[٢٤١] وَعَن أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسلٍ وَاحِدٍ.
رواه البخاري (٢٦٧)، ومسلم (٣٠٩)، وأبو داود (٢١٨)، والترمذي (١٤٠)، والنسائي (١/ ١٤٣).
* * *
ــ
واجبٌ، واستحبه أحمد وغيره. وذهب الفقهاء وأكثر أهل العلم إلى أنه غسل الفرج فقط، مبالغة في النظافة واجتنابًا لاستدخال النجاسة. ويستدل على ذلك بأمرين:
أحدهما: أنه قد روى هذا الحديث ليث بن أبي سليم من حديث عمر، وقال فيه: فليغسل فرجه (١) مكان: فليتوضأ بينهما وضوءًا.
وثانيهما: أن الوطء ليس من قبيل ما شرع له الوضوء، فإن أصل مشروعيته للقرب والعبادات، والوطء ينافيه، فإنه للملاذ والشهوات، وهو من جنس المباحات، ولو كان ذلك مشروعًا لأجل الوطء لشُرع في الوطء المبتدأ، فإنه من نوع المعاد، وإنما ذلك لما يتلطخ به الذكر من نجاسة ماء الفرج والمني، فإنه مما يكره ويستثقل عادة وشرعًا، والله أعلم.
و(قول أنس: كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد) هذا يحتمل أن يكون من النبي ﷺ عند قدومه من سفر، أو عند تمام الدوران عليهن وابتداء دور آخر، فدار عليهن ليلةً، أو يكون ذلك عن إذن صاحبة اليوم، أو يكون ذلك خصوصًا به، وإلا فوطء المرأة في يوم ضرتها ممنوع منه، وقد ظهرت خصائصه
стр. 562
(٢٣) باب وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل
[٢٤٢] عَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: جَاءَت أَمُّ سُلَيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنَّ اللهَ لا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ. فَهَل عَلَى المَرأَةِ مِن غُسلٍ إِذَا احتَلَمَت؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : نعم، إِذَا رَأَتِ المَاءَ، فَقَالَت أُمُّ
ــ
في هذا الباب كثيرًا، هذا مع أنه ﵊ لم يكن القسم عليه بينهن واجبًا؛ لقوله تعالى: تُرجِي مَن تَشَاءُ مِنهُنَّ وَتُؤوِي إِلَيكَ مَن تَشَاءُ لكنه ﷺ كان قد التزمه لهن تطييبًا لأنفسهن، ولتقتدي أمته بفعله، والله تعالى أعلم.
ويجوز الجمع بين الزوجات والسراري في غسل واحد، وعليه جماعة السلف والخلف، وإن كان الغسل بعد كل وطء أكمل وأفضل؛ لما رواه النسائي عن أبي رافع قال: طاف رسول الله ﷺ على نسائه، فجعل يغتسل عند هذه وعند هذه، فقلت: يا رسول الله! لو جعلته غسلاً واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر (١).
(٢٣) ومن باب: وجوب الغسل على المرأة إذا رأت في المنام مثل ما يرى الرجل
(قول أم سليم: إن الله لا يستحيي من الحق) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره، وأصل الحياء: انقباض واحتشام يجده الإنسان عندما يطلع منه على
стр. 563
سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَتَحتَلِمُ المَرأَةُ؟ فَقَالَ: تَرِبَت يَدَاكِ، فَبِمَ يُشبِهُهَا وَلَدُهَا؟ .
رواه أحمد (٦/ ٢٩٢ و ٣٠٢)، ومسلم (٣١٠)، والنسائي (١/ ١١٢).
ــ
مستقبح، وهو في حق الله تعالى: عبارة عن الامتناع عن مثل ذلك الفعل المستحيا منه.
و(قوله: تربت يداك) أي: افتقرت، قال الهروي: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب: إذا استغنى، وفي الصحاح: ترب الشيء بالكسر: أصابه التراب، ومنه ترب الرجل: افتقر؛ كأنه لصق بالتراب، قال: وأترب الرجل: استغنى، كأنه صار ماله من الكثرة بقدر التراب. وتأول مالك قوله ﵊ لعائشة: تربت يداك بمعنى الاستغناء، وكذلك قال عيسى بن دينار، وقال ابن نافع: معناه: ضعف عقلك. وقال الأصمعي: معناه: الحض على تعلم مثل هذا، كما يقال: انجُ ثكلتك أمك. وقيل: تربت يداك: أصابها التراب، ولم يرد الفقر. والصحيح: أن هذا اللفظ وشبهه تجري على ألسنة العرب من غير قصد الدعاء به. وهذا مذهب أبي عبيد في هذه الكلمات وما شابهها. وقد أحسن البديع في بعض رسائله، وأوضح هذا المعنى فقال:
وقد يوحش اللفظ وكله ودٌّ، ويكره الشيء وما من فعله بدٌّ، هذه العرب تقول: لا أبا لك للشيء إذا أهم، وقاتله الله، ولا يريدون به الذم، وويل أمه، للأمر إذا تم. وللألباب في هذا الباب أن تنظر إلى القول وقائله، فإن كان وليًّا فهو الولاء وإن خَشُنَ، وإن كان عدوًّا فهو البلاء وإن حسن.
قال الشيخ: وعلى تقدير كونه دعاءً على أصله، مقصودًا للنبي ﷺ على بُعده، فقد قال ﷺ : اللهم من دعوت عليه أو سببته أو لعنته - يعني: من
стр. 564
[٢٤٣] وَفِي رِوَايَةٍ: فَمِن أَينَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبيَضُ، وَمَاءَ المَرأَةِ رَقِيقٌ أَصفَرُ. فَمِن أَيِّهِمَا عَلا، أو سَبَقَ، يَكُونُ مِنهُ الشَّبَهُ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٢)، ومسلم (٣١١) عن أم سُليم.
ــ
المسلمين - فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة (١). وإنكار أم سلمة وعائشة على أم سليم قضية احتلام النساء، تدل على قلة وقوعه من النساء.
و(قوله: فمن أين يكون الشبه) يروى بكسر الشين وسكون الباء، وفتح الشين والباء لغتان، كما يقال: مِثل، ومَثَل، ومعنى ذلك مفسر في حديث عائشة وثوبان، وما ذكره من صفة الماءين إنما هو في غالب الأمر واعتدال الحال، وإلا فقد تختلف أحوالهما للعوارض.
و(قوله: فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه) أي: فمن أجل علو أو سبق أحدهما يكون الشبه. ويحتمل: أن يقال: إن من زائدة على قول بعض الكوفيين: إنها تزاد في الواجب بتقدير أيهما. ويحتمل أن يكون أو شكًّا من أحد الرواة. ويحتمل أن يكون تنويعًا؛ أي: أيَّ نوعٍ كان منهما، كان منه الشبه، كما قال الشاعر:
فقالوا لنا ثنتان لا بد منهما ... صدور رماح أشرعت أو سلاسل
أي: أحد النوعين لا بد منه. وسبق أي: بادر بالخروج، وقد جاء في غير كتاب مسلم: سَبقَ إلى الرحم (٢). ويحتمل أن يكون بمعنى: غلب، من قولهم:
стр. 565
[٢٤٤] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ امرَأَةً قَالَت لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : هَل تَغتَسِلُ المَرأَةُ إِذَا احتَلَمَت وَأَبصَرَتِ المَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَم، فَقَالَت لَهَا عَائِشَةُ: تَرِبَت يَدَاكِ. وَأُلَّت. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دَعِيهَا. وَهَل يَكُونُ الشَّبَهُ إِلا مِن قِبَلِ ذَلِكِ؟ إِذَا عَلا مَاؤُهَا مَاءَ الرَّجُلِ أَشبَهَ الوَلَدُ أَخوَالَهُ. وَإِذَا عَلا مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَهَا أَشبَهَ الولد أَعمَامَهُ.
ــ
سابقني فلان فسبقته؛ أي: غلبته، ومنه قوله تعالى: وَمَا نَحنُ بِمَسبُوقِينَ؛ أي: مغلوبين، فيكون معناه: يكثر.
و(قوله في الرواية الأخرى: إذا علا ماؤُها ماءَ الرجل أشبه الولد أخوالهُ، وإذا علا ماء الرجل ماءَها أشبه الولد أعمامهُ) مقتضى هذا: أن العُلو يقتضي الشبه، وقد جعل العلو في حديث ثوبان الآتي يقتضي الذكورة والأنوثة، فعلى مقتضى الحديثين يلزم اقتران الشبه للأعمام والذكورة إن علا مني الرجل، وكذلك يلزم إذا علا مني المرأة اقتران الشبه للأخوال والأنوثة؛ لأنهما معلولا علة واحدة، وليس الأمر كذلك، بل الوجود بخلاف ذلك؛ لأنا نجد الشبه للأخوال والذكورة، والشبه للأعمام والأنوثة، فتعين تأويل أحد الحديثين، والذي يتعين تأويله: العلو الذي في حديث ثوبان (١)، فيقال: إن ذلك العلو معناه: سبق الماء إلى الرحم والذكورة (٢). ووجهه: أن العلو لما كان معناه الغلبة، كما فسرناه، وكان السابق عاليًا في ابتدائه بالخروج قيل عليه: علا، ويؤيد هذا التأويل أنه قد روي في غير كتاب مسلم: إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل آنثا (٣).
стр. 566
رواه أحمد (٦/ ٩٢)، ومسلم (٣١٤)، وأبو داود (٢٣٧)، والنسائي (١/ ١١٢ - ١١٣).
* * *
ــ
وقد بنى القاضي أبو بكر بن العربي على اختلاف هذه الأحاديث بناء، فقال: إن للماءين أربعة أحوال:
الأول: أن يخرج ماء الرجل أولاً.
والثاني: أن يخرج ماء المرأة أولاً.
والثالث: أن يخرج ماء الرجل أولاً ويكون أكثر.
الرابع: أن يخرج ماء المرأة أولاً ويكون أكثر.
ويتم التقسيم: بأن يخرج ماء الرجل أولاً، ثم يخرج ماء المرأة بعده، فيكون أكثر، أو بالعكس، وبالعكس فإذا خرج ماء الرجل أولاً وكان أكثر، جاء الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه الولد أعمامه بحكم الكثرة، وإن خرج ماء المرأة أولاً وكان أكثر جاء الولد أنثى بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم الغلبة، وإن خرج ماء الرجل أولاً لكن لما خرج ماء المرأة بعده كان أكثر، كان الولد ذكرًا بحكم السبق، وأشبه أخواله بحكم غلبة ماء المرأة. وإن سبق ماء المرأة لكن لما خرج ماء الرجل وكان أعلى من ماء المرأة كان الولد أنثى بحكم سبق ماء المرأة، وأشبه أعمامه بحكم غلبة ماء الرجل. وقال: وبانتظام هذه الأقسام يستتب الكلام، ويرتفع التعارض عن هذه الأحاديث.
و(قوله في حديث عائشة: تربت يداك وأُلّت) بضم الهمزة وتشديد اللام؛ أي: أصيبت بالألة، وهي الحربة، يقال: ألّه يؤلّه ألاًّ؛ أي: طعنه بها.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الغسل إنما هو في الاحتلام من رؤية الماء لا من رؤية الفعل، وعلى أن الولد يكون من مجموع ماء الرجل وماء المرأة معًا، خلافًا لمن ذهب إلى أن الولد إنما هو من ماء المرأة، وأن ماء الرجل له عاقد كالأنفحة للبن، والله أعلم.
стр. 567
(٢٤) باب الولد من ماء الرجل وماء المرأة
[٢٤٥] عَن ثَوبَانَ؛ مَولَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: كُنتُ قَائِمًا عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَجَاءَ حِبرٌ مِن أَحبَارِ اليَهُودِ. فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَدَفَعتُهُ دَفعَةً كَادَ يُصرَعُ مِنهَا. فَقَالَ: لِمَ تَدفَعُنِي؟ فَقُلتُ: أَلا تَقُولُ يَا رسولَ الله! فَقَالَ اليَهُودِيُّ: إِنَّمَا نَدعُوهُ بِاسمِهِ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهلُهُ. فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اسمِي مُحَمَّدٌ الَّذِي سَمَّانِي بِهِ أَهلِي، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: جِئتُ أَسأَلُكَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيَنفَعُكَ شَيءٌ إِن حَدَّثتُكَ؟ قَالَ: أَسمَعُ بِأُذُنَيَّ. فَنَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعُودٍ مَعَهُ، فَقَالَ: سَل، فَقَالَ اليَهُودِيُّ: أَينَ يَكُونُ النَّاسُ يَومَ تُبَدَّلُ الأَرضُ غَيرَ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتُ؟ فَقَالَ
ــ
(٢٤) ومن باب: الولد من ماء الرجل والمرأة
الحبر: العالم، يقال بفتح الحاء وكسرها، فأما الحِبر للمداد فبالكسر لا غير.
ونكت النبي ﷺ الأرض بعود معه: هو ضربه فيها، وهذا العُود هو المسمّى: بالمخصرة، وهو الذي جرت عوائد رؤساء العرب وكبرائهم باستعمالها، بحيث تصل إلى خصره، ويشغل بها يديه من العبث، وإنما يفعل ذلك النكت المتفكرُ.
و(قوله: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض) هذا يدلّ على أن معنى هذا التبديل: إزالة هذه الأرض، والإتيان بأرض أخرى، لا كما قاله كثيرٌ من الناس: أنها تبدل صفاتها وأحوالها فتسوّى آكامها، وتغير صفاتها، وتُمد مدَّ الأديم، ولو كان هذا لما أشكل كون الناس فيها عند تبديلها، ولما جمعُوا على الصراط حينئذ.
وقد دل على صحة الظاهر المتقدم حديث عائشة؛ إذ سألت عن
стр. 568
رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُم فِي الظُّلمَةِ دُونَ الجِسرِ، قَالَ: فَمَن أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ، قَالَ اليَهُودِيُّ: فَمَا تُحفَتُهُم حِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: زِيَادَةُ كَبِدِ النُّونِ. قَالَ: فَمَا غِدَاؤُهُم عَلَى إِثرِهَا؟ قَالَ: يُنحَرُ لَهُم ثَورُ الجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأكُلُ مِن أَطرَافِهَا، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُم عَلَيهِ؟ قَالَ: مِن عَينٍ
ــ
هذا رسول الله ﷺ ؟ فقال مجيبًا لها: على الصراط (١). والأرض المبدلة هي الأرض التي ذكرها في حديث سهل بن سعد حيث قال: يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء، ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ (٢)، وهذا الحشر هو جمعهم فيها بعد أن كانوا على الصراط، والله أعلم.
وقال العكاظي: تُمد الأرض مدَّ الأديم، ثم يزجر الله الخلق زجرةَ، فإذا هم في الأرض الثانية، في مثل مواضعهم من الأرض الأولى، والله أعلم بكيفية ذلك.
والجسر - بفتح الجيم وكسرها -: ما يعبر عليه، وهو الصراط هنا. ودون بمعنى فوق، كما قال في حديث عائشة: على الصراط. والتحفة: ما يتحف به الإنسان من الفواكه والطُّرف، محاسنةً وملاطفةً. وزيادة الكبد قطعة منه كالإصبع. والنون الحوت، وقد جاء مفسرًا في حديث أبي سعيد: قال اليهودي: ألا أخبرك بإدامهم، قال: بلى. قال: إدامهم باللام ونون، قالوا: ما هذا؟ قال: ثور ونونٌ يأكل من زيادة كبدهما سبعون ألفًا (٣). وفي الصحاح: النون: الحوت، وجمعه: أنوان، ونينانٌ، وذو النون: لقب يونس ﵇.
و(قوله: فما غداؤهم) بفتح الغين وبالدال المهملة، وللسمرقندي: غذاؤُهُم بكسر الغين وبالذال المعجمة، والأظهر أنه تصحيف.
стр. 569
فِيهَا تُسَمَّى سَلسَبِيلاً، قَالَ: صَدَقتَ. قَالَ: وَجِئتُ أَسأَلُكَ عَن شَيءٍ لا يَعلَمُهُ أَحَدٌ مِن أهل الأَرضِ إِلا نَبِيٌّ، أو رَجُلٌ، أو رَجُلانِ. قَالَ: يَنفَعُكَ إِن حَدَّثتُكَ؟ قَالَ: أَسمَعُ بِأُذُنَيَّ. قَالَ: جِئتُ أَسأَلُكَ عَنِ الوَلَدِ؟ قَالَ: مَاءُ الرَّجُلِ أَبيَضُ، وَمَاءُ المَرأَةِ أَصفَرُ، فَإِن اجتَمَعَا، فَعَلا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ المَرأَةِ، أَذكَرَا بِإِذنِ اللهِ، وَإِذَا عَلا مَنِيُّ المَرأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ، آنَثَا بِإِذنِ اللهِ قَالَ اليَهُودِيُّ: لَقَد صَدَقتَ، وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَقَد سَأَلَنِي هَذَا عَنِ الَّذِي سَأَلَنِي عَنهُ، وَمَا لِي عِلمٌ بِشَيءٍ مِنهُ، حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ.
رواه مسلم (٣١٥).
* * *
ــ
و(قوله: تسمى سلسبيلاً) أي: سَلِسَةُ السَبيل، سهلة المَشرَع، يقال: شراب سَلسَلٌ، وسَلسَالٌ، وسَلسَبيلٌ. عن مجاهد وقيل عنه: شديد الجِريةِ، قال الشاعر (١):
. . . . . . . . . . . . ... كأسًا تصَفَّقُ بالرّحيق السَّلسَلِ (٢)
وقال قتادة: عين تنبع من تحت العرش من جنة عدن إلى الجنان.
و(قوله: لقد صدقت وإنك لنبيٌّ) يدل على أن مُجرَّدَ التصديق من غير التزام الشريعة ولا دخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يحكم له بالإسلام.
стр. 570
(٢٥) باب في صفة غسله ﵊ من الجنابة
[٢٤٦] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ. يَبدَأُ فَيَغسِلُ يَدَيهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: كَفَّيهِ ثَلاثًا -، ثُمَّ يُفرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغسِلُ فَرجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ يَأخُذُ المَاءَ، فَيُدخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَن قَدِ استَبرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ.
رواه أحمد (٦/ ٢٣٧)، والبخاري (٢٥٨)، ومسلم (٣١٦)، وأبو داود (٢٤٠ - ٢٤٤)، والترمذي (١٠٤)، والنسائي (١/ ١٣١).
ــ
(٢٥) ومن باب صفة غُسلِهِ ﷺ من الجنابة
(قوله: ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر) قيل: إنما فعل ذلك ليسهل دخول الماء إلى أصول الشعر، وقيل: ليتأنس بذلك حتى لا يجد بعده من صب الماء الكثير نفرة (١).
و(قوله: حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات) استبرأ أي: استقصى وبالغ، من قولهم: استبرأ الخبرُ. وحفن: أخذ وصب. الحفنات: جمع حفنة، وهي ملء الكفين من الطعام أو نحوه، وأصلها من الشيء اليابس كالدقيق والرمل ونحوه. يقال: حفنتُ لهُ حفنةً؛ أي: أعطيته قليلاً، قاله في الصحاح.
ولا يفهم من هذه الثلاث حفنات أنه غسل رأسه ثلاث مرات؛ لأن التكرار في الغسل غير مشروع؛ لما في ذلك من المشقة، وإنما كان ذلك العدد؛ لأنه بدأ بجانب رأسه الأيمن، ثم الأيسر، ثم على وسط رأسه، كما جاء في حديث
стр. 571
[٢٤٧] وَعَن مَيمُونَةَ؛ قَالَت: أَدنَيتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ غُسلَهُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ كَفَّيهِ مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ أَفرَغَ بِهِ عَلَى فَرجِهِ، وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرضَ فَدَلَكَهَا دَلكًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ أَفرَغَ عَلَى رَأسِهِ ثَلاثَ حَفنَاتٍ مِلءَ كَفهِ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَن مَقَامِهِ ذَلِكَ، فَغَسَلَ رِجلَيهِ، ثُمَّ أَتَيتُهُ بِالمِندِيلِ فَرَدَّهُ.
ــ
عائشة الآتي بعد هذا، وكما وقع في البخاري أيضًا من حديثها.
و(قوله: ثم أفاض الماء على سائر جسده) استدل (١) به من لم يشترط التدليك، وهو الشافعي، ولا حجة له فيه؛ لأن أفاض إنما معناه: غسل، كما جاء في حديث ميمونة الآتي بعد هذا.
: هو صب الماء على المغسول ودلكه، على ما نقله أصحابنا، والذي وقفت عليه من نقل بعض اللغويين: أن الغسل إجادة التطهير، وهو يُفيدُ: أن مجرد الإفاضة والغمس لا يكتفى به في مسمى الغسل، بل لا بد مع ذلك من مبالغة، إما بالدلك، أو بما يتنزَّل منزلتَهُ، وقد تواردت الأحاديث عن النبي ﷺ بأنه كان يغسل أعضاء وضوئه، ويدلكها بيديه، ولا فرق بين الغسل والوضوء في هذا. وقد روي من حديث عائشة: أن النبي ﷺ علَّمها كيفية الغسل، وأمرها أن تدلك، وهذا ذكره ابن حزم، وضعفه، وسيأتي في حديث أسماء بنت شَكَلٍ ما يدل على التدليك (٢).
و(قولهُ هنا: ثم غسل رجليه)
وفي حديث ميمونة: ثم تنحى عن مقامِه فغسل رجليه، استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث، وذلك ليكون الافتتاحُ والاختتام بأعضاء الوضوء.
وقد رُوي عن مالك: ليس العمل على تأخير غسل الرجلين، وليتم وضوءه في أول غسله، فإن أخرهما
стр. 572
وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَ أُتِيَ بِمِندِيلٍ، فَلَم يَمَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ بِالمَاءِ هَكَذَا، يَعنِي يَنفُضُهُ.
ــ
أعاد وضوءه عند الفراغ، وكأنه رأى أن ما وقع هنا كان لما ناله من تلك البقعة، وروي عنه: أنه واسعٌ، والأظهر الاستحباب؛ لدوام النبي ﷺ على فعل ذلك.
و(في حديث ميمونة أنه أتي (١) بالمنديل فرده) يتمسك به من كره التَمندُلَ (٢) بعد الوضوءِ والغسل، وبه قال ابن عمرو، وابن أبي ليلى، وإليه مال أصحاب الشافعي ﵀، وقال: هو أثر عبادةٍ فتكره إزالته، كدم الشهيد، وخلوف فم الصائم، ولا حجة في الحديث؛ لاحتمال (٣) أن يكون رده إياه لشيء رَآهُ في المنديل، أو لاستعجاله للصلاة، أو تواضعًا، أو مجانبة لعادة المترفهين.
وأما القياس فلا نسلمهُ؛ لأنا نمنع (٤) الحكم في الأصل؛ إذ الشهيد يحرم غَسل دمه، لا يكره، ولا تكره إزالة الخلوف بالسواك، وروي عن ابن عباس أنه يُكره التمندُلُ في الوضوء دون الغسل. والصحيح أن ذلك واسع، كما ذهب إليه مالك، تمسكًا بعدم الناقل عن الأصل. وأيضًا فقد روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء (٥)، ومن حديث معاذ: أن النبي ﷺ كان يمسح وجهه من وضوئه بطرف ثوبه (٦)، ذكرهما الترمذي، وقال: لا يصح في الباب شيء.
و(قولها: وجعل يقول بالماء هكذا) تعني: ينفضه، ردٌّ على من كره
стр. 573
وَفِي أُخرى: وَصفُ الوُضُوءِ كُلِّهِ، يَذكُرُ المَضمَضَةَ وَالاستِنشَاقَ فيه.
رواه البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧)، وأبو داود (٢٤٥)، والترمذي (١٠٣)، والنسائي (١/ ١٣٧).
[٢٤٨] وَعَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيءٍ نحو الحِلابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشِقِّ رَأسِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيهِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ.
ــ
التمندل، وقال: لأن الوضوء نور، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه؛ لأن النفضَ كالمسح في إتلاف ذلك الماء.
و(قولها: إن النبي ﷺ تمضمض واستنشق في الغسل) متمسك لأبي حنيفة في إيجابه المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل، وقد تكلمنا على ذلك في الوضوء، ولا متمسك له فيه هاهُنا؛ للاتفاق على أن هذا الوضوء في أول الغسل ليس بواجب، بل مندوب؛ ولأن المأمور به في الغسل ظاهر جلدِ الإنسان لا باطنه؛ لقوله ﵊: فاغسلوا الشعر وأنقوا البَشر (١)، والبَشر: ظاهر جلد الإنسان المباشِر.
و(قول عائشة: دعا بشيءٍ نحو الحلاب) روايتنا فيه: الحلاب، بكسر الحاء المهملة لا يصح غيرهًا، قال الخطابي: هو إناءٌ يسع قدر حلبةٍ، وقال غيره: إناء ضخم يحلب فيه، يقال له: المِحلب أيضًا، بكسر الميم، قال الشاعر:
صاحِ! هل رأيت أو سَمِعتَ براع ... رد في الضرع ما ثوى (٢) في الحلاب
стр. 574
الحِلابِ: إنَاء ضَخم يُحلَبُ فِيهِ.
رواه البخاري (٢٦٢ و ٢٧٢)، ومسلم (٣١٨).
* * *
(٢٦) باب قدر الماء الذي يُغتَسَل به ويُتَوَضَّأُ به واغتسال الرجل وامرأته من إناء واحد، واغتساله بفضلها
[٢٤٩] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَغتَسِلُ مِن إِنَاءٍ - هو الفَرَقُ - مِنَ الجَنَابَةِ. قَالَ سُفيَانُ: الفَرَقُ ثَلاثَةُ آصُعٍ.
رواه أحمد (٦/ ١٦١)، والبخاري (٢٥٠)، ومسلم (٣١٩)، وأبو داود (٢٣٨)، والنسائي (١/ ١٢٧).
ــ
وقد وهم من ظنه من الطيب، والذي هو من الطيب هو من المَحلبَ، بفتح الميم واللام. وكذلك وهم من قال فيه: الجلاب بالجيم المضمومة، قال الهروي. وفسرهُ الأزهريُّ بأنه هُنا ماء الورد، قال: وهو فارسيٌّ معربٌ.
(٢٦) ومن باب قدر الماء
(قوله: من إناء هو الفرق) يقال: بفتح الراء وسكونها، حكاهما ابن دريد، وتقديره بثلاثة آصع، وهو قول الجمهور، وقال أبو الهيثم: هو إناء يأخذ ستة عشر رطلاً، وقال غيره: هو إناءٌ ضخمٌ من مكاييل العراق، وقيل: هو مكيال أهل المدينة.
و(قول سفيان: ثلاثة آصع) يروى هكذا. ويُروى: أصوُعٌ، وكلاهما صحيح الرواية، وهو جمع صاع، ويقال: صُواعٌ وصُوعٌ، وهو جمع قلة، وأصله أصوُعٌ، بواو مضمومة، كدارٍ وأدوُرٍ، غير أن من العرب من يستثقل الضمة هنا على
стр. 575
[٢٥٠] وَعَن أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ؛ قَالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ، أَنَا وَأَخُوهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ. فَسَأَلَهَا عَن غُسلِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فَدَعَت بِإِنَاءٍ قَدرِ الصَّاعِ، فَاغتَسَلَت، وَبَينَنَا وَبَينَهَا سِترٌ. فَأَفرَغَت عَلَى رَأسِهَا ثَلاثًا.
ــ
الواو فيبدلها همزةً، فيقول: أصؤُعٌ، كما يقول أدؤرٌ، وهو مكيال أهل المدينة المعروف فيهم، وهو يسعُ أربعة أمداد، بمد النبي ﷺ .
والمكوك، بفتح الميم وتشديد الكاف، وهو مكيال، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة: مَنًا وسبعة أثمان مَنَا، والمنَا: رطلان، والرطل: اثنتا عشرة أوقية، والأوقية: إستار وثلثا إستار، والإستار: أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال: درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم: ستة دوانق، والدانق: قيراطان، والقيراط: طسوجان، والطسوجُ: حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم. والجمع مكاكيك، كله من الصحاح، وفي غيرها، وتجمع أيضًا: مكاكيّ، وهو مكيال لأهل العراق، يسع صاعًا ونصف صاع بالمدني.
قال الشيخ: والصحيح: أن المكوك في حديث أنس المراد به المد؛ بدليل الرواية الأخرى فيه أيضًا: كان النبي ﷺ يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد.
تنبيه: اعلم أن اختلاف هذه المقادير، وهذه الأواني، يدل على أنه ﵊ لم يكن يراعي مقدارًا مؤقتًا، ولا إناءً مخصوصًا، لا في الوضوء ولا في الغسل، وأن كل ذلك بحسب الإمكان والحاجة، ألا ترى أنه تارةً اغتسل بالفرق أو منهُ، وأخرى بالصاع، وأخرى بثلاثة أمداد.
والحاصل: أن المطلوب إسباغُ الوضوء والغسل من غير إسراف في الماء، وأن ذلك بحسب أحوال المغتسلين. وقد ذهب ابن شعبان: إلى أنه لا يجزئ في ذلك أقل من مدّ في الوضوء، وصاع في الغسل. وحديث الثلاثة الأمداد يرد عليه، والصحيح الأول.
و(قوله: فاغتسلت وبيننا وبينها ستر) ظاهر هذا الحديث أنهما أدركا عملها
стр. 576
قَالَ: وَكَانَ أَزوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ يَأخُذنَ مِن رُؤوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالوَفرَةِ.
رواه أحمد (٦/ ٧٢)، والبخاري (٢٥١)، ومسلم (٣٢٠).
[٢٥١] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا كَانَت تَغتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ. يَسَعُ ثَلاثَةَ أَمدَادٍ، أو قَرِيبًا مِن ذَلِكَ.
وَعَنهَا، قَالَت: كُنتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِن إِنَاءٍ - بَينِي وَبَينَهُ -
ــ
في رأسها وأعلى جسدها مما يحل لذي المحرم أن يطلع عليه، من ذوات محارمه، وأبو سلمة ابن أخيها نسبًا، والآخر أخوها رضاعة، وتحققا بالسَّماع كيفية غسل ما لم يشاهداه من سائر الجسد، ولولا ذلك لاكتفت بتعليمها بالقول، ولم تحتج إلى ذلك الفعل، وقد شوهد غسل النبي ﷺ من وراء الثوب، وطؤطئ عن رأسه حتى ظهر لمن أراد رؤيتهُ.
وإخباره عن كيفية شعور أزواج النبي ﷺ يدل على رؤيته شعرها، وهذا لم يختلف في جوازه لذي المحرم، إلا ما يحكى عن ابن عباس من كراهة ذلك.
و(قوله: حتى تكون كالوفرة) الوفرة: أسبغ من الجُمَّة، واللَّمَّة: ما ألم بالمنكبين، قاله الأصمعي. وقال غيره: الوفرة: أقلها، وهي التي لا تجاوز الأذنين، والجمة أكثر منها (١)، واللّمة: ما طال من الشعر، وقال أبو حاتم: الوفرة: ما غطى الأذنين. والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون والذوائب، ولعل أزواج النبي ﷺ فعلن هذا بعد موته ﷺ تركًا للزينة، وتخفيفا للمؤنة.
و(قول عائشة: إنها كانت تغتسل هي والنبي ﷺ من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد) تعني: مفترقين، أو سمَّت الصاع: مُدًّا، كما قالت في الفَرَق الذي كان يسع ثلاثة آصع، وكأنها قصدت بذلك التقريب، ولذلك قال فيه: أو قريبًا من
стр. 577
وَاحِدٍ. فَيُبَادِرُنِي، حَتَّى أَقُولَ: دَع لِي، دَع لِي. قَالَت: وَهُمَا جُنُبَانِ.
رواه البخاري (٢٦٠)، ومسلم (٣٢١)، وأبو داود (٧٧)، والنسائي (١/ ١٢٧).
[٢٥٢] وَعَن مَيمُونَةَ أَنَّهَا كَانَت تَغتَسِلُ هِيَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَمِثلهُ عَن أُمِّ سَلَمَةَ.
رواه البخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٢)، والترمذي (٦٢)، والنسائي (١/ ١٢٩).
ــ
ذلك، وإنما احتجنا إلى هذا التأويل لأنه لا يتأتى أن يغتسل اثنان من ثلاثة أمداد لقلتها، والله أعلم.
وهذا يدل على استحباب التقليل مع الإسباغ، وهو مذهب كافة أهل العلم والسُّنة، خلافًا للإباضيَّةِ والخوارج. واتفق العلماء على جواز اغتسال الرجل وحليلته ووضوئهما معًا من إناء واحدٍ، إلا شيئًا رُوي في كراهية ذلك عن أبي هريرة، وحديث ابن عمر وعائشة وغيرهما يردُّه، وإنما الاختلاف في وضوئه أو غسله من فضلها، فجمهور السلف وأئمة الفتوى على جوازه، وروي عن ابن المسيب والحسن: كراهة فضل وضوئها، وكره أحمد فضل وضوئها وغسلها. وشرط ابن عمر: إذا كانت حائضًا أو جنبًا. وذهب الأوزاعي إلى جواز تطهر كل واحد منهما بفضل صاحبه (١) ما لم يكن أحدهم جنبًا، أو المرأة حائضًا.
وسبب هذا الاختلاف: اختلافهم في تصحيح أحاديث النهي الواردة في ذلك، ومن صححها اختلفوا أيضًا في الأرجح منها، أو مما يعارضها، كحديث ميمونة أنه ﵊: كان يغتسل بفضلها، وكحديث ابن عباس الذي خرجه الترمذي وصححه، قال فيه: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فأراد
стр. 578
[٢٥٣] وَعَن عمرو بنِ دِينَارٍ؛ قَالَ: أَكبَرُ عِلمِي، وَالَّذِي يَخطِرُ عَلَى بَالِي، أَنَّ أَبَا الشَّعثَاءِ أَخبَرَنِي، أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ أَخبَرَهُ، أَنَّ رسولَ الله ﷺ كَانَ يَغتَسِلُ بِفَضلِ مَيمُونَةَ.
رواه أحمد (١/ ٣٦٦)، والبخاري (٢٥٣)، ومسلم (٣٢٣)، والترمذي (٦٢)، والنسائي (١/ ١٢٩)، وابن ماجه (٣٧٢).
[٢٥٤] وَعَن أَنَسٍ؛ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ وَيَغتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمسَةِ أَمدَادٍ.
ــ
النبي ﷺ أن يتوضأ منه فقالت: إني كنت جنبًا، فقال: إن الماء لا يجنب (١).
ولا شك في أن هذه الأحاديث أصح وأشهر عند المحدثين، فيكون العمل بها أولى، وأيضًا فقد اتفقوا على جواز غسلهما معًا، مع أن كل واحد منهما يغتسل بما يُفضله صاحِبُه عن غَرفه.
و(قول عمرو بن دينار: أكبر علمي، والذي يخطر ببالي أن أبا الشعثاء أخبرني) ذهب بعضهم إلى أن هذا مما يُسقطُ التمسك بالحديث؛ لأنه شك في الإسناد، والصحيح فيما يظهر لي: أنه ليس بمسقطٍ له من وجهين:
أحدهما: أن هذا غالب ظن، لا شك، وأخبار الآحاد إنما (٢) تفيد غلبة الظن، غير أن الظن على مراتب في القوة والضعف، وذلك موجب للترجيح بهذا الحديث وإن لم يسقط بأن عارضه ما جزم الراوي فيه بالرواية كان المجزوم به أولى.
والوجه الثاني: أن حديث ابن عباس قد رواه الترمذي من طريق آخر وصححه، كما قدمناه، ومعناه معنى حديث عمرو، وليس فيه شيء من ذلك التردد، فصح ما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
стр. 579
وَفِي رِوَايَةٍ: يَغتَسِلُ بِخَمسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ.
رواه أحمد (٣/ ٢٨٣ و ٢٩٠)، ومسلم (٣٢٥)، والترمذي (٦١٠).
* * *
(٢٧) باب كم يُصَبُّ على الرأس، والتخفيف في ترك نقض الضفر
٣٢٧ - [٢٥٥] عَن جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ؛ قَالَ: تَمَارَوا فِي الغُسلِ عِندَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَقَالَ بَعضُ القَومِ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أَغسِلُ رَأسِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُفِيضُ عَلَى رَأسِي ثَلاثَ أَكُفٍّ.
رواه أحمد (٤/ ٨٤)، والبخاري (٢٥٤)، ومسلم (٣٢٧)، وأبو داود (٢٣٩)، والنسائي (١/ ٢٠٧).
[٢٥٦] وعَن جَابِرٍ؛ وَقَالَ لَهُ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ شَعرِي كَثِيرٌ، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلتُ لَهُ: يَا ابنَ أَخِي! كَانَ شَعرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَكثَرَ مِن شَعرِكَ وَأَطيَبَ.
رواه أحمد (٣/ ٣٧٠)، والبخاري (٢٥٥)، ومسلم (٣٢٨) و (٣٢٩)، والنسائي (١/ ٢٠٧).
[٢٥٧] وَعَن أُمِّ سَلَمَةَ؛ قَالَت: قُلتُ: يَا رسولَ الله! إِنِّي امرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفرَ رَأسِي. أَفَأَنقُضُهُ لِلحَيضَةِ وَالجَنَابَةِ؟
ــ
(٢٧) ومن باب كم يصب على الرأس
(قول أم سلمة: أفأنقضه للحيضة والجنابة؟ ) صحيح الرواية: أفأنقُضه بالقاف، وقد وقع لبعض مشايخنا بالفاء، ولا بُعد فيه من جهة المعنى. وقوله
стр. 580
قَالَ: لا، إِنَّمَا يَكفِيكِ أَن تَحثِيَ عَلَى رَأسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيكِ المَاءَ فَتَطهُرِينَ.
ــ
﵊ لا يدلُّ على صحة ما ذهب إليه مالك وغيره، من الرخصة في نقض الضفر مطلقًا للرجال والنساء، وقد منعه بعضهم، منهم عبد الله بن عمر، وقد أجازه بعضهم للنساء خاصة، متمسكًا في ذلك بحديث ثوبان مرفوعًا: أما الرجل فلينشر رأسه فليغسله، وأما المرأة فلا عليها ألا تنقضه لتغرف على رأسها ثلاث غرفات بكفيها، أخرجه أبو داود. وهذا نصٌّ في التفرقة، غير أن هذا الحديث من حديث إسماعيل بن عياش.
واختلف في حديثه، غير أن الذي صار إليه يحيى بن معين وغيره أن حديثه عن أهل الحجاز متروك على كل حال، وحديثه عن الشاميين صحيح، وهذا الحديث من حديثه عن الشاميين، فهو صحيح على قول يحيى بن معين، وهذا فيه نظر، فإن كان ما قاله يحيى فالفرق واضح، وإن لم يكن فعدم الفرق هو القياس؛ لأن النساء شقائق الرجال، كما صار إليه الجمهور.
تنبيه: لا يُفهمُ من التخفيف في ترك حل الضفر التخفيف في إيصال الماء إلى داخل الضفر؛ لما يأتي في حديث أسماء بنت شكل، ولما صح من حديث علي مرفوعًا: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فُعِلَ به كذا وكذا من النار، قال عليٌّ: فمن ثم عاديت رأسي. وكان يَحلقُه.
و(قوله: إنما يكفيك) حجة لمن يرى أن الواجب في الغسل العموم
стр. 581
رواه أحمد (٦/ ٣١٥)، ومسلم (٣٣٠)، وأبو داود (٢٥١ - ٢٥٢)، والترمذي (١٠٥)، والنسائي (١/ ١٣١).
[٢٥٨] وَعَن عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ؛ قَالَ: بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عمرو يَأمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغتَسَلنَ، أَن يَنقُضنَ رُؤوسَهُنَّ. فَقَالَت: يَا عَجَبًا لابنِ عمرو هَذَا! يَأمُرُ النِّسَاءَ، إِذَا اغتَسَلنَ، أَن يَنقُضنَ رُؤوسَهُنَّ، أَفَلا يَأمُرُهُنَّ أَن يَحلِقنَ رُؤوسَهُنَّ! لَقَد كُنتُ أَغتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مِن إِنَاءٍ وَاحِدٍ، ولا أَزِيدُ عَلَى أَن أُفرِغَ عَلَى رَأسِي ثَلاثَ إِفرَاغَاتٍ.
رواه مسلم (٣٣١).
* * *
ــ
فقط، وقد قدمنا القول في عدد الغرفات، وفي اشتراط التدليك. والحثيات: جمع حثية، وهي الغرفة، وهي هنا باليدين، ويقال: حَثا يحثُو، ويحثي حَثيةً، وحَثوةً، وحثيًا، ومنه: احثوا التراب في وجوه المدّاحين (١)، وهي الإفراغات أيضًا في الحديث الآخر.
* * *
стр. 582
(٢٨) باب صفة غسل المرأة من الحيض
[٢٥٩] عَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَسمَاءَ بِنتُ شَكَلٍ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَن غُسلِ المَحِيضِ؟ فَقَالَ: تَأخُذُ إِحدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدرَتَهَا فَتَطَهَّرُ، فَتُحسِنُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدلُكُهُ دَلكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبلُغَ شُؤُونَ رَأسِهَا. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيهَا المَاءَ. ثُمَّ تَأخُذُ فِرصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطَهَّرُ بِهَا، فَقَالَت أَسمَاءُ: وَكَيفَ تَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: سُبحَانَ اللهِ! تَطَهَّرِينَ بِهَا، فَقَالَت عَائِشَةُ - وكَأَنَّهَا تُخفِي ذَلِكَ -: تَتَبَّعِين أَثَرَ الدَّمِ. وَسَأَلَتهُ عَن غُسلِ الجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: تَأخُذُ مَاءً فَتَطَهَّرُ، فَتُحسِنُ الطُّهُورَ، أو تُبلِغُ الطُّهُورَ. ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأسِهَا فَتَدلُكُهُ،
ــ
(٢٨) ومن باب صفة غسل المرأة من الحيض
(قوله: تأخذ إحداكُنَّ ماءَها وسدرتها) السدر هنا: هو الغَاسُولُ المعروف، وهو المتخذ من ورق شجر النبق، وهو السدر، وهذا التطهر الذي أمر باستعمال السدر فيه، هو لإزالة ما عليها من نجاسة الحيض، والغسل الثاني هو للحيض.
و(قوله: فتدلكه دلكًا شديدًا) حجة لمن رأى التدليك. فإن قيل: إنما أمر بهذا في الرأس ليعم جميع الشعر، قلنا: وكذلك يقال في جميع البدن. فإن قيل: لو كان حكم جميع البدن حكم الرأس في هذا لبينه فيه كما بينه في الرأس، قلنا: لا يحتاج إلى ذلك، وقد بينه في عضو واحد. وقد فَهِمَ عنه: أن الأعضاء كلها في حكم العضو الواحد في عموم الغسل، وإجادته وإسباغه، فاكتفى بذلك، والله تعالى أعلم.
والشؤون: هو أصل فرق الرأس وملتقاها، ومنها تجيءُ الدموع. وذكرها مبالغة في شدة الدلك، وإيصال الماء إلى ما يخفى من الرأس.
و(قوله: ثم تأخذ فرصةً مُمَسَّكةً أو من مسك) الفرصةُ: صحيح الرواية
стр. 583
حَتَّى تَبلُغَ شُؤُونَ رَأسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيهَا المَاءَ. فَقَالَت عَائِشَةُ: نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنصَارِ! لَم يَكُن يَمنَعُهُنَّ الحَيَاءُ أَن يَتَفَقَّهنَ فِي الدِّينِ.
وَفِي أُخرَى: فِرصَةً مِن مِسكٍ.
ــ
فيها (١) بكسر الفاء وفتح الصَّاد المهملة، وهي القطعة من الشيء، وهي مأخوذة من الفَرص، وهو: القطع، والمِفرص والمِفراص: الذي تقطع به الفضة، وقد يكون الفرص الشق. يقال: فرصت النَّعل؛ أي: شققت أذنيها (٢).
وأما مُمَسَّكة: فروايتنا فيها بضم الميم الأولى وفتح الثانية وتشديد السين، ومعناه: مُطَيبةٌ بالمسك، مبالغة في نفي ما يكره من ريح الدم، وعلى هذا تصح رواية الخشني عن الطبري: فرصة من مِسكٍ بكسر الميم، وعلى هذا الذي ذكرناه أكثر الشارحين، وقد أنكر ابن قتيبة هذا كله، وقال: إنما هو فرضةٌ بضم الفاء (٣) وبالضاد المعجمة، وقال: لم يكن للقوم وسع في المال بحيث يستعملون الطيب في مثل هذا، وإنما هو مَسكٌ، بفتح الميم، ومعناه: الإمساك، فإن قالوا: إنما سمع رباعيًا، والمصدر إمساك، قيل: سمع أيضًا ثلاثيًا، فيكون مصدره مَسكًا.
قال الشيخ: لقد أحسن من قال في ابن قتيبة: هجومٌ ولَاّجٌ على ما لا يُحسن، ها هو قد أنكر ما صح من الرواية في فرصة، وجَهِلَ ما صحح نقله أئمة اللغة، واختار ما لا يَلتئِمُ الكلام معه، فإنه لا يصح أن يقال: خذ قطعة من إمساك، وسَوَّى بين الصحابة كلهم في الفقر وسوء الحال، بحيث لا يقدرون على استعمال مسكٍ عند التطهر والتنظف، مع أن المعلوم من أحوال أهل الحجاز واليمن مبالغتهم في استعمال الطيب من المسك وغيره، وإكثارهم من ذلك، واعتيادهم له، فلا يلتفت لإنكاره، ولا يعرج على قوله.
стр. 584
رواه أحمد (٦/ ١٤٧)، والبخاري (٣١٥)، ومسلم (٣٣٢)، وأبو داود (٣١٤ - ٣١٦)، والنسائي (١/ ١٣٥ - ١٣٧).
* * *
(٢٩) باب في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة وغسل المستحاضة
[٢٦٠] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: جَاءَت فَاطِمَةُ بِنتُ أَبِي حُبَيشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَت: يَا رسولَ الله! إِنِّي امرَأَةٌ أُستَحَاضُ فَلا أَطهُرُ. أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ: لا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرقٌ، وَلَيسَ بِالحَيضَةِ.
ــ
وأما فرصة من مسك فالمشهور فيه أنه بفتح الميم، ويراد به الجلد؛ أي: قطعة منه. قال الخطابي: تقديره: قطعة من جلد عليها صوف، وقال أبو الحسن بن سراج: في مُمَسَّكة مجلدة؛ أي: قطعة صوف لها جلد، وهو المسك ليكون أضبط لها، وأمكن لمسح أثر الدم به، قال: وهذا مثل قوله: فرصة مسك.
وقال القتبي: معنى ممسكة: محتملة يُحتشى بها؛ أي: خذي قطعة من صوف أو قطن فاحتمليها وامسكيها لتدفع الدم، وأظنه أنه قال لها: ممسكةً بضم الأولى وتسكين الثانية وتخفيف السين مفتوحة، وقيل فيها: مُمسِكة بكسر السين، اسم فاعل من أمسك، كما قال في الحديث الآخر: أنعتُ لك الكرسُفَ فإنه يذهب الدم) (١) أي: القطن. والأقرب والأليق القول الأول، والله أعلم.
(٢٩) ومن باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
(قوله: إنما ذلك عرقٌ) دليل لنا على العراقيين في أن الدم السائل من
стр. 585
فَإِذَا أَقبَلَتِ الحَيضَةُ فَدَعِي الصَّلاةَ. فَإِذَا أَدبَرَت فَاغسِلِي عَنكِ الدَّمَ وَصَلِّي.
رواه أحمد (٦/ ٨٢)، والبخاري (٣٠٦)، ومسلم (٣٣٣ و ٣٣٤)، وأبو داود (٢٨٢ - ٢٩٨)، والترمذي (١٢٥)، والنسائي (١/ ١٨٣ و ١٨٥).
ــ
الجسد لا ينقض الوضوء، فإنه قال بعد هذا: فاغسلي عنك الدم وصلي، وهذا أصح من رواية من روى: فتوضئي وصلي باتفاق أهل الصحيح، وهو قول عامة الفقهاء. ويعني بقوله: ذلك عرق أي: عرق انقطع فسال، أي: هو دمُ علَّة، ويدل أيضًا على أن المستحاضة حكمها حكم الطاهر مطلقًا فيما تفعل من العبادات وغيرها، فيطؤها زوجها، خلافًا لمن منع ذلك، وهو عائشة وبعض السلف.
و(قوله: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة) يدل على أن هذه المرأة مُمَيزةٌ (١)، فإنه ﵊ أحالها على ما تعرف من تغير الدم، وقد نص على هذا في هذا الحديث أبو داود، فقال: إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي (٢). وبهذا تمسك مالك في أن المستحاضة إنما تعمل على التمييز، فإن عدمته صلت أبدًا، ولم تعتبر بعادة؛ خلافًا للشافعي، ولا تتحيض في علم الله من كل شهر، خلافًا لأحمد وغيره، وهو رد على أبي حنيفة حيث لم يعتبر التمييز.
و(قوله في حديث فاطمة: فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي) لم يختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ، وقد فسره سفيان فقال: معناه إذا رأت الدم بعدما تغتسل تغسل الدم فقط، وقد رواه جماعة وقالوا فيه: فاغسلي عنك
стр. 586
[٢٦١] وَعَنهَا؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنتَ جَحشٍ خَتَنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
ــ
الدم ثم اغتسلي، وهذا ردٌّ على من يقول: إن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، وهو قول ابن علية، وجماعة من السلف، وعلى من رأى عليها الجمع بين صلاتي النهار بغُسل واحد، وصلاتي الليل بغسل، وتغتسل للصبح، وروي هذا عن عليّ ﵁، وعلى من رأى عليها الغسل من ظُهر إلى ظُهر (١)، وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وغيرهم. وقد روي عن سعيد خلافه.
و(قوله: إن أم حبيبة بنت جحش) قال الدارقطني عن أبي إسحاق الحربي: الصحيح قول من قال: أم حبيب، بلا هاء، واسمها: حبيبة. قال الدارقطني: قول أبي إسحاق صحيح. وقال غيره: وقد رُوي عن عمرة عن عائشة: أن أم حبيبة. . الحديث، وهي ختنة (٢) رسول الله ﷺ ، وقد قال فيه كثير من رواة الموطأ: زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف. قال أبو عمر ابن عبد البر: هكذا رواه يحيى وغيره، لم يختلفوا في ذلك عن مالك، وهو وهم من مالك، فإن زينب بنت جحش هي أم المؤمنين، لم يتزوجها قط عبد الرحمن بن عوف، إنما تزوجها أولاً زيد بن حارثة، ثم تزوجها رسول الله ﷺ ، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف هي أم حبيبة، كما جاء في كتاب مسلم على ما ذكرناه.
وقال أبو عمر: إن بنات جحش الثلاث زينب، وأم حبيبة، وحمنة زوج طلحة بن عبيد الله، كنَّ يستحضن كلهن، وقيل: إنه لم يستحض منهن إلا أم حبيبة، وذكر القاضي يونس بن مغيث في كتابه الموعب في شرح الموطأ مثل هذا، وأن اسم كل واحدة منهن زينب، ولقبت إحداهن بحمنة، وكنيت الأخرى بأم حبيبة، وإذا صح هذا فقد برأ الله مالكًا عن الوهم.
стр. 587
وَتَحتَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ، استُحِيضَت سَبعَ سِنِينَ. فَاستَفتَت رسولَ الله ﷺ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ هَذِهِ لَيسَت بِالحَيضَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا عِرقٌ، فَاغتَسِلِي وَصَلِّي.
قَالَت عَائِشَةُ: فَكَانَت تَغتَسِلُ فِي مِركَنٍ فِي حُجرَةِ أُختِهَا زَينَبَ بنت جَحشٍ. حَتَّى تَعلو حُمرَةُ الدَّمِ المَاءَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : امكُثِي قَدرَ مَا كَانَت تَحبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغتَسِلِي، فَكَانَت تَغتَسِلُ عِندَ كُلِّ صَلاةٍ.
ــ
و(قوله: ولكن هذا عرق فاغتسلي) قد يتمسك به من يوجب الغسل على المستحاضة من حيث أمرها بالغسل، وعلله بكونه دم عرق، وهذا لا حجة فيه؛ لما بيِّنَ في الرواية الأخرى: أن هذا الغسل إنما هو للحيضة، فإنه قال فيها: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، وهذا اللفظ قد يتمسك به من يقول: إنها تعتبر عادتها، وهذا لا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ أحالها على تقدير الحيضة التي عرفت أولها بتغير الدم، ثم تمادى بها بحيث لم تعرف إدباره، فردّها إلى اعتبار حالتها في عدد أيامها المتقدمة، قبل أن تصيبها الاستحاضة، وفارق حال أم حبيبة حال فاطمة بنت أبي حبيش، بأن فاطمة كانت تعرف حيضتها بتغير الدم، في إقباله وإدباره، وأم حبيبة كانت تعرف إقباله لا غير، والله تعالى أعلم.
و(قوله: فكانت تغتسل في مركن) المركن: الإجَّانة، وهي القصرية التي تغسل فيها الثياب، كانت تقعد فيها فتصب عليها الماء من غيرها، فيستنقع فيها فتعلو حمرة الدم السائل منها الماء، ثم تخرج منها، فتغسل ما أصاب رجليها من ذلك الماء المتغير بالدم.
و(قوله: فكانت تغتسل لكل صلاة) قال الليث: لم يقل ابن شهاب: إن النبي ﷺ أمر أم حبيبة أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته. وقد رواه
стр. 588
رواه أحمد (٦/ ٨٣)، والبخاري (٣٢٧)، ومسلم (٣٣٤)، وأبو داود (٢٨٨ - ٢٩١)، والترمذي (١٢٩)، والنسائي (١/ ١٨١ - ١٨٢).
* * *
ــ
ابن إسحاق عن الزهري، وفيه: فأمرها رسول الله ﷺ أن تغتسل لكل صلاة، ولم يتابع أصحاب الزهري ابن إسحاق على هذا. وأما قول مسلم في الأصل في حديث حماد بن زيد: حرفٌ تركنا ذكره. هذا الحرف هو قوله: اغسلي عنك الدم وتوضئي، ذكره النسائي (١)، وقال: لا نعلمُ أحدًا قال: وتوضئي (٢)، في الحديث غير حماد، يعني - والله تعالى أعلم - في حديث هشام.
وقد روى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية عدي بن ثابت، وحبيب بن أبي ثابت، وأيوب بن أبي مسكين، قال أبو داود: وكلها ضعيفة (٣). ولم ير مالك عليها الوضوء، وليس في حديثه، ولكن استحبه لها في قوله الآخر إما لرواية غيره للحديث، أو لتدخل الصلاة بطهارة جديدة، كما قال في سلس البول. وأوجب عليها الوضوء أبو حنيفة والشافعي وأصحابُهما والليث والأوزاعي، ولمالك أيضًا نحوه، وكلهم مجمعون على أنها لا غسل عليها غير مرة واحدة عند إدبار حيضتها، لكن اختلف في الغسل إذا انقطع عنها دم استحاضتها. واختلف فيه قول مالك ﵀.
* * *
стр. 589
(٣٠) باب لا تقضي الحائض الصلاة
[٢٦٢] عَن مُعَاذَةَ؛ قَالَت: سَأَلتُ عَائِشَةَ فَقُلتُ: مَا بَالُ الحَائِضِ تَقضِي الصَّومَ وَلا تَقضِي الصَّلاةَ؟ فَقَالَت: أَحَرُورِيَّةٌ أَنتِ؟ قُلتُ: لَستُ بِحَرُورِيَّةٍ. وَلَكِنِّي أَسأَلُ. قَالَت: كُنَّاَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّومِ وَلا نُؤمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ.
رواه أحمد (٦/ ٢٥٠)، والبخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥)، وأبو داود (٢٦٢ و ٢٦٣)، والترمذي (١٣٠)، والنسائي (١/ ١٩١ - ١٩٢).
ــ
(٣٠) ومن باب لا تقضي الحائض الصلاة
(قول عائشة: أحرورية أنت؟ ) إنكار عليها أن تكون سمعت شيئًا من آراء الخوارج في ذلك، وذلك أن طائفة منهم يرون على الحائض قضاء الصلاة؛ إذ لم تسقط عنها في كتاب الله، على أصلهم في ردّ السُّنّة، على خلاف بينهم في المسألة، وقد أجمع المسلمون على خلافهم، وأنه لا صلاة تلزمها، ولا قضاء عليها. وفي كتاب أبي داود: أن سمرة كان يأمر النساء بقضاء صلاة الحيض، فأنكرت ذلك أم سلمة (١)، وكان قوم من قدماء السلف يأمرون الحائض أن تتوضأ عند أوقات الصلوات، وتذكر الله، وتستقبل القبلة جالسة. قال مكحول: كان ذلك من هدي نساء المسلمين (٢)، واستحبه غيره، قال غيره: هو أمر متروك عند جماعة من العلماء، مكروهٌ ممن فعله.
стр. 590
(٣١) باب سترة المغتسل والنهي عن النظر إلى العورة
[٢٦٣] عَن أُمِّ هَانِئٍ بِنتِ أَبِي طَالِبٍ؛ قَالَت: ذَهَبتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ الفَتحِ، فَوَجَدتُهُ يَغتَسِلُ، وَفَاطِمَةُ ابنَتُهُ تَستُرُهُ بِثَوبٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ أَخَذَ ثَوبَهُ فَالتَحَفَ بِهِ. ثُمَّ صَلَّى ثَمَاني رَكَعَاتٍ سُبحَةَ الضُّحَى.
رواه مسلم (٣٣٦).
[٢٦٤] وَعَن مَيمُونَةَ؛ قَالَت: وَضَعتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً وَسَتَرتُهُ فَاغتَسَلَ.
رواه أحمد (٦/ ٣٣٦)، ومسلم (٣٣٧)، والنسائي (١/ ٢٠٠).
[٢٦٥] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: لا يَنظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَورَةِ الرَّجُلِ، وَلا المَرأَةُ إِلَى عَورَةِ المَرأَةِ،
ــ
(٣١) ومن باب سترة المغتسل
(قوله: لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة) لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته، واختلف في كشفها في الانفراد، وحيث لا يراه أحد، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورة، واختلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرة من الرجل هل هو عورة أم لا؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصدًا ليس من مكارم الأخلاق. ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال، وأن الحرَّة عورة ما عدا وجهها وكفيها على غير ذوي المحارم من
стр. 591
وَلا يُفضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوبٍ وَاحِدٍ، وَلا تُفضِي المَرأَةُ إِلَى المَرأَةِ فِي الثَّوبِ الوَاحِدِ.
رواه أحمد (٣/ ٦٣)، ومسلم (٣٣٨)، وأبو داود (٤٠١٨)، والترمذي (٢٧٩٤).
ــ
الرجال، وسائر جسدها على المحارم، ما عدا شعرها ورأسها وذراعيها وما فوق نحرها.
واختلف في حكمها مع النساء، فقيل: جسدها كله عورة، فلا يرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم. وقيل: حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال إلا مع نساء أهل الذمة، فقيل: حكمهن في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال؛ لقوله تعالى: أَو نِسَائِهِنَّ، على خلاف بين المفسرين في معناه.
وحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء. وقد قيل: حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة، والأول أصح.
وأما الأمة: فالعورة منها ما تحت ثدييها، ولها أن تُبدي رأسها ومعصمها. وقيل: حكمها حكم الرجال. وقيل: يكره لها كشف معصمها ورأسها وصدرها، وكان عمر يضربُ الإماءَ على تغطيةِ رؤُوسِهنَّ، ويقول: لا تتشبهن بالحرائر.
وحُكم الحرائر في الصلاة: ستر جميع أجسادهن إلا الوجه والكفين. وهذا قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وكافة السلف وأهل العلم. وقال أحمد بن حنبل: لا يرى منها شيء ولا ظفرها. ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن. وأجمعوا: أنها إن صلت مكشوفة الرأس كله أن عليها إعادة الصلاة. واختلفوا في بعضه، فقال الشافعي وأبو ثور: تعيد، وقال أبو حنيفة: إن انكشف أقل من ثلثه لم تعد، وكذلك أقل من ربع بطنها، أو فخذها. وقال أبو يوسف: لا تعيد في أقل من النصف. وقال مالك: تعيد في القليل والكثير من ذلك في
стр. 592
[٢٦٦] وَعَنِ المِسوَرِ بنِ مَخرَمَةَ؛ قَالَ: أَقبَلتُ بِحَجَرٍ، أَحمِلُهُ، ثَقِيلٍ. وَعَلَيَّ إِزَارٌ خَفِيفٌ. قَالَ: فَانحَلَّ إِزَارِي وَمَعِيَ الحَجَرُ. لَم أَستَطِع أَن أَضَعَهُ حَتَّى بَلَغتُ بِهِ إِلَى مَوضِعِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ارجِع إِلَى ثَوبِكَ فَخُذهُ، وَلا تَمشُوا عُرَاةً.
رواه مسلم (٣٤١)، وأبو داود (٤٠١٦).
* * *
ــ
الوقت. واختلف عندنا في الأمة تصلي مكشوفة البطن هل يجزئها أو لا بد من سترها جسدها؟ وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها.
قال الشيخ ﵀: العورة في أصل الوضع: هي ما يستحى من الاطلاع عليه، ويلزم منه عار.
و(قوله: لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا المرأة إلى المرأة) أي: لا يخلوان كذلك ليباشر أحدهما عورة الآخر ويلمسها، ولمسُها مُحَرمٌ، كالنظر إليها، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائل بينهما فذلك من النساء محرمٌ على القول بأن جسد المرأة على المرأة كله عورة، وحكمها على القول الآخر، وحكم الرجال الكراهية، وهذا لعموم النهي عنه، وصلاحية إطلاق لفظ العورة (١) على ما ذكر مما اختلف فيه.
* * *
стр. 593
(٣٢) باب ما يستتر به لقضاء الحاجة
[٢٦٧] عَن عَبدِ اللهِ بنِ جَعفَرٍ؛ قَالَ: أَردَفَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَومٍ خَلفَهُ. فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ. وَكَانَ أَحَبَّ مَا استَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ، هَدَفٌ أو حَائِشُ نَخلٍ. يَعنِي حَائِطَ نَخلٍ.
رواه مسلم (٣٤٢)، وأبو داود (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٣٤٠).
* * *
(٣٣) باب ما جاء في الرجل يطأ ثم لا يُنزِلُ
[٢٦٨] عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ، فَأَرسَلَ إِلَيهِ، فَخَرَجَ وَرَأسُهُ يَقطُرُ. فَقَالَ: لَعَلَّنَا أَعجَلنَاكَ؟ قَالَ: نَعَم. يَا رسولَ الله! قَالَ: إِذَا أُعجِلتَ أو أَقحَطتَ،
ــ
(٣٢) ومن باب ما يستر به لقضاء الحاجة (١)
(قوله: هدف أو حائش نخل) الهدف: ما ارتفع من الأرض، وكل مرتفع هدف. وحائش النخل: مجتمعه. وهو الحَشُّ والحُشُّ أيضًا.
(٣٣) ومن باب الرجل يطأ ثم لا ينزل
(قوله: إذا أُعجلت أو أُقحطت) الرواية بضم همزة أُقحطت وكسر الحاء مبنيًّا لما لم يسم فاعله، ولعله إتباع لأعجلت، فإنه لا يقال في هذا إلا: أقحط
стр. 594
فَلا غُسلَ عَلَيكَ، وَعَلَيكَ الوُضُوءُ.
وَفِي رِوَايَةٍ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّمَا المَاءُ مِنَ المَاءِ.
ــ
الرجل إذا لم ينزل، بالفتح، كما يقال: أقحط القوم؛ إذا أصابهم القحط، وهذا منه. وأصله: من قحط المطر، بالفتح، يقحط قحوطًا: إذا احتبس. وقد حكى الفراء: قحط المطر بالكسر، يقحط، ويقال: أقحط الناس وأقحطوا بالضم والفتح، وقحطوا، وقحطوا كذلك، وهو هنا عبارة عن الإكسال، وهو عدم الإنزال.
وفي الأفعال: كِسل بكسر السين: فتر، وأكسل في الجماع: ضعف عن الإنزال، وقد روى غيره يكسل ثلاثيًّا ورباعيًّا.
و(قوله: فلا غسل عليك وعليك الوضوء) كان هذا الحكم في أول الإسلام ثم نسخ بعد، قاله الترمذي وغيره. وقد أشار إلى ذلك أبو العلاء بن الشخير وأبو إسحاق، قال ابن القصَّار: أجمع التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من تقدم على الأخذ بحديث: إذا التقى الختانان (١) وإذا صح الإجماع بعد الخلاف كان مسقطًا للخلاف.
قال القاضي عياض: لا نعلم من قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما حكي عن الأعمش، ثم بعده داود الأصبهاني، وقد روي أن عمر حمل الناس على ترك الأخذ بحديث: الماء من الماء لما اختلفوا فيه.
قال الشيخ ﵀: وقد رجع المخالفون فيه من الصحابة عن ذلك حين سمعوا حديثي عائشة، فلا يلتفت إلى شيء من الخلاف المتقدم ولا المتأخر في هذه المسألة، الذي تقرر فيها من الأحاديث الآتية والعمل الصحيح.
و(قوله: إنما الماء من الماء) حمله ابن عباس على أن ذلك في الاحتلام فتأوله، وذهب غيره من الصحابة وغيرهم إلى أن ذلك منسوخ كما تقدم، وكما يأتي بعد.
стр. 595
رواه أحمد (٣/ ٤٧)، والبخاري (١٨٠)، ومسلم (٣٤٣)، وأبو داود (٢١٧).
[٢٦٩] وَعَن أُبَيِّ بنِ كَعبٍ؛ قَالَ: سَأَلتُ رسولَ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُصِيبُ مِنَ المَرأَةِ ثُمَّ يُكسِلُ؟ فَقَالَ: يَغسِلُ مَا أَصَابَهُ مِنَ المَرأَةِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي.
- قَالَ أبو العَلاءِ بنُ الشِّخِّيرِ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنسَخُ حَدِيثُهُ بَعضُهُ بَعضًا، كَمَا يَنسَخُ القُرآنُ بَعضُهُ بَعضًا. قَالَ أبو إسحاقٌ: هَذا مَنسُوخ.
رواه أحمد (٥/ ١١٣)، والبخاري (٢٩٣)، ومسلم (٣٤٦).
[٢٧٠] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَربَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَد وَجَبَ عَلَيهِ الغُسلُ، وَإِن لَم يُنزِل.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٧)، والبخاري (٢٩١)، ومسلم (٣٤٨)، وأبو داود (٢١٦)، والنسائي (١/ ١١٠ - ١١١).
ــ
و(قوله: إذا جلس بين شعبها الأربع) قال الهروي: بين رجليها وشُفريها (١). وقال الخطابي: بين إسكتيها (٢) وفخذيها. قال أبو الفضل عياض: والأولى أن الشعب: نواحي الفرج الأربع، والشعب: النواحي، وهذا مثل قوله: إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة (٣) لأنها لا تتوارى حتى تغيب بين الشعب.
و(قوله: ثم جهدها) قال الخطابي: حَفَزها، وقال: الجهد من أسماء النكاح. قال الشيخ: وعلى هذا يكون معنى جهدهَا: نَكَحها. قال بعضهم: بلغ مشقتها. يقال: جهدته، وأجهدته: بلغت مشقته. وقال أبو الفضل عياض: الأولى
стр. 596
[٢٧١] وَعَن أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: اختَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ. فَقَالَ الأَنصَاريون: لا يَجِبُ الغُسلُ إِلا مِنَ الدَّفقِ أو مِنَ المَاءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَل إِذَا خَالَطَ فَقَد وَجَبَ الغُسلُ. قَالَ: قَالَ أبو مُوسَى: فَأَنَا أَشفِيكُم في ذَلِكَ. فَقُمتُ فَاستَأذَنتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي. فَقُلتُ لها: يَا أُمَّاه! - أو يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَن أَسأَلَكِ عَن شَيءٍ، وَإِنِّي أَستَحيِيكِ. فَقَالَت: لا تَستَحيِي أَن تَسأَلَنِي عَمَّا كُنتَ سَائِلاً عَنهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلتُ: فمَا يُوجِبُ الغُسلَ؟ قَالَت: عَلَى الخَبِيرِ سَقَطتَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَربَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَد وَجَبَ الغُسلُ.
رواه أحمد (٦/ ١١٢)، ومسلم (٣٤٩)، والترمذي (١٠٨ و ١٠٩).
[٢٧٢] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهلَهُ ثُمَّ يُكسِلُ. هَل عَلَيهِمَا الغُسلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لأَفعَلُ ذَلِكَ، أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغتَسِلُ.
رواه مسلم (٣٥٠).
* * *
ــ
أن يكون جهد؛ أي: بلغ جهدهُ فيها، وهي إشارة إلى الفعل.
و(قوله: من الدفق أو من الماء) هو على الشك من أحد الرواة، والدفق: الصب، وهو الاندفاق والتدفق. وماء دافق؛ أي: مدفوق، كسرٍّ كاتم؛ أي: مكتوم.
ويقال: دُفقَ الماءُ، مبنيًّا على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: مبنيًّا للفاعل. قال الشيخ: وهذه الأحاديث، أعني حديث أبي هريرة وحديثي عائشة لا يبقى معها متمسك للأعمش وداود، والله أعلم.
стр. 597
(٣٤) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه
[٢٧٣] عَن زَيدٍ بنَ ثَابِتٍ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
رواه مسلم (٣٥١)، والنسائي (١/ ١٠٧).
ــ
(٣٤) ومن باب الأمر بالوضوء مما مست النار
(قوله: توضؤوا مما مست النار) هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيُّ العرفيُّ عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك ثم نسخ، كما قال جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسّت النار (١). وعلى هذا تدل الأحاديث الآتية بعد، وعليه استقر عمل الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء من بعدهم. وذهب أهل الظاهر، والحسن البصري، والزهري، إلى العمل بقوله: توضؤوا مما مست النار، وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الجزور لا غير.
وذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغويّ، وهو غسل اليد والفم من الدسم والزفر، كما فعل النبي ﷺ حيث شرب اللبن ثم مضمض وقال: إن له دسمًا (٢)، وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب، وممن ذهب إلى هذا ابن قُتَيبة، ذكره في غريبه، والصحيح الأول، فليعتمد عليه.
стр. 598
[٢٧٤] وعَن عَائِشَةَ، زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
رواه أحمد (٦/ ٨٩)، ومسلم (٣٥٣).
[٢٧٥] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.
رواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤)، وأبو داود (١٨٧)، والنسائي (١/ ١٠٨).
[٢٧٦] وَعَنهُ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ عَلَيهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. فَأُتِيَ بِهَدِيَّةٍ، خُبزٍ وَلَحمٍ. فَأَكَلَ ثَلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً.
رواه أحمد (١/ ٢٧٢)، ومسلم (٣٥٩).
[٢٧٧] وَعَن عمرو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمرِيِّ؛ قَالَ: رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَحتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ. فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.
رواه أحمد (٤/ ١٣٩ و ١٧٩)، والبخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥)، والترمذي (١٨٣٦).
ــ
و(قوله: يحتز من كتف شاةٍ) أي: يقطع بالسكين. وقوله في الأصل (١): أثوار أقط. قال الهروي: أثوار: جمع ثور، وهي القطعة من الأقط. قال الشيخ ﵀: والأقط: طعام يصنع من اللبن. وفيه دليل على جواز أكل اللحم بالسكين
стр. 599
[٢٧٨] وَعَنِ ابن عَبَّاس، ومَيمُونَةَ؛ نحو ذَلِكَ مَرفُوعًا.
رواه البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦).
[٢٧٩] وَعَن أَبِي رَافِعٍ؛ قَالَ: أَشهَدُ لَكُنتُ أَشوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَطنَ الشَّاةِ. ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ.
رواه مسلم (٣٥٧).
* * *
(٣٥) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن
[٢٨٠] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: إِن شِئتَ، فَتَوَضَّأ. وَإِن شِئتَ فَلا تَوَضَّأ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَم، فَتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ، قَالَ: أُصَلِّي
ــ
عند الحاجة إلى ذلك من شدة اللحم، أو كبر العضو والبضعة، قال عياض: وتكره المداومة على استعمال ذلك؛ لأنه من سنة الأعاجم.
(٣٥) ومن باب الوضوء من لحوم الإبل
هذا الوضوء المأمور به من لحوم الإبل، المباح من لحوم الغنم، هو اللغوي، ولذلك فرق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزفورة والزهم. وعلى تقدير كونه وضوءًا شرعيًّا فهو منسوخ بما تقدم. وقد ذكرنا من تمسك بهذا الحديث.
وإباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل لمالك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه؛ لأن مرابضها مواضع ربوضها وإقامتها، ولا يخلو عن أبوالها وأرواثها.
وأما نهيه عن
стр. 600
فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لا.
رواه مسلم (٣٦٠).
[٢٨١] وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضمَضَ، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا.
ــ
الصلاة في معاطن الإبل فليس لنجاسة فضلاتها، بل لأمر آخر، إما لنتن معاطنها، أو لأنها لا تخلو غالبًا عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته، أو لما جاء أنها من الشياطين، وهذه كلها مما ينبغي للمصلي أن يتجنبها. ومع هذه الاحتمالات لا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على نجاسة فضلاتها، وقد أباح النبي ﷺ للعرنيين شرب ألبان الإبل وأبوالها، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضرورة؛ لأنها لا نسلمها؛ إذ الأدوية في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرة، ولو كان ذلك للضرورة لاستكشف عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقق عدمها، ولو كانت نجسة لكان التداوي بها ممنوعًا أيضًا بالأصالة، كالخمر، ألا تراه لما سُئل ﷺ عن التداوي بالخمر فقال: إنها ليست بدواء، ولكنها داء (١)، ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يباح فيه؛ كإزالة الغصص بجرعة منها عند عدم مائع آخر. وحاصله: أن إخراج الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر لا يلتفت إليه لأنه خلاف الأصل.
و(قوله: إن له دسمًا) بفتح السين وسكونها، والفتح أولى به؛ لأنه الاسم؛ مثل الحسَب والنَّقضِ، وهو عبارة عن زفر الدهن. يقال منه: دسم الشيء بالكسر يَدَسم بالفتح، وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه.
ويقال أيضًا: دَسَمَ المطرُ الأرض: بلها ولم يبالغ. قال عياض: وأما المضمضة من اللبن فسنةٌ للقائم إلى الصلاة، ومستحبٌ لغيره، وكذلك من سائر