَيهِم، ثُمَّ قَالَ: أَحسَنتُم - أو قَد أَصَبتُم - يَغبِطُهُم أَن صَلَّوُا الصَّلاةَ لِوَقتِهَا. رواه مسلم (٢٧٤). [٢١٠] وَعَن بِلالٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ وَالخِمَارِ. رواه أحمد (٦/ ١٢ و ١٣)، ومسلم (٢٧٥)، وأبو داود (١٥٣)، والترمذي (١٠١)، والنسائي (١/ ٧٥ - ٧٦). * * * ــ في الخفين، والله تعالى أعلم. ومبادرة أصحاب النبي ﷺ إلى تقديم عبد الرحمن عند تأخر النبي ﷺ عن الوقت الذي كان يوقع فيه الصلاة؛ فيه دليل على محافظتهم على أول الوقت، وبه احتج الشافعي وغيره على هذا، ويحتمل: أن يكونوا يئسوا من وصوله إليهم في الوقت بتقديرهم، أنه أخذ في طريق أخرى، أو أنه عرس (١)، ألا ترى فزعهم حين أدركهم النبي ﷺ يصلون؟ ! فدل على أنهم لم يبادروا إلى أول الوقت، ولا أخروها آخره، والأشبه: أنهم انتظروه إلى الوقت المعهود؛ بدليل قوله: فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها، فلما خرج ذلك الوقت؛ تأولوا أنه صلى، أو أخذ طريقًا أخرى، أو أنه عرس، فقدموا عبد الرحمن، وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفى على متأملٍ. والمطهرة الإناء الذي يتطهر به. ويحسُر عن ذراعيه يكشف عنهما. والناصية مقدمُ شعر الرأس. و(قوله في حديث بلال: مسح على الخفين والخمار) الخمار هنا: هي

стр. 529

(١٤) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث [٢١١] عَن بُرَيدَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَومَ الفَتحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَد صَنَعتَ اليَومَ شَيئًا لَم تَكُن تَصنَعُهُ. فَقَالَ: عَمدًا صَنَعتُهُ يَا عُمَرُ. ــ العمامة، سميت بذلك لتخميرها الرأس، شبهها بخمار المرأة. ولم يختلف من أجاز المسح على العمامة في منع المرأة على خمارها، إلا بشيء روي عن أم سلمة، وعن أنس في مسحه على القلنسوة. وفرق ما بين العمامة والخمار عندهم أن العمامة يشق نزعها، لا سيما إن كانت بحنك، ولورود الرخصة فيها عندهم، ولم يرد في الخمار للمرأة، والله أعلم. (١٤) ومن باب: فعل الصلوات بوضوء واحد (قوله: عمدًا فعلته يا عمر) أي: قصدًا ليبين للناس: أنه يجوز أن يصلى بوضوء واحد صلوات، وهذا أمر لا خلاف فيه، وعليه ما ذهب إليه بعض الناس: أن الوضوء لكل صلاة كان فرضًا خاصًّا بالنبي ﷺ ، وأنه نسخ ذلك بفعله هذا. قال الشيخ: ولا يصح أنه كان فرضًا على النبي ﷺ ، وإنما كان يفعله ابتغاء لفضيلة التجديد، كما في حديث أنس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، قيل لأنس: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا (١). خرّجه الترمذي، وقال: إنه صحيح.

стр. 530

رواه مسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١/ ٨٦). [٢١٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ. فَلا يَغمِس يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا. فَإِنَّهُ لا يَدرِي أَينَ بَاتَت يَدُهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤١)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (١/ ٦ - ٧). ــ و(قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء) تمسك داود والطبري بظاهر هذا الخبر؛ فأوجبا اليدين على من قام من النوم ليلاً أو نهارًا للوضوء، وحكما بأن الماء ينجس إن لم يغسل يديه قبل أن يدخلهما فيه. وخَصَّه ابن حنبل وبعض أهل الظاهر بنوم الليل خاصّة؛ لأنهما فَهِما من لفظ البيات نوم الليل؛ لما رواه أبو داود في هذا الحديث حيث قال: إذا استيقظ أحدكم من الليل، وذكر الحديث. وذهب الجمهور إلى أن ذلك على جهة الاستحباب؛ بدليل تعليله في آخره بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده. ومعنى ذلك: أن يد النائم تجول في مغابنه ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلق باليد منها شيء، فيؤدي إلى إفساد الماء، على قول من يرى أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، أو إلى عيافته على قول من يرى أنها لا تنجسه إلا أن تغيره. واحتج أصحاب الشافعي بهذا الحديث على الفرق بين ورود النجاسة على الماء، وبين ورود الماء على النجاسة، ولا يصح لهم ذلك حتى يصح لهم أن هذا الحديث يفيد أن قليل النجاسة ينجس الماء وإن لم تغيره، وذلك ممنوع؛ فإنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك؛ لأنه يصير الماء مما يعاف، لا أنه ينجس، والله تعالى أعلم. ومن هذا الحديث فهم أشهبُ أن حكم غسل اليد في الوضوء الاستحباب للشاك في نظافة يده، وقد قدمنا مأخذ ابن القاسم.
следующие страницы →