← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

[٢٧١] وَعَن أَبِي مُوسَى؛ قَالَ: اختَلَفَ فِي ذَلِكَ رَهطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ. فَقَالَ الأَنصَاريون: لا يَجِبُ الغُسلُ إِلا مِنَ الدَّفقِ أو مِنَ المَاءِ. وَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَل إِذَا خَالَطَ فَقَد وَجَبَ الغُسلُ. قَالَ: قَالَ أبو مُوسَى: فَأَنَا أَشفِيكُم في ذَلِكَ. فَقُمتُ فَاستَأذَنتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَأُذِنَ لِي. فَقُلتُ لها: يَا أُمَّاه! - أو يَا أُمَّ المُؤمِنِينَ - إِنِّي أُرِيدُ أَن أَسأَلَكِ عَن شَيءٍ، وَإِنِّي أَستَحيِيكِ. فَقَالَت: لا تَستَحيِي أَن تَسأَلَنِي عَمَّا كُنتَ سَائِلاً عَنهُ أُمَّكَ الَّتِي وَلَدَتكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. قُلتُ: فمَا يُوجِبُ الغُسلَ؟ قَالَت: عَلَى الخَبِيرِ سَقَطتَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا جَلَسَ بَينَ شُعَبِهَا الأَربَعِ، وَمَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَد وَجَبَ الغُسلُ. رواه أحمد (٦/ ١١٢)، ومسلم (٣٤٩)، والترمذي (١٠٨ و ١٠٩). [٢٧٢] وَعَن عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُجَامِعُ أَهلَهُ ثُمَّ يُكسِلُ. هَل عَلَيهِمَا الغُسلُ؟ وَعَائِشَةُ جَالِسَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنِّي لأَفعَلُ ذَلِكَ، أَنَا وَهَذِهِ، ثُمَّ نَغتَسِلُ. رواه مسلم (٣٥٠). * * * ــ أن يكون جهد؛ أي: بلغ جهدهُ فيها، وهي إشارة إلى الفعل. و(قوله: من الدفق أو من الماء) هو على الشك من أحد الرواة، والدفق: الصب، وهو الاندفاق والتدفق. وماء دافق؛ أي: مدفوق، كسرٍّ كاتم؛ أي: مكتوم. ويقال: دُفقَ الماءُ، مبنيًّا على ما لم يسم فاعله، ولا يقال: مبنيًّا للفاعل. قال الشيخ: وهذه الأحاديث، أعني حديث أبي هريرة وحديثي عائشة لا يبقى معها متمسك للأعمش وداود، والله أعلم.

стр. 597

(٣٤) باب الأمر بالوضوء مما مست النار ونسخه [٢٧٣] عَن زَيدٍ بنَ ثَابِتٍ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: الوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. رواه مسلم (٣٥١)، والنسائي (١/ ١٠٧). ــ (٣٤) ومن باب الأمر بالوضوء مما مست النار (قوله: توضؤوا مما مست النار) هذا الوضوء هنا هو الوضوء الشرعيُّ العرفيُّ عند جمهور العلماء، وكان الحكم كذلك ثم نسخ، كما قال جابر بن عبد الله: كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسّت النار (١). وعلى هذا تدل الأحاديث الآتية بعد، وعليه استقر عمل الخلفاء، ومعظم الصحابة، وجمهور العلماء من بعدهم. وذهب أهل الظاهر، والحسن البصري، والزهري، إلى العمل بقوله: توضؤوا مما مست النار، وأن ذلك ليس بمنسوخ. وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى إيجاب الوضوء من أكل لحم الجزور لا غير. وذهبت طائفة إلى أن ذلك الوضوء إنما هو الوضوء اللغويّ، وهو غسل اليد والفم من الدسم والزفر، كما فعل النبي ﷺ حيث شرب اللبن ثم مضمض وقال: إن له دسمًا (٢)، وأن الأمر بذلك على جهة الاستحباب، وممن ذهب إلى هذا ابن قُتَيبة، ذكره في غريبه، والصحيح الأول، فليعتمد عليه.

стр. 598

[٢٧٤] وعَن عَائِشَةَ، زَوجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : تَوَضَّؤوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ. رواه أحمد (٦/ ٨٩)، ومسلم (٣٥٣). [٢٧٥] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ. رواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والبخاري (٢٠٧)، ومسلم (٣٥٤)، وأبو داود (١٨٧)، والنسائي (١/ ١٠٨). [٢٧٦] وَعَنهُ؛ أَنَّ رسولَ الله ﷺ جَمَعَ عَلَيهِ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ. فَأُتِيَ بِهَدِيَّةٍ، خُبزٍ وَلَحمٍ. فَأَكَلَ ثَلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءً. رواه أحمد (١/ ٢٧٢)، ومسلم (٣٥٩). [٢٧٧] وَعَن عمرو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمرِيِّ؛ قَالَ: رَأَيتُ رسولَ الله ﷺ يَحتَزُّ مِن كَتِفِ شَاةٍ فَأَكَلَ مِنهَا فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ. فَقَامَ وَطَرَحَ السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ. رواه أحمد (٤/ ١٣٩ و ١٧٩)، والبخاري (٢٠٨)، ومسلم (٣٥٥)، والترمذي (١٨٣٦). ــ و(قوله: يحتز من كتف شاةٍ) أي: يقطع بالسكين. وقوله في الأصل (١): أثوار أقط. قال الهروي: أثوار: جمع ثور، وهي القطعة من الأقط. قال الشيخ ﵀: والأقط: طعام يصنع من اللبن. وفيه دليل على جواز أكل اللحم بالسكين

стр. 599

[٢٧٨] وَعَنِ ابن عَبَّاس، ومَيمُونَةَ؛ نحو ذَلِكَ مَرفُوعًا. رواه البخاري (٢١٠)، ومسلم (٣٥٦). [٢٧٩] وَعَن أَبِي رَافِعٍ؛ قَالَ: أَشهَدُ لَكُنتُ أَشوِي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ بَطنَ الشَّاةِ. ثُمَّ صَلَّى وَلَم يَتَوَضَّأ. رواه مسلم (٣٥٧). * * * (٣٥) باب الوضوء من لحوم الإبل والمضمضة من اللبن [٢٨٠] عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رسولَ الله ﷺ : أَأَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الغَنَمِ؟ قَالَ: إِن شِئتَ، فَتَوَضَّأ. وَإِن شِئتَ فَلا تَوَضَّأ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِن لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَم، فَتَوَضَّأ مِن لُحُومِ الإِبِلِ، قَالَ: أُصَلِّي ــ عند الحاجة إلى ذلك من شدة اللحم، أو كبر العضو والبضعة، قال عياض: وتكره المداومة على استعمال ذلك؛ لأنه من سنة الأعاجم. (٣٥) ومن باب الوضوء من لحوم الإبل هذا الوضوء المأمور به من لحوم الإبل، المباح من لحوم الغنم، هو اللغوي، ولذلك فرق بينهما؛ لما في لحوم الإبل من الزفورة والزهم. وعلى تقدير كونه وضوءًا شرعيًّا فهو منسوخ بما تقدم. وقد ذكرنا من تمسك بهذا الحديث. وإباحة الصلاة في مرابض الغنم دليل لمالك على طهارة فضلة ما يؤكل لحمه؛ لأن مرابضها مواضع ربوضها وإقامتها، ولا يخلو عن أبوالها وأرواثها. وأما نهيه عن

стр. 600

فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لا. رواه مسلم (٣٦٠). [٢٨١] وعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضمَضَ، وَقَالَ: إِنَّ لَهُ دَسَمًا. ــ الصلاة في معاطن الإبل فليس لنجاسة فضلاتها، بل لأمر آخر، إما لنتن معاطنها، أو لأنها لا تخلو غالبًا عن نجاسة من يستتر بها عند قضاء الحاجة، أو لئلا يتعرض لنفارها في صلاته، أو لما جاء أنها من الشياطين، وهذه كلها مما ينبغي للمصلي أن يتجنبها. ومع هذه الاحتمالات لا يصلح هذا الحديث للاستدلال به على نجاسة فضلاتها، وقد أباح النبي ﷺ للعرنيين شرب ألبان الإبل وأبوالها، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لموضع الضرورة؛ لأنها لا نسلمها؛ إذ الأدوية في ذلك للمرض الذي أصابهم كثيرة، ولو كان ذلك للضرورة لاستكشف عن حال الضرورة، ولسأل عن أدوية أخرى حتى يتحقق عدمها، ولو كانت نجسة لكان التداوي بها ممنوعًا أيضًا بالأصالة، كالخمر، ألا تراه لما سُئل ﷺ عن التداوي بالخمر فقال: إنها ليست بدواء، ولكنها داء (١)، ولم يلتفت إلى الحاجة النادرة التي يباح فيه؛ كإزالة الغصص بجرعة منها عند عدم مائع آخر. وحاصله: أن إخراج الأمور عن أصولها، وإلحاقها بالنوادر لا يلتفت إليه لأنه خلاف الأصل. و(قوله: إن له دسمًا) بفتح السين وسكونها، والفتح أولى به؛ لأنه الاسم؛ مثل الحسَب والنَّقضِ، وهو عبارة عن زفر الدهن. يقال منه: دسم الشيء بالكسر يَدَسم بالفتح، وتدسيم الشيء: جعل الدسم عليه. ويقال أيضًا: دَسَمَ المطرُ الأرض: بلها ولم يبالغ. قال عياض: وأما المضمضة من اللبن فسنةٌ للقائم إلى الصلاة، ومستحبٌ لغيره، وكذلك من سائر

стр. 601

رواه أحمد (١/ ٢٢٣ و ٢٢٧ و ٢٢٩ و ٣٢٩ و ٣٣٧)، والبخاري (٢١١)، ومسلم (٣٥٨)، وأبو داود (١٩٦)، والترمذي (٨٩)، والنسائي (١/ ١٠٩)، وابن ماجه (٤٩٨). * * * (٣٦) باب في الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث [٢٨٢] عَن عَبَّادِ بنِ تَمِيمٍ، عَن عَمِّهِ؛ شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ : الرَّجُلُ، يُخَيَّلُ إِلَيهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيءَ فِي الصَّلاةِ، قَالَ: لا يَنصَرِفُ حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا، أو يَجِدَ رِيحًا. ــ الطعام، وهو من ناحية السواك، ولا سيما فيما له دسم أو سُهُوكةٌ، أو تعلق بفيه طعمٌ يشغل المصلي. وقد اختلف العلماء في اليد قبل الطعام وبعده، ومذهب مالك: ترك ذلك إلا أن يكون في اليد قذر، فإن كان للطعام رائحة كالسمك غسلت اليد بعدُ ولا تغسل قبل؛ لما ذُكر. قال الشيخ ﵀: وقد روى أبو داود: أن النبي ﷺ شرب لبنًا ولم يتمضمض، ولم يتوضأ، وصلى (١). وهذا يدل على أنه ليس من السنن المؤكدة الراتبة. (٣٦) ومن باب الذي يخيل إليه أنه خرج منه حدث (قوله: إنه يجد الشيء في الصلاة، قال: فلا ينصرف) بظاهر هذا قال الحسن البصري، قال: إن كان في الصلاة لم يفسد، وإن كان في غيرها أفسد.

стр. 602

رواه أحمد (٣/ ٩٦)، والبخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١)، وأبو داود (١٧٦)، والنسائي (١/ ٩٩). [٢٨٣] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُم فِي بَطنِهِ شَيئًا فَأَشكَلَ عَلَيهِ، أَخَرَجَ مِنهُ شَيءٌ أَم لا، فَلا يَخرُجَنَّ مِنَ المَسجِدِ حَتَّى يَسمَعَ صَوتًا أو يَجِدَ رِيحًا. رواه أحمد (٤/ ٤١٤)، ومسلم (٣٦٢)، وأبو داود (١٧٧)، والترمذي (٧٤ و ٧٥). * * * ــ وقد رُوي مثله عن مالك، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الشك غير مؤثر في الطهارة، وأنه باق على طهارته ما لم يتيقن حدثًا. وذهب إليه الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وهي رواية ابن وهب والأسلمي عن مالك، إلا أن في رواية ابن وهب أنه استحب منه الوضوء، وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يفسده، وسبب الخلاف تقابل يقيني الطهارة والصلاة، وخص بعض أصحابنا هذا الحديث بالمستنكح (١)؛ لأنه قال فيه: شكي إليه، وهذا لا يكون إلا ممن يكون ذلك عليه كثيرًا. قال ابن حبيب: هذا الشك المذكور في الحديثين في الريح دون غيره من الأحداث. * * *

стр. 603

(٣٧) باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت [٢٨٤] عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَولاةٍ لِمَيمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَت. فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: هَلا أَخَذتُم إِهَابَهَا، فَدَبَغتُمُوهُ، فَانتَفَعتُم بِهِ؟ فَقَالُوا: يَا رسولَ الله! إِنَّهَا مَيتَةٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكلُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلا أَخَذتُم إِهَابَهَا فَاستَمتَعتُم بِهِ. رواه البخاري (٥٥٣١)، ومسلم (٣٦٣ - ٣٦٥)، وأبو داود (٤١٢٠ و ٤١٢١)، والترمذي (١٧٢٧)، والنسائي (٧/ ١٧١ - ١٧٢). ــ (٣٧) ومن باب جلود الميتة إذا دبغت الإهاب: الجلد، والجمع الأُهُب والأَهَب. قاله الهروي وغيره. واختلف الناس في جلد الميتة، فقال أحمد بن حنبل: لا ينتفع به، وأجاز ابن شهاب الانتفاع به. والجمهور على منع الانتفاع به قبل الدباغ. ويختلفون في الجلد الذي يؤَثِر فيه الدباغ، فعند أبي يوسف وداود: يؤثر في سائر الجلود حتى الخنزير. ومذهَبُنا ومذهب أبي حنيفة والشافعي هكذا، إلا أننا وأبا حنيفة نستثني الخنزير، ويزيد الشافعي فيستثني الكلب، واستثنى الأوزاعي وأبو ثور جلد ما لا يؤكل لحمه. واتفق كل من رأى الدباغ مؤثرًا؛ أنه يؤثر في إثبات الطهارة الكاملة سوى مالك، في إحدى الروايتين عنه؛ فإنه منع أن يؤثر الطهارة الكاملة، وإنما يؤثر في اليابسات، وفي الماء وحده من بين سائر المائعات، وأبقى الماء في نفسه خاصة (١). وسبب الخلاف في هذا الباب هل هو يخصص عموم القرآن بالسنة أم لا؟ اختلف فيه الأصوليون.

стр. 604

[٢٨٥] وَعَنهُ؛ قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقُولُ: إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَد طَهُرَ. رواه مسلم (٣٦٦)، وأبو داود (٤١٢٣)، والترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣). [٢٨٦] وَعَنِ ابنِ وَعلَةَ السَّبَائيِّ؛ قَالَ: سَأَلتُ عَبدَ اللهِ بنَ عَبَّاسٍ، قُلتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالمَغرِبِ، وَمَعَنَا البَربَرُ وَالمَجُوسُ، نُؤتَى بِالكَبشِ قَد ذَبَحُوهُ، وَنَحنُ لا نَأكُلُ ذَبَائِحَهُم. وَيَأتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ. فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَد سَأَلنَا رسولَ الله ﷺ عَن ذَلِكَ؟ فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ. رواه أحمد (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، ومسلم (٣٦٦). * * * (٣٨) باب ما جاء في التيمم [٢٨٧] عَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعضِ ــ و(قوله: إنما حرم أكلها) خرج على الغالب مما تراد اللحوم له، وإلا فقد حرم حملها في الصلاة، وبيعُها واستعمالها، وغير ذلك مما يَحرمُ من النجاسات، والله أعلم. (٣٨) ومن باب ما جاء في التيمم التيمم في اللغة: القصد إلى الشيء، ومنه قول الشاعر (١): تَيَمَّمَتِ العَينَ التي عند ضارجٍ (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 605

أَسفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيدَاءِ، أو بِذَاتِ الجَيشِ، انقَطَعَ عِقدٌ لِي، فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكرٍ، فَقَالُوا: أَلا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَت عَائِشَةُ؟ أَقَامَت بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَبِالنَّاسِ معه، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. فَجَاءَ أبو بَكرٍ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأسَهُ عَلَى فَخِذِي قَد نَامَ. فَقَالَ: حَبَستِ رسولَ الله ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيسَ مَعَهُم مَاءٌ. قَالَت: فَعَاتَبَنِي أبو بَكرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللهُ أَن يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي. فَلا يَمنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَصبَحَ عَلَى غَيرِ مَاءٍ، فَأَنزَلَ اللهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيدُ بنُ الحُضَيرِ - وهو أَحَدُ النُّقَبَاءِ -: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُم يَا آلَ أَبِي بَكرٍ، فَقَالَت عَائِشَةُ: فَبَعَثنَا البَعِيرَ الَّذِي كُنتُ عَلَيهِ فَوَجَدنَا العِقدَ تَحتَهُ. ــ أي: قصدت، وهو في الشرع: القصد إلى الأرض لفعل عبادة مخصوصة على ما يأتي. والبَيدَاءُ، وذات الجيش: موضعان قريبان من المدينة. و(قولها: انقطع عقدٌ لي) أضافت العقد لنفسها؛ لأنه في حوزتها، وإلا فقد جاء في الرواية الآتية: أنها استعارته من أسماء. وكون النبي ﷺ أقام بالناس على التماسه على حالة عدم الماء؛ يدل على حرمة الأموال الحلال، وأنها لا تضاع، وفي هذا الحديث أبواب من الفقه من تأملها أدركها على قرب. و(قوله: فأنزل الله آية التيمم) نسب الآية التي نزلت فيه وهو التيمم، وأما الوضوء فقد كان معروفًا معمولاً به عندهم. و(قولها: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته) جاء في البخاري في هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ وجده. وفي رواية: أنه بعث رجلين. وفي أخرى: أنه بعث أناسًا. وهذا كله لا تناقض فيه، وهو صحيح المعنى، وذلك

стр. 606

رواه أحمد (٦/ ١٧٩)، والبخاري (٣٣٤ و ٤٦٠٧)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٦٣ - ١٦٤). [٢٨٨] وَعَنهَا؛ أَنَّهَا استَعَارَت مِن أَسمَاءَ قِلادَةً فَهَلَكَت. فَأَرسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا مِن أَصحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدرَكَتهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوا بِغَيرِ وُضُوءٍ. فَلَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ شَكَوا ذَلِكَ إِلَيهِ. فَنَزَلَت آيَةُ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيدُ بنُ حُضَيرٍ: جَزَاكِ اللهُ خَيرًا. فَوَاللهِ! مَا نَزَلَ بِكِ أَمرٌ قَطُّ إِلا جَعَلَ اللهُ لَكِ مِنهُ مَخرَجًا، وَجَعَلَ لِلمُسلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً. رواه البخاري (٣٣٦)، ومسلم (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٦٣ - ١٦٤)، وابن ماجه (٥٦٨). * * * ــ أنه بعث أسيد بن الحضير في أناس فطلبوا فلم يجدوا شيئًا في وجهتهم، فلما رجعوا أثارُوا البعير فوجدوه تحته، وكون الأناس المبعوثين صلوا بغير وضوء ولا تيمم؛ دليلٌ على من صَار إلى أنه إذا عدمهما يصلي، وهي مسألة اختلف العلماء فيها على أربعة أقوال: الأول: لا صلاة عليه ولا قضاء. قاله مالك، وابن نافع، والثوري، والأوزاعي، وأهل الرأي. الثاني: يصلي ويقضي. قاله ابن القاسم والشافعي. الثالث: يصلي ولا يعيد. قاله أشهب. الرابع: يقضي ولا يصلي. وسبب الخلاف في هذه المسألة، هل الطهارة شرط في الوجوب أو في الأداء؟ ولا حُجَّة للمتمسك بهذا الحديث على شيء من هذه المسألة؛ لأن كون المبعوثين صلوا كذلك رأيٌ رأوهُ، ولم يبلغنا أن النبي ﷺ أقرهم على شيء من ذلك، وأيضًا فإنه قال: فصلوا بغير وضوء، فنفى الوضوء خاصة، ولم يتعرض للتيمم؛ فلعلهم فعلوا كما فعل عمار تمرغوا في التراب، والله أعلم.

стр. 607

(٣٩) باب تيمم الجنب والتيمم لرد السلام [٢٨٩] عَن شَقِيقٍ؛ قَالَ: كُنتُ جَالِسًا مَعَ عَبدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أبو مُوسَى: يَا أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ! أَرَأَيتَ لَو أَنَّ رَجُلاً أَجنَبَ فَلَم يَجِدِ المَاءَ شهرًا. كَيفَ يَصنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِن لَم يَجِدِ المَاءَ ــ (٣٩) ومن باب تيمم الجنب (قوله: لو أن رجلاً أجنب) قال الفراء: يقال: أجنب الرجل وجنب، من الجنابة، قال غيره: يقال: جُنُب؛ للواحد والاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث. قال ابن فارس: وقد قيل في الجمع: أجناب. والجنابة: البعد، ومنه قوله (١): فلا تَحرِمَنَّي نائِلاً عن جنابةٍ (٢) ... . . . . . . . . . . . . . . . . أي: بعدٍ. قال الأزهري: وسمي: جنبًا؛ لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فيجتنبها. وقال الشافعي: إنما سمي جنبًا من المخالطة. ومن كلام العرب: أجنب الرجُل: إذا خالط امرأته. وهذا ضد المعنى الأول، كأنه من القُرب منها. وكان مذهب عبد الله بن مسعود: أن الجنب لا يتيمم؛ لأنه ليس داخلاً في عموم فَلَم تَجِدُوا مَاءً؛ ألا تراه قد سلم ذلك لأبي موسى ونحا إلى منع الذريعة، وكأنه كان يعتقد تخصيص العموم بالذَّريعة؛ ولا بُعد في القول به على ضعفه. وأما عمر بن الخطاب فكان يرى أن الآية لا تتناول الجنب رأسًا؛ فمنعه التيمم لذلك، وتوقف في حديث عمار لكونه لم يذكره حين ذكّره به. وقد

стр. 608

شهرًا. فَقَالَ أبو مُوسَى: فَكَيفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: فَلَم تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَقَالَ عَبدُ اللهِ: لَو رُخِّصَ لَهُم فِي هَذِهِ الآيَةِ، لأوشَكَ، إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ المَاءُ، أَن يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ ــ صح عن عمر وابن مسعود: أنهما رجعا إلى أن الجنب يتيمم، وهو الصحيح؛ لأن الآية بعمومها متناولة له، ولحديث عمار، وحديث عمران بن حصين حيث قال رسول الله ﷺ للرجل الذي قال له: أصابتني جنابة ولا ماء، فقال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك (١)، وهذا نصٌّ رافع للخلاف. واختلف في الصعيد ما هو؟ فروي عن الخليل: أنه وجه الأرض؛ ويدل عليه قول ذي الرُّمة: كأنَّه بالضُّحى تَرمِي الصَّعِيدَ به ... دَبَّابةٌ في عِظامِ الرَّأسِ خُرطُومُ (٢) فعلى هذا فيجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض باقيًا على أصل أرضيته، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة، وقد صار عليٌّ ﵁ إلى أنه التراب خاصة، وهو قول الشافعي وأبي يوسف. وقَولةٌ شاذَّةٌ عن مالك. وقد استدل أصحاب هذا القول بقوله ﵊: وجعلت تربتها لنا طهورًا (٣)، ولا حجة فيه؛ لأن التراب جزء مما يتناوله وجه الأرض، فهو مساو لجميع أجزائها، وإنما ذكر التراب لأنه الأكثر، وصار هذا مثل قوله: فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخلٌ وَرُمَّانٌ والله أعلم. و(قوله: لأوشك) أي: لأسرع، وقد تقدم. و (قوله ﵊: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا) خاطبه بإنما ليحصر له القدر

стр. 609

أبو مُوسَى لِعَبدِ اللهِ: أَلَم تَسمَع قَولَ عَمَّارٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ فَأَجنَبتُ، فَلَم أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ. ثُمَّ أَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَقُولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيهِ الأَرضَ ضَربَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى اليَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيهِ، وَوَجهَهُ؟ فَقَالَ عَبدُ اللهِ: أَوَلَم تَرَ عُمَرَ لَم يَقنَع بِقَولِ عَمَّارٍ؟ وَفِي رِوَايَةٍ: وَضَرَبَ بِيَدَيهِ إلى الأَرضِ، فَنَفَضَ يَدَيهِ، فَمَسَحَ وَجهَهُ وَكَفَّيهِ. ــ الواجب، وهو أن يضرب الأرض بيديه، ثم يمسح وجهه، ثم يضرب ضربة أخرى فيمسح كفيه. ولم يُختلف أن الوجه كله لا بد من إيعابه. واختلفوا: هل الواجب أن يبلغ به إلى المرفقين أم يقتصر على الكوعين (١)؟ إنما يستحب الإيصال إلى المرفقين، فإن اقتصر على الكوعين أجزأه، وهذا مذهب ابن القاسم. ومسحه الشمال على اليمين مراعاة لحال اليمين حتى تكون هي المبدوء بها. وكونه في هذه الرواية أخر الوجه في الذكر، وكونه في الثانية قدّمَه؛ يدل على عدم ترتيب الواو. ولم ينكر عمر على عمار إنكار قاطع برد الخبر، ولا لأن عمارًا غير (٢) ثقة، بل منزلة عمار وعظم شأنه ومكانته كل ذلك معلومٌ، وإنما كان ذلك من عمر؛ لأنه لما نسبه إليه ولم يذكرهُ توقف عمر، ولذلك قال له: نوليك من ذلك ما توليت أي: ما تحملت عهدته مما ذكرتَهُ، حدَّث به إن شئت. وقول عمار: إن شئت لم أحدث، ليس لضعف الحديث، ولا لأن عمارًا شك فيما رأى وروى، وإنما ذلك للزوم الطاعة، وقد صرَّحَ بهِ. و(قوله: فنفض يديه فنفخ فيهما) حجّةٌ لمن أجاز نفض اليدين من

стр. 610

رواه البخاري (٧١٠٥ و ٧١٠٦)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣٢١)، والنسائي (١/ ١٧٠). [٢٩٠] وعَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أَبزَى؛ أَنَّ رَجُلاً أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجنَبتُ فَلَم أَجِد مَاءً. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذكُرُ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ إِذ أَنَا وَأَنتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجنَبنَا، ولَم نَجِد مَاءً، فَأَمَّا أَنتَ فَلَم تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيتُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّمَا كَانَ يَكفِيكَ أَن تَضرِبَ بِيَدَيكَ الأَرضَ، ثُمَّ تَنفُخَ، ثُمَّ تَمسَحَ بِهِمَا وَجهَكَ وَكَفَّيكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ، يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِن شِئتَ لَم أُحَدِّث بِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيتَ. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! إِن شِئتَ! لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيَّ مِن حَقِّكَ، لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا. رواه البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨)، وأبو داود (٣١٨ - ٣٢٨)، والنسائي (١/ ١٦٥ - ١٧٠). [٢٩١] وَعَن أَبِي الجَهيمِ بنِ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ الأَنصَارِيِّ؛ قَالَ: أَقبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِن نحو بِئرِ جَمَلٍ. فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيهِ. فَلَم يَرُدَّ ــ التراب، وهو قول مالك والشافعي؛ دون استقصاء لما فيهما، لكن لخشية ما يضر به من ذلك، من تلويث وجهه أو شيء يؤذيه. و(قوله في حديث أبي الجهيم (١): أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل) هو موضع معروف بقرب المدينة.

стр. 611

رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيهِ، حَتَّى أَقبَلَ عَلَى الجِدَارِ فَمَسَحَ وَجهَهُ وَيَدَيهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. رواه أحمد (٤/ ١٦٩)، والبخاري (٣٣٧)، ومسلم (٣٦٩)، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي (١/ ١٦٥) كلهم من حديث أبي الجهيم ﵁. [٢٩٢] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً مَرَّ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَبُولُ، فَسَلَّمَ. فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ. رواه مسلم (٣٧٠)، وأبو داود (٣٣٠ و ٣٣١)، والترمذي (٩٠)، والنسائي (١/ ٣٦). * * * ــ وقد استدل البخاري بهذا الحديث على جواز التيمم في الحضر لمن خاف فوات الوقت. وهذا الحديث يؤخذ منه: أن حضور سبب الشيء كحضور وقته؛ وذلك أنه لما سلم هذا الرجل على رسول الله ﷺ تعين عليه ﷺ الرد، وخاف الفوت، فتيمم، ويكون هذا حجة لأحد القولين عندنا، أن من خرج إلى جنازة متوضئًا فانتقض وضوؤه أنه يتيمم، وقد روى أبو داود من حديث المهاجر بن قنفذ: أنه سلم على النبي ﷺ (١) وهو يبول، فلم يَرُدّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كنت كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة (٢). وهذا يتمم معنى حديث ابن عمر الآتي وحديث أبي الجهيم هذا. ذكر القاضي أبو الفضل عياض ﵀: أن

стр. 612

(٤٠) باب المؤمن لا ينجس، وذكر الله تعالى على كل حال، وما يتوضأ له [٢٩٣] عَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ أَنَّهُ لَقِيَه النَّبِيَّ ﷺ فِي طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المَدِينَةِ وهو جُنُبٌ. فَانسَلَّ فَذَهَبَ فَاغتَسَلَ، فَتَفَقَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَينَ كُنتَ؟ يَا أَبَا هُرَيرَةَ! قَالَ: يَا رسولَ الله! لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهتُ أَن أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغتَسِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سُبحَانَ اللهِ! إِنَّ المُؤمِنَ لا يَنجُسُ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٥ و ٣٨٢)، والبخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١)، وأبو داود (٢٣١)، والترمذي (٢٢٢)، والنسائي (١/ ١٤٥)، وابن ماجه (٥٣٤). ــ مسلمًا ذكره مقطوعًا، قال: وفي كتابه أحاديث يسيرةٌ مقطوعةٌ متفرقة في أربعة عشر موضعًا هذا منها. وفيه حجة لمن قال: إن التيمم يرفع الحدث، وهو ظاهر قول مالك في الموطأ، ومشهور مذهبه: أنه مبيح لا رافع. وقال الزهري، وابن المسيب، والحسن: يرفع الحدث الأصغر. وقال أبو سلمة: يرفع الحدثين جميعًا. (٤٠) ومن باب المؤمن لا ينجس يقال: نجِس الشيء بالكسر، ينجَس بالفتح، ونَجُس بالضم ينجُس، ويقتبس منه: أن من صدق عليه اسم المؤمن لا ينجس حيًّا كان أو ميتًا، وأما طهارة الآدمي مطلقًا فلا تنتزعُ منه بوجهٍ، وقد اختلف في المسألتين، وسيأتي البحث فيهما في الجنائز.

стр. 613

[٢٩٤] وَعَن عَائِشَةَ؛ قَالَت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ. رواه البخاري تعليقًا (٢/ ١١٤)، ومسلم (٣٧٣)، وأبو داود (١٨)، والترمذي (٣٣٨١)، وابن ماجه (٣٠٣). [٢٩٥] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ: كُنَّا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ مِنَ الغَائِطِ. وَأُتِيَ بِطَعَامٍ. فَقِيلَ له: أَلا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: لِمَ! أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟ وفِي رِوَايَةٍ: مَا أَرَدتُ صَلاةً فَأَتَوَضَّأَ. رواه مسلم (٣٧٤). * * * ــ و(قوله: أأصلي فأتوضأ) إنكارٌ على من عَرَضَ عليه غسل اليدين قبل الطعام، وبه استدل مالكٌ على كراهة ذلك وقال: إنه من فعل الأعاجم، وقال مثله الثوري وقال: لم يكن من فعل السلف. وحمله غيرهما على إنكار كونه واجبًا (١)، محتجًّا بحديث رواه أبو داود وغيره عنه ﵊: الوضوء قبل الطعام وبعده بركة (٢). وينتزع من هذا الحديث: أن الوضوء بأصل مشروعيته إنما هو واجبٌ للصلاة وما في معناها، مثل الطواف، لكن إذا حملنا الوضوء على العرفي، والله أعلم. * * *

стр. 614

(٣) كتاب الصلاة (١) باب ما جاء في الأذان والإقامة (٣٧٧) [٢٩٦]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ المُسلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ يَجتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَوَاتِ، وَلَيسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَومًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعضُهُمِ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى. وَقَالَ ــ (٣) كتاب الصلاة (١) ومن باب: ما جاء في الأذان والإقامة الأذان: هو الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقوله يتحيَّنون يعني: يقدِّرون أحيانها ليأتوا إليها فيها، والحين: الوقت والزمان. وتشاورهم في هذا دليل على مراعاتهم المصالح والعمل بها، وذلك أنهم لما شقّ عليهم التحين بالتبكير فيفوتهم عملهم، أو بالتأخير فتفوتهم

стр. 615

بَعضُهُم: قَرنًا مِثلَ قَرنِ اليَهُودِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلا تَبعَثُونَ رَجُلا يُنَادِي بِالصَّلاةِ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَا بِلالُ، قُم فَنَادِ بِالصَّلاةِ. رواه البخاري (٦٠٤)، ومسلم (٣٧٧)، والترمذي (١٩٠)، والنسائي (٢/ ٢). ــ الصلاة - نظروا في ذلك، فقال كل واحد منهم ما تيسّر له من القول، فقال عُمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة! يعني يعرِّف بها، فإن كيفية الأذان لم تكن معروفة عنده قبل، وعند ذلك قال رسول الله ﷺ : قم يا بلال فناد بالصلاة؛ أي أذِّن. وهنا أحاديث يتوهم في الجمع بينها إشكال؛ منها: أن أول من أري الأذان في النوم عبد الله بن زيد، فلما ذكر ذلك لرسول الله ﷺ أمر بلالا بالأذان، فذكر عمر أنه رأى مثل ذلك (١). وقد ذكر أصحاب المسندات أن النبي ﷺ سمع الأذان ليلة الإسراء (٢)، وهذا كله لا إشكال فيه إذا تُؤمِّل، فإن الجمع ممكن، وبيانه أنهم تفاوضوا في الأذان، ويحتمل أن يكون عبد الله وعمر غائبين، ثم إنهما قدما فوجدا المفاوضة، فقال عبد الله ما قال، وتلاه عمر. ولما رأى عمر قبول الرؤيا وصحتها قال: ألا تنادون للصلاة! فقال رسول الله ﷺ لبلال: قم. وأما ما وقع في المسندات فلا يلزم من سماعه له أن يكون مشروعا في حقه، والأقرب أن الرواة لا يستوفون (٣) القصص كما وقعت، فروى بعضٌ ما لم يروه غيره، وبمجموع الأحاديث يتمّ الغرض. وقوله قم يا بلال فناد بالصلاة حجة الأذان والقيام فيه،

стр. 616

[٢٩٧]- وَعَن أَنَسٍ بن مالك قَالَ: ذَكَرُوا أَن يُعلِمُوا وَقتَ الصَّلاةِ بِشَيءٍ يَعرِفُونَهُ؛ فَذَكَرُوا أَن يُنَوِّرُوا نَارًا أَو يَضرِبُوا نَاقُوسًا، فَأُمِرَ بِلالٌ أَن يَشفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرَ الإِقَامَةَ. قَالَ ابنِ عُلَيَّةَ: فَحَدَّثتُ بِهِ أَيُّوبَ فَقَالَ: إِلا الإِقَامَةَ. رواه البخاري (٦٠٣)، ومسلم (٣٧٨) (٢ و ٣)، وأبو داود (٥٠٨)، والترمذي (١٩٣)، والنسائي (٢/ ٣). ــ وأنه لا يجوز أذان القاعد عند العلماء إلا أبا ثور، وبه قال أبو الفرج من أصحابنا، وأجازه مالك وغيره لِعِلَّة به إذا أذن لنفسه. ويحصل من الأذان إعلام بثلاثة أشياء: بدخول الوقت، وبالدعاء إلى الجماعة ومكان صلاتها، وبإظهار شعار الإسلام. وقد اختُلف في حكمه؛ فقال داود والأوزاعي - وهو ظاهر قول مالك في الموطأ - بوجوبه في المساجد والجماعات، وقيل: إنه فرض على الكفاية. وبه قال بعض أصحابنا وأصحاب الشافعي، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة في مساجد الجماعات والعشائر، وهو المشهور من مذهب مالك وغيره، وسبب الاختلاف اختلافهم في قوله ﵊ لبلال: قم يا بلال فناد بالصلاة؛ هل هو محمول على ظاهره من الوجوب؟ أم هو مصروف عن ذلك بالقرائن؟ أعني قرائن التعليم. وأما من صار إلى أنه على الكفاية فيراعي ما يحصل منه من الفوائد الثلاثة المتقدمة الذكر. وقوله أُمر بلال أن يشفع الأذان؛ أي: يثنِّيه، وعلى هذا جمهور أئمة الفتوى، وقد روي فيه عن بعض السلف خلاف شاذ - في إفراده وتثنيته - يأتي إن شاء الله. وقوله ويوتر الإقامة؛ أي: يفردها، وهو مذهب مالك والشافعي، لم

стр. 617

[٢٩٨] وَعَن أَبِي مَحذُورَةَ أَنَّ النَبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ هَذَا الأَذَانَ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَنَّ ــ يختلفوا إلا في قوله قد قامت الصلاة؛ فمالك يفردها في المشهور عنه، وهو عمل أهل المدينة. والشافعي يثنيها، وهو عمل أهل مكة. وقد روي مثل ذلك عن مالك، وهو الذي أراد أيوب بقوله إلا الإقامة؛ أي: إن قوله قد قامت الصلاة مثنى، فاستثناه من كلمات الإقامة. وذهب الكوفيون والثوري إلى أن يشفعوا الإقامة كلها، وهو قول بعض السلف، وقد ورد تشفيع الإقامة من حديث أبي محذورة، والصحيح من حديثه هو الإفراد. واختلف الفقهاء في حكم الإقامة؛ فعند مالك والشافعي وجمهور الفقهاء أنها سنة مؤكدة وأنه لا إعادة على تاركها، وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى أنها واجبة وعلى من تركها الإعادة، وبه قال أهل الظاهر. ورُوي عندنا أيضًا أن من تركها عمدًا أعاد الصلاة، وليس ذلك لوجوبها؛ إذ لو كان ذلك (١) لاستوى سهوها وعمدها، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن. وذكر مسلم في تعليم النبي ﷺ الأذان لأبي محذورة التكبير أولا مرتين، كذا في أكثر الأصول وروايات جماعات الشيوخ، ووقع في بعض طرق الفارسي التكبير أربع مرات، ومذهب مالك ﵀ تثنية الأذان كله غير أنه يرجِّع، وهو نقل أهل المدينة المتواتر عن أذان بلال وهو آخر أذانه والذي توفي عليه النبي ﷺ ، ومذهب الشافعي الترجيع وهو عمل أهل مكة. وقوله ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله فهذا هو الترجيع (٢)

стр. 618

مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. ثُمَّ يَعُودُ فَيَقُولُ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ (مَرَّتَين)، أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ (مَرَّتَين)، حَيَّ عَلَى الفَلاحِ (مَرَّتَين)، اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، لا إِلهَ إِلا اللهُ. رواه أحمد (٦/ ٤٠١)، ومسلم (٣٧٩)، وأبو داود (٥٠١ - ٥٠٥)، والترمذي (١٩١)، والنسائي (٢/ ٤). * * * ــ الذي قال به مالك والشافعي، وجمهور العلماء على مقتضى حديث أبي محذورة واستمرار عمل أهل المدينة وتواتر نقلهم عن أذان بلال، وذهب الكوفيون إلى ترك الترجيع على ما جاء في حديث عبد الله بن زيد أول الأذان وما استقر عليه العمل (١)، وهو آخر الفعلين أولى. وذهب أهل الحديث أحمد وإسحاق والطبري وداود إلى التخيير في الأحاديث على أصلهم إذا صحت ولم يُعرف (٢) المتقدم من المتأخر أنها للتوسعة والتخيير، وقد ذكر نحو هذا عن مالك. * * *

стр. 619

(٢) باب الأذان أمان من الغارة، وما جاء في اتخاذ مُؤذِّنَينِ [٢٩٩]- عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الفَجرُ، وَكَانَ يَستَمِعُ الأَذَانَ؛ فَإِن سَمِعَ أَذَانًا أَمسَكَ، وَإِلا أَغَارَ. فَسَمِعَ رَجُلا يَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : عَلَى الفِطرَةِ. ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : خَرَجتَ مِنَ النَّارِ! فَنَظَرُوا فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعزًى. رواه أحمد (٣/ ١٣٢)، ومسلم (٣٨٢)، وأبو داود (٢٦٣٤)، والترمذي (١٦١٨). ــ (٢) ومن باب: الأذان أمان من الغارة الغارة والإغارة كلاهما مصدر، غير أن الغارة مصدر غَارَ والإغارة مصدر أَغَار، وكلاهما مصدر معروف، وهي عبارة عن الهجم على العدو صبحًا من غير إعلام لهم. وقوله ﵊ على الفطرة يريد فطرة الإسلام، وقوله حين سمعه يتشهد خرجتَ من النار يريد بتوحيده وصحة إيمانه. وقوله فإذا هو راعي مِعزًى حجة في جواز المنفرد البادي، بل على كونه مستحبًا في حقه، وهذا مثل حديث أبي سعيد: إذا كنت في غنمك أو باديتك فارفع صوتك بالنداء (١).

стр. 620

[٣٠٠]- وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ؛ بِلالٌ وَابنُ أُمِّ مَكتُومٍ الأَعمَى. رواه مسلم (٣٨٠) (٧)، وأبو داود (٥٣٥). * * * (٣) باب إذا سَمِعَ المؤذن قال مثل ما قال، وفضل ذلك، وما يقول بعد الأذان [٣٠١]- عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِذَا سَمِعتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن صَلَّى ــ وقوله كان لرسول الله ﷺ مؤذنان؛ يعني في وقت واحد، وإلا فقد كان له غيرهما؛ أَذّن له أبو محذورة بمكة ورتّبه لأذانها، وسعد القَرَظ أذّن للنبي ﷺ ثلاث مرات، وقال له: إذا لم تر بلالا فأذن (١). وأذَّن له الصُّدَائي وقال: إن أخا صُدًاء أذّن، ومن أذّن فهو يقيم (٢). (٣) ومن باب: إذا سمعتم الأذان قوله إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، حكى الطحاوي أنه اختُلف في حكمه؛ فقيل واجب، وقيل مندوب إليه، والصحيح أنه مندوب، وهو الذي عليه الجمهور. ثم هل يقوله عند سماع كل مؤذن؟ أم لأول مؤذن فقط؟

стр. 621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واختُلف في الحدّ الذي يحاكى فيه المؤذن؛ هل إلى التشهدين الأخيرين؟ أم لآخر الأذان؟ فنُقل القولان عن مالك، ولكنه في القول الآخر إذا حيعل المؤذن فيقول السامع لا حول ولا قوة إلا بالله - كما جاء في الأم (١) وكما رواه أبو داود عن معاوية (٢)، واختلف في المصلي: هل يحاكي المؤذن وهو في الصلاة؟ فقيل: يحاكيه في الفريضة والنافلة، وقيل: لا يحاكيه فيهما، وهو مذهب أصحاب أبي حنيفة. وقيل: يحاكيه في النافلة خاصة، وبه قال الشافعي - والثلاثة الأقوال في مذهبنا. قال المطرِّز (٣) في كتاب اليواقيت وفي غيره: إن الأفعال التي أخذت من أسمائها سبعة؛ وهي: بسمل إذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، وسبحل إذا قال سبحان الله، وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله، وحيعل إذا قال حي على الفلاح، ويجيء على القياس الحيصلة إذا قال حي على الصلاة - ولم يذكره غيره. وحمدل إذا قال الحمد لله، وهلل إذا قال لا إله إلا الله، وجعفل إذا قال جعلت فداك. وزاد الثعالبي الطبقلة إذا قال أطال الله بقاءك، والدمعزة إذا قال أدام الله عزك. قال ابن الأنباري ﵀: ومعنى حَيّ في كلام العرب هلمّ وأقبل. قال الشيخ ﵀: يقال بلفظ واحد للواحد والجميع، وهي من أسماء الأفعال، وفتحت الياء من حَيَّ لسكونها وسكون الياء التي قبلها، كما قالوا ليت. وفيها لغات؛ يقال: حيّ، وحَيَّهَلًا، وحَيَّهَلا غير مُنَوَّن، وحَيَّهَل ساكنة اللام، ومنه قول عبد الله بن مسعود: إذا ذُكر الصالحون فحيَّهَلا

стр. 622

عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيهِ بِهَا عَشرًا، واسألوا اللهَ لِي الوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنزِلَةٌ فِي الجَنَّةِ لا تَنبَغِي إِلا لِعَبدٍ مِن عِبَادِ اللهِ وَأَرجُو أَن أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَن سَأَلَ لِي الوَسِيلَةَ حَلَّت عَلَيهُ الشَّفَاعَةُ. رواه مسلم (٣٨٤)، وأبو داود (٥٢٣)، والترمذي (٣٦١٩)، والنسائي (٢/ ٢٥). ــ بعمرَ (١)؛ أي: فأقبلوا على ذكر عمر، وقد تقدم ذكر الفلاح. وقيل: قياس المطرز الحيصلة على الحيعلة غير صحيح، بل الحيعلة تطلق على حي على الفلاح وعلى حي على الصلاة؛ وإنما هي من قوله حي على كذا فقط، ولو كان على قياسه في الحيعلة لكان الذي يقال في حي على الفلاح الحيفلة، وهذا لم يقل، والباب مسموع. وقوله واسألوا الله لي الوسيلة قد فسرها في هذا الحديث بأنها منزلة في الجنة، قال أهل اللغة: الوسيلة المنزلة، وهي مشتقة من توسّل الرجل إذا تقرّب. وقوله وأرجو أن أكون أنا هو، قال هذا ﷺ قبل أن يُبان (٢) له أنه صاحبها، إذ قد أخبر أنه يقوم مقامًا لا يقومه أحد غيره ويحمد الله بمحامد لم يُلهمها أحد غيره، ولكن مع ذلك فلا بد من الدعاء فيها؛ فإن الله تعالى يزيده بكثرة دعاء أمته رفعة كما زاده بصلاتهم، ثم إنه يرجع ذلك عليهم بنيل الأجور ووجوب شفاعته ﷺ . وقوله حلَّت وجبت، يقال حَلَّ يَحِلُّ وجب، وحَلَّ يُحِلّ نزل، وكأنها لازمة ولم تنفصل عنه، ولذلك عدّاه بـ عَلَى.

стр. 623

[٣٠٢]- وَعَن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ: أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ - قَالَ: أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ - قَالَ: لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الفَلاحِ - قَالَ: لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللهِ، ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ - قَالَ: اللهُ أَكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ - قَالَ: لا إِلهَ إِلا اللهُ؛ مِن قَلبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ. رواه مسلم (٣٨٥)، وأبو داود (٥٢٧). [٣٠٣]- وَعَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَن قَالَ حِينَ يَسمَعُ المُؤَذِّنَ أَشهَدُ أَن لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَبِالإِسلامِ دِينًا - غُفِرَ لَهُ ذَنبُهُ. رواه مسلم (٣٨٦)، وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠)، والنسائي (٢/ ٢٦). * * * ــ تنبيه: واعلم أن الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة؛ وذلك أنه ﵊ بدأ بالأكبريَّة وهي تتضمن وجود الله تعالى ووجوبه وكماله، ثم ثنّى بالتوحيد، ثم ثلّث برسالة رسوله، ثم ناداهم لِمَا أراد من طاعته، ثم ضمّن ذلك بالفلاح وهو البقاء الدائم، فأشعر بأن ثمَّ جزاء، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا. * * *

стр. 624

(٤) باب فضل الأذان وما يُصيب الشيطان عنده [٣٠٤]- عَن مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: المُؤَذِّنُونَ أَطوَلُ النَّاسِ أَعنَاقًا يَومَ القِيَامَةِ. رواه مسلم (٣٨٧). ــ (٤) ومن باب: فضل الأذان قوله المؤذنون أطول الناس أعناقًا اختلف في تأويله؛ فقيل: معناه أطول الناس تَشَوُّفًا إلى رحمة الله تعالى وثوابه؛ لأن المتشوِّف يطيل عنقه لما يتشوَّف إليه. وقال النضر بن شُمَيل: إذا ألجم الناس العرق طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك الكرب. وقيل: معناه أنهم رؤساء، والعرب تصف السادة بطول الأعناق، قال الشاعر (١): . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وطول أَنصِيَةِ الأعناق واللُّمَمِ (٢) وقيل: أكثر أتباعًا. وقال ابن الأعرابي: أكثر أعمالا. وفي الحديث: يخرج من النار عنق (٣). ويقال: لفلان عُنُق من الخير - أي: قطعة منه. والعَنَقُ - بفتح العين والنون - ضَربٌ من السِّير، ومنه: لا يزال الرجل مُعنقًا (٤) ما لم يصب دمًا حرامًا (٥).

стр. 625

[٣٠٥]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ أَدبَرَ الشَّيطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لا يَسمَعَ التَّأذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأذِينُ أَقبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ أَدبَرَ، ــ وقد احتجّ بهذا الحديث من رأى أن فضيلة الأذان أكثر من فضيلة الإمامة، واعتذر عن كون النبي ﷺ لم يؤذِّن لما يشتمل عليه الأذان من الشهادة بالرسالة، وقيل: إنما ترك الأذان لما فيه من الحيعلة، وهي أمر، فكان لا يسع أحدًا ممن سمعه التأخر وإن كان له حاجة وضرورة. وقيل: لأنه كان النبي ﷺ في شغل عنه بأمور المسلمين، وهذا هو الصحيح، وقد صرَّح بذلك عمر فقال: لولا الخِلِّيفَى - أي الخلافة - لأذَّنت (١). وقوله في الأم (٢) أدبر الشيطان له حُصاص (٣) هو الضُّراط، كما فسره في هذه الرواية. وقيل: إنه شدةُ العدو - قالهما أبو عبيد. وقال عاصم بن أبي النَّجود: إذا ضرب بأذنيه ومصع بذنبه وعدا فذلك الحُصاص، وهذا يصح حمله على ظاهره؛ إذ هو جسم مُغتَذٍ يصح منه خروج الريح. وقيل: إنه عبارة عن شدة الغيظ والنّفار، وذلك لما يسمع من ظهور الإسلام ودخولهم فيه وامتثالهم أوامره، كما يعتريه يوم عرفة لما رأى من اجتماع الناس على البر والتقوى ولما يتنزل عليهم من الرحمة. وقوله حتى إذا ثُوِّب بالصلاة أدبر؛ أي أقيمت، وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان، أو لأن الإقامة يُرجع إليها ويكرر على ما تقدم، وأصله من ثاب إلى الشيء إذا رجع، ومنه قيل لقول المؤذن الصلاة خير من النوم تثويب. وقال

стр. 626

حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثوِيبُ أَقبَلَ حَتَّى يَخطُرَ بَينَ المَرءِ وَنَفسِهِ؛ يَقُولُ لَهُ: اذكُر كَذَا، وَاذكُر كَذَا! لِمَا لَم يَكُن يَذكُرُ مِن قَبلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إن يَدرِي كَم صَلَّى. ــ الخطابي: التثويب الإعلام بالشيء ووقوعه، وأصله أن الرجل إذا جاء فزِعًا لوّح بثوبه. وقوله حتى يخطر بين المرء ونفسه، قال الباجي: يمرّ فيحول بين المرء وما يريد من نفسه من إقباله على صلاته وإخلاصه، وهو على رواية أكثرهم بضم الطاء، وعن أبي بحر يخطِر بكسرها؛ من قولهم خطر البعير بذنبه إذا حرّكه، فكأنه يريد حركته بوسوسة النفس وشغل السِّرّ. وقوله حتى يظل الرجل ما يدري كم صلى، هذه الرواية التي أثبتناها هي الواضحة، وهي يَظَلّ بالظاء المُشَالَة؛ بمعنى يصير، كما قال: ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا، وقيل: معناه يبقى ويدوم، وأنشدوا عليه: . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ظَلِلتُ ردائي فوق رأسي قاعدًا وحكى الدَّاوُدي أنه رُوي يضل بالضاد؛ بمعنى ينسى ويذهب، قال الله : ﴿أَن تَضِلَّ إِحدَاهُمَا﴾ وقوله إن يدري كم صلى بالكسر؛ بمعنى ما يدري، ويُروى أن يدري بفتحها، وهي رواية أبي عمر بن عبد البر، وقال: هي رواية أكثرهم. قال: ومعناها لا يدري. وكذا ضبطها الأصيلي في كتاب البخاري أن بالفتح، وليست هذه الرواية بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون أن مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول ضل أن بإسقاط حرف الجر؛ أي: يضل عن درايته وينسى عدد ركعاته، وهذا أيضًا فيه بُعد.

стр. 627

رواه أحمد (٢/ ٣١٣ و ٤٦٠)، والبخاري (١٢٣١)، ومسلم (٣٨٩) (١٩)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائي (٢/ ٢١ - ٢٢). * * * (٥) باب رفع اليدين في الصلاة، ومتى يرفعهما؟ وإلى أين ؟ [٣٠٦]- عَن ابنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ لِلصَّلاةِ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى تكُونَا حَذوَ مَنكِبَيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَإِذَا أَرَادَ أَن يَركَعَ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، فَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ، وَلا يَفعَلُهُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ مِنَ السُّجُودِ. رواه أحمد (٢/ ١٣٤)، والبخاري (٧٣٦)، ومسلم (٣٩٠) (٢٢)، وأبو داود (٧٢١ - ٧٤٣)، والترمذي (٢٥٥)، والنسائي (٢/ ١٢١ - ١٢٢). ــ (٥) ومن باب: رفع اليدين في الصلاة قوله كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه، زعم بعض من لقيناه من الفقهاء أن كان مهما أطلقت عن رسول الله ﷺ يلزمها الدوام والكثرة، قال: بحكم عرفهم، والشأن في نقل هذا العرف، وإلا فأصلها أن تصدُقَ على من فعل الشيء مرة واحدة، ونحن على الأصل حتى يُنقل عنه. واختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة؛ هل يرفعهما أو لا يرفعهما في شيء من الصلاة؟ أو يرفعهما مرة واحدة عند الافتتاح؟ ثلاثة أقوال عند مالك،

стр. 628

[٣٠٧]- وَعَن مَالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنَيهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ - فَعَلَ مِثلَ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيهِ. ــ مشهور مذهبه الثالث، وهو مذهب الكوفيين على حديث عبد الله بن مسعود (١) والبراء (٢) أنه ﵊ كان يرفع يديه عند الإحرام مرة ثم لا يزيد عليها، وفي أخرى: لا يعود - خرّجهما أبو داود ولا يصح شيء منهما، ذكر علتهما أبو محمد عبد الحق. والأول هو أحد أقواله وأصحها والمعروف من عمل الصحابة ومذهب كافة العلماء إلا مَن ذُكر، وهو أنه يرفعهما عند الافتتاح وعند الركوع والرفع منه وإذا قام من اثنتين، وهو الذي يشهد له الصحيح من الأحاديث. والثاني أضعف الأقوال وأشذّها، وهو ألا يرفع، ذكره ابن شعبان وابن خُوازمَنداد (٣) وابن القصار. تنبيه: هذا الرفع من هيئات الصلاة وفضائلها في تلك المواضع، وذهب داود إلى وجوبه عند تكبيرة الإحرام، وقال بعضهم: إنه واجب كله. وقوله حتى يحاذي بهما أذنيه، وفي أخرى منكبيه، وفي أخرى فروع أذنيه، وفي غير كتاب مسلم فوق أذنيه مدًّا مع رأسه، وفي أخرى

стр. 629

رواه أحمد (٥/ ٥٣)، والبخاري (٧٣٧)، ومسلم (٣٩١) (٢٥ و ٢٦)، وأبو داود (٧٤٥)، والنسائي (٢/ ١٨٢). [٣٠٨]- وَعَن وَائِلِ بنِ حُجرٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ يَدَيهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاةِ؛ كَبَّرَ - وَصف همام حِيَالَ أُذُنَيهِ - ثُمَّ التَحَفَ بِثَوبِهِ، ــ إلى صدره. وبحسب اختلاف هذه الروايات اختلف العلماء في المختار من ذلك؛ فذهب عامة أئمة الفتوى إلى اختيار رفعهما حذو منكبيه، وهو أصح قولي مالك وأشهرهما، والرواية عنه: إلى صدره. وذهب ابن حبيب إلى رفعهما حذو أذنيه، وقد جمع بعض المشايخ بين هذه الأحاديث وبين الروايتين عن مالك، فقال: يكون رسغاه مقابلةً أعلى صدره، وكفّاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعه حذو أذنيه. وتبقى رواية فوق رأسه لا تدخل في هذا الجمع. وقال بعضهم: هو على التوسعة - وهو الصحيح. وقد ذهب الطحاوي إلى أن اختلاف الأحاديث لاختلاف الأحوال. واختلف أصحابنا في صفة رفعهما؛ فقيل: قائمتين كما جاء يمدهما مدًّا، وهو مذهب العراقيين من أصحابنا. وقيل: منتصبتين؛ بطونهما إلى الأرض وظهورهما مما يلي السماء. وذهب بعضهم إلى نصبهما قائمتين، لكن تكون أطراف الأصابع منحنية قليلا. وما حكمة ذلك؟ اختلف فيه؛ فقيل فيه أقوال أنسبها مطابقة قوله الله أكبر لفعله، ثم اختلف في وقت رفعهما؛ فجاء في بعض الروايات كان إذا كبر رفع يديه، وفي بعضها إذا افتتح الصلاة، وإذا قام إلى الصلاة، وهذا يشعر باستصحابها ومقارنتها. وقوله في حديث وائل بن حجر وضعهما حيال أذنيه، حيال وحذاء وإزاء بمعنى واحد. وقوله ثم التحف بثوبه يدّل على أن العمل اليسير في الصلاة

стр. 630

ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ اليُمنَى عَلَى اليُسرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَركَعَ أَخرَجَ يَدَيهِ مِنَ الثَّوبِ ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ رَفَعَ يَدَيهِ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَينَ كَفَّيهِ. رواه أحمد (٤/ ٣١٦)، ومسلم (٤٠١)، وأبو داود (٧٢٣ - ٧٣٧)، والنسائي (٢/ ١٩٤). * * * ــ لا يفسدها خلافًا لما حكى العبدي (١) من متأخري أئمة العراقيين أن العمل فيها عمدًا مفسد للصلاة؛ قال: ويستوي في ذلك قليله وكثيره. والالتحاف: الاشتمال والتلفف - كله بمعنى واحد. وقوله ثم وضع يده اليمنى على اليسرى اختُلف فيه على ثلاثة أقوال؛ فروى مُطَرِّف وابن الماجشون عن مالك أنه قال: يَقبِضُ باليمنى على المعصم والكوع من يده اليسرى تحت صدره تمسكًا بهذا الحديث، وروى ابن القاسم أنه يسدلهما وكره له ما تقدم، ورأى أنه من الاعتماد على اليد في الصلاة المنهي عنه في كتاب أبي داود (٢)، وروى أشهب التخيير فيهما والإباحة. وقوله أخرج يديه من الثوب يدل على أنه يخرجهما ويرفعهما، كما صار إليه مالك. وقوله وسجد بين كفيه إنما فعل ذلك ليتمكن من التجنيح الذي كان يفعله في سجوده، كما روي عنه أنه كان يجنِّح حتى يُرى بياض إبطيه (٣).

стр. 631

(٦) باب التكبير في الصلاة [٣٠٩]- عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَركَعُ، ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللهُ لِمَن حَمِدَهُ حِينَ يَرفَعُ صُلبَهُ مِنَ الرَّكوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ ــ (٦) ومن باب: التكبير في الصلاة قوله يكبر حجة في وجوب التكبير للإحرام وتعيينه، وقد قال ﵊ للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فكبر (١). واختلف في حكم التحريم؛ فعامة أهل العلم على وجوبه إلا ما روي عن الزهري وابن المسيب والحسن والحكم والأوزاعي وقتادة أنه سنة وأنه يجزئ الدخول في الصلاة بالنية، وعامة أهل العلم على أنه لا يجزئ إلا بلفظ التكبير، إلا أبا حنيفة وأصحابه فإنهم يجيزون الدخول بكل لفظ فيه تعظيم لله، وأجاز الشافعي: الله الأكبر، وأجاز أبو يوسف: الله الكبير، ومالك لا يجيز إلا اللفظ المعيّن: الله أكبر - المعهود في عرف اللغة والشرع لا سواه. والأولى ما صار إليه مالك ﵀ لما صحّ عن النبي ﷺ من حديث علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم (٢). والألف واللام في التكبير والتسليم حوالة على معهود تكبيره ﷺ وتسليمه، ولم يرو عنه قط أنه قال في التكبير ولا في التسليم غير لفظين معينين وهما: الله أكبر، والسلام عليكم.

стр. 632

حِينَ يَهوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرفَعُ رَأسَهُ، ثُمَّ يَفعَلُ مِثلَ ذَلِكَ فِي الصَّلاةِ كُلِّهَا. وَعَنهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلي لَهم فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمَّا انصَرَفَ قَالَ: وَاللهِ إِنِّي لأَشبَهُكُم صَلاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . ــ وقوله يكبر كلما خفض ورفع وأن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك؛ هذا هو الأمر الثابت من فعله والذي استقرّ عليه عمل المسلمين، وقد كان بعض السلف يرى أنه لا تكبير في الصلاة غير تكبيرة الإحرام. وقال بعضهم: ليس بسنة إلا للجماعة؛ ليُشعر الإمام بحركاته مَن وراءه. ومذهب أحمد بن حنبل: وجوب جميع التكبير في الصلاة، وعامة العلماء على أنه سنة بدليل قوله للذي علمه الصلاة: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبر (١) - ولم يذكر له إلا فرائض الصلاة. وفي قوله كلما خفض ورفع ما يدل على مقارنة التكبير للفعل، وعليه يدل قوله سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، وقوله ثم يكبر حين يهوي ساجدًا وهو قول أهل العلم، واستثنى مالك من ذلك التكبير بعد القيام من اثنتين فلا يكبر حتى يستوي قائمًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، قال مالك: وإن كبر هنا في نهوضه فهو في سعة. وقوله يَهوِي هو بفتح الياء وكسر الواو، وماضيه هَوَى بفتح الواو، ومعناه: يسقط إلى الأرض ساجدًا. وأما أَهوَى الرباعي فمضارعه يُهوِي بضم الياء وكسر الواو فمعناه: أقبل على الشيء ليأخذه بيده، يقال أهويت للشيء إذا أردت أخذه بيدك. وأما هَوِي بفتح الهاء وكسر الواو فمعناه أحَبّ، ومضارعه يَهوَى بفتح الياء والواو، وذكره الجوهري في الصحاح.

стр. 633

رواه أحمد (٢/ ٤٥٤ و ٤٧٠)، والبخاري (٧٨٩)، ومسلم (٣٩٢) (٢٧ و ٢٨)، وأبو داود (٨٣٦)، والنسائي (٢/ ٢٣٢). * * * (٧) باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها [٣١٠]- عَن عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: لا صَلاةَ لِمَن لَم يَقرَأ بِأُمِّ القُرآنِ. ــ (٧) ومن باب: القراءة في الصلاة قوله لا صلاة ظاهره نفي الإجزاء في كل صلاة لا يُقرأ فيها بأم القرآن، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور، ورأى أبو حنيفة أنها لا تتعين وأن غيرها من آي القرآن وسُوَرِهِ يجزئ، فيتعين عليه حمل لا صلاة على نفي الكمال أو على الإجمال بينهما، كما صار القاضي إليه. ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأن نفي الإجزاء هو السابق للفهم، كما تقول العرب: لا رجل في الدار - فإنه يقتضي هذا نفي أصل الجنس الكامل والناقص، ولا يصار لنفي الوصف إلا بدليل من خارج. واختلف العلماء في القراءة في الصلاة؛ فذهب جمهورهم إلى وجوب قراءة أم القرآن للإمام والفذِّ في كل ركعة، وهو مشهور قول مالك، وعنه أيضًا أنها واجبة في جُلّ الصلاة، وهو قول إسحاق، وعنه أنها تجب في ركعة واحدة، وقاله المغيرة والحسن. وعنه أن القراءة لا تجب في شيء من الصلاة، وهو أشذ الروايات، وحُكي عنه أنها تجب في نصف الصلاة، وإليه ذهب الأوزاعي،

стр. 634

زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَصَاعِدًا. رواه البخاري (٧٥٦)، ومسلم (٣٩٤) (٣٦)، وأبو داود (٨٢٣)، والترمذي (٢٤٧)، والنسائي (٢/ ١٣٧ - ١٣٨). [٣١١]- وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَن صَلَّى صَلاةً لَم يَقرَأ فِيهَا بِأُمِّ القُرآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا، غَيرُ تَمَامٍ. فَقِيلَ لأَبِي هُرَيرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ! فَقَالَ: اقرَأ بِهَا فِي نَفسِكَ، فَإِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ــ وذهب الأوزاعي أيضا وأبو أيوب وغيرهما إلى أنها تجب على الإمام والفذّ والمأموم على كل حال، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله تعالى. وقوله فصاعدًا معناه: فزائدًا، ويلزم من ظاهر هذا اللفظ أن تكون الزيادة على أم القرآن - التي هي السورة - واجبة، ولا قائل أعلمه يقول بوجوب قراءة السورة زيادة على أم القرآن، وإنما الخلاف في وجوب أم القرآن خاصة. وقد أجمعوا على أن لا صلاة إلا بقراءةٍ في الركعتين الأوليَين، إلا ما قاله الشافعي فيمن نسي القراءة في الصلاة كلها أنها تجزئه لعذر النسيان، وهذا شاذ، وقد رجع عنه، وإلا ما شذ من قول مالك. وقوله من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، قال الهروي: الخداج النقصان؛ يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق. وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة. فقوله خداج أي: ذات خداج، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه، وهذا مذهب الخليل في الخداج وأبي حاتم والأصمعي، وأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق. وسميت الفاتحة أم الكتاب لأنها أصله؛ أي: هي محيطة بجميع علومه،

стр. 635

يَقُولُ: قَالَ اللهُ : قَسَمتُ الصَّلاةَ بَينِي وَبَينَ عَبدِي نِصفَينِ، وَلِعَبدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ العَبدُ ﴿الحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ تعالى: حَمِدَنِي عَبدِي. وَإِذَا قَالَ ﴿الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ تعالى: ــ فهي منها وراجعة إليها، ومنها سميت الأم أُمًّا؛ لأنها أصل النَّسل، والأرض أُمًّا في قوله: فالأرض معقلنا وكانت أُمَّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد ومنه: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ و: ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ﴾ ولا معنى لكراهية من كره تسميتها بأم القرآن مع وجود ذلك في الحديث. وقوله قسمت الصلاة يعني أم القرآن، سماها صلاة؛ لأن الصلاة لا تتم - أو لا تصح - إلا بها، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك، وهذا التقسيم حجة على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة خلافًا للشافعي، وسيأتي قوله. وقوله تعالى حمدني عبدي؛ أي: أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي. ومجّدني شرّفني؛ أي: اعتقد شرفي ونطق به، والمجد: نهاية الشرف، وهو الكثيرُ صفاتِ الكمالِ، والمجد: الكثرة، ومنه قوله: في كل شجر نار واستَمجَدَ المَرخُ والعَفَار (١)
следующие страницы →