← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(١٣) باب المسح على الناصية والعمامة والخمار [٢٠٩] عَنِ المُغِيرَةِ؛ قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَخَلَّفتُ مَعَهُ. فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ: أَمَعَكَ مَاءٌ؟ فَأَتَيتُهُ بِمِطهَرَةٍ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ وَوَجهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَحسِرُ عَن ذِرَاعَيهِ فَضَاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فَأَخرَجَ يَدَهُ مِن تَحتِ الجُبَّةِ، وَأَلقَى الجُبَّةَ عَلَى مَنكِبَيهِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ، وَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ ــ الآخر للشافعي، وأقوى ما يتمسك به لمشهور مذهب مالك حديث عقبة بن عامر، الذي خرجه الدارقطني، وصححه، قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت المدينة يوم الجمعة، ودخلتُ على عمر، فقال لي: متى أولجت خُفّيكَ في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، فقال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: أصبت السُّنة (١). ومثل هذا يشيع، ولم ينكره أحد، مع أنه قال فيه: أصبت السنة. وهذا ملحقٌ بالمُسند المرفوع. وأما حديث أبي عِمارة الذي قال فيه: امسح ما شئت، ما بدا لك. فقال فيه أبو داود: ليس بالقوي، ومآل هذا: أن حديث عقبة يعارض حديث علي، غير أن حديث عقبة وافقه عمل الصحابة، فهو أولى عنده، والله تعالى أعلم. (١٣) ومن باب المسح على الناصية والعمامة والخمار (٢) (قوله في الرواية الأخرى: ومسح بناصيته وعلى العمامة) تمسّك أبو حنيفة وأشهب من أصحابنا بهذا الحديث على إجزاء مسح الناصية فقط، ولا حجة لهما فيه، فإن النبي ﷺ لم يقتصر عليه، وأنه مسح على الناصية وعلى

стр. 527

وَعَلَى خُفَّيهِ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبتُ، فَانتَهَينَا إِلَى القَومِ وَقَد قَامُوا فِي الصَّلاةِ، يُصَلِّي بِهِم عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ، وَقَد رَكَعَ بِهِم رَكعَةً. فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَومَأَ إِلَيهِ، فَصَلَّى بِهِم. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَقُمتُ. فَرَكَعنَا الرَّكعَةَ الَّتِي سَبَقَتنَا. ــ كل العمامة. واحتج به الشافعي وأحمد بن حنبل: على جواز المسح على العمامة، وأنه يجزئ، ولا حجة لهما فيه؛ لأنه ﵊ لم يقتصر عليها، بل مسح معها الناصية. واشترط بعض من أجاز المسح على العمامة أن يكون لبسها على طهارة كالخفين، وزاد بعضهم: أن تكون بحنك (١)؛ ليكون في نزعها مشقة. وذهب مالك وجل أصحابه إلى أن الرأس على حائل لا يجوز، تمسكًا بظاهر قوله تعالى: وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وهذا يقتضي المباشرة، كقوله في التيمم: فَامسَحُوا بِوُجُوهِكُم إلا أن يدعو إلى ذلك ضرورة مرض أو تخوف على النفس، فحينئذ يجوز المسح على الحائل، كالحال في الجبائر والعصائب (٢). وحمل بعض أصحابنا هذا الحديث على أنه ﵊ كان به مرض منعه من كشف رأسه كله، أو توقُعه توقُعًا صحيحًا، وهذه طريقة حسنةٌ، فإنه تمسك بظاهر الكتاب، وتأول هذه الواقعة المعينة، ويتأيد تأويله (٣) بأمرين: أحدهما: أن هذه الواقعة كانت في السفر، وهو مظنّة الأعذار والأمراض. والثاني: أنه مسح من رأسه الموضع الذي لم يؤلمه أو لم يتوقع فيه شيئًا. ومسحه ﵊ جميع العمامة دليلٌ لمالك: على وجوب عموم الرأس؛ إذ قد نزّل العمامة عند الضرورة منزلة الرأس، فمسح جميعها، كما فعل

стр. 528

وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَفزَعَ ذَلِكَ المُسلِمِينَ، فَأَكثَرُوا التَّسبِيحَ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلاتَهُ، أَقبَلَ عَلَيهِم، ثُمَّ قَالَ: أَحسَنتُم - أو قَد أَصَبتُم - يَغبِطُهُم أَن صَلَّوُا الصَّلاةَ لِوَقتِهَا. رواه مسلم (٢٧٤). [٢١٠] وَعَن بِلالٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ مَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ وَالخِمَارِ. رواه أحمد (٦/ ١٢ و ١٣)، ومسلم (٢٧٥)، وأبو داود (١٥٣)، والترمذي (١٠١)، والنسائي (١/ ٧٥ - ٧٦). * * * ــ في الخفين، والله تعالى أعلم. ومبادرة أصحاب النبي ﷺ إلى تقديم عبد الرحمن عند تأخر النبي ﷺ عن الوقت الذي كان يوقع فيه الصلاة؛ فيه دليل على محافظتهم على أول الوقت، وبه احتج الشافعي وغيره على هذا، ويحتمل: أن يكونوا يئسوا من وصوله إليهم في الوقت بتقديرهم، أنه أخذ في طريق أخرى، أو أنه عرس (١)، ألا ترى فزعهم حين أدركهم النبي ﷺ يصلون؟ ! فدل على أنهم لم يبادروا إلى أول الوقت، ولا أخروها آخره، والأشبه: أنهم انتظروه إلى الوقت المعهود؛ بدليل قوله: فغبطهم أن صلوا الصلاة لوقتها، فلما خرج ذلك الوقت؛ تأولوا أنه صلى، أو أخذ طريقًا أخرى، أو أنه عرس، فقدموا عبد الرحمن، وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفى على متأملٍ. والمطهرة الإناء الذي يتطهر به. ويحسُر عن ذراعيه يكشف عنهما. والناصية مقدمُ شعر الرأس. و(قوله في حديث بلال: مسح على الخفين والخمار) الخمار هنا: هي

стр. 529

(١٤) باب فعل الصلوات بوضوء واحد، وغسل اليدين عند القيام من النوم، وأن النوم ليس بحدث [٢١١] عَن بُرَيدَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَومَ الفَتحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَد صَنَعتَ اليَومَ شَيئًا لَم تَكُن تَصنَعُهُ. فَقَالَ: عَمدًا صَنَعتُهُ يَا عُمَرُ. ــ العمامة، سميت بذلك لتخميرها الرأس، شبهها بخمار المرأة. ولم يختلف من أجاز المسح على العمامة في منع المرأة على خمارها، إلا بشيء روي عن أم سلمة، وعن أنس في مسحه على القلنسوة. وفرق ما بين العمامة والخمار عندهم أن العمامة يشق نزعها، لا سيما إن كانت بحنك، ولورود الرخصة فيها عندهم، ولم يرد في الخمار للمرأة، والله أعلم. (١٤) ومن باب: فعل الصلوات بوضوء واحد (قوله: عمدًا فعلته يا عمر) أي: قصدًا ليبين للناس: أنه يجوز أن يصلى بوضوء واحد صلوات، وهذا أمر لا خلاف فيه، وعليه ما ذهب إليه بعض الناس: أن الوضوء لكل صلاة كان فرضًا خاصًّا بالنبي ﷺ ، وأنه نسخ ذلك بفعله هذا. قال الشيخ: ولا يصح أنه كان فرضًا على النبي ﷺ ، وإنما كان يفعله ابتغاء لفضيلة التجديد، كما في حديث أنس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة طاهرًا وغير طاهر، قيل لأنس: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كنا نتوضأ وضوءًا واحدًا (١). خرّجه الترمذي، وقال: إنه صحيح.

стр. 530

رواه مسلم (٢٧٧)، وأبو داود (١٧٢)، والترمذي (٦١)، والنسائي (١/ ٨٦). [٢١٢] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا استَيقَظَ أَحَدُكُم مِن نَومِهِ. فَلا يَغمِس يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغسِلَهَا ثَلاثًا. فَإِنَّهُ لا يَدرِي أَينَ بَاتَت يَدُهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤١)، والبخاري (١٦٢)، ومسلم (٢٣٨)، وأبو داود (١٠٣ - ١٠٥)، والترمذي (٢٤)، والنسائي (١/ ٦ - ٧). ــ و(قوله: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء) تمسك داود والطبري بظاهر هذا الخبر؛ فأوجبا اليدين على من قام من النوم ليلاً أو نهارًا للوضوء، وحكما بأن الماء ينجس إن لم يغسل يديه قبل أن يدخلهما فيه. وخَصَّه ابن حنبل وبعض أهل الظاهر بنوم الليل خاصّة؛ لأنهما فَهِما من لفظ البيات نوم الليل؛ لما رواه أبو داود في هذا الحديث حيث قال: إذا استيقظ أحدكم من الليل، وذكر الحديث. وذهب الجمهور إلى أن ذلك على جهة الاستحباب؛ بدليل تعليله في آخره بقوله: فإنه لا يدري أين باتت يده. ومعنى ذلك: أن يد النائم تجول في مغابنه ومواضع استجماره، وأعراقه، فقد يتعلق باليد منها شيء، فيؤدي إلى إفساد الماء، على قول من يرى أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، أو إلى عيافته على قول من يرى أنها لا تنجسه إلا أن تغيره. واحتج أصحاب الشافعي بهذا الحديث على الفرق بين ورود النجاسة على الماء، وبين ورود الماء على النجاسة، ولا يصح لهم ذلك حتى يصح لهم أن هذا الحديث يفيد أن قليل النجاسة ينجس الماء وإن لم تغيره، وذلك ممنوع؛ فإنه يحتمل أن يكون نهيه عن ذلك؛ لأنه يصير الماء مما يعاف، لا أنه ينجس، والله تعالى أعلم. ومن هذا الحديث فهم أشهبُ أن حكم غسل اليد في الوضوء الاستحباب للشاك في نظافة يده، وقد قدمنا مأخذ ابن القاسم.

стр. 531

[٢١٣] وَعَن أنسٍ؛ قَالَ: أُقِيمت الصَلاةُ، والنبي ﷺ يُناجِي رَجُلاً، لَم يَزل يُناجِيهِ حَتى نَامَ أَصحَابُهُ. ثُمَ جَاءَ فَصَلَى بِهِم. وَلَم يَذكُر وَضُوءا. رواه البخاري (٦٤٢)، ومسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٥٤٢)، والترمذي (٥١٧ و ٥١٨)، والنسائي (٢/ ٨١). ــ و(قوله: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلاً) أي: يحادثه سرًّا. و(قوله: حتى نام أصحابه) يعني: أنهم ناموا جلوسًا، وقد روى أبو داود عنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون (١)، وهذا يدل على أن النوم ليس بحدث؛ إذ لو كان حدثًا كما ذهب إليه المزني وابن القاسم - فيما حكى عنه أبو الفرج - لاستوى قليله وكثيره، كالبول والغائط. وهذا النوم في هذه الأحاديث هو الخفيف المعبر عنه بالسُّنَّة التي ذكر الله تعالى في قوله تعالى: لَا تَأخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَومٌ، والذي قال فيه بعض شعراء العرب (٢): وسنَان أقصده النعاسُ فَرنَّقَت ... في عينه سِنةٌ وليس بنائم وقال المفضل: السنة في الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب، وهذا أصل الوضع، وقد يتجوز فيقال على الجميع نوم، كما جاء في الحديث: إن عيني تنامان ولا ينام قلبي (٣)، وكما قد أطلق النوم في حديث أنس هذا على السِّنة. وذهب الجمهور إلى أن المُستثقل من النوم ناقضٌ للوضوء، من حيث كان مظنّة للحدث، كما جاء في حديث ابن عباس: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله (٤). وفي حديث علي: وكاء السَّه العينان، فمن

стр. 532

[٢١٤] وَعَنهُ؛ قَالَ: كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنَامُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ، وَلا يَتَوَضَّئُونَ. رواه مسلم (٣٧٦)، وأبو داود (٢٠٠)، والترمذي (٧٨). * * * (١٥) باب إذا ولغ الكلب في الإناء أريق الماء، وغسل الإناء سبع مرات [٢١٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُم، فَليُرِقهُ، ثُمَّ لِيَغسِلهُ سَبعَ مِرَارٍ. ــ نام فليتوضأ (١). وقد حكي إجماع العلماء على أن ما أزال العقل من الجنون والإغماء ناقض للوضوء، والنوم المستثقل يزيل العقل فيكون مثلهما، وقد شذ أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، فكانا ينامان مضطجعين ثم لا يتوضآن. وقد تؤوَّل ذلك عليهما: بأنه كان خفيفًا. وما دون الاستثقال اختلف فيه على تفصيل يعرف في الفقه، والله أعلم. (١٥) ومن باب إذا ولغ الكلب في الإناء (قوله: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله) في الصحاح: ولغ الكلب في الإناء، يَلَغُ ولوغًا: إذا شرب ما فيه بطرف لسانه، ويُولَغُ: إذا أولغه صاحبه. قال الشاعر (٢): ما مر يومٌ إلا وَعِندَهُما ... لحم رجالٍ أو يُولغان دَمَا

стр. 533

وَفِي لَفظٍ آخَر: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُم إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلبُ، أَن يَغسِلَهُ ــ وحكى أبو زيد: ولغ الكلب بشرابنا، وفي شَرابِنا، ومن شَرابِنا، ويقال: ليس شيء من الطيور يلغ غير الذباب. وقد تمسك الشافعي بظاهر الأمر بالغسل والإراقة، وبقوله: طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله على أن الكلب نجس، وعلى أن ذلك الماء والإناء نجسان؛ بسبب لعابه، ومع ذلك فلا بد عنده من غسل الإناء سبعًا، وذهب أبو حنيفة إلى القول بأن ذلك للنجاسة، ويكفي غسل الماء مرة واحدة. والمشهور من مذهب مالك: أن ذلك للتَعبُّد لا للنجاسة، وهو قول الأوزاعي وأهل الظاهر؛ بدليل دخول العدد السبع، ولو كان للنجاسة لاكتفي فيه بالمرة الواحدة؛ وبدليل جواز أكل ما صاده الكلب من غير غسل. وذهب بعض أصحابنا: إلى أن ذلك لكون الكلب مستقذرًا منهيًّا عن مخالطته، وقَصَرَ هذا الحكم على الكلب المنهي عن اتخاذه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه استنبط من اللفظ ما خصصه من غير دليل منفصل عنه. وذهب أبو الوليد بن رُشد: إلى أن ذلك مُعَلَّلٌ بما يتقى من أن يكون الكلب كلبًا، واستدل على هذا بأن هذا العدد السبع قد جاء في مواضع من الشرع على جهة الطب والتداوي، كما قال: من تصبح كل يوم بسبع تمرات من عجوة المدينة لم يضره ذلك اليوم سم (١)، ولقوله ﷺ في مرضه: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن (٢)، ومثل هذا كثير، وقد أورد على هذا: أن الكلب لا يقرب الماء، وانفصل عن ذلك حفيده صاحب كفاية المقتصد: بأن ذلك لا يكون إلا في حال تمكن ذلك الداء به، وأما

стр. 534

سَبعَ مَرَّاتٍ. أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ. رواه أحمد (٢/ ٣٦٠ و ٣٩٨ و ٥٠٨)، والبخاري (١٧٢)، ومسلم (٢٧٩)، وأبو داود (٧١ - ٧٣)، والترمذي (٩١)، والنسائي (١/ ١٧٦ - ١٧٧). [٢١٦] وَعَنِ ابنِ المُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتلِ الكِلابِ. ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُم وَبَالُ الكِلابِ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلبِ الصَّيدِ وَكَلبِ الغَنَمِ. ــ في مباديه فيقرب الماء ويشربه، وأولى هذه الأقوال كلها ما صار إليه مالك: في أنه تعبد؛ لا للنجاسة، وأنه عام في جنس الكلاب، وفي جنس الأواني. وينبني على هذا الاختلاف في التعليل: الاختلاف في فروع كثيرة تُعرف في الفقه. و(قوله: أولاهن بالتراب) هذه الزيادة ليست من رواية مالك، ولذلك لم يقل بها، وقد قال بها جماعة من العلماء، وقد رواه أبو داود وقال: السابعة بالتراب. وفي حديث عبد الله بن مغفل وغيره عن النبي ﷺ قال: عفروه الثامنة بالتراب، وبهذه الثامنة قال أحمد، فهذه الزيادة مضطربة. ولذلك لم يأخذ بها مالك، ولا أحد من أصحابه (١). وأمره ﷺ بقتل الكلاب، إنما كان لما كثرت وكثر ضررها، ثم لما قتل أكثرها، وذهب ضررها أنكر قتلها، فقال: ما بالهم وبال الكلاب؟ ويحتمل: أن يكون ذلك ليقطع عنهم عادة إِلفِهِم لها؛ إذ كانوا قد ألفوها ولابَسُوها كثيرًا. و(قوله: وأرخص في كلب الصيد والغنم) يعني: في اتخاذه، وغيرها لا يتخذ، وإن لم يُقتل، وهو الذي من اتخذه نقص من عمله كل يوم قيراط، وذلك لما يُروع ويُؤذي، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

стр. 535

وَقَالَ: إِذَا وَلَغَ الكَلبُ فِي الإِنَاءِ فَاغسِلُوهُ سَبعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ. رواه أحمد (٤/ ٨٦)، ومسلم (٢٨٠)، وأبو داود (٧٤)، والنسائي (١/ ١٧٧). * * * (١٦) باب النهي أن يبال في الماء الراكد وصب الماء على البول في المسجد ٢٨٢ - [٢١٧] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُم فِي المَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغتَسِلُ مِنهُ. رواه أحمد (٢/ ٣٤٦ و ٣٦٢)، والبخاري (٢٣٩)، ومسلم (٢٨٢)، وأبو داود (٦٩ و ٧٠)، والترمذي (٦٨)، والنسائي (١/ ٤٩). ــ (١٦) ومن باب: النهي عن البول في الماء الراكد (قوله: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) يعني به: الذي لا يجري. وقد جاء في لفظ آخر: الراكد أي: الساكن. و(قوله: ثم يغتسل منه) الرواية الصحيحة: يغتسلُ برفع اللام، ولا يجوز نصبها؛ إذ لا ينتصب بإضمار أن بعد ثُم. وبعض الناس قيده: ثم يغتَسِل مجزومة اللام على العطف على: لا يبولن، وهذا ليس بشيء؛ إذ لو أراد ذلك لقال: ثم لا يغتَسلنَّ؛ لأنه إذ ذاك يكون عطف فعل على فعل، لا عطف جملة على جملة، وحينئذ يكون الأصل مساواة الفعلين في النهي عنهما، وتأكيدهما بالنون الشديدة،

стр. 536

[٢١٨] وَعَنهُ؛ قَالَ: قاَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لا يَغتَسِل أَحَدُكُم فِي المَاءِ ــ فإن المحل الذي توارَد عليه هو شيء واحد، وهو الماء، فعُدُوله عن ثم لا يغتسلن إلى ثم يغتسل دليل على أنه لم يرد العطف، وإنما جاء: ثم يغتسل على التنبيه على مآل الحال، ومعناه: أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه، فيمتنع عليه استعماله، لما وقع فيه من البول، وهذا مثل قوله ﷺ : لا يضرب أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها (١)، برفع يضاجعها، ولم يروه أحد بالجزم، ولا يتخيله فيه؛ لأن المفهوم منه: أنه إنما نهاه عن ضربها؛ لأنه يحتاج إلى مضاجعتها في ثاني حال، فتمتنع عليه لما أساء من معاشرتها، فيتعذر عليه المقصود لأجل الضرب، وتقدير اللفظ: ثم هو يضاجعها، وثم هو يغتسل. وهذا الحديث حجة لمن رأى أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء، وإن لم تُغيره، وهو أحد أقوال مالك، ومشهور مذهبه في رواية المدنيين أنه طهور، لكنه مكروه مع وجود غيره. ويصح أن يحمل هذا الحديث على أنه إذا أبيح البول فيه أدى إلى تغيره، فحميت الذريعة بالنهي عن البول. ومذهب السلف والخلف أنه لا فرق بين النهي عن البول فيه وبين صب بول فيه، ولا بين البول والغائط، وسائر النجاسات كلها. وذهب من أذهبه الله عن فهم الشريعة، وأبقاه في درجة العوام، وهو داود من المتقدمين، وابن حزم من المتأخرين المجترئين: على أن ذلك مقصورٌ على البول فيه خاصة، فلو صب فيه بولاً أو عذِرَةً جاز ولم يضر ذلك الماء، وكذلك لو بال خارج الماء فجرى إلى الماء لم يضره عندهما، ولم يتناوله النهي، ومن التزم هذه الفضائح وجمد هذا الجمود، فحقيق ألاّ يعد من العلماء، بل ولا في الوجود، ولقد أحسن القاضي أبو بكر ﵀ حيث قال: إن أهل

стр. 537

الدَّائِمِ وهو جُنُبٌ، فَقَالَ: كَيفَ يَفعَلُ يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ فقَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلاً. رواه مسلم (٢٨٣)، والنسائي (١/ ١٩٧). [٢١٩] وَعَن أَنَس بن مَالِكٍ؛ قَالَ: بَينَمَا نَحنُ فِي المَسجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذ جَاءَ أَعرَابِيٌّ، فَقَامَ يَبُولُ فِي المَسجِدِ. فَقَالَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : مَه مَه. قَالَ: قَالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : لا تُزرِمُوهُ، دَعُوهُ ــ الظاهر ليسوا من العلماء، ولا من الفقهاء، فلا يعتد بخلافهم، بل هم من جملة العوام، وعلى هذا جل الفقهاء والأصوليين. ومن اعتد بخلافهم، إنما ذلك لأن من مذهبه أنه يعتبر خلاف العوام؛ فلا ينعقد الإجماع مع وجود خلافهم. والحق: أنه لا يعتبر إلا خلاف من له أهلية النظر والاجتهاد، على ما يذكر في الأصول. و(قول أبي هريرة لما قيل له: كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً) يعني: أن يتناول منه، فيغتسل خارجه، ولا ينغمس فيه، وهذا كما قال مالك، حيث سئل عن نحو هذا، فقال: يحتال. وهذا كله محمول على غير المستبحر (١). وأما إذا كان كثيرا مستبحرًا بحيث لا يتغير فلا بأس به؛ إذ لم يتناوله الخبر. وللإجماع على أن الماء إذا كان بحيث لا تسري حركة المغتسل أو المتوضئ إلى جميع أطرافه فإنه لا تضره النجاسة إذا لم تغيره، وهو أقصى ما فرق بين القليل والكثير في المياه، والله تعالى أعلم. و(قوله: مه مه) هي: اسم من أسماء الأفعال، بمعنى كُفّ، وهي ساكنة الهاء، ويقال: به به بالباء بدل الميم، فإن وَصَلتَه نَوّنتَ مَهٍ مَهٍ، ويقال: مَهمَهتُ به؛ أي زجرته. ولا تزرموه: بتقديم الزاي، أي: لا تقطعوا عليه بوله، يقال: زَرِمَ بوله،

стр. 538

فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ. ثُمَّ إِنَّ رسولَ الله ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ المَسَاجِدَ لا تَصلُحُ لِشَيءٍ مِن هَذَا البَولِ وَلا القَذَرِ، ــ بكسر الراء؛ أي: انقطع، وأزرمه غيره إزرامًا. وفي الحديث: لا تزرموا أي: لا تقطعوا عليه بوله (١). ويحتمل أمره بتركه أن يكون لئلا تنتشر النجاسة وتكثر، ولئلا يضره قطعُه، وليرفق به. وقد فرقت الشافعية بين ورود الماء على النجاسة وورود النجاسة على الماء تمسكًا بهذا الحديث، وبقوله ﵊: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢). فقالوا: إذا كان الماء دون القلتين فحلت به نجاسة تنجس، وإن لم تغيره، وإن ورد ذلك القدر فأقل على النجاسة فأذهب عينها بقي الماء على طهارته، وأزال النجاسة، وهذه مناقضة؛ إذ المخالطة قد حصلت في الصورتين، وتفريقهم بورود الماء على النجاسة وورودها عليه فرق صوري ليس فيه من الفقه شيء، وليس الباب من باب التعبُدات، بل هو من باب عقلية المعاني، فإنه من باب إزالة النجاسة وأحكامها، ثم هذا كله منهم يرده قوله ﵊: الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو رائحته أو طعمه (٣). و(قوله: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر) حجة لمالك في منع إدخال الميت المسجد وتنزيهها عن الأقذار جملة، فلا يقص فيها شعر، ولا ظفر، ولا يتسوك فيها؛ لأنه من باب إزالة القذر، ولا يتوضأ فيها، ولا يؤكل فيها طعامٌ منتن الرائحة، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى.

стр. 539

إِنَّمَا هِيَ لِذِكرِ اللهِ، وَالصَّلاةِ، وَقِرَاءَةِ القُرآنِ، أو كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلاً مِنَ القَومِ، فَجَاءَ بِدَلو مِن مَاءٍ، فَشَنَّهُ عَلَيهِ. رواه أحمد (٣/ ١٩١)، والبخاري (٦٠٢٥)، ومسلم (٢٨٤)، والنسائي (١/ ٤٨). * * * (١٧) باب نضح بول الرضيع [٢٢٠] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يُؤتَى بِالصِّبيَانِ، فَيُبَرِّكُ عَلَيهِم وَيُحَنِّكُهُم، ــ و(قوله: إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) حجة لمالك: في أن المساجد لا يفعل فيها شيء من أمور الدنيا، إلا أن تدعو ضرورة أو حاجة إلى ذلك، فيتقدر بقدر الحاجة فقط، كنوم الغريب فيه وأكله. و(قوله: فجاء بدلو من ماء فشنه عليه) يروى بالسين وبالشين؛ أي: صبه، وفرّق بعضهم بينهما فقال: السين مهملة: صبٌّ في سهولة، ومعجمة: صبٌّ في تفريق، ومنه حديث عمر: كان يسن الماء على وجهه ولا يشنه (١)، وفيه حجة للجمهور: على أن النجاسة لا يطهرها الجفوف بل الماء، خلافًا لأبي حنيفة. (١٧) ومن باب: نضح بول الرضيع (٢) (قوله: كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنكهم) يبرِّك عليهم يدعو

стр. 540

فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَتبَعَهُ بَولَهُ وَلَم يَغسِلهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: بِصَبِيٍّ يَرضَعُ. رواه أحمد (٦/ ٤٦)، والبخاري (٥٤٦٨)، ومسلم (٢٨٦)، والنسائي (١/ ١٥٧). ــ لهم بالبركة. ويحنكهم يمضغ التمر، ثم يدلكه بحنك الصبي. وكل ذلك تبرُّك بالنبي ﷺ . ويؤخذ منه التبرك بأهل الفضل، واغتنام أدعيتهم للصبيان عند ولادتهم. و(قوله: فأتي بصبي فبال عليه) تعسَّف بعضهم وقال: إن الضمير عائدٌ على الصبي نفسه، وهذا وإن كان هذا اللفظ صالحًا له، غير أن في حديث أم قيس: فبال في حجر رسول الله ﷺ فبطل ذلك التأويل. و(قوله: فدعا بماء فأتبعه بوله ولم يغسله) يعني: رَشَّه عليه، وقد روي: فصبه عليه ونضحه، وكلها بمعنى واحد. واستدل بهذا الحديث: على طهارة بول الصبي الذي لم يأكل الطعام - الذكر دون الأنثى -: الشافعي، وأحمد، والحسن، وابن وهب. ورواها الوليد بن مسلم عن مالك، وحكي ذلك عن أبي حنيفة، وقتادة، وتمسكوا أيضًا بما رواه النسائي عن أبي السمح مرفوعًا: يُغسَلُ من بول الجارية ويرش من بول الغلام (١) وهو صحيح. ومشهور مذهب مالك وأبي حنيفة (٢): القول بنجاسة بول الذكر والأنثى، وهو قول الكوفيين، تمسكًا بقوله ﵊: استنزهوا من البول فإن

стр. 541

[٢٢١] وَعَن أُمِّ قَيسٍ بِنتِ مِحصَنٍ؛ أَنَّهَا أَتَت رسولَ الله ﷺ بِابنٍ لَهَا لم يَبلُغ، أن يَأكُلِ الطَّعَامَ، فَبَال فِي حَجرِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوبِهِ، وَلَم يَغسِلهُ غَسلاً. رواه البخاري (٥٧١٨)، ومسلم (٢٨٧)، وأبو داود (٣٧٤)، والترمذي (٧١)، والنسائي (١/ ١٥٧). * * * ــ عامة عذاب القبر منه (١)، وبقوله في حديث القبرين: كان لا يستتر من البول (٢)، وهو عموم. وقد روي عن مالك القول بطهارة بول الذكر والأنثى، وهو شاذٌّ في النقل والنظر، وذلك أن مُستنَده قياس الأنثى على الذكر، وقد فرق النص الصحيح بينهما، فالقياس فاسد الوضع. قال الشيخ ﵀: والعجب ممن يستدل برش بول الصبي، أو بالأمر بنضحه على طهارته، وليس فيه ما يدل على ذلك! وغاية دلالته على التخفيف في نوع طهارته؛ إذ قد رُخِّص في نضحه ورشه، وعفا عن غسله تخفيفًا، وخصَّ بهذا التخفيف الذكر دون الأنثى؛ لملازمتهم حمل الذُكرَان؛ لفرط فرحهم بهم، ومحبتهم لهم، والله أعلم. * * *

стр. 542

(١٨) باب غَسلِ المَنِيّ مِنَ الثَّوبِ وغسلِ دَمِ الحَيضِ [٢٢٢] عَن عَلقَمَةَ وَالأَسوَدِ؛ أَنَّ رَجُلاً نَزَلَ بِعَائِشَةَ، فَأَصبَحَ يَغسِلُ ثَوبَهُ. فَقَالَت عَائِشَةُ: إِنَّمَا كَانَ يُجزِئُكَ أن رَأَيتَهُ أَن تَغسِلَ مَكَانَهُ، فَإِن لَم تَرَ نَضَحتَ حَولَهُ، ولَقَد رَأَيتُنِي أَفرُكُهُ مِن ثَوبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَركًا، فَيُصَلِّي فِيهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَت: هَل رَأَيتَ فِيهِمَا؟ - يَعنِي: فِي ثَوبَيك شَيئًا -، قُلتُ: لا. قَالَت: فَلَو رَأَيتَ شَيئًا غَسَلتَهُ. لَقَد رَأَيتُنِي وَإِنِّي لأَحُكُّهُ مِن ثَوبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَابِسًا بِظُفُرِي. رواه أحمد (٦/ ٩٧ و ١٣٥)، والبخاري (٢٢٩)، ومسلم (٢٨٨) و (٢٩٠)، وأبو داود (٣٧١ - ٣٧٣)، والترمذي (١١٧ و ١١٨)، والنسائي (١/ ٥٦). ــ (١٨) ومن باب: غسل المني (قولها: إنما كان يُجزئك أن رأيته أن تغسل مكانه) يجزئك: يكفيك، وأن رأيته بفتح الهمزة روايتنا، ووجهها: أنها مفعولة بإسقاط حرف الجر، تقديره: لأن رأيته، أو: مِن أجل، وهي مع الفعل بتأويل المصدر، وكذلك: أن تغسل مكانه، مفتوحة أيضًا على تأويل المصدر، وهو الفاعل بيجزئك. وهذا من عائشة يدل: على أن المني نجسٌ، وأنه لا يجزئ فيه إلا غسله، فإنها قالت: إنما وهي من حروف الحصر، ويؤيد هذا ويوضحه قولها: فإن لم تر نضحت حوله. فإن النَّضحَ إنما مشروعيتُه حيث تحققت النجاسة، وشك في الإصابة؛ كما قال عمر بن

стр. 543

[٢٢٣] وَعَن سُلَيمَانَ بن يَسَارٍ؛ قَالَ: أَخبَرَتنِي عَائِشَةُ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَغسِلُ المَنِيَّ ثُمَّ يَخرُجُ إِلَى الصَّلاةِ فِي ذَلِكَ الثَّوبِ. وَأَنَا أَنظُرُ إِلَى أَثَرِ الغَسلِ فِيهِ. رواه البخاري (٢٣٠)، ومسلم (٢٨٩)، وأبو داود (٣٧٣)، والترمذي (١١٧)، والنسائي (١/ ١٥٦)، وابن ماجه (٥٣٦). ــ الخطاب ﵁، حيث أصبح يغسل جنابةً من ثوبه، فقال: أَغسِلُ ما رأيتُ، وأنضحُ ما لم أر (١). وهذا مذهب السلف وجمهور العلماء. وذهب الشافعي وكثير من المحدثين: إلى أنه طاهر؛ متمسكين بقول عائشة: لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه، وبقولها: ولقد رأيتُني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابسًا بظفري، وهذا لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنها إنما ذكرت ذلك مُحتجة به على فُتياها، بأنه لا يجزئ فيه إلا الغسل فيما رؤي منه، والنضح فيما لم يُرَ، ولا تتقرر حجتها إلا بأن تكون فركته وحكته بالماء، وإلا ناقضَ دليلها فُتياها. وثانيهما: أنها قد نصّت في الطريق الأخرى: أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه. لا يقال: كان غسله إياه مبالغة في النظافة؛ لأنا نقول: الظاهر من غسله للصلاة وانتظار جفافه وخروجه إليها وفي ثوبه بُقَع الماء؛ أن ذلك إنما كان لأجل نجاسته، وأيضًا: فإن مناسبة الغسل للنجاسة أصلية؛ إذ هي المأمور بغسلها، فحمل الغسل على قصد النجاسة أولى، ألا ترى أن الشافعية استدلوا على نجاسة الكلب بالأمر بغسل الإناء منه، ولم يعرجوا على احتمال كونه للنظافة، وكذلك نقول نحن في

стр. 544

[٢٢٤] وَعَن أَسمَاءَ؛ قَالَت: جَاءَتِ امرَأَةٌ إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَت: إِحدَانَا يُصِيبُ ثَوبَهَا مِن دَمِ الحَيضَةِ. كَيفَ تَصنَعُ بِهِ؟ قَالَ: تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقرُصُهُ بِالمَاءِ، ثُمَّ تَنضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ. رواه أحمد (٦/ ٣٤٦ و ٣٥٣)، والبخاري (٢٢٧)، ومسلم (٢٩١)، وأبو داود (٣٦٠ - ٣٦٢)، والترمذي (١٣٨)، والنسائي (١/ ١٥٥). * * * ــ غسل المني، ثم نقول: هب أن هذا الغسل يحتمل أن يكون للنجاسة، ويحتمل أن يكون للنظافة، وحينئذ يكون مجملاً لا يستدل به لا على طهارته، ولا على نجاسته، لكنا عندنا ما يدل على نجاسته، وهو أنه يمر في ممر البول، ثم يخرج فيتنجس بالمرور في المحل النجس، وهذا لا جواب عنه على أصل الشافعية عند الإنصاف. قالوا: بول النبي ﷺ وسائر فضلاته طاهرٌ طيبٌ، قلنا: لم يصح عند علمائنا في هذا شيء، والأصل: أن النبي ﷺ واحد من البشر، وهو مُسَاو لسائر المكلفين في الأحكام، إلا ما ثبت فيه دليل خصوصيته، سلمنا ذلك، لكن فغيره يكون منيهُ نجسًا بالمرور على ما ذكرنا، فإن قالوا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون طاهرًا كالتراب، قلبناه عليهم، فقلنا: المني أصلٌ لخلق الإنسان فيكون نجسًا كالعلقة. فإن قالوا كيف يكون نجسًا وقد خلق منه الأنبياء والأولياء؟ قلنا: وكيف يكون طاهرًا وقد خلق منه الكفرة والضلاّل والأشقياء، فبالذي ينفصلون به ننفصل. و(قوله ﵊: تحته ثم تقرصه) رويناه مشددًا ومخففًا، والحت: الحك. والقرص، والتقريص: هو تقطيعه (١) بأطراف الأصابع ليتحلل بذلك، ويخرج من الثوب. وقوله: ثم تنضحه، ذهب بعض الناس إلى أن النضح

стр. 545

(١٩) باب في الاستبراء من البول والتستر وما يقول إذا دخل الخلاء [٢٢٥] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبرَينِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ. ــ هنا معناه الغسل، وتأوله على ذلك، ولا حاجة إلى هذا التأويل، بل إنما معناه الرشُّ، وأما غسل الدم فقد علمها إياه؛ حيث قال لها: تحته ثم تقرصه بالماء، وأما النضح فهو فيما شكت فيه من الثوب، كما قالت عائشة في المني، ولذلك جمعنا بين حديث عائشة في غسل المني وبين حديث أسماء في غسل دم الحيضة، حتى يتبين أن الكيفية المأمور بها في غسلهما واحدة، وأنهما متساويتان في النجاسة. ويدل هذا الحديث على أن قليل دم الحيض وكثيره سواء في وجوب غسل جميعه، من حيث لم يفرق بينهما في محل البيان، ولو كان حكمهما مختلفًا لفصله ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إجماعًا، وهو مشهور مذهب مالك، وقد قال مالك ﵀: قد سماه الله أذى، وهو يخرج من مخرج البول. (١٩) ومن باب الاستبراء من البول (قوله: وما يعذبان في كبير) أي: عندكم، وهو عند الله كبيرٌ، كما جاء في البخاري: وإنه لكبير أي: عند الله، وهذا مثل قوله تعالى: وَتَحسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وقد تقدم الكلام على النَّمام في الإيمان. والنميمة: هي القالة التي ترفع عن قائلها ليتضرر بها قائلها.

стр. 546

وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَستَتِرُ مِن بَولِهِ، قَالَ: فَدَعَا بِعَسِيبٍ رَطبٍ فَشَقَّهُ بِاثنَينِ. ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفُ عَنهُمَا، مَا لَم يَيبَسَا. ــ و(قوله: وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) أي: لا يجعل بينه وبين بوله سُترة حتى يتحفظ منه، كما قال في الرواية الأخرى: لا يستنزه عن البول أي: لا يتباعد منه. وهذا يدل على أن القليل من البول ومن سائر النجاسات والكثير منه سواء، وهو مذهب مالك وعامة الفقهاء، ولم يخفَّفوا في شيء من ذلك إلا في اليسير من دم غير الحيض خاصةً. واختلف أصحابنا في مقدار اليسير، فقيل: هو قدر الدرهم البغلي (١). وقيل: قدر الخنصر، وجعل أبو حنيفة قدر الدرهم من كل نجاسة معفو عنه، قياسًا على المخرجين، وقال الثوري: كانوا يرخصون في القليل من البول، ورخص الكوفيون في مثل رؤوس الإبرِ من البول. وفيه دليلٌ على أن إزالة النجاسة واجبة متعينة، وكذلك في قوله: استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه (٢). وقد تخيل الشافعي في لفظ البول العموم، فتمسك به في نجاسة جميع الأبوال، وإن كان بول ما يؤكل لحمه. وقد لا يسلم له أن الاسم المفرد للعموم، ولو سلم ذلك، فذلك إذا لم يقترن به قَرِينةُ عهدٍ، وقد اقترنت هاهنا، ولئن سُلم له ذلك فدليل تخصيصه حديث إباحة شرب أبوال الإبل للعرنيين، وإباحة الصلاة في مرابض الغنم، وطوافه ﵊ على بعير، وسيأتي. و(قوله: فدعا بعسيب رطب) العسيب من النخل: كالقضيب مما سِواهَا، والرطب: الأخضر. و(قوله: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا) اختلف العلماء في تأويل هذا

стр. 547

وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الآخَرُ لا يَستَنزِهُ عَنِ البَولِ أو مِنَ البَولِ. رواه البخاري (١٣٧٨)، ومسلم (٢٩٢)، وأبو داود (٢٠ و ٢١)، والترمذي (٧٠)، والنسائي (١/ ٢٨ - ٣٠). [٢٢٦] وَعَن أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلاءَ - فِي ــ الفعل، فمنهم من قال: أوحي إليه أنه يخفف عنهما ما داما رطبين، وهذا فيه بُعدٌ؛ لقوله: لعله، ولو أوحي إليه لما احتاج إلى الترجي. وقيل: لأنهما ما داما رطبين يسبحان، فإن رطوبتهما حياتهما، وأخذ من هذا التأويل جواز القراءة والذكر على القبور. وقيل: لأن النبي ﷺ شفع لهما، ودعا بأن يخفف عنهما، ما داما رطبين، وقد دل على هذا حديث جابر الذي يأتي في آخر الكتاب في حديث القبرين، قال فيه: فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ذلك، ما دام القضيبان رطبين (١)، فإن كانت القضية واحدة - وهو الظاهر - فلا مزيد على هذا في البيان. و(قوله: فإذا دخل الخلاء) أصل الخلاء: الخلوة، وهي الخلو، كنى به عن الحدث؛ لأنه يُفعَل في خلوةٍ. والكنيف: الساتر. وقوله: إذا دخل أي: أراد أن يدخل، وقد جاء هذا أيضًا في البخاري هكذا: إذا أراد أن يدخل، ويخرج من هذا: كراهة ذكر الله تعالى، وقراءة القرآن في هذه المواضع المعتادة للحدث، فلو لم يتعوذ عند الدخول ناسيًا، فهل يتعوذ بعد الدخول أم لا؟ فعن مالك في ذلك قولان، وكرهه جماعة من السلف كابن عباس، وعطاء، والشعبي. وأجاز ذكر الله تعالى في الكنيف، وعلى كل حال، جماعة كعبد الله بن عمر، وابن سيرين، والنخعي، متمسكين بقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه (٢).

стр. 548

رِوَايَةٍ: الكَنِيفَ - قَالَ: اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبثِ وَالخَبَائِثِ. رواه أحمد (٣/ ٩٩)، والبخاري (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو داود (٤)، والترمذي (٥)، والنسائي (١/ ٢٠)، وابن ماجه (٢٩٦). * * * ــ وكذلك اختلفوا في دخول الخلاء بالخاتم فيه اسم الله تعالى. و(قوله: أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ، وقد تقدم. و(قوله: من الخبث والخبائث) رويناه: ساكن الباء ومضمومها. قال ابنُ الأعرابي: الخبيث في كلام العرب: المكروه. وهو ضد الطيب. قال أبو الهيثم: الخُبث - بالضم -: جمع خبيث، وهو الذَّكرُ من الشياطين، والخبائث: جمع الخبيثة، وهي الأنثى منهم، ويعني: أنه تعوذ من ذكورهم وإناثهم، ونحوه قال الخطابي. وقال الداودي: الخبيث: الشيطان، والخبائث: المعاصي. وأما بسكون الباء فقيل فيه: إنه المكروه مطلقًا، وقيل: إنه الكفر. والخبائث: الشياطين، قاله ابن الأنباري. وقيل: الخبائث: البول والغائط، كما قال: لا تدافعوا الأخبثين: الغائط والبول في الصلاة (١). وقد روى أبو داود في المراسيل عن الحسن: أنه ﵊ كان إذا أراد الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث المخبث، الرجس النجس، الشيطان الرجيم (٢)، فأتى بالخبيث للجنس، وأكده بالمخبث، والعرب تقول: خبيثٌ مخبثٌ، ومخبثان إذا بالغت في ذلك.

стр. 549

(٢٠) باب ما يحل من الحائض ٢٩٣ - [٢٢٧] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَت إِحدَانَا، إِذَا كَانَت حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَن تَأتَزِرَ فِي فَورِ حَيضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. ــ (٢٠) ومن باب ما يحل من الحائض (قوله: أمرها أن تأتزِرَ في فورِ حيضتها) الائتزارُ: شد الإزار على الوسط إلى الركبة، وقال ابن القصَّار: من السرة إلى الركبة، وهذا منه ﷺ مبالغة في التحرز من النجاسة، وإلا فالحماية تحصُل بخرقة تحتشي بها. وفور الحيضة: معظم صبها، من فوران القِدر والبحر، وهو غليانهما. قال ابن عرفة: والمحيض والحيض: اجتماع الدم إلى ذلك المكان، وبه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، يقال: حاضت المرأة، وتحيضت حيضًا ومحاضًا ومحيضًا، إذا سال الدم منها في أوقات معلومة، فإذا سال في غيرها قيل: استحيضت، فهي مستحاضة، قال: ويقال: حاضت المرأة، وتحيضت، ودرست، وعركت، وطمثت. قال غيره: ونفست، بفتح النون وكسر الفاء، وحكي في النون الضم، وقيل: في قوله تعالى: وَامرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَت؛ أي: حاضت؛ وقيل: سُمي المحيض حيضًا من قولهم: حاضت السمرة: إذا خرج منها ماء أحمر. قال الشيخ: ويحتمل أن يكون قولهم: حاضت السمرة (١) تشبيهًا بحيض المرأة، والله تعالى أعلم. و(قوله: ثم يباشرها) أي: تلتقي بشرتاهما، والبشرة: ظاهر الجلد، والأَدَمَةُ: باطنه، ويعني بذلك: الاستمتاع بما فوق الإزار والمضاجعة، كما قال ﷺ للذي سأله عما يحل له من امرأته الحائض، فقال: لتشُدَّ عليها إزارها،

стр. 550

قَالَت: وأَيُّكُم يَملِكُ إِربَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَملِكُ إِربَهُ. رواه البخاري (٣٠٢)، ومسلم (٢٩٣)، وأبو داود (٢٦٨ و ٢٧٣)، والترمذي (١٣٢)، والنسائي (١/ ١٨٩). [٢٢٨] وَعَن مَيمُونَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوقَ الإِزَارِ، وَهُنَّ حُيَّضٌ. رواه البخاري (٣٠٣)، ومسلم (٢٩٥)، وأبو داود (٢٦٧)، والنسائي (١/ ١٨٩ - ١٩٠). [٢٢٩] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: بَينَمَا أَنَا مُضطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ــ ثم شأنك فأعلاها (١)، وهذا مبالغة في الحماية، وأما المحرمُ لنفسِهِ فهو الفَرجُ، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من السلف وغيرهم. و(قولها: وأيكم يملك إربه) قيدناه بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة وفتح الراء، وكلاهما له معنى صحيحٌ، وإن كان الخطابي قد أنكر الأول على المحدثين، ووجه الأوّل أن الإرب هو العضو، والآراب: الأعضاء، فكنّت به عن شهوة الفرج؛ إذ هو عضو من الأعضاء، وهذا تكلف، بل في الصحاح أن الإرب: العضو والدهاء والحاجة أيضًا، وفيه لغات: إربٌ وإربةٌ وأربٌ ومأربةٌ، ويقال: هو ذو أربٍ؛ أي: ذو عقل، فقولها: يملك إربه بالروايتين، يعني: حاجته للنساء. وقول أم سلمة (٢) في الخميلة أي القطيفة، قاله ابن دُريد. وقال الخليل: الخميلة: ثوب له خملٌ، أي: هُدب.

стр. 551

فِي الخَمِيلَةِ، إِذ حِضتُ، فَانسَلَلتُ، فَأَخَذتُ ثِيَابَ حيضَتِي، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَنَفِستِ؟ قُلتُ: نَعَم. فَدَعَانِي، فَاضطَجَعتُ مَعَهُ فِي الخَمِيلَةِ. قَالَت: وَكَانَت هِيَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَغتَسِلان فِي الإِنَاءِ الوَاحِدِ مِنَ الجَنَابَةِ. رواه أحمد (٦/ ٢٩٤ و ٣٠٠ و ٣١٨)، والبخاري (٢٩٨)، ومسلم (٢٩٦)، والنسائي (١/ ١٤٩ - ١٥٠). ــ و(قولها: فأخذت ثياب حيضتي) بفتح الحاء كذا قرأناه، تعني بها الدم، وقد قيده بعض الناس بكسر الحاء، يعني به الهيئة والحالة، كما تقول العرب: هو حَسنُ القعدَة والجلسَة، وكذا قاله الخطابي في قوله ﵊: إن حيضتك ليست في يدك: أن صوابه بكسر الحاء. وعاب على المحدثين الفتح، وعيبه معابٌ؛ لأن الهيئة هنا غير مرادة، وإنما هو الدم في الموضعين. و(قوله: أنفست؟ قيدناه بضم النون وفتحها. قال الهروي وغيره: نُفِست المرأة ونفِست إذا ولدت، وإذا حاضت قيل: نَفَسَت بفتح النون لا غير، فعلى هذا يكون ضم النون هنا خطأ، فإن المراد به هنا الحيض قطعًا، لكن حكى أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين في الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، فعلى هذا تصحُّ الروايتان. وأصل ذلك كله من خروج الدم، وهو المسمى: نفسًا، كما قال (١): تَسِيلُ على حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنا ... وليست (٢) على غَيرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ

стр. 552

[٢٣٠] وَعَن عَائِشَةَ، قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخرِجُ إِلَيَّ رَأسَهُ مِنَ المَسجِدِ، وهو مُجَاوِرٌ، فَأَغسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. رواه أحمد (٦/ ١٨١)، والبخاري (٢٩٥)، ومسلم (٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٧ - ٢٤٦٩)، والترمذي (٨٠٤)، والنسائي (١/ ١٩٣). [٢٣١] وَعَنهَا؛ قَالَت: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : نَاوِلِينِي الخُمرَةَ مِنَ المَسجِدِ قَالَت: فَقُلتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: إِنَّ حَيضَتَكِ لَيسَت فِي يَدِكِ. رواه أحمد (٦/ ١٠١ و ١٠٦ و ١٧٣)، ومسلم (٢٩٨)، وأبو داود (٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١/ ١٩٢). ــ و(قولها: كان رسول الله ﷺ يخرج إليَّ رأسه من المسجد وهو مجاورٌ) أي: معتكفٌ، وكذا جاء في رواية أخرى. و(قوله: ناوليني الخُمرةَ من المسجد) الخُمرة: حصير ينسج من الخُوصٍ يُسجَدُ عليه، سُمي بذلك؛ لأنه يخمر الوجه، أي: يستره، وهو أصل هذا الحرف، وقد اختلف في هذا المجرور الذي هو من المسجد بماذا يتعلق؟ فعلقته طائفة بـ ناوليني، واستدلوا به على جواز دخول الحائض المسجد للحاجة تعرض لها، إذا لم يكن على جسدها نجاسة، ولأنها لا تمنع من المسجد إلا مخافة ما يكون منها، وإلى هذا نحا محمد بن مسلمة من أصحابنا، وبعض المتأخرين: إذا استثفرت، ومتى خرج منها شيء في الثفر (١) لم تدخله، تنزيها للمسجد عن النجاسة. وعلقته طائفة أخرى بقولها: قال لي رسول الله ﷺ : من المسجد ناوليني الخمرة على التقديم والتأخير، وعليه المشهور من مذاهب العلماء، أنها

стр. 553

[٢٣٢] وَعَنهَا؛ قَالَت: كُنتُ أَشرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ، فَيَشرَبُ. وَأَتَعَرَّقُ العَرقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوضِعِ فِيَّ. رواه أحمد (٦/ ٢١٠)، ومسلم (٣٠٠)، وأبو داود (٢٥٩)، والنسائي (١/ ١٤٨). [٢٣٣] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّكِئُ فِي حِجرِي فَيَقرَأُ القُرآنَ، وَأَنَا حَائِضٌ. رواه أحمد (٦/ ١١٧ و ١٣٥)، والبخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١)، وأبو داود (٢٦٠)، والنسائي (١/ ١٩١). ــ لا تدخل المسجد لا مقيمة ولا عابرة؛ لقوله ﵊: لا أُحل المسجد لحائض ولا جنب، خرجه أبو داود (١)، وبأن حَدَثها أفحش من حدث الجنابة، وقد اتفق على أن الجنب لا يلبث فيه، وإنما اختلفوا في جواز عبوره فيه، والمشهور من مذاهب العلماء منعه، والحائض أولى بالمنع. قال الشيخ ﵀: ويحتمل: أن يريد بالمسجد هنا مسجد بيته الذي كان يتنفل فيه. و(قولها: وأتعرق العرق) أي: العظم الذي عليه اللحم، وجمعه عراق، وأتعرقه: آكل ما عليه من اللحم. وهذه الأحاديث متفقة على الدلالة على أن الحائض لا ينجس منها شيء، ولا يُجتنب منها إلا موضع الأذى فحسب، والله تعالى أعلم. و(قولها: كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري فيقرأ القرآن وأنا حائض)

стр. 554

[٢٣٤] وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ اليَهُودَ كَانُوا - إِذَا حَاضَتِ المَرأَةُ فِيهِم - لَم يُؤَاكِلُوهَا وَلَم يُجَامِعُوهنَّ فِي البُيُوتِ. فَسَأَلَ أَصحَابُ النَّبِيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنزَلَ اللهُ: وَيَسأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى فَاعتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ. . . إِلَى آخِرِ الآيَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ــ كذا صوابه عند الرواة كلهم هنا، وفي البخاري. ووقع للعذري: في حجرتي بضم الحاء وبالتاء باثنتين من فوق، وهو وهم، وقد استدل بعض العلماء على جواز قراءة الحائض القرآن، وحملها المصحف. وفيه بُعد، لكن جواز قراءة الحائض للقرآن عن ظهر قلب، أو نظر في المصحف، ولا تمسه، هي إحدى الروايتين عن مالك، وهي أحسنها تمسكًا بعموم الأوامر بالقراءة، وبأصل ندبية مشروعيتها. ولا يصح ما يذكر في منعها القراءة من نهيه ﵊ الحائض عن قراءة القرآن، وقياسها على الجنب ليس بصحيح، فإن أمرها يطول، وليست متمكنة من رفع حدثها، فافترقا. ويؤخذ من قراءته ﵊ القرآن في حجر الحائض جواز استناد المريض إلى الحائض في صلاته؛ إذا كانت أثوابها طاهرة، وهو أحد القولين عندنا. وصحيح الرواية: وأنا حائض بغير هاء ووقع عند الصدفي حائضةٌ والأول أفصح، وهذه جائزة؛ لأنها جارية على الفعل، كما قال الأعشى: أيا جارتا بِينِي فإنك طالقة (١) ... . . . . . . . . . . . . . . . . . وكما قال: وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً وللنحاة في الأول وجهان:

стр. 555

اصنَعُوا كُلَّ شَيءٍ إِلا النِّكَاحَ فَبَلَغَ ذَلِكَ اليَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَن يَدَعَ مِن أَمرِنَا شَيئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشرٍ فَقَالا: يَا رسولَ الله! إِنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. أَفَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَن قَد وَجَدَ عَلَيهِمَا، فَخَرَجَا فَاستَقبَلهُمَا هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرسَلَ فِي آثَارِهِمَا، فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَن لَم يَجِد عَلَيهِمَا. رواه أحمد (٣/ ٢٤٦)، ومسلم (٣٠٢)، وأبو داود (٢١٦٥)، والترمذي (٢٩٨١)، والنسائي (١/ ١٥٢). * * * ــ أحدهما: أن حائض وطالق ومرضع مما لا شركة فيه للمذكر، فاستغنى عن العلامة. والثاني - وهو الصحيح -: أن ذلك على طريق النسب؛ أي: ذات حيض ورضاع وطلاق، كما قال تعالى: السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ؛ أي: ذات انفطار. وتغير وجه رسول الله ﷺ من قول أُسيد بن الحُضير وعباد بن بشر إنما كان ليبين: أن الحامل على مشروعية الأحكام إنما هو أمر الله ونهيه، لا مخالفة أحد ولا موافقته، كما ظنا، ثم لما خرجا من عنده وتركاه على تلك الحالة، خاف عليهما أن يحزنا، وأن يتكدر حالهما، فاستدرك ذلك واستمالهما، وأزال عنهما ما أصابهما، بأن أرسل إليهما فسقاهما اللبن رأفة ورحمة منه لهما، على مقتضى خُلقِه الكريم، كما قال تعالى: بِالمُؤمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ.

стр. 556

(٢١) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه ٣٠٣ - [٢٣٥] عَن عَلِيٍّ ﵁؛ قَالَ: كُنتُ رَجُلاً مَذَّاءً، وَكُنتُ أَستَحيِي أَن أَسأَلَ رَسُولَ الله ﷺ ؛ لِمَكَانِ ابنَتِهِ، فَأَمَرتُ المِقدَادَ بنَ الأَسوَدِ. ــ (٢١) ومن باب الوضوء من المذي (١) (قول علي ﵁: كنت رجلاً مذاءً) أي: كثير المذي، كما جاء عنه في كتاب أبي داود قال: كنت ألقى من المذي شدّة، فكنت أغتسل منه حتى تشقق ظهري (٢). والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة والتذكار، أكثر خروجه من العَزب، وهو نجسٌ باتفاق العلماء، إلا ما يحكى عن أحمد بن حنبل من أنه طاهر كالمني عنده، وهو خلافٌ شاذٌ، وقد تقدم القول في نجاسة المني، ويقال فيه: مَذي، بسكون الذال وتخفيف الياء. ومَذِيٌّ بكسر الذال، وتشديد الياء، ويقال: مذَى وأَمذَى، لغتان. و(قوله: فأمرت المقداد بن الأسود) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، وإنما نسب للأسود لأنه كان في حجره، وكان قد تبناه، وقيل: حالفه، وجاء في رواية أخرى: أرسلنا المقداد إلى رسول الله ﷺ ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به؟ وهذا يدل على أنه لم يحضر مجلس السؤال، ويتوجه على هذا إشكال، وهو أن يقال: كيف اكتفى بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع تمكنه من الوصول إلى اليقين بالمشافهة؟ ويلزم منه جواز الاجتهاد مع القدرة على النص، والجواب أن نقول: يحتمل أن يكون مع أمره بالذهاب إلى

стр. 557

فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَغسِلُ ذَكَرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَوَضَّأ، وَانضَح فَرجَكَ. ــ رسول الله ﷺ وإرساله حضر مجلس السؤال والجواب، ولو سلمنا عدم ذلك قلنا: إن العمل بخبر الواحد جائزٌ مع إمكان الوصول إلى اليقين، إذا كان في الوصول إلى اليقين كلفة ومشقة، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتناوبون حضور مجلس رسول الله ﷺ لسماع ما يطرأ فيه، ويحدِّثُ من حضر لمن غاب، والنبي ﷺ كان يوجه ولاته وأمراءه ليعلموا الناس العلم آحادًا؛ مع تمكنه من إرسال عدد التواتر، أو أمره أن يرتحل إليه عدد التواتر لِيَسمعوا منه، ولم يفعل ذلك إسقاطًا للمشقة، ومجانبة للتعنيت والكلفة، ولذلك قال تعالى: فَلَولَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرقَةٍ مِنهُم طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، والطائفة لا يحصل العلم بخبرهم إذ الفرقة أقلها ثلاثة. والطائفة منهم واحد أو اثنان، ولا يلزم على ذلك تجويز الاجتهاد مع وجود النص؛ لأنهم ﵃ لم يجتهدوا إلا حيث فقدوا النصوص القاطعة والمظنونة، وذلك لأن الظن الحاصل من نصوص أخبار الآحاد أقوى من الظن الحاصل عن الاجتهاد، وبيان ذلك: أن الوهم إنما يتطرق إلى أخبار الآحاد من جهة الطريق، وهي جهة واحدة، ويتطرق إلى الاجتهاد من جهات متعددة فانفصلا، والله أعلم. و(قوله: يغسل ذكره ويتوضأ) ظاهر هذا أنه يغسل جميع ذكره؛ لأن الاسم للجملة، وهو رأي المغاربة من أصحابنا، وهل ذلك للعبادة فيفتقر إلى نية، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج؟ قولان لأبي العباس الإبياني وأبي محمد بن أبي زيد. وذهب بعض العراقيين من أصحابنا: إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء. و(قوله في الرواية الأخرى: توضأ وانضح فرجك) النضح هنا: هو الغسل

стр. 558

رواه أحمد (١/ ٧٩)، والبخاري (٢٦٩)، ومسلم (٣٠٣)، وأبو داود (٢٠٦ - ٢٠٩)، والترمذي (١١٤)، والنسائي (١/ ٩٦ - ٩٧). * * * (٢٢) باب وضوء الجنب إذا أراد النوم أو معاودة أهله [٢٣٦] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَن يَنَامَ وهو جُنُبٌ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ قَبلَ أَن يَنَامَ. وَفِي رِوَايَةٍ: إذا أَرَادَ أَن يَأكُلَ أو يَنَامَ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ. رواه أحمد (٦/ ١٩٢)، والبخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥)، وأبو داود (٢٢٢ - ٢٢٨)، والترمذي (١١٨ و ١١٩)، والنسائي (١/ ١٣٨). [٢٣٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ استَفتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَل يَنَامُ أَحَدُنَا وهو جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَم. لِيَتَوَضَّأ، ثُمَّ لِيَنَم، حَتَّى يَغتَسِلَ إِذَا شَاءَ. ــ المذكور في الرواية المتقدمة، والواو غير مرتبة، ويحتمل أن يريد به: أن يرش ذكره بعد غسله أو وضوئه؛ لينقطع أصل المذي أو يقل، والله أعلم. (٢٢) ومن باب: وضوء الجنب إذا أراد النوم (قول عائشة: أنه ﵊: كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة) يدل على بطلان قول من قال: إنه الوضوء اللغوي. و(قوله: ليتوضأ ثم لينم) حجة لمن قال بوجوب وضوء الجنب عند نومه،

стр. 559

رواه أحمد (١/ ١٦)، والبخاري (٢٨٧)، ومسلم (٣٠٦)، وأبو داود (٢٢١)، والترمذي (١٢٠)، والنسائي (١/ ١٤٠). [٢٣٨] وَعن عَبدِ اللهِ بنِ أبي قَيسٍ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَائِشَةَ عَن وِترِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ الحَدِيثَ. قَالَ: قُلتُ: كَيفَ كَانَ يَصنَعُ فِي الجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغتَسِلُ قَبلَ أَن يَنَامَ أَم يَنَامُ قَبلَ أَن يَغتَسِلَ؟ قَالَت: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَفعَلُ. رُبَّمَا اغتَسَلَ فَنَامَ وَرُبَّمَا تَوَضَّأَ فَنَامَ. قُلتُ: الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمرِ سَعَةً. رواه أحمد (٦/ ٢٧٣)، ومسلم (٣٠٧)، وأبو داود (٢٢٦)، والنسائي (١/ ٢٣٨). ــ وهو قول كثير من أهل الظاهر، وهو مروي عن مالك، وروي عنه: أنه مندوب إليه، وعليه الجمهور، وهو الصحيح؛ إذ قد روى الترمذي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان ينام وهو جنب لا يمس ماء (١). وقد روت عنه أنه كان يتوضأ قبل أن ينام، فكان وضوؤه كغسله، فإنه كان ربما يغتسل قبل النوم، وربما يغتسل بعد النوم كما قد روت عنه. وغسل الجنب قبل النوم ليس بواجب إجماعًا بل مندوبٌ إليه، فيكون الوضوء كذلك. ثم هل معنى ذلك حُكمٌ غير معللٍ فيقتصر به على محله، أو هو معلل؟ فمن أصحابنا من قال: هو معللٌ بما عساه ينشط فيغتسل، ومنهم من علَّله بأنه ليبيت على إحدى الطهارتين، وعلى هذا التعليل الثاني تتوضأ الحائض، ولا تتوضأ على التعليل الأول. وأما وضوء الجنب عند الأكل؛ فظاهر مساق حديث عائشة يقتضي أن يكون ذلك الوضوء هو وضوء الصلاة، فإنها جمعت بين الأكل والنوم في الوضوء. وقد

стр. 560

[٢٣٩] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ اللَّيلِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ غَسَلَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ نَامَ. رواه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣) و (٣٠٤)، وابن ماجه (٥٠٨). [٢٤٠] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا أَتَى أَحَدُكُم أَهلَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَن يُعَاوِد، فَليَتَوَضَّأ بَينَهُمَا وُضُوءًا. رواه مسلم (٣٠٨)، وأبو داود (٢٢٠)، والترمذي (١٤١)، والنسائي (١/ ١٤٢). ــ حُكي أن ابن عمر كان يأخذ بذلك عند الأكل، والجمهور على خلافه، وأن معنى وضوئه عند الأكل: غسل يديه، وذلك لما يخاف أن يكون أصابهما أذى. وقد روى النسائي عن عائشة هذا مفسرًا، فقالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنبٌ توضأ، وإذا أراد أن يأكل أو يشرب قالت: غسل يديه، ثم يأكل أو يشرب (١). و(قول ابن عباس: إن النبي ﷺ قام من الليل فقضى حاجته) المراد بالحاجة هنا: الحدث؛ لأنه هو الذي يمكن أن يطَّلِعَ عليه ابن عباس، وأيضًا فهو الذي يقام له، ويحتمل أن تكون حاجته إلى أهله، ويخبر بذلك ابن عباس عمن أخبره بذلك من زوجات النبي ﷺ ، ويقصد بذلك: بيان أن الجنب لا يجب عليه أن يتوضأ للنوم الوضوء الشرعي، والله تعالى أعلم. و(قوله: إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود فليتوضأ بينهما وضوءًا) ذهب بعض أهل الظاهر إلى أن هذا الوضوء - هنا - هو الوضوء العرفي، وأنه

стр. 561

[٢٤١] وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسلٍ وَاحِدٍ. رواه البخاري (٢٦٧)، ومسلم (٣٠٩)، وأبو داود (٢١٨)، والترمذي (١٤٠)، والنسائي (١/ ١٤٣). * * * ــ واجبٌ، واستحبه أحمد وغيره. وذهب الفقهاء وأكثر أهل العلم إلى أنه غسل الفرج فقط، مبالغة في النظافة واجتنابًا لاستدخال النجاسة. ويستدل على ذلك بأمرين: أحدهما: أنه قد روى هذا الحديث ليث بن أبي سليم من حديث عمر، وقال فيه: فليغسل فرجه (١) مكان: فليتوضأ بينهما وضوءًا. وثانيهما: أن الوطء ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإن أصل مشروعيته للقرب والعبادات، والوطء ينافيه، فإنه للملاذ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعًا لأجل الوطء لشُرع في الوطء المبتدأ، فإنه من نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطخ به الذكر من نجاسة ماء الفرج والمني، فإنه مما يكره ويستثقل عادة وشرعًا، والله أعلم. و(قول أنس: كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد) هذا يحتمل أن يكون من النبي ﷺ عند قدومه من سفر، أو عند تمام الدوران عليهن وابتداء دور آخر، فدار عليهن ليلةً، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة اليوم، أو يكون ذلك خصوصًا به، وإلا فوطء المرأة في يوم ضرتها ممنوع منه، وقد ظهرت خصائصه

стр. 562

(٢٣) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل [٢٤٢] عَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: جَاءَت أَمُّ سُلَيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنَّ اللهَ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ. فَهَل عَلَى المَرأَةِ مِن غُسلٍ إِذَا احتَلَمَت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نعم، إِذَا رَأَتِ المَاءَ، فَقَالَت أُمُّ ــ في هذا الباب كثيرًا، هذا مع أنه ﵊ لم يكن القسم عليه بينهن واجبًا؛ لقوله تعالى: تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ لكنه ﷺ كان قد التزمه لهن تطييبًا لأنفسهن، ولتقتدي أمته بفعله، والله تعالى أعلم. ويجوز الجمع بين الزوجات والسراري في غسل واحد، وعليه جماعة السلف والخلف، وإن كان الغسل بعد كل وطء أكمل وأفضل؛ لما رواه النسائي عن أبي رافع قال: طاف رسول الله ﷺ على نسائه، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلاً واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر (١). (٢٣) ومن باب: وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل (قول أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره، وأصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يطلع منه على

стр. 563

سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَتَحتَلِمُ المَرأَةُ؟ فَقَالَ: تَرِبَت يَدَاكِ، فَبِمَ يُشبِهُهَا وَلَدُهَا؟ . رواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و ٣٠٢)، ومسلم (٣١٠)، والنسائي (١/ ١١٢). ــ مستقبح، وهو في حق الله تعالى: عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه. و(قوله: تربت يداك) أي: افتقرت، قال الهروي: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفي الصحاح: ترب الشيء بالكسر: أصابه التراب، ومنه ترب الرجل: افتقر؛ كأنه لصق بالتراب، قال: وأترب الرجل: استغنى، كأنه صار ماله من الكثرة بقدر التراب. وتأول مالك قوله ﵊ لعائشة: تربت يداك بمعنى الاستغناء، وكذلك قال عيسى بن دينار، وقال ابن نافع: معناه: ضعف عقلك. وقال الأصمعي: معناه: الحض على تعلم مثل هذا، كما يقال: انجُ ثكلتك أمك. وقيل: تربت يداك: أصابها التراب، ولم يرد الفقر. والصحيح: أن هذا اللفظ وشبهه تجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء به. وهذا مذهب أبي عبيد في هذه الكلمات وما شابهها. وقد أحسن البديع في بعض رسائله، وأوضح هذا المعنى فقال: وقد يوحش اللفظ وكله ودٌّ، ويكره الشيء وما من فعله بدٌّ، هذه العرب تقول: لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتله الله، ولا يريدون به الذم، وويل أمه، للأمر إذا تم. وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن خَشُنَ، وإن كان عدوًّا فهو البلاء وإن حسن. قال الشيخ: وعلى تقدير كونه دعاءً على أصله، مقصودًا للنبي ﷺ على بُعده، فقد قال ﷺ : اللهم من دعوت عليه أو سببته أو لعنته - يعني: من

стр. 564

[٢٤٣] وَفِي رِوَايَةٍ: فَمِن أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبيَضُ، وَمَاءَ المَرأَةِ رَقِيقٌ أَصفَرُ. فَمِن أَيِّهِمَا عَلا، أو سَبَقَ، يَكُونُ مِنهُ الشَّبَهُ. رواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (٣١١) عن أم سُليم. ــ المسلمين - فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (١). وإنكار أم سلمة وعائشة على أم سليم قضية احتلام النساء، تدل على قلة وقوعه من النساء. و(قوله: فمن أين يكون الشبه) يروى بكسر الشين وسكون الباء، وفتح الشين والباء لغتان، كما يقال: مِثل، ومَثَل، ومعنى ذلك مفسر في حديث عائشة وثوبان، وما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض. و(قوله: فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) أي: فمن أجل علو أو سبق أحدهما يكون الشبه. ويحتمل: أن يقال: إن من زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تزاد في الواجب بتقدير أيهما. ويحتمل أن يكون أو شكًّا من أحد الرواة. ويحتمل أن يكون تنويعًا؛ أي: أيَّ نوعٍ كان منهما، كان منه الشبه، كما قال الشاعر: فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل أي: أحد النوعين لا بد منه. وسبق أي: بادر بالخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: سَبقَ إلى الرحم (٢). ويحتمل أن يكون بمعنى: غلب، من قولهم:

стр. 565

[٢٤٤] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ امرَأَةً قَالَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : هَل تَغتَسِلُ المَرأَةُ إِذَا احتَلَمَت وَأَبصَرَتِ المَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَم، فَقَالَت لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَت يَدَاكِ. وَأُلَّت. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعِيهَا. وَهَل يَكُونُ الشَّبَهُ إِلا مِن قِبَلِ ذَلِكِ؟ إِذَا عَلا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشبَهَ الوَلَدُ أَخوَالَهُ. وَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشبَهَ الولد أَعمَامَهُ. ــ سابقني فلان فسبقته؛ أي: غلبته، ومنه قوله تعالى: وَمَا نَحنُ بِمَسبُوقِينَ؛ أي: مغلوبين، فيكون معناه: يكثر. و(قوله في الرواية الأخرى: إذا علا ماؤُها ماءَ الرجل أشبه الولد أخوالهُ، وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه الولد أعمامهُ) مقتضى هذا: أن العُلو يقتضي الشبه، وقد جعل العلو في حديث ثوبان الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إذا علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة، والشبه للأعمام والأنوثة، فتعين تأويل أحد الحديثين، والذي يتعين تأويله: العلو الذي في حديث ثوبان (١)، فيقال: إن ذلك العلو معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة (٢). ووجهه: أن العلو لما كان معناه الغلبة، كما فسرناه، وكان السابق عاليًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيد هذا التأويل أنه قد روي في غير كتاب مسلم: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا (٣).
следующие страницы →